النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ كتاب السرقة القطع، فهلاك البعض أولى، وإن كان نقصان السعر، ذكر الكرخي - رحمه الله - لا يقطع في ظاهر الرواية، وتعتبر قيمته في الوقتين جميعاً. وروى محمد - رحمه الله - أنه يقطع، وهكذا ذكر الطحاوي - رحمه الله - أنه تعتبر قيمته وقت الإخراج من الحرز، وهو قول الشافعي رحمه الله. وجه هذه الرواية: أن نقصان السعر دون نقصان العين؛ لأن ذلك لا يؤثر في المحل، وهذا يؤثر فيه، ثم نقصان العين لم يؤثر في إسقاط القطع، نقصان السعر أولى وجه ظاهر الرواية على ما ذكره الكَرْخي - رحمه الله - الفرق بين النقصانين ووجه الفرق بينهما: أن نقصان السعر يورث شبهة نقصان في المسروق وقت السرقة؛ لأن العين بحالها قائمة لم تتغير، وتغير السعر ليس بمضمون على السارق أصلاً؛ فيجعل النقصان الطارىء؛ كالموجود عند السرقة؛ بخلاف نقصان العين؛ لأنه يوجب تغير العين، إذ هو هلاك بعض العين، وهو مضمون عليه في الجملة؛ فلا يمكن تقدير وجوده وقت السرقة. وكذا إذا سرق في بلد، فأخذ في بلد آخر والقيمة فيه أنقص؛ ذكر الكرخي - رحمه الله - أنه لا يقطع؛ حتى تكون القيمة [في البلدين](١) جميعاً في السعر عشرة دراهم، وعلى رواية الطحاوي - رحمه الله - تعتبر قيمته وقت السرقة، لا غير؛ والله سبحانه وتعالى أعلم. ومنها: أن يكون المسروق الذي يقطع فيه في الجملة مقصوداً بالسرقة، لا تبعاً لمقصود، ولا يتعلق القطع بسرقته في قولهما(٢). وقال أبو يوسف - رحمه الله -: هذا ليس بشرط. والأصل في هذا: أن المقصود بالسرقة إذا كان مما يقطع فيه لو انفرد، وبلغ نصاباً بنفسه يقطع بلا خلاف، وإن لم يبلغ بنفسه نصاباً إلا بالتابع يكمل النصاب به فيقطع. وكذلك إذا كان [كل](٣) واحد منهما مقصوداً، ولا يبلغ بنفسه نصاباً يكمل أحدهما بالآخر، ويقطع، وإن كان المقصود بالسرقة مما لا يقطع فيه أو انفرد، لا يقطع، وإن كان معه غيره مما يبلغ نصاباً إذا لم يكن الغير مقصوداً بالسرقة، بل يكون تابعاً في قولهما. وعند أبي يوسف - رحمه الله - يقطع إذا كان ذلك الغير نصاباً كاملاً. وبيان هذه الجملة في مسائل؛ إذا سرق إناء من ذهب أو فضة فيه شَرَابٌ أو ماء أو لبن أو (١) سقط في ط. (٢) في أ: قول أبي حنيفة ومحمد. (٣) سقط في ط. بدائع الصنائع ج٩ - م٢١ ٣٢٢ كتاب السرقة ماء ورد أو ثريد أو نبيذ أو غير ذلك مما لا يقطع فيه لو انفرد لم يقطع عندهما، وعند أبي یوسف: يقطع . وجه قوله: إن ما في الإناء إذا كان مما لا يقطع فيه، التحق بالعدم؛ فيعتبر أخذ الإناء على الانفراد؛ فيقطع فيه. وجه قولهما: إن المقصود من هذه السرقة ما في الإناء والإناء تابع، ألا يرى أنه لو قصد الإناء بالأخذ لأبقى ما فيه، وما في الإناء لا يجب القطع بسرقته، فإذا لم يجب القطع بالمقصود لا يجب بالتابع. وإلى هذا أشار محمد - رحمه الله - في الكتاب، فقال: إنما أنظر إلى ما في جوفه، فإن كان ما في جوفه، لا يقطع فيه لم أقطعه، ولو سرق ما في الإناء في الدار قبل أن يخرج الإناء منها، ثم أخرج الإناء فارغاً منه قطع؛ لأنه لما سرق ما فيه في الدار، علم أن مقصوده هو الإناء، والمقصود بالسرقة إذا كان مما يجب القطع بسرقته، وبلغ نصاباً يقطع وعلى هذا الخلاف إذا سرق صبياً حرًّا لا يعبر عن نفسه، وعليه حلي وإن كان يعبر عن نفسه لا يقطع بالإجماع، لأن له يداً على نفسه، وعلى ما عليه من الحلي؛ فلا يكون أخذه سرقة، بل يكون خداعاً؛ فلا يقطع. وكذلك إذا سرق عبداً صبياً، يعبر عن نفسه، وعليه حلي، أو لم يكن، لا يقطع بلا خلاف، وإن كان لا يعبر عن نفسه، يقطع عندهما(١). وعند أبي يوسف: لا يقطع، بناء على أن سرقة مثل هذا العبد يوجب القطع عندهما، وعنده لا يوجب، والمسألة قد مرت. ولو سرق كلباً أو غيره من السباع في عنقه طوق لم يقطع، وكذلك لو سرق مصحفاً مفضضاً أو مرضَّعاً بياقوت، لم يقطع عندهما، وعند أبي يوسف: يقطع لما ذكرنا. ولو سرق كوزاً قيمته تسعة دراهم، وفيه عَسَلٌ يساوي درهماً، يقطع؛ لأن المقصود ما فيه من العَسلَ، والکوز تبع، فیکمل نصاب الأصل به. وكذلك لو سرق حماراً يساوي تسعة، وعليه إكاف يساوي درهماً، يقطع، لما قلنا. ولو سرق عشرة دراهم من ثوب، والثوب لا يساوي عشرة، ينظر إن كان ذلك الثوب يصلح وعاء للدراهم؛ بأن تشد فيه الدراهم عادة، بأن كانت خرقة ونحوها، يقطع؛ لأن المقصود بالأخذ هو ما فيه، وإن كان لا يصلح بأن كان ثوب - کِرْبَاسٍ، فإن كان تبلغ قيمة ٢٩٥/٢ب الثوب نصاباً بأن كان يساوي عشرة، يقطع، بلا خلاف؛ لأن/ الثوب مقصود بنفسه بالسرقة، وإن كان لا يبلغ نصاباً، قال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا يقطع - وذكر في الأصل؛ أن اللص (١) في أ: عند أبي حنيفة ومحمد. ٣٢٣ كتاب السرقة إِن كان يعلم بالدراهم يقطع، وإن كان لا يعلم لا يقطع، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف وروي عنه (١)، إنه يقطع علم بها أو لم يعلم، ووجهه: أن العلم بالمسروق ليس بشرط لوجوب القطع، بل الشرط أن يكون نصاباً، وقد وجد. وجه رواية الأصل: أنه إذا كان يعلم بالدراهم، كان مقصوده بالأخذ الدراهم، وقد بلغت نصاباً فيقطع، وإذا كان لا يعلم بها كان مقصوده الثوب، وأنه لم يبلغ النصاب، فلا يقطع. وجه الرواية الأخرى لأبي حنيفة - عليه الرحمة -: أن مثل هذا الثوب إذا كان مما لا نشد به الدراهم عادة، كان مقصوداً بنفسه بالسرقة، وإن لم يبلغ نصاباً، فلم يجب فيه القطع، فكذا فيما فيه، لأنه تابع له، ولو سرق جوالقاً أو جراباً فيه مالٌ كثير قطع؛ لأن المقصود بالسرقة هو المظروف لا الظرف، والمقصود مما يَجِبُ القطع بسرقته؛ فيقطع. وكذا إذا كان الثوب لا يساوي عشرة، وفيه مال عظيم؛ علم به اللص، يقطع؛ لأن الثوب يصلح وِعَاء للمال الكثير، ولا يصلح وعاء لليسير، ففيما صلح وعاء له يعتبر ما فيه، لأنا نعلم يقيناً أن مقصوده ما فيه، وفيما لا يصلح يعتبر نفسه مقصوداً بالسرقة، وما فيه تابعاً له، ولا قَطْعَ في المقصود لنقصان النصاب، فكذا في التابع؛ لأن التبع حكمه حكم الأصل، والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في المَسْرُوقِ مِنْهُ وأما الذي يرجع إلى المسروق منه: فهو أن يكون له يد صحيحة، وهو يد الملك(٢)، أو يد الأمانة؛ كيد المودع والمستعير والمضارب والمبضع، أو يد الضمان؛ كيد الغاصب والقابض على سوم الشراء والمرتهن، فيجب القطع على السارق من هؤلاء، أما من المالك فلا شك فيه، وكذا من أمينه؛ لأن يد أمينه يده؛ فالأخذ منه كالأخذ من المالك، فأما من الغاصب فإن منفعة يده عائدة إلى المالك، إذ بها يتمكن من الرد على المالك؛ ليخرج عن العهدة؛ فكانت يده يد المالك من وجه؛ ولأن المغصوب مضمون على الغاصب، وضمان الغصب عندنا ضمان ملك، فأشبه يد المشتري، والمقبوض على سوم الشراء مضمون على القابض، والمرهون مضمون على المرتهن بالدين؛ فيجب القطع على السارق منهم، وهل يستوفي بخصومتهم حال غيبة المالك؟ فيه خلاف نذكره إن شاء الله تعالى. ولا يجب القطع على السارق من السارق؛ لأن يد السارق ليست بيد صحيحة؛ إذ ليست (١) في أ: عن أبي يوسف. (٢) في أ: المالك. ٣٢٤ كتاب السرقة يد ملك، ولا يد أمانة، ولا يد ضمان؛ فكان الأخذ منه كالأخذ من الطريق، وإن كان القطع دُرِىءَ عن الأول قطع الثاني؛ لأنه إذا دُرِىءَ عنه القطع، صارت يده يد ضمان، ويد الضمان يد صحيحة، كيد الغاصب ونحوه؛ والله أعلم. فصل في المكانِ المَسْرُوقِ فِيهِ وأما الذي يرجع إلى المسروق فيه، وهو المكان: فهو أن تكون السرقة في دار العدل؛ فلا يقطع بالسرقة في دار الحرب ودار البغي(١)؛ لأنه لا يد للإمام في دار الحرب، ولا على دار البغي؛ فالسرقة الموجودة فيهما لا تنعقد سبباً لوجوب القطع. وبيان هذا في مسائل: التجار أو الأسارى من أهل الإسلام في دار الحرب إذا سرق بعضهم من بعض، ثم خرجوا إلى دار الإسلام، فأخذ السارق، لا يقطعه الإمام؛ لأنه لا يد للإمام في دار الحرب، فالسرقة الموجودة فيهما لم تنعقد سبباً لوجوب القطع؛ فلا تستوفي في دار الإسلام. وكذلك التجار من أهل العدل في معسكر أهل البغي، أو الأسارى في أيديهم إذا سرق (١) ذهب إلى اشتراط ذلك أبو حنيفة، وأصحابه. فلا قطع عندهم بالسرقة في دار الحرب. وذهب الأئمة الثلاثة، وأصحابهم إلى عدم اشتراط ذلك. فيقطع السارق عندهم مطلقاً. وقعت السرقة في دار العدل أو في دار الحرب استدل أبو حنيفة، وأصحابه بأن الإمام لا يد له على دار الحرب فلا تنعقد السرقة الواقعة فيها سبباً للقطع. وأجيب عنه من قبل الحنابلة يمنع أن السرقة الواقعة في دار الحرب لا تنعقد سبباً موجباً للقطع بل سببيتها تامة. غاية الأمر أن الإمام ليس له ولاية استيفاء القطع في دار الحرب. يدل لذلك، ما رواه سعيد في سننه عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى الناس أن لا يجلد أمير جيش ولا سرية. ولا رجل من المسلمين حداً. وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلاً لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار ومعلوم أن القطع حد. فلا يستوفي في دار الحرب. والمالكية، والشافعية منع عدم انعقاد السرقة في دار الحرب سبباً موجباً للقطع: لما تقدم من الأدلة على ذلك للحنابلة. ومنع عدم ولاية الإمام استيفاء القطع في دار الحرب بل له ولاية الاستيفاء لعموم الأخبار الواردة في وجوب القطع فإنها لم تقيد بمكان ولا بزمان. واستدل الأئمة الثلاثة، وأصحابهم بعموم قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوْا أَيْدِيهُمَا﴾ . فإن الله تعالى. أمر بقطع السارق من غير تفريق بين أن تقع السرقة في دار العدل أو في دار الحرب. هذا والراجح ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة، وأصحابهم لما فيه من المبالغة في حفظ الأموال فلا تمتد إليها الأيدي مطلقاً في دار عدل أو في دار حرب. ينظر: حد السرقة لشيخنا إبراهيم الشهاوي. ٣٢٥ كتاب السرقة بعضهم من بعض، ثم خرجوا إلى أهل العدل، فأخذ السارق لم يقطعه الإمام؛ لأن السرقة وجدت في موضع لا يد للإمام عليه، فأشبهت السرقة في دار الحرب. وكذلك رجل من أهل البغي جاء للإمام تائباً وقد سرق من أهل البغي، لم يقطعه؛ لما قلنا، وكذلك رجل من أهل العدل أغار على معسكر أهل البغي، فسرق منهم لم يقطعه الإمام؛ لأن السرقة لم تنعقد موجبة للقطع لعدم ولاية الاستيفاء فيه، ولأنه أخذ عن تأويل؛ لأن لأهل العدل أن يأخذوا أموال أهل البغي، ويحبسونها عندهم، حتى يتوبوا، فكان في العصمة شبهة العدم . وكذلك الرجل من أهل البغي إذا سرق من معسكر أهل العَدْلِ، وعاد إلى معسكره، ثم أخذ بعد ذلك لم يقطع؛ لأنهم يعتقدون إباحة أموالنا، ولهم منعة؛ فكان أخذه عن تأويل؛ فلا يقطع بالسرقة؛ كما لا يضمن بالإتلاف. ولو أن رجلاً من أهل العدل سرق من إنسان مالاً، وهو يشهد عليه بالكفر ويستحل دمه وماله يقطع؛ لأن مجرد اعتقاد الإباحة لا عبرة به، ولأنا لو اعتبرنا ذلك، لأدى إلى سد باب الحد؛ لأن كل سارق لا يعجز عن إظهار ذلك؛ فيسقط القطع عن نفسه، وهذا قبيح فما يؤدي إليه مثله. فصل فيما تَظْهرُ بِهِ السَّرِقَةُ وأما بيان ما تظهر به السرقة / عند القاضي: فنقول ـ وبالله التوفيق -: السرقة الموجبة ١٢٩٦/٢ للقطع عنه القاضي تظهر بأحد أمرين: أحدهما: البينة. والثاني: الإقرار. أما البينة: فتظهر بها السرقة إذا استجمعت شرائطها؛ لأنها خبر يرجح فيه جنبة الصدق على جنبه الكذب، فيظهر المخبر به. وشرائط قَبُولِ البينة في باب السرقة بعضها يعم البينات كلها، وقد ذكرنا ذلك في كتاب ((الشهادات))، وبعضها يخص أبواب الحدود والقصاص، وهو الذكورة والعدالة والأصالة؛ فلا تقبل فيها شهادة النساء، ولا شهادة الفساق، ولا الشهادة على الشهادة، لأن في شهادة هؤلاء زيادة شبهة لا ضرورة إلى تحملها فيما يحتال لدفعه، ويحتاط لدرئه وكذا عدم تقادم العهد إلا في حد القذف والقصاص، حتى لو شهدوا بالسرقة بعد حين لم تقبل، ولا يقطع ويضمن المال. والأصل: أن التقادم يبطل الشهادة على الحدود الخالصة، ولا يبطلها على حد القذف، ولا يبطل الإقرار أيضاً. والفرق ذكرناه في كتاب الحدود، وإنما ضمن المال؛ لأن التقادم إنما ٣٢٦ كتاب السرقة يمنع من الشهادة على الحدود الخالصة للشبهة، والشبهة تمنع وجوب الحد، ولا نمنع وجوب المال، وبعضها يخص أرباب الأموال(١) والحقوق، وهو الخصومة والدعوى ممن له يد صحيحة، حتى لو شهدوا أنه سرق من فلان الغائب، لم تقبل شهادتهم ما لم يحضر المسروق منه، ويخاصم لما ذكرنا أن كون المسروق ملكاً لغير السارق شرط لكون الفعل سرقة، ولا يظهر ذلك إِلا بالخصومة، فإذا لم توجد الخصومة، لم تقبل شهادتهم، ولكن يحبس السارق، لأن إخبارهم أورث تُهْمَةً، ويجوز الحبس بالتهمة؛ لما روي؛ أن رَسُولَ الله ◌َلّر حبس رجلاً بالتهمة(٢). وهل يشترط حضور المولى لقبول البينة القائمة على سرقة عبده مال إنسان والعبد · يجحد؟ اختلف فيه : (١) في أ: المال. (٢) أخرجه أبو داود (٤٦/٤) كتاب الأقضية: باب الحبس في الدين حديث (٣٦٣٠) والترمذي (٢٠/٤) كتاب الديات باب في الحبس والتهمة حديث (١٤١٧) والنسائي (٨/ ٦٧) كتاب السارق: باب امتحان السارق بالضرب والحبس، وأحمد (٢/٥) وعبد الرزاق (٣٠٦/٨) رقم (١٨٨٩١) والحاكم (١٠٢/٤) كتاب الأحكام، وابن الجارود في ((المنتقى)) (١٠٠٣) والطبراني في ((الكبير)) (١٠ /٤١٤) رقم (٩٩٦، ٩٩٧، ٩٩٨) والبيهقي (٥٣/٦) كتاب التفليس: باب حبس المتهم إذا اتهم، عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي وَلّ حبس رجلاً في تهمة ساعة من نهار ثم خلى عنه. قال الترمذي: حديث حسن. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وفي الباب عن أبي هريرة وأنس بن مالك ونبيشة. - حديث أبي هريرة أخرجه البزار (١٢٨/٢ - كشف) رقم (١٣٦٠، ١٣٦١) والعقيلي في ((الضعفاء» (٥٢/١) وابن عدي في ((الكامل)) (٢٤٣/١) والحاكم (١٠٢/٤) كلهم من طريق إبراهيم بن خثيم بن عراك بن مالك عن أبيه عن جده عن أبي هريرة أن النبي وَ لجر حبس رجلاً في تهمة يوماً وليلة استظهاراً. قال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ إلا عن أبي هريرة من هذا الوجه وإبراهيم ليس بالقوي وقد حدث عنه جماعة. وقال العقيلي: لا يتابع إبراهيم على هذا. وقال ابن عدي: رواه عن عراك بن مالك يحيى بن سعيد الأنصاري وغيره مرسلاً وموصولاً. وسكت عنه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: قلت: إبراهيم متروك. والحديث ذكره أيضاً الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٠٧/٤) وقال: رواه البزار وفيه إبراهيم بن خثيم وهو متروك. - حديث أنس بن مالك أخرجه العقيلي في ((الضعفاء» (٥٣/١ -٥٤) وابن حبان في ((المجروحين)) (١١٦/١) من طريق إبراهيم بن زكريا الواسطي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن يحيى بن سعيد عن أنس أن النبي ◌َّر حبس في تهمة. = ٣٢٧ كتاب السرقة قال أبو حنيفة - عليه الرحمة - يشترط؛ حتى لو كان مولاه غائباً، لم تقبل البينة، وهو إِحدى الروايتين عن أبي يُوسُفَ. وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - رواية أخرى، أنه لا يشترط، ويقضي عليه بالقطع، وإن كان مولاه غائباً. وجه هذه الرواية: أن القطع إنما يجب على العبد بالسرقة، من حيث إنه آدمي مكلف، لا من حيث إنه مال مملوك للمولى. ومن هذا الوجه المولى أجنبي عنه، فلا معنى لاشتراط حضرته، كما لا تشترط حضرة سائر الأجانب، ولهذا لو أقر بالسرقة، نفذ إقراره، ولا يشترط حضور المولى؛ كذا هذا. وجه قول أبي حنيفة - عليه الرحمة - أن هذه البينة تتضمن إِتلاف ملك المولى؛ فلا يقضي بها مع غيبة المولى، كالبينة القائمة على ملك شيء من رقبة العبد؛ ولأن من الجائز أنه لو كان حاضراً لادعى شبهة مانعةً من قبول الشهادة، والحدود تُذْرَأَ ما أمكن بخلاف الإقرار؛ لأنه بعد ما وقع موجباً للحد لا يملك المولى رده بوجه، فلم تتمكن فيه شبهة ولا تظهر السرقة بالنكول؛ حتى لو ادعى على رجل سرقة فأنكر فاستحلف فنكل، لا يقضي عليه بالقَطْعِ، ويقضي بالمال؛ لأن النكول إما أن يجري مجرى البدل، والقطع مما لا يحتمل البدَل والإباحة، والمال مما يحتمل البدل والإباحة، وإما أن يجري مجرى إقرار فيه شبهة العدم؛ لكونه إقراراً من طريق السكوت لا صريحاً، الشبهة تمنع وجوب الحد، ولا تمنع وجوب المال . وأما الإقرار: فتظهر به السرقة الموجبة للقطع أيضاً، لأن الإنسان غير متهم في الإقرار على نفسه بالإضرار بنفسه، فتظهر به السرقة؛ كما تظهر بالبينة، بل أولى؛ لأن المرء قد يتهم في حق غيره ما لا يتهم في حق نفسه، وسواء كان الذي أقر بالسرقة عبداً مأذوناً أو محجوراً بعد أن كان من أهل وجوب القطع عليه، وعند زفر - رحمه الله . لا يقطع بإقرار العبد من غير تصديق المولى. وجملة الكلام: أن العبد إذا أقر بسرقة عشرة دراهم، لا يخلو: إما أن كان مأذوناً أو قال العقيلي: إبراهيم بن زكريا مجهول وحديثه خطأ . = وقال ابن حبان: ليس هذا من حديث أنس ولا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري وليس يحفظ هذا المتن إلا من رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. - حديث نبيشة أخرجه الطبراني في الأوسط كما في ((المجمع)) (٢٠٦/٤) وقال الهيثمي وفيه من لم أعرفه. ٣٢٨ كتاب السرقة محجوراً، والمال قائم أو هالك، فإن كان مأذوناً يقطع، ثم إن كان المال هالكاً أو مستهلكاً لا ضمان عليه؛ سواء صدقه مولاه في إقراره أو كذبه؛ لأن القطع مع الضمان لا يجتمعان عندنا. وإن كان المال قائماً فهو للمسروق منه وهذا قول أصحابنا الثلاثة . وقال زفر - رحمه الله -: لا يقطع من غير تصديق المولى، والمال للمسروق منه. وجه قوله: إن إقرار العبد يتضمن إتلاف مال المولى؛ لأن ما في يد العبد مال مولاه، فلا يقبل من غير تصديق المولى. ولنا: أن العبد غير متهم في هذا الإقرار؛ لأن المولى إن كان يتضرر به، فضرر العبد أعظم؛ فلم يكن متهماً في إقراره فيقبل، ولأنه لا ملك للمولى في يد العبد في حق القطع؛ ٢٩٦/٢ب كما لا ملك له في نفسه في حق القتل؛ فكان العبد فيه مبقي على أصل / الحرية، فيقبل إقراره كالحر؛ وبه تبين أن إقراره لم يتضمن إبطال حق المولى في حق القطع؛ لعدم الحق له في حقه، وإن كان محجوراً تقطع يده، ثم إن كان المال هالكاً أو مستهلكاً لا ضمان عليه، كذبه مولاه أو صدقه، وإن كان قائماً فإن صدقه مولاه تقطع يده، والمال للمسروق منه. وإن كذبه بأن قال: هذا مالي: اختلف فيه أصحابنا الثلاثة: قال أبو حنيفة تقطع يده، والمال للمسروق منه وقال أبو يوسف: تقطع يده، والمال للمولى، ولا ضمان على العبد في الحال، ولا بعد العتق، وقال محمد: لا تقطع يده، والمال للمولى، ويضمن مثله للمقر له بعد العتق . وجه قوله(١) ظاهر؛ لأن إقرار المحجور بالمال لا يصح؛ لأن ما في يده ملك مولاه ظاهراً وغالباً، وإذا لم ينفذ إقراره بالمال، بقي المال على حكم ملك المولى، ولا قطع في مال المولى؛ بخلاف المأذون، لأن إقراره بالمال جائزاً، وإذا جاز إقراره بالمال لغيره، تثبت السرقة منه؛ فيقطع. وجه قول أبي يوسف: أَنَّ إقراره بالحد جائز، وإن كان لا يجوز بالمال؛ إذ ليس من ضرورة جواز إقراره في حق الحد جوازه في المال؛ ألا ترى أنه لو قال: سرقت هذا المال الذي في يد زيد من عمرو، يقبل إقراره في القطع، ولا يقبل في المال؛ كذا هذا. وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن إقرار العبد بالحد جائز، لما ذكرنا في العبد المأذون، فلزمه القطع، فبعد ذلك لا يخلو: إما أن يقطع في المال المقر به بعينه، ويرد المسروق إلى المولى، وإما أن يقطع في مال بغير عينه، لا سبيل إلى الأول، لأن قطع اليد في (١) من أ: قول محمد. ٣٢٩ كتاب السرقة مال محكوم به لمولاه لا يجوز، ولا يجوز أن يقطع في مال بغير عينه؛ لأن الإقرار صادف مالاً ميعناً؛ فتعين أن يقطع في المال المقر به بعينه، ويرد المال إلى المسروق منه. هذا إذا كان العبد بالغاً عاقلاً وقت الإقرار، فأما إذا كان صبياً عاقلاً، فلا قطع عليه، لأنه ليس من أهل الخطاب بالشرائع، ثم ينظر إن كان مأذوناً يصح إقراره بالمال، فإن كان قائماً يرد عليه وإن كان هالكاً يضمن وإن كان محجوراً لا يصح إقراره إلا بتصديق