النص المفهرس

صفحات 1-20

بَرَائِهُ الصَّنَّائِعِ
في ترتيب الشرائح
تأكیف
الإمَامِ عَلاءِ الدِّين أَنْ بَكْرْ بن مَسْعُود
الكَاسَاني الحَنفي
المتوفى سنة ٥٨٧ هـ
تَمِيق وَتَعَلِيق
الشيخ عَادل أحمد عبدالموجود
الشيخ عَلى مَّد معوض
الجزء التاسع
يَحَتَوَي عَلى الكتب التَّالِيَة:
الشَّهَادة - آداب القَاضي - القسُمَة - الحدُود
السَّرَقَة ~ قطَّاعَ الطّريقِ - السِّيَرَ
منشورات
محمد عَلى بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

منشوراتْ محمّد عَليُ بيضوت
دار الكتب العلمية.
جميع الحقوق محفوظة
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً
Exclusive rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be translated,
reproduced, distributed in any form or by any means,
or stored in a data base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle ou morale
d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur
cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production
écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée
de l'éditeur.
الطبعة الثانية
٢٠٠٣ م - ١٤٢٤ هـ
دار الكتب العلمية.
بَيرُوت - لبْنَان
رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت
الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية
هاتف وفاكس: ٨٠٤٨١٠/١١/١٢/١٣ (٩٦١٥+)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Raml Al-Zarif, Bohtory Str., Melkart Bldg. 1st Floor
Head office
Aramoun - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg.
Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13
P.O.Box: 11-9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kutub Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Raml Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, 1er Étage
Administration général
Aramoun - Imm. Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13
P.P: 11-9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-0417-9
90000>
9 782745 104175
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

◌ِهِالرَّنِ الرَّحِ
كتاب الشهادة(١)
الكلام في هذا الكتاب في مواضع.
في بيان ركن الشهادة.
وفي بيان شرائط الركن.
وفي بيان ما يلزم الشاهد بتحمل الشهادة.
وفي بيان حكم الشهادة.
أما ركن الشهادة فقول: الشاهد أشهد بكذا وكذا، وفي متعارف الناس في حقوق العباد
هو الإخبار عن كون ما في يد غيره لغيره، فكل من أخبر بأن ما في يد غيره لغيره فهو
شاهد(٢)، وبه ينفصل عن المقر والمدعي والمدعى عليه على ما ذكرنا في ((كتاب الدعوى)).
(١) الشهادة في اللغة تطلق على معان منها الحضور. يقول الرجل شهدت مجلس فلان أي حضرته. ومن
قول الله تعالى ﴿وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود﴾ ومنها الاطلاع على الشيء ومعاينته. ومنها
الإخبار بالشيء خبراً قاطعاً ومن ذلك تعريف صاحب الكنز. هي إخبار عن مشاهدة وعيان. لا عن تخمين
وحسبان وقد عقب على هذا التعريف أستاذنا الشيخ أحمد إبراهيم بك في كتابه طرق القضاء بقوله وإن
كانت عبارة الكنز أخص إذ الاخبار عن مشاهدة وعيان بعض الأخبار القاطع كما لا يخفى.
وهو تعقيب وجيه. فأحسن التعاريف في هذا المعنى ما أتى به شرح تنوير الأبصار وهو الشهادة.
لغة خبر قاطع.
ومنها الحلف. قال صاحب القاموس. وأشهد بكذا أي أحلف.
واصطلاحاً عرفها الشافعية بأنها: إخبار صادق بلفظ الشهادة لإثبات حق لغيره على غيره، في مجلس
القضاء ولو بلا دعوى.
وعرفها المالكية بأنها: إخبار حاكم عن علم ليقضي بمقتضاه.
وعرفها الحنفية بأنها: إخبار بحق للغير على آخر.
ينظر: مغني المحتاج ٤٢٦/٤، أدب القضاء لابن أبي الدم ١/ ١٧٥، نهاية المحتاج ٢٧٧/٨، حاشية
الدسوقي ١٦٤/٤، الدرر ٣٧٠/٢، الفتاوى الهندية ٤٥٠/٣.
(٢) اتفق الفقهاء على أن لفظ أشهد ليس بلازم في الشهادة التي هي من قبيل الإخبار المحض كأقوال أهل الخبرة.
والمخبرين بيسار الزوج لتقدير النفقة عليه لزوجته وأجرة الحضانة والرضاع والمسكن والمزكين سراً وعلناً . =
٣

٤
كتاب الشهادة
كما اتفقوا على أن لفظ أشهد أمر لا بد منه في الشهادة التي يترتب عليها وجوب الحكم على القاضي
=
ولكنهم اختلفوا في حكم هل هو شرط أو ركن؟ وقال الزيلعي وركنها لفظ أشهد بمعنى الخبر دون
القسم .
وفي المغني للحنابلة. ويعتبر لفظ الشهادة في أدائها. فيقول أشهد أنه أقر بكذا ونحوه ولو قال أعلم أو
أتيقن أو أعرف لم يعتد به. لأن الشهادة مصدر شهد يشهد شهادة فلا بد من الإتيان بفعلها المشتق منها.
وفي المنهاج للشافعية. والركن الخامس لفظ أشهد لا غيره وإن أدى معناه.
من هذا تنبيه اختلاف الفقهاء في كون لفظ أشهد شرطاً أو ركناً وعلى كل فالأدلة التي استندوا إليها في
لزوم هذه اللفظة هي ما يأتي.
١ - قول الله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ ﴿وأقيموا
الشهادة لله﴾ .
٢ - قول الرسول عليه الصلاة والسلام. إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع.
٣ - لفط أشهد فيه زيادة توكيد لأنه من ألفاظ اليمين فكان الامتناع عن الكذب بهذا اللفظ أشد.
هذه هي الأدلة وأنا لا أستطيع أن أوجه كيفية الاستدلال بها. لأنها في نظري في واد والمدعي في واد
آخر.
وإلا فما الذي يفهمه الإنسان من هذه النصوص التي قالوا إنها نطقت باشتراطها أنه إن فهم فلا أكثر من أن
تطلب شهادة رجلين من رجالنا أو أن نستشهد أربعة رجال في الزنى. وأن يؤدي الشهود الشهادة
خالصة لله لا للمشهود له ولا للمشهود عليه. وإنما يراقبون جانب الله وحده. فأين في هذه النصوص
اشتراط لفظة أشهد؟ بل وأين اشتراطها في قول الرسول إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع؟ إن
الحديث لا يدل على أكثر من أن الإنسان لا يشهد إلا على شيء تمكن منه كل التمكن. والدليل الأخير
غير مسلم به أيضاً. إذ إن ألفاظ اليمين ليست هي أشهد فحسب بل هناك ألفاظ أخرى تؤكد الخبر وتقويه
فليس للفظ أشهد مزية على سواه.
قال صاحب الفتح بعد أن أورد هذه الأدلة. فإن قيل غايتها وردت بلفظ الشهادة وذلك لا يوجب على
الشاهد لفظ الشهادة كما قال تعالى ﴿وربك فكبر﴾ ولم يرد من السنة في تكبير الافتتاح إلا بلفظ التكبير
كقوله قو تحريمها التكبير ولم يشترط لذلك لفظ التكبير عند أبي حنيفة فمن أين لزم في الشهادة. قلنا
الفرق معنوي. وهو أن لفظ الشهادة أقوى في إفادة تأكيد متعلقها من غيرها من الألفاظ كأعلم وأتيقن لما
فيها من اقتضاء معنى المشاهدة والمعاينة التي مرجعها الحس. ولأنها من ألفاظ الحلف فالامتناع مع ذكرها
عن الكذب أظهر. وقد وقع الأمر بلفظ الشهادة في قوله تعالى ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾. وقوله عليه الصلاة
والسلام إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع. فلزم لذلك لفظ الشهادة بخلاف التكبير. فإنه التعظيم.
وليس لفظ أكبر أبلغ من أجل وأعظم. فكانت الألفاظ سواء. فلم تثبت خصوصية توجب تعيين لفظ أكبر.
رد الأستاذ الشيخ أحمد إبراهيم بك على صاحب الفتح.
قال. أقول إن عجيباً من مثل صاحب الفتح أن يقتنع بمثل هذا الكلام. فأولاً استدلاله بقوله تعالى
﴿وأقيموا الشهادة الله﴾ وبقوله عليه الصلاة والسلام إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع. على أن الأمر
وقع بلفظ الشهادة. فكيف هذا وكل ما في الآية الكريمة هو الأمر بإقامة الشهادة؟ وليس في ذلك ما =

