النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كتاب آداب القاضي ٠٠ ٠٠٠٠٠ حجج الرأي الأول: استدلوا على أنه ((فعلٌ من أفعال المجتهد)) بجميع التفريعات والاستعمالات؛ حيث = تنبىء عن أنه فعل المجتهد؛ وذلك لأن من تتبع استعمالات الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم - قطع بلا شك بأنهم لا يطلقون القياس إلا على ((فعل المجتهد)). من ذلك قول سيدنا عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري: ((اعرفِ الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك)). والذي يفهم من هذا القول: إن القياس ((فعل المجتهد)). واستدلوا أيضاً بأن ((فعل المجتهد)) هو الذي يترتب عليه اشتغال ذمة المكلف بالفعل أو الترك، وجاء منه قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ [الحشر: ٢]، والاعتبار المقصود في الآية هو الإلحاق الحاصل بعد النظر في الأدلة؛ وذلك لأن الاعتبار في الآية أمر ولا أمر إلا بفعل. حجج الرأي الآخر: استدل القائلون بهذا الرأي أن القياس دليل من الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وضعه الشارع الحكيم؛ ليدرك منه المجتهد حكم الله عن طريق النظر فيه؛ فعلى هذا يكون ((القياس)) دليلاً ثابتاً في ذاته، سواء نظر فيه المجتهد أم لا، وتكون دلالته على الحكم ثابتة، وإن لم ينظر فيه المجتهد، فإن قال قائل: لا مانع من أن يعتبر الشارع ((فعل المجتهد)) الذي شأنه أن يصدر عنه دليلاً، كما اعتبر ((الإجماع)) الذي هو ((فعل المجتهدين)) دليلاً. والجواب عنه: أن الفعل في ذاته ليس دليلاً ... ، ولو سلمنا أنه هو الدليل، فأين الإمارة التي استند إليها المجتهد حتی قاس. فقولكم كالإجماع: قياس مع الفارق؛ لأن المجتهدين في إجماعهم على أمر لا بد من استنادهم إلى دليل، وإن كان غير مصرح به، وعلى هذا، فأين الدليل الذي استند إليه المجتهد حتى ألحقه؟ كما أن القياس دليل من الأدلة، وهي أمور من شأنها أن العلم بها يؤدي إلى العلم بشيء آخر، وليس فعل المجتهد كذلك. وأما الإجماع فمستنده الدليل، لكن لما لم يصرح به جُعل هو الدليل. وبعد عرض الرأيين السابقين، وأدلة كل فريق في ما ذهب إليه، نخلص إلى أن الرأي المقبول هو الثاني؛ لما تقدم من الحجج التي سقناها؛ ولأن النظر في الأدلة التي نصبها الشارع مطلوب لمعرفة الأحكام، والذي يتعلق به النظر إنما هو الأمر المشترك، أي: المساواة؛ ولأن القائلين بأن القياس فعل المجتهد نراهم يعلّلون فعله بالأمر المشترك بين الأصل والفرع. وفي الحقيقة؛ إن هذا الأمر المشترك هو مستند فعل المجتهد، وهم يقرّون بذلك؛ ولولا هذا الأمر المشترك، لما أمكن الإلحاق. فإن قال قائل: فما وجه إطلاق كثير من الأصوليين ((اسم القياس)) على فعل المجتهد؟ والجواب على هذا: إن فعل المجتهد لما كان سبيلاً إلى معرفة الدليل أيضاً، وهو الذي تكون به ذمة المكلف مشغولة بالحكم، اعتبر الفعل كأنه الدليل. فإن قال قائل: فعلى ما ذكر؛ يكون إطلاق اسم ((القياس)) على فعل المجتهد غير حقيقي. والجواب أنه هو كذلك في الأصل، لكن صار حقيقة عند هذا الفريق. أولاً - تعريف القياس، بناء على أنه التسوية في الحكم: أصحاب الرأي الذاهب إلى أن القياس هو التسوية في الحكم عرفوه بعبارات مختلفة نقتصر منها بأربعة، وهذا نصها : = ١٠٢ كتاب آداب القاضي ١ - قال البيضاوي في ((المنهاج)): القياس: إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر، لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت . قال السبكي في ((الإبهاج)): هذا التعريف أيده الإمام في ((المعالم))، ويؤخذ من ذلك أنه لم يذكره في ((المحصول)، وإلا فنسبته إلى ((المحصول)) الذي هو أصل ((المنهاج)) أقرب. وقال العلامة جمال الدين الإسنوي: ((هذا التعريف هو المختار عند الإمام وأتباعه، وفي الحقيقة: إن هذا التعريف مذكور في ((المحصول))، وإن أصلة لأبي الحسين البصري، وأن الإمام غير بعض قيوده بما هو أحسن منها)» ونص عبارة ((المحصول)» هو: إنه تحصيل حكم الأصل في الفرع؛ لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد، وهو قريب؛ وأظهر منه أن يقال: إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر؛ لاشتباههما في علة الحكم عند المثبت، وهذا التعريف هو عين ما ذكره في ((المنهاج)) غير أنه أبدل (اشتباههما)) ((اشتراكهما)» ومعناهما واحد. ٢ - وقال ابن السبكي في ((جمع الجوامع)): القياس حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة حكمه عند الحامل . وأصل هذا التعريف للقاضي أبي بكر الباقلاني وعبارته؛ على ما في ((المحصول)) و((الإحكام)) و((البحر المحيط)) للزركشي، و((البرهان)) لإمام الحرمين هي: ((القياس حمل معلوم على معلوم ففي إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما؛ بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما عنه، هذا وقد ذكر أمير بادشاه في (تيسير التحرير)): أن هذا التعريف ليس هو لفظ القاضي بل معناه؛ إذ لفظه في تعريف ((القياس)): حمل أحد المعلومين على الآخر في إيجاب بعض الأحكام لهما أو إسقاطه عنهما بأمر جامع بينهما فيه، أي أمر كان من إثبات صفة وحكم لهما أو نفي ذلك عنهما))، ونلاحظ على كلا النقلين أنه لا تنافي بين التعريفين المذكورين، فالكلام على أحدهما يعتبر كلاماً على الآخر. ٣ - وقال صدر الشريعة في ((التوضيح)): القياس تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع لعلة متحدة لا تدرك بمجرد فهم اللغة. ٤ - وقال أبو منصور الماتريدي: القياس إبانة مثل حكم أحد المذكورين بمثل علته في الآخر. وقد أعرضنا عن شرح هذه التعاريف؛ مخافة التطويل والملل. ثانياً - تعريف القياس، بناء على أنه المساواة في العلة: الرأي الذاهب إلى أن القياس هو المساواة في العلة عرفوه بعبارات مختلفة تقتصر منها بأربعة، وهذا نصها: قال الآمدي في ((الإحكام)): المختار في حد القياس: أن يقال: إنه عبارة عن الاستواء بين الفرع، والأصل في العلة المستنبطة من حكم الأصل. ١ - وقال الكمال في ((التحرير)): وفي الاصطلاح: مساواة محل لآخر في علة حكم له شرعي لا تدرك من نصه بمجرد فهم اللغة . ٣ - وقال ابن الحاجب في ((المختصر)): وفي الاصطلاح: مساواة فرع لأصل في علة حكمه. وتحقيق ذلك: أن القياس من أدلة الأحكام، فلا بد من حكم مطلوب به وله محل ضرورة، والمقصود إثباته فيه لثبوته في محل آخر يقاس هذا به، فكان الأول فرعاً، والثاني أصلاً؛ لحاجة الأول إليه، وابتنائه = ١٠٣ كتاب آداب القاضي .. ... ... عليه، ولا يمكن ذلك في كل شيئين، بل إذا كان بينهما أمر مشترك، ولا كل مشترك، بل مشترك يوجب = الاشتراك في الحكم بأنه يستلزمه، ويسمى علة الحكم، فلا بد أن يعلم علة الحكم في الأصل، ويعلم ثبوت مثلها في الفرع، إذ ثبوت عينها في الفرع مما لا يتصور؛ لأن المعنى الشخصي لا يقوم بعينه بمجابين، وبذلك يحصل ظن مثل الحكم في الفرع. ٤ - وقال محب الله البهاري في ((مسلم الثبوت))، واصطلاحاً: مساواة المسكوت للمنصوص في علة الحكم. ومما لا شك فيه أن القياس حجة في الأمور الدنيوية كالأغذية؛ بأن يقاس الخبز المخلوط من البر والذرة على الخبز من البُر في التغذية؛ بجامع أن كلاً منهما يقوم به بدن الإنسان، وكذلك الأدوية؛ حيث يقاس أحد شيئين على آخر فيما علم له من إفادته دفع المرض المخصوص؛ لمساواته له في المعنى الذي بسببه أفاد ذلك الدفع، ووجه كون القياس في نحو الأدوية والأغذية قياساً في الأمور الدنيوية: إنه ليس المطلوب به حكماً شرعياً، بل ثبوت نفع