النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب الشهادة
وكذلك إذا اعتاد ذلك يشغله عن الصلاة والطاعات، فإن كان يفعله أحياناً ولا يقامر به -
لا تسقط عدالته.
ولا عدالة لمن يدخل الحمام بغير مئزر، لأن ستر العورة فريضةٌ.
ومن ترك الصلاة بالجماعات اسْتِخْفَافاً بها وهواناً بتركها، فلا عدالة له، لأن الجماعة
واجبة .
وإن كان تركها عن تأويل بأن كان الإمام غير مرضيٍّ عنده، لا تسقط عدالته، ولا عدالة
لمن يفجر بالنساء، أو يعمل بعلم قوم لوطٍ، ولا للسارق، وقاطع الطريق، والمتلصص،
وقاذف المحصنات، وقاتل النفس المحرمة، وآكل الربا ونحوه؛ لأن هذه الأشياء (١) من رؤوس
الكبائر.
ولا عدالة للمخنث، لأن فعله وعمله كبيرة، ولا عدالة لمن لم يبال من أين يكتسب
الدراهم من أي وجه كان، لأن من هذا حاله لا [يأمن منه](٢) أن يشهد زوراً، طمعاً في المال.
والمعروف بالكذب لا عدالة له، ولا تقبل شهادته أبداً وإن تاب، لأن من صار معروفاً
بالكذب واشتهر به لا يعرف صدقه في توبته، بخلاف الفاسق إذا تاب عن سائر أنواع الفسق
تقبل شهادته .
وكذا من وقع في الكذب سهواً وابتلي به مرةً ثم تاب، لأنه قل ما يخلو مسلم عن ذلك،
فلو منع القبول لانسد باب الشهادة .
وأما الأقلف(٣) فتقبل شهادته، إذا كان عدلاً ولم يكن تركه الختان رغبة عن السنة
لعمومات الشهادة، ولأن إسلامه إذا كان في حال الكبر فيجوز أنه خاف على نفسه التلف، فإن
لم يخف ولم يختتن تاركاً للسنة، لم تقبل شهادته، كالفاسق والذي يرتكب المعاصي أن
شهادته لا تجوز، وإن كنا لا نستيقن كونه فاسقاً في تلك الحال.
وتقبل شهادة ولد الزنا إذا كان عدلاً لعمومات الشهادة، لأن زنا الوالدين لا يقدح في
عدالته، لقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرةٌ وَزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، وما رُوِيَ عنه
- ◌َِّ : ((وَلَذُ الزَّنَا أَسْوَأُ الثَّلاثَةِ)) (٤) هذا في ولد معين، والله تعالى أعلم.
(١) في ط: هؤلاء.
(٢) في ب: يبالي من.
(٣) الأقلف: الذي لم يُخْتَنْ، أو من عَظُمَتْ قُلْفَتُهُ المعجم الوسيط (قلف).
(٤) أخرجه أحمد (٣١١/٢).
=

٢٢
كتاب الشهادة
وتقبل شهادة الخصي، لعمومات الشهادة، وروي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه
قبل شهادة علقمة الخصيّ، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكِرٌ من الصحابة، ولأن الخصاء لا يقدح
في العدالة، فلا يمنع قبول الشهادة .
وأما شهادة صاحب الهوى إذ كان عدلاً في هواه ودينه، نظر في ذلك إن كان هوى
يكفره، لا تقبل شهادته، لأن شهادة الكافر على المسلم غير مقبولة.
وإن كان لا يكفره، فإن كان صاحب العصبية وصاحب الدعوة إلى هواه أو كان فيه
مجانةٌ - لا تقبل أيضاً، لأن صاحب العصبية والدعوة لا يبالي من الكذب والتزوير لترويج
هواه، فكان فاسقاً فيه .
وأبو داود (٢٩/٤) كتاب العتق، باب: ((في عتق ولد الزنا)) حديث (٣٩٦٣).
=
والحاكم (١٠٠/٤)، (٢١٤/٢).
والبيهقي (٥٧/١٠ - ٥٨) كتاب الأيمان، باب: ((ما جاء في ولد الزنا)».
كلهم من طرق عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة فذكره بنحوه.
وأخرجه الحاكم (١٠٠/٤)، (٢١٥/٢).
والبيهقي (٥٨/١٠) كتاب الأيمان، باب ((ما جاء في ولد الزنا)) كلاهما من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة.
قال الحاكم: إسناده صحيح وصححه، ووافقه الذهبي.
وهو كما قالا .
وقال في الموضع الآخر في الطريق الأول على شرط مسلم ولم يخرجاه قال الذهبي: وأما قوله: ((وند
الزنا شر الثلاثة)) فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله وَلير، فقال من
يعذرني من فلان؟ قيل: يا رسول الله وَالقول: إنه مع ما به ولد زنا، فقال: هو شر الثلاثة، والله يقول:
﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.
وله مشاهد من حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنه -: أخرجه ابن عدي (٩٥٨/٣) والطبراني (١٠/
٣٤٦) (١٠٦٧٤).
وفي الأوسط، كما في مجمع البحرين (٤/ ٢٧٠) (٢٤٥١).
كلهم من طريق ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن ابن عباس به فذكره بنحوه.
قال الطبراني: لم يروه عن داود إلا ابن أبي ليلى، تفرد به بکیر.
قال الهيثمي في («مجمع الزوائد)) (٢٦٠/٦): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه محمد بن أبي ليلى
وهو سيىء الحفظ، ومندل وثقه وفيه ضعف.
وله شاهد آخر بنحوه من حديث عائشة - رضي الله عنها -:
أخرجه أحمد (١٠٩/٦) قال: ثنا أسود بن عامر، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا إبراهيم بن إسحاق عن
إبراهيم بن عبيد بن رفاعة عن عائشة - رضي الله عنها - فذكره.
قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٦٠/٦): رواه أحمد ... وإبراهيم بن إسحاق لم أعرفه.
قال في الحاشية: هو إبراهيم أبو إسحاق، واسم أبيه إسحاق وقيل الفضل وهو ضعيف.

٢٣
كتاب الشهادة
وكذا إذا كان فيه مجانةٌ، لأن الماجن لا يبالي من الكذب، فإن لم يكن كذلك وهو عدل
في هواه، تقبل، لأن هواه يزجره عن الكذب، إلا صنف من الرافضة يسمون بـ(الخَطَّابِيَّة))(١)،
(١) بفتح الخاء وتشديد الطاء أصحاب أبي الخطاب محمد ابن زينب، كان مولى لبني أسد، وخرج على أبي
جعفر المنصور فقبض عليه عيسى بن موسى والي الكوفة وصلبه في سبخة الكوفة سنة ١٤٣هـ، وقيل سنة
١٣٨، وسُمّوا أيضاً المخمسة لأنهم زعموا أن الله عز وجل هو محمد، وأنه ظهر في خمسة أشباح، وخمس
صور مختلفة، فقد ظهر في صورة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين. وزعموا أن أربعة هذه الخمسة
تلبيس لا حقيقة لها، والمعنى شخص محمد وصورته لأنه أول شخص ظهر، وأول ناطق، لم يزل بين خلقه
موجوداً بذاته، يتكون في أي صورة شاء، يُظهر نفسه لخلقه في صور شتى من صور الذكران والإناث
والشيوخ والشباب والكهول والأطفال، فمرة يظهر والداً، ومرة ولداً، وما هو بوالد ولا بمولود. ويظهر في
الزوج والزوجة، وإنما أظهر نفسه بالإنسانية والبشرانية لكي يكون لخلقه به أنس ولا يستوحشوا ربهم
وزعموا أن محمداً كان آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ويظل ظاهراً في العرب والعجم، فكما ظهر في
العرب، كذلك يظهر في العجم في صورة الأكاسرة والملوك، وإنما معناهم محمد لا غير. وهو يظهر نفسه
لخلقه في كل الأدوار والدهور، وقد تراءى لهم بالنورانية فأنكروه، فتراءى لهم من باب النبوة فأنكروه،
فتراءى لهم من باب الإمامة فقبلوه، فظاهر الله هو الإمامة، وباطنه معناه محمد، يدركه من كان من صفوته
بالنورانية، ومن لم يكن من صفوته يدركه بالبشرانية اللحمانية الدموية، وهو الإمام، وإنما بغير جسم وبتبديل
اسم، وكل الأنبياء والرسل والأكاسرة من لدن آدم إلى ظهور محمد مقامهم مقامه، وهو الرب، وكذلك
الأئمة من بعده، وكذلك فاطمة زعموا أنها محمد، وهي الرب.
وقالوا إن الأوائل أمثال أبي الخطاب وبيان والمغيرة وحمزة بن عمارة وبزيغ ومحمد بن بشير هم أنبياء
أبواب بتغيير الجسم وتبديل الاسم، والمعنى واحد وهو سلمان، وهو الباب الرسول، يظهر مع محمد
أبداً في أي صورة ظهر، ويظهر معهما الأيتام والنجباء والنقباء والمصطفون والمختصون والممتحنون
والمؤمنون. وزعموا أن اليتيم هو المقداد سمي يتيماً لقربه من الباب وتفرده في الاتصال به. وهناك يتيمان
- صغير وكبير والكبير المقداد، والصغير أبو ذر، ومن يعرف هؤلاء بهذه المعاني فهو المؤمن الممُتَحَن
الموضوع عنه كل الشرائع، والمحلل له جميع ما حرّم الله. والمحرمات المذكورة في القرآن ليست سوى
رجال ونساء من أهل الجحود.
والخطابية أباحوا الفروج كلها وأبطلوا النكاح والطلاق، وزعموا أن النكاح باطنه مواصلة أخيك المؤمن،
فإذا وصلته فقد نكحته، والصداق أن تُطلع أخاك المؤمن على ما عندك من العلم والمعرفة. والطلاق أن
تعتزل أضدادك فلا تطلعهم على أمرك.
وقالوا المرأة ريحانة تقلعها إذا اشتهيت، فإذا شممتها حييت أخاك المؤمن وقالوا بالتناسخ فزعموا أن أرواح من
جحد أمرهم تجري في كل الأشياء سواء كان لها روح أو كانت مأكولات أو ملبوسات أو منكوحات. وزعموا
أن المؤمن العارف منهم لا تنتقل روحه في الأشياء، ولكن لها سبعة أقمصة تتلبس سبعة أبدان، فمتى تعرّى من
قميص قُمّص بآخر، وهو قالب غير القالب الأول. والمؤمن يلبس في كل دور قميصاً، والدور عشرة آلاف
سنة. والكور سبعة أدوار، يعني سبعين ألف سنة، ففي سبعين ألف سنة يصير المؤمن عارفاً فيكشف له الغطاء
ويرفع عنه التلبيس، فيدرك الله الذي هو محمد بذاته، بالنورانية لا بالبَشَرية اللحمانية .
ولما قتل أبو الخطاب انقسمت فرقته إلى خمس فرق هي: الخطابية الأصلية نسبة إلى أبي الخطاب نفسه،
والمعمرية والبزيغية (أو البزيعية) والعميرية والمفضلية، وتشترك كلها في القول بأن الأئمة أنبياء ورسل، =

