النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ کتاب السير أما إذا كان الغزاة قادرين على عمل هؤلاء وإخراجهم إلى دار الإسلام. وأما إن لم يقدروا عليه، فإن قدروا على ذلك فإن كان المتروك ممن يولد له ولد، لا يجوز تركهم في دار الحرب، لأن في تركهم في دار الحرب عَوْناً لهم على المسلمين باللقاح، وإن كان ممن لا يولد له ولد؛ كالشيخ الفاني الذي لا قتال عنده، ولا لقاح، فإن كان ذا رأي ومشورة، فلا يباح تركه في دار الحرب، لما فيه من المضرة بالمسلمين، لأنهم يستعينون على المسلمين برأيه، وإن لم يكن له رأي، فإن شاءوا تركوه فإنه لا مضرة عليهم في تركه، وإن شاءوا أخرجوه لفائدة المفاداة على قول من يرى مفاداة الأسير بالأسیر. وعلى قول من لا يرى لا يخرجونهم، لما أنه لا فائدة في إخراجهم، وكذلك العجوز التي لا يرجى ولدها، وكذلك الرهبان وأصحاب الصوامع إذا كانوا حضوراً لا يلحقون، وإن لم يقدر المسلمون على حمل هؤلاء، ونقلهم إلى دار الإسلام لا يحل قتلهم ويتركون في دار الحرب؛ لأن الشرع نهى عن قتلهم، ولا قدرة على نقلهم، فيتركون ضرورة . وأما الحيوان والسلاح إذا لم يقدروا على الإخراج إلى دار الإسلام، أما الحيوان فيذبح، ثم يحرق بالنار؛ لئلا يمكنهم الانتفاع به، وأما السلاح: فما يمكن إحراقه بالنار يحرق، وما لا يحتمل الإحراق؛ كالحديد ونحوه، فيدفن بالتراب، لئلا يجدوه/ والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ١ فصل في بیان ما یکره حمله إلى دار الحرب وأما بيان ما يكره حمله إلى دار الحرب، وما لا يكره: فنقول: ليس للتاجر أن يحمل إلى دار الحرب ما يستعين به أهل الحرب على الحرب من الأسلحة والخيل والرقيق من أهل الذمة، وكل ما يستعان به في الحرب؛ لأن فيه إمدادهم وإعانتهم على حرب المسلمين. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَعاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فلا يمكن من الحمل، وكذا الحربي إذا دخل دار الإسلام لا يمكن من أن يشتري السلاح. ولو اشترى لا يمكن من أن يدخله دار الحرب لما قلنا إلا إذا كان داخل دار الإسلام بسلاح، فاستبدله، فينظر في ذلك إن كان الذي استبدله خلاف جنس سلاحه؛ بأن استبدل القوس بالسيف، ونحو ذلك لا يمكن من ذلك أَضْلاً. وإن كان من جنس سلاحه، فإن كان مثله أو أردأ منه يمكن منه، وإن كان أجود منه لا بدائع الصنائع ج٩ - م٢٦ ٤٠٢ کتاب السير يمكن منه لما قلنا، ولا بأس بحمل الثياب والمتاع والطعام، ونحو ذلك إليهم لانعدام معنى الإمداد والإعانة، وعلى ذلك جَرَتِ العادة من تجار الأمصار أنهم يدخلون دار الحرب للتجارة من غير ظهور الرد والإنكار عليهم إلا أن الترك أفضل؛ لأنهم يستخفون بالمسلمين، ويدعونهم إلى ما هم عليه، فكان الكف والإمساك عن الدخول من باب صيانة النفس عن الهوان والدين عن الزوال، فكان أولى. وأما المسافرة بالقرآن العظيم إلى دار الحرب: فينظر في ذلك إن كان العسكر عظيماً مأموناً عليه لا بأس بذلك؛ لأنهم يحتاجون إلى قراءة القرآن، وإذا كان العسكر عظيماً يقع الأمن عن الوقوع في أيد الكفرة والاستخفاف به، وإن لم يكن مأموناً عليه؛ كالسرية يكره المسافرة به؛ لما فيه من خوف الوقوع في أيديهم والاستخفاف به، فكان الدخول به في دار الحرب تعريضاً للاستخفاف بالمصحف الكريم وما روي عن النبي ◌َّ أنه نهى أن يسافر بالقرآن العظيم إلى أرض العدو (١) محمول على المسافرة في هذه الحالة، وكذلك حكم إخراج النساء مع أنفسهم إلى دار الحرب على هذا التفصيل إن كان ذلك في جيش عظيم مأمون عليه غير (١) أخرجه مالك (٤٤٦/٢) كتاب ((الجهاد))، باب: ((النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو))، حديث (٧). عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه -... فذكره. ومن طريق مالك أخرجه أحمد (٧/٢، ٦٣). والبخاري (٢٣٨/٦) كتاب ((الجهاد والسير))، باب: ((السفر بالمصاحف إلى أرض العدو))، حديث (٢٩٩٠). ومسلم (١٧/٧) كتاب ((الإمارة))، باب: ((النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم»، حديث (١٨٦٩/٩٢). وأبو داود (٣٦/٣) كتاب ((الجهاد))، باب: ((في المصحف يسافر به إلى أرض العدو))، حديث (٢٦١٠). وابن ماجه (٩٦١/٢) كتاب ((الجهاد))، باب: ((النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو))، حديث (٢٨٧٩) وابن الجارود (١٠٦٤). وابن حبان (١٥/١١) كتاب ((السير»، باب: ((الخروج وكيفية الجهاد))، حديث (٤٧١٥). والبغوي (٥٨/٣) كتاب ((فضائل القرآن))، باب: ((لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو)). زاد بعضهم ((مخافة أن يناله العدو)). وهذه الزيادة عند أحمد وابن ماجه والبغوي وابن حبان وابن الجارود بنحو هذا اللفظ، وإسنادها صحيح وجعلها أبو داود من كلام مالك. وأخرجه أحمد (٦/٢، ١٠). ومسلم (١٨/٧ - نووي) كتاب ((الإمارة))، باب: ((النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم))، حديث (١٨٦٩/٩٤) وعبد الرزاق (٢١٢/٥) كتاب ((الجهاد))، باب: ((حمل السلاح والقرآن إلى أرض العدو)»، حديث (٩٤١٠). كلهم من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر ... فذكره، وفيه الزيادة المذكورة. وأخرجه مسلم (١٨٦٩/٩٣) والنسائي (٢٣/٥، ٢٤٣) كتاب فضائل القرآن، كتاب السير، باب: ((السفر = ٤٠٣ کتاب السير مكروه؛ لأنهم يحتاجون إلى الطبخ والغسل، ونحو ذلك، وإن كانت سرية لا يؤمن عليها يكره إخراجهن؛ لما قلنا والله تعالى أعلم. ب فصل / في بيان الأسباب المحرمة للقتال وأما بيان ما يعترض من الأسباب المحرمة للقتال، فنقول - ولا قوة إلا بالله العلي العظيم -: الأسباب المعترضة المحرمة للقتال أنواع ثلاثة: الإيمان والأمان والالتجاء إلى الحرم. أما الإيمان: فالكلام فيه في موضعين : أحدهما: في بيان ما يحكم به بكون الشخص مؤمناً. والثاني: في بیان حكم الإيمان. أما الأول فنقول: الطرق التي يحكم بها بكون الشخص مؤمناً ثلاثة: نص ودلالة وتبعية. أما النص: فهو أن يأتي بالشهادة، أو بالشهادتين، أو يأتي بهما مع التبري مما هو عليه صريحاً، وبيان هذه الجملة أن الكفرة أصناف أربعة: صنف منهم ينكرون الصانع أصلاً، وهم الدهرية (١) المعطلة، وصنف منهم يقرون بالصانع، وينكرون توحيده، وهم الوثنية والمجوس، وصنف منهم يقرون بالصانع وتوحيده، وينكرون الرسالة رأساً، وهم قوم من الفلاسفة، = بالقرآن إلى أرض العدو»، حديث (٨٠٦٠، ٨٧٨٩) وابن ماجه (٩٦١/٢) كتاب ((الجهاد)»، باب: ((النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو)) حديث (٢٨٨٠). كلهم من طريق الليث عن نافع ... وفيه الزيادة. وأخرجه البغوي (٥٨/٣) كتاب ((فضائل القرآن))، باب: ((لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو))، حديث (١٢٢٦) فيه الزيادة من طريق موسى بن عقبة عن نافع ... فذكره وفيه الزيادة أيضاً. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٢٢) من طريق سليمان الطويل عن نافع ... فذكره وفيه الزيادة. (١) (الدهرية) فرقة من الكفار ذهبوا إلى قدم الدهر واستناد الحوادث إلى الدهر كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله ﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا﴾ وما يهلكنا إلا الدهر وذهبوا إلى ترك العبادات رأساً لأنها لا تفيد، وإنما الدهر بما يقتضيه مجبول من حيث الفطرة على ما هو الواقع فيه، فما ثم إلا أرحام تدفع، وأرض تبلغ، وسماء تقلع، وسحاب تقشع، وهواء تقمع، ويسمون بالملاحدة أيضاً، فهم عبدوا الله من حيث الهواية . وفي كليات أبي البقاء الدهر هو في الأصل اسم المدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، ومدة الحياة، وهو في الحقيقة لا وجود له في الخارج عند المتكلمين، لأنه عندهم عبارة عن مقارنة حادث لحادث، والمقارنة أصل اعتباري عدمي ولذا ينبغي في التحقيق أن لا يكون عند من حدّه من الحكماء بمقدار حركة الفلك، وأمَّا عند من عرّفه منهم بأنه حركة الفلك فإنه وإن كان وجودياً إلا أنه لا يصلح للتأثير. = ٤٠٤ کتاب السير وصنف منهم يقرون بالصانع، وتوحيده والرسالة في الجملة، لكنهم ينكرون رسالة نبينا محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام - وهم اليهود والنصارى. فإن كان من الصنف الأول والثاني، فقال: لا إله إلا الله يحكم بإسلامه، لأن هؤلاء يمتنعون عن الشهادة أصلاً، فإذا أقروا بها كان ذلك دليل إيمانهم، وكذلك إذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله، لأنهم يمتنعون من كل واحدة من كلمتي الشهادة، فكان الإتيان بواحدة منهما أيتهما كانت دلالة الإيمان، وإن كان من الصنف الثالث فقال: لا إله إلا الله لا يحكم بإسلامه؛ لأن منكر الرسالة لا يمتنع عن هذه المقالة، ولو قال: أشهد أن محمداً رسول الله يحكم بإسلامه؛ لأنه يمتنع عن هذه الشهادة فكان الإقرار بها دليل الإيمان. وإن كان من الصنف الرابع فأتى بالشهادتين، فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله لا يحكم بإسلامه، حتى يتبرأ من الدين الذي عليه من اليهودية أو النصرانية، لأن من هؤلاء من يقر برسالة رسول الله ◌َ و لكنه يقول: إنه بعث إلى العرب [خاصة دون غيرهم؛ فلا يكون إتيانه بالشهادتين بدون التبري دليلاً على إيمانه، وكذا إذا قال يهودي أو نصراني: أنا مؤمن أو أ مسلم، أو قال: آمنت أو أسلمت لا يحكم بإسلامه/ ؛ لأنهم يدعون أنهم مؤمنون ومسلمون والإيمان والإسلام هو الذي هم عليه. وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله - أنه قال: إذا قال اليهودي أو النصراني: أنا مسلم، أو قال: أسلمت، سئل عن ذلك أي شيء أردت به؟ إن قال أردت به ترك اليهودية أو والدهر معرّفاً الأبدُ بلا خلاف، وأما منكراً فقد قال أبو حنيفة رحمه الله لا أدري كيف هو في حكم = التقدير، لأنّ مقادير الأسماء واللغات لا تثبت إلا توقيفاً. وقد ورد في ترجمة المشكاة عن الشيخ عبد الحق الدهلوي في شرح حديث ((يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر ... )) إلى آخره لأن الدهر بمعنى الفاعل والمدبر والمتصرف لأن سبب الدهر مشعر بالاعتقاد في فاعليته وتصرفه كأن يقال إن الدهر اسم للفاعل المتصرف فقال «وأنا الدهر)) يعني أنكم تعتقدون أن الدهر هو الفاعل والمتصرف وأنا الفاعل والمتصرف أو على تقدير أن المضاف محذوف، أي «أنا مقلب المدهر)) لأن آخر الحديث يدل على هذا فهو يقول في آخره ((بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)). وقد قال الكرماني أن المقصود بقوله ((أنا الدهر)) ((أنا الدهر)) أي مقلبه. وقال البعض إن ((الدهر)) من أسماء الله الحسنى وقد أنكره الخطابي ولكن صحته تفهم من الفانوس وبصرف النظر عن هذا فإن المعنى في هذا المقام يكون غير جيد اللهم إلا إذا كان الدهر بمعنى الفاعل والمتصرف، ووجود الإيذاء في سب الدهر سببه أن ذم الدهر وسبه يشعران بنسبة التصرف إليه أو بسبب أن سب الدهر يرجع إلى الجناب الإلهي لأنه ما دام هو الفاعل الحقيقي فإن السب يعود إليه نعوذ بالله منه . ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون (٢٧٤/٢ _ ٢٧٥). ٤٠٥ کتاب السير النصرانية والدخول في دين الإسلام يحكم بإسلامه؛ حتى لو رجع عن ذلك كان مرتدًا، وإن قال: أردت بقولي: أسلمت، أني على الحق ولم أرد بذلك الرجوع عن ديني لم يحكم بإسلامه. ولو قال يهودي أو نصراني: أشهد أن لا إله إلا الله وأتبرأ عن اليهودية، أو النصرانية، لا يحكم بإسلامه؛ لأنهم لا يمتنعون عن كلمة التوحيد، والتبرىء عن اليهودية والنصرانية لا يكون دليل الدخول في دين الإسلام؛ لاحتمال أنه تبرأ عن ذلك ودخل في دين آخر سوى دين الإسلام فلا يصلح التبرىء دليل الإيمان مع الاحتمال، ولو أقر مع ذلك، فقال: دخلت في دين الإسلام، أو في دين محمد بَّر حكم بالإسلام، لزوال الاحتمال بهذه القرينة، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما بيان ما يحكم به بكونه مؤمناً من طريق الدلالة: فنحو أن يصلي كتابي، أو واحد من أهل الشرك في جماعة، ويحكم بإسلامه عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - لا يحكم بإسلامه، ولو صلى وحده لا يحكم بإسلامه. وجه قول الشافعي - رحمه الله - أن الصلاة لو صلحت دلالة الإيمان، لما افترق الحال فيها بين حال الانفراد، وبين حال الاجتماع، ولو صلى وحده لم يحكم بإسلامه، فعلى ذلك إذا صلى بجماعة. ولنا: أن الصلاة بالجماعة على هذه الهيئة التي نصليها اليوم، لم تكن في شرائع من قبلنا، فكانت مختصة بشريعة نبينا محمد - وير - فكانت دلالة على الدخول في دين الإسلام، بخلاف ما إذا صلى وحده؛ لأن الصلاة وحده غير مختصة بشريعتنا. وروي عن محمد - رحمه الله - أنه إذا صلى وحده مستقبل القبلة، يحكم بإسلامه، لأن الصلاة مستقبل القبلة دليل الإسلام؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَنْ شَهِدَ جَنَازَتَنَا وَصَلَّى إِلَى قِبْلَتِنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَاشْهَدوا لَهُ بِالإِيمَان)). وعلى هذا الخلاف إذا أذن في مسجد جماعة، يحكم بإسلامه عندنا، خلافاً للشافعي رحمه الله تعالى/ . لنا: أن الأذان من شعائر الإسلام، فكان الإتيان به دليل قبول الإسلام. وَلَوْ قَرَّأَ القُرْآنَ أَوْ تَلَقَّنَهُ لاَ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ، لاختِمَالِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَعْلَم ما فيه من غيرِ أنْ يعتقده حقيقة إذ لا كل من يعلم شيئاً يؤمن به؛ كالمعاندين من الكفرة. ولو حج هل يحكم بإسلامه قالوا: ينظر في ذلك إن تهيأ للإحرام وَلبَّ وشهد المناسك مع المسلمين، يحكم بإسلامه؛ لأن عبادة الحج على هذه الهيئة المخصوصة لم تكن في الشرائع المتقدمة، فكانت ب ٤٠٦ كتاب السير مختصة بشريعتنا، فكانت دلالة الإيمان كالصلاة بالجماعة، وإن لبى ولم يشهد المناسك، أو شهد المناسك، ولم يُلَبِّ لا يحكم بإسلامه؛ لأنه لا يصير عبادة في شريعتنا إلا بالأداء على هذه الهيئة، والأداء على هذه الهيئة لا يكون دليل الإسلام. ولو شهد شاهدان أنهما رأياه يصلى سنة، وما قالا: رأيناه يصلي في جماعة، وهو يقول: صليت صلواتي لا يحكم