هذا التقويم بدن الإنسان، أو لدفع المرض مثلاً، وذلك أمر دنيوي . واتفق العلماء على ((القياس الجلي)) كقياس تحريم ضرب الوالدين على تحريم التأفيف عند من يسمى ذلك قياساً. وهو من الدال بدلالة النص عند الحنفية، ومن مفهوم الموافقة عند الشافعية . وتنوعت آراؤهم في الشرعية؛ حيث ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء والمتكلمين وغيرهم من العلماء المقتفين آثار السلف إلى أن القياس حجة في الأمور الشرعية وأنه أصل من أصول الشريعة، به يستدل على الأحكام، وذهبوا إلى أنه يجوز التعبد بالقياس في الشرعيات عقلاً، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد - رحمهم الله تعالى - وهو المختار، وحديثنا هنا في موضعين: الموضع الأول: في الجواز العقلي وعدمه . والموضع الثاني: في الوقوع وعدمه. قال جمهور العلماء، ومعهم الأئمة الأربعة: التعبد بالقياس جائز عقلاً. ويرى القفَّال، وأبو الحسين البصري: أنه يجب التعبد به. ويرى الشيعة والنّظام وبعض المعتزلة: منع التعبد به وتفصيل ذلك يرجع في مباحثه البرهان لإمام الحرمين: ٧٤٣/٢، والبحر المحيط للزركشي: ٥/٥، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي: ١٦٧/٣، وسلاسل الذهب للزركشي (ص ٣٦٤)، والتمهيد للإسنوي (ص ٤٦٣)، ونهاية السول له: ٢/٤، وزوائد الأصول له (ص ٣٧٤)، ومنهاج العقول للبدخشي: ٣/٣، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري (ص ٢١١)، والتحصيل من المحصول للأرموي: ١٥٥/٢، والمنخول للغزالي (ص٣٢٣)، والمستصفى له: ٢٢٨/٢، وحاشية البناني: ٢٠٢/٢، والإبهاج لابن السبكي: ٣/٣، والآيات البينات لابن قاسم العبادي: ٢/٤، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢٣٩/٢، والمعتمد لأبي الحسين: ١٩٥/٢، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي (ص ٥٢٨)، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ٧/ ٣٦٨، ٤٨٧/٨، وإعلام الموقعين لابن القيم: ١٠١/١، والتحرير لابن الهمام (ص ٤١٥)، وتيسير التحرير لأمير بادشاه: ٢٦٣/٣، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج: ١١٧/٣، وميزان الأصول للسمر قندي: ٩/٢، ٧، وكشف الأسرار للنسفي: ١٩٦/٢، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر = ١٠٤ كتاب آداب القاضي وكذا لو قضى في موضع الخلاف بما كان خارجاً عن أقاويل الفقهاء كلهم لم يجز؛ لأنَّ الحقَّ لا يعدو أقاويلهم، فالقضاء بما هو خارج عنها كلها يكون قضاء باطلاً قطعاً، وكذا لو قضى بالاجتهاد فيما فيه نص ظاهر يخالفه من الكتاب الكريم والسنة - لم يجز قضاؤه، لأن القياس في مقابلة النص باطلٌ، سواء كان النص قطعيًّا أو ظاهراً، وأما فيما لا نص فيه يخالفه ولا إجماع النقول لا يخلو: إما أن كان القاضي من أهل الاجتهاد، وإما أن لم يكن من أهل الاجتهاد، فإن كان من أهل الاجتهاد وأفضى رأيه إلى شيء يجب عليه العمل به، وإن خالف رأي غيره ممن هو من أهل الاجتهاد والرأي، ولا يجوز له أن يتبع رأي غيره؛ لأن ما أدى إليه اجتهاده هو الحق عند الله - عزَّ وجلَّ - ظاهراً، فكان غيره باطلاً ظاهراً؛ لأن الحق في المجتهدات واحدٌ، والمجتهد يخطىء ويصيب عند أهل السنة والجماعة في العقليات والشرعيات جميعاً (١). المنتهى: ٢٤٧/٢، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني: ٥٢/٢، = وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين (ص ٢١٢)، وشرح المنار لابن ملك (ص ١٠٣)، والوجيز للكراماستي (ص٦٤)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص ١٣٤)، وإرشاد الفحول للشوكاني (ص ١٩٨)، وشرح مختصر المنار للكوراني (ص ١٠٣) شرح الكوكب المنير للفتوحي (ص ٤٧٩). (١) قال الغزالي في المستصفى ذهب قوم إلى أن كل مجتهد في الظنيات مصيب وقال قوم المصيب واحد واختلف الفريقان في أنه هل في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين الله تعالى هو مطلوب المجتهد فالذي ذهب إليه محققو المصوبة أنه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يطلب بالظن بل الحكم يتبع الظن وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه وهو المختار وإليه ذهب القاضي وذهب قوم من المصوبة إلى أن فيه حكماً معيناً لله تعالى لكن اختلفوا في أنه هل عليه دليل أم لا فقال قوم لا دليل عليه وإنما هو مثل دفين يعثر الطالب عليه بالاتفاق فلمن عثر عليه أجران ولمن حاد عنه أجر واحد لأجل سعيه وطلبه والذين ذهبوا إلى أن عليه دليلاً اختلفوا في أن عليه دليلاً قاطعاً أو ظنياً فقال قوم هو قاطع لكن الإثم محطوط على المخطىء الغموض الدليل وخفائه ثم الذين ذهبوا إلى أن عليه دليلاً ظنياً اختلفوا في أن المجتهد هل أمر قطعياً بإصابة ذلك الدليل فقال قوم لم يكلف المجتهد إصابته لخفائه وغموضة فلذلك كان معذوراً ومأجوراً وقال قوم أمر بطلبه وإذا أخطأ لم يكن مأجوراً لكن حط الإثم عنه تخفيفاً هذا تفصيل المذاهب والمختار عندنا إن كل مجتهد في الظنيات مصيب ا هـ. والمختار عندنا أن المجتهد يخطىء ويصيب لقوله عليه السلام في المجتهد إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر ومعنى ذلك أنه يصيب الحق ويخطىء الحق قال أبو حنيفة كل مجتهد مصيب والحق عند الله تعالى واحد يعني أنه مصيب في بذل وسعه فيؤجر عليه والحق عند الله واحد قد يصيبه وقد لا يصيبه ولذا قلنا بأن مذاهب الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى حق فالمجتهد لم يكلف بإصابة الحق عند الله تعالى لأنه ليس في طاقته ذلك ولكنه مكلف بالاجتهاد ولرجاء الإصابة فإن أصاب ما عند الله تعالى أجر وإن أخطأ عذر نظير ذلك الأمير إذا ضل فرسه فأمر غلمانه أن يطلبوه فخرج كل واحد منهم إلى طريق غير طريق صاحبه ولا شك أن الفرس يكون في جانب واحد وقد وجب على كل واحد منهم طلب الفرس ولكن لم يجب على كل واحد منهم إصابة الفرس إذ ليس في = ١٠٥ كتاب آداب القاضي ولو أفضى رأيه إلى شيء وهناك مجتهد آخر أفقه منه له رَأَيّ آخر، فأراد أن يعمل برأيه من غير النظر فيه وترجح رأيه بكونه أفقه منه، هل يسعه ذلك؟ ذكر في كتاب الحدود أن عند أبي حنيفة يسعه ذلك، وعندهما(١) لا يسعه إلا أن يعمل برأي نفسه. وسعهم ذلك وإذا وجد واحد منهم الفرس ولم يجده الآخرون فإن الأمير يثيب كل واحد منهم لامتثال = أمره في طلبه وإن زاد الواحد والمصوبة يؤولون الخطأ الوارد في الحديث بترك الأحق والصواب على إصابة الأحق استدل المخطئة بإطلاق الصحابة الخطأ في الاجتهاد كما ورد في المرأة التي مات عنها زوجها قبل الدخول بها ولم يسم لها مهراً أنه سئل عنها ابن مسعود رضي الله عنه فقال أجتهد فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان أرى لها مهر مثل؛ نسائها وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم فكان إجماعاً منهم على أن الاجتهاد يحتمل الخطأ. واستدل المصوبة بأن الله تعالى كلف المجتهد بإصابة الحق فيكون كل مجتهد مصيباً وإلا يلزم تكليفه بما ليس في وسعه وهذا كاستقبال القبلة فإنه شرط لصحة الصلاة وهي جهة واحدة عند عدم الاشتباه وعند الاشتباه تصير الجهات كلها قبلة حتى إذا تحرى قوم وصلى كل منهم إلى جهة أجزأتهم صلاتهم وجعلوا مصيبين وصار قبلة كل منهم ما أدى إليه تحريه واجتهاده وكما جاز إرسال رسولين في وقت واحد إلى قومين مختلفين وأحدهما يأمر قومه بتحريم شيء والآخر بإباحته مع أن كل واحد منهما حق عند الله تعالى فكذلك يجوز أن يختلف مجتهدان ويلزم قوم كل واحد منهما اتباع إمامه مع كون كل واحد منهما محقاً فعلى