النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كتاب السرقة
ثم للحرزُ نوعان: حِرزٌ بنفسِهِ، وحرزٌ بغيره.
أما الحرز بنفسه، فهو كل بقعة معدة للإحراز ممنوعة الدخول فيها إلا بالإذن؛ كالدور،
والحوانيت، والخيم، والفساطيط، والخزائن، والصناديق.
وأما الحرز بغيرِهِ، فكلُّ مكانٍ غير معد للإحراز بدخل إليه بلا إِذن ولا يمنع منه؛
كالمساجد والطرق، وحُكمُهُ حُكْمُ الصحراء إن لم يكن هناك حافظ، وإن كان هناك حافظ فهو
حرز لهذا، سمي حرزاً بغيره حيث وقف صيرورته حرزاً على وجود غيره وهو الحافظ، وما
كان حرزاً بنفسه لا يشترط فيه وجود الحافظ لصيرورته حرزاً ولو وجد فلا عبرة بوجوده، بل
وجوده والعدم سواء (١)، وكلُّ واحد من الحرزين معتبر بنفسه على حياله بدون صاحبه؛ لأنه
- عليه السلام - عَلَّقَ القطع بإيواء المراح والجرين من غير شرط وجود الحافظ.
وروي أن صفوان - رضي الله عنه - كان نائماً في المسجد متوسداً برادئه، فسرقه سارقٌ
من تحت رأسه، فقطعه رسولُ الله ◌َيَ(٢) ولم يعتبر الحرزَ بنفسِهِ، فدل أن كل واحد من نوعي
الحرز مُعْتبرٌ بنفسه؛ فإذا سرق من النوع الأول يقطع، سواء كان ثَمَّةَ حَافِظٌ أو لا؛ لوجود
الأخذ من الحرز، وسواء كان معلق الباب أو لا باب له، بعد أن كان محجوزاً بالبناء، لأن
البناء يقصد به الإحراز، كيف ما كان، وإذا سرق من النوع الثاني يقطع إذا كان الحافظ قريباً منه
في مكان يمكنه حفظه، ويحفظ في مثله المسروق عادة، وسواء كان الحافظ مستيقظاً في ذلك
المكان أو نائماً؛ لأنَّ الإنسانَ يقصد الحفظ في الحالين جميعاً، ولا يمكن الأخذ إلا بفعله.
ألا ترى أنه - عليه الصلاة والسلام - قَطَعَ سَارِقَ صفوان، وصفوانٌ كان نائماً، وَلو أذن
الإنسان بالدخول في داره فسرق المأذون له بالدخول شيئاً منها لم يقطع، وإن كان فيها حافظ أو
كان صاحب المنزل نائماً عليه؛ لأن الدار حرز بنفسها لا بالحافظ، وقد خرجت من أن تكون
حرزاً بالإذن، فلا يعتبر وجود الحافظ، ولأنه لما أذن له بالدخول فقد صَارَ في حكم أهل
الدار، فإذا أخذ شيئاً فهو خائن.
(١) في أ: بمنزلة واحدة.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٥٣/٤) كتاب الحدود: باب من سرق من حرز حديث (٤٣٩٤) والنسائي (٦٩/٨)
كتاب قطع السارق باب ما يكون حرزاً وما لا يكون، وابن ماجه (٨٦٥/٢) كتاب الحدود: باب من سرق
من الحرز حديث (٢٥٩٥) وأحمد (٤٠١/٣) والشافعي (٨٤/٢) كتاب حد السرقة حديث (٢٧٨)
والحاكم (٢/ ٣٨٠) كتاب الحدود، والبيهقي (٢٦٥/٨) كتاب السرقة: باب ما يكون حرزاً وما لا يكون.

٣٠٢
كتاب السرقة
وقد روي عن رسول الله وَّرَ أنه قال: ((لا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ))(١) وكذلك لو سرق من بعض
(١) روي من حديث جابر ومن حديث أنس.
فحديث جابر:
أخرجه أبو داود (١٣٨/٤) كتاب ((الحدود)»، باب: ((القطع في الخلسة والخيانة))، حديث (٤٣٩٢)
والترمذي (٥٢/٤) كتاب ((الحدود))، باب: ((ما جاء في الخائن والمختلس والمنتهب))، حديث (١٤٤٨).
والنسائي (٨٨/٨ - ٨٩) كتاب ((السارق))، باب: ((ما لا قطع فيه))، حديث (٤٩٨٧).
وفي الكبرى (٣٤٧/٤) كتاب قطع السارق، باب: ((ما لا قطع فيه))، حديث (١٤٦٢) وابن ماجه (٢/
٨٦٤) كتاب ((الحدود))، باب: ((الخائن والمنتهب والمختلس))، حديث (٢٥٩١).
وأحمد (٣٨٠/٣) والدارقطني (١٨٧/٣) في كتاب الحدود والديات وغيره، حديث (٣١٠).
والطحاوي (١٧١/٣) كتاب ((الحدود))، باب: الرجل يستعير الحلي فلا يرده هل عليه في ذلك قطع أم لا))
والدرامي (١٧٥/٢) كتاب ((الحدود))، باب: ((ما لا يقطع من السراق)) والبيهقي (٢٧٩/٨) كتاب
(السرقة))، باب: ((لا قطع على المختلس ولا على المنتهب ولا على الخائن)).
والخطيب في (تاريخ بغداد)) (١٥٣/١١).
وعبد الرزاق (٢١٠/١٠) كتاب ((اللقطة))، باب: ((الخيانة))، حديث (١٨٨٦٠).
وابن حبان (٣٠٩/١٠ - ٣١١) كتاب الحدود، باب: ((حد السرقة))، حديث (٤٤٥٦ - ٤٤٥٧) كلهم من
طرق عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي ◌َّر أنه قال: ((ليس على خائن
ولا منتهب ولا مختلس قطع)).
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعلم على هذا عند أهل العلم، وقد رواه مغيرة بن مسلم أبو
عبد العزيز القسملي، كذا قال، قال علي بن المديني بصري عن أبي الزبير عن جابر عن النبي وَّ نحو
حديث ابن جريج قال أبو داود: لم يسمع ابن جريج من أبي الزبير، وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه قال:
إنما سمعهما ابن جريج من ياسين الزيات.
قال أبو داود: وقد رواهما المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ◌َّر.
قلت: أخرجه النسائي أيضاً في كتاب ((السارق))، باب: ((ما لا قطع فيه)) (٨٨/٨) (٤٩٨٦) من طريق
سفيان عن أبي الزبير، (٨٩/٨) (٤٩٩٠) من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير، (٤٩٩١) من طريق
أشعث بن سوار عن أبي الزبير، وقال: أشعث بن سوار ضعيف.
ومن طريق سفيان عن أبي الزبير أخرجه ابن حبان (٣١١/١٠) كتاب ((الحدود)»، باب: ((حد السرقة))،
حدیث (٤٤٥٨).
وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٩/١٠) (١٨٨٥٩) من طريق ياسين الزيات عن أبي الزبير.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٦٤/٣) قلت: رواه ابن حبان في ((صحيحه)) في النوع الثالث والثلاثين،
من القسم الثالث عن ابن جريج عن أبي الزبير وعمرو بن دينار عن جابر مرفوعاً باللفظ الأول سواء،
وأخرجه أيضاً عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً أيضاً. لم يذكر فيه المنتهب، فزالت العلة التي
ذكرها أبو داود، وابن أبي حاتم أيضاً. قال ابن أبي حاتم في ((كتاب العلل): سألت أبي، وأبا زرعة عن
حديث رواه ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي وَّر، قال: ليس على الخائن، الحديث. فقال:
لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير، فقال: إنه سمعه من ياسين الزيات عن أبي الزبير، فدلسه =

