النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب الرجوع عن الشهادة
قال أبو حنيفة - عليه الرحمة -: تعزيره تشهير، فينادي عليه في سوقه أو مسجد حيّة
ويحذر الناس منه، فيقال: هذا شاهد الزور فاحذروه.
وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: يضم إليه ضرب أسواط، هذا إذا تاب، فأما
إذا لم يتب وَأَصَرَّ على ذلك بأن قال: إني شهدت بالزور وأنا على ذلك قائم، فإنه يعزر
بالضرب بالإجماع .
احتجا بما روي عن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه ضرب شاهد الزور
وسخم وجهه، ولأن قول الزور من أكبر الكبائر وليس إليه فيما سوى القذف بالزنا حد مقدر،
فیحتاج إلى أبلغ الزواجر.
ولأبي حنيفة - رحمه الله - ما روي أن شريحاً كان يشهر شاهد الزور ولا يعزره، وكان لا
تخفى قضاياه على أصحاب رسول الله - وَل ــ ورضوان الله تعالى عليهم -، ولم ينقل أنه
أنكر عليه منكر، ولأن الكلام فيمن أقر أنه شهد بزور نادماً على ما فعل لا مُصِرًّا عليه، والندم
توبة على لسان رسول الله وَله، والتائب لا يستوجب الضرب حتى لو كان مصرًا على ذلك
يضرب، وفعل سيدنا عمر - رضي الله عنه - محمول عليه توفيقاً بين الدلائل، والله أعلم.
ذهب الحنفية إلى أنه إذا تاب شاهد الزور، وأتت على ذلك مدة، قيل سنة، وقيل ستة أشهر، والصحيح
=
أنها مفوضة لرأي القاضي.
فإن كان فاسقاً تقبل شهادته، لأن الحامل له على الزور فسقه، وقد زال بالتوبة.
وإن كان مستوراً لا يقبل أصلاً، وكذا إذا كان عدلاً، على رواية بشر عن أبي يوسف؛ لأن الحامل له على
ذلك غير معلوم، فكان الحال قبل التوبة وبعدها سواء، وروى أبو جعفر أنها تقبل، قالوا: وعليه الفتوى.
وقال الشافعي، وأبو ثور، وأحمد: تقبل شهادته إذا أتت على ذلك مدة تظهر فيها توبته، ويتبين فيها
صدقه، وعدالته وقال مالك لا تقبل شهادته أبداً لأنه لا يؤمن على قول الصدق.
ينظر: البيئة لشيخنا محمد جاب الله.
بدائع الصنائع ج٩ - م٦

(١)
كتاب آداب القاضي
الكلام في هذا الكتاب في مواضع: في بيان فرضية نصب القاضي.
وفي بيان من يصلح للقضاء.
وفي بيان من يفترض عليه قبول تقليد القضاء.
وفي بيان شرائط جواز القضاء.
وفي بيان آداب القضاء.
وفي بيان ما ينفذ من القضايا وما ينقض منها إذا رفع إلى قاضٍ آخر.
وفي بيان ما يحله القاضي وما لا يحله.
وفي بيان حكم خطأ القاضي في القضاء.
وفي بيان ما يخرج به القاضي عن القضاء.
أما الأول: فَنصْبُ القاضي فرضٌ لأنه ينصب لإقامة أمر مفروض وهو القضاء، قال الله
- سبحانه وتعالى -: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحقِّ﴾ [ص:
٢٦]، وقال ــ تبارك وتعالى - لنبينا المكرم - عليه أفضل الصلاة والسلام -: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا
أَنْزَلَ الله﴾ [المائدة: ٤٨].
(١) الأَدَبُ: أَدَبُ النفس والدرس، وقد أَدُبَ فهو أَدِيب، وَأَدَّبَهُ غيره. فَتَأَدَّبَ وَاسْتَأْدَبَ. وتركيبه يدل على
الجمع والدعاء، ومنه الأَذْبُ بسكون الدال وهو أن تجمع الناس إلى طعامك وتدعوهم، ومنه الأدَبُ
بالتحريك لأنه يَأَدِب الناس إلى المحامد أي يدعوهم إليها.
وعن أبي زيد: الأَدَبُ اسم يقع على كل رياضة محمودة يتخرّج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل. كذا
في المغرب.
وفي النهاية: والمراد من أدب القاضي هنا هو الخصال الحميدة المندوبة والمدعو إليها، فالأدب للقاضي
ما يذكر له من شرائط الشهادة.
ينظر: أنيس الفقهاء ص ٢٢٨.
٨٢

٨٣
كتاب آداب القاضي
والقضاء هو الحكم بين الناس بالحق والحكم بما أنزل الله - عز وجل -، فكان نصب
القاضي لإقامة الفرض، فكان فرضاً ضرورة، ولأن نصب الإمام الأعظم فرض بلا خلاف بين
أهل الحق(١)، ولا عبرة بخلاف بعض القدرية لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ذلك،
(١) ذهب جمهور العلماء إلى أن نصب الخليفة وإقامته على الأمة واجب على المسلمين.
وخالفهم الأصم من المعتزلة وبعض الخوارج إذا قالوا: بجواز نصب الخليفة لا وجوبه والواجب عندهم
إمضاء أحكام الشرع فإذا اتفقت الأمة على العدل وتواطأت على تنفيذ أحكام الله تعالى لم تحتج إلى خليفة
ولا يجب عليها نصبه .
والقائلون بوجوب نصب الخليفة اختلفوا في طريقه فذهب أهل السنة وأكثر المعتزلة إلى أن نصبه واجب
بالسمع وذهب جماعة منهم الجاحظ والخياط والكعبي وأبو الحسين البصري إلى أن نصبه واجب بالعقل.
استدل أهل السنة ومن وافقهم على الوجوب سمعاً بأمور:
الأول: تَواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة الرسول وَّ على امتناع خلو الوقت عن خليفة
حتى قال أبو بكر في خطبته حين وفاة الرسول عليه السلام: ألا أن محمداً قد مات ولا بد لهذا الدين ممن
يقوم به فبادر الكل إلى قبول قوله ولم يقل أحد لا حاجة لنا بذلك بل اتفقوا عليه وأخذوا ينظرون فيمن
يتولاه وتركوا له أهم الأشياء وهو دفن النبي ◌َّيّ واختلاف الصحابة في تعيين الخليفة لا يقدح في ذلك
الاتفاق ولم يزل الناس بعدهم على ذلك في كل عصر.
الثاني: أن الشارع أمر بإقامة الحدود وسد الثغور وتجهيز الجيوش للجهاد وكثير من الأمور المتعلقة بحفظ
النظام وحماية البيضة مما لا يتم إلا بخليفة إذ لا يمكن لآحاد الناس أن يقوم به وما لا يتم الواجب
المطلق إلا به وكان مقدوراً عليه فهو واجب.
الثالث: أن في نصب الخليفة جلب منافع كثيرة ودفع مضارَّ عديدة وكل ما كان كذلك فهو واجب
بالإجماع وذلك لأنا نعلم علماً ضرورياً أن اجتماع الناس الموصل إلى صلاحهم في دينهم ودنياهم لا يتم
إلا بسلطان قاهر يدرأ المفاسد ويحفظ المصالح ويمنع ما تتسارع إليه طباعهم وتتنازع عليه أطماعهم.
ولهذا لا ينتظم أمر أدنى اجتماع كرفقة طريق بدون رئيس يقتدون برأيه وربما يحصل مثل هذا بين
الحيوانات كالنحل لها عظيم يقوم مقام الرئيس ينتظم به أمرها فإذا هلك شاع بينها الانقسام والفساد.
ونوقش هذا الدليل: بأن في نصب الخليفة مضارً كثيرة وقد قال النبي ◌َّر: لا ضرر ولا ضرار.
فإن تولية الإنسان على مثله ليحكم عليه فيما يهتدي إليه وفيما لا يهتدي إليه ضرراً لا محالة.
وقد يستنكف عنه بعض الناس كما وقع فيما مضى فيفضي ذلك إلى الاختلاف والفتنة وهذا ضرر عظيم.
ويزاد على ذلك أن الخليفة لا تجب عصمته فيتصور منه الكفر والفسوق فإن لم يعزل أضر بالأمة وإن عزل
أدى ذلك إلى الفتنة لاحتياج الناس إلى محاربته.
أجيب عن ذلك: بأن المضار اللازمة من ترك نصب الخليفة أكثر بكثير من المضار الناشئة من نصبه ودفع
الضرر الأعظم عند التعارض واجب قال العلامة السعد في شرح المقاصد بعد ذكر الأدلة الثلاثة (وقد
يتمسك بمثل قوله تعالى ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ وقوله وق ير ((من مات ولم
يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)) فإن وجوب الطاعة والمعرفة يقتضي الحصول).
واستدل القائلون بوجوب نصب الخليفة عقلاً: بأن طباع العقلاء توجب التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم
ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم فكل أمة لا تستغني عن قوة تحمي قوانينها وتدير شؤون أفرادها فوجود =