بإسلامه؛ لأنهم يصلون أيضاً؛ فلا تكون الصلاة المطلقة دلالة الإسلام. ولو شهد أحدهما، وقال: رأيته يصلي في المسجد الأعظم، وشهد الآخر، وقال: رأيته يصلي في مسجد كذا، وهو منكر، لا تقبل، ولكن يجبر على الإسلام، لأن الشاهدين اتفقا على وجود الصلاة منه بجماعة في المسجد، لكنهما اختلفا في المسجد، وذا يوجب اختلاف المكان لا نفس الفعل؛ وهو الصَّلاة، فقد اجتمع شاهدان على فعل واحد حقيقة، لكن تعتبر شهادتهما في الجَبْرِ على الإسلام لا في القتل؛ لأن فعل الصلاة وإن كان متحداً حقيقة، فهو مختلف صورة لاختلاف محل الفعل؛ فأورث شبهة في القتل، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما الحكم بالإسلام من طريق التبعية، فإن الصبي يحكم بإسلامه تبعاً لأبويه عقل، أو لم يعقل ما لم يسلم بنفسه إذا عقل، ويحكم بإسلامه تبعاً للدار أيضاً والجملة فيه أن الصبي يتبع أبويه في الإسلام والكفر، ولا عبرة بالدار مع وجود الأبوين أو أحدهما؛ لأنه لا بد له من دين تجري عليه أحكامه، والصبي لا يهتم لذلك إما لعدم عقله، وإما القصورة، فلا بد وأن يجعل تبعاً لغيره، وجعله تبعاً للأبوين أولى؛ لأنه تولد منهما، وإنما الدار منشأ، وعند انعدامهما في الدار التي فيها/ الصبي تنتقل التبعية إلى الدار؛ لأن الدار تستتبع الصبي في الإسلام في الجملة كاللقيط، فإذا أسلم أحد الأبوين، فالولد يتبع المسلم، لأنهما استويا في جهة التبعية، وهي التولد والتفرع، فيرجح المسلم بالإسلام، لأنه يعلو، ولا يعلى عليه. 1 ولو كان أحدهما كتابيًّا، والآخر مجوسيًّا فالولد كتابي، لأن الكتابي إلى أحكام الإسلام أقرب؛ فكان الإسلام منه أرجى. وبيان هذه الجملة إذا سبي الصبي، وأخرج إلى دار الإسلام، فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن سبي مع أبويه، وإما أن سبي مع أحدهما، وإما أن سبي وحده، فإن سبي مع أبويه، فما دام في دار الحرب فهو على دين أبويه؛ حتى لو مات لا يصلى عليه وهذا ظاهر؛ وكذا إذا سبي مع أحدهما، وكذلك إذا خرج إلى دار الإسلام، ومعه أبواه أو أحدهما لما بينا، فإن مات الأبوان بعد ذلك، فهو على دينهما حتى يسلم بنفسه، ولا تنقطع تبعية الأبوين بموتهما؛ لأن بقاء الأصل ليس بشرط لبقاء الحكم في التبع، وإن أخرج إلى دار الإسلام، وليس معه أحدهما فهو مسلم؛ لأن التبعية انتقلت إلى الدار على ما بينا. ٤٠٧ کتاب السير ولو أسلم أحد الأبوين في دار الحرب فهو مسلم تبعاً له؛ لأن الولد يتبع خير الأبوين ديناً لما بينا. وكذا إذا أسلم أحد الأبوين في دار الإسلام ثم سبي الصبي بعده وأدخل في دار الإسلام فهو مسلم تبعاً له؛ لأنه جمعهما دار واحدة؛ لأن تبعية الدار لا تعتبر مع أحد الأبوين، لما ذكرنا. فأما قبل الإدخال في دار الإسلام، فلا يكون مسلماً؛ لأنهما في دارين مختلفين، واختلاف الدار يمنع التبعية في الأحكام الشرعية، والله - سبحانه وتعالى - أعلم، ثم إنما تعتبر تبعية الأبوين والدار إذا لم يسلم بنفسه وهو يعقل الإسلام، فأما إذا أسلم وهو يعقل الإسلام، فلا تعتبر التبعية ويصح إسلامه عندنا . وعند الشافعي - رحمه الله - لا يصح واحتج بقوله - عليه الصلاة والسلام - ((رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَنِقِظَ)) . أخبر - عليه الصلاة والسلام - أن الصبي مرفوع القلم والفقه مستنبط منه، وهو أن الصبي لو صح إسلامه إما أن يصح فرضاً وإما أن يصح نفلاً، ومعلوم أن التنفل بالإسلام محال، والفرضية بخطاب الشرع والقلم عنه مرفوع، ولأن صحة الإسلام من الأحكام الضارة، فإنه سبب لحرمان الميراث والنفقة، ووقوع الفرق بين الزوجين والصبي ليس من أهل التصرفات الضارة، ولهذا لم يصح طلاقه وعتاقه، ولم يجب عليه الصوم والصلاة، فلا يصح إسلامه. ولنا: أنه آمن بالله - سبحانه وتعالى - عن غيب، فيصح إيمانه كالبالغ؛ وهذا لأن الإيمان عبارة عن التصديق لغةً وشرعاً(١)، وهو تصديق الله - سبحانه وتعالى - في جميع ما أنزل على (١) الإيمان هو في اللغة التصديق مطلقاً. وفي الشرع تصديق الرسول عليه السلام فيما علم مجيئه به ضرورة تفصيلاً فيما علم تفصيلاً وإجمالاً فيما علم إجمالاً يعني أن الإيمان هو التصديق التفصيلي للرسول فيما علم مجيء الرسول به علماً تفصيلياً والتصديق الإجمالي له فيما علم مجيئه به عاماً إجمالياً حتى إن الرجل إذا لم يعلم الأحكام الضرورية التي جاء بها النبي عليه السلام تفصيلاً يكفيه أن يعتقد بأن الرسول عليه السلام صادق فيما جاء به من عنده تعالى. ثم إذا ورد عليه الأحكام الضرورية تفصيلاً يلزمه تصديق كل واحد منها تفصيلاً ولا يكفيه حينئذ التصديق الإجمالي. وفسر شارح المقاصد ما علم بالضرورة بما اشتهر كونه من الدين بحيث يعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال كوحدة الصانع ووجوب الصلاة وحرمة الخمر ونحو ذلك. وقال أيضاً يكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالاً ويشترط التفصيل فيما يلاحظ تفصيلاً حتى لو لم يصدق بوجوب الصلاة عند السؤال عنه وبحرمة الخمر عند السؤال عنها كان كافراً. أقول يفهم منه أن الجهل بما هو من ضروريات الدين قبل أن يرد عليه ليس بكفر. ثم لههنا مسألة وهي أن التصديق المعتبر في الإيمان هل هو المعرفة وإن كانت بلا اختيار كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر أو شيء آخر غير المعرفة لم أوردها هنا لأنها مذكورة تفصيلاً في شرح العقائد وحواشيه. وكون الإيمان هو التصديق مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر والأستاذ أبي = ٤٠٨ کتاب السير رسله. أو تصديق رسله في جميع ما جاءوا به عن الله - تبارك وتعالى - وقد وجد ذلك منه لوجود دليله وهو إقرار العاقل، وخصوصاً عن طوع، فترتب عليه الأحكام؛ لأنها مبنية على وجود الإيمان حقيقة. قال الله - تعالى -: ﴿وَلاَ تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال عليه الصلاة والسلام: ((لاَ يَرِثُ المُؤْمِنُ الكَافِرَ، وَلاَ الكافِرُ المُؤمِنَ))(١). وقوله: ((إنه مرفوع القلم)) قلنا: نعم في الفروع الشرعية، فأما في الأصول العقلية فممنوع، ووجوب الإيمان من الأحكام العقلية؛ فيجب على كل عاقل والحديث يحمل على الأحكام الشرعية توفيقاً بين الدلائل، وبه نقول، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. وأما أحكام الإيمان: فنقول والله - سبحانه وتعالى - الموفق: للإيمان حكمان: أحدهما يرجع إلى الآخرة. والثاني يرجع إلى الدنيا. أما الذي يرجع إلى الآخرة فكينونة المؤمن من أهل الجنة إذا ختم عليه قال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةَ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩]. إسحاق وأكثر الأئمة من أهل السنة كذا قاله الأصفهاني. فالإقرار شرط عندهم لإجراء الأحكام في الدنيا = لما أن التصديق القلبي أمر باطن لا بد له من علامة فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن عند الله وإن لم يكن مؤمناً في أحكام الشرع ومن أقر بلسانه ولم يصدق بقلبه كالمنافق فهو كافر عند الله وإن كان مؤمناً في أحكام الدنيا