٣٠٣
كتاب السرقة
بيوت الدار المأذون في دخولها وهو مقفل، أو من صندوق في الدار، أو من صندوق في بعض
البيوت وهو مقفل عليه إذا كان البيت من جملة الدار المأذون في دخولها؛ لأن الدار الواحدة
حرز واحد، قد خرجت/ بالإذن له من أن تكون حرزاً في حقه، فكذلك بيوتها، وما روي أن ٢٩٢/٢ب
أسود بات عند سيدنا أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فسرق حُلِيًّا لهم، فيحتمل أن يكون
مسروقاً من دار النساء لا من دار الرجال، والداران المختلفان إذا أذن بالدخول في إحداهما لا
تصير الأخرى مأذوناً بالدخول فيها والمحتملُ لا يكون حجةً.
وروي عن أبي يوسف أنه قال في رجل كان في حمام أو خانٍ، وثيابه تحت رأسه،
فسرقها سارقٌ، أنه لا قطع عليه، سواء كان نائماً أو يقظاناً، وإن كان في صحراء وثوبه تحت
رأسه قطع.
وكذلك روي عن محمد في رجل سرق من رجل وهو معه في الحمام، أو سرق من
رجل وهو معه في سفينة، أو نزل قوم في خان فسرق بعضُهم من بعضٍ، أنه لا قطع على
السارق، وكذلك الحانوت، لأن الحمام والخان والحانوت كل واحد حرز بنفسه، فإذا أذن
للناس في دخوله خرج من أن يكون حرزاً، فلا يعتبر فيه الحافظ، فلا يصير حرزاً بالحافظ،
ولهذا قالوا إذا سرق من الحمام ليلاً يقطع؛ لأن الناس لم يؤذنوا بالدخول فيه ليلاً، فأما
الصحراء أو المسجد - وإن كان مأذون الدخول إليه - فليس حرزاً بنفسه، بل بالحافظ، ولم
يوجد الإذن من الحافظ، فلا يبطل معنى الحرز فيه.
وقالوا في السارق من المسجد إذا كان ثَمَّةَ حافظٌ يُقطع، وإن لم يخرج من المسجد،
لأن المسجد ليس بحرز بنفسه، بل بالحافظِ، فكانت البقعةُ التي فيها الحافظ هي الحرزُ، لا كل
المسجد، فإذا انفصل منها فقد انفصل من الحرز، فيقطع.
عليه، وياسين ليس بالقوي انتهى. وتردد النسائي فيه. فقال: وقد روي هذا الحديث عن ابن جريج
=
عيسى بن يونس، والفضل بن موسى. وابن وهب، ومحمد بن ربيعة. ومخلد بن يزيد، وسلمة بن
سعيد، فلم يقل فيه منهم: حدثني أبو الزبير، ولا أراه سمعه من أبي الزبير. انتهى. قلنا: في سند ابن
حبان ما ينفي ذلك، وأيضاً فتصحيح الترمذي له يدل على أنه تحقق إيصاله، وقد تابعه عليه المغيرة بن
مسلم، كما أشار إليه أبو داود. والترمذي، وحديثه أخرجه النسائي عن المغيرة عن أبي الزبير عن جابر،
قال: قال رسول الله وَّلجر: ((ليس على مختلس، ولا منتهب، ولا خائن قطع)، انتهى. والمغيرة بن مسلم
صدوق، قاله ابن معين، وغيره أما حديث أنس، قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٦٥/٣).
رواه الطبراني في ((معجمه الوسيط)) حدثنا أحمد بن القاسم بن المساور ثنا أبو معمر إسماعيل بن
إبراهيم، قال: أملا عليّ عبد الله بن وهب من حفظه عن يونس عن الزهري عن أنس بن مالك أن
النبي ◌َّر قال: ليس على منتهب، ولا مختلس، ولا خائن قطع، انتهى. وقال: لم يروه عن الزهري إلا
يونس، ولا عن يونس إلا ابن وهب، تفرد به أبو معمر انتھی .
إ

٣٠٤
كتاب السرقة
فأما الدار فإنما صارت حرزاً بالبناء، فلما لم يخرج منها لم يوجد الانفصال من الحرز.
وروي عن محمدٍ في رجل سرق في السوق من حانوت، فتخرب الحانوت، وقعد
للبيع، وأذن للناس بالدخول فيه - أنه لم يقطع؛ وكذلك لو سرق منه وهو مغلق على شيء لم
يقطع؛ لأنه لما أذن للناس بالدخول فيه فقد أخرج الحانوت من أن يكون حرزاً في حقهم.
وكذلك إن أخذ من بيت قبة أو صندوق فيه مقفل، لأن الحانوتَ كُلَّه حرزٌ واحدٌ، كالدار
على ما مَرَّ .
وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه قال في رجل بأرض فلاةٍ ومعه جوالق وضعه
ونام عنده يحفظه، فسرق منه رجلٌ شيئاً أو سرق الجوالق، فإني أقطعه، لأن الجوالق بما فيها
محرز بالحافظ، فيستوي أخذ جميعه وأخذ بعضه؛ وكذلك إذا سرق فسطاطاً ملفوفاً قد وضعه
ونام عنده يحفظه، أنه يقطع، وإن كان مضروباً لم يقطع، لأنه إذا كان ملفوفاً كان محرزاً
بالحافظ كالباب المقلوع إذا كان في الدار فسرقه سارقٌ، وإذا كان الفسطاط مضروباً كان حرزاً
بنفسه، فإذا سرقه فقد سرق نفس الحرز، ونفس الحرز ليس في الحرز، فلا يقطع كسارق باب
الدار.
وَلَوْ كان الجوالق على ظهر دابة، فشق الجوالق وأخرج المتاع، يقطع، لأن الجوالق حرز
لما فيه وإن أخذ الجوالق كما هو لم يقطع، لأنه أخذ نفس الحرز؛ وكذلك إذا سرق الجمل مع
الجوالق؛ لأن الحمل لا يوضع على الجمل للحفظ، بل للحمل؛ لأن الجمل ليس بمحرزٍ،
وإن ركبه صاحبُهُ فلم يكن الجمل حرزاً للجوالق، فإذا أخذ الجوالق فقد أخذ نَفْسَ الحرز.
ولو سرق من المراعي بعيراً أو بقرة أو شاتاً، لم يقطع، سواء كان الراعي معها أو لم
يكنْ، وإن سرق من العطن أو المراح الذي يأوي إليه، يقطع إذا كان معها حافظٌ أو ليس معها
حافظ، غير أن الباب مغلق فكسر الباب ثم دخل فسرق بقرةً قادها قوداً حتى أخرجها، أو
ساقها سوقاً حتى أخرجها، أو ركبها حتى أخرجها؛ لأن المراعي ليست بحرز للمواشي، وإن
كان الراعي معها؛ لأن الحفظ لا يكون مقصوداً من الرعي، وإن كان قد يحصل به، لأن
المواشي لا تجعل في مراعيها للحفظ، بل للرعي، فلم يوجد الأخذ من حرز، بخلاف العطن
أو المراح، فإن ذلك يقصد به الحفظ ووضع له فكان حرزاً، وقال - عليه الصلاة والسلام -:
((فِي حَرِيسَةِ الجَبَلِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهَا وَجَلَدَاتٌ نَكَالاً)) فإذا أواها المراح وبلغت قيمتها ثمن المجن،
ففيها القطع والله أعلم.
ولا يقطع عبد في سرقة من مولاه، مكاتباً كان العبد أو مدبراً أو تاجراً عليه دين، أو أم
ولد سرقت من مال مولاها؛ لأن هؤلاءٍ مأذونون بالدخول في بيوت ساداتهم للخدمة، فلم يكن
بيت مولاهم حرزاً في حقهم.

٣٠٥
كتاب السرقة
وذكر في ((الموطأ)) أن عبد الله ابن سيدنا عمر والحضرمي جاءا إلى عمر - رضي الله
عنه - بعبد له فقال: اقطع هذا فإنه سرق، فقال: وَمَا سَرَقَ؟ قال: مرآة لامرأتي ثمنها ستون
درهماً، فقال سيدنا عمر - رضي الله عنه -: أرسله ليس عليه قَطْعٌ، خادمكم سرق متاعكم(١)،
ولم ينقل أنه أنكر عليه منكرٌ، فيكون إجماعاً.
ولا قطع على خادِم قوم سرق متاعهم، ولا على ضيف سرق مَتَاعَ مَنْ أضافه، ولا على
أجير سرق من موضع أذن له في دخوله؛ لأن الإذن بالدخول أخرج الموضع من أن يكون/ ١٢٩٣/٢
حرزاً في حقه، وكذا الأجير إذا أخذ المتاع المأذون له في أخذه من موضع لم يأذن له بالدخول
فيه، لم يقطع؛ لأن الإذن بأخذ المتاع يورث شبهة الدخول في الحرز، ولأن الإذن بالأخذ فوق
الإذن بالدخول، وذا يمنع القطع فهذا أولى.
ولو سرق المستأجر من المؤاجر وكل واحد منهما في منزلٍ على حدة، يقطع بلا
خلافٍ، لأنه لا شبهة في الحرز، وأما المؤاجر إذا سرق من المستأجر فكذلك يقطع في قول
أبي حنيفة - عليه الرحمة - وعندهما لا يقطع.
وجه قولهما إن الحرز ملك السارق فيورث شبهة في درء الحد، لأنه يورث شبهة في
إباحة الدخول، فيختل الحرز، فلا قطع.
وجه قول أبي حنيفة إن معنى الحرز لا تعلق له بالملك؛ إذ هو اسم لمكان معد للإحراز
يمنع من الدخول فيه إلا بالإذن وقد وجد؛ لأن المؤاجر ممنوع عن الدخول في المنزل
المستأجر من غير إذن فأشبه الأجنبي.
ولا قطع على من سرق من ذي رحم محرم عندنا، سواء كان بينهما ولاد أو لا، وقال
الشافعي في الوالدين والمولودين كذلك، فأما في غيرهم فيقطع، وهو على اختلاف العتق
والنفقة، وقد ذكرنا المسألة في ((كتاب العتاق)) والصحيحُ قولنا، لأن كُلَّ واحدٍ منهما يدخل في
منزل صاحبه بغير إذن عادة، وذلك دلالة الإذن من صاحبه، فاختل معنى الحرز؛ ولأن القطع
بسبب السرقة فعل يفضي إلى قطع الرحم، وذلك حرام، والمفضي إلى الحرام حرامٌ، ولو
سرق جماعة فيهم ذو رحم محرم من المسروق لا يقطع واحد منهم عند أبي حنيفة، وعند أبي
يوسف لا يقطع ذو الرحم المحرم، ويقطع سواه، والكلام على نحو الكلام فيما تقدم، فيما إذا
كان فيهم صبي أو مجنون، وقد ذكرناه فيما تقدم.
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٨٣٩/٢ - ٨٤٠) كتاب الحدود، باب: ((ما لا قطع فيه))، حديث (٣٣).
قال: حدثني مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد أن عبد الله بن عمرو الخضرمي جاء بغلام له إلى
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -... فذكر الحديث.
بدائع الصنائع ج٩ - ٢٠٢

