النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كتاب السير
الإسلام وإعلاء الدين الحق ودفع شر الكفرة، وقهرهم يحصل بقيام البعض به. وكذا النبي عليه
الصلاة والسلام كان يبعث السرايا.
ولو كان فرض عين في الأحوال كلها، لكان لا يتوهم منه القعود عنه في حال، ولا أذن
غيره بالتخلف عنه بحال، وإذا كان فرضاً على الكفاية فلا ينبغي للإمام أن يخلي ثغراً من الثغور
من جماعة من الغزاة فيهم غناً وكفاية لقتال العدو؛ فإذا قاموا به يسقط عن الباقين.
ولو كان الجهاد فرض عين لكان القاعدون آئمين فتمتنع المفاضلة بينهم، وبين المجاهدين لأنه لا یفاضل
=
بين مأجور وآثم، وكان يمتنع أيضاً وعدهم الحسنى لكن الله قد أثبت لهم أصل الفضل، غاية الأمر أنه
جعل المجاهدين أعلى درجة من القاعدين لحسن بلائهم ومخاطرتهم بأنفسهم في لقاء العدو، فكان فرض
عين، لأن المقصود ليس ابتلاء الأشخاص، ولكن المقصود إعلاء كلمة الله تعالى أيًّا كان القائم بها فَإِذا
قام بها البعض سقط الطلب عن الباقين كما هو الشأن في فروض الكفاية ... واستدلوا أيضاً بقول الله
تعالى ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّيْنِ وَلِيُنذِرُوا
قَوْمَهُمْ إِذَا رَجِعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَخْذُرُونَ﴾ .
وجه الدلالة: أن الآية تعم الجهاد وغيره، مما يهم جماعة المسلمين، وهي لم توجب النفرة من جميعهم،
وإنما طلبت - بعد أن نفت نفرة الجميع - أن ينفر البعض ويبقى البعض - وهذا بعينه هو معنى فرض الكفاية،
واستدلوا أيضاً بأنه وسير كان يبعث السرايا ويقيم هو وأصحابه بالمدينة، ولو كان فرض عين لنفر الجميع.
واستدل القائلون بأنه واجب عيناً دائماً بالعمومات كقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيْلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿إلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِبِكُمْ عَذَّاباً أَلَيِماً
وَيَسْتَبِدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوه شَيْئاً والله عَلَى كُلِ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ وقوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم القِتَالُ وَهُوَ
كُزْءٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شيئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئاً وَهُوَ شَرِّ لَكُمْ والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا
تَعْلَمُون﴾ فظاهر هذه الآيات يوجب الخروج للجهاد على جميع الناس، ويوعد المتثاقلين عنه بعذاب أليم
في الدنيا والآخرة، وأنه يهلكهم ويستبدل بهم قوماً آخرين يكونون خيراً منهم وأطوع، وأنه كتب عليهم
القتال مع ما فيه من الشدائد، والمشقات التي تجعله مكروهاً مرهوباً - وهذه الآيات عامة فكانت دليلاً
على وجوب الجهاد عيناً على كل مسلم. وقد أجيب عن هذه الآيات بأنها مصروفة عن الوجوب العيني
بما ذكرنا من أدلة المذهب الأول. ولو سلم أنها غير مصروفة فهي محمولة على من عينهم النبي وقَّ،
واستنفرهم للقتال لأن إجابته واجبة عليهم وذلك جمعاً بين هذه الأدلة دَلِيل القَائِلينَ بِالنَّذْبِ: استدلوا بأن
قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ﴾ للنذّبِ لا للوجوب وذلك كما في قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ
أَحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْراً الوِصِيَّةُ لِلوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِيْنَ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المُثَّقِيْنَ﴾.
والوصيّة مندوبة فكذا الجهاد، لأن الخطابين متماثلان ... وقد ردّ عليهم بأنا نمنع أن حقيقة («كُتِبَ)) في
آيتي القتال، والوصية للندب بل هي للوجوب، إلا أن وجوب الوصيّة نسخ بأدلة أخرى، ووجوب القتال
لم يرد عليه ناسخ فبقيت دلالة آية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ﴾ على الوجوب كما هي، على أن وجوب الوصيّة
لا يزال قائماً عند بعض العلماء - وبهذا يترجح رأي الجمهور. وهو أن الجهاد في غير حالة الضرورة
فرض كفاية .
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.

٣٨٢
کتاب السير
وإن ضعف أهل ثغر (١) عن مقاومة الكفرة وخيف عليهم من العدو فعلى من وراءهم من
المسلمين الأقرب، فالأقرب أن ينفروا إليهم وأن يمدوهم بالسلاح والكِراع والمال؛ لما ذكرنا
أنه فرض على الناس كلهم ممن هو من أهل الجهاد، لكن الفرض يسقط عنهم بحصول الكفاية
بالبعض، فما لم يحصل لا يسقط، ولا يباح للعبد أن يخرج إلا بإذن مولاه ولا المرأة إلا بإذن
زوجها؛ لأن خدمة المولى والقيام بحقوق الزوجية كل ذلك فرض عين، فكان مقدماً على
فرض الكفاية .
وكذا الولد لا يخرج إلا بإذن والديه أو أحدهما إذا كان الآخر ميتاً؛ لأن بر الوالدين
فرض عين فكان مقدماً على فرض الكفاية.
والأصل إن كل سفر لا يؤمن فيه الهلاك، ويشتد فيه الخطر لا يحل للولد أن يخرج إليه
بغير إذن والديه لأنهما يشفقان على ولدهما، فيتضرران بذلك، وكل سفر لا يشتد فيه الخطر
يحل له أن يخرج إليه بغير إذنهما إذا لم يضيعهما؛ لانعدام الضرر.
ومن مشايخنا من رخص في سفر التعلم بغير إذنهما؛ لأنهما لا يتضرران بذلك، بل
ينتفعان به؛ فلا يلحقه سمة العقوق هذا إذا لم يكن النفير عامًا، فأما إذا عم النفير؛ بأن هجم
العدو على بلد، فهو فرض عين يفترض على كل واحد من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه؛
لقوله سبحانه وتعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وثقَالاً﴾ [التوبة: ٤١] قيل نزلت في النفير، وقوله سبحانه
وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ المَدِينَة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَغْرَابِ أَن يَتَخَلَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُوا
بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] ولأن الوجوب على الكل قبل عموم النفير ثابت؛ لأن السقوط
عن الباقين بقيام البعض به، فإذا عم النفير لا يتحقق القيام به، إلا بالكل، فبقي فرضاً على
الكل عيناً بمنزلة الصوم والصلاة، فيخرج العبد بغير إذن مولاه، والمرأة بغير إذن زوجها؛ لأن
منافع العبد والمرأة في حق العبادات المفروضة عيناً مستثناة عن ملك المولى والزوج شرعاً،
كما في الصوم والصلاة. وكذا يباح للولد أن يخرج بغير إذن والديه؛ لأن حق الوالدين لا يظهر
في فروض الأعيان؛ كالصوم والصلاة والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل من بيان من يفترض عليه
وأما بَيَانُ من يفترض عليه فنقول: إنه لا يفترض إلا على القادر عليه، فمن لا قدرة له لا
جهاد عليه؛ لأن الجهاد بذل الجهد وهو الوسع والطاقة بالقتال أو المبالغة في عمل القتال،
ومن لا وَسْعَ له كيف يبذل(٢) الوسع والعمل فلا يفرض على الأعمى والأعرج والزمن والمقعد
(١) الثغر من البلاد المواضع التي يخاف منها هجوم العدو.
(٢) في ب: يكلف.

٣٨٣
كتاب السير
والشيخ الهرم والمريض والضعيف، والذي لا يجد ما ينفق (١) قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ
عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ ... ﴾ [النور: ٦١] الآية. وقال سبحانه وتعالى عز من قائل: ﴿لَيْسَ عَلَى
الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى المَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُتْفِقُونَ حَرَجْ إِذَا نَصَحُوا اللهَ وَرَسُولِهِ﴾
[التوبة: ٩١] فقد عذر الله - جل شأنه - هؤلاء بالتخلف عن الجهاد ورفع الحرج عنهم.
ولا جهاد على الصبي والمرأة (٢)، لأن بنيتهما لا تحتمل الحرب عادة: وعلى هذا الغزاة
إذا جاءهم جمع من المشركين ما لا طَاقَةَ لهم به، وخافوهم أن يقتلوهم، فلا بأس لهم أن
ينحازوا إلى بعض أمصار المسلمين أو إلى بعض جيوشهم والحكم في هذا الباب لغالب
الرأي، وأكبر الظن دون العدد.
فإن غلب على ظن الغزاة، أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات، وإن كانوا أقل عدداً منهم،
وإن كان غالب ظنهم أنهم يغلبون، فلا بأس؛ أن ينحازوا إلى المسلمين ليستعينوا بهم، وإن
كانوا أكثر عدداً من الكفرة، وكذا الواحد من الغزاة ليس معه سلاح مع اثنين منهم معهما سلاح
أو مع واحد منهم [من الكفرة] ومعه سلاح، لا بأس أن يولي دبره متحيزاً إلى فئة.
والأصل فيه قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبْرَهُ إِلَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى
(١) من شروط وجوب الجهاد: سلامة البدن والمراد بها إلاَّ يكون بالشخص عجز يمنعه من القتال، فلا يجب
الجهاد على الأعمى - أَمَّا ضعيف البصر الذي يدرك الشخص ويتقي السّلاح، والأعمى الذي يبصر في
النهار دون الليل فيجب عليهما الجهاد، لأنهما قادران عليه، ولا جهاد على مريض مرضاً شديداً يمنعه من
القتال، ولا على الأعرج الذي يعجز عن الركوب والمشي، ولا على من قطعت إحدى يديه أو معظم
أصابعه، ولا على من به شَلَل، لأن المقصود من الجهاد البطش والنكاية، وهؤلاء لا يستطيعون ذلك.
ولقوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجْ وَلاَ عَلَى المَرِيْضِ حَرَجْ﴾ هذه الآية نزلت
في الجهاد عند عامة علماء التفسير، وقد نفى الله الحَرَج عمن ذكر - وفي وجوب الجهاد والخروج له
حرج عظيم على هؤلاء، فكان ما عندهم من المانع مسقطاً للفرض عنهم.
(٢) فلا جهاد على المرأة، لأنها ليست من أهل القتال لضعفها عن تحمل مشقته غالباً، وعدم شجاعتها على
لقاء الأعداء.
اشترط الفقهاء فيمن يجب عليه الجهاد أن يكون بالغاً عاقلاً، فلا جهاد على صبيّ، ومجنون لعدم
تكليفهما - لقوله ﴿هـ: ((رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ، عَنِ الصبِيِّ حتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ
المَجْنُونِ حَتَّى يفيق)) وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: عُرِضْتُ على رسولَ اللهِوَّهِ ((يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابٌّْ
أَرِبَعِ عَشْرَةَ سَنَةٍ فَلَمْ يُجْزِنِي فِي المُقَاتَلَةِ» . وفيهما أيضاً أنه وََّ رَدَّ ابن عمر يوم أحد، وأَجَازَهُ يَوْم
الْخَنَّدَقِ ولقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلى المَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِيْنَ لاَّ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ
حَرَجْ﴾ الآية - قيل: الضعفاء هم الصبيان لضعف أبدانهم، وقيل هم النساء لضعف عقولهم، ولا مانع
من العموم.