٢٤
كتاب الشهادة
فإنهم لا شهادة لهم؛ لأن من نحلتهم أن تحل الشهادة [لمن يُوافقهم على من يخالفهم](١) وقيل
من نحلتهم أن من ادعى أمراً من الأمور وحلف عليه كان صادقاً في دعواه، فيشهدون له، فإن
كان هذا مذهبهم فلا تخلو شهادتهم من الكذب.
وكذا لا عدالة لأهل الإلهام، لأنهم يحكمون بالإلهام، فيشهدون لمن يقع في قلوبهم أنه
صادق في دعواه، ومعلوم أن ذلك لا يخلو عن الكذب.
ولا عدالة لمن يظهر شتيمة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -، لأن شتيمة واحد من
آحاد المسلمين مسقطة للعدالة، فشتيمتهم أولى.
ولا عدالة لصاحب المعصية، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَىَ
المَعْصِيَةِ)) .
وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((مَنْ مَاتَ عَلَى المَعْصِيَةِ، فَهُوَ كَمِصَارٍ)) [يرعى بذنبه](٢)
فكانت المعصية معصية مسقطة للعدالة .
والأصل في هذا الفصل أن من ارتكب جريمة، فإن كانت من الكبائر سقطت عدالته إلا
أن يتوب، فإن لم تكن من الكبائر، فإن أصرَّ عليها واعتاد ذلك فكذلك، لأن الصغيرة بالإصرار
عليها تصير كبيرة، قال عليه الصلاة والسلام: ((لاَ صَغِيَرَةَ مَعَ الإِصْرَارِ، وَلاَ كَبِيرَةَ مَعَ
وهم حُجج الله على خلقه، ولا يزال منهم رسولان، واحد ناطق والآخر صامت، فالناطق محمد،
=
والصامت عليّ. وزعموا أن أبا الخطاب نبي، وعبدوه وقالوا هو إله، وجعفر بن محمد إله وأبو الخطاب
أعظم منه وأعظم من عليّ. وهم يدينون بشهادة الزور لموافقيهم.
والمعمرية: عبدوا داعيهم الذي يقال له ((معمر)) كما عبدوا أبا الخطاب. وهؤلاء قالوا الدنيا لا تفنى،
والجنة ما يصيب الناشىء من الخير، والنار ما يصيبه بخلاف ذلك.
والبزيغية: أصحاب بزيغ بن موسى زعموا أن كل مؤمن يُوحى إليه، وأنه لا يموت منهم أحد، وادّعوا
معاينة موتاهم، وأن أحدهم إذا بلغت عبادته رُفع إلى الملكوت. والعميرية: أصحاب عمير العجلي كذبوا
من قالوا إنهم لا يموتون. والمفضلية: أصحاب المفضل خالفوا الفرق الأربع وتبرأوا من أبي الخطاب لأن
جعفراً أظهر البراءة منه وقالوا بربوبية جعفر دون نبوته.
ينظر: الفرق والجماعات ص ٢١٢ - ٢١٤.
(١) بدل ما بين المعكوفين في ب: لموافقهم على مخالفهم.
(٢) في ط: نزع بدينه.

٢٥
كتاب الشهادة
الاسْتِغْفَارِ))(١) وإن لم يصرَّ عليها لا تسقط عدالته إذا غلبت حسناتُه سيئاته.
وأما بيان صفة العدالة المشروطة فقد اختلف أصحابنا - رحمهم الله -.
قال أبو حنيفة - رضي الله عنه - الشرط هو العدالة الظاهرة، فأما العدالة الحقيقية وهي
الثابتة بالسؤال عن حال الشهود بالتعديل والتزكية - فليست بشرط -.
وقال أبو يوسف ومحمد - رحمه الله: إنها شرط .
ولقب المسألة أن القضاء بظاهر العدالة جائز عنده وعندهما لا يجوز، وجملة الكلام فيه
أنه لا خلاف في أنه إذا طعن الخصم في الشاهد أنه لا يكتفي بظاهر العدالة، بل يسأل القاضي
عن حال الشهود، وكذا لا خلاف في أنه يسألُ عن حالهم في الحدود والقصاص، ولا يكتفي
بالعدالة الظاهرة، سواء طعن الخصم فيهم أو لم يطعن.
واختلفوا فيما سوى الحدود والقصاص إذا لم يطعن الخصم.
قال أبو حنيفة - رحمه الله - لا يسأل، وقالا: يسأل، عن مشايخنا من قال هذا الاختلاف
اختلاف زمان لا اختلاف حقيقة؛ لأن زمن أبي حنيفة - رحمه الله - كان من أهل خير وصلاح،
لأنه زمن التابعين، وقد شهد لهم النبي ◌َّ بالخيرية بقوله: ((خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي الَّذِي أَنَا فِيهِ ثُمَّ
الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ .... ))(٢) الحديث، فكان الغالب في أهل زمانه
(١) ذكره العجلوني في ((كشف الخفا)) (٥٠٨/٢٪ وقال: رواه أبو الشيخ والديلمي عن ابن عباس رفعه، وكذا
العسكري عنه في الأمثال بسند ضعيف، لا سيما ورواه ابن المنذري في تفسيره عن ابن عباس من قوله،
والبيهقي عن ابن عباس موقوفاً، وله شاهد عند البغوي، ومن جهة الديلمي عن أنس مرفوعاً، ورواه
إسحاق بن بشر في المبتدأ عن عائشة، لكن حديثه منكر، وأخرجه الطبراني عن أبي هريرة، وزاد في
آخره فطوبى لمن وجد في كتابه استغفاراً كثيراً، لكن في إسناده بشر بن عبيد الفارسي متروك، ورواه
الثعلبي وابن شاهين في الترغيب عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٦/٥) كتاب الشهادات: باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد حديث (٢٦٥١)
وفي (٥/٧) كتاب فضائل الصحابة حديث (٣٦٥٠) وفي (٢٤٨/١١) كتاب الرقاق: باب ما يحذر من
زهرة الدنيا والتنافس فيها حديث (٦٤٢٨) وفي (٥٨٩/١١) كتاب الأيمان والنذور: باب إثم من لم يف
بالنذر حديث (٦٦٩٥) ومسلم (١٩٦٤/٤) كتاب فضائل الصحابة: باب فضل الصحابة حديث (٢١٤/
٢٥٣٥) والنسائي (١٧/٧ - ١٨) كتاب الأيمان والنذور: باب الوفاء بالنذر، وابن أبي شيبة (١٧٦/١٢ -
١٧٧) رقم (١٢٤٦١) وأحمد (٤٢٧/٤) والبيهقي (١٢٣/١٠) كتاب آداب القاضي: باب مسألة القاضي
عن أحوال الشهود، والطبراني في «الكبير» (٢٣٣/١٨) رقم (٥٨١، ٥٨٢)، كلهم من طريق شعبة ثنا أبو
جمرة: سمعت زهدم بن مضرب سمعت عمران بن حصين به.
ولحديث عمران طرق أخرى.
=

