النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ كتاب القسمة فصل في صفات القسمة وأما صفات القسمة فأنواع : منها: أن تكون عادلة غير جائزة، وهي أن تقع تعديلاً(١) الأنصباء من غير زيادة على القدر المستحق من النصيب ولا نقصان عنه، لأن القسمة إفراز بعض الأنصباء ومبادلة البعض، ومبنى المبادلات على المراضاة، فإذا وقعت جائرة لم يوجد التراضي ولا إفراز نصيبه بكماله، لبقاء الشركة في البعض، فلم تجز وتعاد. وعلى هذا إذا ظهر الغلط في القسمة المبادلة بالبينة أو بالإقرار تستأنف، لأنه ظهر أنه لم يستوف حقه، فظهر أن معنى القسمة لم يتحقق بكماله، ولو ادعى أحد الشريكين الغلط في القسمة، فهذا لا يخلو من أحد وجهين: إما إن كان المدعي أقر باستيفاء حقه، وإما إن كان لم يقر بذلك، فإن كان قد أقر باستيفاء حقه لا يسمع منه دعوى الغلط لكونه مناقضاً في دعواه، لأن الإقرار باستيفاء الحق إقرار بوصول حقه إليه بكماله، ودعوى الغلط إخبار أنه لم يصل إليه حقه بكماله فيتناقض، وإن كان لم يقر باستيفاء حقه لا تعاد القسمة بمجرد الدعوى؛ لأن القسمة قد صحت من حيث الظاهر، فلا يجوز نقضها إلا بحجة، فإن أقام البينة أعيدت القسمة لما قلنا، وإن لم تقم له بينة وأنكر شريكه، فأراد استحلافه، حلفه على ما ادعى من الغلط، لأنه يدعي عليه حقًّا هو جائز الوجود والعدم وهو ينكر فيحلف. وبيان ذلك: دار بين رجلين اقتسماها (٢) واستوفى كل واحد منهما حقه، ثم ادعى أحدهما غلطاً في القسمة؛ لا تعاد القسمة ولكن يسأل البينة على الغلط، فإن أقام البينة وإلاَّ (١) وقسمة التعديل صورتها أرض متفاوتة، بعضها بياض، وبعضها فيها غراس، أو في بعضها بناء، وبعضها خال من البناء أو بعضها عميق في ترابها وفي بعضها أحجار ثابتة خلقة، فتعدل حال قسمتها، بأن نجعل مساحة خمسين ذراعاً من الجيد، مساوية لسبعين ذراعاً من الرديء، أو نجعل كذلك من البياض في مقابلة البناء أو الغراس، فهل يجبر الممتنع في هذا النوع من القسمة. فيه قولان، الأصح عند الأكثرين أنه يجبر. وقال البغوي: الأصح لا يجبر. ومن جملة صور قسمة التعديل العبيد، فإذا خلف رجل ثلاثة أعبد متساوي القيمة لثلاثة بنين، ففي الإجبار عليها خلاف مشهور الأصح لا يجبر فيها، لتفاوت الأغراض بأعيان العبيد. وكذلك لو كانت الأرض أو الدار مختلفة الجوانب، أعني في جوارها، لا في ذاتها، كشاطىء نهر، أو بستان، يكون ملاصقاً لأحد جوانبها، فهي من باب قسمة التعديل. ينظر: أدب القضاء لابن أبي الدم (٢٢٥/٢ - ٢٢٦). (٢) في ط: اقتسما. بدائع الصنائع ج٩ - ١١٢ ١٦٢ كتاب القسمة فيحلف شريكه إن شاء لما قلنا، فإن حلف أحد الشريكين ونكل الآخر، فإن كان الشركاء ثلاثةً يجمع بين نصيب المدعي وبين نصيب الناكل فيقسم بينهما على قدر نصيبهما، لأن نكوله دليل كون المدعي صادقاً في دعواه في حقه، فكان حجة في حقه لا في حق الشريك الحالف، فلم تصح القسمة في حقهما فتعاد في قدر نصيبهما. وكذلك لو ادعى الغلط بعد القسمة والقبض في المكيلات والموزونات والمزروعات، ولو كان بين رجلين داران اقتسماها فأخذ كل واحد منهما داراً، ثم ادعى أحدهما الغلط في القسمة وأقام البينة على ذلك، فالقسمة باطلة عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - وعندهما لا تبطل ولكن يقضي للمدعي بذلك الذرع من الدار الأخرى، وبنوا هذه المسألة على بيع ذراع من دار أنه لا يجوز عنده، وعندهما جائزٌ. ووجه البناء أن قسمة الجمع في الدور بالتراضي جائزة بلا خلاف، ومعنى المبادلة وإن كان لازماً في نوعي القسمة لكن هذا النوع بالمبادلات أشبه، وإذا تحققت المبادلة صح البناء، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ولو اقتسما داراً بينهما فأخذ كل واحد منهما طائفة، ثم ادعى أحدهما بيتاً في يد صاحبه أنه وقع في قسمته وأقام بينة سمعت بينته، وإن أقاما جميعاً البينة أخذت بينة المدعي، لأنه خارج، وإن كان قبل الإشهاد والقبض تحالفا وترادًا. وكذا لو اختلفا في الحدود فادعى كل واحد منهما حدًّا في يد صاحبه أنه أصابه وأقام البينة، قضى لكلِّ واحد منهما بالحد الذي في يد صاحبه، لأن كل واحد منهما عما في يد صاحبه خارج. ٢٤٤/٣ب وإن قامت/ لأحدهما بينة يقضي ببينته، وإن لم تقم لهما بينة تحالفا، وهل ينفسخ العقد بنفس التحالف أم يحتاج فيه إلى فسخ القاضي؟ اختلف المشايخ فيه على ما عُرف في البيوع. ولو اقتسم رجلان أقرحة فأخذ أحدهما قراحين والآخر أربعة، ثم ادعى صاحب القراحين أن أحد الأقرحة الأربعة أصابه في قسمته، وأقام البينة، قضى له به لما قلنا، وكذلك هذا في أثواب اقتسماها فأخذ كل واحد بعضها ثم ادعى أحدهما أن أحد الأثواب الذي في يد صاحبه أصابه في قسمته وأقام البينة، قضی له به. ولو ادعى كل واحد منهما [على صاحبه] ثوباً مما في يده أنه أصابه في قسمته وأقام البينة، قضى لكل واحد منهما بما في يد الآخر، لأن كل واحد منهما عما في يد صاحبه خارج، ولو اقتسما مائة شاة فأصاب أحدهما خمسة وخمسين وأصاب الآخر خمسة وأربعين، ثم ادعى صاحب الأوكس الغلط في القسمة أو الخطأ في التقويم، لم تقبل منه إلاَّ ببينة. ١٦٣ كتاب القسمة ولو قال: أخطأنا في العدد وأصاب كُلُّ واحدٍ منا خمسين، وهذه الخمسة في قسمته، وأنكر الآخر، تحالفا، وإن أقام كل واحد منهما البينة ردت القسمة. ولو قال أحدهما لصاحبه: أخذت أنت إحدى وخمسين غلطاً وأخذت أنا تسعة وأربعين، وقال الآخر: ما أخذت إلاَّ خمسين، فالقول قولُهُ مع يمينه، لأنه مُنْكِرٌ لاستيفاء الزيادة على حقه، والله تعالى أعلم. وعلى هذا الأصل تخرج قسمة عرصة الدار بالذرع، أنه يحسب في القسمة كل ذراعين من العلو بذراع من السفل عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يحسب ذراع من السفل بذراع من العلو، وعند محمد يحسب على القيمة دون الذرع. زعم كل واحد منهم أن التعديل فيما يقوله، والخلاف في هذه مسألة بين أبي حنيفة وبين أبي يوسف مبنى على الخلاف في مسألة أخرى، وهي أن