٣٨٤
کتاب السير
فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] الله عز شأنه نهى المؤمنين
عن تولية الأدبار عاماً بقوله تبارك وتعالى: ﴿يَأَيّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ
تُوَلُّوهُمُ الأَذْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥] [وأوعد عليهم بقوله سبحانه وتعالى] ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا
متحرماً لقتال أو متحيزاً إلى فئةٍ فَقَدْ باءَ بَغَضبٍ مِنَ الله﴾ [الأنفال: ١٦] الآية، لأن في الكلام
تقديماً وتأخيراً.
معناه والله سبحانه وتعالى أعلم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ
تُوَلُوهُمُ الأَذْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ [الأنفال: ١٥ -١٦] ثم استثنى
- سبحانه وتعالى - من يولي دبره لجهة مخصوصة، فقال عز من قائل: ﴿إِلَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ
مُتَحَيزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦] والاستثناء من الحظر إباحة، فكان المحظور تولية مخصوصة وهي
أن يولي دبره غير متحرف لقتال، ولا متحيز إلى فئة، فبقيت التولية إلى جهة التحرف والتحيز
مستثناة من الحظر، فلا تكون محظورة، ونظير هذه الآية قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿مَنْ كَفَرَ
بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرَهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلْيِمْ غَضَبٌ
مِنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] أنه على التقديم والتأخير على ما نذكره في كتاب
الإكراه إن شاء الله تعالى، وبه تبين أن الآية الشريفة غير منسوخة.
وكذا قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْن﴾ [الأنفال: ٦٥]
وقوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفَا﴾ [الأنفال: ٦٥] ليس بمنسوخ؛ لأن التولية للتحيز إلى فئة
خص فيها، فلم تكن الآيتان منسوختين، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
والدليل عليه قوله - عليه الصلاة والسلام -: للذين فَرُّوا إلى ((المدينة)) وهو فيها: ((أَنْتُمُ
الْكَرَّارُونَ، أَنَا فِتَةُ كُلِّ مُسْلِم))(١) أخبر - عليه الصلاة والسلام - أن المتحيز إلى فئة كرار، وليس
(١) أخرجه أحمد (٢٣/٢، ٥٨، ٧٠، ٨٦، ٩٩، ١٠٠، ١١٠).
وأبو داود (٤٦/٣) كتاب الجهاد، باب: ((في التولي يوم الزحف)»، حديث (٢٦٤٧)، (٣٥٦/٤) كتاب
الأدب، باب: ((في قبلة اليد))، حديث (٥٢٢٣) مختصراً.
والترمذي (٢١٥/٤) كتاب ((الجهاد))، باب: ((ما جاء في الفرار من الزحف))، حديث (١٧١٦).
وابن ماجه (١٢٢١/٢) كتاب الأدب، باب: ((الرجل يقبل يد الرجل))، حديث (٣٧٠٤) مختصراً دون ذكر
الشاهد ...
والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٨١) ص (٢٨٧) والحميدي (٣٠٢/٢)، حديث (٦٨٧).
كلهم من طرق عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -
أنه كان في سرية من سرايا رسول الله وَ ل﴿ - قال: فحاص الناس حيصة فكنت فيمن حاص، قال: فلما
برزنا قلنا: كيف نفعل وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب. فقلنا ندخل المدينة فنتثبت فيها ونذهب ولا
يرانا أحد قال: فدخلنا: فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صل* فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان =

٣٨٥
کتاب السير
بفرار من الزحف(١)؛ فلا يلحقه الوعيد.
غير ذلك ذهبنا. قال: فجلسنا لرسول الله ◌َّطهر قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه، فقلنا: نحن
=
الفراروون. فأقبل إلينا فقال: لا، بل أنتم العكارون .. قال: فدنونا فقبلنا يده. فقال: إنا فئة المسلمين.
واللفظ لأبي داود.
قال الترمذي: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد قلت في إسناده: يزيد بن أبي
زياد وهو: ضعيف، كبر فتغير وصار يتلقن وكان شيعياً ((التقريب)) (٧٧٦٨) وبقية إسناده ثقات.
(١) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا إِذَا لَفِيْتُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوْهُمُ الأَذْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ
إِلاَّ مُتَحَرِفاً لِقَتَالِ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِثْسَ الْمَصِيْرُ﴾ في هذه الآية
ينهى الله المؤمنين عن الفرار من الكفار إذا التقوا بهم في القتال، وحكمة ذلك أن الفرار كبير المفسدة
وخيم العاقبة، لأن الفار يكون كالحجر يسقط من البناء فيتداعى ويختل نظامه، لهذا عدّ الشارع الحكيم
الفرار من الزحف من أكبر الجنايات، وقد توعد الله المقاتلين الذين يولون العدو ظهورهم فقال ﴿وَمَنْ
يُولِهِم يَوْمَئذ دُبُرَهُ﴾ الآية.
وفي الفرار من العدو عار يجعل الحياة بغيضة عند النفوس الآتية قال يزيد بن المهلّب: ((والله أني لأكره
الحياة بعد الهزيمة».
حكمة: قال بعض العلماء أن هذا النهي خاص بوقعة بدر وبه قال نافع، والحسن وقتادة، ويزيد بن أبي
حبيب، والضحاك، ونسب إلى أبي حنيفة كما حكاه القرطبي.
وقال الجمهور وهو المروي عن ابن عباس أن تحريم الفرار من الصف عند الزحف باقٍ إلى يوم القيامة في
كل قتال يلتقي فيه المسلمون والكفار.
واستدل الأولون بقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُوَلْهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقَتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغْضَبٍ
مِنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيْرُ﴾ فقالوا: إن الإشارة في قوله تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ إلى يوم بدر، ثم نسخ
ذلك بقوله تعالى ﴿الآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فَيْكُمْ ضَعْفاً﴾ .
وقد رد الجمهور عليه بأن الإشارة فيه إلى يوم الزحف الذي تضمنه قوله تعالى ﴿إذا لَقِيْتُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا
زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوْهُمْ الأَذْبَارَ﴾ أي كل مرة تلقون فيها الكفار يحرم عليكم الفرار منهم، وحكم الآية باقٍ بشرط
الضعف الذي بيَّنه الله تعالى في قوله ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوْا مِائَتَيْنِ﴾ الآية - والذي يؤيد أن
الإشارة عامة في كل زحف أن الآية نزلت بعد انقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه.
واستدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّها الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا زَحْفاً فَلاَ تُوَلَّوْهُمُ الأَذْبَارَ﴾ وقوله
تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا إِذَا لَقِيْتُمْ فِئَةً فَاثبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيْراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقالوا: إن الآيات عامة
في كل زحف وليست خاصة بغزوة بدر دلّ على ذلك ما صَحَّ في مسلم عن أبي هريرة عن النبي ◌َِّ أنه
قال ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُؤْبِقَاتِ)) وعَدَّ منها الفرار يوم الزحف فدلّ على حرمة في كلِ زحف وزمان، غير أن
هذه الحرمة مقيدة بأمرين: أحدهما: ما دل عليه قوله تعالى ﴿إِلاَّ مُتَحَرِفاً لِقِتَالٍ أَو مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ فإنه
متى قصد أحد هذين الأمرين من الفرار لم يكن محرماً، بل قد يكون واجباً إذا اقتضته المصلحة كضم قوة
المسلمين بعضها إلى بعض ثانيهما: عدم زيادة الكفار على ضعف عدد المسلمين، أما إذا زادوا على
الضعف فاختلف الفقهاء في حکمه:
فذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز الفرار مطلقاً وذهب المالكية إلى جوازه ما لم يبلغ جيش المسلمين =
بدائع الصنائع ج٩ - ٢٥٣