٢٦
كتاب الشهادة
الصلاح والسداد فوقعت الغنية عن السؤال عن حالهم في السر، ثم تغير الزمان وظهر الفساد
في قرنهما فوقعت الحاجة إلى السؤال عن العدالة، فكان اختلاف جوابهم لاختلاف الزمان،
فلا يكون اختلافاً حقيقةً، ومنهم من حقق الخلاف.
وجه قولهما إن العدالة الظاهرة تصلح للدفع لا للإثبات لثبوتها باستصحاب الحال دون
الدليل، والحاجة ههنا إلى الإثبات وهو إيجاب القضاء والظاهر لا يصلح حجة له، فلا بد من
إثبات العدالة بدليلها، ولأبي حنيفة ظاهرُ قوله - عزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾
[البقرة: ١٤٣] أي: عدلاً.
وصف الله - سبحانه وتعالى - مؤمني هذه الأمة بالوساطة وهي العدالة، وقال سيدنا عمر
- رضي الله تعالى عنه - [المسلمون](١) عدول بعضهم على بعض(٢)، فصارت العدالة أصلاً في
فأخرجه الترمذي (٥٤٩/٤) كتاب الشهادات حديث (٢٣٠٢) وابن أبي شيبة (١٧٦/١٢) رقم (١٢٤٦٠)
=
وأحمد (٤٢٦/٤) وابن حبان (٢٢٨٥ - موارد) والطبراني في ((الكبير)) (٢٣٥/١٨) رقم (٥٨٥) كلهم من
طريق وكيع ثنا الأعمش عن هلال بن يساف عن عمران بن حصين مرفوعاً.
وقال الترمذي: وهذا أصح من حديث محمد بن فضيل ا هـ قلت: وحديث محمد بن فضيل.
أخرجه الترمذي (٤ /٥٤٨) كتاب الشهادات حديث (٢٣٠٢) من طريق محمد بن فضيل عن الأعمش عن
علي بن مدرك عن هلال بن يساف عن عمران به فزاد محمد بن فضيل في هذا الإسناد علي بن مدرك قلت: ولا
يضره ذلك فقد توبع على ذلك كلهم من طريق عاصم بن أبي النجود عن خيثمة بن عبد الرحمن وقرن بعضهم
الشعبي بخيثمة - عن النعمان بن بشير به وقال أبو نعيم: هذا حديث مشهور من حديث عاصم وصححه ابن حبان.
والحديث ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٢٢/١٠) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في ((الكبير)"
و((الأوسط)) وفي طرقهم عاصم بن بهدلة وهو حسن الحديث وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.
- حديث أبي برزة الأسلمي.
أخرجه أحمد (٣٥٠/٥، ٣٥٧) وأبو يعلى (٤١٥/١٣ - ٤١٦) رقم (٧٤٢٠) وذكره الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (٢٢/١٠) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.
- حديث جعدة بن هبيرة.
أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٦/١٢) وعبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) (ص١٤٨ - ١٤٩) رقم
(٣٨٣) والحاكم (١٩١/٣) والطبراني في ((الكبير)) (٢٨٥/٢) رقم (٢١٨٧، ٢١٨٨) كلهم من طريق
عبد الله بن إدريس عن أبيه عن جده عن جعدة بن هبيرة به.
والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٣/١٠) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال
الصحيح إلا أن إدريس بن يزيد الأودي لم يسمع من جعدة. ا هـ.
وذُكره الحافظ في ((المطالب العالية)) (١٤٧/٤) رقم (٤١٩٦) وعزاه لأبي بكر بن أبي شيبة وعبد بن حميد
وأبي يعلى.
(١) سقط من ط .
(٢) ورد ذلك ضمن كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري أخرجه الدارقطني (٢٠٧/٤) كتاب الأقضية
والأحكام، باب كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رقم (١٥).
=

٢٧ "
كتاب الشهادة
المؤمنين وزوالها بعارض، ولأن العدالة الحقيقية مما لا يمكن الوصول إليها، فتعلق الحكم
بالظاهر، وقد ظهرت عدالتهم قبل السؤال عن حالهم، فيجب الاكتفاء به، إلا أن يطعن
الخصم، لأنه إذا طعن الخصم وهو صادق في الطعن فيقع التعارض بين الظاهرين، فلا بد من
الترجيح بالسؤال، والسؤال في الحدود والقصاص طريق لدرئها، والحدُودُ يُحْتَالُ فيها للدرء.
ولو طعن المشهود عليه في حرية الشاهدين، وقال: إنهما رقيقان، وقالا: نحن حُرَّان،
فالقولُ قولُهُ حتى تقوم لهما البينة على حريتهما، لأن الأصل في بني آدم، وإن كان هو الحرية
لكونهم أولاد آدم وحواء - عليهما السلام - وهما حران، لكن الثابت بحكم استصحاب الحال
لا يصلح للإلزام على الخصم، ولا بد من إثباتها بالدلائل.
والأصل فيه أن الناس كلهم أحرار إلاَّ في أربعة: الشهادات، والحدود، والقصاص،
والعقل، هذا إذا كانا مجهولي النسب لم تعرف حريتهما ولم تكن ظاهرة مشهورة، بأن كانا من
الهند أو الترك أو غيرهم ممن لا تعرف حريته، أو كانا عربيين.
فأما إذا لم يكونا ممن يجري عليه الرق، فالقولُ قولهُما ولا يثبت رقهما إلاَّ بالبينة، وأما
بيان أن العدالة شرط قبول أصل الشهادة وجوداً، أم شرط القبول مطلقاً وجوباً ووجوداً، فقد
اختلف فيه، قال أصحابنا - رحمهم الله - إنها شرط القبول للشهادة، وجود على الإطلاق
ووجوباً، لا شرط أصل القبول حتى يثبت القبول بدونه [في الجملة لكن لا يثبت لا محالة،
ولا يجب القبول أصلاً بدونه] (١)، وقال الشافعي - عليه الرحمة - أنها شرط أصل القبول، لا
يثبت القبول أصلاً دونها، حتى إن القاضي لو تحرى الصدق في شهادة الفاسق، يجوز له قبول
شهادته، ولا يجوز القبول من غير تحرِّ بالإجماع.
وكذا لا يجب عليه القبول بالإجماع وله أن يقبل شهادة العدل من غير تحرِّ، وإذا شهد
يجب عليه القبول.
حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان بن محمد النعماني ثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش ثنا عيسى بن
=
يونس ثنا عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح الهذلي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري:
أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة ... وفيه ((المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلود في حد)».
ورواه أيضاً.
ثنا محمد بن مخلد ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا سفيان بن عينة ثنا إدريس الأودي عن
سعيد بن أبي بردة وأخرج الكتاب فقال: هذا كتاب عمر ثم قرىء على سفيان من لههنا إلى أبي موسى
الأشعري فذكره.
وعزاه الزيلعي في نصب الراية (٨٢/٤) إلى البيهقي في المعرفة أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس
محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا محمد بن عبد الله من كناسة ثنا جعفر بن برقان عن
معمر البصري عن أبي العوام البصري قال: كتب عمر فذكره.
(١) سقط من ط .

٢٨
كتاب الشهادة
وهذا هو الفصل بين شهادة العدل وبين شهادة الفاسق عندنا، وعند الشافعي - عليه
الرحمة - لا يجوز للقاضي أن يقضي بشهادة الفاسق أصلاً، وكذا ينعقد النكاح بشهادة الفاسقين
عندنا، وعنده لا ينعقد.
وجه قول الشافعي - رحمه الله - أن مبنى قبول الشهادات على الصدق، ولا يظهر الصدق
إلا بالعدالة، لأن خبر من ليس بمعصوم عن الكذب يحتمل الصدق والكذب، ولا يقع الترجيح
إلا بالعدالة، واحتجَّ في انعقاد النكاح بقوله بَّهَ: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٌّ وَشَاهِدَيْ عَذْلٍ))(١).
ولنا عمومات قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة ٢٨٢]، وقوله وَّ :
(لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِشُهُودٍ))(٢)، والفاسق شاهد، لقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ
الشُّهَدَاءِ﴾، قسم الشهود إلى مرضيين وغير مرضيين، فيدل على كون غير المرضي وهو الفاسق
شاهداً؛ ولأن حضرة الشهود في باب النكاح لدفع تهمة الزنا، لا للحاجة إلى شهادتهم عند
الجحود والإنكار؛ لأن النكاح يشتهر بعد وقوعه، فيمكن دفع الجحود والإنكار بالشهادة
بالتسامح، والتهمة تندفع بحضرة الفاسق فينعقد النكاح بحضرتهم.
وما قوله الركن من الشهادة هو صدق الشاهد، فنعم، لكن الصدق لا يقف على العدالة
لا محالة، فإنَّ مِنَ الفسقة مَنْ لا يبالي بارتكابه أنواع من الفسق ويستنكف عن الكذب، والكلام
في فاسق تحرى القاضي الصدق في شهادته فَغَلَبَ على ظنّه صدقُه، ولو لم يكن كذلك لا
يجوز القضاء بشهادته عندنا .
وأما الحديث فقد روي عن بعض نقلة الحديث أنه قال: لم يثبت عن رسول الله اله
ولن يثبت، فلا حجة له فيه، بل هو حجة عليه، لأنه ليس فيه جعل العدالة صفة للشاهد، لأنه
لو كان كذلك لقال: لا نكاح إلاَّ بولي وشاهدين عدلين، بل هذا إضافة الشاهدين إلى العدل،
وهو كلمة التوحيد، فكأنه قال - عليه الصلاة والسلام -: لا نكاح إلا بولي مقابل كلمة العدل،
وهي كلمة الإسلام، والفاسق مسلم فينعقد النكاح بِحَضْرَتِهِ.
ومنها: أن لا يكون محدوداً في قذف عندنا، وهو شرط الأداء.
وعند الشافعي - رحمه الله - ليس بشرط .
واحتج بعمومات الشهادة من غير فصل، لأن المانع هو الفِسْقُ بالقذف وقد زال
(١) تقدم.
(٢) تقدم.