صاحب العلو ليس له أن يبني على العلو من غير رضا صاحب السفل، وإن لم يضر بصاحب السفل من حيث الظاهر عند أبى حنيفة، وعند أبي يوسف له أن يبني إن لم يضر البناء به. ووجه البناء أن صاحب العلو إذا لم يملك البناء على علوه عند أبي حنيفة - رحمه الله - كان للعلو منفعة واحدة، وهي منفعة السكنى فحسب، وللسفل منفعتان: منفعة السكنى ومنفعة البناء عليه، وكذا السفل كما يصلح للسكنى يصلح لجعل الدواب فيه، فأما العلو فلا يصلح إلا للسكنى خاصة، فكان للسفل منفعتان وللعلو منفعة واحدة، فكانت القسمة عنده على الثلث والثلثين، وعند أبي يوسف لما ملك صاحب العلو أن يبني على علوه كانت له منفعتان أيضاً، فاستوى العلو والسفل في المنفعة، فوجب التعديل بالسوية (١) بينهما في الذرع. وأما محمد فإنما اعتبر القيمة، لأنَّ أحوال البلاد وأهلها في ذلك مختلفة، فمنهم من يختار السفل على العلو، ومنهم من يختار العلو على السفل، فكان التعديل في اعتبار القيمة، والعمل في المسألة على قول محمد - رحمه الله -، وهو اختيار الطحاوي - رحمه الله .. ويحتمل أن أبا حنيفة إنما فضل السفل على العلو بناءً على عادة أهل الكوفة من اختيارهم السفل على العلو، وأبو يوسف إنما سوى بينهما [بناءً](٢) على عادة أهل بغداد، لاستواء العلو والسفل عندهم، فأخرج كل واحد منهما الفتوى على عادة أهل زمانه، ومحمد بنى الفتوى على المعلوم من اختلاف العادات باختلاف البلدان، فكان الخلاف بينهم من حيث الصورة لا من حيث المعنى، والله أعلم. (١) في أ: بالتسوية . (٢) سقط من ط . ١٦٤ كتاب القسمة وبيان ذلك في سفل بين رجلين وعلوٍّ من بيت آخر بينهما أراد قسمتهما، يقسم البناء على القيمة بلا خلاف، وأما العرصةُ فتقسم بالذرع عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد بالقيمة، ثم اختلف أبو حنيفة وأبو يوسف فيما بينهما في كيفية القسمة بالذرع، فعند أبي حنيفة ذراع بذراعين على الثلث والثلثين، وعند أبي يوسف ذراع بذراعٍ. ١٢٤٥/٣ ولو كان بينهما بيت تام علو وسفل وعلو من بيت آخر، فعند/ أبي حنيفة يحسب في القسمة كل ذراع من العلو والسفل بثلاثة أذرع من العلو أرباعاً عنده، لما ذكرنا من الأصل فكانت القسمة أرباعاً، وعند أبي يوسف ذراع من السفل والعلو بذراعين من العلو لاستواء السفل والعلو عنده، فكانت القسمة أثلاثاً، ولو كان بينهما بيت تام سفل وعلو وسفل آخر، فعند أبي حنيفة يحسب في القسمة كل ذراع من السفل والعلو بذراع ونصف من السفل وذراع من سفل البيت [التام](١) بذراع من السفل الآخر، وذراع من علوه بنصف ذراع من السفل الآخر، وعند أبي يوسف ذراع من التام بذراعين من السفل، والله تعالى أعلم. وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا اقتسما داراً وفضلا بعضها على بعض بالدراهم أو الدنانير، لفضل قيمة البناء والموضع(٢)، أن القسمة جائزة لأنها وقعت عادلة من حيث المعنى، لأن الدار قد يفضل بعضها على بعض بالبناء والموضع، فكان ذلك تفضيلاً من حيث الصورة، تعديلاً من حيث المعنى، ولو لم يسميا قيمة فضل البغاء وقت القسمة، جازت القسمة اسحتساناً، وتجب قيمة فضل البناء وإن لم يسمياها في القسمة . والقياس ألا تجوز القسمة، لأن هذه قسمة بعض الدار دون بعض، لأن العرصة مع البناء بمنزلة شيء واحد، وقسمة البناء بالقيمة، فإذا [لم توجد التسمية بقيت](٣) مجهولة، فوقعت القسمة للعرصة دون البناء بقيت وإنها [غير] (٤) جائزة. وجه الاستحسان أن قسمة العرصة قد صحت بوقوعها في محلها وهو الملك، ولا صحة لها إلا بقسمة البناء وذلك بالقيمة، فتجب على صاحب الفضل قيمة فضل البناء، وإن لم يسم ضرورة صحة القسمة، والله سبحانه وتعالى أعلم. وعلى هذا الأصل تخرج أيضاً قسمة الجمع في الأجناس المختلفة أنها غير جائزة جبراً بالإجماع لتعذر تعديل الأنصباء إلاَّ بالقيمة وأنها ليست محل القسمة، على ما مَرَّ، ولا يجوز (١) سقط من ط . (٢) في أ: أو الموضع. (٣) بدل ما بين المعكوفين في ط: وجدت القسمة. (٤) سقط في أ. ١٦٥ كتاب القسمة في الرقيق والدور عند أبي حنيفة - رحمه الله -، لأنها في حكم الأجناس المختلفة، ولا تقع القسمة فيها عادلة بل جائرة (١)، ولا تقسم الأولاد في بطون الغنم لتعذر التعديل. وعلى هذا يخرج رد المقسوم بالعيب في نوعي القسمة، لأنه إذا ظهر به عيبٌ فقد ظهر أنها وقعت جائرة لا عادلة، فكان له حق الرد بالعيب كما في البيع، ولو امتنع الرد بالعيب لوجود المانع منه يرجع بالنقصان، كما في البيع إلا أن في البيع يرجع بتمام النقصان وفي القسمة، يرجع بالنصف، لأن النقصان في القسمة يرجع بالنصيبين جميعاً، فيرجع بنصف النقصان من نصيب شريكه. وأما الرد بخيار الرؤية والشرط فيثبت في قسمة الرضا، لأن القسمة فيها معنى المبادلة، وهذا النوع أشبه بالمبادلات لوجود المراضاة من الجانبين، فيثبت فيه خيار الرؤية كما في البيع، ولا يثبت في قسمة القضاء، لا لخلوها عن المبادلة بل لعدم الفائدة، لأنه لو ردها بخيار الرؤية والشرط لأجبره القاضي ثانياً فلا يفيد والله سبحانه وتعالى أعلم. ولا تجب الشفعة في القسمة لأن حق الشفعة يتبع المبادلة المحضة لثبوتها على مخالفة القياس، والقسمة مبادلة من وجه فلا تحتمل الشفعة، ولأنها لو وجبت لا يخلو إما أن تجب للشريك أو للجار، لا سبيل إلى الأول لأن الشفعة تجب لغير البائع والمشتري، ولا سبيل إلى الثاني، لأن الشريك أولى من الجار، والله - سبحانه وتعالى أعلم .. ومنها: الوجوب عند الطلب حتى يجبر على القسمة فيما ينتفع كل واحد من الشريكين بقسمته، وكذا فيما ينتفع بها أحدهما ويستضر الآخر [يجبر](٢) عند طلب المنتفع بالإجماع، وعند طلب المستضر اختلاف روايتي الحكم والقدوري - رحمهما الله، وقد ذكرناه، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ومنها: اللزوم بعد تمامها في النوعين جميعاً حتى لا يحتمل الرجوع عنها إذا تمت، وأما قبل التمام فكذلك في أحد نوعي القسمة وهو قسمة القضاء دون النوع الآخر، وهو