٣٠٦
كتاب السرقة
ولو سرق من ذي رحم غير محرم يقطع بالإجماع؛ لأن المباسطة بالدخول من غير
استئذان غير ثابتة في هذه القرابة عادة، وكذا هذه القرابة لا تجب صيانتها عن القطيعة، ولهذا
لم يجب في العتق والنفقة وغير ذلك، ولو سرق من ذي رحم محرم لا رحم له بسبب
الرضاع، فقد قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله -: يقطع الذي سرق ممن يحرم عليه من
الرضاع كائناً من كان، وقال أبو يوسف: إذا سرق مِنْ أمِّهِ مِنَ الرضاعِ لا يقطع.
وجه قوله إن المباسطة بينهما في الدخول ثابتة عرفاً وعادةً؛ فإنَّ الإنسان يدخل في منزل
أمه من الرضاع من غير إذن كما يدخل في منزل أمه من النسب، بخلاف الأخت من الرضاع.
ولهما أن الثابت بالرضاع ليس إلا الحرمة المؤبدة، وأنها لا تمنع وجوب القطع؛ كما لو
سرق من أم موطوءته، ولهذا يقطع في الأخت من الرضاع.
ولو سرق من امرأة أبيه، أو من زوج أمه، أو من حليلة ابنه، أو من ابن امرأته، أو بنتها،
أو أمها - ينظر: إن سرق مالهم من منزل من يضاف السارق إليه من أبيه وأمه وابنه وامرأته - لا
يقطع بلا خلافٍ؛ لأنه مأذون بالدخول في منزل هؤلاء، فلم يكن المنزل حرزاً في حقه، وإن
سرق من منزل آخر، فإن كانا فيه لم يقطع بالإجماع، وإن كان لكل واحد منها منزل على حدة
اختلف فيه .
قال أبو حنيفة - عليه الرحمة - لا يقطع، وقال أبو يوسف: يقطع إذا سرق من غير منزل
السارق أو منزل أبيه أو ابنه.
وذكر القاضي في ((شرح مختصر الطحاوي)) قول محمد مع قول أبي يوسف - رحمهم الله
تعالى ..
وجه قولهما: إن المانع هو القرابة، ولا قرابة بين السارق وبين المسروق [منه](١) بل كل
واحد منهما أجنبيٍّ عن صاحبه، فلا يمنع وجوب القطع، كما لو سرق من أجنبي آخر.
وجه قول أبي حنيفة: أنَّ في الحرز شبهة، لأن حق التزاور ثابت بينه وبين قريبه، لأن
كون المنزل لغير قريبه لا يقطع التزاور، وهذا يورث شبهة إباحة الدخول للزيارة فيختل معنى
الحرز.
ولا قطع على أحد الزوجين إذا سرق من مال صاحبه، سواء سرق من البيت الذي هما
فيه أو من بيت آخر؛ لأن كل واحد منهما يدخل في منزل صاحبه وينتفع بماله عادةً، وذلك
يوجب خللاً في الحرز وفي الملك أيضاً، وهذا عندنا.
(١) سقط في ط .

٣٠٧
كتاب السرقة
وقال الشافعي - رحمه الله -: إذا سرق من البيت الذي هما فيه لا يقطع، وإن سرق من
بيت آخر يقطعُ والمسألة مَرَّتْ في ((كتاب الشهادة))؛ وكذلك لو سرق أحد الزوجين من عَبْدِ
صاحِبِهِ، أو أمتِهِ، أو مكاتبه، أو سرق عبد أحدهما أو أمته أو مكاتبه من صاحبه، أو سرق
خادم أحدهما من صاحبه - لا يقطع؛ لأنه مأذونٌ في الدخول في الحرز.
ولو سرقت امرأةٌ من زوجها، أو سرق رجلٌ من امرأته، ثم طلقها قبل الدخول بها فبانت
بغير عدة؛ لم يقطع واحدٌ منهما، لأن الأخذ حين وجوده لم ينعقد موجباً للقطع، لقيام
الزوجية، فلا ينعقد عند الإبانة، لأن الإبانة/ طارئة، والأصلُ أن لا يعتبر الطارىء مقارناً في ٢٩٣/٢ب
الحكم لما فيه من مخالفة الحقيقة؛ إلا إذا كان في الاعتبار إسقاط الحد وقت الاعتبار وفي
الاعتبار ههنا إيجاب الحد، فلا يعتبر.
ولو سرق من مطلقته وهي في العدة، أو سرقت مطلقته وهي في العدة، لم يقطع واحد
منهما، سواء كان الطلاق رجعيًّا أو بائناً أو ثلاثاً، لأن النكاحَ في حال قيام العدة قائمٌ من وجهٍ،
أو أثره قائمٌ، وهو العدة، وقيام النكاح من كل وجه يمنع القطع، فقيامه من وجه أو قيام أثرِهِ
يُورثُ شبهة .
ولو سرق رجلٌ من امرأة أجنبية، ثم تزوجها، فهذا لا يخلو من أحد وجهين: إما أن
تزوجها قبل أن يقضي عليه بالقطع، وإما أن تزوجها بعد ما قضى عليه بالقطع، فإن تزوجها قبل
أن يقضي عليه بالقطع لم يقطع بلا خلافٍ، لأن هذا مانع طرأ على الحد، والمانعُ الطارىء في
الحد كالمقارن، لأن الحدود تدرأُ بالشبهات، فيصير طريان الزوجية شبهة مانعة من القطع
كقرانها، وإن تزوجها بعد ما قضى [عليه] (١) بالقطع لم يقطع عند أبي حنيفة - رحمه الله
تعالى -، وقال أبو يوسف: يقطع.
وجه قوله: إن الزوجية القائمة عند السرقة إنما تمنع وجوب القطع باعتبار الشبهة، وهي
شبهة عدم الحرز أو شبهة الملك، فالطارئة لو اعتبرت مانعة لكان ذلك اعتبار الشبهة وأنها
ساقطة في باب الحدود.
وجه قول أبي حنيفة: إن الإمضاء في باب الحدود من القضاء، فكانتِ الشبهةُ المعترضة
على الإمضاء كالمعترضة على القضاء؛ ألا ترى أنه لو قذف رجلاً بالزنا وقضى عليه بالحدِّ، ثم
إن المقذوفَ زنى قبل إقامة الحد على القاذف - سقط الحد عن القاذف، وجعل الزنا المعترض
على الحد كالموجود عند القذف، ليعلم أن الطارىء على الحدودِ قَبْلَ الإمضاء بمنزلة الموجود
قبل القضاء، والله أعلم.
(١) سقط في ط.

٣٠٨
كتاب السرقة
وذكر في ((الجامع الصغير)) في الطرار (١) إذا طر الصرة من خارج الكم أنه لا قطع عند
أبي حنيفة - رحمه الله -، فإن أدخل يده في الكم فطرها يُقْطَعُ.
وقال أبو يوسف: هذا كلُّه سواءٌ ويُقْطَعُ.
وبتفصيل الكلام فيه يرتفعُ الخلافُ ويتفق الجواب، وهو أن الطر لا يخلو إما أن يكون
بالقطع، وإما أن يكون بحل الرباط، والدراهم لا تخلو إما أن كانت مصرورة على ظاهر الكم،
وإما أن كانت مصرورة في باطنه، فإن كان الطر بالقطع والدراهم مصرورة عن ظاهر الكم لم
يقطع، لأن الحرز هو الكم والدراهم بعد القطع تقع على ظاهر الكم، فلم يوجد الأخذ من
الحرز، وعليه يحمل قول أبي حنيفة - رحمه الله -.
وإن كانت مصرورة في داخل الكم يقطع؛ لأنها بعد القطع تَقَعُ في داخل الكم، فكان
الطر أَخْذاً من الحرز، وهو الكم، فيقطع، وعليه يحمل قول أبي يوسف، وإِن كان الطر بحل
الرباط ينظر: إن كان بحالٍ لو حل الرباط تقع الدراهم على ظاهر الكم؛ بأن كانت العقدة
مشدودة من داخل الكم - لا يقطع؛ لأنه أخذها من غير حرزٍ، وهو تفسير قول أبي حنيفة
- رحمه الله -، وإن كان إذا حل تقع الدراهم في داخل الكم، وهو يحتاج إلى إدخال يده في
الكم للأخذ - يقطع لوجود الأخذ من الحرز، وهو تفسير قول أبي يوسف والله تعالى أعلم.
وعلى هذا الأصل يخرج النباش على أصل أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - أنه لا
يقطع؛ لأن القبر ليس بحززٍ بنفسه أصلاً، إذ لا تحفظ الأموال فيه عادة؛ ألا ترى أنه لو سرق
منه الدراهم والدنانير لا يقطع، ولا حافظ للكفن ليجعل حرزاً بالحافظ، فلم يكن القبر حرزاً
بنفسه ولا بغيره، أو فيه شبهة عدم الحرز؛ لأنه إن كان حرز مثله، فليس بحرزاً لسائر الأموال؛
فتمكنت الشبهة في كونه حرزاً فلا يقطع .
ثم اختلف: أنه يعتبر في كل شيء حرز مثله، أو حرز نوعه؟ قال بعض مشايخنا إنه يعتبر
في كل شيء حرز مثله؛ كالإصطبل للدابة، والحظيرة للشاة، حتى لو سرق اللؤلؤة من هذه
المواضع، لا يقطع.
وذكر الكرخي في ((مختصره)» عن أصحابنا، أن ما كان حرزاً لنوع، يكون حرزاً للأنواع
كلها، وجعلوا سريجة البقال حرزاً للجواهر، فالطحاوي - رحمه الله - اعتبر العرف والعادة،
وقال: حرز الشيء هو المكان الذي يحفظ فيه عادة، والناس في العادات لا يحرزون الجواهر
في الإصطبل، والكرخي - رحمه الله - اعتبر الحقيقة؛ لأن حرْزَ الشيء ما يحرز ذلك الشيء
حقيقة، وسريجة البقال تحرز الدراهم والدنانير والجواهر حقيقة؛ فكانت حرزاً لها؛ والله أعلم.
ومنها: أن يكون نصاباً، والكلام في هذا الشرط يقع في ثلاثة مواضع.
(١) الطرَّار: النشال يشق ثوب الرجل ويَسُلُّ ما فيه المعجم الوسيط (طرر).