٢٩
كتاب الشهادة
بالتوبة(١) .
(١) القاذف هو من يرمي محصناً أو محصنة بالزنى ولم يأت بأربعة شهداء يشهدون على صدق قوله ولا
خلاف بين العلماء في شهادة القاذف إذا شهد قبل إقامة الحد وبعد التوبة. أو بعد إقامة الحد وقبل التوبة.
فإن في الصورة الأولى تقبل شهادته إجماعاً. وفي الثانية لا تقبل إجماعاً إنما الخلاف في شهادته بعد الحد
وبعد التوبة .
فذهب الإمام الشافعي ومالك وأحمد والبتي وإسحاق وأبو عُبَيْدَةً وَابن المنذِرِ إِلى قبول شهادة المحدود في
القذف إذا تابَ ورُوِيّ هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذهب الإمَامُ أَبُو حَنِيفَة وأصحابه، وشريح
والحسن والنخعي وسعيد بن جبير والثوري إلى رد شهادة المحدود في القذف، وإن تاب. وروي هذا عن
ابن عباس رضي الله عنهما.
ومنشأ هذا الاختلاف هو اختلافهم في فهم الآية الكريمة ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة
شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا﴾. اختلفوا
في الاستثناء. هل هو راجع إلى الكل أو إلى الأخيرة فقط؟ وهذه مسألة أصولية وستذكر فيما يلي خلاصة
القول فيهما إن الاستثناء إذا وقع بعد جمل متعاطفة بالواو ونحوها أمكن رده للجميع؟ وإلى الأخيرة خاصة
بلا خلاف، وإنما الخلاف فيما هو ظاهر فيه. فالشافعية يقولون ظاهر في الكل ولا يرجع للأخيرة فقط إلا
بقرينه. والحنفية يقولون ولا يرجع للكل إلا بدليل.
وأبو الحُسَيْنِ كالشافعية إلاّ أنه فصل في القرينة فقال: إِنْ قامت قرينة على الإِضْرَابِ عن الأول فهو
للأخير. وظهور الإِضْرَابُ يكون باختلاف الجملتين نوعاً. بأن تكون إِحْداهُمَا والأخرى إِنشاء. نحو
العلماء مكرمون، ولا تكرم الجهال إِلاَّ خالدا أو تكون إِحْدَاهُمَا أمراً، والأخرى نهياً نحوّ أكرِمِ العُلَمَاءَ،
ولا تكرم الجهال إِلاَّ من دخل الدار فالاستثناء من الأخير.
أو باختلافهما حكماً: بأن يكون مضمون إخدَاهُمَا غير مضمون الأخرى نحو: الرجال قائمون والعلماء
جالسون إِلاَّ محمداً. أو باختلافهما اسْماً بأن يكون الاسم في الأولى غير صالح لتعلق الاستثناء به نحو
أكرِم الرجال، واغطِف على النساء إلاَّ هذا. ففي هذا كُلِّهِ يرجع الاستثناء إلى الأخير لظهور الإِضْرَابِ.
لكنَ محل هذا ما لم يكن الاسم في الجملة الثانية ضمير الاسم في الأولى أو اتفقا في الغرض، وإلاَّ كان
الاستثناء راجعاً للكل مطلقاً، وإن اختلفا نوعاً أو حكماً.
وأما الاختلاف في الاسم، فلا يمكن معه رجوع الاستثناء للكل لعدم صلاحيته للتعلق بالكل. مثال
الأول. أَكْرِمْ بني تَمِيم وهم مُكْرَمُونَ إِلاَّ بَكْراً. فهما مختلفان نوعاً لكن الاسم في الثانية ضمير الأول
فيرجع للكل. ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْبَلَوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾
فقد اتحدا في الغرض وهو الإهانة، والانتقام وإن اختلفا نوعاً فيرجع للكل.
وقال القاضي وَالْغَزَالي ((بالوقف)). وقال المُرْتَضِي «مُشْتَرَكُ بين الكل والأخير. ويرجع مذهب الوقف
والاشتراك إلى قول الحنفية، لأن مذهب الوقف معناه أن الاستثناء لا يعلم أَهُوَ موضوع للإِخراج من الكل
أو من الأخير. ومذهب المُرْتَضِي أَنَّه مشترك بين الإِخراج من الكل ومن الأخير. فيلزم الرجوع للأخير
عليهما، لأنه إِنْ كان موضوعاً للأخير فظاهر وإن كان لكل ففي ضمنه الأخير.
اسْتَدَلَّ الحنفية على مذهبهم بأن عمل الاستثناء ضروري أي: إِفَادَتُه الإِخْرَاجَ ضروري لا وضعي. بل فهم
لضرورة مخالفة لما قبله فيقتصر فيه على قدر الضرورة والإخراج من الأخيرة متفق عليه فيحمل عليه
وَأَبْطِلَ هذا بأن عمل الاستثناء وضعي لا ضروري، وإلا كانت الحروف كلها غير موضوعة فأدوات =

٣٠
كتاب الشهادة
الاستثناء موضوعة لإخراج ما بعدها من حكم ما قبلها. وردت الحنفية على هذا الإبطال بقولهم. أنَّنَا لو
=
سلمنا أنه موضوع. فإِنْ قلتم إنَّهُ موضوع للإِخْرَاج مما يليه فهو المطلوب وَإِنْ قلتم إنَّهُ للإِخْرَاجِ من الكل
فممنوع. للاتفاق على أنه من الأخيرة، والتوقف فيما قبلها إلى الدليل واستدل القائلون بالوقف بأن وقوع
الشيء على أشكال، وصور مختلفة يوجب الإشكال، والإلباس فيه فيتوقف. وَرُدَّ بأن الإِشْكَالَ والصور
إِنَّمَا هي في الأولى فقط إذ تارة يخرج منها البعض وتارة لا يخرج. وأما الأخيرة فلا إشكال فيها إِذْ إِخْرَاجُ
البعض لازم متفق عليه.
واستدل الشافعية بأن العطف يصير المتعدد كالواحد. فالجمل المتعاطفة بمنزلة جملة واحدة ورد بأن هذا
في عطف المفردات. وَأَجَابَ الشافعية بأن العطف في الجمل إِنَّمَا هو من المسند إليه أو من المتعلقات
فالاستثناء من المفردات. ورد هذا بأن الجمل إِنَّمَا تكون مثل المفردات إذا اتحدت جهة النسبة فيها بأن
كانت صلة لموصول أو خبراً عن مبتدأ، وحينئذ يرجع الاستثناء للكل وجود الفرينة، وهي اتحاد جهة
النسبة .
واستدل كل بأدلة غير هذه، وكلها غير مسلمة فلترجع إِلاَّ ما قيل في كتبِ الفروع استدَلَّ بالحَنِفِيَّة بما
يَأْتِي: ١ - بالآية الكريمة ﴿وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُم شَهَادَةً أَبَداً﴾. الآية. تدل على أنَّ لا تقبل شهادة المحدود في
القذف وَإِن تَابَ .
وجه الاستدلال. أنَّ الله تعالى نص على الأبد وهو ما لا نهاية له. والتنصيص عليه ينافي القبول في وقت
ما. وأن معنى قوله تعالى لهم في ﴿ولاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ﴾. للمحدودين في القذف. وبالتوبة لم يخرج عن كونه
محدوداً. وأيضاً العطف في، ولا تقبلوا لهم فإنَّهُ معطوف على الجلد. العطف للاشتراك بين المعطوف،
والمعطوف عليه. فَإِذَا كان المعطوف عليه حداً كان المعطوف من تمام الحد. وحيث إنَّ الحَدَّ لا يسقط
بالتوبة فما هو متمم له لا يسقط أيضاً.
ولا يمنع من العطف أن يكون المعطوف نهياً، والمعطوف عليه أمراً. فإنَّ هذا كثير شائع. كما في قول
الإنسان لغيره اجلس ولا تتكلم.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾. ليس بعطف، بل هو ابتداء وبيان أن قوله تعالى
﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ أمر بفعل وهو خطاب للأمة. وقوله تعالى ﴿وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُم﴾. نهى عن فعل وهو خطاب
للأمة أيضاً. وقوله تعالى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ إِثْبَاتُ وصف لهم فلا تتحقق المشاركة بينه وبين ما
تقدم. وأيضاً قوله تعالى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ بياناً لجريمتهم، وما تقدم بيان الواجب بالجريمة. ولا
يصح عطف الجريمة على الواجب بها.
٢ - بما روى أَبُو جَعْفَر الرازي عن آدم بن فائد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ◌َّ:
قال: ((لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود في الإِسْلاَم ولا ذي غمر على أخيه)»، وله عدة طرق
إلى عمرو رواه ابن مَاجَةَ عن حجاج بْنِ أَرْطَأَةً عَن عمرو. ورواه البَيْهَقِيُّ من طريق المثنى بن الصباح عن
عمرو.
قالوا: وَرَوى يَزِيدُ بْنُ أبي زياد الدمشقي عن الزهري عن عائشة ترفعه لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة،
ولا مجلود في حد، ولا ذي غمر لأخيه ولا مُجَرَّبٍ عليه شهادة زور، ولا ظِنِّينِ في ولاء أو قرابة. وروي
عن سعيد بن المسيب مرسلاً.
=