٥
كتاب الشهادة
فصل في شرائط الركن
وأما الشرائط في الأصل - فنوعان: نوع هو شرط تحمل الشهادة، ونوع هو شرط أداء
الشهادة، أما الأول - فثلاثة.
أحدها: أن يكون عاقلاً (١) وقت التحمل؛ فلا يصح التحمل من المجنون والصبي الذي لا يعقل؛
يستلزم أن يكون الأداء بلفظ مشتق من مادة (ش هـ د) فضلاً عن لفظ أشهد بخصوصه. فإقامة الشهادة قد
=
تأتي بغير ذلك اللفظ. ولا أحسب أن هذا يخفى على صاحب الفتح في جلالة قدره، ومتانة علمه بل هو
لا یخفی علی من هو دونه بدرجات.
ثانياً. أن ذلك الفرق المعنوي بين لفظتي الشهادة والتكبير ممنوع. كيف وذلك المعنى الذي يستفاد من
تأدية الشهادة بلفظ أشهد يمكن أن يستفاد من مثل قول الشاهد إني رأيت ما أخبر به الآن بعيني التي هي
في رأسي وسمعت كلام المدني عليه بأذني سمعاً حقيقياً. وإني متأكد مما أقول وأقسم بالله العظيم إني
الصادق. فهل تقصر مثل هذه العبارة عن أن تؤدي المعنى المستفاد من لفظ أشهد أو هي تزيد عليه.؟ على
أنه كم شاهداً يشعر بأن في قوله أشهد معنى اليمين. بل هو ورد عن العرب أن لفظة أشهد تؤدي معنى
الإخبار عن معاينة مع تضمينها القسم في آن واحد. فمن ادعى هذا ممن يوثق بنقله عن أئمة اللغة.؟
فالمسألة في الحقيقة من قبيل المشترك اللفظي. وهل يتناول اللفظ المشترك في استعمال واحد معنيين معاً
أو جميع معانیه؟
ثالثا: إن التكبير جاء في الصلاة التي هي من قبيل العبادات والشهادة جاءت في المعاملات. والأصل عند
أئمة الشريعة أن أحكام المعاملات معللة معقولة المعنى جملة وتفصيلاً، بخلاف العبادات. فيا للعجب
كيف يدخل الرأي والقياس في العبادات وكيف يمتنع في المعاملات.؟؟ على أن من الذي يدرينا أن معنى
أجل وأعظم أبلغ من معنى أكبر عند الشارع.؟ أليس للشارع وحده أن يتعبدنا بما شاء؟ فمنه الأمر وعلينا
الامتثال. ولا معنى للتعبد إلا هذا. أما إذا دخل المسألة الرأي فقد ضعف جانب المتعبد قليلاً أو كثيراً.
وما الذي يدرينا أن هذا الذي استنبطناه بالرأي يكون عبادة يرضاها الشارع منا.؟ فالأسلم في جانب
العبادات أن تكون بمعزل عن الرأي والقياس. وأما المعاملات الدنيوية فجانب المعنى فيها في غاية
الظهور فلا معنى لأن يدخلها التعبد.
فالحق أن لا دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من القياس على اشتراط أن يكون الأداء بلفظ الشهادة
فضلاً عن لفظ أشهد بخصوصه. اهـ.
هذا ما رآه أستاذنا ونحن معه في هذا الرأي. حيث إن الأدلة التي ذكروها لا تنتج المدعي. والظاهر أن
مذهب ابن تيمية في هذه المسألة هو الصواب. وقد أخذت به المحاكم الشرعية حيث جاء في المادة ١٧٥
من اللائحة ولا يشترط في قبولها لفظ أشهد.
ينظر: البينة لشيخنا محمد جاب الله، وينظر طرق القضاء ص ٣١١ وما بعدها.
(١) العاقل الكامل والمراد به ما يشمل التمييز فالعقل جوهر مجرد عن المادة في ذاته مقارن لها فعله وهي
النفس الناطقة التي يشير إليها كل أحد بقوله أنا. وقيل العقل: جوهر روحاني خلقه الله تعالى متعلقاً بيدن
الإنسان. وقيل العقل: نور في القلب يعرف الحق والباطل. وقيل العقل: جوهر مجرد عن المادة يتعلق
بالبدن تعلق التدبير والتصرف. وقيل العقل: قوة للنفس الناطقة. وهو صريح بأن القوة العاقلة أمر مغاير =

٦
'٠۴
كتاب الشهادة
للنفس الناطقة وأن الفاعل في التحقيق هو النفس. والعقل آلة لها بمنزلة السكين بالنسبة إلى القاطع. وقيل
=
العقل: والنفس والذهن واحد إلا أنها سميت عقلاً لكونها مدركة وسميت نفساً: لكونها متصرفة وسميت
ذهناً: لكونها مستعدة للإدراك واختلف الفقهاء في شهادة الصبي فردها الإمام الشافعي، وأبو حنيفة،
وأحمد في رواية عنه. وعن رواية ثانية وهي أن شهادة الصبي المميز مقبولة إذا وجدت فيه بقية الشروط
وعنه رواية ثالثة، وهي أنها تقبل في جراح بعضهم بعضاً، إذا أدوها قبل تفرقهم. وبهذا قال أشهب. وعن
مالك (رضي الله عنه). أنه تجوز شهادتهم في الجراح والقتل. وعلى قبول شهادتهم تواطأت مذاهبُ
السَّلَفِ الصَّالح. فقال به علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن
الزبير، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، والنخعي،
وشريح، وابن أبي ليلى، وابن شهاب، وابن أبي مليكة (رضي الله عنهم).
قال ابن حزم: صحيح، عن ابن الزبير، أنه قال: إذا اختبرتهم عند المصيبة جازت شهادتهم. قال ابن أبي
مليكة فأخذ القضاة بقول ابن الزبير.
وعن ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا عبد الله بن أبي ثابت، عن الشعبي، عن مسروق، أن ستة غلمان
ذهبوا يسبحون فغرق أحدهم، فشهد ثلاثة على اثنين أنهما أغرقاه، وشهد اثنان على ثلاثة أنهم أغرقوه.
فقضى علي بن أبي طالب على الثلاثة بخمسي الدية، وعلى الاثنين بثلاثة أخماسها وفي ((التبصرة)) لابن
فرحون وإذا قلنا بإجازتها، فإنما تجوز بأحد عشر شرطاً .
الأول: أن يكون ممن يعقل الشهادة. الثاني: أن يكونا حرين. الثالث: أن يكونا ذكرين، وقد روي عن
مالك جواز قبول شهادة إناث الأحرار. الرابع: أن يكونا محكوماً لهما بالإسلام. الخامس: أن يكون ذلك
بين الصبيان، لا لكبير على صغير، ولا لصغير على كبير. السادس: أن يكونا اثنين فصاعداً. السابع: أن
تكون الشهادة قبل تفرُّقهم وتخبيتهم. الثامن: أن تكون الشهادة متفقة غير مختلفة. التاسع: أن تكون
الشهادة في قتل أو جرح، لا في الأموال. العاشر: ألا بحضر ذلك أحد من الكبار، فمتى حضر كبار
فشهدوا، سقط اعتبار شهادة الصبيان، كان الكبار رجالاً أو نساء، لأن شهادة النساء تجوزُ في الخطأ،
وعمد الصبي كالخطأ. الحادي عشر: قال القرافي: ورأيت بعض المعتبرين من المالكية يقول: لا بد من
حضور الجسد المشهود بقتله. وإلا فلا تقبل، ولو شهدوا ثم رجعوا، لم يلتفت إلى رجوعهم، ولا يعتبر
فیھم تعدیل ولا جرح.
استدل المانعون بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ والصبي ليس من رجالنا. وبقوله
تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشّهَدَاءِ﴾ والصبي ممن لا نرضى.
ولكن القابلين قالوا: إن هذا موضع ضرورة، فيجب أن يقبل فيه شهادة الصبي، محافظة على الحقوق،
وابن القيم في كتابه ((أعلام الموقعين)) انتصر للقائلين بجواز شهادة الصبي، حيث قال وقد اتفق العلماء
على أن مواضع الحاجات، يقبل فيها من الشهادات ما لا يقبل في غيرها. وقد أمر الله سبحانه وتعالى
بالعمل بشهادة شَاهِدَيْنِ من غير المسلمين، عند الحاجة في الوصية في السفر، وقبلت شهادة النساء
منفردات في الأعراس، والحمامات، والمواضع التي ينفرد النِّسَاءُ بالحضور فيها. وكذلك عمل الصحابة
وفقهاء المدينة بشهادة الصِّبيان على تجارح بعضهم بعضاً. فإن الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم، ولو
لم تقبل شهادتهم، لضاعت الحقوق وتعطلت، وأهملت. مع غلبة الظن، أو القطع بصدقهم. ولا سيما =