المولى، فإن كذبه فالمال للمولى إن كان قائماً، وإن [كان](١) مالكاً لا ضمان عليه؛ لا في الحال، ولا بعد العتاق . ولو أقر العبد بسرقة ما دون العشرة، لا يقطع؛ لأن النصاب شَرْط، ثم ينظر إن كان مأذوناً يصح إقراره، ويرد المال إلى المسروق منه، وإن كان هالكاً يضمن، سواء كان العبد مخاطباً أو لم يكن، وإن كان محجوراً فإن صدقه مولاه فكذلك وإن كذبه فالمال للمولى، ويضمن العبد بعد العتق(٢) إن كان مخاطباً وقت الإقرار، وإن كان صغيراً لا ضمان عليه. والأصل في جنس هذه المسائل: أن كل ما لا يصح إقرار المولى على عبده، يصح إقرار العبد فيه، ثم المولى إذا أقر على عبده بالقصاص أو حد الزنا أو حد القذف أو السرقة أو القطع في السرقة، لا يصح، فإذا أقر العبد بهذه الأشياء يصح. وأما إذا أقر المولى على عبده بالجناية فيما دون النفس فيما يجب فيه الدفع أو الفداء - فإنه ينظر إن لم يكن عليه دين، صح؛ لأن الجناية فيما دون النفس يسلك فيها مسلك الأموال، فكأن المولى أقر عليه بالدين. ولو أقر عليه بالدين، يصح؛ كذا هذا. وإن كان عليه دين، لا يصح، لأنه لو أقر عليه بالدين، وعليه دين، لا يصح؛ كذا إذا أقر عليه بالجناية؛ والله سبحانه وتعالى أعلم. وعدم التقادم في الإقرار ليس بشرط لجوازه، فيجوز؛ سواء تقادم عهد السرقة أو لا، بخلاف البينة، والفرق ذكرناه(٣) في كتاب ((الحدود))، واختلف في العدد في هذا الإقرار، أنه هل هو شرط؟ قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله -: ليس بشرط، ويظهر بالإقرار مرة واحدة . وقال أبو يوسف - رحمه الله -: شرط، فلا يقطع ما لم يقر مرتين في مكانين(٤) والدلائل (١) سقط في ط. (٣) في أ: العتاق. (٤) اتفقوا على وجوب القطع بالإقرار مرتين. (٢) في أ: العتاق. = ٣٣٠ كتاب السرقة ثم اختلفوا في وجوب القطع بالإقرار مرة واحدة فذهب الحنابلة، وأبو يوسف من رواية عنه إلى أنه لا = يجب القطع بالإقرار مرة واحدة. وإنما يجب إذا أقر السارق مرتين. وذهب الأئمة الثلاثة وأصحابهم وكثير من الفقهاء إلى أنه يجب القطع بالإقرار مرة واحدة. استدل الحنابلة ومن وافقهم: أولاً: بما رواه أبو داود عن أبي أمية المخزومي. أنه عليه الصلاة والسلام أتي بلص قد اعترف ولم يوجد معه متاع. فقال: (وَلِّ (مَا أَخَالَكَ سَرَقتَ فقال: بَلَى يا رسولَ الله. فأعادها عليه الصلاة والسلام مرتين أو ثلاثاً فَأَمَر به فَقُطِع)). ووجه الدلالة: إنه النبي ولو لم يأمر بقطعه إلا بعد تكرر إقراره. فلو كان القطع يجب بالإقرار مرة واحدة. ما كان لقوله وَله: ((ما إخالُكَ سَرَقْتَ مرَّتين أو ثلاثاً) من فائدة. وأجيب عنه. بأنه الحديث لا يدل على أنه لا يجب القطع إلا بالإقرار مرتين. وإنما يدل على أنه يندب للإمام تلقين المسقط للحد والمبالغة من الاستثبات. والذي يعين هذا المعنى أنه رَ ﴾ قال: ((لا إخالُكَ سرقت)) ثلاث مرات في رواية. ولا قائل بأنه لا يجب القطع بالإقرار إلا إذا كان ثلاث مرات. فلو كان مجرد الفعل يدل على الشرطية. لكان وقوع التكرار ثلاث مرات منه ◌َّ يقتضي اشتراطه فلا يجب القطع إلا إذا حصل الإقرار ثلاث مرات. وثانياً: بقياس القطع في السرقة على حد الزنى بجامع أنه كلاً منهما حد فكما أنه يعتبر عدد الإقرار بالزنى بعدد الشهود عليه فكان عدد الإقرار أربع مرات كعدد الشهود. فكذلك يعتبر عدد الإقرار بالسرقة بعدد الشهود عليه وعدد الشهود في السرقة اثنان. فيكون عدد الإقرار المعتبر مرتين. فلا يجب القطع بالإقرار مرة واحد. وأجيب عنه أولاً: بأنه منقوض بالجلد في القذف فإنه حد ولم يعتبر فيه عدد الإقرار بعد الشهادة. وثانياً: من قبل الحنفية بمنع أن الإقرار بالزنا اعتبر بالشهادة عليه في العدد. فإن تكرار الإقرار بالزنا اعتبر أربع مرات بنص غير معقول المعنى فلا یقاس غيره به. وثالثاً: من قبل الشافعية، والمالكية الذين لا يوجبون تكرار الإقرار أربع مرات في الزنا. بل يجب حد الزنا عندهم بالإقرار مرة واحدة: يمنع أن الإقرار بالزنا لا يوجب الحد إلا إذا كان أربع مرات. بل يجب بمرة واحدة. بخلاف الشهادة. فإن اعتبار العدد فيها إنما هو لتقليل تهمة الكذب، ولا تهمة في الإقرار إذ لا يتهم الإنسان في حق نفسه بما يقره ضرراً بالغاً. على أنه لا فائدة في تكرار الإقرار. فإن الأول إما صادق فالثاني لا يفيد شيئاً. وإما كاذب فبالثاني لا يصير صدقاً. واعتبار التكرار لرفع احتمال كون المقر يرجع مدفوع بأن له الرجوع مطلقاً سواء أكان الرجوع بعد الإقرار الأول أم الثاني. فباب الرجوع من الإقرار في الحدود ثابت، ومقرر. واستدل الأئمة الثلاثة . أولاً: بما رواه ابن ماجه عن ابن لَهِيْعَة عن يزيد عن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن ثعلبة عن أبيه أن عمرو بن سَمُرَةً: ((أتى النبي ◌َّ فقال يا رسول الله: إني سَرَقْتُ جَمَلاً لِبَنِي فُلانٍ فَأَرْسَل إِلَيْهِمْ النَّبِي وَلَهُ فَقَالُوا إِنَّا افْتَقَدْنَا جَمَلاً لَنَا فَأَمَرَ بِهِ النبي ◌َِّ فَقُطِعَتْ يَدُهُ» . ووجه الدلالة من الحديث ظاهر. فقد أقام النبي ◌َ لّ الحد بإقرار السارق مرة واحدة. فلو كان التكرار مرتين شرطاً في القطع لما أمر النبي ◌َّ بقطع السارق. وثانياً: بما رواه عبد العزيز بن محمد الداروروي)) عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن = ٣٣١ كتاب السرقة ذكرناها في كتاب الحدود، وكذا اختلف في دعوى المسروق منه، أنها هل هي شرط كون الإقرار مظهراً للسرقة؛ كما هي شرط كون البينة مظهرة لها؟ قال أبو حنيفة ومحمداً - رحمهما الله - شرط، حتى لو أقر السارق أنه سرق مال فلان الغائب، لم يقطع ما لم يحضر المسروق منه، ویخاصم عندهما. وقال أبو يوسف: الدعوى في الإقرار ليست بشرط، ويقطع حال غيبة المسروق منه. وجوه قوله: إن إقراره بالسرقة إقرار على نفسه، والإنسان يصدق في الإقرار على نفسه، لعدم التهمة، ولهذا لو أقر بالزنا بامرأة وهي غائبة قبل إقراره وحد؛ كذا هذا. ولهما: ما روي؛ أن سمرة - رضي الله عنه - قال للنبي - رَلو -: إن سرقت لآل فلان، فأنفذ إليهم رسول الله ير فسألهم فقالوا: إنا فقدنا بعيراً لنا في ليلة كذا فقطعه؛ فلولا أن المطالبة شرط ظهور السرقة بالإقرار، لم يكن ليسألهم، بل كان يقطع السارق/ ولأن كل من في يده شيء، فالظاهر أنه ملکه. ١٢٩٧/٢ فأما إذا أقر به لغيره، لم يحكم بزوال ملكه عنه، حتى يصدقه المقر له، والغائب يجوز أن يصدقه فيه، ويجوز أن يكذبه، فبقي على حكم ملك السارق، فلا يقطع؛ ولأن في ظهور السرقة بهذا الإقرار شبهة العدم؛ لاحتمال التكذيب من المسروق منه، فإنه يحتمل أن يحضر فيكذبه في إقراره، بخلاف الإقرار بالزنا بامرأة غائبة، أنه يحد المقر. وإن كان يحتمل أن تحضر المرأة، فتدعى