قسمة الشركاء . بيان ذلك: أن الدار إذا كانت مشتركة بين قوم فقسمها القاضي أو الشركاء بالتراضي فخرجت السهام كلها بالقرعة، لا يجوز لهم الرجوع، وكذا إذا خرج / الكل إلا سهم واحد، ٢٤٥/٣ب لأن ذلك خروج السهام كلها لكون ذلك السهم متعيناً بمن بقي من الشركاء، وإن خرج بعض السهام دون البعض فكذلك في قسمة القضاء، لأنه لو رجع أحدهم لأجبره القاضي على القسمة (١) في ط: أو جائرة. (٢) سقط من ط . ١٦٦ كتاب القسمة ثانياً، فلا يفيد رجوعه، وأما في قسمة التراضي فيجوز الرجوع، لأن قسمة التراضي لا تتم إلا بعد خروج السهام كلها، وكل عاقد بسبيل من الرجوع عن العقد قبل تمامه كما في البيع ونحو، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. فصل في حكم القسمة وأما بيان حكم القسمة، فنقول وبالله التوفيق: حكم القسمة ثبوت اختصاص بالمقسوم عيناً تصرفاً فيه، فيملك المقسوم له في المقسوم جميع التصرفات المختصة بالملك، حتى لو وقع في نصيب أحد الشريكين ساحة لا بناء فيها ووقع البناء في نصيب الآخر، فلصاحب الساحة أن يبني في ساحته، وله أن يرفع بناءه، وليس لصاحب البناء أن يمنعه وإن كان يفسد عليه الريح والشمس، لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا يمنع عنه. وكذا له أن يبني في ساحته مخرجاً أو تنوراً أو حماماً أو رحى، لما قلنا، وكذا له أن يقعد في بنائه حداداً أو قصاراً، وإن كان يتأذى به جاره لما قلنا. وله أن يفتح باباً أو كوة لما ذكرنا، ألا ترى أن له أن يرفع الجدار أصلاً، ففتح الباب والكوة أولى، وله أن يحفر في ملكه بئراً أو بالوعة أو كرباساً، وإن كان بهن(١) بذلك حائط جاره، ولو طلب جاره تحويل ذلك لم يجبر على التحويل، ولو سقط الحائط من ذلك لا يضمن، لأنه لا صنع منه في ملك الغير، والأصل أن لا يمنع الإنسان من التصرف في ملك نفسه، إلا أن الكفَّ عما يؤذي الجار أحسن، قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿اعْبُدُوا اللهَ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبالَوالِدَيْن إِحْسَاناً﴾ [النساء: ٣٦] إلى قوله ﴿وَالجار الجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] خصَّهُ - سبحانه وتعالى - بالأمر بالإحسان إليه، فلئن لم(٢) يحسن إليه فلا أقل مِنَ أَنْ يكفَّ عنه أذاه. وعلى هذا دَارٌ بين رجلين ولرجل فيها طريق، فأراد أن يقتسماها ليس لصاحب الطريق منعهما عن القسمة، لأنهما بالقسمة متصرفان في ملك أنفسهما، فلا يمنعان عنه، فيقتسمان ما وراء الطريق ويتركان الطريق على حاله على سعة عرض باب الدار، لما ذكرنا من قبل. ولو باعوا الدار والطريق، فإن كانت رقبة الطريق مشتركة بينهم، قسموا ثمن(٣) الطريق بينهم أثلاثاً، وإن كانت الرقبة لشريكي الدار ولصاحب الطريق حق المرور، حكى القدوري عن الكرخي - رحمهما الله - أن لا شيء لصاحب الطريق من الثمن، ويكون الثمن كله للشريكين. وروي [عن] (٤) محمد أن كل واحد من الشريكين يضرب بحقه من المنفعة ويضرب (١) في ط: بهي. (٣) في ط: ممر. (٢) في ط: لا. (٤) سقط من ط. ١٦٧ كتاب القسمة صاحب الطريق بحق المرور، وطريق معرفة ذلك أن ينظر إلى قيمة العرصة بغير طريق، وينظر إلى قيمتها وفيها طريق، فيكون لصاحب الطريق فضل ما بينهما، ولكل واحد من الشريكين نصف قيمة المنفعة إذا كان فيها طريق. وجه ما حكي عن الكرخي - رحمه الله - أن حق المرور لا يحتمل البيع مقصوداً، بل يحتمله تبعاً للرقبة. أَلاَ ترى أنه لو باعه وحده لم يجز، فإذا بيع الطريق بإذنه فقد أسقط حقه أصلاً فلا يقابله ثمن. وجه ما روي عن محمد أن حق المرور لا يحتمل البيع مقصوداً، بل يحتمله تبعاً للرقبة، وهلهنا ما بيع مقصوداً بل تبعاً للرقبة فيقابله الثمن، لكن ثمن الحق لا ثمن الملك على ما ذکرنا . وكذلك دار بين رجلين [ولرجل](١) فيها مسيل الماء، فأراد أن يقتسماها ليس لصاحب المسيل منعهما من القسمة لما قلنا، بل يقسم الدار ويترك المسيل على حاله كما في الطريق، وكذلك لو كان في الدار منزلٌ لرجل وطريقه في الدار فأراد أن يقتمسا الدار، لا يمنعان من القسمة، ولكن يتركان طريق المنزل على حاله على سعة عرض باب الدار، لا على سعة باب المنزل على ما ذكرنا. ولو أراد صاحب المنزل أن يفتح إلى هذا الطريق باباً آخر له ذلك، لأنه متصرف في ملك نفسه، ألا ترى أن له أن يرفع الحائط كله فهذا أولى. ولو اشترى صاحب المنزل داراً من وراء المنزل وفتح بابه إلى المنزل، فإن كان ساكن الدار والمنزل واحداً فله أن يمر من الدار/ إلى المنزل ومن المنزل إلى الطريق الذي في الدار الأولى، لأن له حق المرور في هذا الطريق، وإن كان ساكن الدار غير ساكن المنزل فليس لساكن الدار أن يمر في الطريق الذي في الدار الأولى، لأنه لا حق له في هذا الطريق فيمنع من المرور فيه . ٣ /١٢٤٦ دار بين رجلين في سكة غير نافذة، اقتسماها وأخذ كل واحد منهما طائفة منها، فأراد كل واحد منهما أن يفتح باباً أو كُوةً إلى السكة، له ذلك، ولا يسع لأهل السكة منعهما، لأن كل واحد منهما متصرف في ملك نفسه فيملكه، ألا ترى أن له رفع الحائط أصلاً فالباب والكوة أولى . (١) سقط من ط . ١٦٨ كتاب القسمة وعلى هذا حائط بين قسيمين ولأحد القسيمين عليه جذوع الحائط الآخر، فإن شرطوا قطع الجذوع في القسمة قطعت، لقول النبي ◌َّ: ((المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ))(١) وَإن لم يشترطوا ترك على حالها، لأن الترك وإن كان ضرراً لكنهم لما لم يشترطوا القطع في القسمة فقد التزم الضرر وكذلك لو كان وقع على هذا الحائط درجة أو اسطوانة جمع(٢) عليها جذوع لما قلنا، وكذلك روشنا وقع لصاحب العلو شرفاً على نصيب الآخر، لم يكن لصاحب السفل أن يقلع الروشن من غير شرط القلع لما قلنا. ولو كان لأحدهما أطراف خشب على حائط صاحبه، فإن كان مما يمكن أن يجعل عليها سقف لم يكلف قلعها(٣)، وإن كان لا يمكن كلف القلع، لأنه إذا أمكن أن يجعل عليها سقف أمكنه الانتفاع به، فيلتحق بالحقوق فأشبه الروشن، وإذا لم يمكن تعذر إلحاقها بالحقوق، فبقي شاغلاً هو لصاحبه بغير حق فيكلف قطعها، ولو كان لأحدهما شجرة أغصانها مظلة على نصيب الآخر، فهل تقطع؟ ذكر ابن سماعة - رحمه الله - أنه لا تقطع، لأن في القطع ضرراً لصاحبها، وذكر ابن رستم - رحمه الله - أنه تقطع كما يقطع أطراف الخشب الذي لا يمكن تسقيفها . ولو اختلف أهل طريق في الطريق وادعى كل واحد منهم أنه له، فهو بينهم بالتسوية على عدد الرؤوس، لا على ذرعان الدور والمنازل، لأنهم استووا في اليد لاستوائهم في المرور فيه، إلا أن يقوم لأحدهم بينة فيسقط اعتبار اليد بالبينة. دار لرجل وفيها طريق بينه وبين رجل، فمات صاحب الدار فاقتسمت الورثة الدار بينهم، وتركوا الطريق - كان الطريق بينه وبين الرجل نصفين لا على عدد الرؤوس، حتى لو باعوا الدار يقسم الثمن بين الورثة وبينه نصفين، لا على عدد الرؤوس؛ لأن الورثة قاموا مقام المورث، وقد كان الطريق بينهما نصفين فكذا بينه وبينهم، ولو لم يعرف إن الدار ميراث بينهم وجحدوا ذلك، فالطريق بينهم بالسوية على عدد الرؤوس، لاستوائهم في اليد على ما مر، والله - تعالى - أعلم. فصل فيما يوجب نقض القسمة وأما بيان ما يُوجب نقض القسمة بعد وجودها، فنقول وبالله التوفيق: الذي يوجب نقض القسمة بعد وجودها أنواع: (١) تقدم. (٣) في أ: قطعها. (٢) في أ: وقع. ١٦٩ كتاب القسمة منها ظهور دين على الميت إذا طلب الغرماء ديونهم ولا مال للميت سواه، ولا قَضَاهُ الورثةُ من مال أنفسهم. وبيان ذلك أن الورثة إذا اقتسموا التركة ثم ظهر على الميت دين، فهذا لا يخلو من أحد وجھین . وإما أن يكون للميت مال آخر سواه. وإما أن لم يكن، فإن لم يكن له مال سواه ولا قضاه الورثة من مال أنفسهم، تنقض القسمة، سواء كان الدين محيطاً بالتركة أو لم يكن، لأن الدين مقدم على الإرث، قليلاً كان أو كثيراً، قال الله - تبارك وتعالى - ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] قدم - سبحانه وتعالى - الدين على الوصية من غير فصل بين القليل والكثير، لأن الدين إذا كان محيطاً بالتركة تبين أنه لا ملك للورثة فيها إلا من حيث الصورة، بل هي ملك للميت يتعلق بها حق(١) الغرماء، وقيام ملك الغير في المحل يمنع صحة القسمة، فقيام الملك والحق أولى، وإذا لم يكن محيطاً بالتركة، فملك الميت وحتى الغرماء وهو حق الاستيفاء ثابت في قدر الدين من التركة على الشيوع، فيمنع جواز القسمة، فإن كان للميت مال(٢) آخر سواه يجعل الدين فيه وتمضي القسمة، لأن القسمة تصان عن النقض ما أمكن، وقد أمكن صيانتها/ بجعل الدين ٢٤٦/٣ب فيه؛ وكذا الورثة إذا قضوا الدين من مال أنفسهم لا تنقض؛ لأن حق الورثة كان متعلقاً بصورة التركة وحق الغرماء بمعناها وهو المالية، فإذا قضوا الدين من مال أنفسهم فقد استخلصوا التركة لأنفسهم صورة ومعنى، فتبين أنهم في الحقيقة اقتسموا مال أنفسهم صورة ومعنى، فتبين أنها وقعت صحيحة فلا تنقض. وكذلك إذا أبرأه الغرماء من ديونهم لا تنقض القسمة؛ لأن النقض لحقهم وقد أسقطوه بالإبراء، وكذلك إذا ظهر لبعض المقتسمين دين على الميت بأن ادعى ديناً على الميت وأقام البينة عليه، فله أن ينقض القسمة لما قلنا، ولا تكون قسمته إبراء من الدين، لأن حق الغريم(٣) يتعلق بمعنى التركة وهو ماليتها لا بالصورة، ولهذا كان للورثة حق الاستخلاص، وإذا كان كذلك فلا يكون إقدامه على القسمة إقراراً منه، لأنه لا دين له على الميت، فلم يكن مناقضاً في دعواه، فسمعت. ومنها: ظهور الوصية - حتى لو اقتسموا ثم ظهر ثَمَّ موصى له بالثلث، نقضت قسمتهم؛ (١) في ط: بحق. (٢) في ط: فإن لم يكن للميت مال. (٣) في أ: الغرماء. ١٧٠ كتاب القسمة لأن الموصى له شريك الورثة، ألا ترى أنه لو هلك من التركة شيء قبل القسمة يهلك من الورثة والموصى له جميعاً، والباقي على الشركة بينهم، ولو اقتسموا وثَمةَ وارث آخر غائب تنقض، فکذا هذا. وهذا إذا كانت القسمة بالتراضي، فإن كانت بقضاء القاضي لا تنقض، لأن الموصى له وإن كان كواحد من الورثة لكن القاضي إذا قسم عند غيبة أحد الورثة لا تنقض قسمته، لأن القسمة في هذا الموضع محل الاجتهاد، وقضاء القاضي إذا صادف محل الاجتهاد ينفذ ولا ینقض. ومنها: ظهور الوارث حتى لو اقتسموا ثم ظهر أن ثَمَّةَ وارثاً آخر نقضت قسمتهم، ولو كانت القسمة بقضاء القاضي لا تنقض لما ذكرنا، ولو ادعى وارث وصية لابن له صغير بعد القسمة، لا تصح دعواه حتى لا تسمع منه البينة، لكونه مناقضاً في الدعوى؛ إذ لا تصح قسمتهم الميراث وَثَمَّ موصى له، فكان إقدامه على القسمة إقراراً منه بانعدام الوصية، فكان دعوى وجود الوصية مناقضة، فلا تسمع، ولكن لا يبطل حق الصغير بقسمة الأب، لأنه لا يملك إبطال حقّهِ . وكذلك لو ادعى بعض الورثة أن أخاً له من أبيه وأمه ورث أباه معهم، وإنه مات بعد موت الأب وورثه هذا المدعي، وجحد الباقون ذلك، فأقام المدعي البينة - لا تقبل بينته، لأنه هنا مناقض(١) في دعواه لدلالة إقراره بانعدام وارث آخر بإقدامه على القسمة. وكذلك كل ميراث يدعيه أو شراء أو هبة أو صدقة أو وصية بعد القسمة للتناقض، بدلالة الإقدام على القسمة، والله - تعالى - أعلم. دار بين رجلين أقر أحدهما ببيت منها لرجل، وأنكر الآخر، يصح إقراره، لأن إقرار الإنسان حجة على نفسه، لأن هذا الإقرار لم يوجب تعلق الحق بالعين لحق الشريك الآخر، بل هو موقوف، وإذا لم يتعلق بالعين لا يمنع جواز القسمة، فتقسم الدار ويجبر على القسمة، ومتى قسمت فإن وقع البيت المقر به في نصيب المقر دفعه إلى المقر له؛ لأن الإقرار قد صح وتسليم عين المقر به ممكن فيؤمر بالتسليم، وإن وقع في نصيب شريكه يدفع إليه قدر ذرع المقر به من نصيب نفسه، فيقسم ما أصابه بينه وبين المقر له فيضرب المقر له بذرع البيت ويضرب المقر بنصف ذرع الدار بعد البيت، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف عليهما الرحمة. وقال محمدٌ - رحمه الله -: يضربُ المقر بنصف ذرع الدار كما قالا، ولكن