٧
كتاب الشهادة
لأن تحمل الشهادة عبارة عن فهم الحادثة وضبطها، ولا يحصل ذلك إلا بآلة الفهم والضبط
وهي العقل.
والثاني: أن يكون بصيراً وقت التحمل عندنا، فلا يصح التحمل من الأعمى.
وعند الشافعي - رحمه الله - البصر ليس بشرط لصحة التحمل، ولا لصحة الأداء؛ لأن
الحاجة إلى البصر عند التحمل؛ لحصول العلم بالمشهود به، وذلك يحصل بالسماع وللأعمى
سماع صحيح؛ فيصح تحمله للشهادة، ويقدر على الأداء بعد التحمل(١).
إذا جاءوا مجتمعين قبل تفرقهم، ورجوعهم إلى بيوتهم. وتواطؤوا على خبر واحد، وفرقوا وقت الأداء،
واتفقت كلمتهم. فإن الظن الحاصل من شهادتهم أقوى بكثير من الظنّ الحاصل من شهادة رجلين، وهذا
مما لا يمكن دفعه وجحده. فلا نظن بالشريعة الكاملة الفاضلة المنتظمة لمصالح العباد في المعاش
والمعاد، إنها تهمل مثل هذا الحق، وتضيعه مع ظهور أدلته وقوتها، وتقبله مع الدليل الذي هو دون
ذلك . ا هـ.
أقول إن هذا كلام حسن؛ لأن الصبي قلَّما يعرف الكذب والتزوير، فهو يخبر عما شاهده وعاينه. فإذا
شهد الصبيان على الشروط المتقدمة كانت شهادة حقة. وكان خبرهم هذا صادقاً. والشريعة لا ترد خبر
الصادق، ولا تهمل مثل هذه البينة.
ينظر: البينة لشيخنا محمد جاب الله، والتبصرة ٣٦/٢، وأعلام الموقعين ١١٣/١.
(١) من الشروط العامة في الشاهد حالة الأداء أن يكون بصيراً. وللفقهاء في هذا الشرط خلاف.
فعند الحنفية أن الأعمى لا تقبل شهادته سواء أكان بصيراً وقت التحمل أم لا. وهذا عند أبي حنيفة
ومحمد. وعند أبي يوسف إذا كان بصيراً وقت التحمل قبلت شهادته. وقيد في الذخيرة قول أبي يوسف
بما إذا كانت شهادته في الدين والعقار أما في المنقول فالشهادة لا تقبل إجماعاً. وذلك لأن المنقول
يحتاج إلى الإشارة إليه وقت الأداء. وجه قول أبي يوسف أن اشتراط البصر ليس لعينه بل لحصول العلم
بالمشهود به. وذا يحصل إذا كان بصيراً وقت التحمل.
وجه قولهما إنه لا بد من معرفة المشهود له والإشارة إليه عند الشهادة. فإذا كان أعمى عند الأداء لا
يعرف المشهود له من غيره فلا يقدر على أداء الشهادة ولو أدى بصيراً ثم عمي فعند أبي حنيفة ومحمد
يمتنع القضاء لأن قيام الأهلية شرط وقت القضاء الصيرورة الشهادة حجة عنده. وقال أبو يوسف لا يمتنع
القضاء قياساً على الشاهد إذا مات بعد الأداء.
وعند الشافعي البصر شرط في الأفعال كالزنا والغصب والإتلاف والرضاع فلا تقبل الشهادة من أعمى في
مثل هذه الأفعال بل لا بد من البصر وإن كان أصم. وأما الأقوال كعقد وفسخ وإقرار بهما. يشترط
سمعها وإبصار قائلها. ولا تقبل من أعمى حمل شهادة في مبصر إلا أن يقر رجل في أذنه بطلاق أو عتق
أو مال لرجل معروف الاسم والنسب فيتعلق به حتى يشهد عليه عند قاض به فتقبل على الصحيح. ولو
حملها بصيراً ثم عمي شهد إن كان المشهود له وعليه معروفي الاسم والنسب بخلاف مجهوليهما أو
أحدهما .
وعند المالكية والحنابلة. أن الأعمى لا تقبل شهادته في الأفعال كالشافعية. وتقبل شهادته في الأقوال إذا =

٨
كتاب الشهادة
ولنا: أن الشرط هو السماع من الخصم؛ لأن الشهادة تقع له، ولا يعرف كونه خصماً إلا
بالرؤية؛ لأن النغمات يشبه بعضها بعضاً.
وأما البلوغ، والحرية، والإسلام والعدالة - فليست من شرائط التحمل، بل من شرائط
الأداء حتى لو كان وقت التحمل صبيًّا عاقلاً، أو عبداً، أو كافراً، أو فاسقاً، ثم بلغ الصبي،
وعتق العبد، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق، فشهدوا عند القاضي تقبل شهادتهم.
وَكَذَا الْعَبْدُ إِذَا تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ لِمَوْلاَهُ، ثُمَّ عُتِقَ، فَشَهَدَ لَهُ تُقْبَلُ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ إِذَا تَحَمَّنَتْ
الشّهَادَةَ لِزَوْجِهَا، ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ، فَشَهِدَتْ لَهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا، لأَنَّ تَحَمُّلِهَا الشَّهَادَةُ لِلْمَوْلَّى والزَّوْجِ
صَحِيْحُ، وَقَدْ صَارَا مِنْ أَهْلِ الأَدَاءِ بِالعِثْقِ وَالْبَيْنُونَة؛ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهَما.
وَلَوْ شَهِدَ الفَاسِقُ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُه، لِتُهْمَةِ الفِسْقِ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ، فَرُدَتْ
شَهَادَتُهُ، لِتُهْمَةِ الزَّوْجِيَّةِ، ثُمَّ شَهِدُوا في تِلْكَ الحَادِثَةِ بَعْدَ الثَّوْبَة وَالبَيْنُونَةِ - لاَ تُقْبَلُ.
وَلَوْ شَهِدَ العَبْدُ، أَوْ الصَّبِيُّ العَاقِلُ، أَوْ الكَافِرُ عَلَى مُسْلِم في حَادِثَةٍ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، ثُمَّ
أَسْلَمَ الكَافِرُ، وَعُتِقَ الْعَبْدُ، وَبَلَغَ الصِيُّ، فَشَهِدُوا فِي تِلْكَ الحَادِثَةِ بَعْينِهَا تُقْبَلُ .
وَوَجْهُ الْفَرْقِ: أَنَّ الفَّاسِقَ، وَالزَّوْجَ لَهُمَا شَهِادَةٌ في الجُمْلَةِ، وَقَدْ رُدَّتْ، فَإِذَا شَهِدُوا بَعْدَ
الثَّوْبَةِ، وَزَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ في تِلْكَ الحَادِثَةِ - فَقَدْ أَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ، وَهِيَ مَرْدُودَةٌ، والشَّهادَةُ
المردودةُ لاَ تُخْتَمِلُ القَبُولَ، بِخِلاَفِ الكَافِرِ وَالْعَبْدِ والصَّبِيِّ، لأَنَّهُ لاَ شَهَادَةً لِلكَافِرِ عَلَى المُسْلِمْ
أَضْلاً .
كان المشهود عليه لازمة كثيراً حتى يقطع بأن ما سمعه صوت فلان. وروي هذا عن علي وابن عباس وبه
=
قال ابن سيرين وعطاء والشعب والزهري وابن أبي ليلى وإسحاق وابن المنذر.
واستدلوا بأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. قال إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا نداء
ابن أم مكتوم. فأمر بالإمساك عند ندائه ولا يعلم إلا بصوته. وبأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها
اليقين فإذا عرف الأعمى صوت إنسان وتمكن منه كانت شهادته مقبولة. وجواز اشتباه الأصوات كجواز
اشتباه الصور.
هذا والذي نميل إليه هو قبول شهادة الأعمى إذا كان المشهود عليه لازمه كثيراً حتى يقطع بأن ما سمعه
هو صوته. وقد شاهدنا كثيراً ممن فقدوا البصر يميزون بين من يعرفونهم بمجرد أن يسمعوا أصواتهم.
فمن الحق الاعتماد على شهادة أمثال هؤلاء. ولا سيما إذا اختبر القاضي الأعمى بأن جمع له بين
المشهود عليه وغيره. فإذا ميز صوت المشهود عليه من صوت غيره كان هذا دليلاً على أنه لم يخطىء في
معرفة صوت المشهود عليه ومن الحق الاعتماد على شهادته .
وإذا تحمل بصيراً ثم عمي فقول من قال بالجواز هو الذي نطمئن إليه. وإذا أدى ثم عمي لا معنى لامتناع
القضاء بشهادته. إذ لا فرق بينه وبين من مات كما قال الإمام أبو يوسف.
ينظر: البينة لشيخنا محمد جاب الله .