٨٤
كتاب آداب القاضي
الحاكم الوازع ضرورة من ضرورات الاجتماع البشري الذي تختلف فيه الأهواء وتتشتت الآراء فيكثر النزاع
=
ويشتد الخصام وتسود الفوضى لذلك يقول الأفوه وهو شاعر جاهلي.
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم: ولا سراة إذا جهالهم سادوا ورد هذا الدليل: بأنه مبني على قاعدة
(ما أدركه العقل حسناً فهو عند الله حسن وما أدركه قبيحاً هو عند الله قبيح) وهي قاعدة باطلة إذ لو كان
العقل كافياً في درك الأحكام الشرعية وانتظام أمر الناس في دينهم ودنياهم لما كان هناك حاجة لإرسال
الرسل عليهم السلام إلى الخلق.
وهذا هو الصحيح الذي تركن إليه النفس ويطمئن إليه القلب ويخضع له الفكر السليم لأن العقول متباينة
ومتفاوته فرب أمر يكون حسناً في نظر بعض العقول وهو قبيح في نظر بعض آخر فكيف يدرك العقل
الأحكام الشرعية وكيف يكون متعلق المدح والثواب والذم والعقاب لا بد إذاً في انتظام أمر المجتمع من
قانون سماوي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد يكون هو المرجع في تعريف
الأحكام الشرعية وتنظيم شأن المجتمع وبذلك يسود العدل ويستقر في نصابه وينتظم أمر الدين والدنيا.
هذه أدلة القائلين بوجوب نصب الخليفة على اختلافهم في طريق الوجوب.
أما القائلون بعدم وجوب نصب الخليفة فاستدلوا بما يأتي الأول: توفر الناس على مصالحهم الدنيوية
وتعاونهم على واجباتهم الدينية مما بحث عليه طبعهم وينادي به دينهم فلا جاحة بهم إلى قيام حاكم
عليهم فيما يستقلون به ويدل على ذلك انتظام أحوال العرب وأهل البادية النائين عن السلطان وحكمه.
الثاني: انتفاع الناس بالخليفة لا يكون إلا بالوصول إليه ولا يخفى أن وصول آحاد الرعية إليه في كل ما
يطرأ لهم من الأمور الدنيوية متعذر عادة فلا فائدة إذاً في نصبه للعامة فلا يكون واجباً بل جائزاً.
الثالث: اشترط العلماء في الخليفة شروطاً قلما تتوفر في كل عصر وعلى ذلك فإن أقام المسلمون فاقدها لم يأتوا
بالواجب عليهم وإن لم يقيموه فقد تركوا الواجب فوجوب نصبه يستلزم أحد الأمرين الممتنعين فيكون ممتنعاً.
ورد دليلهم الأول: بأنه وإن كان ممكناً عقلاً فهو ممتنع عادة لما نشاهده من قيام الفتن وحدوث الخلاف
والشقاق عند موت الولاة.
أما العرب وسكان البادية فهم في نهاية القسوة والغلظة يشنون الغارات لأتفه الأشياء ويقتلون الأنفس
لأوهى الأسباب فهم بعيدون عن آداب الدين وسياسة الدنيا.
ورد الثاني: بمنع ما يدعونه من أن الانتفاع بالإمام لا يكون إلا بالوصول إليه فقط بل كما يكون بالوصول
إليه يكون بوصول أحكامه وسياسته إلى الرعية ونصبه من يرجعون إليه في مصالحهم.
ورد الثالث: بأن الواجب على المسلمين أن يبايعوا من كان مستجمعاً للشروط الواجبة فإذا تعذر وجود
بعض الشروط دخلت المسألة في حكم الضرورات والضرورات تقدر بقدرها فيكون الواجب حينئذ مبايعة
من كان مستجمعاً لأكثر الشروط من أهلها مع الاجتهاد والسعي لاستكمالها كلها فيه.
قال ابن خلدون بعد أن ذكر مذهب القائلين بجواز نصب الخليفة (والذي حملهم على هذا المذهب إنما
هو الفرار عن الملك ومذاهبه من الاستطالة والتغلب والاستمتاع بالدنيا لما رأوا الشريعة ممتلئة بذم ذلك
والنعي على أهله ومرغبة في رفضه واعلم أن الشرع لم يذم الملك لذاته ولا خطر القيام به وإنما ذم
المفاسد الناشئة عنه من القهر والظلم والتمتع باللذات ولا شك أن في هذه مفاسد محظورة وهي من توابعه
كما أثنى على العدل والنصفة وإقامة مراسيم الدين والذب عنه زأوجب بإزائها الثواب وهي كلها من توابع =

٨٥
كتاب آداب القاضي
ولمساس الحاجة إليه لتقيد الأحكام، وإنصاف المظلوم من الظالم، وقطع المنازعات التي هي
مادة الفساد، وغير ذلك من المصالح التي لا تقوم إلا بإمام، لما علم في أصول الكلام،
ومعلوم أنه لا يمكنه القياس بما نصب له بنفسه فيحتاج إلى نائب يقوم مقامه في ذلك وهو
القاضي، ولهذا كان رسول الله وعليه يبعث إلى الآفاق قضاة، فبعث سيدنا معاذاً - رضي الله
عنه - إلى اليمن(١)، وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة (٢)، فكان نَصْبُ القاضي من ضرورات
نصب الإمام، فكان فرضاً، وقد سماه محمد فرِيضَةٍ مُحْكَمَةٌ، لأنه لا يحتمل النسخ لكونه من
الأحكام التي عُرف وجوبها بالعقل، والحكم العقلي لا يحتمل الانتساخ، والله تعالى أعلم.
فصل في من يصلح للقضاء
وأما بيان من يصلح للقضاء فنقول: الصلاحية للقضاء لها شرائط.
منها: العقل، ومنها: البلوغ.
ومنها: الإسلام.
ومنها: الحرية .
ومنها: البصر.
الملك فإذا إنما وقع الذم للملك على صفة وحال دون حال أخرى ولم يذمه لذاته الخ).
۔
بقي أن نقول: إن وجوب نصب الخليفة الذي ذهب إليه جمهور العلماء ليس وجوباً عينياً بل هو وجوب
كفائي شأنه شأن سائر الواجبات الكفائية من جهاد وطلب علم ونحو ذلك فإذا قام بهذه الوظيفة من يصلح
لها سقط وجوبها عن كافة المسلمين وإن لم يقم بها أحد أثم من الناس فريقان الأول: أهل الاختيار
المعروفون بشروطهم حتى يختاروا خليفة للمسلمين.
والثاني: أهل الخلافة حتى ينتصب أحدهم ويتولى أمورها وليس على غير هذين الفريقين من الأمة حرج
ولا مأثم.
ينظر: الخلافة الإسلامية لشيخنا عبد الفتاح الجوهري.
(١) تقدم بعث النبي ◌ّ﴿ معاذاً إلى اليمن.
(٢) قصة تولية عتاب بن أسيد على مكة ذكرها ابن الأثير في أسد الغابة ترجمة رقم (٣٥٣٨ - بتحقيقنا) وقال
الحافظ في الإصابة (٣٥٧/٤) ترجمة رقم (٥٤٠٧).
((ورويناه في الجزء الخامس من أمالي المحاملي: رواه أبي عمر بن مهدي ... موثقون إلا محمد بن
إسماعيل، وهو ابن حذافة السهمي فإنهم ضعفوا روايته في غير الموطأ مقيدة عن أنس أن النبي وَله
استعمل عتاب بن أسيد على مكة وكان شديداً على المريب ليناً على المؤمنين وكان يقول: والله لا أعلم
متخلفاً عن هذه الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه. فإنه لا يتخلف عنها إلا منافق. فقال أهل مكة: يا
رسول الله استعملت على أهل الله أعرابياً جافياً فقال: ((إني رأيت فيما يرى النائم أنه أتى باب الجنة فأخذ
بحلقة الباب فقعقعها حتى فتح له ودخل)» ! هـ.

٨٦
كتاب آداب القاضي
ومنها: النطق، ومنها السلامة عن حدِّ القذف لما قلنا في الشهادة، فلا يجوز تقليد
المجنون، والصبي، والكافر، والعبد، والأعمى، والأخرس، والمحدود في القذف، لأن
القضاء من باب الولاية، بل هو أعظم الولايات، وهؤلاء ليست لهم أهلية أدنى الولايات وهي
الشهادة، فلأن لا يكون لهم أهلية أعلاها أولى.
وأما الذُّكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة، لأن المرأة من أهل الشهادات
في الجملة، إلا أنها لا تقضي بالحدود والقصاص، لأنه لا شهادة لها في ذلك، وأهلية القضاء
تدور مع أهلية الشهادة(١).
وأما العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام، فهل هو شرط جواز التقليد؟ عندنا: ليس
بشرط الجواز، بل شرط الندب والاستحباب.
وعند أصحاب الحديث كونه عالماً بالحلال والحرام وسائر الأحكام مع بلوغ درجةٍ
الاجتهادِ(٢) في ذلك شرط جواز التقليد، كما قالوا في الإمام الأعظم.
(١) وشرط بعضهم الذكورة لأن القضاء يحتاج إلى الإقدام والعزم، وسعة الصدر، والمرأة لا إقدام عندها للين
قبلها، ورقة مزاجها، ولا جلادة لها، ولذا ورد في الحديث: ((لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة».
وقال أبو حنيفة: يجوزُ أن تكونَ المرأةُ قاضياً فيما تشهد فيه، وهو الأموال، لا على الدوام، بل في بعض
الأوقات، كأن تحكم في حادثة: أو تستناب في قضية، ونقل ابن رشد عن الطبري؛ أنه قال يجوز أن
تكون المرأةُ قاضياً على الإطلاق في كل شيء وذكر ابن العربي في ((أحكام القرآن)) أن ذلك لم يصح عنه.
(٢) شريعة الإسلام عامة فلا يختص بها قبيل من البشر دون قبيل، ودائمة فلا يختص بها جيل دون جيل،
وأفعال البشر على اختلاف أجناسهم وتعاقب عصورهم لا تنتهي إلى حد، ولا تدخل تحت حصر، ومن
أجل هذا لم تنزل أحكامها في نسق واحد من التفصيل والبيان، بل أرشدت الشريعة إلى بعضها بدلائل
خاصة، وقررت بقيتها في أصول كلية ليستنبطها الذين أوتوا العلم عند الحاجة إليها.
يتمكن العالم من استنباط الأحكام بمعرفة أمرين :
(أحدهما): الأدلة السمعية التي تنتزع منها القواعد والأحكام.
(ثانيهما) وجود دلالة اللفظ المعتد بها في لسان العرب واستعمال البلغاء.
ويرجع النظر في الأدلة السمعية إلى الكتاب والسنة والإجماع، ويتصل بهذه الأدلة أصول اختلفت فيها
أنظار الأئمة، كمذهب الصحابي، وعمل أهل المدينة، وشرع من قبلنا الذي لم يرد في شريعتنا ما
ينسخة، فإن الأخذ بهذه الأصول يرجع إلى التمسك بدليل منقول لا يدخل فيه العقل إلا على وجه التفهم
كما يدخل في غيره من نصوص الكتاب والسنة.
ويرجع النظر في وجوه الدلالات إلى دلالة بالمنطوق، ودلالة بالمفهوم، ودلالة بالمعقول. ومن متناول
دلالة المعقول ذلك الأصل الكبير الذي يسمونه القياس، ويضارع القياس في هذه الدلالة أنواع جرى فيها
الخلاف بين أهل العلم، مثل الاستصحاب، والمصالح المرسلة، ومراعاة العرف، وسد الذرائع.
ثم إن الأدلة قد تتزاحم في نظر المجتهد ويراها واردة على قضية واحدة، وكل منها يقتضي من الحكم غير =