٣٠٩
كتاب السرقة
أحدها: في أصل النصاب، أنه شرط أم لا .
والثاني: في بيان قدره.
والثالث: في بیان صفاته.
أما الأول: فقد اختلف فيه: قال عامة العلماء إنه شَرْطٌ، فلا قَطْعَ فيما دون النصاب،
وحكي عن الحسن البصري - رحمه الله - أنه ليس بشرط، ويقطع في القليل والكثير(١)؛ وهو
(١) من شروط القطع في السرقة أن يكون المال المسروق نصاباً. وليس هذا أمر متفقاً عليه بين الفقهاء. فإن
منهم من قال: يقطع السارق في القليل والكثير، وليس لذلك مقدار معين.
ومنهم من قال: لا يقطع إلا إذا سرق نصاباً فأكثر.
وهؤلاء اختلفوا فيما بينهم في قدر النصاب اختلافاً كثيراً.
فمنهم من قدره بربع دينار، أو ما قيمته ربع دينار وقت إخراجه من حرزه.
ومنهم من قدره بربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته تساوي أحدهما وقت إخراجه من حرزه.
ومنهم من قدره بربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته تساوي ثلاثة دراهم وقت إخراجه من حرزه
ومنهم من قدره بعشرة دراهم، أو ما قيمته عشرة دراهم وقت إخراجه من حرزه، ووقت الحكم بالقطع.
ومنهم من قال غير ذلك. حتى إن بعض الباحثين قد أوصل هذه الأقوال إلى أحد عشر قولاً، وبعضهم
أوصلها إلى ستة عشر وبعضهم أوصلها إلى عشرين.
ومن هنا يتبين أن النصاب قد اختلف في اشتراطه لوجوب القطع، وفي مقداره. وفي الوقت الذي تعتبر
فيه قيمة النصاب.
ويرى جمهور الفقهاء أن السارق لا يقطع إلا إذا سرق نصاباً. ويرى أهل الظاهر، والخوارج، وطائفة من
المتكلِّمين أنه يقطع في القليل والكثير. وليس هناك نصاب محدود لوجوب القطع في السرقة.
استدلال الجمهور بالسنة والإجماع أما السنة: فأولاً: ما رواه أحمد، والنَّسائي، ومسلم، وابن ماجه عن
- عائشة رضي الله عنها -: قالت قال رسول الله وَلِّ ((لاَ تُقْطَعْ يَدُ السَّارِقِ إِلاَّ فِي رُبْعِ دِيْنَارِ فَصَاعِداً» .
وثانياً: ما رواه أحمد عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول اللّهِ وَّرِ: ((اقْطَعُوْا فِي رُبْعِ دِيَْارٍ ولاَ
تَقْطَعُوْا فيما هو أدْنَى مِنْ ذَلِكَ)) ...
وثالثاً: ما رواه النّسائي عن عائشة - رضي الله عنها .. قالت: قال سول الله وَّر: ((لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ
فِيمَا دُوْنَ ثَمَنِ الْمِجَنُّ قيل لعائشة: مَا ثَمَنُ المِجَنُّ؟ قَالَتْ: رُبْعُ دِيْنارِ)).
فهذه الأحاديث صريحة في اعتبار النّصاب شرطاً لوجوب القطع.
وأما الإجماع .. فإن الصحابة - رضوان الله عليهم قد اتفقوا على اعتبار النّصاب شرطاً لوجوب القطع،
وما وقع بينهم من خلاف فإنما هو في مقداره. واختلافهم في المقدار إجماع منهم على اعتبار النّصاب
شرطاً لوجوب القطع .
وأجيب عنه: يمنع الإجماع فإن الحسن البصري كان يوجب القطع بمطلق السرقة. فلو كان هناك إجماع
لما خالفه الحسن مع قربه من زمن الصحابة، وشدة احتياطه في أمور الدين ويدفع هذا الجواب: بأنه لا
دليل على مخالفة الحسن البصري للإجماع فإن النقول عنه مضطربه: لا تقدح في صحة الإجماع فكما
روي عنه من طريق أنه كان يوجب القطع بمطلق السرقة. فقد روي عنه من عدة طرق أنه يعتبر النصاب . =

٣١٠
كتاب السرقة
وخلافه إنما هو في المقدار فلو عولنا على ما روي عنه في ذلك لكان الأولى بالاعتبار ما رواه الكثير عنه،
=
وهو الموافق للإجماع.
واستدل أهل الظاهر، ومن وافقهم بالكتاب والسنة:
أما الكتاب: عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةٌ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فإن الله تعالى قد رتب القطع على
السرقة، فكانت هي العلة ضرورة أن تعليق الحكم بمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، وذلك يقضي بوجوب
القطع متى تحققت علته، من غير فرق بين سرقة القليل والكثير؛ لأن اسم السرقة يطلق على أخذ كل منهما
وأجيب عنه بأن عموم الآية مخصوص بالأحاديث التي ذكرناها أدلة لجماهير الفقهاء على اعتبار النصاب:
فاسم السرقة وإن كان يتناول أخذ القليل والكثير، إلا أن أقل ما يجب فيه القطع هو سرقة مقدار خاص.
ودفع هذا الجواب: بأن الأحاديث الدالة على اعتبار النصاب أخبار آحاد، لا تفيد إلا الظن، فلا تصلح
مخصصة لعموم الآية.
ويجاب عن هذا الدفع. بأن العام مختلف في دلالته، هل هي ظنية أو قطعية؟ ومع هذا الاختلاف فلا يتم
الدفع، لأن القائلين بظنيته لهم أن يقولوا: إن هذه الأحاديث تصلح مخصصة للعموم في الآية، لتساويهما
في الظنية .
أما القائلون بقطعيته فلهم أن يقولوا: إن هذه الأحاديث متواترة معنى، لأنها رويت من طرق كثيرة، فهي
قطعية الدلالة في المعنى المشترك، وهو اعتبار النصاب، فتصلح أن تكون مخصصة لعموم الآية.
وأما السُّنَّةُ: فما رواه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَّه: «لَعَنَ الله السَّارق
يَسْرِقْ الْبَيْضَةِ فَتُقْطَعَ يَدَهُ ويَسْرِقُ الْحَبْلِ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» .
قد رتب النبي ◌َّر القطع على سرقة البيضة كما رتبه على سرقة الحبل. ومعلوم أنه من الحبال ما لا يساوي
دانقاً، ومن البيض ما لا يساوي فلساً. وذلك يفيد القطع في القليل، والكثير بدون تحديد بمقداره.
وأجيب عنه بوجهين:
الأول: أن المراد بالبيضة بيضة الحديد التي تجعل على الرأس في الحرب. ولا شك أن لها قيمة.
وبالحبل: ما قيمته ثلاثة دراهم فأكثر كحبال السفينة. ويدل لذلك ما قاله الأعمش - وهو راوي الحديث:
كانوا يرون أنه بيض الحديد. والحبل كانوا يرون أن فيها ما يساوي دراهم.
الثاني: أن ما جاء في الحديث من القطع بسرقة البيضة، والحبل خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير،
كما جاء في معرض الترغيب بالقليل في الكثير قوله وَ ل﴿ فيما رواه أحمد في مسنده عن ابن عباس - رضي
الله عنهما -: (مَنْ بَنَى الله مَسْجِداً وَلَوْ كَمِغْمَصٍ قَطَاةٍ لِبَيْضِهَا بَنى الله لَّهُ بَيْتاً في الجَنَّة)) وقوله ◌َّ:
((تَصَدَّقِيْ وَلَوْ بِظُلَفٍ مُخْرَقٍ)).
فإن المقصود من هذين الحديثين المبالغة في الترغيب في بناء المساجد، والصدقة المنتفع بهما.
ولا يتحقق ذلك ببناء مسجد كمفحص قطاة، أو بصدقة بظلف محرن فإن مفحص القطاة لا يكون
مسجداً، والظلف المحرق لا ثواب في التصدق به لعزم نفعه. ولكن مقام الترغيب في بناء المساجد
والصدقة اقتضى ذلك. فكذلك مقام التحذير من السرقة والمبالغة في التنفير منها اقتضى تنزيل ما لا قطع
فيه منزلة ما فيه القطع. فلا دلالة في الحديث على وجوب القطع في سرقة القليل.
هذا. والتأويل الثاني أولى من التأويل الأول. فإن الأول وإن كان ممكناً في ذاته إلا أنه مخالف للأسلوب =