٩
كتاب الشهادة
وَكَذَا الصَّبِيُّ وَالعَبْدُ لاَ شَهَادَةً لَهُمَا أَصْلاً، فَإِذَا أَسْلَمَ الكَافِرُ، وَعُتِقَ الْعَبْدُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ -
فَقَدْ حَدَثِتْ لَهُمْ بِالإِسْلاَمِ وَالعتْقِ وَالْبُلُوعِ شَهَادَةٌ، وَهِيَ غَيْرُ المَرْدُوْدَةِ، فَقُبِلَتْ، فَهُوَ الْفَرْقُ.
الثالثُ: أَنْ يَكَوْنَ التَّحَمُّلُ بِمُعَايَنَةِ المَشْهُودِ بِهِ بِنَفْسِهِ، لاَ بِغَيْرِهِ إِلاَّ فِي أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ،
يَصِحّ التحمل فيها بالتسامع من الناس، لقوله - عليه الصلاة والسلام - ((لِلشَّاهِدِ إِذَا عَلِمْتَ مِثْلَ
الشَّمْسِ فَاشْهَذْ وإِلاَّ فَدَعْ))(١) ولا يعلم مثل الشمس إلا بالمعاينة بنفسه، فلا تطلق الشهادة
بالتسامع إلا في أشياء مخصوصة، وهي: النكاح، والنسب، والموت، فله تحمل الشهادة فيها
بالتسامع من الناس، وإن لم يعاين بنفسه، لأن مبنى هذه الأشياء على الاشتهار، فقامت الشهرة
فيها مقام المعاينة .
وكذا إذا شهد العرس والزفاف - يجوز له أن يشهد بالنكاح، لأنه دليل النكاح، وكذا في
الموت إذا شهد جنازة رجل، أو دفنه ـ حل له أن يشهد بموته، واختلفوا في تفسير التسامع،
فعند محمد - رحمه الله - هو: أن يشتهر ذلك، ويستفيض، وتتواتر به الأخبار عنده من غير
تواطؤ، لأن الثابت بالتواتر والمحسوس بحس البصر(٢) والسمع سواء، فكانت الشهادة بالتسامح
شهادة عن معاينة، فعلى هذا إذا أخبره بذلك رجلان، أو رجل وامرأتان لا يحل له الشهادة ما
لم يدخل في حد التواتر.
وذكر أحمد بن عمرو بن مهير الخصاف(٣) أنه إذا أخبره رجلان عدلان، أو رجل
(١) أخرجه الحاكم (٩٨/٤).
والعقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (٧٠/٤) في ترجمة محمد بن سليمان بن مسمول.
والبيهقي في الكبرى (١٥٦/١٠) كتاب الشهادات، باب: التحفظ من الشهادة والعلم بها.
وأبو نعيم في الحلية (١٨/٤).
كلهم من طرق عن محمد بن سليمان بن مسمول ثنا عبد الله بن سلمة بن وهرام عن طاوس عن ابن
عباس - رضي الله عنه - فذكره بنحوه.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي بأنه واه؛ فعمرو، قال ابن عدي:
كان يسرق الحديث وابن مشمول ضعفه غير واحد.
قال البيهقي، محمد بن سليمان بن مسمول هذا تكلم فيه الحميدي ولم يرو من وجه يعتمد عليه والله
أعلم.
والحديث ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٨٢/٤)، وقال: وأسند ابن عدي تضعيفه عن النسائي - يعني
محمد بن مسمول -، ووافقه، وقال: عامة ما يرويه لا يتابع عليه إسناداً ولا متناً.
والحديث ذكره الهندي في («كنز العمال)» (٢٣/٧) حديث (١٧٧٨٢) وعزاه إلى أبي سعيد النقاش في
((القضاة)) عن ابن عباس - رضي الله عنهما، وعنه أيضاً بنحوه برقم (١٧٧٨١) وعزاه إلى عبد الرزاق.
(٢) في ب: النظر.
(٣) العلامة شيخ الحنفية أبو بكر أحمد بن عمرو بن مهير الشيباني الفقيه الحنفي المحدّث.

١٠
كتاب الشهادة
وامرأتان أن هذا ابن فلان، أو امرأة فلان - يحل له الشهادة بذلك استدلالاً بحكم الحاكم
وشهادته، فإنه يحكم بشهادة شاهدين من غير معاينة منه، بل يخبرهما، ويجوز له أن يشهد
بذلك بعد العزل. كذا هذا.
ولو أخبره رجل أو امرأة بموت إنسان - حل للسامع أن يشهد بموته، فعلى هذا يحتاج
إلى الفرق بين الموت، وبين النكاح والنسب.
ووجه الفرق: أن مبنى هذه الأشياء، وإن كان على الاشتهار إلاَّ أن الشهرة في الموت
أسرع منه في النكاح والنسب لذلك شرط العدد في النكاح والنسب، [لا في الموت](١) لكن
ينبغي أن يشهد في كل ذلك على البتات والقطع دون التفصيل والتقييد، بأن يقول: إني لم
أعاين ذلك، ولكن سمعت من فلان كذا وكذا، حتى لو شهد كذلك لا تقبل.
وأما الولاء - فالشهادة فيه بالتسامع غير مقبولة عند أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما الله -
وهو قول أبي يوسف - رحمه الله - الأول، ثم رجع وقال: تقبل وذكر الطحاوي - رحمه الله -
قول محمد مع أبي يوسف الآخر.
ووجهه أن الولاء لحمة كلحمة النسب، ثم الشهادة بالتسامع في النسب مقبولة، كذا في
الولاء، ألا ترى أنا كما نشهد أن سيدنا عمر كان ابن الخطاب - رضي الله عنه - نشهد أن نافعاً
كان مولى ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما -.
والصحيح: جواب ظاهر الرواية؛ لأن جواز الشهادة بالتسامع في النسب لما أن مبنى
النسب على الاشتهار، فقامت الشهرة فيه مقام السماع بنفسه، وليس مبنى الولاء على
الاشتهار، فلا بد من معاينة الإعتاق حتى لو اشتهر [اشتهار نافع لابن سيدنا عمر - رضي الله
عنهما ](٢) - حلت الشهادة بالتسامع.
وقال محمد بن إسحاق النديم: كان فاضلاً صالحاً، فارضاً حاسباً، عالماً بالرأي مقدماً عند
=
المهتدي بالله .
صنف كتاب ((الحيل)) وكتاب: ((الشروط الكبير)) ثم اختصره و((الرضاع)) و((أدب القاضي)) و((العصير
وأحكامه)) و((أحكام الوقوف))، و((ذرع الكعبة والمسجد والقبر)).
ويذكر عنه زهد وورع وأنه كان يأكل من صنعته رحمه الله. وقلّ ما روي وكان قد قارب الثمانين.
مات ببغداد سنة إحدى وستين ومائتين.
ينظر سير أعلام النبلاء (١٢٣/١٣ - ١٢٤).
طبقات الفقهاء (١١٤)، الوافي بالوفيات (٢٦٦/٧ - ٢٦٧).
(١) في ب: ولم يشترط ذلك في الموت.
(٢) بدل ما بين المعكوفين في ب: إن نافع لابن عمر.

١١
كتاب الشهادة
وأما الشهادة بالتسامع في الوقف - فلم يذكره في ظاهر الرواية، إلا أن مشايخنا ألحقوه
بالموت؛ لأن مبنى الوقف على الاشتهار أيضاً كالموت، فكان ملحقاً به. وكذا تجوز الشهادة
بالتسامع في القضاء والولاية أن هذا قاضي بلد كذا، ووالي بلد كذا، وإن لم يعاين المنشور،
لأن مبنى القضاء والولاية على الشهرة، فقامت الشهرة فيها مقام المعاينة، ثم تحمل الشهادة،
كما يحصل بمعاينة المشهود به بنفسه يحصل بمعاينة دليله، بأن يرى ثوباً، أو دابة، أو داراً في
يد إنسان يستعمله استعمال الملاك من غير منازع، حتى لو خاصمه غيره فيه - يحل له أن يشهد
بالملك لصاحب اليد، لأن اليد المتصرفة في المال من غير منازع دليل الملك فيه، بل لا دليل
بشاهد في الأموال أقوى منها .
وزاد أبو يوسف فقال: لا تحل له الشهادة حتى يقع في قلبه أيضاً أنه له، وينبغي أن
يكون هذا قولهم جميعاً أنه لا تجوز للرائي الشهادة بالملك لصاحب اليد حتى يراه في يده
يستعمله استعمال الملاك من غير منازع، وحتى يقع في قلبه أنه له .
وذكر في ((الجامع الصغير)) وقال: كل شيء في يد إنسان - سوى العبد والأمة - يسعك
أن تشهد أنه له، استثنى العبد والأمة فيقتضي أن لا تحل له الشهادة بالملك لصاحب اليد فيهما
إلا إذا أقرا بأنفسهما، وإنما أراد به العبد الذي يكون له في نفسه يد؛ بأن كان كبيراً يعبر عن
نفسه، وكذا الأمة، لأن الكبير(١) في يد نفسه ظاهراً، إذ الأصل هو الحرية في بني آدم، والرق
عارض، فكانت يده إلى نفسه أقر من يد غيره، فلم تصلح يد غيره دليل الملك فيه، بخلاف
الجمادات والبهائم، لأنه لا يد لها، فبقيت يد صاحب اليد دليلاً على الملك؛ ولأن الحرَّ قد
يخدم، كأنه عبد عادة، وهذا أمر ظاهر في متعارف الناس وعاداتهم، فتعارض الظاهران؛ فلم
تصلح الید دليلاً فيه.
أما إذا كان صغيراً، لا يعبر عن نفسه - كان حكمه حكم الثوب والبهيمة، لأنه لا يكون
له في نفسه يد، فيلحق بالعروض والبهائم، فتحل للرائي الشهادة بالملك فيه لصاحب اليد،
والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
وأما شرائط أداء الشهادة فأنواع، بعضها يرجع إلى الشاهد، وبعضها يرجع إلى نفس
الشهادة، وبعضها يرجع إلى مكان الشهادة، وبعضها يرجع إلى المشهود به.
أما الذي يرجع إلى الشاهد - فأنواع: بعضها يعم الشهادات كلها، وبعضها يخص البعض
دون البعض .
(١) في ب: العبد.