شبهة، لأن هناك لو كانت حاضرة، وادعت الشبهة، يسقط الحد لأجل الشبهة، فلو سقط عند غيبتها، لسقط لشبهة الشبهة، وإنها غير معتبرة في دَرْءِ الحد، وههنا بخلافه، لأن المسروق منه لو كان حاضراً، وكذب السارق في إقراره عن ثوبان عن أبي هريرة. قال: ((أَتِي بِسَارِقٍ إِلَى النبيِّهِ، فَقْلَ يا رسولَ الله هَذَا سَرَقَ فَقَالَ. مَا إِخالَهُ = سَرَق. فقال السَّارِقُ. بَلى يا رسول الله قال: ((اذْهَبُوا بِهِ فاقْطَعُوهُ فَقُطِعَ)). فإن النبي ◌َّ قد أمر بقطع السارق بعد إقراره مرة واحدة. وأجيب عنه. بأنه لا دلالة فيه على أن القطع كان بإقرار السارق بل كان بشهادة الشهود. ودفع هذا الجواب: بأن القطع كان بإقرار السارق لا بشهادة الشهود. يدل لذلك تلقين النبي ◌َّ الجحود السارق بقوله ((ما إِخاله سَرَقَ)) فلو كان بشهادة الشهود لاقتصر النبي بَّر عليها. هذا والراجح ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة، من وجوب القطع بالإقرار مرة واحدة. لقوة أدلته. ولأن الإقرار إنما صار حجة في الشرع لرجحان جانب الصدق فيه على جانب الكذب وهذا عند التكرار، والتوحد سواء. فإن الإقرار إخبار والخبر لا يزيد رجحاناً بالتكرار بخلاف التعدد في الشهادة فإنه يضعف تهمة الكذب فيها. ويوجب زيادة ظن على المشهود عليه. ينظر: حد للسرقة لشيخنا إبراهيم الشهاوي. ٣٣٢ كتاب السرقة بالسرقة منه، لم يقطع لا لمكان الشبهة، بل لانعدام فعل السرقة، فلم يكن [فيه](١) السقوط حال الغيبة اعتبار شبهة الشبهة، والله أعلم. قال محمد: لو قال: سرقت هذه الدراهم، ولا أدري لمن هي؟ أو قال: سرقتها ولا أخبرك من صاحبها، لا يقطع، لأن جهالة المسروق منه فوق غيبته، ثم الغيبة لما منعت القطع على أصله، فالجهالة أولى، ولأن الخُصُومَةَ لما كانت شرطاً، فإذا كان المسروق منه مجهولاً، لا تتحقق الخصومة، فلا يقطع. وإذا عرف؛ أن الخصومة شرط ظهور السرقة الموجبة للقطع بالبينة على الاتفاق، وبالإقرار على الاختلاف، فلا بد من بيان من يملك الخصومة، ومن لا يملكها فنقول ـ وبالله التوفيق -: الأصل أن كل من كان له يد صحيحة يملك الخصومة، ومن لا فلا فللمالك أن يخاصم السارق إذا سرق منه لا شك فيه، لأن يد المالك يد صحيحة. وأما المودع والمستعير والمضارب والمبضع والغاصب والقابض على سوم الشراء والمرتهن - فلا خلاف بين أصحابنا - رضي الله عنهم - في أن لهم أن يخاصموا السارق، وتعتبر خصومتهم في حق ثبوت ولاية الاسترداد، والإعادة إلى أيديهم. وأما في حقوق القطع: فكذلك عند أصحابنا الثلاثة - رحمه الله - ويقطع السارق بخصومتهم، وعند زفر - رحمه الله - لا تعتبر خصومتهم في حق القطع، ولا يقطع السارق بخصومة هؤلاء. وعند الشافعي - رحمه الله - لا يعتبر بخصومة غير المالك أصلاً، لا في حق القطع، ولا في حق ولاية الاسترداد. ووجه قول زفر - رحمه الله - أن يد هؤلاء ليست بيد صحيحة في الأصل، أما يد المرتهن: فظاهر؛ لأنها يد حفظ، لا أنه يثبت له ولاية الخصومة لضرورة الإعادة إلى يد الحفظ، ليتمكن من التسليم إلى (٢) المالك، وكذلك يد الغاصب القابض على سوم الشراء والمرتهن يدهم يد ضمان لا يد خصومة وإنما ثبت لهم ولاية الخصومة لإمكان الرد إلى المالك؛ فكان ثبوت ولاية الخصومة لهم بطريق الضرورة، والثابت بضرورة يكون عدماً فيما وراء محل الضرورة، لانعدام علة الثبوت، وهي الضرورة، فكانت الخصومة منعدمةً في حق القطع، ولا قطع بدون الخصومة، ولهذا لا يقطع بخصومة السارق؛ كذا هذا. ولنا: أن الخصومة شرط صيرورة البينة حجة مظهرة للسرقة؛ لما بينا أن الفعل لا يتحقق سرقة ما لم يعلم أن المسروق ملك غير السارق، وإنما يعلم ذلك بالخصومة، فكانت الخصومة (١) سقط في ط . (٢) في ط: من. ر ٣٣٣ كتاب السرقة شرط كون البينة مظهرة للسرقة، وكونها مظهرة للسرقة ثبت بخصومة هؤلاء، وإذا ظهرت السرقة يقطع؛ قوله تعالى: ﴿والسَّارقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] بخلاف السارق؛ أنه لا يقطع بخصومته، لأن يده ليست بصحيحة؛ لما نذكر على أن عدم القطع هناك لخلل في ملك المسروق، لما بينا فيما تقدم وههنا لا خَلَلَ في العصمة . ألا ترى؛ أن هناك لا يقطع بخصومة المالك، وههنا يقطع، ولو حضر المالك، وغاب المرتهن، هل له أن يخاصم السارق ويقطعه؟ ذكر في ((الجامع الصغير)) أن له ذلك، وروى ابن سماعة عن محمد - رحمه الله - أنه ليس له ذلك. وَجْهُ رواية: ابن سماعة: أن ولاية الخصومة للمسروق منه، والمالك ليس بمسروق منه؛ لأن السارق لم يسرق منه، وإنما سرق من غيره، فلم يكن له ولاية الخصومة. وجه رواية ((الجامع)): أن الخصومة في باب السرقة إنما شرطت، ليعلم أن المسروق ملك غير السارق، وهذا يحصل بخصومة المالك؛ فتصح خصومته؛ كما تصح خصومة المرتهن، بل أولى؛ لأن يد المرتهن يد نيابة؛ فلما صحت الخصومة بيد النيابة، فيد الأصالة أولى، ولو حضر المغصوب منه، وغاب الغاصب، ذكر في ((الجامع الصغير)» أن له أن يخاصم، ويطالب بالقطع، ولم يذكر ابن سماعة في الغصب خلافاً، وذكر القدوري - عليه الرحمة - أنه ينبغي أن يكون الخلاف فيهما واحداً، وليس للراهن أن يخاصم السارق فيقطعه؛ لأنه ليس له حق القبض قبل قضاء الدين، فلا يملك المطالبة/ ؛ حتى لو قضى الدين، له أن يخاصم؛ لأنه ثبت له (١) ولاية القبض بالفكاك. ١٢٩٨/٢ قال القدوري - رحمه الله -: وعلى قياس رواية ابن سماعة لا يثبت للراهن ولاية المطالبة مع غيبة المرتهن؛ كما في المودع، بل أولى، لأن يد المرتهن أقوى من يد المودع، لأن يد المرتهن لنفسه، ويد المودع لغيره. ولو هلك الرهن في يد السارق، كان للمرتهن أن يقطعه، ولا سبيل للراهن عليه؛ لأن المرتهن كان له ولاية القطع قبل الهلاك، وهلاك المحل لا يسقط القطع، فيثبت الولاية، فأما الراهن فلم يبق له حق في المرهون، ألا ترى أنه سقط عنه الدين بهلاكه، فلا تثبت له ولاية المطالبة . وأما السارق: فلا يملك الخصومة؛ لأن يده ليست بمضمونة، لأنها ليست بيد ملك، ولا يد ضمان، ولا يد أمانة فصار الأخذ من يده كالأخذ من الطريق، فلم يكن له أن يخاصم (١) سقط في ط. ٣٣٤ كتاب السرقة الثاني بالقطع، ولا للمالك أيضاً ولاية المخاصمة، لأن أخذ المال من اليد الصحيحة شرط وجوب القطع، ولم يوجد؛ فلا يجب القطع، فلا تثبت [له](١) ولاية المطالبة، وهل للسارق الأول أن يطالب الثاني برد المسروق إلى يده قالوا: فيه روايتان: في رواية: له ذلك، وفي رواية: ليس له ذلك. وجه الرواية الأولى على نحو ما بينا: أَنَّ المسروق منه [لما](١) لم تكن له يَدْ صحيحة، فصار الأخذ منه كالأخذ من الطريق سواء. وجه الرواية الثانية: أن من الجائز أن يختار المالك الضمان، ويترك القطع، فيحتاج إلى أن يسترده من يده، فيدفع إليه، فيتخلص