النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ كتاب السرقة والثاني: أنه جعل القطع كل الجزاء، لأنه - عز شأنه - ذكره ولم يذكر غيره، فلو أوجبنا الضمان، لصار القطع بعض الجزاء، فيكون نسخاً لنص الكتاب العزيز. وأما السنة: فما روي عن سيدنا عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - عن رسول اللّه ◌َ﴾ قال: إذا قطع السارق، فلا غرم عليه. والغرم في / اللغة: ما يلزم أداؤه(١) وهذا ٢٩٨/٢] نص في الباب. (١) أخرجه النسائي (٨/ ٩٣) كتاب قطع السارق: باب تعليق يد السارق في عنقه، والدارقطني (١٨٢/٣) كتاب الحدود والديات حديث (٢٩٧) والبزار والطبراني في ((الأوسط)) كما في «نصب الراية)) (٣٧٥/٣، ٧٦) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٨/ ٣٢٢) والبيهقي (٢٧٧/٨) كتاب السرقة: باب غرم السارق، كلهم من طريق المفضل بن فضالة ثنا يونس بن يزيد الأيلي عن سعد بن إبراهيم عن أخيه المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله وَ * قال: ((لا يغرم صاحب السرقة إذا أقيم عليه الحد)» لفظ النسائي. قال النسائي: هذا مرسل وليس بثابت. وقال الدارقطني: والمسور بن إبراهيم لم يدرك عبد الرحمن بن عوف فإن صح إسناده فهو مرسل قال: وسعد بن إبراهيم مجهول. وقال البزار: والمسور بن إبراهيم لم يلق عبد الرحمن بن عوف. وقال الطبراني: لا يروى عن عبد الرحمن بن عوف إلا بهذا الإسناد وهو غير متصل لأن المسور لم يسمع من جده عبد الرحمن. وقال البيهقي: هذا حديث مختلف فيه عن المفضل فروى عنه هكذا وروى عنه عن يونس عن الزهري عن سعد فإن كان سعد هذا ابن إبراهيم بن عبد الرحمن فلا نعرف بالتواريخ له أخاً معروفاً بالرواية يقال له المسور بن إبراهيم ولا يثبت للمسور الذي ينسب إليه سعد بن محمد بن المسور سماع من جده عبد الرحمن بن عوف ولا رؤيته فهو منقطع وإن كان غيره فلا نعرفه ولا نعرف أخاه. قال الزيلعي في «نصب الراية)) (٣٧٦/٣): وقال عبد الحق في أحكامه: إسناد منقطع، قال ابن القطان في كتابه: وفيه مع الانقطاع بين المسور وجده عبد الرحمن بن عوف انقطاع آخر بين المفضل ويونس. والحديث ذكره ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١/ ٤٥٢) رقم (١٣٥٧) وقال: سألت أبي عن حديث رواه مفضل بن فضالة عن يونس بن يزيد الأيلي عن سعد بن إبراهيم عن المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي ◌ّ﴾ قال: ((لا يُغرم السارق إذا أقيم عليه الحد)) قال أبي: هذا حديث منكر ومسور لم يلق عبد الرحمن، هو مرسل أيضاً قال الزيلعي في ((نصب الراية)» (٣٧٦/٣): وقال البيهقي في ((كتاب المعرفة)) هذا حديث رواه المفضل بن فضالة قاضي مصر، واختلف عليه فيه، فقيل عنه عن يونس بن يزيد عن سعد، وقيل: عنه عن يونس، عن سعد بن إبراهيم عن أخيه المسور، فإن كان سعد هذا هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فقال أهل العلم بالحديث، لا نعرف له في التواريخ أخاً معروفاً بالرواية. يقال له: المسور، وإن كان غيره، فلا نعرفه، ولا نعرف أخاه، قال البيهقي: وقد رأيت حديثاً لسعد بن محمد بن المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فإن كان هذا الانتساب صحيحاً، وثبت كون المسور أخاً لسعد بن إبراهيم فلم يثبت له سماع من جده عبد الرحمن، ولا روية، وذلك لأن إبراهيم بن عبد الرحمن كان في خلافة عمر بن الخطاب صبياً صغيراً، ومات أبوه في خلافة عثمان، فإنما كان أدرك أولاده بعد موت أبيه، وإنما رواية ابنيه المعروفين: صالح، وسعد، عن أبيهما، = ٣٤٢ كتاب السرقة وأما المعقول: فمن وجهين : أحدهما: بناء، والآخر ابتداء أما وَجْهُ البناء: فهو أن المضمونات عندنا تملك عند أداء الضمان، أو اختياره من وقت الأخذ، فلو ضمنا السارق قيمة المسروق أو مثله لملك المسروق من وقت الأخذ، فتبين أنه قطع في ملك نفسه، وذلك لا يجوز. وأما وجه الابتداء: فما قاله بَعْضُ مشايخنا، وهو أن الضمان إنما يجب بأخذ مال معصوم ثبتت عصمته حقًّا للمالك؛ فيجب أن يكون المضمون بهذه الصفة؛ ليكون اعتداء بالمثل في ضمان العدوانات، والمضمون حالة السرقة خرج من أن يكون معصوماً حقًّا للمالك بدلالة وجوب القطع، ولو بقي معصوماً حقًّا للمالك لما وجب؛ إذ الثابت حقًّا للعبد يثبت لدفع حاجته، وحاجة السارق كحاجة المسروق منه، فتتمكن فيه شبهة الإباحة، وإنها تمنع وجوب القطع، والقطع واجب؛ فينتفي الضمان ضرورة، إلا أنه وجب رد المسروق حال قيامة؛ لأن وجوب الرد يقف على الملك، لا على العصمة. ألا ترى أن من غصب خمر المسلم يؤمر بالرد إليه، لقيام ملكه فيها، ولو هلكت في يد الغاصب لا ضمان عليه؛ لعدم العصمة؛ فلم يكن من ضرورة سقوط العصمة الثابتة حقًّا للعبد زوال ملكه عن المحل، وههنا الملك قائم، فيؤمر بالرد إليه، والعصمة زائلة؛ فلا يكون مضموناً بالهلاك، ويخرج على هذا الأصل مسائل: إذا استهلك السارق المسروق بعد القطع، لا يضمن في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه يضمن. وجه هذه الرواية: أن المسروق بعد القَطْع بقي على ملك المسروق منه؛ ألا ترى أنه يجب رده على المالك، وقبض السارق ليس بقبض مضمون؛ فكان المسروق في يده بمنزلة الأمانة، فإذا استهلكها ضمن. وجه ظاهر الرواية: أن عصمة المحل الثابتة حقًّا للمالك قد سقطت في حق السارق؛ لضرورة إمكان إيجاب القطع، فلا يعود إلا بالرد إلى المالك؛ فلم يكن معصوماً قبله، فلا يكون مضموناً. = عن عبد الرحمن، فهد الذي عرفناه بحفدته - وفيه نظر - لا يعرف له رؤية ولا رواية عن جده، ولا عن غيره من الصحابة، فهو مع الجهالة منقطع، وبمثل هذه الرواية لا تترك أموال المسلمين تذهب باطلاً، وقد قال - عليه السلام -: ((على اليد ما أخذت حتى تؤدي، انتهى كلامه بحروفه، وقال في التنقيح)): يوجد في بعض النسخ سعيد بن إبراهيم، والمعروف سعد، قال ابن أبي حاتم: مسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أخو صالح، وسعد بن إبراهيم روى عن عبد الرحمن بن عوف مرسلاً، وقال ابن المنذر: سعد بن إبراهيم هذا مجهول، وقيل إنه الزهري قاضي المدينة، وهو أحد الثقات الأثبات، لكن قال البيهقي: إن الزهري لا يعرف له أخ معروف بالرواية يقال له المسور. ٣٤٣ كتاب السرقة ولو استهلك رجل آخر يضمنه؛ لأن العصمة إنما سقطت في حق السارق، لا في حق غيره فيضمن، ولو سقط القطع لشبهة ضمن؛ لأن المانع من الضمان هو القطع، وقد زال المانع . ولو باع السارق المسروق من إنسان أو ملكه منه بوجه من الوجوه، فإن كان قائماً فلصاحبه أن يأخذه؛ لأنه عين ملكه، وللمأخوذ منه أن يرجع على السارق بالثمن الذي دفعه؛ لأن الرجوع بالثمن لا يوجب ضماناً على السارق في عين المسروق؛ لأنه يرجع عليه بثمن المسروق لا