١٢
كتاب الشهادة
أما الشرائط العامة - منها: العقل، لأن من لا يعقل لا يعرف الشهادة، فيكف يقدر على
أدائها؟ ومنها البلوغ، فلا تقبل شهادة الصبي العاقل، لأنه لا يقدر على الأداء إلاَّ بالتحفظ،
والتحفظ بالتذكر، والتذكر بالتفكر، ولا يوجد من الصبي عادة، ولأن الشهادة فيها معنى
الولاية، والصبي مولى عليه، ولأنه لو كان له شهادة - للزمته الإجابة عند الدعوة للآية الكريمة
وهو قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي: دعوا للأداء فلا يلزمه
إجماعاً .
ومنها الحرية؛ فلا تقبل شهادة العبد؛ لقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدَاً مَمْلُوكاً لاَ
يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] والشهادة شيء، فلا يقدر على أدائها بظاهر الآية الكريمة، ولأن
الشهادة تجري مجرى الولايات والتمليكات(١).
(١) ذهبت طائفة من الفقهاء إلى اشتراط الحرية في الشاهد، وعليه فلا تقبل شهادة العبد، وهذا هو مذهب
الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وعطاء، ومجاهد، والحسن وذهبت طائفة أخرى إلى أن الحرية ليست
شرطاً في الشَّاهِد، وعليه فشهادةُ العبد جائزة إذا كان عدلاً، وبهذا قال عروة، وشريح، وإياس، وابن
سيرين، وعثمان البتي، وأحمد، وأبو داود، وابن المنذر.
وعن أحمد في رواية أخرى أن شهادة العبد لا تُقبل في الحدود، والقصاص، وهذا ظاهر المذهب، لأن
الاختلاف في قبول شهادته في الأموال نقصٌ وشبهةٌ فلا تقبل فيما يدرأ بالشبهات. وقال الشعبي،
والنخعي، والحكم: تقبل في الشيء اليسير.
استدل المانعون بما يأتي:
١ قول الله تعالى ﴿ضرب الله مثلاً عَبْدَاً مَمْلُوكاً لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. والشهادةُ شيءً، والعبد لا يقدر
عليها .
٢ قول الله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. والعبد لا يدخل في هذا الخطاب؛ لأن الخطاب
يتناول الذين يتداينون. والعبد ليس أهلاً للمداينة.
٣ أن الشهادة ولايةٌ. والعبد ليس من أهل الولاية على غيره.
٤ أن العبد يستغرق الزمان بخدمة سيده. فليس له وقت يملك فيه أداء الشهادة.
واستدل المجوِّزون بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. والوسطُ العدلُ
الخيار. ولا ريب في دخول العبد في هذا الخطاب. فهو عَدَلْ بنص القرآن. فدخل تحت قوله تعالى:
﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدِيْنٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. ولا شك أن العبد من
رجالنا. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمَّ خَيْرُ الْبَرِيةِ﴾، والعبد المؤمن الصالح
من خير البرية. فكيف ترد شهادته؟
وأما السنة. فقول الرسول والر: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين،
وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)). والعبد يكون من حملة العلم فهو عدل بقول الرسول.
وروي عن عقبة بن الحارث، قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد
أرضعتكما. فذكرت ذلك لرسول الله وَله. فقال: وكيف وقد زعمت ذلك؟ متفق عليه. وفي رواية بي =

١٣
كتاب الشهادة
داود. فقلت: يا رسول الله، إنها لكاذبة.
۔
فقال: وما يدريك.؟ وقد قالت ما قالت، دعها عنك.
في هذا الحديث. قبل الرسول وَ ل# شهادة الأمة، وفرق بين الزوج وزوجه، فالعبد إذاً من أهل الشهادة.
وأما الإجماع فقد حكى الإمام أحمد، عن أنس بن مالك (رضي الله عنه)، أنه قال: ما علمت أحداً رد
شهادة العبد. وهذا يدلّ على أن ردها إنما كان بعد عصر الصحابة، واشتهر هذا القول، لما ذهب إليه
الأئمة أبو حنيفة، ومالك، والشافعي. وصار لهم أتباع يفتون، ويقضون بأقوالهم، فصار هذا القول عند
الناس هو المعروفُ.
وأما القياس، فقد اتفق الناس على أنه مقبول الشهادة على رسول الله وَ لقر. إذا روي عنه الحديث. فتقبل
شهادته على باقي الناس بالقياس على الرسول.
ورد على أدلة المانعين ما يأتي: يرد على الدليل الأول للقائلين بعدم الجواز، أن الله تعالى قد ضرب
المثل بعبد من عبيده هذه صفته. وقد توجد هذه الصفة في كثير من الأحرار. ولا يستقيمُ الاستدلال بهذه
الآية، إلا إذا كان النص. أن كل عبد لا يقدر على شيء. أما والنظمُ الكريمُ غير هذا، فلا يصح
الاستدلال بها. ويرد على الدليل الثاني: أن الخطاب وإن فهم من أن العبد غير داخل في الذين يتداينون،
فإنه لا يفهم منه أنه خارج من رجالنا في قول الله تعالى: ﴿مِنْ رِجَالِكُم﴾؛ إذ خصوص أول الآية لا يمنع
التعلق بعموم آخرها.
ويرد على الدليل الثالث أنه إما أن يراد من الولاية كونه مقبولَ الشهادة على المشهود عليه، أم كونه حاكماً
منفذاً فيه الحكم. فإن أريد الأول كان التقدير: أن الشهادة شهادة، والعبد ليس من أهلها. وهذا حاصل
الدليل. وإن أريد الثاني فمعلومُ البطلان، والشهادة لا تستلزمه، كذا قيل وينتقض الدليل الرابع بما إذا أذن
له السيد. وبأن أداء الشهادة لا يبطل حق السيد في خدمته. وينتقض كذلك بالحرة المزوجة. وبالأجير
الذي استغرقت ساعات يومه وليلته بعقد الإجارة.
ويرد على الإجماع الذي استدل به المجوّزون؛ أن هذا إجماع غير صحيح؛ إذ لو صح لما خالفته الأئمة
وورد على القياس. أن هناك فرقاً بين الشهادة والرواية، وهو أن باب الثانية أوسع من الأولى. ورد هذا
بأنه كلام عارٍ عن التحقيق والصَّواب. وأن أولى ما ضبط واحتيط له الشهادة على الرسول وَلثر. فإن
الكذبَ علیه لیس ککذب علی أَحَدٍ.
والناظر في هذه الأدلة والباحث فيها لا يسعه أن يبطل شهادة العبد. فقد عدله الله سبحانه وتعالى. وكذلك
رسوله الكريم. وليس بعد تعديلهما تعديل. والشهادة ليست إلا قول الرجل العدل. فما الذي يحملنا على
رد شهادته متعللين بعلل لا تنفع ولا تفيد. وقد قبلها من الصحابة الجم الغفير. وقضى بها القاضي العدل
شريح رضي الله عنه. قال أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا جعفر بن أبي غياث عن أشعث عن الشعبي. قال
قال شريح لا نجيز شهادة العبد. فقال علي بن أبي طالب لكنا نجيزها. فكان شريح بعد ذلك يجيزها إلا
السيده. وسئل إياس بن معاوية عن شهادة العبد فقال أنا أرد شهادة عبد العزيز بن صهيب (استفهام إنكاري)
وكان منهم زياد بن أبي زياد مولى ابن عباس من العلماء الزهاد وكان عمر بن عبد العزيز يرفع قدره ويكرمه.
ومنهم عكرمة مولى ابن عباس أحد العلماء الثقات. وكثير من العلماء كانوا عبيداً أو أبناء عبيد لم يحدث
فيهم بالعتق إلا الحرية. والحرية لا تغير طبعاً . لا تحدث علماً ولا ديناً ولا مروءة.
=