وهذا هو اختيار الشيخ أبي منصور رحمه الله تعالى عليه والنصوص معاضدة لذلك قال الله تعالى ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾ وقال تعالى وقلبه مطمئن بالإيمان كذا في شرح العقائد. وقالت الكرامية الإيمان هو كلمة. وقالت طائفة هو التصديق مع الكلمتين ويروى هذا عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى كذا في شرح المواقف. والإيمان مجموع أمور ثلاثة تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان عند جمهور المحدثين والمعتزلة والخوارج ومن أخل بالاعتقاد فهو منافق ومن أخل بالإقرار فهو كافر ومن أخل بالعمل فهو فاسق وفاقاً فكما أنه فاسق فهو كافر أيضاً عند الخوارج وخارج عن الإيمان غير داخل في الكفر عند المعتزلة كذا ذكره البيضاوي. أقول هؤلاء الطوائف الثلاثة بعد اتفاقهم على أن العمل جزء من الإيمان اختلفوا فذهب الخوارق وبعض المعتزلة كالعلاف وعبد الجبار إلى أنه الطاعات كلها فرضاً أو نفلاً. وذهب أكثر معتزلة البصرة والجبائي وابنه إلى أنه الطاعات المفترضة من الأفعال والتروك دون النوافل كذا في شرح المواقف. ولم أجد التصريح بأن مراد جمهور المحدثين من العمل ما هو لكن قال المصنف في بيان خروج العمل من الإيمان بعطف الأعمال على الإيمان في مثل قوله تعالى ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾. وأما قوله عليه السلام الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق فمعناه شعب الإيمان بضع وسبعون الحديث لأن إماطة الأذى غير داخلة في الإيمان اتفاقاً انتهى. وهذا الاتفاق يشعر بأن مرادهم من العمل غير النوافل وكذا المخل بالعمل فاسق عندهم يشعر بذلك. ثم أقول هذا المخل لا يخلو عن الاضطراب فليتأمل. ينظر: نشر الطوالع (ص ٣٧٣ - ٣٧٦). (١) تقدم. ٤٠٩ كتاب السير وأما الذي يرجع إلى الدنيا فعصمة النفس والمال؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّ الله، فَإِذا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقُّهَا))، إلا أن عصمة النفس تثبت(١) مقصودة، وعصمة المال تثبت تابعة لعصمة النفس، إذ النفس أصل في التخلق(٢) والمال خلق بذله للنفس استبقاء لها. فمتى ثبتت عصمة النفس ثبتت عصمة المال تبعاً إلا إذا وجد القاطع للتبعية على ما نذكر. فعلى هذا إذا أسلم أهل بلدة من أهل دار الحرب قبل أن يظهر عليهم المسلمون حرم قتلهم، ولا سبيل لأحد على أموالهم على ما قلنا، وقد روي عن رسول الله وَلو أنه قال: ((مَنْ أَسْلَمَ عَلَىْ مَالٍ فَهُوَ لَهُ))(٣). ولو أسلم حربي في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم عمداً، أو خطأً، فلا شيء عليه إلا الكفارة، وعند أبي يوسف عليه الدية في الخطأ، وعند الشافعي - رحمه الله - عليه الدية مع الكفارة في الخطأ والقصاص في العمد، واحتجا بالعمومات/ الواردة في باب القصاص والدية من غير فصل بين مؤمن قتل في دار الإسلام، أو في دار للحرب. ولنا قوله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مَنْ قَوْمٍ عَدُوِّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] أوجب - سبحانه وتعالى - الكفارة، وجعلها كل موجب قتل المؤمن الذي هو من قوم عدو لنا؛ لأنه جعله جزاء، والجزاء ينبىء في الكفاية، فاقتضى وقوع الكفاية بها عما سواها من القصاص والدية جميعاً؛ ولأن القصاص لم يشرع إلا لحكمة الحياة قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] والحاجة إلى الأحياء عند قصد القتل لعداوة حاملة عليه، ولا يكون ذلك إلا عند المخالطة ولو لم توجد ههنا. وعلى هذا إذا أسلم ولم يهاجر إلينا، حتى ظهر المسلمون على الدار، فما كان في يده من المقتول فهو له، ولا يكون فيئاً إلا عبداً يقاتل، فإنه يكون فيئاً؛ لأن نفسه استفادت العصمة (١) في ب: ثبتت. (٢) في ب: التخليق. (٣) أخرجه أبو يعلى (٢٢٦/١٠ - ٢٢٧)، حديث (٥٨٤٧). والبيهقي (١١٣/٩) كتاب السير، باب: ((من أسلم على شيء فهو له)). كلاهما من طريق مروان بن معاوية عن معاذ بن ياسين الزيات، عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي وَّر. قال البيهقي: ياسين بن معاذ الزيات كوفي ضعيف، جرحه يحيى بن معين والبخاري وغيرهما من الحفاظ، وهذا الحديث إنما يروى عن ابن أبي مليكة عن النبي وَّر وعن عروة عن النبي ◌َّر مرسلاً قال الشافعي - رحمه الله -: وكأن معنى ذلك: من أسلم على شيء. ١ ٤١٠ کتاب السير بالإسلام، وماله الذي في يده تابع له من كل وجه فكان معصوماً تبعاً لعصمة النفس إلا عبداً يقاتل، لأنه إذا قاتل فقد خرج من يد المولى فلم يبق تبعاً له فانقطعت العصمة لانقطاع التبعية فيكون محلاً للتملك بالاستيلاء، وكذلك ما كان في يد مسلم أو ذمي وديعة له، فهو له ولا يكون فيئاً؛ لأن يد المودع يده من وجه من حيث إنه يحفظ الوديعة له، ويد نفسه من حيث الحقيقة، وكل واحد منهما معصوم فكان ما في يده معصوماً فلا يكون محلاً للتملك. وأما ما كان في يد حربي وديعة، فيكون فيئاً عند أبي حنيفة، وعندهما يكون له؛ لأن يد المودع يده فكان معصوماً. والصحيح قول أبي حنيفة رحمه الله لأنه من حيث إنه يحفظ له تكون يده فيكون تبعاً له فيكون معصوماً. ومن حيث الحقيقة لا يكون معصوماً؛ لأن نفس الحربي غير معصومة فوقع الشك في العصمة فلا تثبت العصمة مع الشك. وكذا عقاره يكون فيئاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد هو والمنقول سواء، والصحيح قولهما؛ لأنه من حيث إنه يتصرف فيه بحسب مشيئته يكون في يده فيكون تبعاً له من حيث إنه محصن محفوظ بنفسه ليس في يده، فلا يكون تبعاً له، فلا تثبت العصمة مع الشك. وأما أولاده الصغار، فأحرار مسلمون تبعاً له، وأولاده الكبار، وامرأته يكونون فيئاً؛ لأنهم في حكم أنفسهم لانعدام التبعية . وأما الولد الذي/ في البطن فهو مسلم تبعاً لأبيه ورقيق تبعاً لأمه. وفيه أشكال: وهو أن هذا إنشاء الرق على المسلم وأنه ممنوع(١). ب والجواب إن الممتنع إنشاء الرق على من هو مسلم حقيقة، لا على من له حكم الوجود والإسلام شرعاً. هذا إذا أسلم ولم يهاجر إلينا فظهر المسلمون على الدار، فلو أسلم وهاجر إلينا [ثم ظهر](٢) المسلمون على الدار. أما أمواله فما كان في يد مسلم، أو ذمي وديعة فهو له ولا يكون فيئاً لما ذكرنا، وما سوى ذلك فهو في لما ذكرنا أيضاً. وقيل: ما كان في يد حربي وديعة، فهو على الخلاف الذي ذكرنا. وأما أولاده الصغار فيحكم بإسلامهم تبعاً لأبيهم ولا يسترقون؛ لأن الإسلام يمنع إنشاء الرق إلا رقا ثبت حكماً بأن كان الولد في بطن الأم، وأولاده الكبار فيء؛ لأنهم في حكم أنفسهم، فلا يكونون مسلمين بإسلام أبيهم، وكذلك زوجته والولد الذي في البطن يكون مسلماً تبعاً لأبيه، ورقيقاً تبعاً لأمه. (١) في ب: ممتنع. (٢) في ب: فظهر. ٤١١ کتاب السير ولو دخل الحربي دار الإسلام، ثم أسلم، ثم ظهر المسلمون على الدار، فجميع ماله، وأولاده الصغار والكبار وامرأته، وما في بطنها فيء لما لم يسلم في دار الحرب حتى خرج إلينا لم تثبت العصمة لماله، لانعدام عصمة النفس، فبعد ذلك وإن صارت معصومة