عن الضمان؛ كما في الغصب ونحوه على ما مر، وذكر القدوري - عليه الرحمة - أنه يجوز أن يقال ما لم يقطع فله ذلك. وأما بعد القطع: فليس له ذلك؛ لأن قبل القطع يحتمل اختيار الضمان، وبعده لا . قال: ويجوز أن يقال له ذلك بعد القطع أيضاً؛ لأن الضمان إن لم يجب عليه في القضاء، فهو واجب عليه فيما بينه وبين الله - تعالى - فيحتاج إلى الاسترداد ليتخلص عن الضمان الواجب عليه فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى، ولا تظهر السرقة الموجبة للقطع بعلم القاضي؛ سواء استفاده قبل زمان القضاء، أو في زمان القضاء؛ لما ذكرنا في كتاب ((أدب القاضي))؛ والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في حُكم السَّرِقَةِ وأما حكم السرقة: فنقول ـ وبالله التوفيق -: للسرقة حكمان: أحدهما: يتعلق بالنفس، والآخر: يتعلق بالمالٍ. أما الذي يتعلق بالنفس فالقطع(٢)؛ لقوله سبحانه وتعالى ﴿والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ولما روينا من الأخبار وعليه إجماع الأمة، فالكلام في هذا الحكم يقع في مواضع. (١) سقط في ط. (٢) لا خلاف بين الفقهاء في أن معنى القطع المأمور به في قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوْا أَيْدِيَهُمَ﴾ هو إيانة اليد، وإزالتها. لأن القطع موضوع للإبانة حقيقة لتبادرها منه، والتبادر أمارة الحقيقة، وهو المراد في الآية لعدم القرينة الصارفة عنه إلى غيره مما له به علاقة كمطلق المنع من السرقة بحبس أو ضرب أو غيرهما . ويرى بعض الباحثين - ممن يزعمون أنهم يريدون التوفيق بين الشريعة الإسلامية، والقوانين الوضعية في عقوبة السارق - أن معنى قطع يد السارق في الآية منه من السرقة، والمنع يتحقق بالضرب أو الحبس أو غيرهما ولا يختص بالإبانة. وعلى ذلك تكون عقوبة السارق بالحبس عقوبة شرعية، ويكون معنى قوله - تعالى -: ﴿فَاقْطَعُوْا أَيْدِيَهُمَا﴾: فامنعوا أيديهما من السرقة بما ترونه محققاً للمنع. كتاب السرقة ٣٣٥ لأن القطع معناه في اللغة حقيقة: مطلق المنع. = ويدل لذلك ما يأتي: أولاً: ما روي أن رسول الله وَلقر حينما سمع قول العباس بن مرداس: سَدَّ دُوْنَ عُيَيْئَةِ وَالأَفْرَّعِ أَتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبُ الْعَبِيدِ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَع وَمَا كَانَ حِصنٌ وَلا حَابِسٌ فَلَمْ أُعطَ شَيْئاً وَلَمْ أُمْنَعِ وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرِبِ ذَا تُدْرٍ وَمَنْ تَصنعُ الْيَوْم لاَ يُرْفَغَ وَمَا كُنْتُ دُوْنَ امرىء منهما قال لأصحابه: اقطعوا عني لسانه فأعطوه مائة ناقة كصاحبيه وكان قد أعطى النبي ◌َّر الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن الفزاري مثلها، وأعطى العباس بن مرداس دونها. ووجه الدلالة: أن القطع لو كان معناه الإبانة لتبادر الصحابة بإبانة لسان العباس وإزالته، لكنهم لم يبادروا إلى ذلك. واكتفوا بإعطائه مائة من الإبل، لفهمهم المنع من القطع. ويجاب عن ذلك: بأن فهم الصحابة المنع من القطع لا يدل على أنه حقيقة فيه. لأنهم فهموا ذلك بالقرينة الحالية: فإن المقام يقتضي منعه من الكلام بزيادة العطاء له فإن العباس قد أخبر في شعره أن أباه لم يكن بأقل من أبوي عيينة، والأقرع، وأن العباس لم يكن بأقل من عيينة، والأقرع في الجهاد، والجلاد. فحقه أن يكون مساوياً لكل منهما في العطاء، والفهم بالقرينة دليل المجاز. وثانياً: ما روي أن ليلى الأخيلية لما دخلت على الحجاج فأنشدته القصيدة التي منها: إِذَا هَبَطَ الْحَجَّاجْ أَرْضاً مَرِيضَةً تَتَبَّعَ أَقْصَى دَائِهَا فَشَفَاهَا شَفَاهَا مِنْ الدَّاءِ الْعِضَالِ الَّذِي بِهَا غَلاَمٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سقَاهَا قال لحاجبه: اقْطَعْ لِسَانَهَا فذهب إلى الحداد فأخرج ((الموسى))، وأراد أن يقطع لسانها. فقالت ليلى: ما هكذا أراد الحجاج بل أراد أن تقطعوا لساني بالعطية. فلما استفسروا من الحجاج قال لهم كما قالت ليلى، وعاقب الذي أخطأ في الفهم. ووجه الدلالة: أن الحجاج استعمل القطع في المنع ولم يستعمله في الإبانة، ولهذا عاقب حاجبه على فهمه الإبانة من القطع، وأنكرت ليلى عليه ذلك الفهم. وليلى والحجاج من فصحاء العرب في الدولة الأموية، وممن يحتج بكلامهم، فقد نص علماء اللغة على صحة الاحتجاج بكلام العرب في الدولة الأموية، وصدر من الدولة العباسية إلى زمن أبي العتاهية الشاعر العباسي المشهور المتوفى سنة ٢١١ هجرية ببغداد. فلو كان القطع معناه الحقيقي الإبانة، لما صح أن يعاقب الحجاج حاجبه، ولما أنكرت عليه ليلى ذلك الفهم. ويجاب عنه: بأن استعمال الحجاج القطع في المنع لا يدل على أنه حقيقة فيه، لأن الاستعمال يتناول الحقيقي والمجازي. فالحجاج قد استعمل القطع في معناه المجازي، وهو المنع بالعطية، وجعل القرينة على هذا المجاز: مدح ليلى له، وإضافة القطع إلى اللسان الذي أنشأ المدح ولذلك عاقب حاجبه على فهمه المعنى الحقيقي، وهو الإبانة مع وجود القرينة المانعة منه. على أنه لو سلم جدلاً أن معنى القطع حقيقة مطلق المنع فالمراد به في الآية الكريمة خصوص الإبانة: فإن السنة قد بينت ذلك المراد قولاً، وعملاً، ونفذ القطع في عهد رسول الله وَّر وفي عهد أصحابه الأجلاء بمعنى الإبانة . = ٣٣٦ كتاب السرقة ولم يثبت في السُّنَّة أن سارقاً عوقب بالحبس، أو الضرب في عهد الرسول بَّه9. أو في عهد أصحابه من = بعده بل كان العقاب المستمر إنما هو إبانة أطراف السارق، وبترها هذا والحق ما ذهب إليه الفقهاء: من أن القطع في الآية الكريمة معناه الإبانة لقوة دليله. ولأن القطع إنما يكون نكالاً إذا كان بمعنى الإبانة وأوجب الله تعالى القطع في السرقة: صيانة للأموال المحترمة، وحفظاً لها من عبث المفسدين وشره الطامعين. ولم يشأ سبحانه أن يجعل تلك العقوبة في الغصب، والاختلاس مع أن الاعتداء بهما على الأموال أظهر من الاعتداء عليها بالسرقة - لأنهما - مع ندرتهما - يسهل إقامة البينة عليهما فإنهما يقفان جهرة، ويعرف فيهما المعتدي ففي استطاعة رب المال أن يجد طريقة مشروعة لاسترداد ماله برفع أمر المعتدي إلى الحاكم، ومقاضاته عنده. وفي إمكان الحاكم إلزامه بما أخذ ومعاقبته بما يرى. على أن رب المال في هذين الأمرين يمكنه الدفاع عن ماله بنفسه أو بنجدة الناس، أو بقوة السلطة الحاكمة ... أما السرقة فإنها كثيرة الوقوع ويعسر إقامة البينة عليها لأن المعتدي فيها غير معروف فإنه ينتهز غفلة الناس، وعدم رؤيتهم له ثم ينقب الدار ويهتك الحرز بعد أن يحتاط لنفسه، ويأخذ العدة للغرار. فليس في استطاعة رب المال أن يجد طريقة مشروعة لاسترداد