٨٧
كتاب آداب القاضي
ما يقتضيه الآخر، فيحتاج إلى أن ينقب عن الوجوه التي يترجح بها جانب أحدها ليعتمد عليه في تقرير
=
الحکم.
فدخل في الأركان التي يقوم عليها الاجتهاد، القدرة على الموازنة بين الأدلة وترجيح أقواها على ما هو
دونه عند تعارضها، فمن كان على بصيرة من الأدلة السمعية ووجوه دلالتها وطرق الترجيح بين الأدلة عند
تعارضها، فقد قبض على زمام الاستنباط، واستعد لأن يجلس على منصة الاجتهاد.
فالاجتهاد بذل الفقيه الوسع لاستخراج الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية .
إن الاجتهاد يدور على معرفة الأدلة السمعية، ووجوه دلالتها، وطرق الترجيح عند تعارضها.
أما معرفة الأدلة السمعية فتتحقق بمعرفة الكتاب والسنة والأحكام المشتركة بينهما كالعلم بالناسخ
والمنسوخ، والأحكام الخاصة بالكتاب: كالعلم بوجوه القراءات، والأحكام الخاصة بالسنة كالعلم بأصول
الحديث وأحوال الرواة .
وأما معرفة وجوه الدلالات فتتحقق بالفرق بين المنطوق والمفهوم، والمجمل والمبين، والنص والظاهر،
والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والحقيقة والمجاز، والمحكم والمتشابه، والصريح والكناية،
والمعاني التي يدل عليها الكلام بنفسه، والمعاني التي يراعيها البلغاء، ويسميها علماء البيان بمستتبعات
التراكيب .
فمن شروط الاجتهاد العلم باللغة والنحو والمعاني والبيان، ومجمل القول أن يكون عارفاً باللسان العربي
ووجوه تصرفات ألفاظه ومعانيه معرفة ترفعه بين علماء اللغة وبلغائها مكاناً عالياً.
أما طرق الترجيح فمنها ما يعرف بالنظر في علوم الشريعة كتقديم ما يتلى في الكتاب الكريم على ما يروى
على أنه حديث، ومنها ما يعرف بالبحث عن حال الرواة كتقديم ما يرويه البخاري على ما يرويه غيره،
ومنها ما يعرف بالنظر في علوم اللغة كتقديم النص على الظاهر والمنطوق على المفهوم.
الكتاب: ذكرنا في شروط الاجتهاد العلم بالقرآن الكريم ولا سيما آيات الأحكام التي قدرها الغزالي وابن
العربي بخمسمائة آية، واقتصرا في تقديرها على هذا العدد لأنهم رأوا مقاتل بن سليمان، وهو أول من
أفرد آيات الأحكام في تصنيف، قد جعلها خمسمائة آية، وقد نازعهم ابن دقيق العيد في هذا التقدير،
وقال مقدار آيات الأحكام لا ينحصر في هذا العدد، بل هو يختلف باختلاف القرائح والأذهان، وما
يفتحه الله من وجوه الاستنباط. والراسخ في علوم الشريعة يعرف أن من أصولها أو أحكامها ما يؤخذ من
موارد متعددة حتى الآيات الواردة في القصص والأمثال.
وقد عني طائفة من العلماء بآيات الأحكام بعد مقاتل، فألفوا في تفسيرها خاصة كما فعل منذر بن سعيد
البلوطي قاضي قرطبة المتوفى سنة ٣٥٥ وأبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص المتوفى سنة ٣٧٠
وأبو بكر بن العربي المتوفى سنة ٤٦٨ وعبد المنعم بن محمد المعروف بابن الفرس المتوفى سنة ٥٩٩.
السنة: أوردنا في شروط الاجتهاد العلم بسنة رسول الله وَّر، وقد اختلف أهل العلم في القدر الذي فيه
كفاية، فقال أبو بكر بن العربي في كتاب المحصول: هي ثلاثة آلاف حديث، ونقل عن أحمد بن حنبل
أن الأصول التي يدور عليها العلم ينبغي أن تكون ألفاً ومائتين، ويذهب ابن القيم إلى أن الأصول التي
تدور عليها الأحكام خمسمائة حديث، وهي مفصلة في نحو أربعة آلاف حديث.
والحق في جانب من يقول: إنه لا يحق الاجتهاد إلا لمن كان عالماً بما اشتملت عليه مجاميع السنة
كالأمهات الست وما يلحق بها من الكتب التي التزم مصنفوها الصحة فيما يروون، إذ من المحتمل أن =

٨٨
كتاب آداب القاضي
يوجد فيها ما يدل على الحكم صراحة ويأتي الاستنباط بما يخالفها، وكان أهل العلم فيما سلف إنما
=
يرجعون بالواقعة إلى الاستنباط بعد أن يبحثوا جهد استطاعتهم فلا يظفروا بآية أو سنة تنص على حكمها.
في كتاب القضاء لأبي عبيد أن أبا بكر الصديق كان إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد
فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله وَّر، فإن وجد فيها ما يقضي
به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس هل علمتم أن رسول الله وَ لّ قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم
فيقولون قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي ◌ّلير جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا
اجتمع رأيهم على شيء قضى به؛ وكان عمر يفعل ذلك.
والحديث الذي يرويه أحد الأئمة ويصله بما ينبىء عن صحته، يسوغ للفقيه متى عرف مذهب الراوي في
التعديل أن يعتمد على تصحيحه، ومن هذا القبيل ما يرويه البخاري ومسلم في صحيحيهما. وأما ما يروى
في الكتب التي لا تخلو من الضعيف، فلا بد له من النظر في سند الحديث والبحث عن سيرة من يجهل
حاله حتى يكون على بينة من أمره.
علوم اللغة العربية: أخذنا في شروط المجتهد أن يكون قائماً على علوم اللغة العربية، بحيث يبلغ في فهم
الكلام العربي مبلغ العرب الناشئين في الجاهلية أو في صدر الإسلام، قال أبو إسحاق الشاطبي ((لا غنى
للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب بحيث يصير فهم خطابها طبعاً غير
متكلف)» .
وقد يقع في خاطرك أن شرط الاجتهاد في اللسان العربي يجعل رتبة الاجتهاد في الشريعة بمنزلة المتعذر،
فإنه يقتضي أن يسلك الفقيه في البحث عن معاني الألفاظ وأحكامها ووجوه بلاغتها الطرق التي سلكها
أئمة تلك العلوم، ولا يكفيه أن يأخذ من القاموس أن النكاح مثلاً يطلق على الوطء والعقد، ومن كتاب
سيبويه أن الخفض يكون بالجوار، ومن دلائل الإعجاز أن تقديم المعمول أو تعريف المسند يفيد القصر،
حتى يتتبع كلام العرب بنفسه ويقف على صحة إطلاق النكاح على الوطء والعقد، ويظفر بشواهد كثيرة
يحقق بها قاعدة الخفض بالجوار، وشواهد أخرى يعلم بها أن تقديم المعمول أو تعريف الطرفين يفيد
الحصر. وتكليفه بأن يبلغ في علوم اللغة هذه الغاية يشبه التكليف بما لا تسعه الطاقة.
وجواب هذا:
أن المجتهد في الشريعة لا بد له من أن يرسخ في علوم اللغة رسوخ البالغين درجة الاجتهاد، وله أن
يرجع في أحكام الألفاظ ومعانيها إلى رواية الثقة وما يقوله الأئمة، وإذا وقع نزاع في معنى أو حكم توقف
عليه فهم نص شرعي تعين عليه حينئذ بذل الوسع في معرفة الحق بين ذلك الاختلاف، ولا يسوغ له أن
يعمل على أحد المذاهب النحوية أو البيانية في تقرير حكم إلا أن يستبين له رجحانه بدليل.
فالمجتهد في أحكام الشريعة وإن ساغ له التقليد في العلوم التي هي وسائل الاستنباط، يجب عليه أن
يكون في معرفتها بمكانة سامية، حتى إذا جرى اختلاف في رتبة حديث أو قاعدة عربية احتاج إلى
تطبيقها، جرد نظره لاجتلاء الحقيقة دون أن يقف وقفة الحائر أو يتمسك بأحد الآراء على غير بينة.
أصول الفقه: مسائل علم الأصول منها ما يستمد من النظر في الكتاب والسنة، ومنها ما يستمد من النظر
في علوم اللغة العربية، فيمكن من تضلع من موارد الشريعة ورسخ في فهم لسان العرب، أن يدرك هذه
الأصول بنفسه كما أدركها الأئمة الذين نهضوا بالاجتهاد قبل أن يدون علم الأصول، ولكن الوصول إلى
مسائل الأصول وهي مدونة أسهل على الطالب من أن يبذل جهده في استقرائها ويرسل فكره في =