بقيمته؛ ليوجب ذلك ملك المسروق للسارق. وإن كان هلك في يده، فلا ضمَان على السارق، ولا على القابض؛ هكذا روي عن أبي يوسف. أما السارق: فلأن القطع ينفي الضمان، وأما المشتري: فلأنه لو ضمنه المالك، لكان له أن يرجع بالضمان على السارق؛ فيصير كأن المالك ضمن السارق وقطعه ينفي الضمان عنه، وإن كان استهلكه القابض كان للمالك أن يضمنه القيمة؛ لأنه قبض ماله بغير إذنه، وهلك في يده وللمشتري أن يرجع على السارق بالثمن، لأن الرجوع بالثمن ليس بتضمين. ولو اغتصبه إنسان من السارق، فهلك في يده بعد القطع؛ فلا ضَمَانَ للسارق، ولا للمسروق منه . أما السارق: فلأنه ليس بمالك، وأما المالك: فلأن العصمة الثابتة له حقًّا قد بطلت. قال القدوري: وكان للمولى أن يضمنه الغاصب؛ لأنه لو ضمن لا يرجع بالضمان على السارق، وعلى هذا يخرج ما إذا سرق ثوباً فخرقه في الدار خَرْقاً فاحشاً، ثم أخرجه وهو يساوي عشرة دراهم لا يقطع؛ لأن الخَرْقَ الفاحش سبب لوجوب الضمان، وإنه يوجب ملك المضمون، وذلك يمنع القطع، وإن خرقه عرضاً، فقد مَرَّ الاختلاف فيه. ومنها: أن يجري فيه التداخل؛ حتى إنه لو سرق سرقات، فرفع فيها كلها فقطع، أو رفع في بعضها فقطع فيما رفع؛ فالقطع للسرقات كلها، ولا يقطع في شيء منها بعد ذلك، لأن أسباب الحدود إذا اجتمعت، وإنها من جنس واحد يكتفي فيها بحد واحد؛ كما في الزنا؛ وهذا لأن المقصود من إقامة الحد هو الزجر والردع، وذلك يحصل بإقامة الحد الواحد؛ فكان في إقامة الثاني والثالث شبهة عدم الفائدة؛ فلا يقام. ولهذا يكتفي في باب الزنا بالإقامة لأول حد؛ كذا هذا، ولأن محل الإقامة قد فات؛ إذ محلها اليد اليمنى؛ لأن كل سرقة وجدت ما أوجبت إلا قطع اليد اليمنى، فإذا قطعت في واحدة منها، فقد فات محل الإقامة، وصار كما لو ذهبت اليد اليمنى بآفة سماوية. وأما حكم الضمان: / فلا خلاف بين أصحابنا - رضي الله عنهم - في أنه إذا حضر ٢٩٨/٢ب ٣٤٤ كتاب السرقة أصحاب السرقات وخاصموا فيها، فقطع بمخاصمتهم أنه لا ضمان على السارق في السرقات كلها؛ لأن مخاصمة المسروق منه بالقطع بمنزلة الإبراء عن الضمان عندنا، فإذا خاصموا جميعاً فكأنهم أبرؤوا وأما إذا خاصم واحد في سرقة فقطع، فلا ضمان على السارق فيما خوصم بإجماع بين أصحابنا - رضي الله عنه - وأما فيما لم يخاصم فيه. فقد اختلفوا: قال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا ضمان عليه في شيء من السرقات، خاصموا أو لم يخاصموا. وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - يضمن في السرقات كلها، إلا فيما خوصم. وجه قولهما: إنَّ المسروق منه مخير بين أن يدعي المال يستوفي حقه؛ وهو الضمان، وبين أن يدعي السرقة؛ ليستوفي حق الله - سبحانه وتعالى - وهو القَطْع، ولا ضمان له؛ فكان سقوط الضمان مبنياً على دعوى السرقة والخصومة فيها، فمن خاصم منهم، فقد وجد منه ما يوجب سقوط الضمان، ومن لم يخاصم لم يوجد منه المسقط، فيبقى حقه في الضمان كما كان. ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن النافي للضمان هو القطع، والقطع وقع للسرقات كلها، فينفي الضمان في السرقات كلها؛ هذا إذا كان المسروق هالكاً، أما إذا كان قائماً رد كل مسروق إلى صاحبه؛ لأن القطع ينفي الضمان لا الرد. ومنها: أنه لا يحتمل العفو؛ حتى لو أمر الإمام بقطع السارق، فعفا عنه المسروق منه، كان عفوه باطلاً، لأن صحة العفو يعتمد كون المعفو عنه حقًّا للعافي، والقطع خالص حق الله - سبحانه وتعالى - لا حَقّ للعبد فيه؛ فلا يصح عفوه؛ والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما محل إقامة هذا الحكم: فالكلام فيه في موضعين: أحدهما: في بيان أصل المحل، ومراعاة الترتيب فيه. والثاني: في بیان موضع إقامة الحكم منه. أما الأول: فأصل المحل عند أصحابنا طرفان فقط(١)، وهما اليد اليمنى، والرجل (١) اختلف الفقهاء في محل القطع من السارق. فذهب الحنفية، والحنابلة إلى أنه اليد اليمنى، والرجل اليسرى وذهب المالكية، والشافعية إلى أنه اليدان والرجلان وذهب داود وربيعة إلى أنه اليدان فقط . وذهب عطاء إلى أنه اليد اليمنى خاصة. استدل الحنفية، والحنابلة. بأدلة منها ما يخص اليد اليمنى ومنها ما يعم اليد اليمنى والرجل اليسرى. أما ما يخص اليد اليمنى. فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ . = ٣٤٥ كتاب السرقة ٠٠. ووجه الدلالة. أن المراد بأيديهما أيمانهما. لقراءة عبد الله بن مسعود: ((فَاقْطَعُوْا أَيْمانهُمَا)) وهي خبر = مشهور مقيد لإطلاق الآية. فالذي يقطع من السارق والسارقة بنص الآية اليد اليمنى فاليد اليسرى خارجة من إطلاق الآية بهذه القراءة. ولم يثبت في السنة من طريق صحيح تعلق القطع بها في السرقة. فعلم من ذلك أنها ليست كلا المقطع. وأما ما يعم اليد اليمنى، والرجل اليسرى. فأولاً: ما رواه الدارقطني عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: إذا سرق السارق قطعت يده اليمنى. فإن عاد قطعت رجله اليسرى. فإن عاد ضمنته السجن حتى يحدث خيراً. إني لأستحي من الله أن أدعه ليس له يد يأكل بها ويستنجي بها، ورجل يمشي عليها. وثانياً: ما رواه ابن أبي شيبة أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن السارق فكتب إليه بمثل قول علي. وثالثاً: ما رواه ابن أبي شيبة. أن عمر - رضي الله عنه -: قال إذا سَرقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ ثم إِنْ عَاد فَاقْطَعُوْا رِجْلَه. ولا تَقْطَعُوْا يَدَهُ الأُخْرَى. وذروه يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا. ورابعاً: ما رواه ابن أبي شيبة أن عمر - رضي الله عنه - استشار الصحابة في سارق فأجمعوا على مثل قول علي. فهذه الآثار جميعها صريحة في أن ما يقطع من السارق إنما هو اليد اليمنى والرجل اليسرى. ثم إن عاد إلى السرقة بعد قطعهما. أودع السجن حتى يظهر صلاح حاله. واستدل المالكية، والشافعية بأدلة: منها ما يخص اليدين، ومنها ما يعم اليدين والرجلين. أما ما يخص اليدين. فأولاً: قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوْا أَيْدِيَهُمَا﴾ فإن اسم اليد يطلق على اليد اليسرى كما يطلق على اليد اليمنى. وقد أمر الله تعالى. بقطع يدي كل من السارق، والسارقة. فظاهر النص قطعهما معاً لولا قيام الإجماع على عدم قطعهما معاني سرقة واحدة. وعلى عدم الابتداء باليسرى. وأجيب عنه بأنه نص الآية لا يتناول اليد اليسرى لتقييده باليمنى من قراءة عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه -. وثانياً: ما رواه ((مالك)) في ((الموطأ)) عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن رجلاً من اليمن أقطع اليد والرجل قدم، فنزل على