الحنفية الفرض مسح ربع الرأس وعلى الشافعية مسح ثلاث شعرات وعلى المالكية مسح كل الرأس والصحيح قول المخطئة فإن قوله عليه الصلاة والسلام إن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر يدل على أن الحق واحد وإن بعض المجتهدين يوافقه فيقال له مصيب ويستحق أجرين وبعض المجتهدين يخالفه ويقال له مخطىء واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيباً وإطلاق اسم الخطأ عليه لا يستلزم أن لا يكون له أجر فمن قال كل مجتهد مصيب وجعل الحق متعدداً بتعدد المجتهدين فقد خالف الصواب مخالفة ظاهرة فإن النبي عليه الصلاة والسلام جعل المجتهدين قسمين قسماً مصيباً وقسماً مخطئاً ولو كان كل واحد منهم مصيباً لم يكن لهذا التقسيم معنى فالحق الذي لا شك فيه إن الحق واحد ومخالفه مخطىء مأجور إذا كان قد وفى الاجتهاد حقه ولم يقصر في البحث بعد اتصافه بما يكون به مجتهداً والخلاف بين المخطئة والمصوبة إنما هو في الأحكام الشرعية التي ليست معلومة من الدين بالضرورة. أما ما كان منها قطعياً معلوماً بالضرورة إنه من الدين كوجوب الصلوات الخمس وصوم رمضان وتحريم الزنا والخمر فليس كل مجتهد فيها مصيباً بل الحق فيها واحد اتفاقاً وكذلك الأحكام العقلية من المسائل الكلامية التي تدرك بالعقل كالعلم بوجود الله تعالى ووحدانيته فالحق فيها واحد فمن أصابه أصاب الحق ومن أخطأه فهو كافر. ينظر: تسهيل الوصول ص ٣٢٢ - ٣٢٤. وينظر البرهان ١٣١٦/٢ المعتمد ٩٨٨/٢ شرح الكوكب (٦٠٨) المحصول ٤١/٣/٢ -٤٢ القيصرة ٤٩٦ المستصفى ٣٥٧/٢ الإحكام للآمدي ١٥٤/٤ الفصول لابن برهان ٣٣٧/٢ شرح العضد ٢٩٣/٢ المسودة (٤٩٥) التمهيد للإسنوي (٥٣١) النهاية له ٥٥٧/٤ جمع الجوامع ٣٨٨/٢ الإبهاج ٢٧٤/٣ روضة الناظر (١٩٣) شرح تنقيح الفصول (٤٣٨) كشف الأسرار ١٧/٤ التحرير ٥٢٨ والتيسير ١٩٥/٤ فواتح الرحموت ٣٧٦/٢ إرشاد الفحول (٢٦٠). (١) في ب: عند أبي يوسف ومحمد. ١٠٦ كتاب آداب القاضي وذكر في بعض الروايات هذا الاختلاف على العكس، فقال على قول أبي حنيفة لا يسعه، وعلى قولهما يسعه، وهذا يرجع إلى أن كون أحد المجتهدين أفقه من غير النظر في رأيه، هل يصلح مرجحاً؟ من قال يصلح مرجحاً قال يسعه، ومن قال لا يصلح قال [لا](١) يسعه. وجه قول من لا يرى الترجيح بكونه أفقه أن الترجيح(٢) يكون بالدليل، وكونه أفقه ليس من جنس الدليل، فلا يقع به الترجيح، وهذا لا يصلح دليل الحكم بنفسه. (١) سقط في ط. (٢) اعلم أن الترجيح معناه لغة جعل الشيء راجحاً وفي الاصطلاح هو بيان الرحجان في القوة لأحد المتعارضين على الآخر وتقديم الراجح على المرجوح وهو المعقول وعليه انعقد الإجماع لأن المرجوح عند مقابلة الراحج ليس دليلاً فليس في إهماله إهمال دليل وبالمرجحات يتخلص من التعارض بين الدليلين ولذلك قدم أبو حنيفة رحمه الله تعالى العمل بقوله ولو استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه على العمل بحديث شرب العرنيين أبوال الإبل فإن دليل التحريم مقدم على دليل الإباحة ومثله ما روي أنه عليه السلام نهى عن أكل الضب وروي عنه أنه رخص فيه فإنا نعلم أنهما قد وجدا في زمانين فالحرم يقدم على المبيح فيجعل المبيح متقدماً في الزمن فيكون منسوخاً فيترجح الدليل المحرم على الدليل المبيح عند التعارض والدليل المثبت لأمر عارض يرجح على الدليل النافي لأن المثبت أقرب إلى الصدق من النافي لأنه يعتمد الحقيقة والنافي يبني على الظاهر مثاله ما روى ابن بربرة كانت مكاتبة لعائشة رضي الله عنها وكانت في نكاح عبد فلما أدت بدل الكتابة قال لها رسول الله مَ ر ملكت بضعك فاختاري وقد اختلف في أنه حين خيرها عليه السلام هل بقي زوجها عبداً أم صار حراً فقيل إنه كان عبداً على حاله وهو مختار الشافعي رحمه الله تعالى فلا يثبت الخيار للمعتقة عنده إلا إذا كان زوجها عبداً وقيل إنه كان حراً وهو مختار أبي حنيفة حيث يثبت الخيار للمعتقة سواء كان زوجها حراً أو عبداً فاتفق الرواة على أن زوجها كان عبداً ووقع الاختلاف في الحرية العارضة فالإخبار بكونه عبداً لعدم العلم بالحرية الطارئة والإخبار بالحرية لا يصح إلا بعد العلم بوجودها عن دليل فقدم خبر مثبت الحرية على نافيها (واعلم) أن الترجيح في الكتاب والسنة يقع في المنن والمراد به ما يتضمنه الكتاب والسنة من الأمر والنهي والخاص والعام ونحو ذلك والترجيح فيها يكون بقوة الدلالة كالمحكم يترجح على المفسر والمفسر على النص والنص على الظاهر والخفي على المشكل والعام يترجح على العام المخصوص كما روي أنه عليه السلام نهى عن بيع وشرط وقد عارضه قوله تعالى ﴿وأحل الله البيع﴾ فقدم أبو حنيفة النهي لأنه عام غير مخصوص لأنه قطعي والعام المخصوص ظني وتترجح الرواية للحديث باللفظ على الرواية بالمعنى وقد تقدم ذلك عند الكلام على السنة والنهي يترجح على الأمر لأن دفع المفسدة المستفادة من النهي أهم من جلب المنفعة المستفادة من الأمر ولذا رجحت أئمتنا حديث النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة على قوله وَلّ من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها رواه مسلم فيما تعارضا وإذا تعارض نصان وكان أحدهما موافقاً للقياس والآخر مخالفاً له يترجح الموافق على المخالفة والنفي يترجح على الإثبات فيما الغالب فيه الشهرة لو كان ولم يشتهر كحديث عدم انتقاض الوضوء بمس الذكر فإنه يترجح على حديث الانتقاض به والترجيح في المتن قد يكون بعمل الخلفاء الراشدين والترجيح قد يقع في السند وهو الإخبار عن طريق المتن والترجيح باعتباره يكون في الراوي كالترجيح بفقهه وقوة ضبطه وورعه ويكون في الرواية كترجيح المشهور على الآحاد وفي المروي كترجيح المسموع من النبي عليه = ١٠٧ كتاب آداب القاضي وجه قول مَنْ يرى به الترجيح أن هذا من جنس الدليل؛ لأن كونه أفقه يدل على أن اجتهاده إقرار إلى الصواب، فكان من جنس الدليل، فيصلح للترجيح إن لم يصلح دليل الحكم بنفسه، وأبداً يكون الترجيح بما لا يصلح دليل الحكم بنفسه، ولهذا قيل في حده زيادة لا يسقط بها التعارض حقيقة، لما علم في أصول الفقه، ولهذا أوجب أبو حنيفة - رحمه الله - تقليد الصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم -، ورجحه على القياس لما أن قوله أقرب إلى إصابة الحق من قول القائس؛ كذا هذا، وَإِنْ أشكل عليه حكم الحادثة استعمل رأيه في ذلك وعمل به، والأفضل أن يشاور أهل الفقه في ذلك، فإن اختلفوا في حكم الحادثة نظر في ذلك فأخذ بما يؤدي إلى الحق ظاهراً، وإن اتفقوا على رأي يخالف رأيه عمل برأي نفسه أيضاً، لأن المجتهد مأمور بالعمل بما يؤدي إليه اجتهاده، فحرم عليه تقليد غيره، لكن لا ينبغي أن يعجل بالقضاء ما لم يقض حق التأمل والاجتهاد وينكشف له وجه الحق، فإذا ظهر له الحق باجتهاده قضى بما يؤدي إليه اجتهاده، ولا يكونن خائفاً في اجتهاده بعد ما بذل مجهوده لإصابة الحق، السلام على ما يحتمل السماع كما إذا قال أحدهما سمعت رسول الله وقال الآخر قال رسول الله وال﴾ = واعلم أن تعارض قياسين صحيحين في الواقع ممتنع وإنما يقع التعارض لجهلنا بالصحيح والفاسد ويترجح القياس عندنا بقوة التأثير بالعلة مثال ذلك نكاح الأمة مع طول الحرة فإنه يجوز عندنا للحر قياساً على العبد فإنه يجوز له بالاتفاق وقالت الشافعية لا يجوز هذا النكاح قياساً على من تحته حرة بجامع إرفاق الماء مع الغنى عنه وقياسنا أقوى لأن أثر الحرية في اتساع الحل الذي هو من النعم أقوى من الرق تشريفاً للحر على العبد والتضييق على الحر والتوسيع على العبد في النكاح المذكور قلب