٨٩
كتاب آداب القاضي
..
اقتناصها، باحثاً عنها في أبواب متفرقة، وموارد متشعبة، وعلى أي حال كان طالب الاجتهاد في الأحكام
=
لا يستقيم له هذا المنصب إلا أن ينظر في الأصول نظر الباحث المستقل، بحيث لا يبنى في الاستنباط
على الاستصحاب أو سد الذرائع مثلاً، ولا يقرر الحكم اعتماداً على عمل أهل المدينة أو مذهب
الصحابي، متابعة لمن يقول بحجيتها، فالاجتهاد في الأصول بمنزلة الأساس للاجتهاد في الأحكام، فلا
يدخل في قبيل المجتهد المطلق من يبني في تقرير الأحكام على أصول قررها إمامه وتلقاها منه بتقليد.
فالحق مع من لم يرض لمدعي الاجتهاد إلا أن يرسخ في أصول الفقه ويبحث مسائله بنظر قائم بنفسه،
حتى لا يعتمد في الاستنباط إلا على أصل رأي كيف تشهد به البينة وتقوم عليه الحجة.
الفقه: يظهر في بادىء الرأي أن ليس من شروط الاجتهاد المطلق معرفة الأحكام التي استنبطها الفقهاء من
دلائل الشريعة، ذلك لأنها صادرة عن اجتهاد، فيجب أن يكون الاجتهاد متقدماً عليها في الوجود، فهو
مستقل عنها، وجائز أن يتحقق بدونها، ولو قدرنا ناشئاً درس علوم اللغة حتى أصبح في ذوقه وفهمه
لدقائق العربية كالعربي الخالص، ثم أقبل على التفقه في الكتاب والسنة حتى عرف مقاصد الشريعة،
لأمكنه استنباط الأحكام من دلائلها كما استنبطها العلماء من قبل أن تدون المذاهب والآراء. والتحقيق أن
معرفة المذاهب ودرس أحكام الفقه مربوطة بأصولها مما يخطو بالعلم في سبيل الاجتهاد خطوات سريعة
لولا دراسة الفقه على هذا الوجه لأنفق في بلوغها مجهوداً كبيراً وزمناً طويلاً. ثم إنه يأمن العثار والخطأ
في الفتوى أكثر مما إذا لم يدرس أقوال الأئمة من قبله، وهذا ما يراه طائفة من الأصوليين كأبي حامد
الغزالي إذ قال: ((إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسة الفقه، فهو طريق تحصيل الدربة في هذا
الزمان».
وهذا محمل ما ينقل عن السلف من حث الفقهاء على معرفة اختلاف أهل العلم من قبلهم، قال هشام بن
عبد الله الرازي: من لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه. وقال عطاء: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس
حتى يكون عالماً باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه.
وقال سفيان بن عيينة: أجرأ الناس على الفتوى أقلهم علماً باختلاف العلماء. وقال سعيد بن أبي عروبة:
من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالماً.
ولا يقصدون بهذا حفظ مجرد الخلاف، بل القصد أن يعرف أقوال السلف ومداركها.
مواقع الإجماع: يذكر الأصوليون في شرط المجتهد أن يكون عارفاً بمواقع الإجماع، وهذا في الواقع
شرط لصحة الاجتهاد بالفعل، وليس بشرط في بلوغ رتبة الاجتهاد، وإنما أخذوا هذا شرطاً لصحته لئلا
يقرر الفقيه حكماً يخرج به عن الإجماع، إذ كل فتوى يخرق بها صاحبها الإجماع هي في نظر أئمة الدين
باطلة، وقد خفف الإمام الغزالي في هذا الشرط فقال: ليس من واجبه أن يحفظ المسائل التي وقع عليها
الإجماع، فالواقعة التي علم أنها كانت موضع اختلاف، والحادثة التي يعرف من حالها أنها وليدة عصره
ولم يقع لها مثيل في العصور المتقدمة، له أن يجتهد ويفتي فيهما بما قام الدليل على رجحانه وإن لم يكن
ملمًّا بالمسائل التي انعقد عليها الإجماع.
فإن وقعت الواقعة ولم يكن قد بلغه أنه جرى فيها اختلاف، ولم يثق بأنها وليدة عصره، بحث ما
استطاع، فإن لم يقف على أنها مسألة مجمع عليها، تناولها بالاجتهاد وفصل لها حكماً مطابقاً .
القياس: هل يعد في شروط المجتهد أن يكون ممن يقول بأصل القياس؟
هذا ما يراه أبو إسحاق الإسفراييني، وعزا إلى الجمهور أنهم قالوا: إن نفاة القياس لا يبلغون درجة =

٩٠
كتاب آداب القاضي
وعندنا هذا ليس بشرط الجواز في الإمام الأعظم(١)، لأنه يمكنه أن يقضي بعلم غيره
الاجتهاد، وأخذ به إمام الحرمين وقال: علماء الشافعية لا يقيمون لأهل الظاهر وزناً .
=
ومن أهل العلم من لم يتمسك بهذا الشرط وعدَّ الظاهريَّ الذي تحققت فيه الشروط الآنفة في قبيل أهل
الاجتهاد، وينبني على هذا أن يكون خلافهم معتداً به، فلا إجماع فيما خالفوا فيه من الأحكام. وهذا ما ذكر
الأستاذ أبو منصور البغدادي أنه الصحيح من مذهب الشافعية، وقال ابن الصلاح: إنه الذي استقر عليه الأمر.
وسنسوق في مقام آخر الأدلة على أن القياس أصل من أصول الشريعة الغراء.
العدالة والاستقامة: ليست العدالة شرطاً لتحقق وصف الاجتهاد في نفسه، وإنما هي شرط في قبول فتوى
المجتهد، إذ الفتوى من قبيل الإخبار، والنفس لا تركن إلى خبر الفاسق، ومن يعمل سوءاً يسهل عليه أن
يقول زوراً، والتقوى هي التي تحمل المجتهد على التروي في تفصيل الحكم، فلا يلفظ بالفتوى إلا بعد
النظر في الواقعة وما يترتب عليها من مصالح أو مفاسد، ثم يعود إلى قواعد الشريعة فيفصل لها حكماً
يطابقها، قال مالك بن أنس: ربما وردت عليَّ المسألة فتمنعني من الطعام والشراب والنوم، فقيل له: يا
أبا عبد الله والله ما كلامك عند الناس إلا نقر في حجر، ما تقول شيئاً إلا تلقوه منك. قال: فمن أحق أن
يكون هكذا إلا من كان هكذا. وقال: ربما وردت عليَّ المسألة فأفكر فيها ليالي. وكان إذا سئل عن
المسألة يقول للسائل انصرف حتى أنظر فيها، فينصرف السائل ويجعل مالك يردد النظر في المسألة، فقيل
له في ذلك، فقال: إني أخاف أن يكون لي من المسائل يوم وأيُّ يوم: وكذلك كان السلف من الصحابة
والتابعين، يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكون غيره قد كفاه أمرها، حتى إذا رآها
قد تعينت عليه بذل جهده في تعرف حكمها ثم أفتى.
ينظر رسائل الإصلاح ص ١٩ - ٢٧.
وينظر: البرهان لإمام الحرمين ١٣١٦/٢، البحر المحيط للزركشي ١٩٥/٦، سلاسل الذهب للزركشي
ص ٤٣٧، التمهيد للأسنوي ص ٥١٩، نهاية السول له ٥٢٤/٤، زوائد الأصول له ص ٤٢٨، منهاج
العقول للبدخشي ٢٦٠/٣، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٢٢٥، التحصيل من المحصول
للأرموي ٢٨١/٢، المنخول للغزالي ص ٤٥١، المستصفى له ٣٥٠/٢، حاشية البناني ٣٧٩/٢، الإبهاج
لابن السبكي ٢٤٦/٣، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢٤٢/٤، حاشية العطار على جمع الجوامع
٢/ ٢٤٠، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٦٠٧، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم
٥٢٥/٤، تيسير التحرير لأمير بادشاه ١٧٨/٤، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢٩١/٣، ميزان الأصول
للسمر قندي ١٠٤٨/٢، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢٨٩/٢، شرح التلويح على
التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١١٧/٢، حاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص
٢٢٥، الوجيز للكراماستي ص ٨٤، الموافقات للشاطبي ٨٩/٤، تقريب الوصول لابن جزي ص ١٥١،
إرشاد الفحول للشوكاني ص ٢٥٠، شرح مختصر المنار للكوراني ص ١٠٥، نشر البنود للشنقيطي ٢/
٣٠٩، شرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٦٠٦.
١) من شروط نصب الخليفة العلم المؤدّي إلى الاجتهاد في الأصول والفروع، ليتمكن من إقامة الحجج،
وحل الشبه في العقائد الدينية، ويستقل بالفتوى في النوازل والأحكام التي تطرأ نصًّا واستنباطاً، لأن أهم
مقاصد الإمامة حفظ العقائد، وفصل الحكومات، ورفع الخصومات، ولن يتم ذلك بدون الاجتهاد.
غير أن بعض علماء الحنفية قد أجازوا تولية غير المجتهد على المسلمين، لأن الخليفة يستعين
بالمجتهدين، فهذا الشرط عندهم كماليٍّ يقدم صاحبه في حالتي الاختيار، وليس من شروط الانعقاد.