٣١
كتاب الشهادة
٣ - القذف يتضمن جناية على حق الله وحق الأدمي وهو من أوفى الجرائم فناسب تغليظ الزجر. ورد
=
الشهادة من أقوى أسباب الزجر لما فيه من إيلام القلب، والنكاية في النفس. إذ هو عزل لولاية لسانه
الذي استطال به على عرض أخيه. وإبطال لها. ثم هو عقوبة في محل الجناية. فإنَّ الجناية حصلت
بلسانه فكان أولى بالعقوبة. وقد رأينا الشارع قد اعتبر هذا حيث قطع يد السارق فإنه حد مشروع في محل
الجناية. ولا ينتقض هذا بأنه لم تجعل عقوبة الزاني يقطع العضو الذي جنى به لأنه خفي مستور. فلا
يحصل الاعتبار المقصود من الحد بقطعه، وفيه أيضاً انقطاع النوع الإنساني.
٤ - قول الصحابة في شأن هلال بن أمية. الآن يجلد هلال فتبطل شهادته في المسلمين.
واستدل القائلون بما يأتي: ١- أعظم موانع الشهادة الكفر والسحر، وقتل النفس، وعقوق الوالدين والزنى.
ولو تاب من هذه الأشياء قبلت شهادته اتفاقاً فالتائب من القذف أولى بالقبول.
٢ - رد الشهادة في القذف مستند إلى العلة التي ذكرها الله عقيب هذا الحكم وهي الفسق وقد ارتفع بالتوبة
وهو سبب الرد فيجب ارتفاع ما ترتب عليه، وهو المنع.
٣ - قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي بكرة تب تقبل شهادتك. أو إن تبت قبلت شهادتك.
٤ - الآية الكريمة والاستثناء فيها عائد على جميع ما تقدمه سوى الحَدِ فإن المسلمين مجمعون على أنه لا
يسقط عن القاذف بالتوبة. وقد قال أئمة اللغة إنَّ الاستثناء يرجع إلى جميع ما تقدمه.
٥ - استدلوا بأن القاذف فاسق بقذفه حد أو لم يحد. فكيف تقبل شهادته في حال فسقه وترد شهادته بعد
زوال فسقه؟
هـ
ويرد على أدلة المانعين ما يأتي.
١ - الآثار التي رويت فيها ضعف. فإن آدم بن فائد غير معروف ورواته عن عمرو قسمان ثقات وضعفاء.
والثقات لم يذكروا حد منهم أو مجلود في حد. وإنما ذكره الضعفاء كالمثنى بن الصباح وآدم والحجاج.
وحديث عائشة فيه يزيد وهو ضعيف. ولو صحت الأحاديث لحملت على غير التائب.
٢ - تغليظ الزجر لا ضابط له وقد حصلت مصلحة الزجر بالحد. وكذلك سائر الجرائم جعل الشارع مصلحة
الزجر عليها بالحد. وإلا فلم لا تطلق نساؤه ولا يؤخذ ماله ولا تسقط روايته لأنه أغلظ في الزجر.
٣ - يرد على الدليل الرابع أن قول المسلمين إنما كان قبل التوبة أما فيما بعدها فتقبل. شأن القاذف شأن
كل مرتكب لأي ذنب إذا تاب. ولم يعهد في الشريعة الإسلامية أن ذنباً كائناً ما كان هذا الذنب يتاب منه
ويبقى أثره المترتب عليه.
وورد على أدلة القابلين ما يأتي.
١ - يرد على الدليل الأول وهو قياس القذف بعد التوبة على الكفر والسحر وعقوق الوالدين الخ بعد
التوبة. أن هذا قياس في مقابلة النص وهو غير جائز.
٢ - يرد على الدليل الثاني أن الفسق ليس هو العلة في رد الشهادة. لأن الثابت بالنص في خبر الفاسق إنما
هو التوقف والتثبت من خبره. والمنصوص عليه هنا حكم آخر وهو الرد دون التوقف ولو كان رد الشهادة
بسبب الفسق لكان في الآية عطف العلة على الحكم وذلك لا يحسن في البيان.
٣ - يحمل قول عمر لأبي بكرة تب تقبل شهادتك على الديانات فقط. ألا يرى أن أبا بكرة كان إذا
استشهد في شيء قال وكيف أشهد وقد أبطل المسلمون شهادتي وهو أعلم بحاله من غيره. وأيضاً في =

٣٢
كتاب الشهادة
ولنا قوله تعالى جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُخْصَنَاتِ ... ﴾ [النور: ٤] الآية. نهى - سبحانه
وتعالى - عن قبول شهادة الرامي على التأبيد، فيتناول زمان ما بعد التوبة، وبه تبين أن المحدود في
القذف مخصوص من عمومات الشهادة، عملاً بالنصوص كلها؛ صيانة لها عن التناقض.
وكذلك الذمي إذا قذف مسلماً فحد حد القذف، لا تقبل شهادته على أهل الذمة، فإن
أسلم جازت شهادته عليهم وعلى المسلمين، وبمثله العبد المسلم إذا قذف حرًّا ثم حُد حد
القذف ثم عتق، لا تقبل شهادته أبدا وإن أعتق.
ثبوت هذا نظر. لأن راويه عمرو بن قيس. ولو تركنا النظر في ذلك كان معارضاً بما قاله لأبي موسى
=
الأشعري المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في قذف.
٤ - يرد على الدليل الخامس أنه قبلت شهادته قبل الحد وذلك لاحتمال أن يكون صادقاً في خبره ويقيم
البينة عليه. فإذا عجز عن إقامة البينة وجلد قطعنا بكذبه. فلا يعلم أنه كاذب إلا بإقامته الحد.
هذا ولم يبق من الأدلة للطرفين إلا الاستدلال بالآية الكريمة. فالقابلون يقولون إن الاستثناء راجع إلى
جميع ما تقدمه حيث لم توجد قرينة تصرفه إلى بعض الجمل دون بعض والمانعون يقولون إن الاستثناء
راجع إلى الأخيرة فقط حيث لم توجد قرينة ترجعه إلى الجميع.
وقد حاول بعض أجلاء الحنفية الانتصار لمذهبه فقال إن في الآية قرينة تدل على أن الاستثناء راجع إلى
الجملة الأخيرة وحدها. وبيان ذلك أن قوله تعالى ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ جملة مستأنفة بصيغة الإخبار
منقطعة عما قبلها. جيء بها لدفع ما عساه يخطر بالبال من أن القذف لا يصلح أن يكون سبباً لهذه
العقوبة. لأنه خبر يحتمل الصدق والكذب. وربما كان حسبة. فكان ذلك الاحتمال شبهة. والشبهة تدرأ
الحد. فكان قوله تعالى ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ دافعاً لذلك الموهم. ومعناه أنهم مع قيام هذا الاحتمال
قد فسقوا بهتك عرض المؤمن بلا فائدة. حيث عجزوا عن الإثبات. فمن أجل ذلك استحقوا هذه
العقوبة. وإذا كانت الجملة الأخيرة مستأنفة توجه الاستثناء إليها وحدها.
وكذلك حاول بعض أجلاء الشافعية الانتصار لمذهبه فجعل جملة ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ منقطعة
عن الجملة التي قبلها. لأنها ليست من تتمة الحد. ويكون قوله تعالى ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ اعتراضاً
جارياً مجرى التعليل لعدم قبول الشهادة. غير منقطع عما قبله. ولهذا جاز توسطه بين المستثني والمستثنى
منه. ولا تعلق للاستثناء به. ولكن القول بأن جملة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً مستأنفة بعيد كل البعد.
ولا علينا بعد أن قدمنا هذه الأدلة أن نقول إن رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وحدها في هذه الآية
الكريمة. لا يكاد تظهر له فائدة. إذ ارتفاع الفسق عن المحدود في القذف بالتوبة مع رد شهادته لم يفده
إلا نفي اسم الفاسق عنه. وهذه فائدة هي والعدم سواء. نعم إن رمى المحصن أو المحصنة بالزنا فيه جرم
وفيه شناعة وهتك الأعراض العفيفة فيه قبح وفيه فظاعة. ولذلك أغلظ الشارع فيه العقوبة. فأمر بجلده
ورد شهادته وسماه فاسقاً بقذفه مع عجزه عن الإثبات .
ولكن ما عهدنا مذنباً مهما كان ذنبه. يغتسل في نهر التوبة ثم يبقى من ذنبه شيء. ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)).
ثم إن رد الشهدة أبداً تلزم منه مفسدة فوات الحقوق على أصحابها. والشارع له تطلع إلى حفظ الحقوق
على مستحقيها بكل طريق وعدم إضاعتها.
فالذي يظهر لنا أن المحدود في القذف إذا تاب تقبل شهادته.
ينظر: البينة لشيخنا محمد جاب الله.

٣٣
كتاب الشهادة
ووجه الفرق أن إقامة الحد توجب بطلان شهادة كانت للقاذف قبل الإقامة والثابت للذمي
قبل إقامة الحد شهادته على أهل الذمة، لا على أهل الإسلام فتبطل تلك الشهادة بإقامة الحد،
فإذا أسلم فقد حدثت له بالإسلام شهادة غير مردودة، وهي شهادته على أهل الإسلام، لأنها لم
تكن له لتبطل بالحد فتقبل هذه الشهادة، ثم من ضرورة قبول شهادته على أهل الإسلام قبول
شهادته على أهل الذمة، بخلاف العبد، لأن العبد من أهل الشهادة وإن لم تكن له شهادة
مقبولة، لأن له عدالة الإسلام، والحد أبطل ذلك على التأبيد.
ولو ضرب الذمي بعض الحد فأسلم، ثم ضرب الباقي، تقبل شهادته؛ لأن المبطل
للشهادة إقامة الحد في حالة الإسلام ولم توجد، لأن الحد اسم للكل، فلا يكون البعض حدًّا،
لأن الحد لا يتجزأ، وهذا جواب ظاهر الرواية.
وذكر الفقيه أبو الليث - عليه الرحمة - روايتين أخريين، فقال في رواية: لا تقبل شهادته،
وفي روايةٍ: تقبل شهادته، ولو ضرب سوطاً واحداً في الإسلام، لأن السياط المتقدمة توقف
كونها حدًّا على وجود السوط الأخير، وقد وجد كمال الحد في حالة الإسلام، وفي رواية
اعتبر الأكثر إن وجد أكثر الحد في حالة الإسلام تبطل شهادته، وإلا فلا، لأن للأكثر حكم
الكل في الشرع.
والصحيح جواب ظاهر الرواية، لما ذكرنا أن الحد اسم لكل، وعند ضرب السوط
الأخير تبين أن السياط كلها كانت حدًّا، ولم يوجد الكل في حال الإسلام، بل البعض، فلا
ترد به الشهادة الحادثة بالإسلام(١).
هذا إذا شهد بعد إقامة الحد وبعد التوبة، فأما إذا شهد بعد التوبة قبل إقامة الحد فتقبل
شهادته بالإجماع، ولو شهد بعد إقامة الحد قبل التوبة (٢)، لا تقبل شهادته بالإجماع، ولو شهد
قبل التوبة وقبل إقامة الحد، فهي مسألة شهادة الفاسق، وقد مَرَّت.
(١) في ب: بعد الإسلام.
(٢) قال الشافعي توبة القاذف إكذابه نفسه. وفسره الأصطخري من أصحاب الشافعي بأن يقول كذبت فيما
قلت فلا أعود إلى مثله. وقال أبو إسحاق المرزوي من أصحاب الشافعي لا يقول كذبت لأنه ربما يكون
صادقاً. فيكون قوله كذبت كذباً والكذب معصية. والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى. بل
يقول القذف باطل وندمت على ما فعلت ورجعت عنه ولا أعود إليه.
وظاهر كلام أحمد والخرقي أن توبة القاذف كما قال الشافعي إكذاب نفسه فيقول كذبت فيما قلت.
وقال بعض العلماء توبة القاذف كتوبة غيره أمر بينه وبين ربه. ومرجعها إلى الندم على ما قال والعزم على
ألا يعود. والسر في أن الشافعية ومن وافقهم أدخلوا في معنى التوبة التلفظ باللسان مع أن التوبة من عمل
القلب أنه يترتب عليها حكم شرعي وهو قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب فلا بد أن يعلم الحاكم
توبته حتى تقبل شهادته .
بدائع الصنائع ج٩ - م٣

٣٤
كتاب الشهادة
وأما النكاح بحضرة المحدودين في القذف فينعقد بالإجماع، أمَّا عند الشافعي
- رحمه الله - فلأن له شهادة أداء، فكانت له شهادة سماعاً.
وأما عندنا فلأن حضرة الشهود لدى النكاح ليست لدفع الجحود والإنكار لاندفاع الحاجة
بالشهادة بالتسامع، [بل لرفع ريبة الزنا والتهمة به، وذا يجعل بحضرة المحدودين في القذف
فينعقد النكاح بحضرتهم](١) ولا تقبل شهادتهم للنهي عن القبول، والانعقاد ينفصل عن القبول
في الجملة.
·وأما المحدود في الزنا والسرقة والشرب، فتقبل شهادته بالإجماع إذا تاب لأنه صار عدلاً .
والقياس أن تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب، لولا النص الخاص بعدم القبول
على التأبيد.
ومنها: أن لا يجر الشاهد إلى نفسه مغنماً، ولا يدفع عن نفسه مغرماً بشهادته، لقوله
- عليه الصلاة والسلام -: ((لاَ شَهَادَةَ لِجَارٌ المَغْتَم وَلاَ لِدَافِعِ المَغْرَم))(٢) ولأن شهادته إذا تضمنت
معنى النفع والدفع فقد صار متهماً، ولا شهادة لَلمتهم على لسان رسول الله بَّر، ولأنه إذا جر
النفع إلى نفسه بشهادته لم تقع شهادته لله - تعالى - عزَّ وجلَّ، بل لنفسه فلا تقبل.
وعلى هذا تخرج شهادة الولد وإن علا لولده وإن سفل، وعكسه(٣) - أنها غير مقبولة،
لأن الوالدين والمولودين ينتفع البعض بمال البعض عادةً، فيتحقق معنى جر النفع والتهمة
والشهادة لنفسه، فلا تقبل.
وذكر الخصاف - رحمه الله - في ((أدب القاضي)) عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه
قال: ((لاَ تُقْبَلُ شَهَادةُ الوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَلاَ الَوَلَدِ لِوَالدِهِ وَلاَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ وَلاَ العَبْدِ لِسَيِّدِهِ وَلاَ الزُّوْجَةِ
لِزَوْجِهَا وَلاَ الزَّوْجِ لَزَوْجَتِهِ))(٤).
(١) سقط من ب.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣٢٢/٨) كتاب ((الشهادات)) في باب: ((لا يقبل متهم، ولا جار إلى نفسه
ولا ظنين)) حديث (١٥٣٧١) مطولاً من قول شريح.
وعنه أيضاً أخرجه ابن أبي شيبة في («مصنفه)) (٥٣٠/٤ - ٥٣١) كتاب البيوع والأقضية، باب: ((فيمن لا
تجوز الشهادة))، حديث (٢٢٨٥٦ - ٢٢٨٥٨) بنحوه رواية عبد الرزاق إلا أنه لم يذكر ((جار المغنم))،
وكلاهما زاد: شهادة الخصم، والمريب والعبد لسيده، والأجير لمن استأجره، والشريك لشريكه.
(٣) في ب: وشهاد الولد لوالدة.
(٤) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٨٢/٤): غريب، وقال الحافظ في ((الدراية)) (١٧٢/٢): لم أجده ويقال
إن الخصاف أخرجه بإسناده مرفوعاً: والأثر أخرجه ابن أبي شيبة (٥٣١/٤) كتاب ((البيوع والأقضية))،
باب: ((في شهادة الولد لوالده»، حديث (٢٢٨٥٩) قال حدثنا وكيع حدثنا سفيان.
=

٣٥
كتاب الشهادة
وأما سائر القرابات كالأخ والعم والخال ونحوهم، فتقبل شهادة بعضهم لبعض(١)؛ لأن
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣٤٤/٨) كتاب ((الشهادات))، باب: ((شهادة الأخ لأخيه، والابن لأبيه،
=
والزوج لامرأته)) حديث (١٥٤٧٤)، قال أخبرنا الثوري - سفيان -.
كلاهما عن جابر عن عامر الشعبي عن شريح فذكر، من قوله هو.
وأخرجه بنحوه ابن أبي شيبة (٥٣١/٤) كتاب البيوع والأقضية، باب: ((في شهادة الولد لوالده))، حديث
(٢٢٨٦٠).
وعبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣٤٤/٨) كتاب ((الشهادات))، باب: ((شهادة الأخ لأخيه، والابن لأبيه،
والزوج لامرأته))، حديث (١٥٤٧٦).
كلاهما من طريق سفيان عن منصور عن إبراهيم النخعي من قوله.
(١) قال الإمام أبو حنيفة والشافعي، ومالك، وأحمد في رواية عنه وإسحاق، وأبو عبيد، والحسن،
والشعبي، والنخعي: إن شهادة الأصل لفرعه، والفرع لأصله غير مقبولة وأما شهادة سائر القرابات
الأخرى فتقبل. واشترط مالك في شهادة الأخ لأخيه ألا يكون في عياله.
وقال ابن حزم، وأبو ثور، والمزني، وداود، وابن المنذر، وشريح، وعمر بن عبد العزيز: إن شهادة القريب
لقريبه، ولو كان أباً أو ابناً مقبولة، إذا انتفت التهمة. وروي هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
استدل المانعون بما يأتي: ١ - لو قبلت شهادة الأب لابنه لكانت شهادة منه لنفسه، لأنه منه، وقد قال
النبي ◌َّله: ((إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما أذاها)).
٢ - قول النبي ◌َّل: ((أنت ومالك لأبيك)). وإذا كان مال الابن لأبيه، فإذا شهد له بماله كان قد شهد
لنفسه .
٣ - ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي وَ لّر قال: ((لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا
ظنین في ولاء، أو قرابة)).
٤ - أن ما بينهما من البعضية، والجزئية يمنع من قبول الشهادة، كما منع من إعطائه من الزكاة، ومن قتله
بالولد وحده بقذفه.
٥ - قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَغْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَغْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَريض حَرَجٌ وَلاَ عَلَى
أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَو بُيُوتٍ أَبَائِكُم﴾ الآية. ولم يذكر بيوت الأبناء، لأنها داخلة في بيوتهم.
وقال تعالى ﴿وَجعلُوا لَه مِن عِبَادِهِ جُزْءًا﴾. أي ولداً فالولد جزء. فلا تُقبل شهادة الرجل في جُزْئِه.
٦ - الإنسان متهم في ولده مفتون به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ فكيف تقبل شهادة
المرء لمن قد جعل مفتوناً به؟! والفتنة محلُّ التهمة .
واستدل القائلون بما يأتي:
١ - بالعمومات الواردة في الشهادة. ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
وَامْرَأْتَانِ مِمِنْ تَرْضَونْ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتَ حِينَ
الوَصَيةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. ولا ريب في دخول الآباء، والأبناء، والأقارب في هذه العمومات،
كدخول الأجانب، وتناولها للجميع بتناولٍ واحدٍ. هذا مما لا يمكن دفعه ولم يستثن الله سبحانه وتعالى،
ولا رسوله الكريم من ذلك أباً، ولا ابناً، ولا أخاً، ولا قرابة، ولا أجمع المسلمون على استثناءٍ واحد من
هؤلاء، فتلزم الحجة بإجماعهم.
=