-
٣١١
كتاب السرقة
قول الخوارج(١).
واحتجوا: بظاهر/ قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٢٩٤/٢ب
[المائدة: ٣٨] من غير شرط النصاب.
وروي عن النبي ◌َّ﴿ أنه قال: ((لَعَنَ الله السَّارِقَ يَسْرِقُ الحَبْلَ، فَتُقْطَعُ بَدُهُ، ويَسْرِقُ
البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ))(٢) ومعلوم أن من الحبال ما لا يساوي دانقاً، والبيضة لا تساوي حَبَّةً.
العربي في مثل هذا المقام فإن مقام التنفير عن شيء يقتضي التحذير عن قليله الذي يدعو إلى تناول كثيره. لا
=
التحذير من الكثير المفهم أن لا حرج في القليل. فإنه ليس من عادة العرب، والعجم أن يقولوا قبح الله فلاناً
عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وتعرض للعقوبة في جراب مسك. وإنما العادة في مثل هذا أن يقال:
لعنه الله تعرض لقطع يده في حبل رث أو رداء خلق. وكل ما كان نحو ذلك فإنه أبلغ في التنفير وأوقع في
التحذير من سوء عاقبة السرقة فيما قل أو كثر. فإن سرقة الشيء اليسير الذي لا قيمة له. كالبيضة المزرة،
والحبل الخلق إذا تكررت، دفعته إلى سرقة ما فوقهما وهكذا حتى يبلغ قدر ما تقطع فيه اليد فتقطع.
فكأن النبي ◌َّه: قال فليحذر السارق هذا الفعل قبل أن تملكه العادة ويتمرن عليها ليسلم من سوء عاقبته.
ويمكن الاعتذار عن الأعمش. بأن غرضه أنه لا قطع في سرقة القليل بل يكون القطع في النصاب كربع
دينار. ولعله استند في قوله إلى ما أخرجه البيهقي عن أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - أنه قطع يد
سارق في بيضة من حدید ثمنها ربع دينار.
وعلى كل من التأويلين لا دلالة في الحديث على عدم اعتبار النصاب شرطاً لوجوب القطع.
هذا أو الراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من اعتبار النصاب شرطاً لوجوب القطع. لقوة أدلته. وضعف
أدلة مخالفه. ولأن القطع عقوبة شديدة في ذاتها. فلا ينبغي أن يصار إليها حتى يكون المسروق مما تظن
به النفوس. ولا تتسامح فيه الطباع. والقليل ليس شأنه ذلك فإن النفوس لا يلحقها بفقده ضرر بل قد تلام
إذا منعته من الغير أو أخفته على طالبه.
ينظر: حد السرقة لشيخنا إبراهيم الشهاوي.
(١) الخوارج وهم سبع فرق: المحكمية بضم الميم وكسر الكاف المشددة. والنهيشية. والأزارمة والنجدات.
والأصفرية بالفاء. والأباضية. وافترق الأباضية فرقاً أربعاً. الحفصية. اليزيدية. الحارثية والقائلون بأن
إتيان المأمور به طاعة وإن لم يقصد به وجه الله. والسابعة من الخوارج العجاردة وهم عشر فرق.
الميمونية الحمزية. الشعيبية. الحازمية. الحليفية. الأطرافية المعلومية. المجهولية. الصلنية. الشعالية.
وتفرق الشعالية فرقاً أربعاً. الأخنسية. المعبدية. الشيبانية. المكرمية.
ولكل من هؤلاء أصول ونحل تعرف في علم الكلام ينظر نشر الطوالع ص ٣٨٩ - ٣٩٠.
(٢) أخرجه البخاري (٨١/١٢) كتاب الحدود: باب لعن السارق إذا لم يسم حديث (٦٧٨٣) ومسلم (١٣١٤/٣)
كتاب الحدود: باب حد السرقة ونصابها حديث (١٦٨٧/٧) والنسائي (٨/ ٦٥) كتاب قطع السارق: باب
تعظيم السرقة، وابن ماجه (٨٦٢/٢) كتاب الحدود: باب حد السارق حديث (٢٥٨٣) وأحمد (٢٥٣/٢)
والحاكم (٣٧٨/٤) والبيهقي (٢٥٣/٨) كتاب السرقة باب القطع في السرقة، والبغوي في «تفسيره)) (٣٥/٢)
وفي (شرح اللسان)» (٤٨٣/٥ - بتحقيقنا) كلهم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ◌َيقول: ((لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده)) وقال الحاكم: صحيح
على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذلك من أوهامهما فقد أخرجه البخاري ومسلم كما تقدم.

٣١٢
كتاب السرقة
ولنا: دلالة النص والإجماع من الصحابة :
أما دلالة النص فلأن الله - سبحانه وتعالى - أوجب القطع على السارق والسارقة،
والسارق اسم مشتق من معنى؛ وهو السرقة، والسرقة اسم للأخذ على سبيل الاستخفاء،
ومسارقة ((الأعين)) وإنما تقع الحجة في الاستخفاء فيما له خَطَرٌ، والحَبَّةُ لا خَطَرَ لها؛ فلم يكن
أخذها سرقة؛ فكان إيجاب القطع على السارق اشتراطاً للنصاب دلالة.
وأما الإجماع: فإن الصحابة - رضوان الله عليهم - أجمعوا على اعتبار النصاب؛ وإنما
جرى الاختلاف بينهم في التقدير، واختلافهم في التقدير إجماع منهم على أن أصل النصاب
شَرْطٌ، وبه تبين أن ما رووا من الحديث غير ثابت، أو منسوخ، أو يحمل المذكور على حَبْلٍ
له خَطَرٌ؛ كحبل السفينة، وبيضة خطيرة؛ كبيضة الحديد توفيقاً بين الدلائل، والله تعالى أعلم.
وأما الكلام في قدر النصاب: فقد اختلف فيه أيضاً(١):
(١) وعلم مما تقدم أن جمهور الفقهاء قد اتفقوا على اعتبار النصاب شرطاً لوجوب القطع. ومع اتفاقهم على
هذا قد اختلفوا اختلافاً كثيراً في مقداره الذي لا يقطع السارق في أقل منه. ويقطع فيه وفيما زاد عليه.
فيرى الشافعي، وأصحابه أنه ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار سواء أكان قيمته ثلاثة دراهم أم أكثر أم أقل
منها فلا قطع عندهم في أقل من ربع دينار - ولو كان قيمته ثلاثة دراهم. كما لا قطع في ثلاثة دراهم إلا
إذا کانت قيمتها ربع دینار.
ويرى مالك، وأصحابه في المشهور عنهم أنه ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته ثلاثة دراهم.
فيقطع السارق عندهم في ربع دينار، وإن لم تكن قيمته ثلاثة دراهم، ويقطع في ثلاثة دراهم وإن لم تكن
قيمته ربع دينار. ويقطع في غير النقدين من العروض بما قيمته ثلاثة دراهم وإن لم تكن قيمة ربع دينار.
ويرى أحمد، وأصحابه في المشهور عنهم أنه ربع دينار، أو ثلاثة دراهم. أو ما قيمته تساوي أحدهما.
فيقطع السارق في ربع دينار، وإن لم يساو ثلاثة دراهم. ويقطع في ثلاثة دراهم وإن لم تساو ربع دينار
ويقطع في سرقة غير النقدين بما قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم.
ويرى أبو حنيفة، وأصحابه في المشهور عنهم أنه عشرة دراهم أو ما قيمته عشرة دراهم.
فلا قطع عندهم في أقل من عشرة دراهم، ولو كانت قيمته ربع دينار. كما لا قطع في غير النصية من
الذهب أو العروض بما قيمته أقل من عشرة دراهم. ولو كانت قيمته تساوي ربع دينار استدل الشافعي،
وأصحابه أولاً: بما رواه ((أحمد))، ((ومسلم)" والنّسائي، وابن ماجه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت:
قَالَ رَسولُ اللهِ وَّ: ((لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلاَ فِي رُبْعِ دِيْنَارِ فَصَاعِداً)).
ووجه الدلالة من الحديث أن النبي ◌ّر: أثبت القطع في ربع دينار. ونفاه عما دون ذلك لأن الحديث
قضية محصورة بالنفي، وإلا فتنحل إلى قضيتين إحداهما موجبة وهي: تقطع يد السارق في ربع دينار
فصاعداً: سواء أكان قيمته ثلاثة دراهم أم أقل أم أكثر. وثانيهما سالبة. وهي لا تقطع يد السارق في أقل
من ربع دينار سواء أكان ذلك الأقل قيمته ثلاثة دراهم أم أقل أم أكثر.
فالقضية الأولى تثبت القطع في ربع دينار. وإن لم يكن قيمته عشرة دراهم. وفي ذلك رد على أبي حنيفة
وأصحابه.
=