المشروع أو نكاح الصغيرة والعقيم جائز اتفاقاً مع أن فيه إتلافاً لمائه حقيقة وأما إرفاق الولد الذي جعله الشافعي علة للحرمة فهو إتلاف حكمي فهو أولى بالجواز مما فيه الإتلاف الحقيقي قال الإسنوي وأما الإجماع فلا تعارض فيه ا هـ. ينظر: البرهان لإمام الحرمين ٢/ ١١٤٢، البحر المحيط للزركشي ١٢٩/٦، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢٠٦/٤، سلاسل الذهب للزركشي ص ٤٣١، التمهيد للأسنوي ص ٥٠٥، نهاية السول له ٤/ ٤٤٤، زوائد الأصول له ص ٤٠٤، منهاج العقول للبدخشي ٢٠١/٣، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٢٣٥، التحصيل من المحصول للأرموي ٢٥٧/٢، المنخول للغزالي ص ٤٢٦، حاشية البناني ٣٥٧/٢، الإيهاج لابن السبكي ٢٠٨/٣، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ١٩٧/٤، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٣٧٦، حاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٤٠٠، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٧٣٣، التحرير لابن الهمام ص ٣٦٢، تيسير التحرير لأمير بادشاه ١٣٦/٣، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/٣، ميزان الأصول للسمر قندي ٩٦١/٢، ١٠١٩/٢، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٣٠٩/٢، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١٠٢/٢، حاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٢٣٥، شرح المنار لابن مالك ص ٨٥، الوجيز للكراماستي ص ٧٦، الموافقات للشاطبي ٢٩٤/٤، تقريب الوصول لابن جُزيُّ ص ١٦٣، إرشاد الفحول للشوكاني ص ٢٧٣، شرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٦٥٣ وينظر الحدود للباجي (ص ٧٩). ١٠٨ كتاب آداب القاضي فلا يقولن: إِني أرى وإني أخاف، لأن الخوف والشك(١) والظن(٢) يمنع من إصابة الحق ويمنع من الاجتهاد، فينبغي أن يكون جريئاً جسوراً على الاجتهاد بعد أن لم يقصر في طلب الحق، حتى لو قضى مجازفاً لم يصح قضاؤه فيما بينه وبين الله - سبحانه وتعالى -، وإن كان من أهل الاجتهاد إلا أنه إذا كان لا يدري حاله يحمل على أنه قضى برأيه ويحكم بالصحة، حملاً لأمر المسلم على الصحة والسداد ما أمكن والله - سبحانه وتعالى - أعلم. هذا إذا كان القاضي من أهل الاجتهاد، فأما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد فإن عرف أقاويل أصحابنا وحفظها على الاختلاف والاتفاق، عمل بقول من يعتقد قوله حقًّا على التقليد، وإن لم يحفظ أقاويلهم عمل بفتوى أهل الفقه في بلده من أصحابنا. وإن لم يكن في البلد إلا فقيه واحد، من أصحابنا من قال يسعه أن يأخذ بقوله ونرجو أن لا يكون عليه شيء، لأنه إذا لم يكن من أهل الاجتهاد بنفسه وليس هناك سواه من أهل الفقه، مست الضرورة إلى الأخذ بقوله: قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. ولو قضى بمذهب خصمه وهو يعلم ذلك لا ينفذ قضاؤه، لأنه قضى بما هو باطلٌ في اعتقاده(٣)، فلا ينفذ، کما لو کان مجتهداً فترك رأي نفسه وقضی برأي مجتهد یری رأيه باطلاً، فإنه لا ينفذ قضاؤه، لأنه قضى بما هو باطلٌ في اجتهاده، كذا هذا. ولو نسي القاضي مذهبه فقضى بشيء على ظن أنه مذهب نفسه ثم تبين أنه مذهب خصمه، ذكر في شرح الطحاوي أن له أن يبطله ولم يذكر الخلاف، لأنه إذا لم يكن مجتهداً تبين أنه قضى بما لا يعتقده حقًّا، فتبين أنه وقع باطلاً، كما لو قضى وهو يعلم أن ذلك مذهب خصمه . (١) (الشَّكُ) حيثُ أَطلقوهُ في كُتبِ الفقهِ أرادوا به التردُّدَ بين وُجودِ الشّيءٍ وعَدمه، وسواءٌ استوى الاحتمالان أو تَرجحِ أَحَدُهما. وعند الأصوليين: إن تَساوى الاحتمالان فهو شكٌّ، وإِلاَّ فالراجحُ ظَنُّ، والمرجُوحُ وَهْمٌ. وقولُ الفُفَهاءِ مُوافقٌ لِلُغة. قال ابنُ فارس وغيرهُ: الشكُ خلافُ اليقين. ينظر تحرير التنبيه ص ٤١. (٢) ظن: شك وتردد، وظننته ظناً اتهمته، والجمع ظنون. انظر لسان العرب ٢٧٦٢/٤ - ٢٧٦٣. ترتيب القاموس ١٣٠/٣. وفي الاصطلاح: هو التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم. وعند الفقهاء: هو من قبيل الشك، لأنهم يريدون به التردد بين وجود الشيء وعدمه. سواء استويا، أو ترجح أحدهما. انظر الكليات لأبي البقاء ص ٢٣٩ جامع العلوم ٢٨٩/٢. (٣) في ط: هو باطل عنده في اعتقاده. ١٠٩ كتاب آداب القاضي وذكر في أدب القاضي أنه يصح قضاؤه عند أبي حنيفة، وعندهما لا يصح. لهما أن القاضي مقصر لأنه يمكنه حفظ مذهب نفسه، وإذا لم يحفظ فقد قصر والمقصر غير معذور، ولأبي حنيفة أن النسيان غالباً، خصوصاً عند تزاحم الحوادث، فكان معذوراً. هذا إذا لم يكن القاضي من أهل الاجتهاد، فأما إذا كان من أهل الاجتهاد ينبغي أن يصح قضاؤه في الحكم بالإجماع، ولا يكون لقاض آخر أن يبطله، لأنه لا يصدق على النسيان، بل يحمل على أنه اجتهد فأدى اجتهاده إلى مذهب خصمه فقضى به، فيكون قضاؤه باجتهاده، فيصح. وإن قضى في حادثةٍ وهي محل الاجتهاد برأيه ثم رفعت إليه ثانياً فتحوَّل رأيه، يعمل بالرأي الثاني، ولا يوجب هذا نقض الحكم بالرأي الأول، لأن القضاء بالرأي الأول قضاء مجمع على جوازه لاتفاق أهل الاجتهاد على أن للقاضي أن يقضي في محل الاجتهاد وبما يؤدي إليه اجتهاده، فكان هذا قضاء متفقاً على صحته، ولا اتفاق على صحة هذا الرأي الثاني، فلا يجوز نقض المجمع عليه بالمختلف، ولهذا لا يجوز لقاضي آخر أن يبطل هذا القضاء، كذا هذا. وقد رُوِيّ عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قضى في حادثة ثم قضى فيها بخلاف تلك القضية، فَسُئِلَ فقال: تلك كما قضينا وهذه كما نقضي. ولو رفعت إليه ثالثاً فتحول رأيه إلى الأول يعمل به، ولا يبطل قضاؤه بالرأي الثاني بالعمل بالرأي الأول، كما لا يبطل قضاؤه الأول بالعمل بالرأي الثاني لما قلنا. ولو أن فقيهاً قال لامرأته: أنت طالق ألبتة، ومن رأيه أنه بائن، فأمضى رأيه فيما بينه وبين امرأته وعزم على أنها قد حَرُمَتْ عليه، ثم تحول رأيه إلى أنها تطليقة واحدة يملك الرجعة، فإنه يعمل برأيه الأول في حق هذه المرأة وتحرم عليه، وإنما يعمل الثاني في المستقبل في حقها وفي حق غيرها، لأن الأول رأي أمضاه بالاجتهاد، وما أمضى بالاجتهاد لا ینقض باجتهاد مثله . وكذلك لو كان رأيه أنها واحدة يملك الرجعة فعزم على أنها منكوحة، ثم تحول رأيه إلى أنه بائن، فإنه يعمل برأيه الأول ولا تحرم عليه لما قلنا، ولو لم يكن عزم على الحرمة في الفصل الأول حتى تحول رأيه إلى الحل، لا تحرم عليه، وكذا في الفصل الثاني لو لم يكن عزم على الحل حتى تحول رأيه إلى الحرمة تحرم عليه، لأن نفس الاجتهاد محل النقض ما لم يتصل به الإمضاء، واتصال الإمضاء بمنزلة اتصال القضاء، واتصال القضاء يمنع من النقض، فكذا اتصال الإمضاء. وكذلك الرجل إذا لم يكن فقيهاً فاستفتى فقيهاً فأفتاه بحلالٍ أو حرام، ولو لم يكن عزم ١١٠ كتاب آداب القاضي على ذلك حتى أفتاه فقيه آخر بخلافه، فأخذ بقوله وأمضاه في منكوحته - لم يجز له أن يترك ما أمضاه فيه ويرجع إلى ما أفتاه به الأول، لأن العمل بما أمضى واجب لا يجوز نقضه، مجتهداً كان أو مقلداً، لأن المقلد مُتَعَبِّدٌ بالتقليد، كما أن المجتهد متعبد بالاجتهاد، ثم لم يجز للمجتهد نقض ما أمضاه؛ فكذا لا يجوز ذلك للمقلد. ثم ما ذكرنا من نفاذ قضاء القاضي في محل الاجتهاد بما يؤدي إليه اجتهاده إذا لم يكن المقضى عليه والمقضي له من أهل الرأي والاجتهاد، أو كانا من أهل الرأي والاجتهاد ولكن لم يخالف رأيهما رأي القاضي. فأما إذا كان من أهل الاجتهاد وخالف رأيهما رأي القاضي، فجملة الكلام فيه أن قضاء القاضي ينفذ على المقضى عليه في محل الاجتهاد، سواء كان المقضى عليه عاميًّا مقلداً أو فقيهاً مجتهداً يخالف رأيه رأي القاضي بلا خلاف. أما إذا كان مقلداً، فظاهر، لأن العامي يلزمه تقليد المفتي، فتقليد القاضي أولى؛ وكذا إذا كان مجتهداً لأن القضاء في محل الاجتهاد بما يؤدي إليه اجتهاد القاضي قضاء مجمع على صحته على ما مَرَّ، ولا معنى للصحة إِلاَّ النفاذ على المقضى عليه. وصورة المسألة إذا قال الرجلُ لامرأته: أنت طالق البتة، ورأى الزوج إنه واحد يملك الرجعة، ورأى القاضي أنه بائن، فرافعته المرأة إلى القاضي فقضى بالبينونة، ينفذ قضاؤه بالاتفاق لما قلنا. وأما قضاؤه للمقضي له بما يخالف رأيه هل ينفذ؟ قال أبو يوسف: لا ينفذ، وقال محمدٌ : ينفذ. وصورة المسألة إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق البتة، ورأى الزوج أنه بائن ورأى القاضي أنه واحدة يملك الرجعة، فرافعته إلى القاضي فقضى بتطليقة واحدة يملك الرجعة، لا يحل له المقام معها عند أبي يوسف، وعند محمد يحل له. وجه قول محمد ما ذكرنا أن هذا قضاء وقع الاتفاق على جوازه، لوقوعه في فصل مجتهد فيه، فينفذ على المقضى عليه والمقضي له؛ لأن القضاء له تعلق بهما جميعاً، ألا ترى أنه لا يصح إِلاَّ بمطالبة (١) المقضي له. ولأبي يوسف أن صحة القضاء إنفاذه في محل الاجتهاد، يظهر أثره في حق المقضى عليه لا في حق المقضي له، لأن المقضى عليه مجبور في القضاء عليه، فأما المقضي له (١) في ب: بطلب. ١١١ كتاب آداب القاضي فمختار في القضاء له، فلو اتبع رأي القاضي إنما يتبعه تقليداً، وكونه مجتهداً يمنع من التقليد فيجب العمل برأي نفسه. وعلى هذا كل تحليل أو تحريم أو إعتاق أو أخذ مال إذا قضى القاضي بما يخالف رأي المقضى عليه أو له، فهو على ما ذكرنا من الاتفاق والاختلاف. وكذلك المقلد إذا أفتاه إنسان في حادثة ثم رفعت إلى القاضي فقضى بخلاف رأي المفتي، فإنه يأخذ بقضاء القاضي ويترك رأي المفتي، لأن رأي المفتي يصير متروكاً بقضاء القاضي، فما ظنك بالمقلد؟: ولم يذكر القدوري - رحمه الله - الخلاف في هذا الفصل، وذكره شيخناً - رحمه الله -، وسننظر فيه فيما يأتي - إن شاء الله تعالى -. وعلى هذا يخرج القضاء بالبيئة، لأن البينة العادلة مظهرة للمدعي، فكان القضاء [بها قضاء] (١) بالحق؛ وعلى هذا يخرج القضاء بالإقرار، لأن الإنسان لا يقر على نفسه كاذباً، هذا هو الظاهر فكان القضاء به قضاء بالحق (٢)، وكذا القضاء بالنكول عندنا فيما يقضي فيه بالنكول؛ لأن النكول على أصل أصحابنا بذلٌ أو إقرارٌ، وكل ذلك دليل صدق المدعي في دعواه لما علم، فكان القضاء بالنكول قضاء بالحق، وعلى هذا يخرج قضاء القاضي بعلم نفسه(٣) في الجملة فنقول: (١) سقط من ط . (٢) في ب: بالظاهر. (٣) مذهب الحنفية إذا علم القاضي بحادثة في البلدة التي هو قاضٍ فيها بأن سمع إقرار رجل بمال لآخر أو سمع تطليق رجل لامرأته ثم رفعت إليه تلك الحادثة وهو على قضائه فهل يحكم في هذه الحادثة معتمداً في ذلك على علمه أو يعوّل في حكمه فيها على شهادة الشهود. وقع خلاف في ذلك بين العلماء المتقدمين والمتأخرين فقال المتقدمون يجوز للقاضي أن يقضي بمقتضى علمه فيما عدا الحدود الخالصة لله تعالى كالزنا وشرب الخمر وذهب المتأخرون إلى أنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بمقتضى علمه في حادثة الخ في حادثة ما من الحوادث بل لا بد من البينة أو إقرار المدعى عليه. وإنما ذهبوا إلى هذا أخذاً برواية ابن سماعة عن الإمام محمد رحمه الله - ولذا قال في الأشباه والنظائر أن الفتوى على قول الإمام محمد في أنه لا اعتبار لعلم القاضي. وقال في جامع الفصولين أيضاً وعليه الفتوى لفساد الزمان لأن القاضي ربما يكون غير عدل فيحكم على الناس بما تهوى نفسه وقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله أن القاضي إذا علم بطلاق أو غصب أو عتق أمر بأن يحال بين المطلق وزوجته وبين المعتق وأمته وبين الغاصب وما غصبه بأن يجعله تحت يد أمين إلى أن يثبت ما علما بوجه شرعي من بينة أو إقرار وهذه الحيلولة على وجه الحسبة لئلا يقر بها الزوج أو المعتق أو الغاصب وأما المتقدمون فقد استدلوا على مدعاهم بأن القضاء بالبينة جائز بالإجماع فيجوز القضاء بعلم القاضي من باب أولى وهذا لأن المقصود من البينة ليس عينها بل حصول العلم للقاضي بالحادثة وعلمه بالمعاينة أقوى من علمه الحاصل بشهادة الشهود . لأن العلم الحاصل بالشهادة ظن والعلم الحاصل بالمشاهدة يقين فكان أقوى إلا أنه لا يقضي بعلمه في الحدود الخالصة لله تعالى لأن الحدود يحتاط في درءها وليس من الاحتياط فيها الاكتفاء بعلم نفسه. = ١١٢ كتاب آداب القاضي تفصيل الكلام فيه أنه لا يخلو إما أن قضى بعلم استفاده في زمن القضاء ومكانه وهو الموضع الذي قلد قضاءه، وإما أن قضى بعلم استفاده قبل زمان القضاء وفي غير مكانه، وإما أن قضى بعلم استفاده بعد زمان القضاء في غير مكانه، فإن قضى بعلم استفاده في زمن القضاء وفي مكانه، بأن سمع رجلاً أقر لرجل بمال أو سمعه يطلق امرأته أو يعتق عبده أو يقذف رجلاً أو رآه يقتل إنساناً، وهو قاض فى البلد الذي قلد قضاءها، جاز قضاؤه عندنا، ولا يجوز قضاؤه به في الحدود الخالصة بلا خلافٍ بين أصحابنا، إلاَّ أن في السرقة يقضي بالمال لا(١) بالقطع. قال في المبسوط ما ملخصه إذا رأى القاضي وهو في مجلس القضاء أو غيره رجلاً يزني أو يسرق - أو = يشرب الخمر فله أن يقيم عليه الحد في القياس - لأنه قد عاين السبب الموجب للحد له والعلم الذي استفاده بمعاينة السبب فوق العلم الذي يحصل له بشهادة الشهود - لأن ذلك محتمل للصدق والكذب وأما علم المعاينة فلا احتمال فيه. وأما في الاستحسان فلا يقيم القاضي عليه الحد حتى يشهد الشهود أو يقر المدعى عليه عنده بذلك - ولا يقال إن هذه الحقوق ليس لها مدع يدعيها - فلا يصح للقاضي أن يحكم بها لأن هذه الحقوق التي هي من خالص حق الله تعالى يستوفيها الإمام على سبيل النيابة من غير احتياج إلى مدع يدعيها من العباد فلو اكتفى القاضي بعلم نفسه في الفصل فيها ربما يتهمه بعض الناس بالجور والظلم في حكمه وهو مأمور بأن يصون نفسه عن ذلك وهذا بخلاف القصاص وحد القذف وغير ذلك من حقوق العباد لأن هناك خصماً يطالب به من العباد وبوجوده تنتفي التهمة للقاضي فيما ادعى رؤيته. وروي عن الشافعي رحمه الله أنه يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه في كل شيء حتى في الحدود الخالصة لله تعالى لأنه يجوز له أن يقضي في ذلك بالبينة حتى في الحدود والمقصود بها العلم بالحادثة وقد علم هو ذلك بالمشاهدة ولا فرق بين علم يتعلق بالحدود وعلم يتعلق بغيرها والجواب عن هذا ما نقلناه عن المبسوط وهو أن الحدود الخالصة لله ليس لها مدع فلو اكتفى بعلم نفسه في الفصل فيها لاتهم بالظلم وهذا بخلاف حقوق العباد لأن التهمة فيها منفية لوجود خصم. وقيل في نيل الأوطار بعد أن حكي الخلاف بين العلماء في قضاء القاضي بعلمه ما نصه. ((والحق الذي لا ينبغي العدول عنه أن يقال إن كانت الأمور التي جعلها الشارع أسباباً للحكم كالبينة واليمين ونحوهما أموراً تعبدنا الله بها لا يسوغ لنا الحكم إلا بها وإن حصل لنا ما هو أقوى فالواجب علينا الوقوف عندها وعدم العمل بغيرها في القضاء وأما إن كانت أسباباً يتوصل بها الحاكم لمعرفة المحق من المبطل وليست مقصودة لذاتها لأمر آخر وهو أنها طريق موصل إلى ما هو المعتبر عند القاضي من علم أو ظن بالحادثة فلا شك في أنه يجوز له أن يحكم بعلمه لأن