٩١
كتاب آداب القاضي
بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء، فكذا في القاضي، لكن مع هذا لا ينبغي أن يقلد الجاهل
بالأحكام، لأن الجاهل بنفسه ما يفسد أكثر مما يصلح، بل يقضي بالباطل من حيث لا يشعر
به، وقد رُوِيّ عن رسول الله - وَ لَرَ - أنه قال: ((القُضَاءُ ثَلاثَةٌ: قَاضِ في الجَنَّةِ وقَاضِيَانِ في
الثَّار: رَجُلٌ عَلِمَ عِلْماً فَقَضَى بِمَا عِلِمَ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَلِمَ عِلْماً فَقَضَىْ بِغَيْرِ مَا عَلِمَ فَهُوَ
فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ جَهِلَ فَقَضَى بِالجَهْلِ فَهُوَ فِي النَّارِ)) (١) إلا أنه لو قلد جاز عندنا، لأنه يقدر على
القضاء بالحق بعلم غيره بالاستفتاء من الفقهاء، فكان تقليده جائزاً في نفسه، فاسداً لمعنى في
غيره، والفاسد لمعنى في غيره يصلح للحكم عندنا مثل الجائز، حتى ينفذ قضاياه التي لم
يجاوز فيها حد الشرع، وهو كالبيع الفاسد أنه مثل الجائز عندنا في حق الحكم، كذا هذا.
وكذا العدالة عندنا ليست بشرط لجواز التقليد، لكنها شرط الكمال فيجوز تقليد الفاسق،
وتنفذ قضاياه إذا لم يجاوز فيها حدَّ الشرع.
وعند الشافعي - رحمه الله - شرط الجواز، فلا يصلح الفاسق قاضياً عنده بناءً على أن
الفاسق ليس من أهل الشهادة عنده، فلا يكون من أهل القضاء، وعندنا هو من أهل الشهادة
فيكون من أهل القضاء، لكن لا ينبغي أن يقلد الفاسق، لأن القضاء أمانة عظيمة، وهي أمانة
الأموال والأبضاع والنفوس، فلا يقوم بوفائها إلا من كَمَلَ ورعُهُ وَتَمَّ تقواه، إلاَّ أنه مع هذا لو
قلَّد جاز التقليد في نفسه وصار قاضياً، لأن الفساد لمعنى في غيره فلا يمنع جواز تقليده القضاء
في نفسه لما مَرَّ .
وأما ترك الطَّلَبِ فَلَيْسَ بشرط لجواز التقليد بالإجماع، فيجوز تقليد الطالب بلا خلاف،
لأنه يقدرُ عَلَى القضاء بالحق، لكن لا ينبغي أن يقلد، لأن الطالب يكون متهماً.
(١) أخرجه أبو داود (٣٢٢/٢) كتاب الأقضية باب ((في القاضي يخطىء)) رقم (٣٥٧٣)، والترمذي (٦٠٤/٣)
كتاب ((الأحكام)): باب ((ما جاء عن رسول الله (َّ﴿ في القاضي)) رقم (١٣٢٢)، وابن ماجة (٧٧٦/٢)
كتاب ((الأحكام)): باب ((الحاكم يجتهد فيصيب الحق)) رقم (٢٣١٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٦١/٣ -
٤٦٢) كتاب ((القضاء)): باب ((ذكر ما أعد الله تعالى للحاكم الجاهل)) رقم (١/٥٩٢٢)، والحاكم في
((المستدرك)) (٩٠/٤)، والبيهقي (١١٦/١٠، ١١٧) كتاب ((آداب القضاء)): باب ((إثم من أفتى أو قضى
بالجهل))، والشجري في ((الأمالي)) (٢٣٢/٢ - ٢٣٤).
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم قال ابن
حجر في ((تلخيص الحبير)) (٣٠٤/٤)، قال الحاكم في ((علوم الحديث)): تفرد به الخراسانيون، ورواته
مراوزة .
قلت: القول لابن حجر: له طريق غير هذه قد جمعتها في جزء مفرد.
قال الهيثمي في («مجمع الزوائد» (١٩٨/٤، ١٩٩) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.

٩٢
كتاب آداب القاضي
وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((إِنَّا لا نُوَلِّي أَمْرِنَا هَذَا مَنْ كَانَ لَهُ
طَالِيا)(١) وعنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((مَنْ سأَلَ القَضَاءَ وكلَّ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُخْبِرَ
عَلَيْهِ نَزَّلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يُسَدِّدُه)(٢) وهذا إشارة إلى أن الطالب لا يوفق الإصابه الحق والمجبر عليه
یوفق.
(١) أخرجه أحمد (٤٠٩/٤، ٤١٧) (٣٩٣/٤) والبخاري (١٩٧/٥) كتاب ((الإجارة))، باب ((استئجار الرجل
الصالح)»، حديث (٢٢٦١).
وأطرافه في [٣٠٣٨، ٤٣٤١، ٤٣٤٣، ٦١٢٤، ٧١٤٩، ٧١٥٦، ٧١٥٧، ٧١٧٢].
ومسلم (٤٤٧/٦) كتاب ((الإمارة))، باب: ((النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها))، حديث (١٤، ١٥/
١٧٣٣).
وأبو داود (١٢٦/٤ - ١٢٧) كتاب ((الحدود)): باب: ((الحكم فيمن ارتد))، حديث (٤٣٥٤)، (٣٠٠/٣)
كتاب ((الأقضية))، باب ((في طلب القضاء والتسرع إليه))، حديث (٣٥٧٩) مختصراً، (١٣٠/٣ - ١٣١)
كتاب ((الخراج والإمارة والفيء))، باب: ((ما جاء في طلب الإمارة))، حديث (٢٩٣٠) بنحوه.
والنسائي (٩/١) كتاب الطهارة، باب: ((هل يستاك الإمام بحضرة رعيته))، حديث (٤)، (٢٢٤/٨) كتاب
(آداب القضاة))، باب: ((الإصابة في الحكم))، حديث (٥٣٩٧).
وفي الكبرى (٤٦٤/٣) كتبا ((القضاء))، باب: ((ترك استعمال من يحرص على القضاء))، حديث (٥٩٣٥).
وابن حبان (٣٥٣/٣) كتاب ((الطهارة))، باب: ((سنن الوضوء))، حديث (١٠٧١).
كلهم من طرق عن أبي بريدة قال: قال أبو موسى: أقبلت مع النبي ◌َّر ومعي رجلان من الأشعريين ...
فذكره وفيه قصة.
(٢) أخرجه أحمد (١١٨/٣) وأبو داود (٣٠٠/٣) كتاب الأقضية، باب: ((في طلب القضاء والتسرع إليه))،
حديث (٣٥٧٨) والترمذي (٦٠٤/٣ - ٦٠٥) كتاب ((الأحكام))، باب: ((ما جاء عن رسول الله وَّ في
القاضي)، حديث (١٣٢٣).
وابن ماجة (٧٧٤/٢) كتاب ((الأحكام))، باب: ((ذكر القضاة))، حديث (٢٣٠٩).
والحاكم (٤/ ٩٢).
كلهم من طريق إسرائيل عن عبد الأعلى عن بلال بن أبي موسى عن أنس - رضي الله عنه -... فذكره.
قال الحاكم: صحيح على الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والحديث أخرجه الترمذي برقم (١٣٢٤)
بنحوه، وقال: هذا حديث حسن غريب، وهو أصح من حديث إسرائيل عن عبد الأعلى.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٦٩/٤):
قال ابن القطان في ((كتابه)): هذا حديث يرويه أبو عوانة عن عبد الأعلى عامر الثعلبي عن بلال بن مرداس
عن خيئمة عن أنس، قال: وخيمة بن أبي خيثمة البصري لم يثبت عدالته، قال ابن معين: ليس بشيء،
وبلال بن مرداس الفزاري مجهول الحال، روى عنه عبد الأعلى بن عامر، والسدي، وعبد الأعلى بن
عامر ضعيف، قال: والعجب من الترمذي، فإنه أورد الحديث من رواية إسرائيل عن عبد الأعلى عن
بلال بن أبي موسى عن أنس، ثم قال في رواية أبي عوانة المتقدمة: إنها أصح من رواية إسرائيل، قال:
وإسرائيل أحد الحفاظ، ولولا ضعف عبد الأعلى كان هذا الطريق خيراً من طريق أبي عوانة الذي فيه
خيثمة، وبلال، انتھی کلامه.

٩٣
كتاب آداب القاضي
وأما شرائط الفضيلة والكمال فهو أن يكون القاضي عالماً بالحلال والحرام وسائر
الأحكام، قد بلغ في علمه ذلك حد الاجتهاد، عالماً بمعاشرة الناس ومعاملتهم عدلاً ورعاً
عفيفاً عن التهمة، صائن النفس عن الطمع، لأن القضاء هو الحكم بين الناس بالحق، فإذا كان
المقلد بهذه الصفات فالظاهر أنه لا يقضي إلا بالحق.
ثم ما ذكرنا أنه شرط جواز التقليد فهو شرط جواز التحكيم، لأن التحكيم مشروع، قال
الله - تعالى عَزَّ شأنه - ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] فكان الحكم من
الحكمين بمنزلة حكم القاضي المقلد، إلا أنهما يفترقان في أشياء مخصوصة.
منها أنه الحكم في الحدود والقصاص لا يصح.
ومنها أن ليس بلازم ما لم يتصل به الحكم، حتى لو رجع أحد المتحاكمين قبل الحكم
يصح رجوعُهُ وإذا حَكْمَ صَارَ لازماً.
ومنها أنه إذا حكم في فصل مجتهد فيه ثم رفع حكمه إلى القاضي ورأيه يخالف رأي
الحاكم المحكم له، أن يفسخ حكمه، والفرق بين هذه الجملة [يعرف في موضعه](١) إن
شاء الله تعالى.
فصل في مَنْ يُفترض عليه قبول تقليد القضاء
وأما بيان من يفترض عليه قبول تقليد القضاء فنقول: إذا عرض القضاء عَلَى مَنْ يَضْلُحُ له
من أهل البلد ينظر: إن كان في البلد عدد يصلحون للقضاء لا يفترض عليه القبول، بل هو في
سعة من القبول والترك.
أما جواز القبول فلأن الأنبياء والمرسلين - صلوات الله عليهم أجمعين - قضوا بين الأمم
بأنفسهم وقلدوا غيرهم، وأمروا بذلك، فقد بعث رسولُ الله وَّر معاذاً - رضي الله عنه - إلى
اليمن قاضياً، وبعث عتاب بن أسيد - رضي الله عنه - إلى مكة قاضياً، وَقَلَّدَ النبيَّ - عليه
الصلاة والسلام - كثيراً من أصحابه - رضي الله عنهم - الأعمال وبعثهم إليها، وكذا الخلفاء
الراشدون قضوا بأنفسهم وقلدوا غيرهم، فقلد سيدنا عمر - رضي الله عنه - شريحاً القَضَاءَ،
وقرره سيدنا عثمان وسيدنا علي - رضي الله عنهما ..
وأما جواز الترك؛ فلما رُوِيَ عَنِ النّبِّي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال لأبي ذَرِّ
- رضي الله عنه -: ((إِيَّاكَ وَالإِمَارَةَ))(٢) وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((لاَ تَتَأْمَّرَنَّ
(١) في ب: تعرف في كتاب أدب القاضي.
(٢) ينظر الحديث الأتي.