المقر له (١) في ط: قضى. ١٧١ كتاب القسمة يضرب بنصف ذرع البيت لا بكله، حتى لو كان ذرع الدار مائة وذرع البيت عشرة فتقسم الدار بينهما نصفين، يكون للمقر له عشرة أذرع عندهما، لأنه جميع ذرع البيت والباقي وهو خمسة وأربعون للمقر، لأنه نصف ذرع الدار بعد ذرع البيت، وعند محمد - رحمه الله - يكون للمقر له خمسة أذرع، إذ هو نصف ذرع البيت المقر به. وجه قول محمد - رحمه الله - أن الإقرار صادف محلاً معيناً مشتركاً بينه وبين غيره، لأن كل جزأين من الدار أحدهما له والآخر لصاحبه على الشيوع، فيبطل في نصيب صاحبه ويصح في نصيبه، وذلك يوجب للمقر له نصف ذرع البيت. وجه قولهما إن الإقرار بالمشترك لا يتعلق بالعين قبل القسمة، بل هو موقوف وإنما يتعلق بها بعد القسمة؛ ألا ترى أنه لم يمنع صحة القسمة، ولو تعلق بالعين لمنع فإذا قسمت الدار الآن يتعلق بالعين، فإن وقع المقر به في نصيب المقر يؤمر بالتسليم، لأنه قادر على تسليم العين، وإن وقع في نصيب صاحبه فقد عجز عن تسليم عينه، فيؤمر بتسليم بدله من نصيبه وهو تمام ذرع المقر به. هذا إذا كان المقر به شيئاً يحتمل القسمة، فإن كان مما لا يحتمل القسمة كبيت من حمام مشتركة بينه وبين غيره، أقر أنه لرجل وأنكر صاحبه فيصح إقراره، ولكن [لا](١) يجبر على قسمته، لأن قسمة الإضرار فيما لا يحتمل الجبر على ما ذكرناه في موضعه، ويلزمه نصف قيمة البيت لأنه عجز عن تسليم العين، والإقرار بعين معجوز التسليم يكون إقراراً ببدله تصحيحاً لتصرفه وصيانة لحق الغير بالقدر الممكن، كالإقرار بجذع في الدار، والله - تعالى - أعلم. فصل في قسمة المنافع هذا الذي ذكرنا قسمة الأعيان، وأما قسمة المنافع: فهي المسماة بالمهايئات، والكلام فيها في مواضع. في بيان أنواع المهايئات،، وما يجوز منها، وما لا يجوز. وفي بيان محلِ المهایئات. وفي بيان صفة المهایئات. وفي بيان ما يملك كل واحد من الشريكين من التصرف بعد المهايئات وما لا يملك. (١) سقط من ط . ١٧٢ كتاب القسمة أما الأول، فالمهايئات(١) نوعان: نوع يرجع إلى المكان ونوعٌ يرجع إلى الزمان، أما النوع الأول فهو أن يتهايئا في دار واحدة على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة منها يسكنها، وأنه جائز، لأن المهايئات قسمة فتعتبر بقسمة العين، وقسمة العين على هذا الوجه جائزة، فكذا قسمة المنافع. وكذا لو تهايئا على أن يأخذ أحدهما السّفل والآخر العلو، جاز ذلك لما قلنا. ولا يشترط بيان المدة في هذا النوع، لأن قسمة المنافع ليست بمبادلة المنفعة، لأن مبادلة المنفعة يجنسها غير جائزة عندنا، كإجازة السكنى بالسكنى، والخدمة بالخدمة، وكذلك لو تهايئا في دارين وأخذ كل واحد منهما داراً يسكنها أو يستغلها، فهو جائز بالإجماع. أما عند أبي يوسف ومحمد فلا شك فيه، لأن قسمة الجمع في عين الدور جائزة، فكذا في المنافع . وأما أبو حنيفة - رحمه الله - فيحتاج إلى الفرق بين العين وبين المنفعة. وجه الفرق له أن الدور في حكم أجناس مختلفة لتفاحش التفاوت بين دار ودار، وفي نفسها وبتائها وموضعها، ولا تجوز قسمة الجمع في جنسين مختلفين على ما مر، وأما التفاوت في المنافع فقل ما يتفاحش، بل يتقارب فلم تلتحق منافع الدارين بالأجناس المختلفة، فجازت القسمة، وكذلك لو تهايئا في عبدين على الخدمة جاز بالإجماع، أما عندهما فلأن قسمة الجمع في أعيان الرقيق جائزة، وكذا في منافعها. ووجه الفرق لأبي حنيفة - رحمه الله - على نحو ما ذكرنا في الدارين، ولو تهايئا في عبدين فأخذ كل واحد منهما عبداً يخدمه وشرط كل واحد منهما على نفسه طعام العبد الذي يخدمه، جاز استحساناً، والقياس أن لا يجوز. ووجهه أن طعام كل واحد من العبدين على الشريكين جميعاً على المناصفة، فاشتراط كل الطعام من كل واحد منهما على نفسه يخرج مخرج معاوضة بعض الطعام بالبعض، وأنها غير جائزة للجهالة. ووجه الاستحسان أن هذا النوع من الجهالة لا يفضي إلى المنازعة، لأن مبنى الطعام على المسامحة في العرف والعادة دون المضايقة، بخلاف ما إذا شرط كل واحد منهما على نفسه كسوة العبد الذي يخدمه أنه لا يجوز، لأنه يجري في الكسوة من المضايقة ما لا يجري في الطعام في العرف والعادة، فكانت الجهالة في الكسوة مفضية إلى المنازعة، مع ما أن الجهالة في الكسوة تتفاحش بخلاف الطعام، لذلك افترقا، والله - تعالى - أعلم. (١) في أ: فالمهايأة. ١٧٣ كتاب القسمة وأما التهايؤ في الدواب، بأن أخذ أحدهما دابة ليركبها والآخر دابة أخرى من جنسها يستغلها وشرط الاستغلال، فغير جائز عند أبي حنيفة، وعندهما جائز. وجه قولهما ظاهر، لأن قسمة الجمع في أعيان الدواب من / جنس واحد جائزة، فكذا ٢٤٧/٣ب قسمة المنافع، ولأبي حنيفة الفرق بين المنفعة وبين المنفعة أنه جوز قسمة الجمع في أعيانها ولم يجوز في منافعها. ووجه الفرق أنها باعتبار أعيانها جنس واحد، لكنها في منفعة الركوب في حكم جنسين مختلفين، بدليل أن من استأجر دابة ليركبها لم يملك أن يؤاجرها للركوب، ولو فعل لضمن فأشبه اختلاف جنس المنفعة اختلاف جنس العين، واختلاف جنس العين عنده مانع جواز قسمة الجمع، كذا في المنفعة بخلاف المهايئات في الدارين والعبدين أنها جائزة، لأن هناك المنافع متقاربة غير متفاحشة، بدليل أن المستأجر فيها يملك الإجارة من غيره، فلم يختلف جنس المنفعة، فجازت المهایئات. وأما النوع الثاني وهو المهايئات بالزمان: فهو أن يتهايئا في بيت صغير على أن يسكنه هذا يوماً وهذا يوماً، أو في عبد واحد على أن يخدم هذا يوماً وهذا يوماً، وهذا جائز، لقوله - تبارك وتعالى -: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْم مَعْلُوم﴾ أخبر - سبحانه وتعالى - عن نبيه سيدنا صالح - عليه الصلاة والسلام - المهايئات في الشّرب، ولم ينكره - سبحانه وتعالى -، والحكيم إذا حكى عن منكر غيره، فدل على جواز المهايئات بالزمان بظاهر النص، وثبت جواز النوع الآخر من طريق الدلالة، لأنها أشبه بالمقاسمة من النوع الأول، ولأن