أبي بكر الصديق، فشكا إليه أن عامل اليمن ظلمه، فكان يُصَلِّي من الليل، فيقول أبو بكر - رضي الله عنه - وأبيك ما ليلك بليل سارق، ثم إنهم فغدوا عند الأسماء بنت عُمَيْس امرأة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فجعل الرجل يطوف معهم، ويقول: اللهم عليك بمن بيت لأهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغ، زعم أن الأقطع جاء به، فاعترف الأقطع، أو شهد عليه، فأمر به أبو بكر فقُطِعَت يَدُهُ اليسرى. وقال أبو بكر: إن بكاؤُهُ على نفسِهِ أشدُّ عليه من سَرِفَتِهِ . فهذا الأثر صريح في أن اليد اليسرى محلٌّ للقطع، وإلا لما صح لأبي بكر قطعها. وأجيب عنه: بأن سارق حلي أسماء لم يكن أقطع اليد، والرجل. بل كان أقطع اليد اليمنى فقط. فقد قال محمد بن الحسن في موطئه قال ((الزهري)): ويروى عن عائشة قالت: إنما كان الذي سرق حلي أسماء أقطع اليد اليمنى: فقطع أبو بكر رجله اليسرى. قال وكان ابن شهاب أعلم بهذا الحديث من غيره. وأما ما يعم اليدين، والرجلين: فما رواه الدارقطني من طريق الواقدي عن أبي هريرة عن النبي وَّ قال: (إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوْا رِجْلَهُ. فَإِنْ عَادٍ فَاقْطَعُوْا يده فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوْا رِجْلَهُ)). فهذا الحديث صريح في أن القطع يتعلق بجميع أطراف السارق. = ٣٤٦ كتاب السرقة اليسرى؛ فتقطع اليد اليمنى في السرقة الأولى، وتقطع الرجل اليسرى في السرقة الثانية، ولا يقطع بعد ذلك أصلاً، ولكنه يضمن السرقة، ويعزر ويحبس، حتى يحدث توبة عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - الأطراف الأربعة محل القطع على الترتيب، فتقطع اليد اليمنى في المرة الأولى، وتقطع الرجل اليسرى في المرة الثانية، وتقطع اليد اليسرى في المرة الثالثة، وتقطع وأجيب عنه: بأنه لا يصلح للاحتجاج فإن في طريقه الواقدي وفيه فقال. وقد روي هذا المعنى من طرق = كثيرة لم تسلم من الطعن. فقد قال ((الطحاوي)) تتبعنا هذه الآثار. فلم نجد لشيء منها أصلاً ومما يدل على عدم صلاحيته للحجية عدم استدلال الصحابة به حينما استشارهم علي - رضي الله عنه - في سارق أقطع اليد والرجل فلم يقطعه، وجلده جلداً شديداً. ودعوى الجهل به بعيدة فإن مثل هذا لا يخفى على الصحابة رضوان الله عليهم فعدم احتجاجهم به ليس إلا لضعفه أو نسخه فإن الحدود كان فيها تغليظ في الابتداء. ألا ترى أن النبي ◌َّهِ. قَطَعَ أَيْدِ العِرْنَيْنِ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِك. واستدل داود ومن وافقه بقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوْا أَيْدِيَهُمَا﴾ . ووجه الدلالة. أن الله تعالى قد نص على قطع اليدين ولم ينص على قطع الرجلين فلو كان قطع الرجلين مطلوباً لأمر به تعالى والسنة لم يرد فيها من طريق صحيح ما يفيد قطعهما في السرقة. والذي ورد في السنة صحيحاً جميعه يتعلق بقطع اليد: فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعَ مُحَمَّد يَدَهَا)) وقالِ وََّ: ((لاَ تُقْطَعُ اليدُ إلاَّ في رُبْعِ دِينارٍ فَصَاعِداً» وأمثال ذلك كثير الله متعلق بقطع اليد ولم يرد للرجل فيها ذكر. وفي ذلك دليل صحيح على أن القطع إنما يتعلق باليدين دون الرجلين وأجيب عنه من قبل الحنفية، والحنابلة بأنه لا دلالة في الآية على أن اليد اليسرى محل للقطع. فإن المراد من قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوْا أَيْدِيَهُمَا﴾ أيمانهما. لقراءة عبد الله بن مسعود ((فَاقْطَعُوْا أَيْمَانَهُمَا)) وقطع الرجل اليسرى قد ثبت بالسنة الصحيحة. وإجماع الصحابة على ذلك مما يقطع بصحة السنة الواردة بقطع الرجل اليسرى بعد قطع اليد اليمنى. واستدل عطاء بقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوْا أَيْدِيَهُمَا﴾ . فإن المراد من قوله: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ أيمانهما لقراءة عبد الله ﴿فَاقْطَعُوْا أَيْمانَهُمَا﴾ فإنها مقيدة لإطلاق الآية. فاليد اليسرى ليست مراده ولم يثبت في السنة من طريق صحيح قطع غيرها من الأطراف، فوجب الاقتصار عليها . وأجيب عنه بأن السنة الصحيحة قد أثبتت قطع الرجل اليسرى في السرقة، وقام الإجماع على ذلك. هذا والراجح ما ذهب إليه الحنفية، والحنابلة من أن محل القطع إنما هو اليد اليمنى، والرجل اليسرى لقوة أدلته أو لأن القطع إنما شرع للزجر لا للإتلاف. وفي استيفاء: الأطراف الأربعة بالقطع إتلاف أو شبهة إتلاف، وشبهة الإتلاف تنزل منزلة الإتلاف فيما يدرأ بالشبهات. والزجر يتحقق بالقطع مرتين. فإن إزالة عضوين من الجسم لهما قيمتهما في البطش، والمشي لأبلغ عظة وأقوى زاجراً لمن خبثت نفسه، ومال به هواه والحكمة من تعلق القطع بالأطراف. أنها آلة الجريمة التي يتمكن السارق بها من الحصول على قصده، وتنفيذ رغبته فناسب بترها، وإزالتها عقوبة له، وزجراً لغيره وبين المجرمين. ينظر: حد السرقة لشيخنا إبراهيم الشهاوي. ٠٠ ٣٥٠ كتاب السرقة ١٢٩٩/٢ ((فاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا))(١) ولا يظن بمثله أن يقرأ/ ذلك من تلقاء نفسه، بل سماعاً من رسول الله وَّر، فخرجت قراءته مخرج التفسير لمبهم الكتاب العزيز، وهكذا روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] أنه قال: ((أيْمَانَهُمَا))، وهكذا روي عن الحسن وإبراهيم، رحمهما الله . (١) قوله: ﴿أيديهما﴾ جمعٌ واقعٌ موقَع التثنيةِ لأمْنِ اللَّبْس، لأن معلومٌ أنه يُقْطَعُ مِنْ كلّ سارقٍ يمينه، فهو من باب ﴿صَغَتْ قلوبكما﴾، ويدل على ذلك قراءةُ عبد الله: ((فاقطعوا أيمانَهما)) واشترط النحويون في وقوع الجمعِ موقعَ التثنية شروطاً، من جملتها: أن يكون ذلك الجزءُ المضاف مفرداً من صاحبه نحو: ((قلوبكما) و((رؤوس الكبشين)) لأمن الإلباس بخلافِ العينين واليدين والرجلين، لو قلت: ((فَقَّأْتُ أعينهما)) وأنت تعني عينيهما، و((كَنَّفْتُ أيديهما)) وأنت تعني ((يديهما)) لم يَجُز لِلَبْسٍ، فلولا أنَّ الدليل دلَّ على أن المراد اليدان اليمنيان لَما ساغ ذلك، وهذا مستفيضٌ في لسانهم - أعني وقوعَ الجمعِ موقعَ التثنيةِ بشروطِه - قال تعالى: ﴿فقد صَغَت قلوبُكما﴾. وَلْنذكر المسألةَ فنقول: كلُّ جزأين أضيفا إلى كُلَّيْهِما لفظاً أو تقديراً وكانا مفردَينٍ من صاحبيهما جازّ فيهما ثلاثةُ أوجهٍ: الأحسنُ الجمعُ، ويليه الإفرادُ عند بعضِهم، ويليه التثنيةُ، وقال بعضُهم: الأحسنُ الجمعُ ثم التثنيةُ ثم الإفرادُ نحو: ((قَطَعْتُ رؤوسَ الكبشين ورأسَيْ الكبشين))، قال: ومَهْمَهَيْنٍ قَذَفَينِ مَرْتَيْنْ ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُور التُّزْسَيْنْ فقولي: ((جزآن)) تَحَرُّزٌ من الشيئين المنفصلين، لو قلت: ((قبضت دراهمكما)) تعني: دِرْهميكما لم يَجُزْ لِلْبْس، فلو أَمِنَ جاز كقوله: ((اضرباه بأسيافِكما)) ((إلى مضاجعكما)). وقولنا ((أضيفا)) تحرُّزٌ من تفرقهما كقوله: ﴿على لسانٍ داود وعيسى ابن مريم﴾، وقولنا ((لفظاً) تقدَّم مثالُه، فإنَّ الإضافةَ فيه لفظيةٌ. وقولُنا ((أو تقديراً)) نحو رَأَيْتُ بَنِي الْبَكْرِيِّ فِي حَوْمَةِ الْوَغَى كَفَاغِرَي الأفواهِ عند عَرِين فإنَّ تقديره: كفاغري أفواهما. وقولنا ((مفردين)) تحرزٌ من العينين ونحوهما، وإنما اختير الجمع على التثنية وإن كانت الأصل لاستثقال توالي تثنيتين، وكان المعُ أولى من المفرد لمشاركةِ التثنيةِ في الضم، وبعده المفرد لعدم الثقل، هذا عند بعضِهم قال: ((لأنَّ التثنيةَ لم تَرِد إلا ضرورةً كقوله: هُمَا نَفَئا فِي فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِمَا عَلَى النَّابِحِ الْعَاوِي أَشدَّ رِجَامٍ بخلافِ الإفراد فإن وَرَدَ في فصيحِ الكلامِ، ومنه: ((مَسَح أذنيه ظاهرَهما وباطِنَهما)). وقال بعضُهم: الأحسنُ الجمعُ ثم التثنيةُ ثم الإفرادَ كقوله: حَمَامَةً بَطْنِ الوَادِيْنِ تَرَنَّمي سَقاكٍ مِنَ الغُرِّ الْغَوَادِي مَطِيرُها وقال الزمخشري: ((أيديهما)): يديهما، ونحوه: ((فقد صغت قلوبكما)) اكتفى بتثنيةِ المضافِ إليه عن تثنيةٍ المضاف، وأريد باليدين اليُمْنَيان بدليل قراءة عبد الله: ((والسارقون والسارقات فقاطعوا أَيْمانهم)). وردًّ عليه الشيخ بأنهما ليسا بشيئين، فإنَّ النوعَ الأول مطردٌ فيه وضعُ الجمع موضعَ التثنية، بخلافِ الثاني فإنه لا ينقاس، لأن المتبادَرَ إلى الذهن من قولك: ((قَطَعْتُ آذانَ الزيدين: أربعة الآذان)) وهذا الردُّ ليس بشيءٍ لأنَّ الدليلَ دَلَّ على أن المراد اليمنيان. ينظر الدر المصون ٥٢٣/٢ - ٥٢٤. ٣٤٩ كتاب السرقة ولنا: ما روي أن سيدنا عليًّا - رضي الله عنه - أتى بسارق فقطع يده، ثم أتى به الثانية وقد سرق فقطع رجله، ثم أتى به الثالثة وقد سرق، فقال: لا أقطعه، إن قطعت يده فبأي شيء يأكل؟ بأي شيء يتمسَّحُ؟ وإن قطعت رجله بأي شيء يمشي؟ إني لأستحي من الله، فضربه بخشبة وحبسه(١) وروي: أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أتى بسارق أقطع اليد والرجل قد سرق نعالاً، يقال له: سدوم، وأراد أن يقطعه، فقال له سيدنا علي - رضي الله عنه -: إنما عليه قطع يد ورجل. فحبسه سيدنا عمر - رضي الله عنه - ولم يقطعه (٢) وسيدنا عمر وسيدنا علي - رضي الله عنهما - لم يزيدا في القطع على قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، وكان ذلك بِمَحْضَرٍ من الصحابة - رضي الله عنهم -، ولم ينقل أنه أنكر عليهما منكر، فيكون إجماعاً من الصحابة - رضي الله عنهم .. ولنا أيضاً: دلالة الإجماع والمعقول: أما دلالة الإجماع: فهي أنا أجمعنا على أن اليد اليمنى إذا كانت مقطوعة لا يعدل إلى اليد اليسرى، بل إلى الرجل اليسرى، ولو كان لليد اليسرى مدخل في القطع، لكان لا يعدل إلا إليها، لأنها منصوص عليها، ولا يعدل عن المنصوص عليه إلى غيره، فدل العدول إلى الرجل اليسرى لا إليها، على أنه لا مَدْخَلَ لها في القطع بالسرقة أصلاً، وهذا النوع من الاستدلال ذكره الگرچِيُّ رحمه الله. وأما المعقول: فهو أن في قطع اليد اليسرى تَفْوِيتَ جنس منفعة من منافع النفس أصلاً، وهي منفعة البطش؛ لأنها تفوت بِقَطْعِ اليد اليسرى بعد قطع اليمنى؛ فتصير النفس في حق هذه المنفعة هالكة؛ فكان قطع اليد اليسرى إِهلاك النفس من وجه، وكذا قطع الرجل اليمنى بعد قطع الرجل اليسرى تفويت منفعة المشي، لأن منفعة المشي تفوت بالكلية؛ فكان قطع الرجل اليمنى إهلاك النفس من [كل] وجه، وإهلاك النفس من كل وجه لا يصلح حدًّا في السرقة؛ كذا إهلاك النفس من وجه، لأن الثابت من وجه ملحق بالثابت من كل وجه في الحدود احتياطاً، ولا حجة له في الآية الشريفة؛ لأن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قرأ: (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٤٩٠) كتاب ((الحدود))، باب ((في السارق يسرق فتقطع يده ورجله ثم يعود))، حديث (٢٨٢٧٠) قال: حدثنا ابن إدريس عن حصين عن الشعبي وعن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة أن علياً - رضي الله عنه -... فذكره بنحوه). ومن طريق الشعبي أخرجه عبد الرزاق (١٨٦/١٠) كتاب ((اللقطة))، باب: ((قطع السارق))، حديث (١٨٧٦٤) بنحوه. (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٨٦/١٠) كتاب ((اللقطة))، باب: ((قطع السارق»، حديث (١٨٧٦٦). ٣٤٨ كتاب السرقة احتج الشافعيُّ - رحمه الله - بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] والأيدي اسم جمع، والاثنان فما فوقهما جماعة على لسان رسول الله وَّه. وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وإنه لم يكن لكل واحد إلا قلب واحد، إلا أن الترتيب في قطع الأيدي ثبت بدليل آخر، وهذا لا يخرج اليد اليسرى من أن تكون محلاً للقطع في الجملة. وروي أن سيدنا أبا بكر - رضي الله عنه - قطع سارق حلي أسماء، وكان أقطع اليد والرجل(١). شرعية القطع إزالة ما يستعان به على السرقة. والمعيبة لا نفع بها. فلا يتحقق المقصود بقطعها. = ثم اختلفوا أيضاً: فيما إذا تعلق القطع باليد اليمنى أو الرجل اليسرى وكانت اليد اليسرى أو الرجل اليمنى لا ينتفع بها أو مقطوعة في قصاص أو مقطوعة بسماوي قبل السرقة . فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن القطع لا يتعلق باليد اليمنى أو الرجل اليسرى. واحتجوا لذلك: بأنه قطع اليد اليمنى أو الرجل اليسرى في هذه الحالة يفوت منفعة الجنس بالكلية. وهو إهلاك للنفس وإتلاف لها. وهو غير مقصود من شرعية القطع حداً في السرقة. فإنه إنما شرع للزجر لا للإتلاف. ويرى المالكية والشافعية أنه يتعلق بهما وحجتهم في ذلك أن كلاً من اليد اليمنى والرجل اليسرى محل للقطع بالنص وهي صحيحة فيجب قطعها ولو كان مقابلها لا ينتفع به . والذي أراه: أن ما ذهب إليه المالكية والشافعية من قطع الصحيحة مع أن مقابلها مصيب هو الراجح. فإن في ذلك تحقيق المقصود من شرعية القطع وهو الزجر، بزوال ما به البطش أو المشي الذي يستعان به على فعل السرقة . ينظر: حد السرقة لشيخنا إبراهيم الشهاوي. (١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٨/١٠ - ١٨٩) كتاب ((اللقطة))، باب: ((قطع السارق))، حديث (١٨٧٧٤). قال أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان رجل أسود يأتي أبا بكر فيدنيه. ويقرئه القرآن، حتى بعث ساعياً - أو قال: سريّة - فقال: أرسلني معه، فقال: بل تمكث عندنا، فأبى، فأرسله معه، واستوصى به خيراً، فلم يغب عنه إلا قليلاً حتى جاءً قد قطعت يده، فلما رآه أبو بكر فاضت عيناه، وقال: ما شأنك؟ قال: ما زدت على أنه كان يولِّيني شيئاً من عمله، فخُنته فريضةً واحدة، فقطع يدي، فقال أبو بكر: تجدون الذي قطع يد هذا يخون أكثر من عشرين فريضة، والله لئن كنت صادقاً لأقيدنَّك منه، قال: ثم أدناه ولم يحول منزلته التي كانت له منه، قال: وكان الرجل يقوم من الليل فيقرأُ، فإذا سمع أبو بكر صوته قال: تالله لرجل قطع هذا، قال: فلم يغب إلا قليلاً حتى فَقَد آلُ أبي بكر حلياً لهم ومتاعاً، فقال أبو بكر: طرق الحيّ الليلة، فقام الأقطع فاستقبل القبلة، ورفع يده الصحيحة والأخرى التي قطعت، فقال: اللهم أظهر على من سرقهم، أو نحو هذا، وكان معمر ربما يقول: اللهم أظهر على من سرق أهل هذا البيت الصالحين، قال: فما انتصف النهار حتى ظهورا على المتاع عنده، فقال له أبو بكر: ويلك إنك لقليل العلم بالله، فأمر به، فقطعت رجله. قال معمر: وأخبرني أيوب عن نافع عن ابن عمر نحوه، إلا أنَّه قال: كان إذا سمع أبو بكر صوته من الليل، قال: ما ليلك بليل سارق. وبنحو ذلك أخرجه مالك (٨٣٠/٢) كتاب ((الحدود))، باب: ((جامع القطع))، حديث (٣٠). ٣٤٧ كتاب السرقة الرجل اليمنى في السرقة الرابعة (١). (١) اتفق الأئمة الأربعة وأصحابهم على أن أول ما يقطع من السارق اليد اليمنى إذا كان صحيح الأطراف. لأن البطش بها أقوى فالبداءة بها أودع. فإذا سرق مرة ثانية بعد قطع يده اليمنى تقطع رجله اليسرى، فإذا سرق مرة ثالثة بعد قطع رجله اليسرى. فالحنفية والحنابلة يرون عدم قطع شيء منه بعد ذلك. وعقوبته حينئذ إنما هي التعزير، والحبس حتى یتوب أو يموت. ويرى المالكية، والشافعية قطع يده اليسرى. فإذا سرق مرة رابعة بعد قطع يده اليسرى تقطع رجله اليمنى، فإذا سرق مرة خامسة بعد قطع أطرافه الأربعة أو سرق وليس له أطراف فعقوبته على المشهور عندهم إنما هي التعزير والحبس حتى يتوب أو يموت. ومقابل المشهور أن عقوبته القتل، لما رواه أبو داود عن جابر ((أن رسول الله وَلّ أمر بسارق في الخامسة فَقَالَ: اقْتُلُوْهُ. قَالَ فَانْطَلَقْنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ ثُمَّ اجْتَررنَاهُ فرمَيْنَاهُ فِي بِثْرٍ. وَرَمَيْنَا عَلَيْهِ الحِجَارَةَ)) . وهذا الحديث لا يصلح حجة على قتل السارق في المرة الخامسة لضعفه. فقد خرّجه النسائي وقال حديث: منكر وأحد رواته، ليس بالقوي. وقال ابن عبد البر: منكر لا أصل له وعلى فرض صحته لا دلالة فيه أيضاً، لاحتمال أنه منسوخ بما يدل على أن حكمه التعزير والحبس حتى يتوب أو يموت، أو مؤول بأن السارق قتل لأمر آخر استحل به النبي ◌َّ قتله. هذا ومما تقدم يعلم أن قطع السارق إنما يكون من خلاف فلا تقطع يده اليسرى بعد قطع يده اليمنى. وإنما تقطع رجله اليسرى بعد قطع يده اليمنى. والحكمة: فيه هي إبقاء جنس المنفعة عليه، فإنه لو قطعت يده اليسرى بعد قطع يده اليمنى لفاتت عليه منفعة البطش بالكلية. ولو قطعت رجله اليمنى بعد قطع رجله اليسرى لفاتت منفعة المشي عليه بالكلية وفي ذلك إتلافه. والقطع إنما شرع للزجر لا للإتلاف. ولا ينافي ذلك قطع اليد اليسرى في المرة الثالثة ولا قطع الرجل اليمنى في المرة الرابعة. فإن من الممكن أن يقال: إن السارق لما لم ينزجر بقطع رجله اليسرى في المرة الثانية. علم أن الإجرام متمكن من نفسه. فناسب في هذه الحالة قطع يده اليسرى حتى تُفَوَّتَ عليه منفعة: البطش: فإن عاد إلى السرقة مرة رابعة علم أنه لم ينزجر فناسب قطع رجله اليمنى حتى تفوت عليه منفعة المشي فإن السرقة إنما تكون بالبطش والمشي. ثم اختلفوا فيما إذا كان السارق غير صحيح اليد اليمنى: فيرى الحنفية والحنابلة أن القطع يتعلق أولاً باليد اليمنى ثم بعد ذلك بالرجل اليسرى. وحجزتم في ذلك عموم آية السرقة. فإنها لم تفرق بين الصحيحة والمعيبة . ويرى المالكية والشافعية أن أول ما يقطع من السارق الصحيح من الأطراف التي ينتفع بها. فإن كانت اليد اليمنى شلاء لا نفع بها تعلق القطع بالرجل اليسرى واحتجوا لذلك. بأن القطع إنما شرع لإزالة المنفعة التي يستعان بها على السرقة، والشلاء لا تقع فيها فلا فائدة في قطعها، لأن المنفعة التي يراد إبطالها باطلة من غير القطع . هذا والراجح ما ذهب إليه المالكية والشافعية من عدم قطع اليد اليمنى إذا كانت مصيبة. فإن المقصود من = ٣٥١ كتاب السرقة وأما حديث: ((لاَ قَطْعَ ... )) فقد روى الزهري في ((الموطأ)) عن سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: لما كان الذي سرق حلي أسماء أقطع اليد اليمنى، فقطع سيدنا أبو بكر - رضي الله عنه - رجله اليسرى (١). وكانت تنكر أن يكون أقطع اليد والرجل، ثم إنما تقطع يده اليمنى في الكرة الأولى إذا كانت اليد اليسرى صحيحة يمكنه أن ينتفع بها بعد قطع اليد اليمنى، والرجل اليمنى صحيحة يمكنه الانتفاع بها بعد قطع الرجل اليسرى، فإن كانت اليد اليسرى مقطوعةً أو شلاَء أو مقطوعة الإبهام أو أصبعين سوى الإبهام لا تقطع اليد اليمنى؛ لأن القطع في السرقة شرع زاجراً لا مهلكاً، فإذا لم تكن اليد اليسرى يمكن الانتفاع بها، فقطع اليد اليمنى يقع تفويتاً لجنس المنفعة، وهي منفعة البطش أصلاً فيقع إهلاكاً للنفس من وجه، فلا تقطع، ولا يقطع رجله اليسرى أيضاً، لأنه يذهب أحد الشقين على الكمال، فيهلك النفس من وَجْهٍ. ولو كانت اليد اليسرى مقطوعة أصبع واحدة سوى الإبهام، تقطع يده اليمنى؛ لأن القطع لا يتضمن فوات جنس المنفعة. وكذا إن كانت الرجل اليمنى مقطوعة، أو شلاَّء، أو بها عرج يمنع المشي عليها - لا تقطع اليد اليمنى؛ لما فيه من فوات الشق، ولا رجله اليسرى وإن كانت صحيحة؛ لأنه يبقى بلا رجلين؛ فيفوت جنس المنفعة. ولو كانت رجله اليمنى (٢) مقطوعة الأصابع كلها، فإن كان يستطيع القيام والمشي عليها، تقطع يده اليمنى؛ لأن الجنس لا يفوت. وإن كان لا يستطيع لا يقطع لفوات الشق. ولو كانت يداه صحيحتين، ولكن رجله اليسرى مقطوعةً أو شَلاَّءَ، أو مقطوعة الإبهام أو الأصابع تقطع يده اليمنى، لأن جنس المنفعة لا يفوت، ولا فيه فوات الشق أيضاً. ولو سرق ويمناه شلاء أو مقطوعة الإبهام أو الأصابع، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أي: أيمانهما من غير فصل بين يمين ويمين؛ ولأنها لو كانت سليمة تقطع، فالناقصة المعيبة أولى بالقطع، ثم فرق بين القطع في السرقة وبين الإعتاق في الكفارة، حيث جعل فوات أصبعين سوى الإبهام من اليد اليسرى نقصاناً مانعاً من قطع اليد اليمنى، ولم يجعل فوات أصبعين نقصاناً مانعاً من جواز الإعتاق ما لم يكن ثلاثاً. وجه الفرق: أن القطع حد، فهذا القدر من النقصان يورث شبهة بخلاف العتق؛ والله سبحانه