شهادة الشهود لا تبلغ إلى مرتبة العلم الحاصل بالمشاهدة فإن الحاكم بعلمه غير الحاكم الذي يستند إلى شاهدين أو يمين ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام ((إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون الحق بحجته من بعض فأقصه له على نحو مما أسمع منه فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من نار» فالأسلم في مثل هذا ألا يعول القاضي على علمه بل لا بد من التعويل على شهادة الشهود كما هو مقتضى النصوص الشرعية . (١) في ب: دون. ١١٣ كتاب آداب القاضي وللشافعي فيه قولان: في قول لا يجوز له أن يقضي به في الكل، وفي قول يجوز في الكل. وجهه قوله الأول أن القاضي مأمور بالقضاء بالبينة، ولو جاز له القضاء بعلمه لم يبق مأموراً بالقضاء بالبينة، وهذا المعنى لا يفصل بين الحدود وغيرها. وجه قوله الثاني أن المقصود من البينة العلم بحكم الحادثة وقد علم، وهذا لا يوجب الفصل بين الحدود وغيرها، لأن علمه لا يختلف. ولنا أنه جاز له القضاء بالبينة، فيجوز القضاء بعلمه بطريق الأولى، وهذا لأن المقصود من البينة ليس عينها، بل حصول العلم بحكم الحادثة، وعلمه الحاصل بالمعاينة أقوى من علمه الحاصل بالشهادة، لأن الحاصل بالشهادة علم غالب الرأي وأكثر الظن، والحاصل بالحس والمشاهدة علم القطع واليقين، فكان هذا أقوى، فكان القضاء به أولى، إلاّ أنه لا يقضي به في الحدود الخالصة، لأن الحدود يحتاط في درئها، وليس من الاحتياط فيها الاكتفاء بعلم نفسه، ولأن الحجة في وضع الشرع(١) هي البينة التي تتكلم بها، ومعنى البينة وإِن وجد فقد فأتت صورتها، وفوات الصورة يورث شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، بخلاف القصاص فإنه حق العبد، وحقوق العباد لا يحتاط في إسقاطها، وكذا حد القذف لأن فيه حق العبد، وكلاهما لا يسقطان بشبهة فوات الصورة. هذا إذا قضى بعلم استفاده في زمن القضاء ومكانه، فأما إذا قضى بعلم استفاده في غير زمن القضاء ومكانه، أو في زمان القضاء في غير مكانه، وذلك قبل أن يصل إلى البلد الذي ولي قضاءه، فإنه لا يجوز عند أبي حنيفة أصلاً، وعندهما(٢) يجوز فيما سوى الحدود الخالصة، فأما في الحدود الخالصة فلا يجوز. وجه قولهما إنه لما جاز له أن يقضي بالعلم المستفاد في زمن القضاء، جاز له أن يقضي بالعلم المستفاد قبل زمن القضاء، لأن العلم في الحالين على حد واحد، إلا أن ههنا استدام العلم الذي كان له قبل القضاء بتجدد أمثاله، وهناك حدث له علم لم يَكُنْ، وهما سواء في المعنى إلا أنه لم يقض به في الحدود الخالصة لتمكن الشبهة فيه باعتبار التهمة، والشبهة تؤثر في الحدود الخالصة ولا تؤثر في حقوق العباد، على مَا مَرَّ. ولأبي حنيفة: الفرقُ بين العلمين، وهو أن العلم الحادث له في زمن القضاء علمٌ في وقت هو مُكَلَّفٌ فيه بالقضاء، فأشبه البينة القائمة فيه، والعلم الحاصل في غير زمان القضاء (١) في ط: الشيء. (٢) في ب: عند أبي يوسف ومحمد. بدائع الصنائع ج ٩ - م٨ ١١٤ كتاب آداب القاضي علم في وقت هو غير مكلف فيه بالقضاء، فأشبه البينة القائمة فيه، وهذا لأن الأصل في صحة القضاء هو البينة إلا أن غيرها قد يلحق بها إذا كان في معناها، والعلم الحادث في زمان القضاء في معنى البينة يكون حادثاً في وقت هو مكلف بالقضاء، فكان في معنى البينة، والحاصل قبل زمان القضاء أو قبل الوصول إلى مكانه حاصلٌ في وقت هو غير مكلف بالقضاء، فلم يكن في معنى البينة، فلم يجز القضاء به، فهو الفرق بين العلمين. وعَلَى هذا يخرج القضاء بكتاب القاضي فنقول: لقبول الكتاب من القاضي شرائط، منها: البينة على أنه كتابه، فتشهد الشهود على أن هذا كتاب فلان القاضي ويذكروا اسمه ونسبه، لأنه لا يعرف أنه كتابه بدونه، ومنها: أن يكون الكتاب مختوماً ويشهدوا على أن هذا ختمه لصيانته عن الخلل فيه، ومنها: أن يشهدوا بما في الكتاب بأن يقولوا إنه قرأه عليهم مع الشهادة بالختم، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -. وقال أبو يوسف - رحمه الله -: إذا شَهِدُوا بالكتاب والخاتم تُقبل، وإن لم يشهدوا بما في الكتاب، وكذا إذا شهدوا بالكتاب وبما في جوفه - تقبل، وإن لم يشهدوا بالخاتم بأن قالوا: لم يشهدنا على الخاتم، أو لم يكن الكتاب مختوماً أصلاً، لأبي يوسف أن المقصود من هذه الشهادة حصول العلم للقاضي المكتوب إليه بأن هذا كتاب فلان القاضي، وهذا يحصل بما ذكرنا. ولهما أن العلم بأنه كتاب فلان لا يحصل إلا بالعلم بما فيه، ولا بد من الشهادة بما فيه لتكون شهادتهم على علم بالمشهود به . ومنها: أن يكون بين القاضي المكتوب إليه وبين القاضي الكاتب مسيرة سفر، فإن كان دونه لم تقبل، لأن القضاء بكتاب القاضي أمر جوز لحاجة الناس بطريق الرخصة، لأنه قضاء بالشهادة القائمة على غائب من غير أن يكون عنده(١) خصم حاضر، لكن جوز للضرورة، ولا ضرورة فيما دون مَسِيرَةِ السفر. ومنها: أن يكون في الدين والعين التي لا حاجة إلى الإشارة إليها عند الدعوى والشهادة كالدور والعقار. وأما في الأعيان التي تقع الحاجة إلى الإشارة إليها، كالمنقول من الحيوان والعروض لا تقبل عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وهو قول أبي يوسف الأول - رحمه الله - ثم رجع وقال: تقبل في العبد خاصة إذا أبق وأخذ في بلد فأقام صاحبه البينة عند قاضي بلده، أن (١) في ط: عند. ١١٥ كتاب آداب القاضي عبده أخذه فلان في بلد كذا، فشهد الشهود على الملك أو على صفة العبد وحليته، فإنه يكتب إلى قاضي البلد الذي العبد فيه أنه قد شهد الشهود عندي أن عبداً صفته وحليته كذا وكذا ملك فلان أخذه فلان ابن فلان، ينسب كل واحد منهما إلى أبيه وإلى جده، على رسم كتاب القاضي إلى القاضي، وإذا وصل إلى القاضي المكتوب إليه، وعلم أنه كتابه بشهادة الشهود يسلم العبد إليه ويختم في عنقه ويأخذ منه كفيلاً، ثم يبعث به إلى القاضي الكاتب حتى يشهد الشهود عليه عنده بعينه على الإشارة إليه، ثم يكتب القاضي الكاتب له كتاباً آخر إلى ذلك القاضي المكتوب إليه أول مرة، فإذا علم أنه كتابه قبله وقضى وسلم العبد إلى الذي جاء بالكتاب، وأبرأ كفيله، ولا يقبل في الجارية بالإجماع. وجه قول أبي يوسف - رحمه الله - أن الحاجة إلى قبول كتاب القاضي في العبد متحققة لعموم البلوى به، فلو لم يقبل لضاق الأمر على الناس ولضاعت أموالهم(١) ولا حاجة إليه في الأمة، لأنها لا تهرب عادة لعجزها وضعف بنيتها وقلبها . ولهما أن الشهادة لا تقبل إلا على معلوم للآية الكريمة: ﴿إِلَّ مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] والمنقول لا يصير معلوماً إلا بالإشارة إليه، والإشارة إلى الغائب محال، فلم تصح شهادة الشهود ولا دعوى المدعي لجهالة المدعي، فلا يقبل الكتاب فيه، ولهذا لم يقبل في الجارية وفي سائر المنقولات بخلاف العقار، لأنه يصير معلوماً بالتحديد، وبخلاف الدين لأن الدين يصير معلوماً بالوصف، وهذا الذي ذكرنا مذهب أصحابنا - رضي الله عنهم .. وقال ابن أبي ليلى - رحمه الله -: يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الكل، وقضاة زماننا يعملون بمذهبه لحاجة الناس، وينبغي للقاضي المرسل(٢) إليه أن لا يفك الكتاب إلا بمحضرٍ من الخصم ليكون أبعد من التهمة . ومنها: أن لا يكون فى الحدود والقصاص، لأن كتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، وأنه لا تقبل فيهما، كذا هذا. ومنها: أن يكون اسم المكتوب له وعليه واسم أبيه وجده وفخذه - مكتوباً في الكتاب، حتى لو نسبه إلى أبيه ولم يذكر اسم جده، أو نسبه