ماله لأنه لا يعرف سارقه ... لذلك كان من الحكمة تشريع عقوبة القطع في السرقة دون الغصب، ونحوه تقام على من عثر عليه من السر أنه جزاء له، وزجراً لغيره من المجرمين فلا يقدمون على هذه الجريمة. هذا، وقد خفي سر هذا التشريع الحكيم على علماء القانون من الغربيين فمالوا عنه إلى عقوبة الحبس وأخذوا یثیرون الشبه حوله. يقولون: إن قطع يد السارق لم تراع فيه المناسبة بين الجرم، والعقوبة فإن القطع عقوبة شديدة لا تناسب الاعتداء على شيء من المال: لما فيه من إزالة عضو عليه مدار الحياة ... فالسارق بعد قطعه يصبح عضواً أشل في الهيئة الاجتماعية وعالة على كاهل المجمع وفرداً من أفراده العاطلين. ولو أنهم أمعنوا النظر قليلاً، وتركوا التعصب جانباً. ووازنوا بين ما اتخذوه عقوبة للسارق. وما جعلته الشريعة الإسلامية عقوبة له أو أن ما جعلته الشريعة الإسلامية من العقوبة أجدى للمجتمع وأنفع له. إنهم يعنون من المناسبة بين الجرم، والعقوبة العدالة في تقدير العقوبة على حسب قوة الخطر الذي يترتب على الجرم. وضعفه فإذا كان خطر الجرم فظيعاً كانت العقوبة عليه شديدة حتى يكون ذلك أدعى إلى ترك الجرم، وقلع جذوره من المجتمع . والمناسبة بهذا المعنى متحققة بين السرقة، وعقوبة القطع. فإن السرقة شديدة الخطر على الفرد، والمجتمع لما يترتب عليها من عدم الأمن، وفقد الطمأنينة، وضياع المال الذي هو قوام الحياة، وشقيق الروح ... لذلك كان من الحكمة في تشريع عقوبة عليها مراعاة مصلحة المجتمع كما تراعى مصلحة الفرد. ومصلحة المجتمع في الزجر والاعتبار إنما تتحقق بقطع السارق لما فيه من الشدة التي تقابل فظاعة الجريمة وشفاعتها . أما عقوبة الحبس فإنه لا مناسبة بينها، وبين السرقة لأنه لم يتحقق بها الزجر والاعتبار. = ٣٣٧ كتاب السرقة وإن أكبر شاهد على ذلك إحصاءات جرائم السرقة فإنها تتزايد وتتكاثر في الأمم التي تعاقب السارق = بالحبس. بل كثيراً ما نرى بعض الناس يسرق، وقد يكون الدافع له على السرقة ضيق ذات يده، وميله إلى البطالة والكسل، حتى إذا ضمه السجن وجد طعامه ميسوراً، وشرابه حاضراً فيطمئن إلى تلك الحالة ويتمنى دوامها. حتى إذا خرج من سجنه وضاقت الدنيا في وجهه عاد إلى السرقة رغبة منه في الرجوع إلى عرصات السجون. فلو أن عقوبة الحبس مناسبة للسرقة، وفيها من الشدة ما يقابل الخطر الذي يترتب عليها لما عاد إلى السرقة بعد أن نال عقابه. ولما كثر إقدام غيره عليها خوفاً من شدة عقوبتها وغلظة جزائها. ولقد شعر علماء القانون بأن عقوبة الحبس غير رادعة ولا زاجرة فشرعوا التعليم الخلقي، وتعليم الحرف، والصناعات في السجون لتدارك هذا النقص بتهذيب نفس المجرم حتى لا يعاود الإجرام بعد خروجه من السجن. وليستعين بما تعلم على كسب العيش من طريق شريف تلك هي عقوبة الحبس. أما عقوبة القطع فليست بحاجة إلى ذلك فإنها عقوبة بدنية رادعة تؤدب نفس المجرم، وتهذب من طبعه. على أن الشريعة الإسلامية الحاضة على الوعظ، والإرشاد والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا تأبى إصلاح نفس المجرم وتهذيبه في عرصات السجون، ولكن لا بد من ألم جسماني لاقتلاع جذور الإجرام المتشعبة في نفوس المجرمين المعاقبين فيهم، وغير المعاقبين بما يخوفهم من هول العقوبة فإن العقوبة الشديدة تتمثل شبحاً مخيفاً لمن أراد الإقدام على الجريمة . وبهذا يتبين أن عقوبة السارق بالقطع قد راعى فيها الشارع الحكيم التناسب المحقق لمصلحة الفرد، والمجتمع. كما راعى ذلك في باقي العقوبات الشرعية. ولقد اقتضت حكمته تعالى. أن تكون العقوبات جميعها بدنية ليتساوى الجميع في آلامها. حتى تتحقق العدالة بين الناس جميعاً من ألم العقوبة الواحدة فإن هذه العقوبات الشرعية لا تخرج عن كونها قتلاً أو جلداً أو قطعاً، ولا ريب في أن هذه الأمور لا تستسيغها نفس غني ولا فقير ولا مترف ولا بائس. وتألم الشريف منها كتألم الوضيع. بخلاف عقوبة السجن فلم تتحقق فيها العدالة بمعنى المساواة بين المجرمين في ألم العقوبة الواحدة. فقد يستطيب كثير منهم معيشة السجون لا سيما بعد نشاط الدول في إصلاحها والترفيه على أهلها كما في العصر الحاضر. بل قد يجد المجرم الحقير الذي كان يفترش الغبراء، ويلتحف الزرقاء إذا زج في السجن ما هو ألين مضجعاً وامرأ عيشة من إقامته طليقاً على حين أن بعض الناس من المترفين يبلغ الحبس البسيط من نفسه، وجسمه أشد الألم، والفضاضة وإن نظرة واحدة إلى تفشي الإجرام، وكثرة الجرائم التي تقع على الأموال، وغيرها في الأمم المتمدينة التي يحكمها القانون الوضعي لهما يوجب على مشرعي القانون أن يخففوا من فرط اتهاماتهم الشريعة الإسلامية بقسوة العقوبات، وشدتها. فإنه على فرض أن فيها قسوة فهي أخف ضرراً على المجتمع من قسوة الجرائم المروعة التي يرتكبها مجرموا هذا العصر المتمدنين فإنه لا يصلح لقسوة الجريمة إلا قسوة العقوبة. ولا يغل الحديد إلا الحدید . وإن التفاتة قصيرة إلى بلاد الحجاز، وما هي عليه الآن من أمن وطمأنينة. لتعطينا دليلاً واضحاً على أن = بدائع الصنائع ج٩ - م٢٢ ٣٣٨ كتاب السرقة في بيان صفات هذا الحكم. وفي بیان محل إقامته. وفي بيان من يقيمه. وفي بيان ما يسقط بعد ثبوته. العقوبات الشرعية زاجرة محققة للمقصود منها. فقد كانت بلاد الحجاز قبل قيام الحكومة الحاضرة موطن = خوف، وإرهاب وفزع لا راحة لمن فيها ولا طمأنينة لمن يقصدها لكثرة ما كان يرتكب فيها من سلب الأموال والاعتداء على الأرواح ولا سبب لذلك إلا عدم إقامة العقوبة الرادعة التي ترهب ذوي النفوس الدنيئة. والأطماع الخبيثة، وتجعلهم بعيدين عن ارتكاب الجرائم. أما بعد قيام الحكومة الحاضرة فهي موضع أمن، وطمأنينة لمن فيها ولمن يقصدها. فلم تقع حادثة على المال، أو النفس إلا نادراً. ولا سبب لذلك إلا إقامة العقوبات الشرعية التي يوجد فيها من العدالة والتناسب ما يحقق المصلحة على الوجه الأكمل. ولا نذهب بعيداً إذا قلنا: إن حوادث القتل قليلة بالنسبة إلى حوادث السرقات. وما ذلك إلا لأن عقوبة القتل قصاصاً مناسبة لجريمة القتل العمد العدواني. وهي عقوبة شرعية لم يوجد في القانون الوضعي غيرها من العقوبات الشرعية فلو أن علماء القانون أكملوا النظر في باقي العقوبات لوجدوها محققة للمقصود منها كما في عقوبة القتل قصاصاً. وأما حديثهم عن البطالة وقولهم إن السارق بعد قطع يده يصبح عالة على كاهل المجتمع وفرداً من أفراده العاطلين. فحديث لم ينظروا فيه إلى مصلحة المجتمع. فإن مجتمعاً زاخراً بعمرانه مستبحراً بسكانه يصبح فيه شرذمة من السراق عجزة في الملاجىء لأنهم أخلوا بصالحه فقطعت أيديهم خير له من أن يصبحوا أداة إرهاب وإتلاف بعد خروجهم من السجون. وإن ما يخسره المجتمع من عبثهم، وإفسادهم بعد إن لم ينزجروا بسجنهم لأكثر بكثير مما يخسره عليهم في الملاجىء مكنوناً شرهم مأموناً عبثهم، وإفسادهم. على أن العطلة التي تلازم المقطوع لا تشل إلا عمله في السرقة والعبث بأموال الغير ولو أنه أراد العمل في الحياة لكسب العيش ما عاقه ذلك. فإن كثيراً من المقطوعين يزاولون حرفاً، وصناعات. ثم ما بال هؤلاء لم يشفقوا على المجتمع من مقطوعي الحروب، وعجزة المعارك الحربية التي أثارتها مطامع المدنية الحديثة وجشع الدول، وتدافعها على المغانم وتزاحمها على المتاجر. وتنافسها في التوسع والاستعمار. فهل قطع يد السارق لإصلاح نفسه، وتهذيب المجتمع، واعتباره به أفظع من ويلات الحروب، ومهالكها التي تصب على الناس العذاب صباً من القذائف الفتاكة مما ملأ العالم عجزة وعمياناً ومشوهين .. ؟ كلا ثم كلا. ولعمر الله لو أصبحت عقوبة السارق القطع لقذف المجتمع في بضع سنين من خبثه، وضالته مقطوعين في ملجأ أو ملجأين ثم يصنعو ويرون عن مجتمع راق مهذب قلماً توجد فيه حادثة سرقة. إِذَا نَزِلَتْ سَّلْمَى بِوَادٍ فَمَاؤُهُ. وزُلاَلٌ وَسَلْسَالٌ وَأَشْجَارُهُ وَزْدٌ. ينظر: حد السرقة لشيخنا إبراهيم الشهاوي. كتاب السرقة ٣٣٩ وفي بيان حكم السقوط بعد الثبوت، أو عدم الثبوت أصلاً لمانع من الشبهة . أما صفات هذا الحكم: فأنواع: منها: أن يبقى وجوب ضمان المسروق(١) عندنا؛ فلا (١) انفق الأئمة الأربعة وأصحابهم على وجوب رد عين المسروق إلى صاحبه إن كان قائماً مطلقاً، قطع فيه سارقه أولاً . لما رواه أحمد وابن ماجه عن الحسن عن سمرة. قال: قال رسول اللّهِ وَ ﴿: ((إِذَا سُرِق مِنَ الرَّجُلِ مَتَاعٌ أَوْ ضَاعَ مِنْهُ فَوَجَدَهُ بِيَدِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَن)). واتفقوا أيضاً على وجوب ضمانه إذا تلف ولم يقطع فيه سارقه لمانعَ كنقصان نصاب الشهادة المعتبر لوجوب القطع. أو نقصان نصاب المال المسروق. أو أخذ المسروق من غير حرزه. ثم اختلفوا في وجوب ضمانه إذا تلف وقد قطع فيه سارقه. فذهب الشافعية والحنابلة، وجماعة من الفقهاء إلى وجوب الضمان مطلقاً، موسراً كان السارق أو معسراً، تلف المسروق بهلاك، أو استهلاك وذهب الحنفية في المشهور عنهم إلى عدم وجوب الضمان مطلقاً، موسراً كان السارق أو معسراً، تلف المسروق بهلاك، أو استهلاك وذهب المالكية إلى وجوبه إذا كان السارق موسراً وعدم وجوبه إذا كان معسراً. استدل الشافعية، والحنابلة، ومن وافقهم: أولاً: بما رواه أبو داود والترمذي عن الحسن عن سمرة. عن النبي ◌َِّ قال: ((عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِيَه)) . ووجه الدلالة أن النبي ◌َ و قد أوجب على الآخذ ضمان المأخوذ حتى يؤديه، وقد وجد من السارق الأخذ هنا فلا يبرأ حتى يؤدي قيمته أو مثله، قطع فيه أولاً. وثانياً: بقياس المسروق على المغصوب بجامع أن كلاًّ مال قد تعلق به حق الغير فكما أن المغصوب يجب رد عينه إذا كان قائماً. وضمانه إذا تلف، فكذلك المسروق يجب رد عينه إذا كان قائماً، وضمانه إذا تلف. واستدل الحنفية: أولاً: بقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءَ بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ الله والله﴾. ووجه الدلالة أن الجزاء اسم لما يقابل الفعل، ولم يذكر الله تعالى غير القطع جزاءً، فدل ذلك على أنه هو الجزاء الكافي، فوجوب الغرم زيادة على النص وهي نسخ، ونسخ القرآن لا يكون إلا بقرآن مثله أو خبر متواتر . وأجيب عنه: بمنع أن الزيادة على النص نسخ. ولو سلم فيمنع أنها لا تكون إلا بقرآن مثله أو خبر متواتر. واستدل الحنفية ثانياً: بما رواه النسائي عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فَضَالة عن يونس بن يزيد: قال سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن أخيه المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول اللهِ وَ﴿ أنه قال: ((لاَ يُغْرَمُ صَاحِبُ سَرِقَةٍ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ». وأجيب عنه: بأنه لا يصلح للاحتجاج، فإن المسور بن إبراهيم لم يلق عبد الرحمن بن عوف حتى يسمع منه، وسعد بن إبراهيم مجهول. قاله ابن المنذر، وقال: ابن عبد البر الحديث ليس بالقوي. وأما المالكية: فأهم ما استندوا إليه هو أن تضمين المعسر لما سرق فيه عقوبة له وقطعه عقوبة أخرى ولا يجتمع عقوبتان في محل واحد. وقالوا: إن ما ورد من أحاديث في هذا الباب موجبة للضمان، فهي محمولة على حالة اليسار دون الإعسار. = ٣٤ كتاب السرقة يجب الضمان والقطع في سرقة واحدة، ولقب المسألة أن الضمان والقطع هل يجتمعان في سرقة واحدة؟ عندنا لا يجتمعان؛ حتى لو هلك المسروق في يد السارق بعد القطع أو قبله، لا ضمان عليه . وعند الشافعي - رحمه الله -: [يجتمعان](١) فيقطع، ويضمن ما استهلكه. وجه قوله: إنه وجد من السارق سَبَبُ وجوب القطع والضمان؛ فيجبان جميعاً، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه وجد منه السرقة، وإنها سبب لوجوب القطع والضمان، لأنها جناية حقين: حق الله - عز وجل - وحق المسروق منه. أما الجناية على حق الله - سبحانه وتعالى - فهتك حرمة حفظ الله - سبحانه وتعالى - إذ المال حال غيبة المالك محفوظ بحفظ الله - سبحانه وتعالى -. وأما الجناية على حق العبد: فبإتلاف ماله، فكانت الجناية على حقين، فكانت مضمونة بضمانين، فيجب ضمان القطع، من حيث إنها جناية على حق الله - سبحانه وتعالى - وضمان المال من حيث إنها جناية على حق العبد؛ كمن شرب خمر الذمي أنه يجب عليه الحد حقاً لله - تعالى - والضمان حقاً للعبيد. وكذا قتل الخطأ يوجب الكَفَّارَةَ حقًّا لله - تعالى - والدية حقًّا للعبد؛ كذا هذا، والدليل عليه: أن المسروق لو كان قائماً، يجب رده على المالك؛ فدل أنه بقى معصوماً حقًّا للمالك. ولنا: الكتاب والسُّنَّةُ والمعقول: أما الكتاب العزيز: فقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] والاستدلال بالآية من وجھین. أحدهما: أن الله - سبحانه وتعالى - سمى القطع جزاء، والجزاء يبنى على الكفاية، فلو ضم إليه الضمان لم يكن القطع كافياً، فلم يكن جزاء، تعالى الله - سبحانه عز شأنه - عن الخُلْفِ في الخبر. وهذا كلام - كما نرى - ليس بظاهر. فإن القطع والضمان وإن كانا عقوبتين - فإنهما في محلين مختلفين = لأن محل القطع هو اليد أو الرجل. ومحل الضمان هو الذمة. وحملهم الأحاديث على حالة اليسار دون الإعسار تخصيص لها بغير دليل، فلا عبرة به. هذا والراجح ما ذهب إليه الشافعية، ومن وافقهم، فإنه يعد قوة مدركة من العمل به مبالغة في الزجر وحفظ الأموال على أربابها . ينظر: حد السرقة لشيخنا إبراهيم الشهاوي. (١) سقط في ط.