١٤
كتاب الشهادة
أما معنى الولاية - فإن فيه تنفيذ القول على الغير، وأنه من باب الولاء، وأما معنى
التمليك - فإن الحاكم يملك الحكم بالشهادة، فكان الشاهد ملكه الحكم، والعبد لا ولاية له
على غيره، ولا يملك، فلا شهادة له، ولأنه لو كان له شهادة - لكان يجب عليه الإجابة إذا
دعي لأدائها، للآية الكريمة، ولا يجب لقيام حق المولى، وكذا لا تقبل شهادة المدبر
والمكاتب وأم الولد؛ لأنهم عبيد، وكذا معتق البعض عند أبي حنيفة، وعندهما تقبل شهادته،
لأنه بمنزلة المکاتب عنده، وعندهما بمنزلة حر علیه دین.
ومنها بصر الشاهد عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - فلا تقبل شهادة الأعمى
عندهما، سواء كان بصيراً وقت التحمل، أو لا. وعند أبي يوسف ليس بشرط حتى تقبل
شهادته إذا كان بصيراً وقت التحمل. وهذا إذا كان المدعي شيئاً لا يحتاج إلى الإشارة إليه
وقت الأداء. فأما إذا كان شيئاً يحتاج إلى الإشارة إليه وقت الأداء - لا تقبل شهادته إجماعاً.
وجه قول أبي يوسف: أن اشتراط البصر ليس لعينه، بل لحصول العلم بالمشهود به، وذا
يحصل إذا كان بصيراً وقت التحمل.
وجه قولهما: أنه لا بد من معرفة المشهود له، والإشارة إليه عند الشهادة، فإذا كان
أعمى عند الأداء - لا يعرف المشهود له من غيره، فلا يقدر على أداء الشهادة .
ومنها النطق؛ فلا تقبل شهادة الأخرس، لأن مراعاة لفظ الشهادة شرط صحة أدائها، ولا
عبارة للأخرس أصلاً، فلا شهادة له(١) .
وإذا قبلت شهادة على حكم الله ورسوله في الفروج والدماء والأموال في الفتوى. فلأنه تقبل شهادته على واحد
=
من الناس أولى وأحرى كيف وهو مسلم فيدخل في قول عمر رضي الله عنه المسلمون عدول بعضهم على
بعض. وهو صادق فيجب العمل بخبره وإلا يرد. فالشريعة لا ترد خبر الصادق بل تعمل به. وليس بفاسق فلا
يجب التثبت في خبره وشهادته. وهذا كله من تمام رحمة الله بعباده وإكمال دينهم لهم وإتمام نعمته عليهم
بشريعة لئلا تضيع حقوق الله وحقوق عباده مع ظهور الحق بشهادة الصادق.
فالحق أن شهادة العبد جائزة فيما عدا الحدود والقصاص. وذلك للشبهة التي حصلت من اختلاف العلماء
في شهادته والحدود يدرأ بالشبهات.
ينظر: البينة لشيخنا محمد جاب الله، والطرق الحكمية ص ١٥١/١٥٠.
(١) ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الأخرس لا شهادة له. وذهب المالكية والشافعية وابن المنذر إلى اعتبار
إشارته شهادة وقبولها إذا فهمت. لأن إشارته تقوم مقام نطقه في أحكامه من نكاح وطلاق وظهار وإيلاء
فكذلك في شهادته.
واستدل ابن المنذر بأن النبي ◌ّ أشار وهو جالس في الصلاة إلى الناس وهم قيام أن اجلسوا فجلسوا.
واستدل الحنفية والحنابلة بأن الشهادة يعتبر فيها اليقين ولذلك لا يكتفي بإيماء الناطق ولا يحصل اليقين
بالإشارة. وإنما اكتفى بإشارته في أحكامه المختصة به للضرورة ولا ضرورة لههنا.
وما استدل به ابن المنذر لا يصح. لأن النبي # كان قادراً على الكلام وعمل بإشارته في الصلاة. ولو
شهد الناطق بالإيماء والإشارة لم يصح إجماعاً فعلم أن الشهادة مفارقة لغيرها من الأحكام.

١٥
كتاب الشهادة
ومنها: العدالة، لقبول الشهادة على الإطلاق؛ فإنها لا تقبل على الإطلاق بدونها(١)،
لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والشاهد المرضي هو: الشاهد العدل.
والكلام في العدالة في مواضع: في بيان ماهية العدالة أنها ما هي في عرف الشرع؟ وفي بيان
صفة العدالة المشروطة(٢)، وفي بيان أنها شرط أصل القبول وجوداً، أم شرط القبول على
الإطلاق وجوداً ووجوباً؟
أما الأول: فقد اختلفت عبارات مشايخنا - رحمهم الله - في ماهية (٣) [العدالة
المتعارفة](٤) قال بعضهم: من لم يطعن عليه في بطن، ولا فرج، فهو عدل، لأن أكثر أنواع
الفساد والشر يرجع إلى هذين العضوين (٥).
(١) في ط: دونها.
(٢) في ب: المشروعة.
(٣) الماهية: تطلق غالباً على الأمر المتعقل مع قطع النظر عن الوجود الخارجي. والأمر المتعقل من حيث إنه
مقول في جواب ((ما هو)) يسمى: ماهية، ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى: حقيقة. ومن حيث إنه
محلي الحوادث: جوهراً. انظر: التعريفات للجرجاني ص (٢٠٥).
(٤) بدل ما بين المعكوفين في ب: العدل المتعارف في الشرع.
(٥) يشترط لأداء الشهادة العدالة. لقوله تعالى ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾. والمرضي من الشهداء هو الشاهد
العدل .
والعدالة كما قال ابن راشد. هيئة راسخة في النفس تحث على ملازمة التقوى. باجتناب الكبائر وتوقي
الصغائر. والتحاشي عن الزوائل.
والعدل هو الذي تعتدل أحواله في دينه وأفعاله. واعتداله في الدين. ألا يرتكب كبيرة وألا يداوم على
صغيرة .
واختلف الفقهاء في ماهية الكبائر والصغائر. فقال بعضهم ما فيه حد في كتاب الله عز وجل فهو كبيرة.
وما لا حد فيه فهو صغيرة. وهذا ليس بسديد. فإن شرب الخمر وأكل الربا كبيرتان ولا حد فيهما في
کتاب الله تعالى.
وقال بعضهم ما يوجب الحد فهو كبيرة وما لا يوجبه فهو صغيرة. ويبطل هذا بأكل الربا وعقوق الوالدين
والفرار من الزحف. فإن هذه كبائر ولا حد فيها.
والأحسن قول بعضهم. كل ما جاء مقروناً بوعيد فهو كبيرة. نحو قتل النفس المحرمة. وقذف
المحصنات. وأكل مال اليتيم. والفرار من الزحف والزنا والربا. وهو مروي عن ابن عباس رضي الله
عنهما. وقيل له إن عبد الله بن عمر يقول إن الكبائر سبع. فقال هي إلى سبعين أقرب. ولكن لا كبيرة مع
توبة ولا صغيرة مع إصرار.
وفعل الصغيرة لا يخرج العدل عن العدالة. لقوله تعالى ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا
اللمم﴾. قيل اللمم صغار الذنوب. ولأن التحرز عنها غير ممكن. قال أبو خراشة وهو يسعى بين الصفا
والمروة.
إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبدلك لا ألما
=

١٦
كتاب الشهادة
ونسب صاحب الذخيرة هذا البيت إلى النبي ◌ّر. ولكن صاحب الفتح غلطه في هذه النسبة.
=
والاعتدال في الأفعال ألا يرتكب ما يخل بالمروءة كالبول في الطريق واللعب بالطيور والأكل في السوق.
بهذا قال الفقهاء.
وأنا أقول إن الأكل في السوق يختلف باختلاف الأشخاص. فلو أكل عالم مثلاً في السوق أنكر فعله.
وانحى عليه باللائمة وعد أكله في السوق مخالفاً للمروءة ولا كذلك الأجير والعامل مثلاً .
وفي التبصرة قال ابن محرز ليس المراد بالمروءة نظافة الثوب ولا فراهة المركوب. وجودة الآلة وحسن
البشارة. وإنما المراد بها التصون والسمت الحسن وحفظ اللسان وتجنب مخالطة الأراذل. وترك الإكثار
من المداعبة والفحش. وكثرة المجون وتجنب السخف. والارتفاع عن كل خلق رديء. يرى أن من
تخلق به لا یحافظ علی دینه. وإنه لم یکن في نفسه جرح.
والحنفية يرون أن العدالة شرط وجوب القضاء على القاضي. لا شرط صحة القضاء. فلو قضى القاضي
بشهادة فاسق نفذ وأثم إلا أن يمنع الإمام القضاة من القضاء بشهادة الفاسق فحينئذ لا تنفذ لأن القضاء
يتقید بزمان ومكان وحادثه وقول معتمد .
وبنى الحنفية كون الفاسق أهلاً للشهادة على أهليته للقضاء والسلطنة. وفسقه يوجب التوقف في خبره
للتهمة. قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ينبأ فتبينوا﴾ أمر بالتبين والتثبت لا بالرد حتى إذا
غلب على الظن صدقه جاز أن يحكم بشهادته .
وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن الفاسق إذا كان وجيهاً في الناس ذا مروءة تقبل شهادته. لأنه بوجاهته
لا يتجاسر أحد على استئجاره لأداء الشهادة. ولمروءته يمتنع عن الكذب من غير منفعة له في ذلك.
قال صاحب الفتح هذا تعليل في مقابلة النص فلا يقبل. وفي البحر إن كان المراد بالنص قوله تعالى
﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾. فدلالته على عدم قبول غير العدل إنما هي بالمفهوم وهو غير معتبر عندنا.
وإن كان المراد بالنص قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾. فليس فيه ما يمنع
قبول شهادة الفاسق لأنه أمر بالتبين ولم يأمر بالرد. فإذا تبين القاضي وتحرى وغلب على ظنه الصدق في
الشهادة جاز له أن يحكم وكان عاملاً بالنص لا مخالفاً له. اهـ.
وقال علماؤنا الحنفية إن الأول أصح لأنه في قبول شهادة الفاسق إكراماً له؛ ونحن لم نؤمر بإكرام
الفاسق. جاء عن النبي ◌َّر. إذا لقيت الفاسق فالقه بوجه مكفهر.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى إن العدالة شرط قبول أصل الشهادة فلا يجوز للقاضي أن يقضي بشهادة
الفاسق أصلاً.
وللشوكاني في العدالة بحث. وهو أن كثيراً من أهل القرى التي يسكنها جماعة من الحراثين المعروفين
الآن بالقبائل قد لا يوجد في القرية الواحدة وإن كثر ساكنوها من يستحق أن يطلق عليه اسم العدل. بل
يكون أكثر أهلها إن لم يكونوا كلهم متساهلاً في الإيقان بأركان الإسلام كالصلاة والصوم ونحوهما. وإن
صلى مثلاً وفعل صلاة لا يحسن النطق بكلمة الشهادة. فكان حالهم في ذلك ظلمات بعضها فوق بعض.
ثم يقع بينهم التظالم في الدماء والأموال. وليس فيهم عدل معتبر في الشهادة. ولا يحضرهم عدل من
غيرهم. فيترافعون إلى حكام الشريعة. ونحن نعلم أنهم لا يتورعون عن منكر من المنكرات. ولا يقفون
عند حدود الشرع. ويقدمون على الإيمان الفاجرة وعلى شهادات الزور فماذا يصنع الحاكم عند ترافعهم =