٩٤
كتاب آداب القاضي
عَلَى اثنَيْنِ))(١) .
وروي أن أبا حنيفة - رضي الله عنه - عُرض عليه القضاء فَأَبَى حتى ضرب على ذلك ولم
يَقْبَلْ، وكذا لم يقبله كثير من صالحي الأمة، وهذا معنى ما ذكر في الكتاب دخل فيه قوم
صالحون وترك الدخول فيه قوم صالحون.
ثم إذا جاز(٢) الترك والقبول في هذا الوجه، اختلفوا في أن القبول أفضل أم الترك؟ قال
بعضهم: الترك أفضل، وقال بعضهم: القبول أفضل، احتجَّ الفريق الأول بما رُوِي عن النبي
- عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((مَنْ جُعِلَ عَلَى القَضَاءِ، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكْينٍ))(٣) وهذا يجري
(١) أخرجه مسلم (٤٤٩/٦) كتاب ((الإمارة)): باب: ((كراهة الإمارة بغير ضرورة))، حديث (١٨٢٦/١٧).
وأبو داود (١١٤/٣) كتاب ((الوصايا»، باب ((ما جاء في الدخول في الوصايا))، حديث (٢٨٦٨).
والنسائي (٥٦٦/٦) كتاب ((الوصايا)): باب: ((النهي عن الولاية على مال اليتيم))، حديث (٣٦٦٩)، وابن
٠
حبان (١٢/ ٣٧٥) كتاب ((الحظر والإباحة))، حديث (٥٥٦٤).
والبيهقي (١٢٩/٣) كتاب ((الصلاة)): باب: ((كراهية الولاية جملة))، (٢٨٣/٦) كتاب ((الوصايا))، باب:
((من اختار ترك الدخول في الوصايا لمن يرى من نفسه ضعفاً)).
وابن سعد في الطبقات (٤/ ١٧٤).
كلهم من طريق سعيد بن أبي أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر عن سالم بن أبي سالم الجيشاني عن أبيه
عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله وَّلجر: ((يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي،
فلا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم)).
وأخرجه مسلم (٤٤٩/٦) كتاب ((الإمارة))، باب: ((كراهة الإمارة بغير ضرورة))، حديث (١٨٢٥/١٦) من
طريق الحارث بن يزيد الحضرمي عن ابن حجيرة الأكبر عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قلت: يا
رسول الله وير: ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، إنها
أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها».
(٢) في ب: جاز به كان له.
(٣) أخرجه أحمد (٢٣٠/٢، ٣٦٥) وأبو داود (٣٢٢/٢) كتاب ((الأقضية)): باب ((في طلب القضاء» رقم
(٣٥٧١، ٣٥٧٢)، والترمذي (٦٠٥/٣) كتاب ((الأحكام)): باب ((ما جاء عن رسول الله وَ لل في القاضي))
رقم (١٣٢٥)، وابن ماجة (٧٧٤/٢) كتاب ((الأحكام)): باب ((ذكر القضاء)) رقم (٢٣٠٨)، والنسائي في
((الكبرى)) (٤٦٢/٣) كتاب ((القضاء)): باب ((التغليظ في الحكم)) رقم (١/٥٩٢٣ - ٢/٥٩٢٤ - ٣/٥٩٢٥ -
٤/٥٩٢٦)، والدارقطني (٢٠٤/٤) كتاب ((في الأقضية والأحكام وغير ذلك)) رقم (٧،٦)، والبيهقي
(٩٦/١٠) كتاب (آداب القاضي)): باب («كراهة الإمارة وكراهية تولي أعمالها لمن رأى من نفسه ضعفاً أو
رأى فرضها عنه بغيره ساقطاً))، وأحمد (٢٣٠/٢ - ٣٦٥)، والحاكم (٩١/٤) كلهم من طرق عن سعيد
المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه ... فذكره بنحوه.
وهو حديث حسن.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي أيضاً من غير هذا الوجه عن أبي هريرة
عن النبي وَله.
=

٩٥
كتاب آداب القاضي
مجرى الزجر عن تقلد القضاء. احتج (١) الفريق الآخر بصنع الأنبياء والمرسلين - صلوات الله
عليهم، أجمعين - وصنع الخلفاء الراشدين، لأن لنا فيهم قدوة، ولأن القضاء بالحق إذا أراد به
وجه الله - سبحانه وتعالى - يكون عبادة خالصة، بل هوَ مِنْ أَفْضلِ العبادات، قال النبي المكرم
- عليه الصلاة والسلام -: ((عَذْلُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتّين سَنَةً))(٢)، والحديث محمولٌ على
القاضي الجاهل، أو العالم الفاسق، أو الطالب الذي لا يأمن على نفسه الرشوة فيخاف أن يميل
إليها - توفيقاً بين الدلائل.
هذا إذا كان في البلد عدد يصلحون للقضاء، أما إذا كان لم يصلح له إلا رجل واحد فإنه
يفترض عليه القبول إذا عُرض عليه، لأنه إذا لم يصلح له غيره تعين هو لإقامة هذه العبادة،
فصار فرض عين عليه، إلا أنه لا بد من التقليد، فإذا قلد افترض عليه القبول على وجه لو
امتنع مِنّ القبول يأثم، كما في سائر فروض الأعيان، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
فصل في شرائط القضاء
وأما شرائط القضاء فأنواع: بعضها يرجع إلى القاضي، وبعضها يرجع إلى نفس القضاء،
وبعضها يرجع إلى المقضي له، وبعضها يرجع إلى المقضى عليه.
أما الذي يرجع إلى القاضي فما ذكرنا من شرائط جواز تقليد القضاء، لأن من لا يصلح
قاضياً لا يجوز قضاؤه ضرورة.
وأما الذي يرجع إلى نفس القضاء فأنواع:
منها أن يكون بحق وهو الثابت عند الله - عز وجل - من حكم الحادثة، إما قطعاً بأن قام
قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجان، ووافقه الذهبي.
=
قال العجلوني في ((كشف الخفاء)» (٣٣٧/٢).
رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني وغيرهم كابن أبي عاصم عن أبي هريرة، ولفظ
بعضهم فإنه قد ذُبح، ولم يذكر بين الناس، ولفظ أحدهم من استُعمل على القضاء قال في التمييز قال
شيخنا وهو صحيح بل حسن، وشذ بعضهم فقال فكأنما ذبح بالسكين، ورواه النسائي وأبو داود وابن أبي
عاصم بلفظ من ولي القضاء، ورواه الترمذي وابن أبي عاصم أيضاً بلفظ من ولي القضاء أو جعل قاضياً
بين الناس وقال الترمذي حسن غريب، وقال في التمييز أيضاً صححه ابن خزيمة وابن حبان.
(١) في ب: وتمسك.
(٢) قال العجلوني في ((كشف الخفاء)) (٢/ ٧٥)، رواه الديلمي عن أبي هريرة وأسنده من طريق أبي نعيم
بلفظ: ((عدل حكم ساعة خير من عبادة سبعين سنة)).

٩٦
كتاب آداب القاضي
عليه دليل قطعي، وهو النص المفسر(١) من الكتاب الكريم، أو الخبر المشهور
(١) أصل النص في اللغة يطلق على الرفع، ومنه قول عمرو بن دينار: ((ما رأيت رجلاً أنص للحديث من
الزهري» أي: أرفع له وأسند .
ويطلق في الاصطلاح عند المتقدمين من الحنفية على كون المعنى مسوقاً له اللفظ، وظاهراً فيه احتمل
التخصيص والتأويل أولاً .
ويطلق عند المتأخرين: على كون المعنى مسوقاً له اللفظ، مع احتمال التخصيص والتأويل.
أما عند الشافعي - رحمه الله - فيطلق النص على ما كان قطعيَّ الدلالة، فحكم النص هو بعينه حكم
الظاهر، والخلاف الخلاف.
ثم إن النص أكثر وضوحاً من الظاهر، ومعناه اللغوي مشعر بذلك؛ وذلك لأنه مأخوذ من نصصت الدابة:
استخرجت منها بالتكلف سيراً فوق المعتاد، ونصصت الشيء: رفعته.
لكن اختلف في سبب زيادة الوضوح على مذهبين اثنين:
المذهب الأول: وهو مذهب صدر الشريعة وغيره: أنَّ زيادة الوضوح بمجرد السوق، فإن إطلاق اللفظ
على معنى شيء؛ وسوقه شيء آخر غَيْرُ لازِمِ للأول.
ومثال هذا: إذا قلت: رأيت فُلاناً حين جاءّني القوم كان قولك: جاءني القوم ظاهراً في مجيء القوم؛
لكونه غير مقصود بالسوق، ولو قيل: ابتداءً جاءني القوم، كان نصاً في مجيء القوم؛ لكون مقصوداً
بالسوق، هكذا مثلوا في الكتب، وعندي أن التمثيل بغير ما في الكتاب والسُّنَّة غير مناسب، والأولى
التمثيل بقوله تعالى: ﴿أَو لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنْ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمِ
يُؤْمِنُونَ﴾ فإنه نص في العجب من عدم اكتفائهم بالكتاب، ظاهر في إنزال الكتاب على رسول الله وَلتر .
والمذهب الثاني: وهو مذهب شمس الأئمة، والقاضي الإمام، وفخر الإسلام البزدوي، وهو ما جاء في
(كشفه)): ((وأما النص فما ازداد وضوحاً على الظاهر، بمعنى من المتكلم، لا في نفس الصيغة».
وقال شارحه: ((وليس ازدياد وضوح النص على الظاهر بمجرد السوق، كما ظنوا؛ إذ ليس ثمة فرق في
فهم المراد بين قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] مع كونه مسوقاً في إطلاق النكاح،
وبين قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَّكُمْ﴾ [النساء: ٣] مع كونه غير مسوق فيه، وإن كان يجوز أن يثبت
لأحدهما قوة، يصلح بها للترجيح عند التعارض، كالخبرين المتساويين في الظهور، يجوز أن يثبت
لأحدهما مزية على الآخر بالشهرة، أو التواتر، أو غيرهما من المعاني، بل ازدياده بأن يفهم منه معنى لم
يفهم من الظاهر بقرينة قطعية، تنضم إليه سياقاً، أو سياقاً تدل على أن قصد المتكلم ذلك المعنى
بالسوق، كالتفرقة بين البيع والربا لم تفهم من ظاهر الكلام، بل بسياقه، وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فعرف أن الغرض إثبات التفرقة بينهما، وأن تقدير الكلام:
﴿وَأَحَلَّ الله البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فأتى بمتماثلان، ولم يعرف هذا بدون تلك القرينة، وأياً كان سبب زيادة
الوضوح، فالزيادة قدر متفق عليه .
وإذا ما كان النص أكثر وضوحاً من الظاهر، فهو أولى عند التعارض، وهذه الأولوية لا تنافي ما سبق من
مماثلة حكم النص لحكم الظاهر، فإن المماثلة بينهما نظراً للقدر المتفق عليه فيهما، وهو الظهور، وإن
كان النص أولى عند التعارض لما ثبت له من زيادة الوضوح.
والمفسر هو ما لا يحتمل تَخْصِيصاً، ولا تأويلاً، ولكنه يحتمل النسخ؛ ولهذا السبَّب لا يصح التفسير
بالرأي بخلاف التأويل، ويقال: المفسر على كل مبين بقطعيٍّ، وأما المبين بطنيٍّ، فهو المؤول.
=