٣٨٦
کتاب السير
وعلى هذا إذا كانت الغزاة في سفينة، فاحترقت السفينة، وخافوا الغرق(١) حكموا فيه
غالب رأيهم وأكبر ظنهم فإن غلب على رأيهم أنهم لو طرحوا أنفسهم في البحر لينجوا بالسباحة
وجب عليهم الطرح ليسبحوا، فيتحيزوا إلى فئة، وإن استوى جانباً الحرق والغرق بأن كان إذا
قاموا حرقوا، وإذا طرحوا غرقوا، فلهم الخيار عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وقال
اثني عشر ألفاً غير مختلفين على أنفسهم، فإن بلغ هذا العدد مع الاتحاد حرم الفرار، ونسبه الجصاص
=
إلى الحنفية، ورأى صاحب البدائع منهم أن العبرة بالقوة والاستعداد دون العدد فقال: والغزاة إذا جاءهم
جمع من المشركين ما لا طاقة لهم به وخافوهم أن يقتلوهم فلا بأس لهم أن ينحازوا إلى بعض أمصار
المسلمين أو إلى بعض جيوشهم، والحكم في هذا الباب لغالب الرأي وأكبر الظن دون العدد، فإن غلب
على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات، وإن كانوا أقل عدداً منهم. وإن كان غالب ظنهم أنهم
يغلبون فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين ليستعينوا بهم وإن كانوا أكثر عدداً من الكفرة وذهب ابن حزم
إلى تحريم الفرار مهما بلغ العدد.
واستدل الشافعية والحنابلة بقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعِلِم أَنَّ فِيْكُمْ ضَعْفاً﴾ الآية - وجه
الاستدلال - أنها دلت على وجوب ثبات المائة للمائتين بعد أن كان الواجب أن تثبت المائة للألف وذلك
تخفيف من الله ورحمة. وعلى ذلك فإذا زاد الكفار على هذه النسبة جاز للمسلمين الفرار.
واستدل المالكية بما رواه الزهري عن أنس بن مالك عن رسول الله وَ ل﴿ من حديث فيه طول ((وَلَنْ يُغْلَبَ
اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ)) وجه الدلالة أن النبي ◌ََّ يقول: ما معناه: إذا بَلَغَ جَيْشُكِمْ هَذَا الْعَدَدِ فَلاَ تَأْتِيْهِ
الْهَزِيْمَةُ مِنْ جِهَةٍ عَدَدِهِ وَإِنَّمَا تَأْتِيهِ مِن وُقُوْعِ الْخُلْف بَيْنَكُمْ، وَإِذَا كَانَتْ الْهَزيمة لاَ تَأْتِي مِنَ الْعَدَدِ فَلاَ يَجُوْزُ
الْفِرَارُ.
وتمسّك ابن حزم بظاهر قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا إذا لَقِيْتُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوْهُمْ الأَذْبَارَ﴾
فإنها تدل بظاهرها على وجوب الثبات مهما بلغ عدد العدوّ.
ويرد على الحديث الذي استدل، المالكية أنه غير صحيحة فقد قال العلامة القرطبي: رواه بشر وأبو سلمة
العاملي وهو الحكم بن عبد الله بن خطاف وهو متروك. وعلى فرض صحته فالمراد منه أن الغالب على
هذا العدد النصر والظفر، ولا تعرض فيه لحرمة الفرار أو عدمها وبهذا يرد على المالكية والحنفية فيما
نسبه الجصّاص إليهم.
ويرد على ابن حزم أن الأمر بعدم الفرار في الآية مخصص بألا يزيد العدد على ضعف عدد المسلمين كما
أشارت إليه آية ﴿الآنَّ خَفَّفَ الله عَنْكُم﴾ .
وإِذَا نظرنا إلى أن الحكم في الحروب هو القدرة والاستعداد وأنَّهما تارة يكونان من جهة العدد وأخرى من
حهة العُدد وثالثة من جهتهما معاً، وجب تطبيق التخفيف الذي أباح الله به للمؤمنين الفرار على ما تكون
عليه حالة الجيوش من القوة والاستعداد فإذا كان الجيشان متكافئين في القوة، وزاد عدد الكفار على
الضعف جاز الفرار، وإذا كان للمسلمين قوة واستعداد يكافىء زيادة عدد الكفار على الضعف أو يزيد
عنها، حرم الفرار وفي هذه الحالة يكون المعول عليه كما قال صاحب المصنف وغيره: ((غالب الرأي
وأكبر الظن دون العدد)).
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.
(١) في أ: الحرق.

٣٨٧
کتاب السير
محمد رحمه الله: لا يجوز لهم أن يطرحوا أنفسهم في الماء.
وجه قوله: إنهم لو ألقوا أنفسهم في الماء، لهلكوا، ولو أقاموا في السفينة لهلكوا أيضاً
إلا أنهم لو طرحوا لهلكوا بفعل أنفسهم، ولو صبروا لهلكوا بفعل العدو؛ فكان الصبر أقرب
إلى الجهاد، فكان أولى.
وجه قولهما: إنه استوى الجانبان في الإفضاء إلى الهلاك فيثبت لهم الخيار لجواز أن
يكون الهلاك بالغرق أرفق، قوله: ((لو أقاموا لَهَلَكُوا بفعل العَدُوِّ)) قلنا: ولو طرحوا لهلكوا بفعل
العدو أيضاً؛ إذ العدو هو الذي ألجأهم إليه فكان الهلاك في الحالين مضافاً إلى فعل العدو، ثم
قد يكون الهلاك بالغرق أسهل فيثبت لهم الخيار.
ولو طعن مسلم برمح، فلا بأس بأن يمشي إلى من طعنه من الكفرة، حتى يجهزه، لأنه
يقصد بالمشي إليه بذل نفسه لإعزاز دين الله - سبحانه وتعالى - وتحريض المؤمنين على ألا
يبخلوا بأنفسهم في قتال أعداء الله، فكان جائزاً؛ والله أعلم.
فصل في بيان ما يندب إليه الإمام عند بعث الجيش
وأما بيان ما يندب إليه الإمام عند بعث الجيش أو السرية إلى الجهاد، فنقول ـ وبالله
التوفيق -: أنه يندب إلى أشياء .
منها أن يؤمر عليهم أميراً، لأن النبي ◌َّ ما بعث جيشاً إلا وأمر عليهم أميراً، ولأن
الحاجة إلى الأمير ماسة؛ لأنه لا بد من تنفيذ الأحكام وسياسة الرعية، ولا يقوم ذلك إلا
بالأمير؛ لتعذر الرجوع في كل حادثة إلى الإمام.
ومنها: أن يكون الذي يؤمر عليهم عالماً بالحلال والحرام عدلاً عارفاً بوجوه السياسات،
بصيراً بتدابير الحروب وأسبابها؛ لأنه لو لم يكن بهذه الصفة لا يحصل ما ينصب له الأمير.
ومنها: أن يوصيه بتقوى الله - عز شأنه - في خاصة نفسه، وبمن معه من المؤمنين خيراً؛
كذا روي عن رسول الله وَ ليل أنه كان إذا بعث جيشاً، أوصاه بتقوى الله - سبحانه وتعالى - في
نفسه خاصة وبمن معه من المؤمنين خيراً (١)، ولأن الإمارة أمانة عظيمة، فلا يقوم بها إلا
(١) أخرجه أحمد (٣٥٨/٥) ومسلم (١٣٥٧/٣): كتاب الجهاد - باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث
حديث (١٧٢١/٣) وأبو داود (٨٣/٣) كتاب الجهاد - باب في دعاء المشركين حديث (١٦١٢) والترمذي
(٨٥/٣) كتاب السير. باب ما جاء في وصية النبي ◌َّر في القتال حديث (١٦٦٦).
وابن ماجه (٩٥٣/٢): كتاب الجهاد - باب وصية الإمام - حديث (٢٨٥٨) والبيهقي (٦٩/٩) كتاب
السير - باب قتل المشركين بعد الأسار بضرب الأعناق دون المثلة عن بريدة قال: ((كان رسول الله وَلقه إذا =

٣٨٨
كتاب السير
أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: اغزوا
=
بسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا وقال الترمذي حسن صحيح.
وفي الباب من صفوان بن عسال.
أخرجه أحمد (٢٤٠/٤) وابن ماجه (٩٥٣/٢): كتاب الجهاد - باب وصية الإمام. حديث (٢٨٥٧).
من طريق عبيد الله بن خليفة عن صفوان بن عسال قال: بعثنا رسول الله وَّر في سرية فقال: ((سيروا
باسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليداً)).
وذكره البوصيري في ((الزوائد)) (٤٢١/٢) وقال: هذا إسناد حسن.
وفي الباب عن جرير.
أخرجه أبو يعلى (٤٩٣/١٣ - ٤٩٤) رقم (٧٥٠٥) والطبراين في الكبير (٣١٣/٢) رقم (٢٣٠٤) وفي
الصغير (٤٤/١ - ٤٥) من طريق ابن لهيعة عن عبد ربه بن سعيد عن سلمة بن كهيل عن سُقيف بن سلمة
عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كان النبي ◌َّر إذا بعث سرية قال: بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة
رسول الله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان.
قال الطبراني: لا يروى عن جرير إلا بهذا الإسناد تفرد به ابن لهيعة.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٢٠/٥) وقال: رواه أبو يعلى والطبراني في الثلاثة وفيه ابن لهيعة.
حديث حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات وله طريق في ((الكبير)) ضعيفة قلت؛ وهذا الطريق أخرجه
الطبراني في الكبير (٢٣٠٥) وفيه عبد الغفار بن القاسم أبو مريم وهو متروك.
والحديث ذكره الحافظ ابن حجر في ((المطالب العالية)) (٢/ ١٥٠) رقم (٩٦٠) وعزاه إلى أبي يعلى.
وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١٥١/٢ - ١٥٢) رقم (١٩٤٨).
سألت أبي عن حديث رواه أبو هارون البكاء عن ابن لهيعة عن عبد ربه بن سعيد عن سلمة بن كهيل عن
شقيق بن سلمة عن جرير قال: كان رسول اللّه ◌َله إذا بايع بايع على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً
رسول الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة والسمع والطاعة لله ولرسوله والنصح لكل مسلم وإذا بعث سرية قال
بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان. قال أبي
ليس لهذا الحديث أصل بالعراق وهو حديث منكر.
ومن حديث أبي موسى الأشعري.
أخرجه البزار (٢٦٧/٢) رقم (١٦٧٤) والطبراني في ((الصغير)) (١ / ١٨٧) من طريق أحمد بن عثمان بن
حكيم الأودي ثنا عثمان بن سعيد المسري ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى
الأشعري قال: كان رسول الله وَلّ إذا بعث سرية قال: اغزوا بسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله
لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً ولا شيخاً كبيراً.
وقال الطبراني: لم يروه عن أبي إسحاق إلا إسرائيل ولا عنه إلا عثمان تفرد به أحمد بن عثمان بن
حکیم.
وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٣٢٠/٥) وقال: رواه البزار والطبراني في الصغير والكبير ورجال
البزار رجال الصحيح غير عثمان بن سعيد المسري وهو ثقة.
ومن حديث أبي أيوب.