١٧
كتاب الشهادة
وقال بعضهم: من لم يعرف عليه جريمة في دينه، فهو عدل. وقال بعضهم: من غلبت
حسناته سيئاته، فهو عدل، وقد روي عن النبيِّ - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((إِذَا رَأَنْتُمُ
الرَّجُلَ يَعْتَادُ الصَّلاَةَ فِي المَسَاجِدِ، فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمان))(١) وروي: ((مَنْ صَلَّى إِلَى قِبْلَتِنَا وَأَكَلَ
إليه.؟ إن وقف على اعتبار العدالة في الشهود. وعلموا ذلك من سفكوا الدماء وهتكوا الحرم وأكل
=
بعضهم مال بعض. وهم في أمن من أن يقبل عليهم شاهد أو يلتفت إلى إخبار مخبر. بل غاية ما هناك أن
الحاكم يسد باب البينة. والإخبار إذ لا عدل معتبر ولم يبق إلا تحليف الخصم. الذي علم كل عالم
بحاله. إن اليمين الفاجرة أهون شيء لديه وأيسر أمر عنده. ولو يسمعون على كثرتهم أن من قتل نفساً أو
أخذ مالاً أو هتك حرمة. ليس عليه إلا اليمين لكان ذلك من أعظم البواعث لهم على الإفراط في ذلك
والتهافت عليه. وحينئذ يفتح لهم باب شر لا تغلق. وتضطرم فيهم نار فتنة لا تنطفىء أبداً. وهذه الشريعة
المطهرة من عرفها حق معرفتها وجدها مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد. واعتبار هذا الأصل
العظيم وشواهده من الكتاب والسنة كثيرة تحتمل مؤلفاً مستقلاً. فإن قال الحاكم المترافع إليه هات البينة
التي معك ثم سمعها واستكثر من عددها حتى تلوح له أمارات الصدق أو يبلغ حد التواتر. كان ذلك
أقرب إلى جلب المصلحة الشرعية ودفع المفاسد المخالفة للشرع. وأزجر لهؤلاء العوام عن انتهاك
الحرم. وسفك الدماء ونهب الأموال. فإن جاء المدعي بما يفيد ذلك. ويتضح به الصواب فيها ونعمت.
وإن لم يأت بذلك ورجع إلى اليمين الشرعية التي لا يعتبر في قطعها للحق كون صاحبها غير فاجر. لا
يتورع عن اليمين الفاجرة. فكان في ذلك زجر للعصاة وأهل الجسارة عن أن يسفكوا الدماء. وينتهبوا
الأموال. ويهتك الحرم. وليس في الإمكان أبدع مما كان ا هـ.
هذا ونحن لا نرى مانعاً من الحكم بشهادة غير العدول إذا كانت الحالة كما وصفها العلامة الشوكاني.
وإلا لضاعت الحقوق وأهدرت الدماء.
وفي التبصرة لابن فرحون. قال الغزالي في الذخيرة في باب السياسة. نص ابن أبي زيد في النوادر على أنا
إذا لم نجد في جهة إلا غير العدول. أقمنا أصلحهم وأقلهم فجوراً للشهادة عليهم. ويلزم مثل ذلك في
القضاة وغيرهم لئلا تضيع مصالح العباد. قال وما أظن أحداً يخالفه في هذا. فإن التكليف شرط في
الإمكان. وهذا كله للضرورة لئلا تهدر الدماء وتتعطل الحدود.ا هـ.
ينظر: البينة لشيخنا محمد جاب الله.
(١) أخرجه الترمذي (١٢/٥) كتاب الإيمان: باب ما جاء في حرمة الصلاة حديث (٢٦١٧) وفي (٥/ ٢٧٧)
كتاب التفسير: باب ومن سورة التوبة حديث (٣٠٩٣) وابن ماجه (٢٦٣/١) كتاب المساجد: باب لزوم
المساجد وانتظار الصلاة حديث (٨٠٢) وأحمد (٦٨/٣) والدارمي (٢٧٨/١) كتاب الصلاة: باب
المحافظة على الصلوات، وابن خزيمة (٣٧٩/٢) رقم (١٥٠٢) وابن حبان (١٧٢١) والحاكم (٣٣٢/٢)
والبيهقي (٦٦/٣) كتاب الصلاة باب فضل المساجد، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٧/٨) كلهم من طريق
عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري به.
وقال الترمذي: حديث غريب حسن وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي وأخرجه أحمد (٧٦/٣)
وعبد بن حميد في ((المنتخب)) (ص ٢٨٩) رقم (٩٢٣) عن الحسن بن موسى ثنا ابن لهيعة عن دراج به .
والحديث ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٣٩١/٣) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي
الشیخ وابن مردويه .
بدائع الصنائع ج٩ - م٢

١٨
كتاب الشهادة
ذَبِيحَتَنَا فَاشْهَدُوا له بِالإِيْمَانِ)). وقال بعضهم: من يجتنب الكبائر، وأدى الفرائض، وغلبت
حسناته سيئاته، فهو عدلٌ، وهو اختيار أستاذ أستاذي الإمام فخر الدين علي البزدوي
- رحمه الله تعالى -.
١
واختلفت في ماهية الكبائر والصغائر، قال بعضهم: ما فيه حد في كتاب الله - عز وجل -
فهو كبيرة، وما لا حد فيه، فهو صغيرة، وهذا ليس بسديد؛ فإن شرب الخمر، وأكل الربا
كبيرتان، ولا حد فيهما في كتاب الله - تعالى -.
وقال بعضهم: ما يوجب الحد، فهو كبيرة، وما لا يوجبه، فهو صغيرة. وهذا يبضل
أيضاً بأكل الربا، فإنه كبيرة، ولا يوجب الحد، وكذا يبطل أيضاً بأشياء أخر هي: كبائر، ولا
توجب الحد، نحو: عتوق الوالدين، والفرار من الزحف، ونحوها.
وقال بعضهم: كل ما جاء مقروناً بوعيد، فهو كبيرة، نحو: قتل النفس المحرمة، وقذف
المحصنات، والزنا، والربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف. وهو مروي عن عبد الله بن
عباس - رضي الله عنهما -. وقيل له: إن عبد الله ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما - قال: الكبائر
سبع، فقال: هي إلى سبعين أقرب، ولكن لا كبيرة مع توبة، ولا صغيرة مع إصرار .
وروي عن الحسن عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((مَا تَقُولُونَ في الزَّنَا
وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الخَمْرِ؟ قَالُوا: اللهَ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: هُنَّ فَوَاحِشُ،
وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ)(١).
(١) أخرجه مالك (١/ ١٦٧) كتاب قصر الصلاة في السفر: حديث (٧٢) والشافعي (١٠٠/١) كتاب الصلاة:
باب صفة الصلاة حديث (٢٩٢) والبيهقي (٢٠٩/٨ - ٢١٠) كتاب الحدود: باب العقوبات في المعاصي
قبل نزول الحدود، من طريق يحيى بن سعيد عن النعمان بن مرة أن رسول الله وَ الله قال: ما تقولون في
الشارب والزاني والسارق وذلك قبل أن تنزل الحدود فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله وَلهو: هن
فواحش وفيهن عقوبة وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته قالوا: وكيف يسرق صلاته يا رسول الله؟ قال: لا
يتم ركوعها ولا سجودها. قال ابن عبد البر: لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث عن
النعمان بن مرة.
وقال في ((الاستذكار)) (٢٨٢/٦): وهذا الحديث متصل ويستند من وجوه صحاح من حديث أبي سعيد
الخدري وحديث أبي هريرة عن النبي وَلير: قوله ((أسوأ السرقة الذي يسرق صلاته ... ).
قلت لكن الحديث ليس فيه ذكر العقوبة.
وهذا الحديث قد وصله البيهقي (٢٠٩/٨) كتاب الحدود: باب العقوبات في المعاصي قبل نزول
الحدود، من طريق عمر بن سعيد الدمشقي ثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين
قال: قال رسول الله وَلقر: ((إذا رأيتم الزاني والسارق وشارب الخمر ما تقولون؟ قالوا: الله ورسوله أعلم،
قال: هن فواحش وفيهن عقوبة ... )) قال البيهقي: تفرد به عمر بن سعيد الدمشقي وهو منكر الحديث
وإنما يعرف من حديث النعمان بن مرة مرسلاً.
=