٩٧
كتاب آداب القاضي
والمتواتر (١)
والمفسر عند الشّافعية هُوَ مَا فُسْرَ لأَجْلِ الاحتمال، والمستغنى عن التفسير، وبالجملة ما كان قطعي
=
المراد، إِما بنفس الدلالة، أو بالتفسير.
وحكمه القطعية في الحكم؛ لأنه أوضح من النص.
(١) والحديث المُتَوَاتِرُ هو ما رَوَاهُ جَمْعٌ يُحِيلُ العَقْلُ تَوَاطُؤَهُمْ على الكَذِبِ عَادَةً؛ من أمر حِسِّيٍّ، أو حُصُولٍ
الكذب منهمُ اتَّفاقاً، ويعتبر ذلك في جميع الطَّقَاتِ إِن تَعَدَّدَتْ.
شُرُوطُ الثَّوَاتُرِ:
١ - أن يكونَ رُوَاتُهُ عَدَداً كثيراً.
٢ - أن يُحيل العقل تَوَاطُؤَهم على الكَذِبِ، أو أن يَحْصُلَ الكَذِبُ منهم اتِّفَاقاً عَادَةً.
٣ - أن يَزْوُوا ذلك عن مِثْلِهِمْ من الابتداء إلى الانْتِهَاء في كَوْنِ العَقْلِ يمنع من تَوَاطُؤْهم على الكَذِبِ، أو
حُصُولٍ منهمُ اتَّفَاقاً عَادَةٌ.
٤ - أن يكون مُسْتَنَدُ انتهائهم الإِذراكَ الحِسِّيَّ؛ بأن يكون آخرَ ما يَؤولُ إليه الطريق ويتم عنده الإِسْنَادُ - أَمْرٌ
حسي مُذْرَكْ بإحدى الحَوَاسُ الخمس الظاهرة؛ من الذوق، واللَّمْس، والشم، والسَّمْعِ، والبصر.
(تَقْسِيمُ المُتَوَاتِرِ إِلَى لَفْظِيٍّ وَمَعْنَوِيٍّ)) .
من المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عِنْدَ العُلَّمَاءِ، وَأَزْبَابِهِ النَّظَرِ أَنَّ القُرْآنَ الكريمَ لا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ فيهِ بالمَعْنَى، بل أَجْمَعُوا على
وُجُوبٍ رِوَايَتِهِ لَفْظَةً لَفْظَةً، وعلى أسلوبه، وترتيبه، ولهذا كان تَوَاتُرُهُ اللفظي لا يَشُكُ فيه أدنى عاقِلِ، أو صاحبُ
حِسِّ، وأما سُنَّةُ رسول الله، فقد أَجَازُوا رِوَايَتَهَا بالمعنى؛ لذلك لم يتَّحِدْ ألفاظها، ولا أسلوبها، ولا ترتيبها.
فإِذن يكون الحَدِيثُ مُتَواتِراً تَوَاتُراً لفظياً، أو مَعْنَوِياً؛ إذا تعددت الرِّوَايَةُ بألفاظ مُتَرَادِفَةٍ، وأَسَالِيبَ مختلفة
في التَّمَامِ والنقص، والتقديم والتَّأْخِيرِ في الوَاقِعَةِ الواحدة، حتى بَلَغَتْ مَبْلَغَ الثَّوَاتُرِ.
ومِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَإِذا تَعَدَّدتِ الوَقَّائِعُ، واتفقت على مَعْنَى وَاحِدٍ، دَلَّتْ عَلَيْهِ تارةً بالتَّضَمُّنِ، وتَارَةً
بالالتزام حَتَى بَلَغَ القدرُ المشتركُ في تِلْكَ الوَفَائِعِ المتعددةِ مَبْلَغَ الثَّوَاتُرِ - فإنه حينئذ يكون مُتَوَاتّراً تَوَاتُراً
مَعْنَوِيًّا، لا خِلافَ في ذلك.
وعلى ذلك، فالتواتر ثلاثة أقسام:
١ - تواتر لَفْظِي لا شَكَّ فِيهِ؛ كَالْقُرآن الکریم.
٢ - تَوَاتُرٌ معنوي لا شَكَّ فيه؛ إذا تعددت الوقائع، واشتركت جميعها في معنى تضمني، أو التزامي.
٣ - أما إذا اتحدت الواقعة، وتعددت روايتها بألفاظ مختلفة، وأساليب متغايرة، واتفقت في المعنى
المطابقي، وبلغت في تتابعها وتعددها، حد المتواتر - كان متواتراً تواتراً لفظياً.
وعلى ذلك ينقسم المتواتر إلى قسمين: لفظي ومعنوي، وينقسم اللفظي إلى قسمين، كما ينقسم المعنوي
إلى قسمين أيضاً؛ وعلى هذا فالمتواتر أربعة أقسام:
١ - أن يتواتر اللفظ والأسلوب في الواقعة الواحدة.
٢ - أن تتواتر الواقعة الواحدة بألفاظ مترادفة وأساليب كثيرة متغايرة متفقة على إفادة المعنى المطابقي
للواقعة الواحدة.
٣ - أن يتواتر المعنى التضمني في وقائع كثيرة.
٤ - أن يتواتر المعنى الالتزامي في وقائع كثيرة.
ولهذه الأقسام أمثلة كثيرة ذكرها المحدثون في كتب الاصطلاح، فلتنظر من هناك.
=
بدائع الصنائع ج٩ - ٧٢

٩٨
كتاب آداب القاضي
والإجماع(١)، وإما ظاهراً بأن قام عليه دليل ظاهر يوجب علم غالب الرأي، وأكثر الظن من
ظواهر الكتاب الكريم والمتواتر والمشهور وخبر الواحد والقياس الشرعي (٢)، وذلك في
المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء - رحمهم الله - والتي لا رواية في جوابها عن
السلف؛ بأن لم تكن واقعة، حتى لو قضى بما قام الدليل القطعي على خلافه لم يجز، لأنه
قضاء بالباطل قطعاً.
ينظر: البحر المحيط للزركشي: ٢٣١/٤، البرهان لإمام الحرمين: ٥٦٦/١، الإحكام في أصول الأحكام
=
للآمدي: ١٤/٢، نهاية السول للأسنوي: ٥٤/٣، منهاج العقول للبدخشي: ٢٩٦/٢، غاية الوصول للشيخ
زكريا الأنصاري (٩٥) التحصيل من المحصول للأرموي: ٩٥/٢، المنخول للغزالي (٢٣١)، المستصفى له:
١٣٢/١، حاشية البناني: ١١٩/٢، الإبهاج لابن السبكي: ٢٦٣/٢، الآيات البينات لابن قاسم العبادي: ٣/
٢٠٦، حاشية العطار على جمع الجوامع: ١٤٧/٢، المعتمد لأبي الحسين: ٨٦/٢، الإحكام في أصول
الأحكام لابن حزم: ١/ ١٠١، تيسير التحرير لأمير بادشاه: ٣٢/٣، كشف الأسرار للنسفي: ٤/٢، شرح
التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني: ٣/٢، شرح المنار لابن ملك (٧٨)، ميزان
الأصول للسمر قندي: ٢/ ٦٢٧، تقريب الوصول لابن جزي (١١٩)، إرشاد الفحول للشوكاني (٤٦).
(١) عرَّفه الرازي في ((المحصول)) بأنه: عبارة عن اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد بن ليل على أمر من الأمور.
وعرفه الآمدي بقوله: عبارة عن اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد ول# في عصر من الأعصار
على واقعة من الوقائع.
وعرفه النظام من المعتزلة بقول: هو كل قول قامت حجته حتى قول الواحد.
وعرفه سراج الدين الأرموي في ((التحصيل)) بقوله: هو اتفاق المسلمين المجتهدين في أحكام الشرع على
أمر ما من اعتقاد، أو قول، أو فعل ويمكن أن يعرف بأنه اتفاق المجتهدين من هذه الأمة بعد وفاة محمد
- ◌َّ﴾ - في عصر على أمر شرعي.
(٢) القياس لغة: في ((القاموس المحيط)) للفيروزآبادي: قاسَه بغيره، وعليه يقيسه قيساً وقياساً، واقتاسه: قدَّره
على مثاله، فانقاس، والمقدار مقياس ... وقايسته: جاريته في القياس وبين الأمرين: قدَّرت، وهو
یقتاس بأبيه؛ واوي بائي.
وفي مادة ((ق وس)) والقوس الذراع؛ لأنه يقاس به المذروع، وقاس يقوس قوساً كـ ((يقيس قيساً)) ... ،
ويقتاس: أي يقيس، وفلان بأبيه: يسلك سبيله ويقتدي به.
وفي ((لسان العرب)) لابن منظور: ((قاس الشيء يقيسه قيسا وقياساً، واقتاسه، وقيَّسه: إذا قدَّره على مثاله)).
قال الشاعر: [السريع]
(٣)
فَهُنَّ بِالأَيْدِي مَقِيسَاتُهُ مُقَدَّرَاتٌ وَمَخِيطَاتُهُ
والمقياس: المقدار، وقاس الشيء يقوسه قوساً: لغة في قاسه يقيسه، ويقال: قِسْتُهُ، وقُسْتُهُ قَوْساً وقياساً،
ولا يقال: أَقَسْتُهُ بالألف، والمقياس: ما قِيسَ به، والقَيْسُ والقَاسُ: القَدْرُ.
* تَحْرِيرُ فِعْلِ الْقِيَاسِ وتَعْدِيَتُهُ:
القياسُ: مصدرُ ((قَايسَ)) من المفاعلة لا مصْدَرُ (قَاسَ)) من الثَّلاثيِّ؛ لأن المساواة من الطرفَيْنِ، ومصدرُ
الثاني قَيْسٌ، يقال: قاس يَقِيسُ قَيْساً؛ فعلى هذا، يكون لكلِّ من المصدرَيْن المذكورَیْن فعْلٌ يخُصُّه،
ويكون الأولُ فَعْلَه رباعي، وهو قَايَسَ))، والثاني ثلاثي، وهو ((قَاسَ)).
=