لكن بعد تباين الدارين، وإن يمنع ثبوت التبعية . ولو دخل مسلم أو ذمي دار الحرب، فأصاب هناك مالاً ثم ظهر المسلمون على الدار، فحكمه وحكم الذي أسلم من أهل الحرب ولم يهاجر إليها سواء؛ والله عز وجل أعلم. وأما الأمان(١) فنقول: الأمان في الأصل نوعان: أمان مؤقت. وأمان مؤبد . أما المؤقت فنوعان أيضاً: (١) لا يبيح الإسلام للحربي أن يدخل بلادنا من غير أن يكون معه أمان محترم يجعلنا نطمئن إليه، والأمان لغة صند الخوف وشرعاً عقد يعطيه الإمام أو غيره من أفراد الأمة العقلاء البالغين للحربي فرداً أو جماعة يُبَاحُ لهم بمقتضاه الدخول في دار الإسلام ومباشرة أعمالهم العلمية، أو التجارِيَّةِ على نحو ما يريدون، ويشترط فيه ألا يكون في أعمالهم مساس بسلامة الدولة الإسلامية. الدليل عليها الأمان جائز بالكتاب والسنة . أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمِعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهِ﴾ الآية. ومعناه وإن جَاءَكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ لاَّ عَهْدَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَطَلَبَ أَمَانَكَ وَجِوَارَكَ فَأَمِّنْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله وَيتدبره ويعرف حقيقة الإسلام، ثم أبلغه بعد ذلك مكاناً يأمن فيه على نفسه. ووجه الدلالة: أن الله أذن لنبيه عليه الصلاة والسلام في إعطاء الأمان لمن سأله واستجار به، والاستجارة في الآية عامّة، فتتناول الاستجارة لنشر العلوم، والتجارة، وسماع كلام الله، وغير ذلك من الأسباب التي تحمل على طلب الأمان. وأما قوله سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَع كَلاَمَ الله﴾ فهو إشارة إلى الحكمة المقصودة من إعطاء الأمان، وذلك لأنه إذا دخل بلاد المسلمين وأقام بينهم - سمع منهم كلام الله، وعرف مقاصد الدين، وكثيراً ما يكون ذلك سبباً، لإسلامه. وأما السنة: فما رواه البخاري عن علي رضي الله عنه أن النبيّ وَّر قال: ((ذِمَّةُ الْمُسْلِمِيْنَ وَاحِدةٌ يَسْعَى بِهَا أَذْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً؟ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِيْنَ)) والذمة معناها العهد والأمان والرحمة، وقوله: (يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أدنَاهُم)) أي يتحملها ويعقدها مع الكفار أقلهم وقوله: «فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً)) أي نقض عهده - ووجه الدلالة أن الحديث جعل حقّ الأمان لجميع المسلمين فمن أعطى منهم الأمان لكافر وجب على الجميع احترامه والوفاء به فيستدل به على مشروعية الأمان في كل الأحوال التي ليس فيها ضرر على المسلمين. ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة. ٤١٢ کتاب السير أحدهما الأمان المعروف وهو أن يحاصر الغزاة مدينة أو حصناً من حصون الكفرة فيستأمنهم الكفار فيؤمنوهم. والكلام فيه في مواضع: في بيان ركن الأمان. وفي بيان شرائط الركن. وفي بيان حكم الأمان وفي بیان صفته. وفي بيان ما يبطل به الأمان. فأما ركنه: فهو اللفظ الدال على الأمان، نحو قول المقاتل أمنتكم، أو أنتم آمنون، أو أعطيتكم الأمان، وما يجري هذا المجرى(١). وأما شرائط الركن فأنواع: منها أن يكون في حال يكون بالمسلمين ضعف وبالكفرة قوة، لأن القتال فرض، والأمان يتضمن تحريم القتال، فيتناقض/ إلا إذا كان في حال ضعف المسلمين وقوة الكفرة؛ لأنه إذا ذاك يكون قتالاً معنى؛ لوقوعه وسيلة إلى الاستعداد للقتال فلا يؤدي إلى التناقض. 1 ومنها العقل فلا يجوز أمان المجنون والصبي (٢) الذي لا يعقل لأن العقل شرط أهلية التصرف . (١) والأمان كسائر العقود لا بد له من صيغة يتم بها، وينفذ مدلوله بمقتضاها، وقد اتفق الفقهاء على أنه يحصل بما يفهم منه المقصود سواء كان بلفظ عربي أو غيره صريح أو كناية وبالإشارة والكتابة - مثال الصريح: أجرتك وأمنتك، وأنت مجار وأنت آمن. ومثال الكناية: أنت على ما تحب، وَكُنَّ كما شئت ولا بدّ لها من نية، والإشارة من الناطق كناية، ومن غيره إن اختص بفهمها الفَطِئُونَ فهي كناية، وإن فهمها كل أحد فمن الصريح وتكفي الإشارة في القبول، ولو من ناطق بشرط أن تكون مفهمة ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِيْنَ اسْتجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ الآية: أي: إن أحد من المشركين طلب جِوَارِكَ والطلب مطلق لم يقيد بصيغة خاصة. وما رواه البخاري عن النبي وَّر من قوله: ((ذِمَّةُ المُسْلِمِيْنَ وَاحِدَةٌ يَسْعَىَ بِهَا أَذْنَاهُمْ)) ولم يذكر للسعي كيفية خاصة فَدَلَّ على حصوله بكل مفهم، والحكمة في صحة الأمان بالإشارة أنه يكون بين المسلم والكافر، وقد لا يفهم كل منهما لغة الآخر فدعت الحاجة إلى الإشارة، وصحت مع القدرة على النطق توسعاً في حَقْنِ الدماء، ولذلك صَحَّ بغير العربية فقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ((إذًا قلتم: لا بأس، أو لا تذهل، أو مترس فقد أمنتموهم فإن الله يعلم الألسنة)). ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة. (٢) اتفق الفقهاء على أن أمان الصبي غير المميز لا يصح لأن كلامه غير معتبر فلا يثبت به حكم، أما الصبي المميز فقد اختلفوا في جواز أمانه: فقال الإمام الشافعي ومالك، وأحمد في رواية عنهما: لا يصح أمانة. وقال مالك وأحمد في رواية أخرى، ومحمد بن الحسن يصح أمانه. وفصَّل أبو حينفة، وتبعه أبو يوسف فقال: إن كان مأذوناً له في القتال جاز أمانه، وإن كان محجوراً عليه فلا . = ٤١٣ كتاب السير ومنها البلوغ وسلامة العقل من الآفة عند عامة العلماء. وعند محمد - رحمه الله - ليس بشرط، حتى إن الصبي المراهق الذي يعقل الإسلام، والبالغ(١) المختلط العقلِ، إذا أمن لا يصح عند العامة وعند محمد يصح. وجه قوله: إن أهلية الأمان مبنية على أهلية الإيمان، والصبي الذي يعقل الإسلام من أهل الإيمان، فيكون من أهل الأمان كالبالغ. ولنا أن الصبي ليس من أهل حكم الأمان، فلا يكون من أهل الأمان؛ وهذا لأن حكم الأمان حرمة القتال، وخطاب التحريم لا يتناوله، ولأن من شرط صحة الأمان أن يكون بالمسلمين ضعف وبالكفرة قوة، وهذه حالة خفية لا يوقف عليها إلا بالتأمل والنظر، ولا يوجد ذلك من الصبي؛ لاشتغاله باللهو واللعب. ومنها الإسلام، فلا يصح أمان الكافر وإن كان يقاتل مع المسلمين لأنه متهم في حق واستدل الشافعي ومن معه بأن الصبي غير مكلف ولا يلزمه بقوله حكم، لأن عبارته ملغاة في العقود = والأمان واحد منها . واستدلّ للإمامين مالك، وأحمد، ومحمد بن الحسن على الصحة بعموم حديث ((ذِمَّةُ المُسْلِمِيْنَ وَاحِدَةٌ» فإنه لم يفصل بين كون المسلم بالغاً أو صبيّا. واستدلوا أيضاً بقياسه على البالغ بجامع العقل في كل منهما. واستدل الإمام أبو حنيفة على التفصيل بأن الصبيّ إذا كان مأذوناً له صح أمانه لأنه تصرف دائر بين النفع والضرر كالبيع فيملكه المأذون له، وإن كان محجوراً عليه فلا يصح لأن الكفار لا يخافونه فلم يلاق الأمان محله. ويمكن أن يجاب عن أدلة من قال بالصحة بما يأتي: أولاً: يقال لهم في الاستدلال بعموم الحديث: أن دخول الصبي فيه ممنوع، لأن المراد من الحديث أن المسلم الذي يصح أمانه هو من كانت عبارتُه صحيحةً في العقود، أما من كانت عبارته ملغاة، فلا يشمله کسائر التكاليفِ. ثانياً: يقال لهم في قياس الصَّبي على البالغ: إنه غير صحيح؛ لأن الغالب في عقل الصبي النقص، وفي عقل البالغ الكمال، والأحكام تناط بالغالب، ولذا كلف الشارع البالغ وإن كان قليل العقل في الواقع، ولم يكلف من هو دون البلوغ وإن كان أوفر منه عَقْلاً، فلا بد من اعتبار البلوغ، لأنه ضَابِطُ العقلِ الكامل. ثالثاً: يقال لأبي حنيفة رضي الله عنه في قياسه الأمان على البيع: أنه غير صحيح أيضاً، لوجود الفرق بين البيع والأمان، بأن ضرر التصرف بالبيع يعُودُ عَلَى الفردِ، بخلاف الأمان فإن ضرره يَعُودُ على جماعةٍ المسلمين . وعلى هذا يترجَّح الرأي القائل بعدم صحَّة أمان الصبّ مطلقاً، وهو ما ذَهَبَ إليه الشافعيُّ ومَن مَعَهُ والله أعلم. ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة. (١) في ب: أو البالغ. ٤١٤ کتاب السير المسلمين فلا تؤمن خيانته، ولأنه إذا كان متهماً فلا يدري أنه بنى أمانة على مراعاة مصلحة المسلمين من التفرق عن حال القوة والضعف، أم لا؟ فيقع الشك في وجود شرط الصحة، فلا يصح مع الشك. وأما الحرية: فليست بشرط لصحة الأمان فيصح أمان العبد المأذون في القتال بالإجماع، وهل يصح أمان العبد المحجور عن القتال. اختلف فيه: قال أبو حنيفة عليه الرحمة، وأبو يوسف - رحمه الله -: لا يصح. وقال محمد رحمه الله: يصح، وهو قول الشافعي رحمه الله. وجه قوله ما روي عن رسول الله وَّ أنه قال: ((المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذْمَّتِهِمْ أَذْنَاهُمْ))(١) والذمة العهد والأمان نوع عهد والعبد المسلم أدنى المسلمين، فيتناوله الحديث، (١) أخرجه الطيالسي (٣٧/٢ - منحة) وأحمد (٢١١/٢) وأبو داود (١٨٣/٣) كتاب الجهاد: باب في السرية ترد على أهل العسكر حديث (٢٧٥١) وابن ماجه (٢/ ٨٩٥) كتاب الديات: باب المسلمون تتكافأ دماؤهم حديث (٢٦٨٥) وابن الجارود في المنتقى (٧٧١) والبيهقي (٢٩/٨) كتاب الجنايات: باب فيمن لا قصاص بينه باختلاف الدينين وابن أبي شيبة (٤٣٢/٩) والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٧٠) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله وَّلهو: المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم. وللحديث شاهد من حديث علي. أخرجه أحمد (١٢٢/١) وأبو داود (٤/ ٦٦٧) كتاب الديات باب أيُقاد المسلم بالكافر حديث (٤٥٣٠) والنسائي (١٩/٨) كتاب القيامة: باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس وأبو عبيد القاسم بن سلام في «الأموال)» (ص - ١٧٩) رقم (٤٩٥) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٩٢/٣) وفي ((مشكل الآثار)) (٩٠/٢) والدار قطني (٩٨/٣) كتاب الحدود والديات (٦١) والحاكم (١٤١/٢) والبيهقي (٢٩/٨) والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٨٨/٥ - بتحقيقنا) من طريق الحسن عن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر إلى علي فقلنا: هل عهد إليك رسول الله وَ لجر شيئاً لم يعهده للناس عامة قال: ((لا إلا ما كان في كتابي هذا فأخرج كتاباً من قراب سيفه فإذا فيه المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده ومن أحدث حدثاً فعلى نفسه ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وفي الباب عن ابن عباس ومعقل بن يسار وعائشة وعطاء بن أبي رباح مرسلاً. ۔ حدیث ابن عباس أخرجه ابن ماجه (٨٩٥/٢) كتاب الديات: باب المسلمون تتكافأ دماؤهم حديث (٢٦٨٣) من طريق حنش عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي بَّر قال: المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم ويرَد على أقصاهم. وذكره الحافظ البوصيري في الزوائد (٣٥٣/٢) وقال: هذا إسناد ضعيف لضعف حنش واسمه حسين بن قيس . = ٤١٥ کتاب السير ولأن حجر المولى يعمل في التصرفات الضارة دون النافعة، بل هو في التصرفات النافعة غير محجور؛ كقبول الهبة والصدقة ولا مضرة للمولى في أمان العبد بتعطيل منافعه عليه، لأنه يتأدى في زمان قليل بل له ولسائر المسلمين فيه منفعة فلا يظهر الحجر عنه فأشبه المأذون بالقتال . وجه قولهما/ إن الأصل في الأمان ألا يجوز لأن القتال فرض والأمان يحرم القتال إلا ب إذا وقع في حال يكون بالمسلمين ضعف، وبالكفرة قوة؛ لوقوعه وسيلة إلى الاستعداد للقتال في هذه الحالة، فيكون قتالاً معنى؛ إذ الوسيلة إلى الشيء حكمها حكم ذلك الشيء، وهذه حالة لا تعرف إلا بالتأمل، والنظر في حال المسلمين في قوتهم وضعفهم والعبد المجحور؛ لاشتغاله بخدمة المولى لا يقف عليهما فكان أمانه تركا للقتال المفروض صورة ومعنى، فلا - حديث معقل بن يسار = أخرجه ابن ماجه (٨٩٥/٢) كتاب الديات: باب المسلمون تتكافأ دماؤهم حديث (٢٦٨٤) وابن عدي في ((الكامل)) (٣٣٢/٥) من طريق عبد السلام بن أبي الجنوب عن الحسن عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله وَل ((المسلمون يد على من سواهم وتتكافأ دماؤهم)). واللفظ لابن ماجه . أما لفظ ابن عدي؛ لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده والمسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم . وقال ابن عدي: وعبد السلام بن أبي الجنوب بعض ما يرويه لا يتابع عليه منكر. وذكره الحافظ البوصيري في ((الزوائد» (٣٥٣/٢ - ٣٥٤) وقال: هذا إسناد ضعيف عبد السلام ضعفه أبن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة والبزار وابن حبان. - حديث عائشة أخرجه الدارقطني (١٣١/٣) كتاب الحدود والديات حديث (١٥٥) من طريق مالك بن محمد بن عبد الرحمن عن عمرة عن عائشة. قالت: وجدني قائم سيف رسول الله وَ لتر كتابان: ((إن أشد الناس عتواً في الأرض رجل ضرب غير ضاربة أو رجل قتل غير قاتله ورجل تولى غير أهل نعمته فمن فعل ذلك فقد كفر بالله وبرسله ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً وفي الآخر: المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملتين)). قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٩٥/٣) ومالك هذا هو ابن أبي الرجال أخو حارثة ومحمد قال أبو حاتم: هو أحسن حالاً من أخويه ا هـ. - مرسل عطاء أخرجه أبو عبيد في ((الأموال)) (ص - ٢٩٠) رقم (٨٠٣) ثنا ابن أبي زائدة عن معقل بن عبد الله الجزري عن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله وَلّر: المسلمون أخوة يتكافؤن دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم ومشدهم على مضعفهم ومتسريهم على قاعدهم. ٤١٦ کتاب السير يجوز، فبهذا فارق المأذون لأن المؤذون بالقتال يقف على هذه الحالة، فيقع أمانه وسيلة إلى القتال فكان إقامة للفرض معنى فهو الفرق. وأما الحديث فلا يتناول المحجور، لأن الأدنى إما أن يكون من الدناءة وهي الخساسة، وإما أن يكون من