وتعالى أعلم. ولو قال الحاكم للحداد: اقطع يد السارق، فقطع اليد اليسرى، فهذا على وجهين: إما (١) سيأتي تخريجه مطولاً. (٢) في أ: اليسرى. ٣٥٢ كتاب السرقة أن قال [له](١) اقطع يده مطلقاً وإما أن قيده، فقال: اقطع يده اليمنى، فإن أطلق فقال له: اقطع يده، فقطع اليسرى لا ضمان عليه للحال؛ لأنه فعل ما أمر به؛ حيث أمره بقطع اليد وقد قطع اليد، وإن قيد، فقال: اقطع يده اليمنى، فقطع اليسرى، فإن أخرج السارق يده، وقال: هذا هو يميني فلا ضمان عليه أيضاً؛ لأنه قطع بأمره فلا يضمن؛ كمن قال لآخر: اقطع يدي فقطعه، لا ضمان عليه؛ كذا هذا، وإن لم يخرج السارق يده ولم يقل ذلك، ولكنه قطع اليسرى خطأ لا ضمان عليه عند أصحابنا رضي الله عنهم، وعند زفر - رضي الله عنه - يضمن؛ لأن الخطأ في حقوق العباد ليس بعذر. ولنا: أن هذا خطأ في الاجتهاد؛ لأنه أقام اليسار مقام اليمين باجتهاده متمسكاً بظاهر قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ من غير فَضْلٍ بين اليمين واليسار؛ فكان هذا خطأ من المجتهد في الاجتهاد، وإنه موضوع. وموضوع المسألة في هذا الخطأ لا فيما إذا أخطأ فظن اليسار يميناً مع اعتقاد وجوب قطع اليمين، مع أن ما عند أبي حنيفة - رحمه الله - لا يضمن هناك أيضاً على ما نبين. وإن قطع اليسرى عمداً لا ضمان عليه أيضاً عند أبي حنيفة، وعندهما (٢) يضمن. لهما أنه تعمد الظلم بإقامة اليسار مقام اليمين، فلم يكن معذوراً فيضمن، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه أتلف وأخلف خيراً مما أتلف؛ فلا يضمن؛ كرجلين شهدا على رجل ببيع عبد قيمته ألف بألفين، ثم رجعا أنهما لا يضمنان لما قلنا؛ كذا هذا؛ وإنما قلنا: إنه أخلف خيراً مما أتلف؛ لأنه لما قطع اليسرى، فقد سلمت له اليمنى، لأنها لا تقطع بعد ذلك؛ لأنه لا يؤتى على أطرافه الأربعة، واليمنى خير من اليسرى. ثم على قول أبي حنيفة - عليه الرحمة -: هل يكون هذا القطع، وهو قطع اليسرى قطعاً من السرقة؛ حتى إذا هلك المال في يد السرق أو استهلكه لا يضمن، أو لا يكون من السرقة؛ حتى يضمن؟ اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: يكون، وقال بعضهم: لا يكون؛ هذا كله إذا قطع الحداد بأمر الحاكم. فأما الأجنبي إذا قطع يده اليسرى، فإن كان خطأ تجب الدية، وإن كان عمداً يجب ٢٩٩ب القصاص، وسقط عنه القطع في اليمين (٣)، لأنه لو قطع يؤدي إلى إهلاك/ النفس من وَجْهٍ؛ (١) سقط في ط. (٣) في أ: اليمنى. (٢) في أ: عند أبي يوسف ومحمد. ٣٥٣ كتاب السرقة على ما بينا، ويرد عليه المسروق إن كان قائماً، وعليه ضمانه في الهلاك؛ لأن المانع من الضمان هو القطع، وقد سقط . ولو وجب عليه قَطْعُ اليد اليمين في السرقة، فلم تقطع؛ حتى قطع قاطع يمينه، فهذا على وجهين: إما أن يكون قبل الخصومة وإما أن يكون بعدها، فإن كان قبل الخصومة، فعلى قاطعة القصاص إن كان عمداً، والأرش إن كان خطأ، وتقطع رجله اليسرى في السرقة؛ كأنه سرق ولا یمین له . وإن كان بعد الخصومة، فإن كان قبل القضاء، فكذلك الجواب، إلا أنا ههنا لا نقطع رجله اليسرى؛ لأنه لما خوصم كان الواجب في اليمين، وقد فاتت فسقط الواجب؛ كما لو ذهب بآفة سماوية. وإن كان بعد القضاء، فلا ضمان على القاطع؛ لأنه احتسب لإقامة حد (١) الله - سبحانه وتعالى - فكان قطعه عن السرقة؛ حتى لا يجب الضمان على السارق فيما هلك من مال السرقة في يده، أو استهلك. وأما الموضع الذي يقطع من اليد اليمنى: فهو مفصل الزند عند عامة العلماء رضي الله عنهم(٢). (١) في أ: حدود. (٢) اختلف الفقهاء في موضع القطع من اليد: فذهب جمهورهم إلى أنه الكوع وهو مفصل الكف وذهب الخوارج إلى أنه المنكب. وقال بعض الفقهاء: إنه مفاصل الأصابع التي تلي الكفّ. استدل الجمهور: أولاً: بما رواه محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة أن رسول الله وَّر قطع ید سارق ۔ من الكُوع. وثانياً: بما رواه الدَّارقطني عن عمرو بن الخصيب عن أبيه عن جده أن النبي ◌َّر أمر بقطع سارق رِدَاءَ صَفْوان من المِفْصَلِ (أي مِفْصَل الْكُوْعِ). وثالثاً: بما روي عن أبي بكر، وعمرَ - رضي الله عنهما - أنهما قالا: ((إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوْا يَمِيْنَهُ مِنَ الْكُوْعِ)) ولا مخالف لهما من الصحابة. واستدل الخوارج بقوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوْا أَيْدِيَهُمَا﴾ . ووجه الدلالة: أن اليد اسم للعضو من طرف الأصابع إلى المنكب، وقد أمر الله تعالى بقطع اليد، فلا يتحقق الامتثال إلا إذا قطع العضو من المِنْكَبْ. وأجيب عنه: بأنه اسم اليد كما يطلق على العضو من طرف الأصابع إلى المنكب يطلق عليه من طرف الأصابع إلى المرفق. ويطلق عليه من طرف الأصابع إلى الكوع. وكل منها يحتمل أن يكون مراداً. والمتيقن قطعه - سواء أكان منفرداً أم في ضمن غيره - إنما هو العضو من طرف الأصابع إلى الكوع. لأنه أقل ما يصدق عليه اسم اليد، وغيره محتمل. والاحتمال شبهة لا يثبت القطع فيها فيجب قطع اليد من = بدائع الصنائع ج٩ - م٢٣ ٣٥٤ كتاب السرقة وقال بعضهم: تقطع الأصابع . وقال الخوارج: تقطع من المنكب، لظاهر قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ واليد اسم لهذه الجملة، والصحيح قولنا؛ لما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قطع يد السارق من مفصل الزند، فكان فعله بياناً للمراد من الآية الشريفة؛ كأنه نص - سبحانه وتعالى - فقال: فاقطعوا أيديهما من مفصل الزند. وعليه عمل الأمة من لدن رسول الله وَله إلى يومنا هذا. والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما بيان من يقيم هذا الحكم، فالذي يقيمه الإمام أو من ولاه [الإمام](١)؛ لأن هذا حد، والمتولي لإقامة الحدود الأئمة أو من ولوهم من القضاة والحكام. وهذا عندنا وعند الشافعي - رحمه الله - المولى يملك إقامة الحد على مملوكه. والكلام في هذا الفصل استوفيناه في کتاب الحدود. وأما بيان ما يسقط الحد بعد وجوبه: فنقول: ما يسقطه بعد وجوبه أنواع: منها: تكذيب المسروق منه السارق في إقراره بالسرقة؛ بأن يقول له: لم تسرق مني، ومنها: تكذيبه البينة؛ بأن يقول: شهد شهودي بزور؛ لأن إذا كذب، فقد بطل الإقرار والشهادة، فسقط القطع. ومنها: رجوع السارق عن الإقرار بالسرقة، فلا يقطع، ويضمن المال؛ لأن الرجوع يقبل في الحدود، ولا يقبل في المال؛ لأنه يورث شبهة في الإقرار، والحد يسقط بالشبهة، ولا يسقط المال. رجلان أقرا بسرقة ثوب يساوي مائة درهم، ثم قال أحدهما: الثوب ثوبنا لم نسرقه، أو قال: هذا لي، دُرِىء القطع عنهما؛ لأنهما لما أقرا بالسرقة، فقد ثبتت الشركة بينهما في السرقة، ثم لما أنكر أحدهما فقد رجع عن