٩٩
كتاب آداب القاضي
وفي ((القاموس المحيط)» للفيروزآبادي، و((لسان العرب)) لابْنٍ مَنْظُورٍ ما يدل على أن المصدرَيْن المذكورَيْن
=
أصلٌ لفعلٍ واحدٍ؛ وعلى هذا، يقال لغةً: قاس الشيء بغيره، وعليه يقيسه قَيْساً وقياساً، واقتاسه: قدره
على مثاله، وإلى ذلك ذهب الإسنوي حيث قال: القياس والقَيْس مصدرانٍ لـ ((قَاسَ))، وأكثر الأصوليِينَ
يقولون: إنَّ القياس بحَسَب أصْل اللغة؛ يتعدَّى بـ ((الباء))، وأن المستعمَلَ في عُرف الشرع يتعدَّى بـ(على))؛
لتضمنُه معنى البناء والحَمْل.
والخُلاصَةُ: أنه يمكن القَوْل بأنه لا حاجة إلى ذلك؛ لأنَّ ما ذكر في كتب اللغة المذكورة يَدُلُّ على أن
القياس يتعذَّى بـ(على)) كما يتعدَّى بـ ((الباء))؛ وعلَيْه فلا معنَى للتضمين، إلا أن يقال: إنَّ المستعمل من
القياس في عُزف الشرع، لا يَكَادُ يُذْكَر إلا مُتعدياً بـ ((على)).
تنوَّعت آراءُ الأصولِيِّين في حكاية معنى القياس لغَةً، فَرَأيّ يَرَى أنه هو: التقديرُ والمساواةُ والمجموعُ
منهما؛ وعلَيْه، فيكون لَفْظُ ((القياس)) على هذا مشتركاً لفظياً بين هذه المعاني الثلاثة، أي: وُضِعَ لكلّ
منهما بوضع؛ لأن تعريف المشترك اللَّفْظِيِّ هو: ما اتَّحَدَ لِفْظُه، وتعدَّد معناه ووَضْعُه؛ كما هو مبيَّنٌ في
باب الاشتراك؛ مثال المعْنَى الأوَّل من الثلاثة: قِسْتُ الثَّوْب بالذّرَاع.
ومثال المعنى الثاني: فلان لا يقاس بفلان، أي: لا يساويه.
ومثال المعنى الثالث: قست النعل بالنعل، أي: قدَّرته به، فساواه، وهذا ما ذهب إليه الإمام القاضي
المحقق عضد الدين؛ أخذاً من إيراده الأمثلة الثلاثة .
ورأي يَرَى: أنه حقيقة في التقدير مجاز لغوي في المساواة، وذلك باعتبار أن التقدير يستدعي شيئين،
يضاف أحدهما إلى الآخر بالمساواة، فيكون تقدير الشيء مستلزماً للمساواة، واستعمال لفظ الملزوم في
لازمه شائع، وهذا ما ذهب إليه سيف الدين الآمدي في ((الإحكام))، وعلاقة المجاز، على هذا، اللازمية
والملزومية .
ورأي يرى: أنه حقيقة عرفية؛ وعليه جرى محب الدين بن عبد الشكور الهندي صاحب ((مسلم الثبوت)).
وعلى هذا القول، والقول بالمجاز؛ فالمناسبة بين المعنى اللغوي، وهو التقدير، والمعنى الاصطلاحي
إنما هي باعتبار هذا اللازم، وهو المساواة، فإن المعنى الاصطلاحي؛ إما مساواة خاصة، فيكون من أفراد
هذا اللازم، أو يتضمنها ويبنى عليها.
ويرى فريق آخر: أنه هو مشترك معنوي، وهو ما اتحد لفظه ومعناه؛ كما هو مذكور في ((باب الاشتراك))
من كتب الأصول؛ لأن معنى ((القياس)) على هذا الرأي: هو التقدير فقط، وهو كلي تحته فردان؛ بحيث
يطلق لفظ ((القياس)) عليهما؛ باعتبار شمول معناه - الذي هو التقدير - لهما، وصدقه عليهما.
الأول: استعلام القدر، أي: طلب معرفة مقدار الشيء؛ مثل: قست الثوب بالذراع.
والثاني: التسوية في مقدار؛ مثل: قست النعل بالنعل، سواء كانت التسوية حسية؛ كالمثالين السابقين، أم
معنوية؛ كما يقال: فلان لا يقاس بفلان، أي: لا يساويه، ومنه قول الشاعر [البسيط]:
خف يا كريم على عرض تدنّسه مقال كل سفيه لا يقاس بها
ووجهه نقل القياس على هذا القول إلى المعنى الاصطلاحي ظاهر؛ كما أن نقله إلى المعنى الاصطلاحي؛
على القول بالاشتراك اللفظي: إنما هو من معنى المساواة؛ كما هو واضح.
ويرى فريق آخر: أن معناه الاعتبار؛ كما نص على ذلك الزركشي في ((البحر المحيط»، بعد أن حكي أن
المشهور في معنى القياس لغة: هو تقدير شيء على مثال شيء آخر، وتسويته به، وفي هذا يقول: وقيل : =

١٠٠
كتاب آداب القاضي
القياس مصدر قست الشيء، إذا اعتبرته، ومنه قيس الرأي، وامرؤ القيس؛ لاعتبار الأمور برأيه، وقسته،
=
بضم القاف، أقوسه قوساً، ذكر هذه اللغة الجوهري في ((صحاحه))، فهذه الصيغة من ذوات الياء والواو.
وفي ((البرهان)) القياس في اللغة: التمثيل والتشبيه.
وقال الماوردي في ((الحاوي)) والرُّوياني في كتاب ((القضاء)): القياس في اللغة مأخوذ من المماثلة؛ يقال:
هذا قياس هذا، أي: مثله .
ويرى ابن السمعاني في ((القواطع)): أن القياس مأخوذ من الإصابة؛ يقال: قست الشيء، إذا أصبته؛ لأن
القياس يصاب به الحكم.
قال الشيخ محمد أحمد سلامة في رسالته في القياس: وخُلاصة ما يؤخذ من كتب الأصول من بيان معنى
القياس لغة سبعة معان.
الأول: أن معناه التقدير، والمساواة من لوازمه.
الثاني: أن معناه التقدير والمساواة، والمجموع منهما؛ على سبيل الاشتراك اللفظي بين الثلاثة.
الثالث: أن معناه التقدير فقط، وهو كلي تحته فردان؛ استعلام القدر، والتسوية، فهو مشترك اشتراكاً معنوياً.
الرابع: أن معناه الاعتبار.
الخامس: أن معناه التمثيل والتشبيه.
السادس: أنه المماثلة .
السابع: أنه الإصابة .
ولا يخفى وجه نقل القياس إلى المعنى الاصطلاحي؛ على المعنى الرابع والخامس والسادس، أما على
المعنى السابع فوجه نقله أن القياس يصاب به الحكم، والمعنى المشهور من كل ذلك هي الثلاثة الأول؛
لذلك اقتصر عليها الكمال بن الهمام، ورجح المعنى الثالث منها، وهو كونه مشتركاً معنوياً بين معنيين؛
استعلام القدر: والتسوية في مقدار، ونسب ذلك إلى الأكثر بقوله: ولم يرد الأكثر؛ كـ ((فخر الإسلام)،
((شُمس الأئمة السرخسي))، و((حافظ الدين النسفي)) وغيرهم على أن معنى القياس لغة: التقدير واستعلام
القدر، والتسوية في مقدار، فردًا مفهوم التقدير مع نفيه كون القياس مشتركاً لفظياً فيهما، أو في
المجموع، ونفيه كونه حقيقة في التقدير، مجازاً في المساواة.
وقوَّاه شارحه؛ بأن القياس باعتبار صدق معناه الذي هو التقدير على معنييه؛ أعني: استعلام القدر
والتسوية، من قبيل التواطؤ، والتواطؤ مقدم على كل من: الاشتراك اللفظي؛ كما هو الرأي الأول،
والمجاز؛ كما هو الرأي الثاني، إذا أمكن، وقد أمكن وهو الراجح؛ لأن التواطؤ ليس فيه تعدد وضع،
ولا احتياج إلى قرينة؛ لأنه حقيقة في كل أفراده بخلاف المشترك اللفظي، فإن فيه تعدد الوضع والمعنى
والاحتياج إلى قرينة تعيّن المراد من أفراده، وبخلاف المجاز، فإنه يحتاج ضرورة إلى قرينة لفهم المعنى
المراد من اللفظ .
وما لا يحتاج إلى شيء في فهم معناه أولى مما يحتاج.
القياس ففي اصطلاح علماء الشرع:
تنوعت آراء الأصوليين القائلين بالقياس في مسمى اسم ((القياس))، فذهب بعض الأصوليين إلى أنه: ((فعل
المجتهد))، وذهب آخرون إلى أنه: ((حجة إلهية))؛ وضعها الشارع لمعرفة حكمه؛ فهو أمر موجود في ذاته
وليس فعلاً لأحد؛ ولذلك يُقال: القياس مظهر لا مثبت، وبرهن كل صاحب رأي على ما ذهب إليه.