الدنو، وهو القرب، والأول ليس بمراد، لأن الحديث يتناول المسلمين بقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((المُسْلِمُونَ تَتَكَافأُ دِمَاؤُهُمْ وَلاَ خَسَاسَةَ مَعَ الإِسْلاَم))، والثاني: لا يتناول المحجور لأنه لا يكون في صف القتال؛ فلا يكون أقرب إلى الكفرةَ، والله سبحانه وتعالى أعلم. وكذلك الذكورة ليست بشرط فيصح أمان المرأة (١)؛ لأنها بما معها من العقل لا تعجز عن الوقوف على حال القوة والضعف، وقد روي أن سيدتنا زينب بنت النبي المكرم - عليه الصلاة والسلام - أمَّنت زوجها أبا العاص - رضي الله عنه - وأجاز رسول الله وَله أمانها. وكذلك السلامة عن العمى، والزمانة والمرض ليست بشرط، فيصح أمان الأعمى والزمن والمريض، لأن الأصل في صحة الأمان صدوره عن رأي ونظر في الأحوال الخفية من الضعف والقوة، وهذه العوارض لا تقدح فيه، ولا يجوز أمان التاجر في دار الحرب والأسير فيها والحربي(٢) الذي أسلم هناك لأن هؤلاء لا يقفون على حال الغزاة من القوة والضعف، فلا يعرفون للأمان مصلحة ولأنهم متهمون في حق الغزاة؛ لكونهم مقهورين في أيدي الكفرة. وكذلك الجماعة ليست بشرط فيصح أمان الواحد، لقوله - عليه السلام -: ((وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَذْنَاهُمْ)) ولأن الوقوف على حالة القوة والضعف لا يقف على رأي الجماعة فيصح من الواحد؛ وسواء أمن جماعة كثيرة أو قليلة، أو أهل مصر أو قرية؛ فذلك جائز. أ وأما حكم الأمان فهو ثبوت الأمن للكفرة؛ لأن/ لفظ الأمان يدل عليه، وهو قوله: أمنت فثبت الأمن لهم عن القتل والسبي والاستغنام فيحرم على المسلمين قتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم واستغنام أموالهم. وأما صفته: فهو أنه عقد غير لازم؛ حتى لو رأى الإمام المصلحة في النقض ينقض، (١) يصح أمان المرأة عند جميع الفقهاء لما روى البخاري عن أم هانىء ابنة أبي طالب قالت: ذهبت إلى رسول الله وَّير عام الفتح فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره فسلمت عليه فقال من هذه؟ فقلت أنا أم هانىء فقال: مرحباً بأم هانىء، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثمان ركعات ملتحفاً في ثوب واحد، فقلت يا رسول الله زعم ابن أمي عليَّ أنه قاتل رجلاً قد أجرته - فلان ابن هبيرة فقال رسول الله ◌َ له: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء)) وأجارت زينب أبا العاص بن الربيع فأمضاه رسول الله وَله. (٢) في ب: والأسير. ٤١٧ کتاب السير لأن جوازه مع أنه يتضمن ترك القتال المفروض [كان] للمصلحة، فإذا صارت المصلحة في النقض نقض . وأما بيان ما ينتقض به الأمان: فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين: إمَّا أن كان الأمان مطلقاً، وإما أن كان مؤقتاً إلى وقت معلوم، فإن كان مطلقاً فانتقاضه يكون بطريقين. أحدهما: نقض الإمام فإذا نقض الإمام انتقض لكن ينبغي أن يخبرهم بالنقض ثم يقاتلهم لئلا یکون منهم عذر في العهد. والثاني: أن يجيء أهل الحصن بالأمان إلى الإمام فينقض وإذا جاءوا الإمام بالأمان ينبغي أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا قال الذمة، فإن أبوا ردهم إلى مأمنهم ثم قاتلهم احترازاً عن الغدر، فإن أبوا الإسلام والجزية، وأبوا أن يلحقوا بمأمنهم، فإن الإمام يؤجلهم على ما يرى، فإن رجعوا إلى مأمنهم في الأجل المضروب وإلا صاروا ذمة لا يمكنون بعد ذلك أن يرجعوا إلى مأمنهم؛ لأن مقامهم بعد الأجل المضروب التزام الذمة دلالة، وإن كان الأمان مؤقتاً إلى قوت معلوم ينتهي بمضي الوقت من غير الحاجة إلى النقض، ولهم أن يقاتلوهم، إلا إذا دخل واحد منهم دار الإسلام فمضى الوقت، وهو فيه فهو آمن؛ حتى يرجع إلى مأمنه والله أعلم. هذا إذا حاصر الغزاة مدينة أو حصناً من حصون الكفرة فجاءوا فاستأمنوهم فأما إذا استنزلوهم عن الحكم فهذا على وجهين: إما أن استنزلوهم على حكم الله - سبحانه وتعالى -، وإما أن استنزلوهم على حكم العباد، بأن استنزلوهم على حكم رجل فإن استنزلوهم على حكم الله سبحانه وتعالى جاز إنزالهم عليه عند أبي يوسف، والخيار إلى الإمام إن شاء قبل مقاتلتهم وسبى نساءهم وذراريهم وإن شاء سبى الكل، وإن شاء جعلهم ذمة . وعند محمد لا يجوز الإنزال على حكم الله تعالى فلا يجوز قتلهم، واسترقاقهم، ولكنهم يدعون إلى الإسلام، فإن أبوا جعلوا ذمة. واحتج محمد بِما رُوِيَ عَنْ رَسُول اللهِ وَِّ أَنَّه قَالَ فِي وَصَايَا الأُمَرَاءِ عِنْدَ بَعْثِ/ الجَيْشِ: (وإِذَا حَاصَرْتُمْ مَدِينَةً أَوْ حِصْناً [فَإِنْ أَرَادُوا] أَنْ تُنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِ الله عَزَّ وجَلَّ [فلا تنزلوهم](١) فإِنَّكُمْ لاَ تَذْرُونَ مَا حُكْمُ الله تعالى فِيهمْ))(٢) نهى رسول الله وَّر عن الإنزال على حكم الله تعالى، ونبه - عليه السلام - على المعنى وهو أن حكم الله سبحانه وتعالى غير معلوم، فكان الإنزال على حكم الله - تعالى - من الإمام قضاء بالمجهول، وإنه لا يصح، وإذا لم يصح الإنزال على حكم الله سبحانه وتعالى فيدعون إلى الإسلام، فإن أجابوا فهم أحرار مسلمون لا سبيل على أنفسهم وأموالهم، وإن أبوا لا يقتلهم الإمام ولا يسترقهم ولكن يجعلهم ذمة، فإن طلبوا من (١) سقط من ط . (٢) تقدم. بدائع الصنائع ج٩ - م٢٧ ٤١٨ کتاب السير الإمام أن يبلغهم مأمنهم لم يجبهم إليه؛ لأنه لو ردهم إلى مأمنهم، لصاروا حَرْباً لنا . وجه قول أبي يوسف: أن الاستنزال على حكم الله - عز وجل - هو الاستنزال على الحكم المشروع للمسلمين في حق الكفرة، والقتل، والسبي، وعقد الذمة كل ذلك حكم مشروع في حقهم، فجاز الإنزال عليه، قوله: إن ذلك مجهول لا يدري المنزل عليه أي حكم هو. قلنا: نعم، لكن يمكن الوصول إليه والعلم به، لوجود سبب العلم، وهو الاختيار، وهذا لا يكفي لجواز الإنزال عليه كما قلنا في الكفارات أن الواجب أحد الأشياء الثلاثة وذلك غير معلوم، ثم لم يمنع ذلك [وقوع] تعلق التكليف به لوجود سبب العلم به وهو اختيار الكفر المكلف؛ كذا هذا، يدل عليه أنه يجوّر الإنزال على حكم العباد بالإجماع والإنزال على حكم العباد إنزال على حكم الله - تعالى - حقيقة إذ العبد لا يملك إنشاء الحكم من نفسه، قال الله - تعالى - ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ٢٦] وقال تبارك وتعالى: ﴿إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ له﴾ [الأنعام: ٥٧] ولكنه يظهر حكم الله عز وجل المشروع في الحادثة، ولهذا قال رسول الله وَل لسعد بن معاذٍ - رضي الله عنه -: (لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ الله تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقَعةٍ))(١). أما الحديث: فيحتمل أنه مصروف إلى زمان جواز ورود النسخ وهو حال حياة النبي - عليه الصلاة والسلام - لانعدام استقرار الأحكام الشرعية في حياته عليه الصلاة والسلام - لئلا يكون الإنزال على الحكم المنسوخ عسى لاحتمال الفسخ فيما بين ذلك وقد انعدم هذا المعنى بعد وفاته - عليه الصلاة والسلام - لخروج