٣١٣
كتاب السرقة
والثانية تقتضي نفي القطع في أقل من ربع دينار، ولو كان قيمته ثلاثة دراهم. وفي ذلك رد على مالك،
=
وأحمد، وأصحابهما والحديث بجملته يدل على أن الذهب هو الأصل الذي يصار إليه في معرفة قيمة
المسروق. فإنه تحديد من الشارع بالقول لا يجوز العدول عنه. وقوم ما عداه به، ولو كان المسروق فضة.
وثانياً: بما رواه النسائي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت قال رسول الله وَّرَ: ((لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيْمَا
دُوْنَ ثَمِنِ المِجِنِّ)) قيل لعائشة: ما ثمن المِجَنِّ قَالَتْ: رُبْعُ دِيْنَارٍ. فإن النبي ◌َّر قد نفى القطع فيما ثمنه
دون ربع دينار، وأثبته فيها ثمنه ربع دنيار بنفيه القطع فيما دونه ثمن المجن؛ إذ كان ثمن المجن ربع دينار
ببيان السيدة عائشة - رضي الله عنها ..
والحديث صريح في أن العروض إنما تقوم بالذهب من غير نظر إلى الفضة أصلاً. لأن البيان من السيدة
عائشة في حكم المرفوع فهو تحديد من الشارع بالنص لا يجوز العدول عنه :
وأجيب عنه من قبل أبي حنيفة، وأصحابه. بأن التقويم أمر ظن تخمين فيجوز أن تكون قيمة المجن عند
عائشة - رضي الله عنها - رُبْعُ دينار. وتكون عند غيرها أكثر فالاعتماد على قول عائشة.
يقتضي ثبوت القطع مع وجود شبهة
ورد هذا الجواب. بأن السيدة عائشة - رضي الله عنها - لم تكن لتخبر بما يدل على مقدار ما يقطع فيه إلا
عن تحقيق لعظم أمر القطع . .
واستدل مالك، وأحمد وأصحابهما. بما رواه مسلم عن ابن عمر أن رسول الله وَ لهو: ((قَطَعَ فِي مِجَنٌ
قِيْمَته ثَلاثَةُ دَرَاهِم)) ووجه الدلالة أن النبي ◌َّر: قد قطع فيما قيمته ثلاثة دراهم ولم يستفسر عن كون هذه
الثلاثة تساوي ربع دينار أو تقل عنه .
وذلك يقضي باعتبار القطع في ثلاثة دراهم وإن لم تساو ربع دينار وبذلك يخص مفهوم حديث عائشة
- رضي الله عنها - ويكون مفهومه حينئذ لا تقطع يد السارق في أقل من ربع دينار إلا إذا ساوى ثلاثة
دراهم فتقطع .
والحديث صريح في أن العروض تقوم بالدراهم من غير نظر إلى الذهب أصلاً وأجيب عنه من قبل
الشافعي وأصحابه بأن النبي ◌َّ# إنما ترك الاستفسار لأن طرف الدينار في عهده وَّر: كان اثني عشر
درهماً. فمعلوم أن ثلاثة دراهم تساوي ربع دينار. وذلك لا يقتضي أن الدراهم الثلاثة معتبرة في القطع
وفي التقويم حتى ولو تغير صرف الدينار. فإنها قضية عين لا عموم لها.
واستدل أبو حنيفة وأصحابه: أولاً: بما رواه أحمد، والدراقطني عن الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله وَلجر: ((لاَ قَطْعَ إِلاَّ فِي عَشْرَة دَرَاهِم)) .
ووجه الدلالة: أن النبي ◌َّ نفى القطع في أقل من عشرة دراهم سواء أكان ذلك الأقل يساوي ربع دينار.
أم يزيد أم يقل عنه. وفي ذلك رد على الأئمة الثلاثة، وأصحابهم، وأثبته في عشرة دراهم، وذلك يقتضي
أن العشرة الدراهم هي المعتبرة في القطع.
وأجيب عنه: بأن الحديث لا يصلح للاستدلال، فإن الحجاج بن أرطأة مدلس. ولم يسمع هذا الحديث
من عمرو بن شعيب.
وثانياً: بما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
قال: قال رسول الله وَلّ: ((لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيما دُوْنَ ثَمِنِ المِجَنِ)): قال عبد الله وكان ثمن المِجَنُ
عشرة دراهم.
=

٣١٤
كتاب السرقة
ووجه الدلالة أن النبي ◌َّو نفى القطع فيما ثمنه دون عشرة دراهم بنفيه القطع فيما دون ثمن المجن،
=
وأثبته في عشرة دراهم إذا كان ثمن المجن عشرة دراهم كما قال عبد الله.
والحديث صريح في أن العروض تقوم بالدراهم من غير ملاحظة كون الذهب أصلاً. إذ قوم المجن بها
وهو عرض.
وأجيب عنه: بأنه لا يصلح للاستدلال: لأن في إسناده محمد بن إسحاق وقد عنعن ولا يحتج بمثله إذا
جاء بالحديث معنعناً وبذلك لا يصلح لمعارضة حديث عائشة في تقدير ثمن المجن بربع دينار وحديث
ابن عمر في تقديره بثلاثة دراهم. ولو سلمت صلاحيته للمعارضة تعين طرحه هو، ومعارضة من الروايات
الواردة في تقدير ثمن المجن لعدم ما يدفع به التعارض. ووجب العمل بما تفيده رواية عائشة: من إثبات
القطع في ربع دينار وهو دون عشرة دراهم هذا والراجح الذي تطمئن إليه النفس من هذه الأقوال بعد
النظر في أدلتها هو قول الشافعي، وأصحابه لقوة أدلته. وضعف أدلة خلافه. ولأن الفضة تختلف قيمتها
باختلاف الأزمان، والدول أما الذهب فالأصل أن له قيمة ثابتة لا تختلف غالباً باختلافهما ولا شك أن
التقدير بما هو ثابت يجعل سبب الحكم متحداً في الأزمان المختلفة والدول المتعددة. وذلك أقرب إلى
العدل والمساواة :
والحكمة في أن أقل ما يقطع فيه السارق هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته ذلك. أن هذا القدر في
الغالب يكفي لقوت الرجل الوسط وأهله في اليوم الواحد. وقوت الرجل وأهله له خطر، وبال عن غالب
الناس. ففي الأثر المعروف:
((مَنْ أَصْبَح آمِناً في سِرْبِهِ مُعَافَى فِي بَدَنِهِ. عِنْدَهُ قُوْتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّما خيزَتْ لَهُ الَّنْيَا بِحذَافِيرِهَا)).
لذلك وجبت المحافظة عليه بما يردع العابث به المعتدى عليه ولم ينشأ سبحانه أن يكون مقدار ما تقطع
فيه اليد كمقدار ديتها. إذا اعتدى عليها. وهو خمسمائة دينار -: حفظاً للأموال كما لم تشأ حكمته تعالى
أن تكون دية اليد مقدار ما يقطع فيه السارق: حفظاً لها فإنه لو كان مقدار ما يقطع فيه السارق خمسمائة
دينار لكثرة الاعتداء على الأموال. ولو كانت دية اليد ربع دينار وثلاثة دراهم لاعتداء عليها: فرعاية
للجانبین اقتضت الحكمة أن یکون مقدار کل ما ذكرنا.
وقد خفي هذا المعنى على بعض الزنادقة فاعترض على التفرقة بينهما قائلاً : -
يَذْ بخُمسٍ يتبين عَسْجَدٍ وَدِيَتْ مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِيْنَارِ
وَتُسْتَجِيرُ بِمَوْلاَنَا مِنَ الثَّارِ
تَنَاقِّض مّا لَنا إِلاَّ السّكوتَ له
فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله:
صِيَانَةُ المَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِيْ
صِيانَةُ الْعُضْوِ أغلاَهَا وَأَرْخَصَها
وقيل إن الذي أورد هذه الشبهة أبو العلاء المعري، وقد أجاب شمس الدين الكردي عنها بقوله:
قُلْ لِلْمَعَرِّيْ عَارٌ أَيُّمَا عَارٍ
لاَ تَقْدحنَّ زِنَادَ الشِعر عَنْ حُكْمٍ
فِقِيْمَة اليَدِ نصْفُ الأَلْفِ مِنْ ذَهَبٍ
ينظر: حد السرقة لشيخنا إبراهيم الشهاوي.
جَهْلُ الفتى وَهُوَ عَنْ ثَوب التُّقَى عَارِيْ
من شَعَائِرِ الدِّيْنِ لَمْ تُقْدَحْ بِأَشْعَارِ
فإنْ تعدَّثْ فلا تُسوَّى بِدِيْنَار
=

٣١٥
كتاب السرقة
قال أصحابنا - رضي الله عنهم - إِنه مُقَدَّرٌ بعشرة دراهم؛ فلا قطع في أقل من عشرة دراهم.
وقال مالك - رحمه الله - وابن أبي ليلى: بخمسة.
وذکر القدوري - رحمه الله - عند مالك - رحمه الله - بثلاثين.
وقال الشافعي: بربع دينار، حتى لو سرق ربع دينار إلا حبة، وهو مع نقصانه يساوي
عشرة لا يقطع عنده، وعندنا يقطع.
ولو سرق ربع دينار لا يساوي عشرة، لم يقطع عندنا، وعنده يقطع، وقيمة الدينار عندنا
عشرة، وعنده اثنا عشر، على ما نبين في كتاب الديات.
احتجَّ من اعتبر الخمسة بما رُويَ عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((لاَ يُقْطَعُ
الخَمْسَةُ إِلَّ بِخَمْسَةٍ))(١).
واحتج الشافعي: بما روي عن سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - عن النبي ◌َّلل أنه قال:
(تُقْطَعُ بَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدا)(٢).
(١) تقدم في الدیات.
(٢) أخرجه البخاري (٩٦/١٢) كتاب الحدود، باب ﴿السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ حديث (٦٧٨٩)
ومسلم (١٣١٣/٣) كتاب الحدود باب حد السرقة ونصابها حديث (٢، ١٦٨٤/٤،٣) وأبو داود (٤/
٥٤٦) كتاب الحدود: باب ما يقطع فيه السارق حديث (٤٣٨٣، ٤٣٨٤) والنسائي (٨٧/٨) كتاب قطع
السارق: باب القدر الذي إذا سرقه السارق قطعت يده، الترمذي (٥٠/٤) كتاب الحدود: باب في كم
تقطع يد السارق حديث (١٤٤٥) وابن ماجه (٨٦٢/٢) كتاب الحدود باب حد السارق حديث (٢٥٨٥)
وأحمد (٣٦/٦، ١٦٣، ٢٤٩) والدارمي (١٧٢/٢) كتاب الحدود: باب ما يقطع فيه اليد، والشافعي
(٢/ ٨٣) كتاب الحدود: باب في حد السرقة حديث (٢٧٠) والحميدي (١٣٤/١) رقم (٢٧٩) وأبو داود
الطيالسي (٣٠١/١ - منحة) رقم (١٥٣٢) وأبو يعلى (٣٨١/٧) رقم (٤٤١١) وابن حبان (٤٤٤٢) وابن
الجارود في ((المنتقى)) رقم (٨٢٤) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٧/٣) كتاب الحدود: باب
المقدار الذي يقطع فيه السارق والدارقطني (١٨٩/٣ - ١٩٠) كتاب الحدود والديات حديث (٣١٥)
والبيهقي (٢٥٤/٨) كتاب السرقة: باب ما يجب فيه القطع، والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٨١/٥ .
بتحقيقنا) من طرق عن عمرة عن عائشة أن رسول الله و ير قال: القطع في ربع دينار فصاعداً.
قال الترمذي: حديث عائشة حديث حسن صحيح وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمرة عن
عائشة مرفوعاً ورواه بعضهم عن عمرة عن عائشة موقوفاً ا هـ.
أما الموقوف فأخرجه مالك (٨٣٢/٢) كتاب الحدود: باب ما يجب فيه القطع حديث (٢٤) عن يحيى بن
سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي ◌ّ أنها قالت ما طال علي وما نسيت ((القطع في
ربع دینار فصاعداً» .
قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٨٠/٢٣): هذا حديث مسند بالدليل الصحيح لقول عائشة: ما طال علي
وما نسيت فكيف وقد رواه الزهري وغيره مسنداً.
=