إلى قبيلة كبني تميم ونحو - لا يقبل، لأن التعريف لا يحصل به إلا، وأن يكون شيئاً ظاهراً مشهوراً أشهر من القبيلة، فيقبل لحصول التعريف . ومنها: ذكر الحدود في الدور والعقار، لأن التعريف في المحدود لا يصح إلا بذكر الحد. (١) في ط: الأعلى الناس ولضاعت أموالهم. (٢) في ب: المكتوب. ١١٦ كتاب آداب القاضي ولو ذكر في الكتاب ثلاثة حدود يُقبل عند أصحابنا الثلاثة. وعند زفر - رحمه الله - لا يقبل ما لم يشهدوا على الحدود الأربعة، ولو شهدوا على حدين لا تقبل بالإجماع، وإذا كانت الدار مشهورة كدار الأمير وغيره، لا تقبل عند أبي حنيفة - عليه الرحمة، وعندهما تقبل، وهذه من مسائل الشروط. ومنها: أن يكون القاضي الكاتب على قضائه عند وصول كتابه إلى القاضي المكتوب إليه، حتى لو مات أو عزل قبل الوصول إليه - لم يعمل به، ولو مات بعد وصول الكتاب إليه جاز له أن يقضي به . ومنها: أن يكون القاضي المكتوب إليه على قضائه حتى لو مات أو عزل قبل وصول الكتاب إليه، ثم وصل إلى القاضي الذي ولي مكانه - لم يعمل به، لأنه لم يكتب إليه، والله تعالى أعلم. ومنها: أن يكون القاضي الكاتب من أهل العدل، فإن كان من أهل البغي لم يعمل به قاضي أهل العدل، بل يرده كبتاً وغيظاً لهم. ومنها: أن يكون الله - سبحانه وتعالى - خالصاً، لأن القضاء عبادة، والعبادة إخلاص العمل بكليته لله - عز وجل - فلا يجوز قضاؤه لنفسه، ولا لمن لا تقبل شهادته له، لأن القضاء له قضاء لنفسه من وجه، فلم يخلص لله - سبحانه وتعالى .. وكذا إذا قضى في حادثة برشوة لا ينفذ قضاؤه في تلك الحادثة، وإن قضى بالحق الثابت عند الله - جلَّ وعلا - من حكم الحادثة، لأنه إذا أخذ على القضاء رشوة فقد قضى لنفسه لا لله - عَزَّ اسمُهُ - فلم يصح. وأما الذي يرجع إلى المقضي له فأنواعٌ: منها: أَنْ يكون ممن تقبل شهادته للقاضي، فإن كان ممن لا تقبل شهادته له - لا يجوز قضاء القاضي له لما قلنا، والله تعالى الموفق. ومنها: أن يكون حاضراً وقت القضاء، فإن كان غائباً لم يجز القضاء له، إلا إذا كان عنه خصم حاضر، لأن القضاء على الغائب كما لا يجوز، فالقضاء للغائب أيضاً لا يجوز. ومنها: طلب القضاء من القاضي في حقوق العباد، لأن القضاء وسيلة إلى حقه فكان حقه، وحق الإنسان لا يستوفّي إلا بطلبه. وأما الذي يرجع إلى المقضى عليه: فحضرته حتى لا يجوز القضاء على الغائب إذا لم يكن عنه خصم حاضر، وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - ليس بشرط، والمسألة ذُكرت في ((كتاب الدعوى))، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ١١٧ كتاب آداب القاضي فصل في آداب القضاء وأما آداب القضاء فكثيرة، والأصل فيها كتاب سيدنا عمر - رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري - رحمه الله - سماه محمد - رحمه الله - كتاب السياسة، وفيه: ((أما بعد فإن القضاء فريضةٌ محكمةٌ وسنةٌ مُتَّبَعَةٌ، فافهم إذا أُذلى إليك، فإنه لا يَنْفَعُ تَكَلُمْ بحقٌّ لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك، حتى لا يطمع شريفٌ في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك)). وفي رواية: ((ولا يخاف ضعيف جورك البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك - أن تُرَاجِعَ الحَقَّ، فإن الحق قديمٌ لا يبطل، ومراجعة الحقِّ خَيْرٌ من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك ما لم يبلغك في القرآن العظيم والسنة، ثم اعرف الأمثال والأشباه (١) وقس الأمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبها وأقربها إلى الله - تبارك وتعالى - وأشبهها بالحق، اجعل للمدعي أمداً ينتهي إليه، فإذا أحضر بينة أخذ بحقه وإلا وجب القضاء عليه، وفي رواية: وَإِنْ عجز عَنْهَا اسْتَخْلَلْتَ عليه القضاء، فإنَّ ذلك أَبْلَغُ في العذر وأجلى للعمى، المسلمون عدولٌ بعضهم على بعض، إلا محدوداً في قذف(٢)، أو ظنيناً(٣) في ولاء أو قرابة، أو مجرباً عليه شهادة زور، فإن الله - تعالى - تولَّى منكم السر، - وفي رواية: ((السرائر)) - ودرأ عنكم بالبينات، إياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس [والتنكير] (٤) للخصوم في مواطن الحق الذي يوجب الله - سبحانه وتعالى - به الأجر ويحسن به الذخر، وأن من يخلص نِيَّتَهُ فيما بينه وبين الله - تعالى - ولو على نفسه في الحق يكفه الله - تعالى - فيما بينه وبين الناس، وَمَنْ يَتَزَيَّنُ للناس بما يعلم الله منه خلافه شأنهُ الله - عزَّ وجلَّ -، فإنه - سبحانه وتعالى - لا يقبل من العبادة إلا ما كان خالصاً، فما ظنك بثواب عن الله - سبحانه - من عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام. ومنها: أن يكون القاضي فهماً عند الخصومة فيجعل فهمه وسمعه وقلبه إلى كلام الخصمين، لقول سيدنا عمر - رضي الله عنه - في كتاب السياسة: ((فافهم إذا أولى إليك))، ولأن من الجائز أن يكون الحق مع أحد الخصمين، فإذا لم يفهم القاضي كلامهما يضيع الحق، وذلك قوله - رضي الله تعالى عنه -: ((فإنه لا ينفع تَكَلَّمْ بحقِّ لا نفاذ له)) . (١) الأشباه: الأشياء المتشابهة والمتماثلة. (٢) في ب: حد. (٣) الظنين: المُتَّهَمُ. المعجم الوسيط (ظنن). (٤) سقط من ط . ١١٨ كتاب آداب القاضي ومنها: ألا يكون قلقاً وقت القضاء، لقول سيدنا عمر - رضي الله عنه -: ((إياك والقلق))، وهذا ندب إلى السكون والتثبيب. ومنها: ألا يكون ضَجِراً عند القضاء إذا اجتمع عليه الأمور فضاق صدره، لقوله - رضي الله عنه -: ((إياك والضجر)). ومنها: أن لا يكون غضبان وقت القضاء، لقول سيدنا عمر - رضي الله عنه -: إياك والغضب، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((لاَ يَقْضي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ))(١) ولأنه يدهشه عن التأمل. ومنها: ألا يكون جائعاً ولا عطشان ولا ممتلئاً، لأن هذه العوارض من: القلق، والضجر، والغضب، والجوع، والعطش، والامتلاء - مما يشغله عن الحق. ومنها: أن لا يقضي وهو يمشي على الأرض أو يسير على الدابة، لأن المشي والسير يشغلانه عن النظر والتأمل في كلام الخصمين، ولا بأس بأن يقضي وهو متكىء، لأن الاتكاء لا يقدح في التأمل والنظر. ومنها: أن يسوي بين الخصمين في الجلوس فيجلسهما بين يديه لا عن يمينه ولا عن يساره، لأنه لو فعل ذلك فقد قرب أحدهما في مجلسه، وكذا لا يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره. لأن لليمين فضلاً على اليسار، وقد روي أن عمر وأبي بن كعب - رضي الله عنهما - اختصما في حادثة إلى زيد بن ثابت فألقي لسيدنا عمر - رضي الله عنه - وسادةً، فقال سيدنا عمر - رضي الله عنه -: ((هذا أوَّلُ جورِكَ)) وجلس بين يديه(٢) . (١) أخرجه البخاري (١٣٦/١٣) كتاب الأحكام: باب هل يقضي القاضي وهو غضبان حديث (٧١٥٨) ومسلم (١٣٤٢/٣) كتاب الأقضية: باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان حديث (١٧١٧) وأبو داود (٤/ ١٦) كتاب الأقضية: باب القاضي يقضي وهو غضبان حديث (٣٥٨٩) والترمذي (٦٢٠/٣) كتاب الأحكام: باب لا يقضي القاضي وهو غضبان حديث (١٣٣٤) والنسائي (٨/ ٢٣٧) كتاب آداب القاضي: باب ذكر ما ينبغي للحاكم أن يتجنبه، وابن ماجه (٢/ ٧٧٦) كتاب الأحكام: باب لا يحكم الحاكم وهو غضبان (١٣١٦). والشافعي (١٧٧/٢) كتاب الأحكام حديث (٦٢٢، ٦٢٣) وأحمد (٣٦/٥، ٣٨، ٤٦، ٥٤) وأبو داود الطيالسي (٨٦٠) والحميدي (٣٤٨/٢) رقم (٧٩٢) وابن الجارود (٩٩٧) وابن حبان (٥٠٤٠، ٥٠٤١، الإحسان) ووكيع في ((أخبار القضاة» (٨١/١ -٨٢) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢٦٠/١) والطبراني في ((المعجم الصغير)) (٢٥٩/١) والبيهقي (١٠ /١٠٥) كتاب آداب القاضي: باب لا يقضي القاضي وهو غضبان، البغوي في ((شرح السنة)) كلهم من طريق عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول اللّه ◌َي: لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢) أخرجه البيهقي (١٣٦/١٠) كتاب آداب القاضي، باب إنصاف الخصمين في المدخل عليه والاستماع منهما = ١١٩ كتاب آداب القاضي ومنها: أن يسوي بينهما في النظر والنطق والخلوة، فلا ينطلق بوجهه إلى أحدهما، ولا يسار أحدهما ولا يومىء إلى أحدهما بشيء دون خصمه، ولا يرفع صوته على أحدهما، ولا يكلم أحدهما بلسان لا يعرفه الآخر، ولا يخلو بأحد في منزله ولا يضيف أحدُهما، فيعدل بين الخصمين في هذا كله لما في ترك العدل فيه من كسر قلب الآخر، ويتهم القاضي به أيضاً. ومنها: ألا يقبل الهدية من أحدهما إلاَّ إذا كان لا يلحقه به تهمة(١)، وجملة الكلام فيه أخبرنا أبو حازم الحافظ أنبأ أبو الفضل بن خميرويه أنبأ أحمد بن نجدة القرشي ثنا سعيد بن منصور ثنا = هشيم ثنا سيار ثنا الشعبي قال كان بين عمر بن الخطاب وبين أبي بن كعب رضي الله عنهما تدارى في شي وادعى أبي على عمر رضي الله عنهما فأنكر ذلك فجعلا بينهما زيد بن ثابت فأتياه في منزله فلما دخلا عليه قال له عمر رضي الله عنه أتيناك لتحكم بيننا وفي بيته يؤتى الحكم فوسع له زيد عن صدر فراشه فقال ههنا يا أمير المؤمنين فقال له عمر رضي الله عنه لقد جرت في الفتيا ولكن أجلس مع خصمي فجلسا بين يديه فادعى أبي وانكر عمر رضي الله عنهما فقال زيد لأبي أعف أمير المؤمنين من اليمين وما كنت لأسألها لأحد غيره فحلف عمر رضي الله عنه ثم أقسم لا يدرك زيد بن ثابت القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء. وذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٨٠٨/٥) رقم (١٤٤٤٥) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن عساكر. (١) وقال في الفتاوى البزازية: القاضي لا يقبل هدية الأجنبي والقريب إلا من كان يهدي قبله وإن زاد يرد الزيادة إلا أن تكون خصومة فلا يقبل منه أيضاً فإن قبل وأمكنه الرد رد، وإلا وضع في بيت المال، وكذا في كل موضع ليس له القبول وإن كان يتأذى به المعطي أخذه ورد عليه قيمته فإن قضى ثم ارتشى أو عكس لا ينفذ وإن تاب ورد المأخوذ فهو على قضائه لأنه بالفسق لا ينعزل. والهدايا ثلاث حلال من الجانبيين للتودد وحرام منهما وهو الإهداء للإعانة على الظلم، وحرام من جانب وهو الإهداء لكشف الظالم عنه فهو حرام على الآخذ حلال للمعطي. ومذهب الشافعية إنه لا يقبل. القاضي هدية ممن لم يكن له عادة بالهدية له قبل الولاية وإن لم يكن له خصومة لقوله ويلي: هدايا العمال غلول وروي: سحت وإذا كان ذلك في العامل ففي القاضي أولى. وفي الوسيط أو القبول في حال عدم المحاكمة، والحالة هذه جائز لكن الأولى أن يثيب أو يضع في بيت المال. وفي النهاية أن القبول مكروه في هذه الحالة ولا يقبل الهدية أيضاً ممن كانت له عادة أي بسبب رحم أو مودة ما دامت له خصومة لأن القبول في هذه الحالة بمثابة الرشوة فإن لم يكن له خصومة جاز أن يقبل بقدر ما جرت عادته بقبوله منه ومثله، لخروج ذلك عن سبب الولاية هذا كله إذا كانت الهدية في عمله من أهل عمله ولو كانت الهدية في غير عمله من غير أهل عمله لسفره عن عمله. أما مذهب السادة المالكية فقال في مختصر خليل وشرحه لتلميذه بهرام: وحرم يعني طلب القضاء لجاهل وقاصد دنيا لأن الجاهل ربما أداه جهله إلى مخالفة ما هو متفق عليه والوقوع في الأمور المعضلة، وطالب الدنيا ربما أداه ذلك إلى الحيف لتحصيل غرضه الفاسد. قال ولا يحضر يعني القاضي من الولائم إلا وليمة النكاح خاصة ثم إن شاء أكل أو ترك من غير كراهة وإن كانت الوليمة لغير النكاح فأجيز له الحضور، وكره إلا ما كان من جهة ولده أو والده ونحو ذلك. وفي النوادر من أشهب لا بأس أن يجيب الدعوة العامة وليمة أو صنيعاً عاماً لفرح، فأما أن يدعي مع عامة = ١٢٠ كتاب آداب القاضي أن المهدي لا يخلو إما أن يكون رجلاً كان يهدى إليه قبل تقليد القضاء، وإما أن كان لا يهدى إليه، فأما إن كان قريباً له أو أجنبيًّا، فإن كان قريباً له، ينظر: إن كان له خصومة في الحال فإنه لا يقبل، لأنه يلحقه التهمة، وإن كان لا خصومة له في الحال يقبل لأنه لا تهمة فيه، وإن كان أجنبيًّا لا يقبل سواء كان له خصومة في الحال أو لا، لأنه إن كان له خصومة في الحال كان بمعنى الرشوة، وإن لم يكن فربما يكون له خصومة في الحال يأتي بعد ذلك، فلا يقبل ولو قبل يكون لبيت المال. هذا إذا كان الرجل لا يهدى إليه قبل تقليد القضاء، فأما إذا كان يهدى إليه فإن كان له في الحال خصومة لا تقبل لأنه يتهم فيه، وإن كان لا خصومة له في الحال ينظر [إن كان أهدى مثل ما كان يهدي أو أقل يقبل](١) لأنه لا تهمة فيه، وإن كان أكثر من ذلك يرد الزيادة عليه، لغير فرح فلا يجيب وكأنه دعى خاصة إذا لعله إنما صنع ذلك لأجل القاضي وكذا ليس له قبول هدية ولو كافأ = عليها أضعافها وحمل الأشياخ قول ابن حبيب لم يختلف العلماء في كراهة قبول الهدية وهو مذهب مالك وأهل السنة على المنع وسواء كان المهدي ممن له عند القاضي خصومة أو لا وقاله مطرف وابن الماجشون وقال ابن عبد الحكم له أن يقبل ممن لا خصومة له عنده وقال أشهب لا يقبلها من غير من يخاصم عنده إلا أن يكافأه عليها من قريب كولده ووالده وأخيه وابن أخيه وعمه وابن عمه وخاله وخالته وعمته وبنتها ومن لا يدخل عليه به ظنه الشدة الداخلة والمنافية بينهما وكذلك ذكر محمد بن سحنون عن أبيه ونحوه في الموازنة وفي هدية من اعتادها قبل الولاية قولان: يريد جواز قبول القاضي الهدية ممن كانت عادته ذلك قبل الولاية وعدم جوازه والجواز لابن عبد الحكم، وقال مطرف وعبد الملك: لا ينبغي ذلك وهو محتمل للمنع والكراهة . وقال العلامة جلال الدين عبد الله بن شاش في كتابه عقد الجواهر الثمينة في آداب القاضي: ولا يقبل الهدية ممن له خصوة ولا ممن ليس له خصومة ولو كان ممن يقبلها منه قبل الحكم أو كافأ عليها أضعافها إلا من ولده أو والده ومن أشبههم من خاصة القرابة فإن قبلها فهو سحت انتهى. وأما مذهب السادة الحنابلة فيحرم قبوله أي القاضي هدية لما روى أبو سعيد قال: بعث النبي وَّ رجلاً من الأزد يقال ابن اللتبية على الصدقة فقال هذا لكم وهذا أهدي لي فقام النبي وَالر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي ألا جلس في بيت أبيه فينظر أهدي إليه أم لا والذي نفس محمد بيده لا نبعث أحداً منكم فيأخذ شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رأيت عفرة إبطية فقال اللهم بلغت ... ثلاثاً وقال كعب الأحبار قرأت فيما أنزل الله تعالى على أنبيائه الهدية تفقأ عين الحكم بخلاف مفت فلا يحرم عليه قبول الهدية وهي أي الهدية الدفع إليه ابتداء من غير طلب وظاهره أنه يحرم على القاضي قبول الهدية ولو كان القاضي في غير عمله، لعموم الخبر إلا ممن كان يهدى إليه قبل ولايته، إن لم يكن له أي المهدي حكومة لأن التهمة منتفية لأن المنع إنما كان من أجل الاستمالة أو من أجل الحكومة وكلاهما منتف أو كانت الهدية من ذي رحم محرم منه أي من الحاكم لأنه لا يصح أن يحكم له هذا واضح في عمودي نسبه، دون من عداهم من أقاربه، مع أنه يحتمل أن يهدي لئلا يحكم عليه. ينظر تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية ص ٦٦، ٧٣ - ٧٦. (١) في ب: فإن أهدى مثل ما كان يهدي تقبل.