جواز المهايئات بالزمان لمكان حاجات الناس وحاجتهم إلى المهايئات بالمكان أشد، لأنَّ الأَعْيَان كلها في احتمال المهايئات بالزمان شرع، سواء من الأعيان ما لا يحتمل المهايئات بالمكان كالعبد والبيت الصغير ونحوهما، فَلَمَّا جَازت تلك، فلأن تجوز هذه أولى، والله أعلم. فصل في محل المهايئات وأما بيان محل المهايئات، فنقول ولا قوة إِلاَّ بالله - تعالى، جلَّ شأنُهُ - أن محلها المنافع دون الأعيان، لأنها قسمة المنفعة دون العين، فكان محلها المنفعة دون العين، حتى إنهما لو تهايئا في نخل أو شجر بين شريكين على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة يستثمرها، لا يجوز، وكذلك إذا تهايئا في الغنم المشتركة على أن يأخذ كل واحد منهم قطيعاً [يرعاها](١) وينتفع بألبانها، لا يجوز لما ذكرنا أن هذا عقد قسمة المنافع، والثمر واللبن عينُ مالٍ، فلا تدخل (١) سقط من ط. ١٧٤ كتاب القسمة تحت عقد المهايئات، ولو تهايئا في الأراضي المشتركة على أن يأخذ كل واحد منهما نصفها ويذرع جاز، لأنه ذلك قسمة المنافع وهو معنى المهايئات(١)، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. فصل في صفة المهايئات وأما صفة المهايئات، فهي أنها عقد غير لازم، حتى لو طلب أحدهما قسمة العين بعد · المهايئات، قسم الحاكم بينهما وفسخ المهايئات، لأنها كالخلف عن قسمة العين، وقسمة العين كالأصل فيما شرعت له القسمة، لأن القسمة شرعت لتكميل منافع الملك، وهذا المعنى في قسمة العين أكمل، ولهذا لو طلب أحدهما القسمة قبل المهايئات أجْبَرَهُ الحاكم على القسمة، فكان عقداً جائزاً، فاحتمل الفسخ كسائر العقود الجائزة، ولا يبطل بموت أحد الشريكين بخلاف الإجارة، لأنها لو بطلت لأعادها القاضي للحال ثانياً، فلا يفيد. فصل في بيان ما يملك كل واحد من التصرف بعدها وأما بيان ما يملك كل واحد منهما من التصرف بعد المهايئات، أما في المهايئات بالمكان، فلكلِّ واحد منهما أن يستغل ما أصابه بالمهايئات، سواء شرط الاستغلال في العقد أو لا، وسواء تهايئا في دار واحدة أو دارين، لأن المنافع بعد المهايئات تحدث على ملك كل واحد منهما فيما أخذه فيملك التصرف فيه بالتمليك من غيره، وبه تبين أن المهايئات في هذا النوع ليست بإعارة، لأن العارية لا تؤاجر. وأما المهايئات بالزمان، فلكل واحد منهما أن يسكن أو يستخدم لما ذكرنا، لكن لا بد من ذكر الوقت من اليوم والشهر ونحو ذلك، بخلاف المهايأة بالمكان، أن لكل واحد منهما ولاية السكنى والاستغلال مطلقاً، لأن الحاجة إلى ذكر الوقت لتصير المنافع معلومة، والمهايئات بالمكان قسمة منافع مقدرة مجموعة بالمكان، ومكان المنفعة معلوم، فصارت المنافع معلومة بالعلم بمكانها، فجازت المهايأة. وأما المهايأة بالزمان فقسمة مقدرة/ بالزمان فلا تصير معلومة إلا بذكر زمان معلوم، فهو الفرق، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ١٢٤٨/٣ وهل يملك كل واحد منهما الاستغلال في نوبته؟ لا خلاف في أنهما إذا لم يشترطا لم يملك فأما إذا شرطا، ذكر ((القدوري)) - عليه الرحمة - أنه لا يملك، لأن هذا النوع من المهايأة في معنى الإعارة، والعارية لا تؤجر، وذكر الأصل أن التهايؤ في الدار الواحدة على السكنى (١) في أ: المهايأة. ١٧٥ كتاب القسمة والغلة جائزة، منهم من قال المذكور في الأصل ليس بمهايئات حقيقة لوجهين. أحدهما: أنه أضاف التهايؤ إلى الغلة دون الاستغلال، والغلة لا تحتمل التهايؤ حقيقة، إذ هي عين، والتهايؤ قسمة المنافع دون الأعيان. والثاني: أنه ذكر فيه أن غلة الدار إذا أوصلت في يد أحدهما شاركه فيه صاحبه، وليس ذلك حكم جواز المهايئات، وكما أن المهايأة بالمكان في الدارين إذا تهايئا أن يأخذ كل واحد منهما داراً واحدة يستغلها فاستغلها، ففضل [شيء] (١) من الغلة في يد أحدهما أن الفاضل يكون له خاصة، ويكون المذكور في الأصل محمولاً على ما إذا اصطلحا على أن يأخذ هذا غلة شهر وذلك غلة شهر، وسمي ذلك مهايأة مجازاً، وإن لم يكن ذلك مهايأة حقيقة في هذه الصورة يكون فضل الغلة مشتركاً بينهما، وعلى هذا يرتفع اختلاف الروايتين ويحتمل أن يكون المذكور في الأصل دليلاً على [شرط جواز](٢) الاستغلال؛ إذ الغلة يجوز أن تذكر بمعنى الاستغلال في الجملة، وقد قام دليل إرادة الاستغلال ههنا، وهو قرينة التهايؤ؛ إذ هي عبارة عن قسمة المنافع دون الغلة التي هي عين ماله. وكذا التهايؤ يكون على شيء هو مقدور التهايؤ، وهو فعل الاستغلال دون عين الغلة، ولهذا قرن بها السكنى الذي هو فعل الساكن ويكون قوله ما فضل من الغلة في يده يشاركه فيه صاحبه - محمولاً على ما إذا تهايئا بشرط الاستغلال ابتداء، ثم اصطلحا على أن يأخذ كل واحد منهما غلة شهر، وفي هذه الصورة يكون فضل الغلة بينهما كما في الدارين، فعلى هذا ثبت اختلاف روايتي الحاكم وأحمد بن الحسين القدوري - عليهم الرحمة -، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. (١) سقط من ط. (٢) في أ: جواز شرط. كتاب الحدود(١) جمع محمدٌ - رحمه الله - بين مسائل الحدود وبين مسائل التعزير، وبدأ بمسائل الحدود، فبدأ بما بدأ به، فنقول وبالله - سبحانه وتعالى - التوفيق. الكلامُ في الحدود يقع في مواضع : في بيان معنى الحد لغةً وشرعاً. وفي بيان أسباب وجوب الحدود وشرائط وجوبها . وفي بيان ما يظهر به وجوبها عند القاضي. (١) هي جَمْع حد، وهو في اللغة: المَنْع، وفي الشريعة: هو عقوبة مُقَدَّرة، وجبت حقاً لله عزّ وجلّ. وفي ((الصِّحاح)): الحد الحاجز بين الشيئين، وحَدَّ الشيء مُنْتَهَاهُ تسمية بالمصدر. (٢) وفي ((المغرب)): يقال لحقيقة الشيء: حد، لأنه جامع ومانع. ومنه الحداد: البواب لمنعه من الدخول؛ وسميت عقوبة الجاني حَدّاً؛ لأنها تمنع المعاودة، أو لأنها مقدَّرة، ألا ترى أن التعزير وإن كان عقوبة لا يسمى حدّاً؛ لأنه ليس بمقدّر، أي: ليس له قدر معين، فإن أكثره تسعة وثلاثون سوطاً، وأقلّه ثلاثة. قال عليه الصلاة والسلام: ((الحُدُودُ كَفَّارات لأَهْلِها)) أي: سَتَّارات. وقد كَفَر يكفر من حد دخل يدخل إذا سَتَرَ، والكُفْرُ الذي هو ضد الإيمان: سَتْرُ الحق بالباطل، وكُفْرَانُ النعم: سترها. وكَفَرَ الزارع البذر: ستره في الأرض، وكَفَّرَ الله تعالى سيئات عَبْدِهِ بالتشديد: أي مَحَاها وسترها. ينظر: الصحاح ٧/٢ - ٨، والمغرب ٢٢٤/٢، لسان العرب ١٤٤/٥ المصباح المنير ٨٢٤/٢، التعريفات ص ١٢٤. وَشَرْعاً: عقوبة مقدرة، وجبت زجراً عن ارتكاب ما يوجبه، وعبر عنها جمعاً لتنوعها. وسميت بذلك، لأن لها نهايات مضبوطة، وكانت الحدود في صدر الإسلام بالغَرَامَاتِ، ثم نسخت بهذه العقوبات. (٣) قال بعضهم: وشرعت زَجْراً لأرباب المعاصي عنها، فإذا علم الزاني مثلاً أنه إذا زنا حُدَّ، امتنع منه وهكذا. ينظر: المطلع ص (٣٧٠) وشرح فتح القدير ٢١٠/٥ وحاشية ابن عابدين ٣/٤ والكافي ١٠٦٨/٢ ومغني المحتاج ١٤٤/٤ وما بعدها والإشراف ٢٣٣/٢. ١٧٦ ١٧٧ كتاب الحدود وفي بيان صفاتها . وفي بيان مقدار الواجب منها . وفي بيان شرائط جواز إقامتها . وفي بيان كيفية إقامتها، وموضع الإقامة. وفي بيان ما يسقطها بعد الوجوب. وفي بيان حكمها إذا اجتمعت. وفي بيان حكم المحدود. أما الأول: الحدُّ في اللغة عبارة عن المنع، ومنه سمي البواب حداداً، لمنعه الناس عن الدخول . وفي الشرع عبارة عن عقوبة مقدرة واجبة حَقًّا لله - تعالى عزَّ شأنه -، بخلاف التعزير فإنه ليس بمقدر، قد يكون بالضرب وقد يكون بالحبس وقد يكون بغيرهما، وبخلاف القصاص فإنه وإن كان عقوبة مقدرة، لكنه يجب حقًّا للعبد حتى يجري فيه العفو والصلح. سمي هذا النوع من العقوبة حدًّا، لأنه يمنع صاحبه إذا لم يكن متلفاً وغيره بالمشاهدة، ويمنع من يشاهد ذلك ويعاينه إذا لم يكن متلفاً، لأنه يتصور حلول تلك العقوبة بنفسه لو باشر تلك الجناية، فيمنعه ذلك من المباشرة، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. فصل في سبب وجوبها وأما بيان أسباب وجوبها، فلا يمكن الوصول إليه إلا بعد معرفة أنواعها، لأن سبب وجوب كل نوع يختلف باختلاف النوع، فنقول: الحدود خمسةُ أنواع: حد السرقة، وحد الزنا، وحد الشرب، وحد السكر، وحد القذف. أما حد السرقة فسبب وجوبه السرقة، وسنذكر ركن السرقة وشرائط الركن في كتاب السرقة . وأما حد الزنا فنوعان: جَلْدٌ وَرَجْمٌ، وسبب وجوب كلّ واحد منهما [واحدٌ](١) وهو الزنا، وإنما يختلفان في الشرط وهو الإحصان، فالإحصان شرط لوجوب الرجم، وليس بشرط لوجوب الجلد، فلا بد من معرفة الزنا والإحصان في عُرف الشرع. (١) سقط في ط. بدائع الصنائع ج٩ - م١٢ ١٧٨ كتاب الحدود أما الزنا: فهو اسم للوطء الحرام في قُبل المرأة الحيَّةِ في حالة الاختيار في دار العدل ممَّن التزم أحكام الإسلام العاري عن حقيقة الملك وعن شبهته، وعن حق الملك، وعن حقيقة النكاح وشبهته، وعن شبهة الاشتباه في موضع الاشتباه في الملك والنكاح جميعاً (١). (١) الزنا لغة وشرعاً: الزنا يُمدُّ ويقصر: مصدر زَنى الرَّجُلْ يَزْنِي زِنى وزِناءٌ: فَجَر وزنت المرأة تزني زناً وزِنَاءً فَجرَتْ. وزاني مُزانَاةً وَزِنَاءً، والمرأُ تزاني مُزَانَاةً وَزِناءً أي: تُبَاغِي وهو بالقصر لغة أهل الحجاز. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوْا الزّنا بالقصر﴾ ولِوَقُوعِ الأَلْف ثالثة قُلِبَتْ يَاءً والنسبة إليه زِنَوِيُّ. وبالمدّ لغة أهل نجد، وبني تميم، وأنشد: [البسيط] أَمَّا الزَّنَاءُ فَإِنِّي لَّسْتُ قَارِيُهُ وَالْمَالُ بَيْنِيْ وَبَيْنَ الْخَمْرِ نِصْفَانٍ وقال الفرزْدَقْ: [الطويل] أَبَا حَاضِرٍ مَنْ يزنْ يَعْرُف زناؤه ومن يشربِ الخرطُوْمِ يُصْبِحُ مُسْكِرا والنسبة إليه زِنَائِيُّ، وزنَّاه نسبةً إلى الزنا. وهو ابنُ زَنية بالفتح، والكسر أي: ابْنُ زِنَا. ومعناه في كل ما تقدم الفجور. وأما زَنَى الموضع زُنوًّا فمعناه ضاق، ووعاء زَنِيٍّ أي ضيق. والاسم منه الزناء بفتح الزاي. والزنا شَرْعاً: عرفه الشّافعية: بأنه إدخالُ مكلف واضح الذكورة، أولج حَشفَةً ذكره الأصلي المتصل، أو قدرها منه عند فقدها، في قبل واضح الأنوثة، ولو غوراء وعرفه ابن عرفة: بأنه مغيب حَشَفة آدمي في فرج آخر دون شبهة حليةَ عمداً. وقيل: وطء مُكَلَّف مسلم فرج آدمي لا ملك له فيه باتفاقه تعمّداً. وقيل: إيلاج مسلم مكلّف حشفة في فرج آدمي، مطيق، عَمْداً، بلا شبهة ولما كان الزنا من أهم أسباب الاختلال الاجتماعي، وليس ضرره قاصراً على الفرد المركب فقط بل يتعداه إلى الأسرة. بل إلى الأمة إذ به اختلاط الأنساب، وسفك الأعراض، وبه تُنَال الأسرة في عرضها وكرامتها، ((وسيأتي توضيح لذلك في آخر الرسالة)» حرمه الله تعالى تحريماً لا هوادة فيه، وجعله من الكبائر حتى قرنه تعالى بالشرك وقتل النفس فقال تعالى : ﴿وَالَّذِيْنَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهَا آخَرَ وَلاَ يقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِيْ حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يِزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيْهِ مُهَاناً﴾ . وقد جعل الله الحدَّ فيه مائة جلدة، بخلاف حد الشرب والقذف ونهى تعالى عن الرأفة فيها، وأمر بشهود طائفة من المؤمنين لعقابة ليحصل لهم الاعتبار والإتعاظ. فقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُمَا مائَةٍ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ﴾ . ولم يكتف الشرع الحكيم بالجلد فقط بالنسبة إلى الثيب، بل شرع في حقٌّه الرجمَ، وكما حرمه الله حرمه = ١٧٩ کتاب الحدود رسول الله فقال : = (يَا مَعْشَرَ النَّاسِ، اتَّقُوْا الزَّنَا، فَإِنَّ فِيْهِ سِتَّ خِصَال: ثَلاَثٌ فِي الدُّنْيَا، وَثَلاثٌ فِي الآخِرَةِ أَمَّا الَّتِيْ فِي الدُّنْيَا، فَيُذْهِبُ الْبَهَاءَ، وَيُورِثُ الْفَقْرَ، وَيُنْقِصُ الْعُمْرَ، وَأَمَّا الَّتِيْ فِي الآخِرَةِ: فَسَخَطُ الله سُبْحانَهُ وَتَعالَى، وسُوْءُ الْحِسَابِ، وَعَذَابُ النَّارِ)) وعن عبد الله قال: قلت يا رسول الله، أيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ الله؟ قال: أَنْ تَجْعَل لله نِدَّا وَهُوَ خَلقَك. قُلْتُ: ثم أيّ. قَالَ: وَأَنْ تَقْتُل ولدَك خَشِيَةً أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: وَأَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيْلَةِ جَارِكَ، فَأَنْزَلَ الله تعالى تضْدِيْقاً لِرَسُوْلِهِ: ﴿وَالَّذِيْنَ لاَ يَدْعُوْنَ مَعَ اللَّهِ إِلَّهاً آخَرَ ... ) الآية. وقد أجمعت الأمة على تحريمه إن الشريعة الإسلامية جاءت بكل خير للنوع الإنساني فأوامرها ونواهيها لا تكلف الإنسان كثيراً في البحث عن الحكمة التي من أجلها كانت هذه الأوامر، والنواهي فالأمر بالزكاة مثلاً لا يحتاج إلى بحث دقيق، وتدقيق في البحث في إيجاد الحكم والمصالح المترتبة على تنفيذ هذا الأمر. فالإنسان يدرك من أول وهلة ما يترتب على الزكاة من إغاثة الملهوف وإعانة الضعيف، وسد عوز اليتيم، وأداء دين المدين، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل يمتد إلى بناء المدارس، وتأسيس المشافي، والملاجىء بل يمتد إلى إقامة الحصون، وتزويد الجيش بأكمل المعدات ... وهكذا. هذا أمر واحد من أوامر الشريعة تراه شمل أموراً هامة في بناء المجتمع الإنساني. والنهي عن الزنا الذي نحن بصدده لا يحتاج إلى جدل، ولا إلى مناقشة في الحكمة التي من أجلها كان ذلك النهي . وبقدر ما يوجد في المنهي عنه من المفسدة تكون قوة النهي. فالنهي عن النظر مثلاً أقل قوة من النهي عن الزنا، والنهي عن الزنا أقل قوة من النهي عن القتل العمد، والنهي عن القتل العمد أقل قوة من النهي عن الإشراك بالله. وقد تقدم أن الله جعل مرتبة الزنا بعد مرتبة القتل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِيْنَ لاَ يَدْعُوْن مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلا بِالْحَقُ وَلاَ يَزْنُونَ﴾ . وإذا كانت هذه مرتبته فلا بد وأن يكون ذا خطر عظيم، وشر مستطير ولبيان ذلك نورد ما تيسر من الحكم في تحريمه فنقول: ١ - حفظ الأنساب وقال تعالى ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًاً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوْا﴾ فالله سبحانه فضل بني الإنسان بجعلهم شعوباً، وقبائل ليتعارفوا إذ الشعب والقبيلة من أصل واحد دماً، ولحماً، وقد غزَّر الله في الإنسان العطف على القريب أكثر من العطف على البعيد. وأنت تعرف أن ابن الزنا ليس له نسب معروف لأحد فكأنه خارج عن حكم القبيلة، والشعب، وبعبارة يختلط أمره فلا يدري هل هو ابن فلان، أو ابن فلان، أو ينتسب لهذه القبيلة أم لتلك وهذا هو المراد بقول الفقهاء (إذْ بِهِ اختلاط الأنساب). ٢ - صيانة الأعراض، وأي عرض أكبر من حريم الإنسان، وإذا كان الشخص يغضب إذا تعدى عليه شخص لشتم أو قذف، أو أخذ مال فكيف لا يغضب إذا تعدى عليه شخص فيما هو أعز من ذلك، وهو العرض. = ١٨٠ كتاب الحدود إن الله سبحانه قد أوجد في الحيوان عموماً، وفي الإنسان خصوصاً الغيرة، وهي وسيلة في الواقع لصد = غارات المغيرين على الأعراض قد يترتب على هتك الأعراض سفك الدماء، وكثرة المشاحنات وقد تؤدي أحياناً إلى الخروب لذلك حرم الله الزنا. ٣ - انتظام الحال في المنزل المرأة الزانية لا تدبر شؤون منزلها فهي لا يهمها إلا رضى من تلوذ بهم فإذا كان لها أولاد شرعيون أهملت أمرهم فلا يكفيها أن ينفسد حالها فحسب بل تجمع إلى ذلك فساد أبنائها، وتتمنى أن يكون أبناؤها شركاءها في هذه المهنة الدنيئة، وأنها لتلتمس في كل فرصة الكيد من زوجها إذا وجدت منه شيئاً يقيدها فتجد النزاع قائماً في البيت على قدم وساق. وبالمثل إذا كان الزاني هو الزوج حيث لا يهتم بأولاده ولا بزوجه. ويتسبب عن ذلك إعراض زوجته عنه فلا تجد ما يشفي غليلها من زوجها إلا الزنا، وبذلك يَصِيرُ أولاده مشتبهاً فيهم. فالزنا من أهم الأركان في تقويض بناء الأسرة. ٤ - حفظ النسل قال رسول الله وَله: ((تَنَاكَحوْا تَنَاسَلُوا فَإِّي أُبَاهِيْ بِكُمْ الأَمَمِ يَوْمَ الْقِيامَةِ)). ولا قيمة للنسل إلا إذا كان محفوفاً بالتربية، والعناية، وولد الزنا لما كان سبباً في النيل من كرامة الأسرة بل القبيلة فإن أمه تحرص كل الحرص على أن لا تخرجه إلى حيز الوجود فتارة تسقطه، وهو في بطنها، وتارة تتعاطى أدوية لقتل الحيوانات المنوية، وهي في مهدها. فإذا قدر ووضعته كان جزاؤه دفنه حياً في المقابر، أو إلقاؤُه في اليَمِ وفي كل يوم تنشر الجرائد أخبار اللقطاء . فهؤلاء اللقطاء لو كانوا أولاداً شرعيين لانتفعت بهم الأمة. فإذا قدر لهذا اللقيط أن يعيش على وجه الأرض كانت حياته بؤساً وشقاء فلا يجد من الناس من ينتسب إليه ويحتمي في حماه. وفي كل لحظة ترمقه عين الاحتقار فلا يجد سبيلاً إلى التخلص من ذلك إلا أحد أمرين. ١ - الفساد والإفساد، وخمسة، وتسعون في السنة يكون مخنثاً خالعاً برقع الحياء من وجنتيه. ٢ - الانتحار وهذا يلتجىء إليه إذا كان ضعيفاً لا يقوى على احتمال المكاره في سبيل الإجرام فتلافياً لهذا کله حرم الله الزنا. ٥ - حفظ الصحة سل الأطباء وسل كتب الأطباء ينبؤك جميعاً أن الزنا هو السبب في جميع الأمراض التناسلية فهب أن الفاجرة من اللاتي يأتين الفاحشة كانت حائضاً، ومعلوم أن الجماع في الحيض يتسبب عنه الزهري فالسيلان الخ فهل ينتظر أن تمنع نفسها عن الزاني مخافة المرض كلا إن الزاني في نظرها لا يساوي ما يدفعه لها من أجر البضع ولو سمعت منه أقل كلمة لأوجعته ضرباً، ولكماً على مرأى ومسمع من الجمهور، والبوليس. فلا يهمها أن يمرض أو لا يمرض أو يموت أو لا يموت إنما يهمها شيء واحد هو القرش لا غير. وهب أنها مرضت بالزهري مثلاً لكون من أتاها كان مريضاً به فهل تحجب نفسها عن الزائرين . وبالجملة فإن الزنا سبب في كثير من الأمراض فهو ينقل: ١ - الحمیات بأنواعها. ٢ - الزهري والسيلان وما إليهما. =