١٩
كتاب الشهادة
ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((أَلاَ أَنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ))؟ فَقَالُوا بَلَىْ يَا رَسُولَ الله
فَقَالَ رَِّ: (الإِشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ))، وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مُتَكِئاً فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: ((ألا
وَقَوْلُ الزُّورِ، أَ وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَ وَقَوْلُ الزُّورِ))(١) .
(١) هذا الحديث جزء من كتاب رسول الله وَطهر لعمرو بن حزم والحديث أخرجه الحاكم (٣٩٥/١ -٣٩٧)
وابن حبان (٥٠٤/١٤) كتاب التاريخ، باب: كتب النبي ◌َّر، حديث (٦٥٥٩).
والبيهقي (٨٩/٤ - ٩٠) كتاب الزكاة، باب: كيف فرض الصدقة.
كلهم من طريق سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده ...
فذكره في كتاب النبي ◌َّ لعمرو بن حزم قال الحاكم: هذا حديث كبير مفهوم في هذا الباب يشهد له
أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وأقام العلماء في عصره محمد بن مسلم الزهري بالصحة كما تقدم
ذكرى له وسليمان بن داود الدمشقي الخولاني معروف بالزهري وإن كان يحيى بن معين غمزه فقد عدله
غيره كما أخبرنيه أبو أحمد الحسين بن علي ثنا عبد الرحمن وأبي حاتم قال سمعت أبي وسئل عن
حديث عمرو بن حزم في كتاب رسول الله وَّ ر الذي كتبه له في الصدقات فقال سليمان بن داود
الخولاني عندنا. ممن لا بأس به قال أبو محمد بن أبي حاتم سمعت أبا زرعة يقول ذلك قال الحاكم قد
بذلت ما أدى إليه الاجتهاد في إخراج هذه الأحاديث المفسرة الملخصة في الزكوة ولا يستغني هذا الكتاب
عن شرحها واستدللت على صحتها بالأسانيد الصحيحة عن الخلفاء والتابعين بقبولها واستعمالها بما فيه
غنية لمن أناطها وقد كان إمامنا شعبة يقول في حديث عقبة بن عامر الجهني في الوضوء لأن يصح لي مثل
هذا عن رسول الله ◌َي كان أحب إلي من نفسي ومالي وأهلي وذلك حديث في صلاة التطوع فكيف بهذه
السنن التي هي قواعد الإسلام والله الموفق وهو حسبي ونعم الوكيل.
قال ابن حبان: سليمان بن داود هذا هو سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون، وسليمان
ابن داود اليمامي لا شيء، وجميعاً يرويان عن الزهري ا هـ قال الزيلعي في ((نصب الراية» (٣٤١/٢ -
٣٤٢): وقال ابن الجوزي رحمه الله في التحقيق: قال أحمد بن حنبل رضي الله عنهما: كتاب عمرو بن
حزم في الصدقات صحيح، قال: وأحمد يشير بالصحة إلى هذه الرواية، لا لغيرها، لما سيأتي. وقال
بعض الحفاظ من المتأخرين: ونسخة كتاب عمرو بن حزم تلقاها الأئمة الأربعة بالقبول، وهي متوارثة،
كنسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي دائرة على سليمان بن أرقم، وسليمان بن أبي داود
الخولاني عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، وكلاهما ضعيف، بل
المرجح في روايتهما سليمان بن أرقم، وهو متروك، لكن قال الشافعي رضي الله عنه في ((الرسالة)): لم
يقبلوه حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله وَّر، وقال أحمد رضي الله عنه: أرجو أن يكون هذا
الحديث صحيحاً. وقال يعقوب بن سفيان الفسوي: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة أصح منه، كان
أصحاب النبي ◌َّر، والتابعون يرجعون إليه، ويدعون آراءهم، انتهى. ورواه البيهقي في ((سننه)) بسند ابن
حبان، ثم قال: وقد أثنى جماعة من الحفاظ على سليمان بن داود الخولاني: منهم أحمد بن حنبل،
وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، وعثمان بن سعيد الدارمي، وابن عدي الحافظ، قال: وحديثه هذا يوافق
رواية من رواه مرسلاً، ويوافق رواية من رواه من جهة أنس بن مالك، وغيره موصولاً. انتهى.
والحديث قد تقدم في كتاب الزكاة في ذكر كتاب عمرو بن حزم فانظر تخريجه هناك.

٢٠
كتاب الشهادة
فإذا عرفت تفسير العدالة في عرف الشرع، فلا عدالة لشارب الخمر، لأنَ [شُرْبَهُ كبيرة
فتسقط](١) به العدالةُ، ومن مشايخنا(٢) من قال: إِذا كان الرجل صالحاً في أموره، تغلب
حسناته سيئاته، ولا يعرف بالكذب ولا بشيء من الكبائر، غير إنه يشرب الخمر أحياناً، لصحة
البدن والتقوِّي لا للتلهي - يكون عدلاً، وعامة مشايخنا على أنه لا يكون عدلاً، لأن شرب
الخمر كبيرة محضةٌ، وإِن كان للتقوي(٣).
ومن شرب النبيذ لا تسقط عدالته بنفس الشرب، لأن شربه للتقوي دون التلهي حلال،
وأما السكر منه فإن كان وقع منه مرة وهو لا يدري، أو وقع سهواً - لا تسقط عدالته، وإن كان
يعتاد السكر منه تسقط عدالته، لأن السكر منه حرام، ولا عدالة لمن يحضر مجلس الشرب
ويجلس بينهم وإِن كان لا يشرب لأن حضوره مجلس الفسقِ فِسْقٌ، ولا عدالة للنائح والنائحة،
لأن فعلهما محظورٌ، وأما المغني فإن كان يجتمع الناس عليه للفسق بصوته فلا عدالة له، وإن
كان هو لا يشرب، لأنه رأس الفسقة، وإن كان يفعل ذلك مع نفسه لدفع الوحشة لا تسقطُ
عدالته، لأن ذلك مما لا بأس به، لأن السماع مما يرقق القلوب لكن لا يحل الفسق به.
وأما الذي يضرب شيئاً من الملاهي، فإنه ينظر: إن لم يكن مستشنعاً كالقصب(٤) والدف
ونحوه، لا بأس به ولا تسقط عدالته؛ وإن كان مستشنعاً كالعود ونحوه، سقطت عدالته، لأنه
لا یحل بوجه من الوجوه.
والذي يلعب بالحمام. فإن كان لا يطيرها لا تسقط عدالته، وإن كان يطيرها تسقط
عدالته، لأنه يطلع على عورات النساء ويشغله ذلك عن الصلاة والطاعات.
ومن يلعب بالنرد فلا عدالة له.
وكذلك من يلعب بالشطرنج ويعتاده فلا عدالة له، وإن أباحه بعض الناس لتشحيذ
الخاطر وتعلم أمر الحرب، لأنه حرامٌ عندنا، لكونه لعباً(٥).
قال عليه الصلاة والسلام: (كُلُّ لَعِبٍ حَرَامٌ إِلاَّ مُلاَعَبَةَ الرَّجُلِ أَهْلَهُ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَرَمْيَهُ
عَنْ قَوْسِهِ))(٦).
(١) بدل ما بين المعكوفين في ب: شرب الخمر كبيرة فسقطت.
(٢) في ب: أصحابنا.
(٣) في ب: للتداوي.
(٤)
القصب: أنبوبة مقسمة إلى كعوب ينفخ فيها.
(٥) تقدم الكلام على الخلاف في الشطرنج.
(٦) تقدم.
٠