٣١٦
كتاب السرقة
وروي عن سيدنا عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أنه - عليه الصلاة والسلام - قَطَّعَ فِي
مِجَنِّ قِيمَتُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِم وهي قيمة رُبُع دينارٍ عنده، لأن الدينار على أصله مُقَوَّمٌ باثني عشر
درهماً (١) .
ولنا: ما روى محمد في الكتاب بإسناده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده:
عبد الله بن عمرو بن العاص، عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه كان لا يَقْطَعُ إلاَّ في ثمن
مِجَنٍّ، وهو يومئذ يساوي عَشَرَةَ دراهمَ .
وفي رواية عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جَدِّهِ قال: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ وَرَ -: ((لاَ
وقال الزرقاني في ((شرح الموطأ)) (١٩٠/٤): وهذا الحديث وإن كان ظاهره الوقف لكنه مشعر بالرفع وقد
=
أخرجه الشيخان من طرق عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة عن النبي ◌َ ◌ّ قال: تقطع يد السارق في
ربع دينار فصاعداً ا هـ.
قال الحميدي في ((مسنده)) (١٣٤/١): حدثنا سفيان قال: وحدثناه أربعة عن عمرة عن عائشة لم يرفعوه
عبد الله بن أبي بكر ورزيق بن حكيم الأيلي ويحيى بن سعيد وعبد ربه بن سعيد والزهري أحفظهم كلهم
إلا أن في حديث يحيى ما دل على الرفع ... ١ هـ.
والحديث قد رواه يونس عن الزهري فزاد في الإسناد عروة مع عمرة عن عائشة أخرجه البخاري (١٢/
٩٩) كتاب الحدود: باب قول الله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ حديث (٦٧٩٠) ومسلم
(١٣١٣/٣) كتاب الحدود: باب حد السرقة ونصابها حديث (٢/ ١٦٨٤) وأبو داود (٤ / ٥٤٦) كتاب
الحدود: باب ما يقطع فيه السارق حديث (٤٣٨٤) والنسائي (٧٨/٨) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))
(١٦٤/٣) والبيهقي (٢٥٤/٨) كتاب السرقة: باب ما يجب فيه القطع.
(١) أخرجه مالك (٢/ ٨٣١) كتاب الحدود: باب ما يجب فيه القطع حديث (٢١) والبخاري (١٢ / ٩٧) كتاب
الحدود: باب قول الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) حديث (٦٧٩٥) ومسلم (٣/
١٣١٣) كتاب الحدود: باب حد السرقة حديث (١٦٨٦/٦) وأبو داود (٥٤٧/٤) كتاب الحدود: باب ما
يقطع فيه السارق حديث (٤٣٨٥) والنسائي (٧٦/٨) كتاب قطع السارق: باب القدر الذي إذا سرقه
السارق قطعت يده والترمذي (٤٠/٤ - ٤١) كتاب الحدود: باب ما جاء في كم تقطع يد السارق حديث
(١٤٤٦) وابن ماجه (٨٦٢/٢) كتاب الحدود: باب حد السارق حديث (٢٥٨٤) وأحمد (٦/٢، ٥٤،
٦٤، ٨٠، ٨٢، ١٤٣، ١٤٥) والدارمي (١٧٣/٢) كتاب الحدود: باب ما يقطع فيه اليد، والشافعي (٢/
٨٣) كتاب الحدود: باب في حد السرقة حديث (٢٧٢) وأبو داود الطيالسي (٣٠٣/١ - منحة) رقم
(١٥٣٣) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٨٢٥) وأبو يعلى (٢٠١/١٠) رقم (٥٨٣٣) وابن حبان
(٤٤٤٤، ٤٤٤٦ - الإحسان) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٢/٣) والدارقطني (١٩٠/٣) كتاب
الحدود والديات حديث (٣١٨) والبيهقي (٢٥٦/٨) كتاب السرقة: باب اختلاف الناقلين في ثمن المجن
وما يصح منه وما لا يصح، والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٨١/٥ - بتحقيقنا) كلهم من طريق نافع عن ابن
عمر ((أن رسول الله وَ لو قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم)).
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

٣١٧
كتاب السرقة
قَطْعَ فِيمَا دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ))(١) .
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((لاَ تُقْطَعُ
اليّدُ إِلاَّ فِي دِينَارٍ أَو فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ))(٢) .
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - عن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((لاَ
يُقْطَعُ السَّارِقُ إِلاَّ فِي ثَمَنِ المِجَنَّ»(٣) وكان يُقَوَّمُ يومئذ بعشرة دراهم.
وعن ابن أم أيمن، أنه قال: ((ما قُطِعَتْ يَدّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ◌ِّهِ إِلاَّ فِي ثَمَنِ المِجَنِّ،
وَكَانَ يُسَاوِي يَوْمَئِذٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ)) .
(١) أخرجه النسائي (٨/ ٨٣) كتاب قطع السارق: باب القدر الذي إذا سرقه السارق قطعت يده، وابن أبي
شيبة (٤٧٠/٩) رقم (٨١٣٩) والدارقطني (١٩٠/٣) كتاب الحدود والديات حديث (٣٢٠) والطحاوي
في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٧/٣) والبيهقي (٢٥٩/٨) كتاب السرقة باب ثمن المجن وما يصح منه، من
طریق عن محمد بن إسحاق به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٣٣/١٠) كتاب ((اللقطة))، باب ((في كم تقطع يد السارق))، حديث (١٨٩٥٠) قال:
عن الثوري عن عبد الرحمن بن عبد الله عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود - رضي الله عنه -
فذكره.
ومن طريقه الطبراني في ((الكبير)) (٤٠٩/٩) (٩٧٤٢) وأخرجه (٩٧٤٣) من طريق المسعودي عن القاسم.
والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٧٧/٦)، بلفظ ((لا قطع إلا في عشرة دراهم))، وقال: رواه
الطبراني في الأوسط وإسناده ضعيف.
والحديث أشار إليه الترمذي أيضاً في جامعه (٥١/٤) كتاب الحدود، باب: ((ما جاء في كم تقطع يد
السارق))، بعد حديث (١٤٤٦)، وقال: هذا حديث مرسل: رواه القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود
والقاسم لم يسمع من ابن مسعود، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول سفيان الثوري وأهل
الكوفة، قالوا: لا قطع في أقل من عشرة دراهم، وروي عن علي أنه قال: لا قطع في أقل من عشرة
دراهم، وليس إسناده بمتصل)) ١ هـ.
(٣) أخرجه أبو داود (٥٤٨/٤) كتاب الحدود: باب ما يقطع فيه السارق حديث (٤٣٨٧) والنسائي (٨٣/٨)
كتاب قطع السارق: باب القدر الذي إذا سرق قطعت يده، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٣/٣)
كتاب الحدود: باب المقدار الذي يقطع فيه السارق، والدارقطني (١٩٢/٣) كتاب الحدود والديات
حديث (٣٢٣) والحاكم (٣٧٨/٤) كتاب الحدود باب قطع يد السارق، والبيهقي (٢٥٧/٨) كتاب السرقة
باب ثمن المجن وما يصح منه.
وابن أبي شيبة (٤٧٦/٥) كتاب ((الحدود))، باب: ((من قال لا تقطع في أقل من عشرة دراهم)) حديث
(٢٨١٠٤) كلهم من طريق محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى من عطاء عن ابن عباس قال: كان ثمن
المجن على عهد رسول الله عشرة دراهم.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