٣٨٩
کتاب السير
المتقي، وإذا أمر عليهم يكلفهم طاعة الأمير فيما يأمرهم به، وينهاهم عنه؛ لقول الله تبارك
وتعالى ﴿يَا يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي / الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وقال ب
عليه الصلاة والسلام: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا(١) وَلَوْ أُمْرٍ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ أَجْدَعُ، مَا حَكَمَ فِيكُمْ
أخرجه الطبراني كما في المجمع (٢٥٣/٦) من حديث يعقوب بن إسحاق الحضرمي ثنا شعبة بن
=
عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد الخطمي عن أبي أيوب الأنصاري قال ((نهى رسول الله وَليل عن النهبة
والمثلة)) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
حدیث زید بن خالد.
أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (٢٤٩/٦) من رواية ابن أبي ذئب عن مولى الجهينة عن عبد
الرحمن بن زيد بن خالد عن أبيه عن النبي ◌ّ ((أنه نهى عن النهبة والمثلة)).
وقال الهيثمي : وفيه رواه لم يسم.
ومن حديث يعلى بن مرة.
رواه أحمد (١٧٣/٤) قال: حدثنا عفان ثنا وهيب ثنا عطاء بن السائب عن يعلى بن مرة النقعي قال:
سمعت رسول الله ◌َ﴿ يقول ((قال الله عز وجل لا تمثلوا بعبادي)).
ورواه الطبراني من هذا الوجه أيضاً من رواية عطاء بن السائب كما في المجمع (٢٥١/٦) وقال:
عطاء بن السائب اختلط .
ومن حديث عمر.
رواه الطبراني في الصغير (٢٣٣/١) قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى المعدي أبو عبد الرحمن ثنا
عبد الله بن عمر بن يزيد ثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي ثنا يونس بن عبيد عن الحسن عن عمران بن
حصين قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
((خطبنا رسول الله ( ﴿ فأمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة)) قال الطبراني لم يروه عن الحسن عن عمران عن
عمر إلا يونس بن عبيد ولا عنه إلا إسماعيل تفرد به عبد بن عمر بن يزيد، ورواه هشيم وغيره عن يونس
عن الحسن عن عمران فقط .
وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٢٥٢) رواه الطبراني في الصغير وفيه من لم أعرفه.
(١) أخرجه أحمد (١٢٦/٤ - ١٢٧) وأبو داود (٢٠٠/٤ - ٢٠١) كتاب ((السنة))، باب ((في لزوم السنة))،
حديث (٤٦٠٧).
وابن حبان (١٧٨/١ - ١٧٩) في المقدمة، باب: ((الاعتصام بالسنة))، حديث (٥).
كلهم من طريق قال: حدثنا ثور بن يزيد حدثني خالد بن معدان حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي
وحجر بن حجر الكلاعي قالا: أتينا العرباض بن سارية ... فذكر الحديث وفيه ((أوصيكم بتقوى الله
والسمع والطاعة ... الخ)).
وأخرجه أحمد (١٢٦/٤).
والترمذي (٤٤/٥) كتاب العلم، باب: ((ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع)، حديث (٢٦٧٦).
وابن ماجه (١٧/١) في المقدمة، باب: ((اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين))، حديث (٤٤) والحاكم
(٩٥/١ - ٩٦).
والدارمي (٤٤/١) في المقدمة، باب: اتباع السنة .
=

٣٩٠
کتاب السير
بِكِتَابِ الله تَعَالَى)) ولأنه نائب الإمام وطاعة الإمام لازمة، كذا طاعته؛ لأنها طاعة الإمام إلا أن
يأمرهم بمعصية فلا تجوز طاعتهم إياه فيها؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ
فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ)) (١) ولو أمرهم بشيء لا يدرون أينتفعون به أم لا فينبغي لهم أن يطيعوه فيه
إذا لم يعلموا كونه معصية، لأن اتباع الإمام في محل الاجتهاد واجب؛ كاتباع القضاة في
مواضع الاجتهاد؛ والله تعالى عز شأنه أعلم.
فصل في بيان ما يجب على الغزاة
وأما بَيَانُ ما يجب على الغزاة الافتتاح به حالة الوقعة، ولقاء العدو، فنقول ـ وبالله
التوفيق -: إن الأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين:
كلهم من طريق خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمر والسلمي عن العرباض - رضي الله عنه فذكره.
=
وأخرجه أحمد (١٢٦/٤).
وابن ماجه (١٦/١) في المقدمة، باب: ((اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين))، حديث (٤٣).
كلاهما من طريق ضمرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمر عن العرباض بن سارية - رضي الله عنه -
فذكره .
قال الترمذي : حديث حسن صحيح.
قال الحاكم: وقد احتج البخاري بعبد الرحمن بن عمرو وثور بن يزيد، وروي هذا الحديث في أول
كتاب الاعتصام بالسنة والذي عندي: أنهما رحمهما الله توهما أنه ليس له راوي عن خالد بن معدان غير
ثور بن يزيد وقد رواه محمد بن إبراهيم بن الحارث المخرج حديثه في الصحيحين عن خالد بن معدان .
قال الذهبي: صحيح ليس له علة.
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤٢٦/٤، ٤٢٧، ٤٣٢، ٤٣٦ من طرق عن عمران بن حصين بلفظ ((لا طاعة
في معصية الله تبارك وتعالى)) والحاكم (٤٤٣/٣) وقال: ((صحيح الإسناد)) ووافقه الذهبي وقال الهيثمي
في المجمع ٢٢٩/٥.
(رواه أحمد بألفاظ والطبراني باختصار وفي بعض طرقه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ورجال أحمد
رجال الصحيح)) ١ هـ.
ورواه الطيالسي (٨٥٠).
وأورده الهيثمي ٢٢٩/٥ من حديث عمران والحكم بن عمر الغفاري أن رسول الله وَ لجر قال: ((لا طاعة
في معصية الله)) رواه البزار والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) ورجال البزار رجال الصحيح. وله شاهد من
حديث علي.
((أن رسول الله وَل بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً فأوقد ناراً وقال: ادخلوها، فأراد ناس أن يدخلوها وقال
الآخرون: إنا قد فررنا منها، فذكر ذلك لرسول الله وَ ل # فقال للذين أرادوا أن يدخلوها، لو دخلتموها لم
تزالوا فيها إلى يوم القيامة أو قال للآخرين قولاً حسناً وقال: لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في
المعروف)».