الأحكام عن احتمال النسخ بوفاته وَطّور. وإذا / جاز الإنزال على حكم الله سبحانه وتعالى عند أبي يوسف فالخيار فيه إلى الإمام، فأيما كان أفضل المسلمين من القتل والسبي والذمة فعل لأن كل ذلك حكم الله - سبحانه وتعالى - المشروع للمسلمين في حق الكفرة، فإن أسلموا قبل الاختيار فهم أحرار مسلمون لا سبيل لأحد عليهم وعلى أموالهم والأرض لهم وهي عشرية. وكذلك إذا جعلهم ذمة فهم أحرار، ويضع على أراضيهم الخراج، فإن أسلموا قبل توظيف الخراج صارت عشرية. هذا إذا كان الإنزال على حكم الله سبحانه وتعالى، فأما إذا كان على حكم العباد بأن استنزلوهم على حكم رجل، فهذا لا يخلو من أحد وجهين: إما أن استنزلوهم على حكم رجل معين، بأن قالوا على حكم فلان لرجل سموه. وإما أن استنزلوهم على حكم رجل غير معين، (١) أخرجه البخاري (١٩١/٦) كتاب الجهاد والسير باب: إذا نزل العدو على حكم رجل، رقم: (٣٠٤٣)، مسلم (١٣٨/٣) كتاب: الجهاد والسير باب: جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم رقم: (١٧٦٨)، وأحمد (٢٢/٣ - ٧١)، وأبو داود في ((السنن)) (٧٧٦/٢) كتاب: الأدب باب: ما جاء في القيام رقم: (٥٢١٥٥ - ٥٢١٦)، وابن حبان (٤٩٦/١٥) كتاب أخباره 19 عن مناقب الصحابة، باب: ذكر سعد بن معاذ الأنصاري رقم: (٧٠٢٦). ٤١٩ کتاب السير فإن كان الاستنزال على حكم رجل معين، فنزلوا على حكمه، فحكم عليهم بشيء مما ذكرنا، وهو رجل عاقل مسلم عدل غير محدود في قذف، جاز بالإجماع؛ لما رُوِيَ أنَّ بَنِي قُرَيْظَةً لَمَّا حَاصَرَهُمْ رَسُولُ الله ◌َّةِ خُمْساً وَعِشْرِينَ لَّيْلَةٌ اسْتَنْزَلُوا عَلَى حُكْمَ سَعْد بنْ مُعَاذٍ، فَحَكَمَ سَعْدٌ أَنْ يُقْتَلَ رِجَالُهُمْ وَتُقَسَّمَ أَمْوَالُهُمْ وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَرَ: ((لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ الله تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ)) فقد استصوب رسول الله بَّر حكمه حيث أخبر عليه الصلاة والسلام أن ما حكم به حكم الله سبحانه وتعالى لأن حكم الله سبحانه وتعالى لا يكون إلا صواباً. وليس للحاكم أن يحكم بردهم إلى دار الحرب فإن حكم فهو باطل لأنه حكم غير مشروع لما بينا، لأنهم بالرد يصيرون حربيين لنا. وإن كان الحاكم عبداً أو صبيًّا لم يجز حكمه بالإجماع، وإن كان فاسقاً أو محدوداً في القذف لم يجز حكمه عند أبي يوسف، وعند محمد يجوز. وجه قول محمد رحمه الله: أن الفاسق يصلح قاضياً، فيصلح حكماً بالطريق الأولى. وجه قول أبي يوسف: أن المحدود في القذف لا يصلح حكماً؛ لأنه ليس من أهل الولاية، ولهذا لم يصلح قاضياً. وكذا الفاسق لا يصلح حكماً وإن صلح قاضياً لكنه لا يلزم قضاؤه، ولهذا لو رفعت قضية إلى قاضي آخر إن شاء أمضاه وإن شاء رده، وإن كان ذمياً جاز حكمه في الكفرة؛ لأنه من أهل الشهادة على جنسه وإن نزلوا على حكم رجل يختارونه فاختاروا رَجُلاً فإن كان موضعاً للحكم، جاز حكمه [وإن كان غير]/ موضع للحكم لا يقبل ب منهم حتى يختاروا رجلاً موضعاً للحكم، فإن لم يختاروا أبلغهم الإمام مأمنهم؛ لأن النزول كان على شرطٍ؛ وهو حكم رجل يختارونه، فإذا لم يختاروا فقد بقوا في يد الإمام بالأمان فيردهم إلى مأمنهم، إلا أنه لا يردهم إلى حصن هو أحصن من الأول، ولا إلى حد يمتنعون به، لأن الرد إلى المأمن للتحرج عن توهم العذر، وإنه يحصل بالرد إلى ما كانوا عليه؛ فلا ضَرُورَةً في الرد إلى غيره، وإن نزلوا على حكم رجل غير معين، فللإمام أن يعين رجلاً صالحاً للحكم فيهم، أو يحكم للمسلمين بنفسه بما هو أفضل لهم، والله - سبحانه وتعالى . أعلم. وهي المُعاهَدَةُ والصلح على ترك القتال، يقال: توادع الفريقان؛ أي والثاني: الموادعة (١) . (١) وتسمى المهادنة، والموادعة والمعاهدة والمسالمة: مُشْتَقَّةٌ من الهدون، وهو السكون، ومعناها: المصالحة . = ٤٢٠ کتاب السير تعاهدا على ألا يغزو كل واحد منهم صاحبه، والكلام في الموادعة في مواضع: في بيان ركنها وشرطها وحكمها وصفتها وما ينتقض به. أما ركنها: فهو لفظة الموادعة أو المسالمة أو المصالحة أو المعاهدة أو ما يؤدي معنى هذه العبارات. وشرطها: الضرورة وهي ضرورة استعداد القتال؛ بأن كان بالمسلمين ضعف، وبالكفرة قوة المجاوزة إلى قوم آخرين، فلا تجوز عند عدم الضرورة؛ لأن الموادعة ترك القتال المفروض فلا يجوز إلا في حال يقع وسيلة إلى القتال؛ لأنها حينئذ تكون قتالاً معنى. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ والله مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] وعند تحقق الضرورة لا بأس به؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ [الأنفال: ٦١] وقد روي أن رسول الله وَّهَ وَادَعَ أَهْلَ مَكّةَ عَامَ الحُدَّيْبِيَةِ عَلَى أَنْ تُوضَعَ الحَرْبُ عَشْرَ سِنِينَ(١). وشرعاً: عقد يتضمن مصالحة الإمام أو نائبه أهل الحرب على ترك القتال مدة مؤقتة. = فاختصاصه بالإمام أو نائبه يميزه عن عقد الأمان الذي لا يتوقف على الإمام أو نائبه بل يجوز أن يعقد غيرهما من المسلمين، واختصاصه بالمدة يميزه عن عقد الذمة فإنه مؤبد. ثبتت مشروعية الهدنة بالكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى ﴿وَإِنْ جَنَحُوْا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّهُ هُو السَّمِيْعُ الْعَلِيْمُ﴾ وجه الدلالة أن الله تعالى يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: إن طلب الكفار منك الصلح فأجبهم إلى طلبهم والمهادنة نوع من الصلح. وأما السنة: فما رواه أحمد، والبخاري، وأبو داود في حديثٍ صلح الحديبية ((هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّد ابنُ عَبْدِ الله سُهَيْلَ بن عَمْرٍو عَلَى وَضَعِ الْحَرْبِ عشْرَ سِنِيْنَ يَأْمَنُ فِيْهَا النَّاسُ، وَيَكْفُّ بُعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ)) فهذه الواقعة دليل على جواز المهادنة بين المسلمين، والكفار مدة معلومة لمصلحة يراها الإمام. وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز مهادنة الكفار عند ظهور مصلحة للمسلمين. والآية السابقة وإن كانت مطلقة لكن إجماع الفقهاء على أنها مقيدة بظهور مصلحة للمسلمين بآية أخرى هي قوله تعالى ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوْا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ﴾ والأصل فيها الجواز وقد تجب إذا تعينت فيها المصلحة، أما إذا كانت المصلحة في عدمها فإنها تمتنع بالإجماع. ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة. (١) أخرجه أبو داود (٨٥/٣ - ٨٦) كتاب ((الجهاد)»، باب: ((في صلح العدو))، حديث (٢٧٦٥) وأحمد (٤/ ٣٢٨ - ٣٣١)، (٣٣١/٤ -٣٢) كلاهما من طرق عن معمر عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ... فذكر الحديث مطولاً بإسناد صحيح رجاله ثقات. وأخرجه أبو داود (٨٦/٣) كتاب ((الجهاد))، باب: ((في صلح العدو))، حديث (٢٧٦٦) من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال. =