٣١٨
كتاب السرقة
وذكر محمد في ((الأصل)) أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أمر بِقَطْع يد سارق ثوب بلغت
قيمته عشرة دراهم، فمر به سيدنا عثمان - رضي الله عنه - فقال: إن هذا لا يساوي إِلا ثمانية،
فدرأ سيدنا عمر القَطْعَ عنه(١) .
وعن سيدنا عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا علي وابن مسعود - رضي الله عنه - مثل
مذهبنا .
والأصل: أن الإجماع انعقد على وجوب القَطْع في العشرة، وفيما دون العشرة.
اختلف العلماء لاختلاف الأحاديث، فوقع الاحتمال في وجوب القطع فلا يجب مع
الاحتمال، وإذا عرف أن النصاب شَرْطُ وجوب القطع بالسرقة، فإن وجد ذلك القدر في أخذ
سرقة واحدة، قطع، لوجود الشرط؛ وهو كمال النصاب، وإن اختلفت السرقة، لم يقطع؛
لفقد الشرط .
وعلى هذا مسائل: إذا دخل رجلٍ دار الرجل، فسرق من بيت فيها درهماً؛ فأخرجه إلى
صحنها، ثم عاد فأخذ درهماً من البيتَ فأخرجه، ثم عاد فأخذ درهماً من البيت فأخرجه، فلم
يزل بفعل ذلك حتى أخذ عشرة دراهم، ثم أخرج العشرة من الدار قطع، لأن هذه سَرِقَةٌ
واحدةٌ، لأن الدار مع صحنها وبيوتها حِرْزٌ واحد، فما دام في الدار لم يوجد الإخراج من
الحرز، فإذا أخرج من الدار جملة، فقد وجد إخراج نصاب من الحرز، فيجب القطع.
ولو كان خرج في كل مرَّةٍ من الدار، ثم عاد؛ حتى فعل ذلك عشر مرات، لم يقطع؛
لأن هذه سرقات إذ كل فعل منه إخرج من الحِزْز، فكان كل فعل منه معتبراً بنفسه، وإنه سرقة
ما دون النصاب، فلا يوجب القَطْع.
وكذلك جَمَاعَةٌ دخلوا داراً، وأخرجوا من بيت من بيوتها المتاع مرة بعد أخرى إلى
٢٩٤ ب صحن الدار، ثم أخرجوه/ من الصحن دفعة واحدة، يقطعون إذا كان ما أخرجوا يخصُّ كل
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٤٧٦/٥) كتاب ((الحدود))، باب: ((من قال: لا تقطع في أقل من
عشرة دراهم))، حديث (٢٨١١٢) قال حدثنا شريك عن عطية بن عبد الرحمن عن القاسم قال أتى عمر
بسارق ((فذكر الحديث)).
وأخرجه عبد الرزاق (٢٣٣/١٠) كتاب ((اللقطة))، باب: ((في كم تقطع يد السارق))، حديث (١٨٩٥٣)
قال: عن يحيى بن يزيد وغيره عن الثوري عن عطية بن عبد الرحمن ... فذكره بإسناد ابن أبي شيبة
بنحوه.
والحديث مرسل.
جاء في ترجمة عطية بن عبد الرحمن في ((الجرح والتعديل)) (٦/ ٣٨٣) عطية بن عبد الرحمن أبو محمد
الثقفي: روي عن القاسم بن عبد الرحمن مرسل، روى عنه الثوري وشريك. سمعت أبي يقول ذلك.

٣١٩
كتاب السرقة
واحد منهم عشرة دراهم. وإن تفرق الإخراج، يعتبر كل واحد بنفسه، لأن الإخراج جملة
واحدة، فهو سرقة واحدة، فإذا تفرق، فهو سرقات؛ فكان كل واحد معتبراً بنفسه.
ولو سرق رَجُلٌ واحد عشرة دراهم من منزلين مختلفين؛ بأن سرق منه درهماً أو تسعة،
لم يقطع؛ لأنهما سرقتان مختلفتان، لأن كل واحد من المنزلين حِرْزٌ بانفراده، فهتك أحدهما
بما دون النصاب لا يعتبر في هتك الآخر؛ فيبقى كل واحد منهما معتبراً في نفسه.
ولو سرق رجل عشرة دراهم لعشرة أنفس في موضع واحد، قطع، وإن تفرق
ملاكها، يعتبر في ذلك حال السارق، والسارق واحد؛ فكان النصاب كاملاً، وإنما اعتبر
حال السارق دون المسروق منه، لأن كمال النصاب شرط وجوب القطع، والقطع عليه،
فيعتبر جانب مَنْ عليه، ولا يعتبر جانب المسروق منه؛ لأن الحكم لم يجب له، بل الله
سبحانه وتعالى.
وإن كان عشرة أنفس في دار كل واحد في بيت على حدة، فسرق من كل واحد منهم
درهماً، يقطع إذا خرج بالجميع من الدار؛ لما ذكرنا؛ أن الدار حرز واحد، وقد أخرج منها
نصاباً كاملاً؛ فكانت السرقة واحدة، وإن اختلف المسروق منه.
ولو كانت الدار عظيمةً فيها حُجَرٌ لكل واحد حُجَرَةٌ، فسرق من كل حجرة أقل من
عشرة، لم يقطع؛ لأن ذلك سرقات؛ إذ كل حجرة حِرْزٌ بانفرادها، والسرقات إذا اختلفت يعتبر
في كل واحد منها كمال النصاب، ولم يوجد.
ولو سرق عشرة أنفس من رجل واحد عشرة دراهم، لم يقطعوا؛ بخلاف الواحد إذا
سرق عشرة دراهم من عشرة أنفس؛ أنه يقطع إذا كانت الدراهم في حرز واحد؛ لما بينا؛ أن
المعتبر جانبُ السارق، لا جانب المسروق منه، فكانت السرقة واحدة، فيعتبر كَمَالُ النصاب
في حق السارق، لا في حق المسروق منه، وسواء كانت الدراهم مجتمعة أو متفرقة بعد أن
كان الحرز واحداً؛ حتى لو سرق عشرة دراهم متفرقاً من كل كيس درهماً من عشرة أنفس من
منزل واحد، يقطع؛ لأن الحرز واحد، فإذا أخرجها منه، فقد خرج بنصاب كاملٍ من السرقة؛
فيقطع .
ولو سرق ثَوْباً قيمته تسعة دراهم، فوضعه على باب الدار، ثم دخل، فأخذ ثوباً آخر
يساوي تسعة فأخرجه، لم يقطع لأنه لم يبلغ المأخوذ في كل واحد منهما نصاباً؛ فلا يقطع؛.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما صِفَاتُ النصاب: فمنها أن تكون الدَّرَاهِمُ المسروقة جياداً؛ حتى لو سرق عشرة

٣٢٠
كتاب السرقة
زيوفاً أو نبهرجة أو ستوقة، لا يقطع، إلا أن تكون كثيرة تبلغ قيمة(١) عشرة جياد، وكذلك
المسروق من غير الدراهم إذا كان لا تبلغ قيمته قيمة عشرة دراهم جياداً، لا يقطع؛ لأن مطلق
اسم الدراهم في الأحاديث ينصرف إلى الجياد.
ومنها: أن يعتبر عشرة دراهم وزن سبعة كذا قالوا؛ لأن اسم الدراهم عند الإطلاق يقع
على ذلك؛ ألا ترى أنه قدر به النصاب في الزكوات والديات، وكذا الناس أجمعوا على هذا
في وَزْنِ الدراهم؛ ولأن هذا أَوْسَطُ المقادير؛ لأن الدراهم على عَهْدِ رسول الله - بَّر - كانت
صغاراً وكباراً. فإذا جمع صغير وكبير، كانا درهمين من وزن سبعة؛ فكان هذا الوزن هو أوسط
المقادير؛ فاعتبر به؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَاطُهَا))(٢) وهل يعتبر أن
تكون مضروبة .
ذكر الكرخي - عليه الرحمة - أنه يعتبر عشرة دراهم مضروبة، وهكذا روى بشر عن أبي
يوسف وابن سماعة، عن محمد، حتى لو كان تبراً قيمته عشرة دراهم مضروبة، لا يقطع.
وروى الحسن عن أبي حنيفة - عليهم الرحمة - أن السَّارِقَ إِذا سرق عشرة دراهم مما
يجوز بين الناس، ويروج في معاملاتهم، قطع؛ وهذا يَدُلُّ على أن كونها مضروبة ليس بشرط،
بل يقطع في المضروبة وغيرها، إذا كان مما يجوز بين الناس، ويروج في معاملاتهم.
لهما أن تقدير نصاب السرقة وقع بالدراهم أو تقويم المجن وقع بالدراهم والدراهم اسم
للمضروبة، والتبر ليس بمضروب، ولا في معنى المضروب في المالية أيضاً؛ لأنه ينقص عنه
في القيمة؛ فأشبه نقصان الوزن.
وأبو حنيفة - رحمه الله - اعتبر الجواز والرواج في معاملات الناس، فأجرى به التعامل
بين الناس يستوي في نصابه المضروب والصحيح والمكسر؛ كما في نصاب الزكاة، فما قاله
أبو حنيفة - رحمه الله - أَقْرَبُ إلى القياس، وما قاله أبو يوسف ومحمد أَقْرَبُ إلى الاحتياط في
باب الحدود، ثم كمال النصاب في قيمة المسروق يعتبر وقت السرقة لا غير، أم وقت السرقة
والقطع جميعاً، وفائدة هذا تظهر فيما إذا كانت قيمة المسروق كاملة وقت السرقة، ثم نقصت
٢٩٥/٢أ أنه هل يسقط القطع؟ فجملة الكلام فيه: أن نقصان المسروق/ لا يخلو: إما أن كان نقصان
العين، بأن دخل المسروق عيب، أو ذهب بعضه.
وإما أن كان نقصان السعر، فإن كان نقصان العين يقطع السارق، ولا يعتبر كمال النصاب
وقت القطع، بل وقت السرقة بلا خلاف؛ لأن نقصان عينه هلاك بعضه، وهلاك الكل لا يسقط
(١) في أ: قيمتها.
(٢) تقدم.