٣٩١
كتاب السير
إما أن كانت الدعوة قد بلغتهم، وإما إن كانت لم تبلغهم، فإن كانت الدعوة لم تبلغهم،
فعليهم الافتتاح بالدعوة إلى الإسلام باللسان؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿اذْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بَالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ولا يجوز لهم القتال قبل
الدعوة(١)؛ لأن الإيمان وإن وجب عليهم قبل بلوغ الدعوة بمجرد العقل، فاستحقوا القتل
(١) أرسل الله محمداً ◌َّيه إلى الناس كافة، وأمره بتبليغ رسالته، والدعوة إلى الإيمان بها، ثم أذن له في قتال
المعرضين المستكبرين، وقد اتفق العلماء على أن تبليغ الدعوة الإسلامية أمر يقضي به منصب النبوة وهو
مقتضى الرسالة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُوْلُ بَلْغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تُفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. وهذا
التبليغ لا محلُّ للكلام فيه، وإنما الكلام في أنه إذا أراد المسلمون قتال قوم، فهل يجب عليهم أن
يدعوهم قبل الشروع في القتال دعوة خاصّة غير التبليغ الذي وجب بمقتضى الرسالة أو يصح لهم أن
يفاجؤوهم من غير تجديد لدعوتهم.
وهنا اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة مذاهب:
((المذهب الأول)»: عدم وجوبها، وإليه مال فريق من العلماء.
((المذهب الثاني)): وجوبها مطلقاً، سواء بلغتهم الدعوة قبل ذلك أم لا، وإليه ذهب الإمام مالك،
والهاروية .
((المذهب الثالث)): التفصيل، وهو أنه إذا لم تكن الدعوة العامة قد بلغتهم - وجبت دعوتهم قبل القتال،
وإذا كانت قد بلغتهم لم تجب دعوتهم، بل تستحب وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وأكثر
أهل العلم.
واستدل القائلون بعدم الوجوب، بما جاء في حديث متفق عليه عن ابن عوف قال: كتبت إلى نافع أسأله
عن الدعاء قبل القتال فِكتب إلي ((إِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي أَوَّلِ الإِسْلاَمِ، وَقَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللهِوَلّ على بني
المُصْطَلَقْ وَهُمْ غَارُوْنَ وأَنْعَامُهُمْ تَسْقِي عَلَى المَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتَلَيْهِمْ وَسَبِى ذَرَارِيْهِمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ ابنَّةً
الْحَارِثَ)) حدثني به عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش فدلّ هذا الحديث على عدم وجوب الدعوة
قبل القتال لأنها قد انتشرت وعمت ولم يبق ممنّ لم تبلغهم الدعوة إلاّ النادر القليل.
واستدل الإمام مالك ومن معه على الوجوب مطلقاً: بحديث بريدة حيث قال: قالَ وَّهِ ((وإِذَا لَقَيْتَ عَدُوُكَ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ أَوْ خِلاَ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوْكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ)) رواه أحمد
ومسلم - فذكر الإسلام ثم الجزية ثم القتال.
وهو ظاهر في الإطلاق، بلغتهم الدعوة أم لا .
واستدل المفصلون على وجوب الدعوة قبل القتال لمن لم تسبق دعوتهم بما رواه أحمد عن ابن عباس قال: مَا
قاتَلَ رَسُوْلُ اللهِّهِ قَوْمَاً قَطْ إِلاَّ دَعَاهُمْ وَلأَنَّهُم بِالدَّعْرةِ إِلَى الإِسْلاَمِ يَعْلَمُوْنَ أَنَّنَا نُقَاتِلُهُمْ عَلَى الدِّيْنِ لاَ عَلَى
شَيْءٍ آخَرَ مِنَ الأَمْوَالِ وَالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِيْ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، فَلَعَلَّهُمْ يَسْتَجِيْبُونَ لِدَاعِي الْهُدَى فَيَحْصُلُ
المَقْصُودُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى قِتَالِ وَسَفْكِ دِمَاءٍ وعلى ذلك يكون من قاتل قبل الدعوة آثماً.
وللعلماء في حكم التضمين خلاف ليس هذا محله.
وأما من بلغتهم الدعوة فلا يجب علينا أن ندعوهم مرة أخرى ولكن يستحب فقط مبالغة في الإنذار وقطعاً
لحجتهم، وإنما لم تجب لما رواه أحمد والبخاري عن البراء بن عازب أنه قال: ((بَعَثَ رَسُوْلُ اللهَِ
رَهْطاً مِنَّ الأنْصَارِ إِلَى أَبِيْ رَافِعٍ فَدَخَلَ عَبْدُ الله بْنُ عَتِيْكِ بَيْتَهُ لَيْلاً فَقَتَلَهُ وَهُو نَائِمٌ)) .
=

٣٩٢
کتاب السير
بالامتناع، لكن الله - تبارك وتعالى - حرم قتالهم قبل بَعْثِ الرسول - عليه الصلاة والسلام.
وبلوغ الدعوة إياهم فضلاً منه ومنة؛ قطعاً لمعذرتهم بالكلية، وإن كان لا عذر لهم في الحقيقة
لما أقام - [سبحانه وتعالى] - من الدلائل العقلية التي لو تأملوها حق التأمل ونظروا فيها لعرفوا
حق الله - تبارك وتعالى - عليهم، لكن تفضل عليهم بإرسال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم
أجمعين؛ لئلا يبقى لهم شبهة عذر ﴿فَيَقُولُونَ رَبَّنَا لَّوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَتَّبَعَ آيَاتِكَ﴾ [طه:
١٣٤] وإن لم يكن لهم أن يقولوا ذلك في الحقيقة لما بينا؛ ولأن القتال ما فرض لعينه، بل
للدعوة إلى الإسلام والدعوة دعوتان دعوة بالبنان، وهي القتال، ودعوة بالبيان، وهو اللسان
وذلك بالتبليغ والثانية أهون من الأولى؛ لأن في القتال مخاطرة الروح والنفس والمال، وليس
في دعوة التبليغ شيء من ذلك، فإذا احتمل [حصول] المقصود بأهون الدعوتين، لزم الافتتاح
بها .
وهذا إذا كانت الدعوة لم تبلغهم، فإن كانت قد بلغتهم، جاز لهم أن يفتتحوا القتال من
غير تجديد الدعوة؛ لما بينا أن الحجة لازمة، والعذر [في الحقيقة] منقطع وشبهة العذر
أ انقطعت بالتبليغ مرة، لكن مع/ هذا الأفضل ألاَّ يفتتحوا القتال إلا بعد تجديد الدعوة؛ لرجاء
الإجابة في الجملة .
وقد روي أن رسول الله وَّلير لم يكن يقاتل الكفرة؛ حتى يدعوهم إلى الإسلام فيما كان
دعاهم غير مرة، دل أن الافتتاح بتجديد الدعوة أفضلٍ، ثم إذا دعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا
كفوا عنهم [القتال] لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَه
ولما روي من الإغارة على بني المصطلق وهم غاروّن، ويرون أن بهذا التفصيل يمكن الجمع بين
=
الأحاديث المختلفة .
وأما القائلون بعدم الوجوب مطلقاً فيرد عليهم ما جاء في حديث بريدة من قوله وَ الر: ((ادْعُهُمْ إِلَى
الإِسْلاَم)) فإنه ◌َّ قد أمر بالدعوة والأمر ظاهر في الوجوب وأما القائلون بالوجوب مطلقاً فيرد عليهم ما
روي عن النبي ◌َّر أنه أغار على بني المصطلق وهم غاروّن، ولو كانت الدعوة واجبة مطلقاً ما أغار
عليهم من غير دعوة.
ولهم أن يجيبوا بأن ذلك فعل، وهو يحتمل الخصوصية دون القول والذي نختاره هو مذهب الجمهور
القائل بالتفصيل لما سبق من أن فيه جمعاً بين الأدلة، وبأن وجوب الدعوة معلل باحتمال قبول العدو
الإسلام لو عرض عليه قبل القتال وإلزامه الحجة فإذا سبقت الدعوة وعلمت فقد انتهت هذه العلة فينتهي
حكم الوجوب بانتهائها، ولم يبق إلاّ المبالغة في الإنذار فلذلك ندعوهم للإسلام - وعلى ما قلنا من انتهاء
الوجوب لانتهاء العلة .
يحمل فعله ولي من إغارته على بني المصطلق وهم غافلون.
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.

٣٩٣
كتاب السير
إِلَه إِلَّ الله؛ فِإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقُّهَا)(١) .
وقوله - عليه السلام -: ((مَنْ قَالَ: لاَ إِلهَ إِلَّ الله، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي دَمَهُ وَمَالَهُ))(٢) فإن أبوا
الإجابة إلى الإسلام دعوهم إلى الذمة إلا مشركي العرب والمرتدين لما نذكره إن شاء الله تعالى
بعد، فإن أجابوا كفوا عنهم؛ لقوله - عليه السلام -: ((فَإِنْ قَبِلُوا عَقْدَ الذّمَّةِ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا
لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُسْلِمِينَ))(٣).
وإن أبوا استعانوا بالله - سبحانه وتعالى - على قتالهم ووثقوا بعهد الله سبحانه وتعالى
النصر لهم بعد أن بذلوا جهدهم واستفرغوا وسعهم، وثبتوا، وأطاعوا الله - سبحانه وتعالى -
ورسوله وَلَّهَ وذكروا الله كثيراً على ما قال - تبارك وتعالى -: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ
فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ
رِيحُكُمْ واضْبِرُوا إِنَّ اللّه مَعَ الصَّابِرِين﴾ [الأنفال: ٤٦] ولهم أن يقاتلوهم وإن لم يبدؤوا
بالدعوة(٤)؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وسواء كان في
الأشهر الحرم أو في غيرها؛ لأن حرمة القتال في الأشهر الحرم صارت منسوخة بآية السيف(٥)
وغيرها من آيات القتال، ولا بأس بالإغارة والبيات عليهم، ولا بأس بقطع أشجارهم المثمرة
وغير المثمرة وإفساد زروعهم(٦)، لقوله تبارك وتعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً
عَلَى أُصُولِهَا فَإِذْنِ الله وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥].
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٤) في أ: بالقتال.
(٣) تقدم.
(٥) آية السيف قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم .... ﴾ [التوبة: ٥].
(٦) جاء الدين الإسلامي بمبادىء حقة تنطوي على العدل والرأفة، وقام على أساس من البدل، والشفقة، ولم
يغفل ذلك في جميع أحكامه التي شرعها حتى في الأحكام التي كان يظن أنه يكون فيها أميل إلى الشدة
منه إلى الرحمة، وهي الأحكام الحربية. فإن النظم، والمبادىء التي وضعها الإسلام لتخفيف أرزاء
القتال، وفظائع الحرب، وما تشمله من الرفق، والعطف على بني آدم هي أجود ما عرفت الإنسانية، وما
ستعرفه إلى يوم يبعثون. ويتضح ذلك فيما سنذكره من المقارنة بين ما جاء به الإسلام، وما شرعته الدول
الحديثة .
جوز القانون الدولي التضييق على المحصورين، وتعجيزهم حتى يضطروا إلى التسليم صاغرين، وسوغت
أثناء القتال كل عمل من هدم أو تخريب أو تفريق، أو قتل ما دام يقف عقبة في سبيل الفوز، والتغلب
على العدو - كذلك جوزت الشريعة هذه الأشياء ما لم توجد عنها مندوحة، قال أبو الحسن الماوردي
يجوز لأمير الجيش في حصار العدو أن ينصب عليهم العراضات والمنجنيقات. قد نصب رسول الله وَليه
على أهل الطائف منجنيقاً، ويجوز أن يهدم عليهم منازلهم، ويضع عليهم البيات والتحريق، وإذا رأى في
قطع نخلهم، وشجرهم صلاحاً يستضعفهم به ليظفر بهم عنوة، أو يدخلون من السلم صلحاً فعل ولا
يفعل إن لم ير فيه صلاحاً.
=