٣٦
كتاب الشهادة
٠٠
٢ - وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: تجوز شهادةُ الوالدِ لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه. وذكر
=
الزهري: أن الذين ردوا شهادة الابن لأبيه، والأخ لأخيه هم المتأخرون.
وقال أبو عبيد حدثني الحسن بن عازب، عن جده شبيب بن غرقدة، قال كنت جالساً عند شريح، فأتاه
علي بن كاهل، وامرأة، وخصم. فشهد لها علي بن كاهل وهو زوجها، وشهد لها أبوها. فَأَجَازَ شريح
شهادتهما. فقال الخصم هذا أبوها، وهذا زوجها فقال له شريح: أتعلم شيئاً تجرح به شهادتهما. كل
مسلم شهادته جائزة.
ورد على أدلة المانعين ما يأتي: ١ - قول النبي عليه الصلاة والسلام. ((أنت ومالك لأبيك - لا يدل على
أن الأب وماله للابن، فليس فيه ما يمنع من شهادة الأب للابن كذا قيل، وأيضاً كل الذي دل عليه
الحديث أن الولد وماله ملك للوالد. وأكثر المستدلين لا يقولون بهذا، بل عندهم أن قال الابن له حقيقته
وحكماً، وأن الأب لا يتملك عليه شيئاً. فالذي دلّ عليه الحديث لا يقول به المستدلُونَ. والذي لم يدل
عليه حملوه إياه. فأين موضعُ الدلالة؟ واللام في الحديث ليست للملك قطعاً، وأكثر المستدلين يقول ولا
للإباحة، إذ لا يباحُ مالُ الابن لأبيه. ولكن الذي يقول بأن اللام للإباحة أسعد بالحديث، وإلا تعطلت
فائدته ودلالته. ولا يلزم من كونها لإباحة أخذه ما شاء من ماله إلا تقبل شهادته له بحال مع القطع، أو
ظهور انتفاء التهمة، كما لو شهد له بنكاح أو حد.
٢ - وحديث عائشة رضي الله عنها لو ثبت لم يكن فيه دليلٌ؛ لأنه يدل على عَدَمٍ قبولٍ شهادة المتهم في
قرابة، والمجيزون لا يقبلونها مع التهمة .
٣ - يرد على الدليل الرابع أن الاستدلال إنما يكون بما ثبت بنص، أو إجماع، وليس في هذه المسائل
شيء من ذلك. فهذه مسائل نزاع لا مسائل إجماع. ولو سلم ثبوت الحكم فيها أو في بعضها لم يلزم منه
عدم قبول شهادة أحدهما للآخر، حيث تنتفي التهمة، ولا تلازم بين قبول الشهادة، وجريان القصاص
عقلاً ولا شرعاً، فإن تلك الأحكام اقتضتها الأبوة التي تمنع من مساواته للأجنبي في حده به، وإفادته
منه. فإنه مركز أبوته يأبى ذلك، وقبحه مركوز في النفوس.
وقال القائلون: إن حجة المانعين مدارها على شيئين:
أحدهما: البعضية التي بين الأب وابنه، وأنها توجب أن تكون شهادةُ أحدهما للآخر شهادة لنفسه، وهذه
حجة ضعيفة. فإن هذه البعضية لا توجب أن يكون كبعضه في الأحكام. لا في أحكام الدنيا، ولا في
أحكام: الثواب، والعقاب. فلا يلزمُ من وجوب شيء على أحدهما، أو تحريمه وجوبه على الآخر، أو
تحريمه من جهة كونه بعضه.
ثم قد أجمع المسلمون على صحة بيعه منه، وإجارته، ومضاربته، ومشاركته، فلو امتنعت شهادته له،
لكونه جزءه، فيكون شاهدًا لنفسه لامتنعت هذه العقود، إذ يكون عاقداً لها مع نفسه.
ثانيهما: التهمة: وإن قيل: لا تجوز شهادةُ الأب لابنه، أو الابن لأبيه، لأن فيها تهمة - يجاب بأن التهمة
وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريباً أو جنبياً. وكثيراً ما تكون تهمة الإنسان في صديقه وعشيره، ومن
تعنيه مودته ومحبته - أكثر من تهمته في أبيه وابنه. فإن قيل: الاعتبار بالمظنة، وهي التي تنضبط بخلاف
الحكمة فإنها لانتشارها، وعدم انضباطها لا يمكن التعليل بها.
قيل: هذا صحيح في الأوصاف التي شهد لها الشارع بالاعتبار، وعلق الأحكام بها. فأين علق الشارع
عدم قبول الشهادة بوصف الأبوة أو البنوة.
ج=

٣٧
كتاب الشهادة
هؤلاء ليس لبعضهم تسلط في مال البعض عرفاً وعادةً فالتحقوا بالأجانب، وكذا تُقبل شهادة
الوالد من الرضاع لولده من الرضاع، وشهادة الولد من الرضاع لوالده من الرضاع؛ لأنَّ العادة
ما جَرَتْ بانتفاع هؤلاء بعضهم بمال البعض، فكانوا كالأجانب، ولا تقبل شهادة المولى لعبده
ولا شهادة العبد لمولاه لما قلنا.
وأما شهادة أحد الزوجين لصاحبه فلا تقبل عندنا.
وعند الشافعي - رحمه الله - تقبل، واحتج بعمومات الشهادة من غير تخصيص، نحو
قوله - تعالى جلا وعلا : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وقوله - عز شأنه: ﴿وَأَشْهِدُوا
ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقوله عَظُمَتْ كَبرياؤه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:
٢٨٢]، من غير فصل بين عدلٍ وعدلٍ ومرضى ومرضى.
ولنا ما روينا من النصوص من قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لاَ شَهَادَةَ لِجَارٌ المَغْتَم،
وَلاَ شَهَادَةَ لِلْمُتَّهَم)) وأحد الزوجين بشهادته للزوج الآخر يجر المغنم إلى نفسه، لأنه ينتفع بمال
صاحبه عادةً، فَكَان شاهداً لنفسه لما روينا من حديث الخصاف - رحمه الله.
وأما العمومات، فنقول بموجبها، لكن لم قلتم إن أحد الزوجين في الشهادة لصاحبه
عدل ومرضى، بل هو مائل ومتهم، لما قلنا لا يكون شاهداً، فلا تتناوله العمومات، وكذا لا
تقبل شهادة الأجير له في الحادثة التي استأجره فيها، لما فيه من تهمة جَرِّ النفع إلى نفسه، ولا
تُقبل شهادةُ أحدِ الشريكين لصاحبه في مال الشركة.
وَلَوْ شَهِدَ رجلان لرجلين على الميت بدين ألف درهم، ثم شهد المشهود لهما للشاهدين
على الميت بدين ألف درهم، فشهادة الفريقين باطلةٌ عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - وأبي
يوسف رحمه الله، وعند محمد - رحمه الله - جائزة .
وعلى هذا الخلاف لو شهدا أنَّ الميت أوصى لهما بالثلث، وشهد المشهود لهما أن
الميت أوصى للشاهدين بالثلث، ولو شهدا أن الميت غصبهما داراً أو عبداً وشهد المشهود لهما
للشاهدين بدين ألف درهم، فشهادة الفريقين جائزة بالإجماع.
لمحمد - رحمه الله - أن كُلَّ فريق يَشْهد لغيره لا لنفسه، فلا يكون متهماً في شهادته . -
أقول: إن الحق الذي تطمئن إليه النفسُ هو عَدَمُ قبول شهادة الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، والأصل
=
الفرعه، والفرع لأصله؛ إذ إن في شهادة أحدهم للآخر تهمة محققة.
ويصعب على القاضي أن يتعرف حالة التهمة من غيرها، حتى يرد الأولى، ويقبل ما عداها. فالأسلم،
والأولى أن نأخذ بقول من لا يجيز شهادة هؤلاء بعضهم لبعض.
ينظر: البيئة لشيخنا محمد جاب الله.