إقراره، فبطل الحد عنه برجوعه؛ فيورث شبهة في الكوع. ولا يجوز قطع ما فوق الكوع. على أن هذا الاحتمال قد زال ببيان الرسول و # قولاً وعملاً، وعمل الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - واستدل من قال: موضع القطع من اليد مفاصل الأصابع التي تلي الكف بأن البطش والأخذ إنما يكون بالأصابع. والقطع ما شرع إلا لدفع البطش، والتعدي حتى لا يتمكن المقطوع من السرقة، فلا داعي إلى قطع غير الأصابع من اليد. ويجاب عنه: بأنه استدلال في مقابلة النص. فإن الله تعالى قال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فالواجب قطع ما يصدق عليه اسم اليد. والأصابع لا يطلق عليها اسم اليد، يدل لذلك قوله تعالى: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُومِكُمْ وَأَيْدِيْكُمْ مِنْهُ﴾ ولم يقل أحد أنه يقتصر في التيمم على ما دون الكوع. وإنما اختلفوا فيما فوقه. هذا والراجح ما ذهب إليه الجمهور من أن موضع القطع من اليد الكُوْع لقوة أدلّته. ينظر: حد السرقة لشيخنا إبراهيم الشهاوي. (١) سقط في ط. ٣٥٥ كتاب السرقة حق الشريك لاتحاد السرقة. ولو قال أحدهما: سرقنا هذا الثوب من فلان، فكذبه الآخر، وقال: كذبت لم نسرقه، قطع المقر وحده في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: لا يقطع واحد منهما. وجه قول أبي يوسف: أنه أقر بسرقة واحدة بينهما(١) على الشركة، فإذا لم تثبت في حق شريكه بإنكاره، يؤثر ذلك في حق صاحبه ضرورة اتحاد السرقة. وهذا بخلاف ما إذا أقر بالزنا بامرأة، فأنكرت أنه يحد الرجل على أصله؛ لأن إنكار المرأة لا يؤثر في إقرار الرجل؛ إذ ليس من ضرورة عدم الزنا من جانبها عدمه من جانبه؛ كما لو زنا بصبية أو مجنونة؛ بخلاف الإقرار بالسرقة؛ لأن ذلك وجد من أحدهما على وجه الشركة، فعدم السرقة من أحدهما يؤثر في حق الآخر. وجه قول أبي حنيفة: أن إقراره بالشركة في السرقة إقرار بوجود السرقة من كل واحد منهما؛ إلا أنه لما أنكر صاحبه السرقة، لم يثبت منه فعل السرقة، وعدم الفعل منه لا يؤثر في وجود الفعل من صاحبه، فبقي إقرار صاحبه على نفسه بالسرقة؛ فيؤخذ به؛ بخلاف إقرار الرجل على نفسه بالزنا بامرأة، وهى تجحد أنه لا يجب الحد على الرجل على أصله؛ لأن الزنا لا يقوم إلا بالرجل والمرأة، فإذا أنكرت لم يثبت منها، فلا يتصور الوجود من الرجل، بخلاف الإقرار بالسرقة على ما بينا، والله سبحانه وتعالى أعلم. ومنها: رد السارق المسروق إلى المالك قبل المرافعة عندهما (٢)، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف. وروي عنه (٣): أنه لا يسقط، ولا خلاف في أن الرد بعد المرافعة لا يسقط الحد(٤). وجه رواية أبي يوسف: أن السرقة حين وجودها انعقدت موجبة للقطع، فرد المسروق بعد ذلك لا يخلّ بالسرقة الموجودة، فلا يسقط القطع الواجب؛ كما لو رده بعد المرافعة؛ ولهما: أن الخصومة شرط لظهور السرقة الموجبة للقطع؛ لما بينا فيما تقدم، ولما رد المسروق على المالك، فقد بطلت الخصومة، بخلاف ما بعد المرافعة؛ لأن الشرط وجود الخصومة لا بقاؤها، وقد/ وجدت. ٢/ ٣٠٠ب ومنها: ملك السارق المسروق قبل القضاء؛ نحو ما إذا وهب المسروق منه المسروق من السارق قبل القضاء. (١) في أ: منهما. (٢) في أ: عند أبي حنيفة ومحمد. (٣) في أ: عن أبي يوسف. (٤) في أ: القطع. ٣٥٦ كتاب السرقة وجملة الكلام فيه: أن الأمر لا يخلو: إما أن وهبه منه قبل القضاء، وإما أن وهبه بعد القضاء قبل الإمضاء، فإن وهبه قبل القضاء يسقط القطع؛ بلا خلاف وإن وهبه بعد القضاء قبل الإمضاء يسقط عندهما. وقال أبو يوسف: لا يسقط؛ وهو قول الشافعي رحمهما الله. احتجَّ أبو يُوسُفَ بما رُوِيَ أنَّ سَارِقَ رِدَاءٍ صَفْوَانَ أُخِذ فَأُتَي به إِلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ، فَقَال صَفْوَانُ: ((يَا رَسُولُ الله، إِنِّي لَم أُرِدْ هَذَا، هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: فَهَلاَّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِينِي بِهِ))(١) فدل أن الهبة قبل القضاء تسقط [القطع](٢) وبعده لا تسقط، ولأن وجوب القطع حكم معلق بوجود السرقة، وقد تمت السرقة، ووقعت موجبة للقطع، لاستجماع شرائط الوجوب؛ فطريان الملك بعد ذلك لا يوجب خللاً في السرقة الموجودة، فبقي القطع واجباً؛ كما كان كما لو رد المسروق على المالك بعد القضاء؛ بخلاف ما قبل القضاء؛ لأن الخصومة شرط ظهور للسرقة الموجبة للقطع عند القاضي، وقد بطل حق الخصومة . وجه قولهما: إن القبض شَرْطً لثبوت الملك في الهبة والملك في الهبة يثبت من وقت القبض، فيظهر الملك له من ذلك الوقت من كل وجه أو من وجه، وكون المسروق ملكاً للسارق على الحقيقة أو الشبهة يمنع من القطع، ولهذا لم يقطع قبل القضاء، فكذلك بعده، لأن القضاء في باب الحدود إمضاؤها، فما لم يمض، فكأنه لم يقض، ولو كان لم يقض أليس أنه لا يقطع، فكذا إذا لم يمض، ولأن الطارىء في باب الحدود ملحق بالمقارن إذا كان في (٣) الإلحاق إسقاط الحد، وههنا فيه إسقاط الحد، فيلحق به. وأما الحديث: فلا حُجَّةً له فيه، لأن المروي قوله هو عليه صدقه، وقوله: (هو) يحتمل أنه أراد به المسروق، ويحتمل أنه أراد به القطع، وهبة القطع لا تسقط الحد؛ يدل عليه أنه روي في بعض الروايات أنه قال: وهبت القطع، وكذا يحتمل أنه تصدق عليه بالمسروق أو وهبه منه، ولكنه لم يقبضه، والقطع إنما يسقط بالهبة مع القبض. وعلى هذا إذا باع المسروق من السارق قبل القضاء أو بعده على الاتفاق والاختلاف، ولو زنى بامرأة ثم تزوَّجها لا يسقط الحد؛ لأن الملك الثابت بالنكاح لا يحتمل الاستناد إلى وقت الوطء؛ فلا تثبت الشبهة في الزنا، فيحد. وأما حكم السقوط بعد الثبوت لمانع وهو الشبهة وغيرها: فدخول المسروق في ضمان (١) تقدم. (٢) سقط في ط . ٣٥٧ كتاب السرقة السارق؛ حتى لو هلك في يده بنفسه، أو استهلكه السارق، يضمن؛ لأن المانع من الضمان هو القطع، فإذا سقط القطع، زال المانع فيضمن؛ والله أعلم. والثاني: وجوب رد عين المسروق على صاحبه إذا كان قائماً بعينه، وجملة الكلام فيه: أن المسروق في يد السارق لا يخلو: إما أن كان على حاله لم يتغير، وإما أن أحدث السارق فيه حدثاً، فإن كان على حاله رده على المالك، لما رُوِيَ عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ»(١) وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: ((مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (٢) وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - رَدَّ رِدَاءَ صَفْوَانَ - رَضِيَ الله عِنْهُ - عَلَيْهِ، وَقَطَعَ السَّارِقَ فِيهِ. وكذلك إن كان السارق قد ملك المسروق رجلاً ببيع أو هبة أو صدقة أو