٣٩٤
کتاب السير
أذن ــ سبحانه وتعالى - بقطع النخيل في صدر الآية الشريفة ونبه في آخرها إن ذلك يكون
كبتاً وغيظاً للعدو بقوله تبارك وتعالى: ﴿وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ ولا بأس بإحراق حصونهم بالنار
وإغراقها بالماء وتخريبها وهدمها عليهم ونصب المنجنيق عليها لقوله - تبارك وتعالى -:
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِين﴾ [الحشر: ٢] ولأن كل ذلك من باب القتال لما فيه من
قهر العدو وكبتهم وغيظهم ولأن حرمة/ الأموال لحرمة أربابها، ولا حرمة لأنفسهم؛ حتى
يقتلون فكيف لأموالهم، ولا بأس برميهم بالنبال، وإن علموا أن فيهم مسلمين من الأسارى
والتجار؛ لما فيه من الضرورة؛ إذ حصون الكفرة قلما تخلو من مسلم أسير أو تاجر، فاعتباره
يؤدي إلى انسداد باب الجهاد، ولكن يقصدون بذلك الكفرة دون المسلمين؛ لأنه لا ضرورة
في القصد إلى قتل مسلم بغير حق .
ب
وكذا إذا تترسوا بأطفال المسلمين، فلا بأس بالرمي إليهم؛ لضرورة إقامة الفرض، لكنهم
يقصدون الكفار دون الأطفال، فإن رموهم فأصاب مسلماً، فلا دية ولا كفارة(١).
وقال ابن قدامة: أما العدو إذا قدر عليه فلا يجوز تحريقه بالنار بغير خلاف نعلمه أما رميهم قبل أخذهم
=
بالنار فإن أمكن أخذهم بدونها لم يجز رميهم بها لأنهم في معنى المقدور عليهم، وأما عند العجز عنهم
بغيرها فجائز في قول أكثر أهل العلم وبه قال الأوزاعي، والشافعي وكذلك الحكم في فتح البثوق عليهم
ليفرقهم إن قدر عليهم بغيره لم يجز إذا تضمن ذلك إتلاف النساء، والذرية الذين يحرم إتلافهم قصداً إن
لم يقدر عليهم إلا به جاز كما يجوز البيات المتضمن لذلك، ويجوز نصب المنجنيق عليهم - وقال في
الشجر، والزرع، وجملته إن الشجر، والزرع ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما تدعو الحاجة إلى إتلافه
كالذي يقرب من حصونهم، ويمنع من قتالهم، أو يسترون به من المسلمين أو يحتاج إلى قطعه لتوسعة
طريق أو تمكن من قتال، أو سد بثق أو إصلاح طريق أو ستارة منجنيق أو غيره، أو يكونوا يفعلون ذلك
بنا فيفعل بهم ذلك لينتهوا فهذا يجوز بغير خلاف نعلمه. الثاني: ما يتضرر المسلمون بقطعه لكونهم
ينتفعون ببقائه لعلوفتهم أو يستظلون به أو يأكلون من ثمره أو تكون العادة لم تجز بذلك بيننا وبين عدونا
فإنا فعلناه بهم فعلوه بنا فهذا يحرم لما فيه من الإضرار بالمسلمين الثالث: ما عدا هذين القسمين مما لا
ضرر فيه بالمسلمين، ولا نقع سوى غيظ الكفار، والإضرار بهم ففيه روايتان: إحداهما لا يجوز لحديث
أبي بكر ووصيته، وقد روي نحو ذلك مرفوعاً إلى النبي و # ولأن فيه إتلافاً محضاً فلم يجز كعقر
الحيوان، وبهذا قال الأوزاعي والليث وأبو ثور، والرواية الثانية يجوز، وبهذا قال مالك والشافعي،
وإسحاق، وابن المنذر.
وقال في الهداية: ونصبوا عليهم المنجنيق، وحرقوهم، وأرسلوا عليهم الماء، وقطعوا أشجارهم، وأفسدوا
زروعهم لأن في جميع ذلك إلحاق الكبت والغيظ بهم، وكسر شوكتهم، وتفريق جمعهم فيكون مشروعاً.
قال الكمال بن الهمام: هذا إذا لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون بغير ذلك فإن كان الظاهر أنهم
مغلوبون، وأن الفتح بادٍ كره ذلك لأنه إفساد في غير محل الحاجة، وما أبيح إلا لها.
ينظر: الجهاد لشحاتة محمد شحاتة.
١٠) اختلف العلماء في هذا كما اختلفوا في جواز ضرب الحصن أو المدينة إذا كان بها مسلمون أو تترس
الكفار بهم، فهذان فرعان.
=

٣٩٥
كتاب السير
الأول: في حكم تترس الكفار بنسائهم وصبيانهم وغيرهم ممن يحرم قتله منهم.
=
الثاني: في حكم ما إذا وجد فيهم مسلم أو تترسوا بمسلمين أما الحكم في الفرع الأول - فذهب الحنفية
والشافعية والحنابلة إلى جواز رميهم وإن لم تدع إليه ضرورة. وقال المالكية: لا يجوز رميهم إلاّ عند
الضرورة، كالخوف على جمهور المسلمين.
واستدل الجمهور بأنه لو اعتبر الترس وامتنعنا من رميهم لأدّى إلى أن الكفار يتخذون ذلك ذريعة إلى
تعطيل الجهاد، وطريقاً إلى الظفر بالمسلمين، لأننا إن كففنا عنهم لا يكفون عنا فالاحتياط لنا أولى من
الاحتياط لمنَ تَتَرَّسُوا بهم.
واستدل المالكية على حرمة رميهم في غير حالة الضرورة بأن النساء والأطفال غنيمة للمسلمين وفي ترك
رميهم حفظ حق الغانمين فوجب الإبقاء عليهم.
يرد على ما استدل به المالكية أن كون النساء والصبيان غنيمة إنما يكون بعد الظفر بهم والاستيلاء عليهم،
أما قبل ذلك فنتيجة الحرب مجهولة لا يصح ترك القتال تعلقاً بها .
وأيضاً في رميهم كسر شوكة الكفار، وربما تدفعهم الشفقة على نسائهم وأولادهم إلى إلقاء السّلاح وترك
القتال ولذلك يترجح رأي الجمهور.
((الفرع الثاني) وأما الحكم في الفرع الثاني فد اتفق الفقهاء على أن وجود المسلم في الحصن أو في
المدينة من غير تترس به لا يمنع قتال الكفار لأنه قلما يخلو حصن أو مدينة من مدن الكفار من وجود
مسلم، ولو منع ذلك من قتالهم لانسد باب الجهاد. أما إذا تترسوا بالمسلمين فقد اتفقوا على أنه إذا رأى
أمير الجيش أن الكف عن رمي التُّرسِ يؤدي إلى هزيمة المسلمين جاز رمي الكفار وتوقي الترس بقدر
الإمكان .
أما إذا لم يعلم أن في الكف عن رميهم هزيمة للمسلمين ففي جواز الزّمي وفيهم الترس خلاف الفقهاء.
فذهب الحنفية والمالكية إلى جواز رميهم ولا يقصد الترس وذهب الشافعية والحنابلة والحسن بن زياد من
الحنفية إلى أنه لا يجوز رميهم.
واستدل الحنفية والمالكية على جواز رمي المسلمين في الترس بما يأتي:
أولاً: أن فيه دفع الضرر العام بالذب عن بيضة الإسلام بتحمل الضرر الخاص وتحمل الضرر الخاص
لدفع الضرر العام جائز قطعاً.
ثانياً: أن قتل المسلم في هذه الحالة محتمل، واحتمال قتل المسلم لم يمنع من قتال الكفار في غير صورة
التترس فإنه قلما يخلو حصن أو مدينة من مدن الكفار من مسلم أسير أو تاجر ولم يمنع هذا من قتال
الكفار وإلاّ انسد باب الجهاد لما تقدم في الفرع الأول فكذلك احتمال قتل المسلم في صورة التترس.
واستدل الشافعية ومن معهم بأنه في ترك رميهم صيانة للترس من الهلاك وهو واجب، والفرض أنه لا
يترتب على ترك الرمي هزيمة للمسلمين، وقتل المسلم مفسدة فوق مصلحة قتل الكافر وترك قتل الكافر
جائز.
ويناقش دليل الحنفية والمالكية الأول بأن القاعدة المذكورة إنما تكون عند العلم بانهزام المسلمين عند
عدم رمي الترس، والفرض خلافه فالمتحقق هو إلحاق الضرر الخاص بالترس المسلم وهو لا يرتكب
لدفع ضرر عام محتمل غير متيقن الحصول.
ويقال لهم في الثاني أن قياس قتل المسلم في حالة الترس على قتله في غير هذه الحالة قياس فاسد، لأن =