٣٨
كتاب الشهادة
ولهما أن ما يأخذه(١) كل فريق فالفريق الآخر يشاركه فيه، فكان كل فريق شاهداً لنفسه،
بخلاف ما إذا اختلف جنس المشهود به، لأن ثمة معنى الشركة لا يتحقق، ومنها: أن لا يكون
خصماً، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ خَضْم وَلاَ ظَنِينٍ))(٢) ولأنه إذا كان
خمصاً فشهادته تقع لنفسه فلا تقبل.
وعلى هذا تخرج شهادة الوصي للميت واليتيم الذي في حجره [أنها غير مقبولة](٣) لأنه
خصم فيه؛ وكذا شهادة الوكيل (٤) لموكله لما قلنا.
ومنها: أن يكون عالماً بالمشهود به وقت الأداء، ذاكراً له عند أبي حنيفة رحمه الله،
وعندهما (٥) ليس بشرط، حتى إنه لو رأى اسمه وخطه وخاتمه في الكتاب، لكنه لا يذكر
الشهادة، لا يحل له أن يشهد، ولو شهد وعلم القاضي به لا تُقبل شهادته عنده، وعندهما له
أن يشهد، ولو شهد تقبل شهادته(٦).
(١) في ب: يؤديه.
٠
(٢) أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (ص - ٢٨٦) رقم (٣٩٦) والبيهقي (٢٠١/١٠) كتاب الشهادات: باب لا
تقبل شهادة خائن ولا خائنة، من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف مرسلاً أن رسول الله وسلّه بعث منادياً
حتى انتهى إلى الثنية أنه لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين.
وله شاهد آخر مرسل.
أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (ص - ٢٨٧) رقم (٣٩٧) عن الأعرج عن النبي ◌َّ قال: لا تجوز شهادة
ذي الظنة والإحنة والجنة .
وللمرسلين شاهد من حديث أبي هريرة.
أخرجه الحاكم (٩٩/٤) كتاب ((الأحكام)) والبيهقي (٢٠١/١٠) كتاب الشهادات: باب لا تقبل شهادة
خائن ولا خائنة، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلير: ((لا تجوز شهادة ذي الظنة ولا ذي
الحنة)).
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٣) سقط من ط .
(٤) في ب: الرجل.
(٥) في ب: عند أبي يوسف ومحمد.
(٦) وقيل هذا بالاتفاق يعني عدم جواز الشهادة إذا رأى الخط ولم يتذكر. وإنما الخلاف فيا إذا وجد القاضي
شهادة في ديوانه ولم يتصل بها حكم. ثم جاء المشهود له وطلب حكم القاضي. والقاضي لا يتذكر أنه
شهد عنده شهود بذلك. لم يجز له أن يحكم عند أبي حنيفة وبه قال الشافعي وأحمد في رواية عنه. وعند
أبي يوسف ومحمد إذا وجده في قمطرة تحت خاتمه يجوز أن يقضي به وبهذا قال مالك وأحمد في رواية
ثانية .
وقال صاحب الفتح بعد أن حكى هذه الأقوال إلا أني أرى أنه إذا كان محفوظاً مأمونا عليه من التغيير كأن
يكون تحت خاتمه في خريطته المحفوظة عنده أن يترجح العمل بها. بخلاف ما إذا كان عند غيره. لأن =

٣٩
كتاب الشهادة
وجه قولهما إنه لما رأى اسمه وخطه وخاتمه على الصك، دَلَّ أنه تحمل الشهادة وهي
معلومة في الصك، فيحل له أداؤها، وإذا أداها تقبل؛ ولأن النسيان أمر جُبل عليه الإنسان،
خصوصاً عند طول المدة(١) بالشيء، لأن طول المدة ينسي، فلو شرط تذكر الحادثة لأداء
الشهادة لانسدَّ باب الشهادة، فيؤدي إلى تضييع الحقوق، وهذا لا يجوز، ولأبي حنيفة
- رحمه الله - قوله - تعالى -، - جل شأنه -: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]
وقوله - عليه الصلاة والسلام - لشاهد: ((إِذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ، فَاشْهِدْ، وَإِلاَّ فَدَعْ))(٢)، ولا
اعتماد على الخط والختم، لأن الخط يشبه الخط والختم يشبه الختم، ويجري فيه الاحتيال
والتزوير مع ما أن الخط للتذكر، فخط لا يذكر وجوده وعدمه بمنزلة واحدةٍ.
وعلى هذا الخلاف إذا وجد القاضي في ديوانه شيئاً لا يذكره، وديوانه تحت ختمه أنه لا
يعمل به عنده، وعندهما يعمل إذا كان تحت ختمه .
وعلى هذا الخلاف إذا عزل القاضي ثم استقضى بعدما عزل، فأراد أن يعمل بشيء مما
يرى في ديوانه الأول ولم يذكر ذلك، ليس له ذلك عنده(٣) وعندهما له ذلك، والله - سبحانه
وتعالى - أعلم.
وأما الشرائط التي ترجع إلى نفس الشهادة فأنواعٌ، منها: لفظ الشهادة، فلا تقبل بغيرها
من الألفاظ، كلفظ الإخبار والإعلام ونحوهما، وإن كان يؤدي معنى الشهادة تعبداً غير معقول
المعنى (٤).
الخط يشبه الخط. ورأينا كثيراً من تتحاكى خطوطهم. حتى إني رأيت ببلدة الاسكندرية خط رجل من
أهل العلم يعرف بالقاضي بدر الدين الدماميني. كان رحمه الله فقيها مالكياً شاعراً أديباً فصيحاً وخط آخر
يعرف بالخطيب لا يفرق الإنسان بين خطيهما.
وأجاب محمد بن مقاتل حين كتب إليه نصر بن يحيى فيمن نسي شهادته ووجد خطه وعرفه هل يسعه أن
يشهد؟ قال إذا كان الخط في حرزه يسعه أنه يشهد.
والذي أميل إليه أن الخط إذا كان في حرز الشاهد وتحت حفظه وعرف أن هذا خطه يجوز له أن يشهد
وإن لم يتذكر. وكذلك القاضي يجوز أن يقضي بشهادة الشهود إذا كانت محفوظة في قمطرة وإن لم يتذكر
أن هذه الشهادة أديت أمامه. لأن الإنسان كثير النسيان. والخط إذا كان محفوظاً لا تصل إليه الأيدي فمن
الحق الاعتماد عليه.
ينظر البينة لشيخنا محمد جاب الله.
(١) في ب: العهد.
(٢) تقدم.
(٣) في ب: عند أبي حنيفة.
(٤) تقدم بيان ذلك.

٤٠
كتاب الشهادة
ومنها: أن تكون موافقة للدعوى فيما يشترط فيه الدعوى، فإن خالفتها لا تقبل إلاَّ إذا
وفق المدعي بين الدعوى وبين الشهادة عند إمكان التوفيق، لأن الشهادة إذا خالفت الدعوى
فيما يشترط فيه الدعوى وتعذر التوفيق انفردت عن الدعوى، والشهادةُ المنفردةُ عن الدعوى
فيما يشترط نية الدعوى غير مقبولة .
وبيان ذلك في مسائل: إذا ادعى ملكاً بسبب ثم أقام البينة على ملك مطلق، لا تقبل،
وبمثله لو ادعى ملكاً مطلقاً ثم أقام البينة على الملك بسبب، تقبل.
ووجه الفرق أن الملك المطلق أعم من الملك بسبب، لأنه يظهر من الأصل حتى
تستحق به الزوائد، والملك بسبب يقتصر على وقت وجود السبب، فكان الملك المطلق أعمّ،
فصار المدعي بإقامة البينة على الملك المطلق مكذباً شهوده في بعض ما شهدوا به، والتوفيق
متعذرٌ، لأن الملك من الأصل ينافي الملك الحادث بسبب، لاستحالة ثبوتهما معاً في محل
واحد، بخلاف ما إذا ادعى الملك المطلق ثم أقام البينة على الملك بسبب، لأن الملك بسبب
أخص من الملك المطلق على ما بينا، فقد شهدوا بأقل مما ادعى، فلم يصر المدعي مُكَذِّباً
شُهُودَهُ، بل صدقهم [فيما] (١) شهدوا به، وادعى زيادة شيء - لا شهادة لهم عليه، وصار كما
لو ادعى ألفاً وخمسمائة فشهد الشهود على ألف، أنه تقبل البينة على الألف لما قلنا، كذا هذا.
ولو ادعى الملك بسبب معين ثم أقام البينة على الملك بسبب آخر، بأن ادعى داراً في يد
رجل أنه ورثها من أبيه، ثم أقام البينة على الملك أنه اشتراها من صاحب اليد، أو وهبها له،
أو تصدق بها عليه وقبض، أو ادعى الشراء أو الهبة أو الصدقة، ثم أقام البينة على الإرث. لا
تقبل بينته، لأن الشهادة خالفت الدعوى لاختلاف البينتين صورةً ومعنى، أما الصورة فلا شك
فيها، وأما المعنى فلأن حكم البينتين يختلف فلا يقبل إلا إذا وفق بين الدعوى والشهادة،
فقال: كنت اشتريت منه لكنه جحدني الشراء وعجزت عن إثباته، فاستوهبت منه فوهب مني
وقبضت وأعاد البينة، تقبل، لأنه إذا وفق فقد زالت المخالفة وظهر أنه لم يكذب شهوده.
ويصير هذا في الحقيقة ابتداء [دعوى](٢)، ولهذا يجب عليه إعادة البينة لتقع الشهادة عند
الدعوى .
وكذا إذا وفق فقال ورثته من أبى، إلا أنه جحد إرثي فاشتريت منه أو وهب لي، فإنها
تُقبل لزوال التناقض والاختلاف بين الدعوى والشهادة.
ولو ادعى الشراء بعد هذا وأقام البينة على الشراء بألف درهم، لا تقبل، لأن البدل قد
(١) بدل ما بين المعكوفين في ب: بقدرها.
(٢) سقط من ط .