تزوج امرأة عليه، أو كان السارق امرأته، فاختلعت من نفسها به، وهو قائم من يد المالك - فلصاحبه أن يأخذه ؛ لأنه ملكه؛ إذ السرقة لا توجب زوال الملك عن العين المسروقة؛ فكان تمليك السارق باطلاً، ويرجع المشتري على السارق بالثمن الذي اشتراه به، لما مر، فإن كان [قد](٣) هلك في يدي القابض وكان البيع قبل القطع أو بعده، فلا ضمان لا على السارق، ولا على القابض؛ لما بينا فيما تقدم. وإن أحدث السارق فيه حدثاً لا يخلو: إما أن أحدث حدثاً أوجب النقصان، وإما أن أحدث حدثاً أوجب الزيادة، فإن أحدث حدثاً أوجب النقصان يقطع، وتسترد العين على المالك، وليس عليه ضمان النقصان؛ لأن نقصان المسروق هلاك بعضه. ولو هلك كله يقطع، ولا ضمان عليه؛ كذا إذا هلك البعض ويرد العين، لأن القطع لا يمنع الرد؛ ألا ترى أنه لا يمنع رد الكل؛ فكذا البعض. وإن أحدث حدثاً أوجب الزيادة، فالأصل في هذا أن السارق إذا أحدث في المسروق حدثاً لو أحدثه الغاصب في المغصوب، لا يقطع حق المالك ينقطع حق المسروق منه، وإلا فلا، إلا أن في باب الغصب يضمن الغاصب للمالك مثل المغصوب أو قيمته، وههنا لا يضمن/ السارق لمانع وهو القطع. ١٣٠١/٢ إذا عرف هذا، فنقول: السارق إذا قطع الثوب المسروق، وخاطه قميصاً، انقطع حق المالك، لأنه لو فعله الغاصب لانقطع حق المغصوب منه؛ كذا إذا فعله السارق، ولا ضمان على السارق لما بينا، ولو صبغه أحمر أو أصفر، فكذلك لا سبيل للمالك على العين المسروقة (١) تقدم. (٢) تقدم. ٣٥٨ كتاب السرقة في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قولهما يأخذ المالك الثوب، ويعطيه ما زاد الصبغ فيه. وجه قولهما: إنه لو وجد هذا من الغاصب، لخير المالك بين أن يضمن الغاصب قيمة الثوب، وبين أن يأخذ الثوب، ويعطيه ما زاد الصبغ فيه، إلا أن التضمين ههنا متعذُرٌ لضرورة القطع، فتعين الوجه الآخر؛ وهو أن يأخذ الثوب، ويعطيه ما زاد الصبغ فيه؛ إذ الغصب والسرقة لا يختلفان في هذا الباب إلا في الضمان، ولأبي حنيفة الفرق بين الغصب والسرقة ههنا؛ وهو أن حق المغصوب منه إنما لم ينقطع عن الثوب بالصبغ، لأن أصل الثوب ملكه وهو متقوم، وللغاصب فيه حق متقوم أيضاً إلا أنا أثبتنا الخيار للمالك لا للغاصب؛ لأن المالك صاحب أصل، والغاصب صاحب وصف، وههنا حق السارق في الصبغ متقوم، وحق المالك في أصل الثوب ليس بمتقوم في حق السارق لأجل القطع، ألا ترى أنه لو أتلفه السارق لا ضَمَانَ عليه، فاعتبر حق السارق، وجعل حق المالك في الأصل تبعاً لحقه في الوصف، وتعذر تضمينه لضرورة القطع؛ فيكون له مجاناً، ولكن لا يحل له أن ينتفع بهذا الثوب بوجه من الوجوه، كذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - لأن الثوب على ملك المسروق منه، إلا أنه تعذر رده وتضمينه في الحكم والقضاء، فما لم يملكه السارق لا يحل له الانتفاع به، لأنه ملكه بوجه محظور من غير بدل لتعذر إيجاب الضمان، فلا يباح له الانتفاع به، ويجوز أن يصير مال إنسان في يد غيره على وجه يخرج من أن يكون واجب الرد، والضمان إليه من طريق الحكم والقضاء، لكن لا يحل له الانتفاع به فيما بينه وبين الله - تبارك وتعالى - كالمسلم إذا دخل دار الحرب بأمان، فأخذ شيئاً من أموالهم، لا يحكم عليه بالرد، ويلزمه ذلك فيما بينه وبين الله جلَّ جلاله. وكذلك الباغي؛ إذا أتلف مال العادل، ثم تاب، لا يحكم عليه بالضمان، ويفتي به فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى، وكذلك الحربي إذا أتلف شيئاً من مالنا، ثم أسلم، لا يحكم عليه بالرد، ويفتي بذلك فيما بينه وبين الله جلت عظمته، وكذلك السارق إذا استهلك المسروق لا يقضي عليه بالضمان، ولكن يفتي به فيما بينه وبين الله تعالى، وكذا قاطع الطريق إذا قتل إنساناً بعصا، ثم جاء تائباً، بطل عنه الحد، ويؤمر بأداء الدية إلى ولي القتيل. ولو قتل حربي مسلماً بعصا، ثم أسلم، لا يفتي بدفع الدية إلى الولي، بخلاف الباغي، وقاطع الطريق، والفرق أن القتل من الحربي لم يقع سبباً لوجوب الضمان، لأن عصمة المقتول لم تظهر في حقه، فلا يجب بالإسلام؛ لأنه يجب ما قبله، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] بخلاف قاطع الطريق؛ لأن فعله وقع سبباً لوجوب الضمان، إلا أنه لا يحكم بالضمان لمانع، وهو ضرورة إقامة الحد، إلا أن الحد إذا لم يجب لشبهة يحكم بالضمان، فيظهر أثر المانع في الحكم والقضاء لا في الفتوى، وكذا فعل ٣٥٩ كتاب السرقة الباغي وقع سبباً لوجوب الضمان، لكن لم يحكم بالوجوب لمانع؛ وهو عدم الفائدة لقيام المنعة، وهذا المانع يخص الحكم والقضاء، فكان الوجوب ثابتاً عند الله - سبحانه وتعالى . فيقضي به . وعلى هذا يخرج ما إذا سرق نقرة فضة، فضربها دراهم، أنه يقطع والدراهم ترد على صاحبها في قول أبي حنيفة، وعندهما ينقطع حق المالك عن الدراهم؛ بناء على أن هذا الصنع لا يقطع حق المالك في باب الغصب عنده، وعندهما(١) ينقطع ولو سرق حديداً أو صُفْراً أو نحاساً أو ما أشبه ذلك، فضربها أواني، ينظر إن كان بعد الصناعة والضرب تباع وزناً، فهو على الاختلاف الذي ذكرنا، وإن كان تباع عدداً، فيقطع حق المالك بالإجماع كما في الغصب، وعلى هذا إذا سرق حنطة فطحنها وغير ذلك من هذا الجنس، وسنذكر جملة ذلك في كتاب الغصب، إن شاء الله تعالى، والله أعلم بالصواب. (١) في أ: وعند أبي يوسف ومحمد. كِتَابُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الكلام في هذا الكتاب على نحو الكلام في كتاب السرقة؛ وذلك في أربعة مواضع: في بيان ركن قطع الطريق. وفي بيان شرائط الركن. وفي بيان ما يظهر به قطع الطريق عند القاضي. وفي بيان حكم قطع الطريق. فصل في بيان ركن قطع الطريق أما ركنه: فهو الخروج على المارة لأخذ المال على سبيل المغالبة على وجه يمتنع المارة ٣٠١/٢ب عن المرور، وينقطع الطريق؛ سواء كان القطع من/ جماعة، أو من واحد بعد أن يكون له قوة القطع، وسواء كان القطع بسلاح أو غيره من العصا والحجر والخشب ونحوها؛ لأن انقطاع الطريق يحصل بكل من ذلك، وسواء كان بمباشرة الكل أو التسبيب من البعض بالإعانة والأخذ، لأن القطع يحصل بالكل، كما في السرقة؛ ولأن هذا من عادة القطاع، أعني: المباشرة من البعض والإعانة من البعض بالتسمير للدفع، فلو لم يلحق التسبب بالمباشرة في سبب وجوب الحد لأدى ذلك إلى انفتاح باب قطع الطريق، وانسداد حكمه، وإنه قبيح، ولهذا ألحق التسبب بالمباشرة في السرقة؛ كذا ههنا. فصل في شروط حد قطع الطريق وأما الشرائط فأنواع، بعضها يرجع إلى القاطع خاصة، وبعضها يرجع إلى المقطوع عليه خاصة، وبعضها يرجع إليهما جميعاً، وبعضها يرجع إلى المقطوع له، وبعضها يرجع إلى المقطوع فيه. أما الذي يرجع إلى القاطع خاصة فأنواع: ٣٦٠