٣٩٦
کتاب السير
وقال الحسن بن زياد - رحمه الله -: تجب الدية والكفارة؛ وهو أحد قولي الشافعي
رحمه الله .
وجه قول الحسن: إن دم المسلم معصوم فكان ينبغي أن يمنع من الرمي، إلا أنه لم يمنع
لضرورة إقامة الفرض، فيتقدر بقدر الضرورة والضرورة في رفع المؤاخذة لا في نفي الضمان،
كتناول مال الغير حالة المخمصة أنه رخص له التناول، لكن يجب عليه الضمان لما ذكرنا
کذلك ههنا .
ولنا: أنه كما مست الضرورة إلى دفع المؤاخذة، لإقامة فرض القتال مست الضرورة إلى
نفي الضمان أيضاً؛ لأن وجوب الضمان يمنع من إقامة الفرض؛ لأنهم يمتنعون منه خوفاً من
لزوم الضمان، وإيجاب ما يمنع من إقامة الواجب متناقض وفرض القتال لم يسقط، دل أن
الضمان ساقط، بخلاف حالة المخمصة لأن وجوب الضمان هناك، لا يمنع من التناول، لأنه
لو لم يتناول لهلك. وكذا حصل له مثل ما يجب عليه فلا [يمنع من] التناول فلا يؤدي
التناقض .
ولا ينبغي للمسلمين أن يستعينوا بالكفار على قتال الكفار، لأنه لا يؤمن غدرهم، إذ
العداوة الدينية تحملهم عليه إلا إذا اضطروا إليهم (١)؛ والله - تعالى - أعلم.
عدم قتله في الثانية يترتب عليه سد باب الجهاد حقيقة، إذ ما من حصن كما يقولون أو مدينة تخلو من
=
مسلم أسير أو تاجر وليس كذلك في التترس إذ ليس كل حصن أو مدينة أو جيش يتترس أهله بالمسلمين،
فترك الزّمي في حالة التترس لا يسدّ باب الجهاد.
وبذلك يترجح مذهب القائلين بالتفصيل وهو أنه إن علمت الهزيمة بالكف عن رمي الترس جاز وإن لم
تعلم لا يجوز وهو مذهب الشافعية والحنابلة، والحسن بن زياد من الحنفية.
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.
(١) اتفق الفقهاء على أن المسلمين إذا لم يأمنوا جانب الكافر وخافوا منه إفشاء السّر للأعداء لا يجوز لهم
الاستعانة به لا في الحرب، لأن الاستعانة به في هذه الحالة تؤدي إلى نقيض المقصود منها، وهو نصرة
المسلمين وإعلاء كلمة الله ولا في خدمة الجيش والأعمال التمهيدية كحفر الخنادق وبناء الحصون،
وتمهيد الطرق، وإصلاح آلات الحرب وغير ذلك.
واختلفوا فيما عدا ذلك، فذهب الإمام مالك، وأَحْمَدُ في رواية عنه إلى أنه يحرم الاستعانة بالكفار في
الجهاد وبهذا قال ابن المنذر، والجَوْزَجَانِي، وجماعة من أهل العلم وذهب الإمام أبو حنيفة، والشافعي،
وأحمد في رواية أخرى إلى جواز الاستعانة بهم - وشرط الشافعي مع أمن خيانتهم كونهم بحيث لو انضم
المستعان به إلى العدو قاومناهم.
استدل المانعون بما يأتي:
=

٣٩٧
كتاب السير
أولاً: ما رواه أحمد ومسلم عن عائشة قالت: خَرَجَ النبيِ وَ لَ قَبِل بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجلٌ
=
كَانَتْ تُذْكَرُ منهُ جُزْأَةٌ وَنَجْدَةٍ فَفَرِحَ بِهِ أَصْحَابُ رسُول اللهَ وََّ حِيْنَ رَأَوَهُ، فَلمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ: جِئْتُك لأَنَّبِعَكَ
فَأُصِيبُ مَعَك قَالَ له رسولُ اللهِ وَّهِ: (تُؤْمِنُ باللهِ وَرُسُوْلَهُ؟ قَالَ لاَ، قَالَ: ارْجِعْ فَنْ أَسْتَعِيْنَ بِمُشْرِكِ)»
قالت: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشَّجْرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ لَهُ النَّبِيِّ نَّهِ ((كَمَا قَالَ
أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَّالَ: لاَ، قَالَّ فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِيْنَ بِمُشْرِكٍ قَالَتْ فَرَجَعَ فَأَدرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَّا قَالَ: أَوَّلَ مَرَّةٍ
تُؤمِنُ بِالله وَرَسُوْلِهِ؟ قَالَ نِعَمْ، فَقَالَ لَهُ فَانْطَلِقْ)).
ثانياً: ما رواه الإمام أحمد عن خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جَدِّه قال: أتَيْتُ النبيِوََّ ((وَهُوَ يُرِيدُ
غَزْواً أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمي وَلَم نُسْلِمْ فَقُلْنَا إِنَا نَسْتَحِيْ أَنْ يَشْهَدَ قَوْمُنَا مَشْهَداً لاَ نَشْهَدُهُ مَعَهُمْ، فَقَالَ
أَسْلَمْتُما؟ فَقُلْنَا لاَ، فَقَالَ: إِنّا لاَ نَسْتَعِيْنُ بِالمُشْرِكِيْنَ عَلَى المُشْرِكِيْنَ فَأَسْلَمْنَا وَشَهِدْنَا مَعَهُ)). ففي هذين
الحديثين نفي صريح للاستعانة بعموم المشركين، لأن لفظ مشرك نكرة في سياق النفي ولفظ المشركين في
الحديث الثاني جمع معرف بأداة الاستغراق فيفيد العموم، ولم يقبل منهم النبي ◌َّر الاستعانة في القتال
مع شدة رغبتهم فيه حتى أسلموا.
ثالثاً: إن الكافر لا يؤمن مكره وغدره لخبث طويته، والحرب تقتضي المناصحة والكافر ليس من أهلها.
وقد نوقش الدليلان الأوّلان بأنهما لا يَدُلاَنٍ على عدم جواز الاستعانة بالمشركين، وإنما كان ردّ
الرسول و # لمن رد؟ لأنه تفرس فيهم الرغبة في الإسلام فردهم رجاء أن يسلموا، وقد صدّق الله ظنه.
وقد ردّت هذه المناقشة بأن الحديثين عامّان في المنع من الاستعانة بمن طلب الإعانة وغيره.
واستدل المجيزون بما يأتي:
أولاً: ما رواه الإمام الشافعي، وأبو يوسف عن الحسن بن عمارة عَنْ الحكم بن مُقْسمٍ عن ابن عباس
قَالَ: اسْتَعَانَ رسُوْلُ اللهِ وَهَ بِيَهُوْدٍ بَنِي فَيْنُقَاعَ فَرَضَخْ لَهُمْ وَلَمْ يُسْهِمْ.
ثانياً: ما رواه أبو داود في مراسيله عن الزهري أن النبي ◌َّ استعان بناس من اليهود في خيبر في حربه
فأسهم لهم.
ثالثاً: ما رواه أحمد وأبو داود عن ذي مخبر قال: سمعت رسول الله وَالله يقول: ((سَتُصَالِحُوْنَ الْزُومَ
صُلْحاً تُغْزُوْنَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوا مِنْ وَرَائِكُمْ)) فأخبر عليه الصلاة والسلام بأن المسلمين سيحصل منهم التعاون
مع الزّوم وإخباره رَّ صدق لا شك فيه، ولم يذكر ما يدل على أنه ممنوع.
رابعاً: هناك حوادث أخرى اشتهرت عند أهل السّير تفيد الاستعانة بهم كما في زاد المعاد، وعيون الأثر
والشوكاني منها أن قزمان خرج مع رَسُولِ اللهِّهِ وَهُوَ مُشرِكٌ فَقَتَلَ ثَلاثَةً مِنْ بَنِيْ عَبْدِ الدَّارِ حَمَلَة لِوَاءِ
الْمُشْرِكِيْنَ حَتَّى قَال رسولُ اللهِوَّهَ إِنَّ الله لَيُّأَزْرُ هَذَا الدِيْنِ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ، وَمِنْهَا: أَنَّ خُزَاعَةً خَرَجَتْ مَعَ
النَّبِيِّ بَّهَ على قُرَيْشِ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَمِنْهَا أَنَّ النبي ◌ََّ اسْتَعَارَ مِنْ صَفْوَانَ بِنْ أُمَيَّةَ دُرُوْعاً وَأَشْيَاءٌ أُخْرى
يُسْتَعَانُ فِيْ الْحَرْبِ، وَكَانَ صَفَّوَانُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُشْرِكاً.
وأجابوا عن حديث عائشة، وحديث خبيب رضي الله عنهما بأنهما منْسوْخَانٍ، لأن المنع من الاستعانة كان
في أول الأمر ثم استعان بهم النبي وَّ في غزوةٍ خيبَرَ سَنَةَ سِت مِنَ الْهِجْرَةِ فَتَكُوْنُ نَاسِخَةً لِمَا قَبْلَهَا.
ونوقشت أدلة المجيزين بما يأتي :
أولاً: الحديث الأول في سنده الحسن بن عمارة وهو ضعيف فلا يحتج به.
=

٣٩٨
کتاب السير
فصل في بيان من يحل قتله ومن لا يحل
وأما بيان من يحل قتله من الكفرة، ومن لا يحل، فنقول:
الحال لا يخلو: إما أن يكون حال القتال، أو حال ما بعد الفراغ من القتال، وهي ما بعد
الأخذ والأسر.
أما حال القتال فلا يحل فيها قتل امرأة ولا صبي(١) ولا شيخ فَانٍ ولا مُفْعَدٍ، ولا يابس
الشق، ولا أعمى، ولا مقطوع اليد والرجل من خلاف، ولا مقطوع اليد اليمنى ولا معتوه ولا
ثانياً: والحديث الثاني أرسله الزهري، وكان يحيى بن القطّان لا يرى مراسيل الزهري شيئاً ويقول هي
بمنزلة الريح.
ثالثاً: حديث ذي مخبر ليس في استعانة المسلمين بأفراد من الكفّار وإنما هو في التحالف معهم ضد عدوّ
مشترك.
رابعاً: يقال في حديث قزمان أنه لم يبين طريقه ليمكن الحكم عليه ولو سلمت صحته فلم يثبت أنه ◌ّي# أذن له
بذلك في الابتداء، وغاية ما فيه أنه يجوز للإمام السكوت عن كافر قاتل مع المسلمين تبرعاً منه من غير استعانة
منهم به وأما خزاعة فقد كانوا حلفاء النبي ◌َّر والأهم من ذلك أنهم كانوا في ذلك الوقت مسلمين بدليل قول
عمران بن سالم الخزاعي حين وَفَدَ عَلَى النبي ◌َّهِ يَسْتَنْصِرُهُ على بني بكر وقريش [الرجز]:
حِلَفَ أَبِيْنَا وَأَبِيْهِ الأَتْلَدا
يَا رَبِّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّداً
قَذْ كُنْتُمْ وِلْداً وَكُنَا وَالِداً ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَشْزَعَ يَدَا
إلى أن قال:
هُمْ بَيَّتُونَا بالوَتِيْرِ هُجَّداً وَقَاتَلُوْنَا رُكْعاً وسُجَّدا
وأمَّا حديث صفوان فهو في غير محل النزاع، لأن ما فيه أن النبي وَّرَ اسْتَعَانَ بِالسِّلاَحِ والْكَلاَمِ فِي
الاسْتِعَانَةِ بِالرَّجَالِ، والفَرْقُ وَاضِحْ.
ومن هذه المناقشة يظهر أن أدلة المجيزين لا تنهض للاستدلال فضلاً عن كونها تعارض أدلّةَ المنع، ولو
صحّ أن النبي و ﴿و استعان بأحد من المشركين لأمكن أن نجعله مخصوصاً من عموم المنع للمصلحة،
ولأمكن أن نقيس عليه مثله مما يكون في الاستعانة به مصلحة للمسلمين، ولكن لم يظهر ذلك.
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.
(١) اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، والدليل على ذلك ما رواه الجماعة إلا النسائي عن
عبد الله بن عمر قال ((وُجِدَت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي وَِّ فَتَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ والصِبْيَانِ)) - واتفقوا
أيضاً على أن من قاتل في صفوف الكفار جاز قتله سواء كان صبّا أو امرأة أو شيخاً أو راهباً أو غيرهم دفعاً لِشَرِّهِ.
واختلفوا في الشيخ الفاني والمقعد والأعمى والراهب في صومعته وأهل الكنائس الَّذِيْنَ لا يخالطون الناس
إذا لم يكن لهم في الحرب رأي.
فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعي في قول له إلى عدم جواز قتلهم.
وذهب الشافعي في أظهر قوليه وابن حزم إلى جواز قتلهم.
واستدل الجمهور بما يأتي: أولاً: ما رواه أبو داود عن أنس عن النبي ◌َّهِ أنه قال: ((لاَ تَقْتُلُوْا شيْخاً فَانِياً
وَلاَ طِفْلاً وَلاَ امْرَأَةً)) .
=

٣٩٩
کتاب السير
راهب/ في صومعة، ولا سائح في الجبال لا يخالط الناس، وقوم في دار أو كنيسة ترهبوا
وطبق عليهم الباب.
أما المرأة والصبي: فلقول النبي ◌َّر: ((لاَ تَقْتُلُوا امْرَأةً وَلاَ وَلِيداً)) (١) وروي أنه - عليه
الصلاة والسلام - رَأَىْ فِي بَعْض غَزَوَاتِهِ امْرَأَةً مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ بَّهِ: ((هَاه، مَا أَرَاهَا
قَاتَلَتْ، فَلِم قُتِلَتْ))(٢) ونَهِى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، ولأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال فلا
يقتلون، ولو قاتل واحد منهم قتل.
وكذا لو حرض على القتال، أو دل على عورات المسلمين، أو كان الكفرة ينتفعون برأيه
أو كان مطاعاً، وإن كان امرأة، أو صغيراً لوجود القتال من حيث المعنى.
وقد روي أن ربيعة بن رفيع السلمي(٣) - رضي الله عنه - أدرك دريد بن الصمة يوم حنين
فقتله وهو شيخ كبير، كالقفة لا ينتفع إلا برأيه؛ فبلغ ذلك رسول الله - رَّر - ولم ينكر عليه.
ثانياً: ما روي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه أوصى يزيد بن معاوية حين وجهه إلى الشام قال ((لاً
=
تَقْتُلُوا صَبِيَّ وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ هَرِماً)) وعن عمر رضي الله عنه أنه أوصى مسلم بن قيس بمثل ذلك.
ثالثاً: ما رواه أحمد عن ابن عباس قال: كان رسول الله وَ ﴿ إذا بعث جيوشه قال: ((اخْرُجُوا بِاسْم الله تعالى
تُقَاتِلُوْنَ فِي سَبِيْلِ الله مِنْ كَفرَ بالله لاَ تُغْدِرُوْا وَلاَ تَغْلُوْا وَلاَ تُمَثْلُوْا ولاَ تَقْتُلُوْا الْوِلْدَانَ وَلاَ أَصْحَابَ الصَّوامِعِ)).
رابعاً: بالقياس على المرأة والصبي بجامع أن كلاًّ ليس من أهل القتال واستدل الشافعي، وابن حزم على جواز قتلهم
بعموم قوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِيْنَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوْهُمْ﴾ وهو عام يتناول الشيخ والأعمى والمقعد وغيرهم.
واستدل الشافعية أيضاً بأنهم أحرار مكلفون فجاز قتلهم كغيرهم.
ويرد على الجمهور في دليلهم الأول أن في إسناده خالد بن الفِرْزِ، وقد قال فيه ابن معين: ليس بذاك، وقال
ابن حزم: أنه مجهول وبذلك لا ينهض حجة للمدعي. وفي دليلهم الثاني أن ما روي عن أبي بكر وعمر إنما هو
من أقوال الصحابة وقد تكون ناشئة عن اجتهاد وليسوا معصومين من الخطأ فلا ينتهض كلامهم حجة للمدعي.
وفي دليلهم أن في إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وهو ضعيف فلا يكون حجة.
وأمَّا ما استدل به الشافعي، وابن حزم من عموم الآية فيقال فيه إن الآية خصصت بالنساء والصبيان وأهل
الذمة فيقاس عليهم غيرهم.
بقي الترجيح بين القياسين وذلك بالنظر في علتيهما والذي يقتضيه الدليل أن العلة في قتل الأفراد هي
الحرابة لا الكفر بدليل الاتفاق على تحريم قتل النساء والصبيان، وبهذا تترجح علة الحرابة وتبعاً لها
يترجح قياس الجمهور ويكون قتل الشيخ الفاني والمقعد والأعمى ومن على شاكلتهم ممن لا قوة له ولا
رأي ممنوعاً منه شرعاً.
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) ربيعة بن رفيع: بالتصغير: ابن ثعلبة بن ضبيعة بن ربيعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن امرىء
القيس بن بهثة بن سليم السلمي. كان يقال له ابن الدغنة وهي أمه ويقال اسمها لذعة، وهو الذي جزم به
ابن هشام وهشام بن الكلبي وأبو عبيدة.
ينظر ترجمته في: الإصابة ٣٨٦/٢، أسد الغابة (١٦٣٩) والاستيعاب (٧٥٨).

٤٠٠
کتاب السیر
والأصل فيه: أن كل من كان من أهل القتال يحل قتله، سواء قاتل، أو لم يقاتل، وكل من
لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض،
وأشباه ذلك على ما ذكرنا؛ فيقتل القسيس والسياح الذي يخالط الناس والذي يجن ويفيق والأصم
والأخرس وأقطع اليد اليسرى، وأقطع إحدى الرجلين وإن لم يقاتلوا؛ لأنهم من أهل القتال.
ولو قتل واحد ممن ذكرنا؛ أنه لا يحل قتله؛ فلا شيء فيه من دية، ولا كفارة، إلا
التوبة والاستغفار، لأن دم الكافر لا يتقوم إلا بالأمان ولم يوجد، وأما حال ما بعد الفراغ
من القتال، وهي ما بعد الأسر والأخذ، فكل من لا يحل قتله في حال القتال لا يحل قتله
بعد الفراغ من القتال، وكل من يحل قتله في حال القتال إذا قاتل حقيقة، أو معنى يباح
قتله بعد الأخذ والأسر إلا الصبي والمعتوه الذي لا يعقل فإنه يباح قتلهما في حال القتال
إذا قاتلا حقيقة، ومعنى ولا يباح قتلهما بعد الفراغ من القتال إذا أسرا، وإن قتلا جماعة
من المسلمين في القتال؛ لأن القتل بعد الأسر بطريق العقوبة، وهما ليسا من أهل العقوبة،
فأما القتل في حالة القتال، فلدفع شر القتال وقد وجد الشر منهما، فأبيح قتلهما لدفع الشر
وقد انعدم الشر بالأسر، فكان القتل بعده بطريق العقوبة، وهما ليسا من أهلها؛ والله
- سبحانه وتعالى - أعلم.
ويكره للمسلم أن يبتدىء أباه الكافر الحربي بالقتل؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدّنْيَا
مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] أمر سبحانه وتعالى بمصاحبة الأبوين الكافرين بالمعروف، والابتداء بالقتل
ليس من المصاحبة بالمعروف.
وروي؛ أن حنظلة - رضي الله عنه - غسيل الملائكة - عليهم الصلاة والسلام - استأذن
رسول الله وَ ﴿ في قتل أبيه، فنهاه عليه الصَّلاة والسلام(١)، ولأن الشرع أمر بإحيائه بالنفقة عليه
فالأمر بالقتل فيه افناؤه يكون متناقضاً، فإن قصد الأب قنعه بدفعه عن نفسه، وإن أتى ذلك
على نفسه، ولا يكره ذلك؛ لأنه من ضرورات الدفع، ولكن لا يقصد بالدفع القتل؛ لأنه لا
ضرورة إلى القصد، والله تعالى أعلم.
فصل في بیان من يسع تر که في دار الحرب
وأما بيان من يسع تركه في دار الحرب ممن لا يحل قتله، ومن لا يسع، فالأمر فيه لا
يخلو من أحد وجهين :
(١) تقدم تخريجه بزيادة أن عبد الله بن عبد الله بن أبي استأذن النبي وَّر في قتل أبيه أيضاً.