النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
کتاب الدعوى
عليه، والمباح له القتل إذا قتل يضمن، فكان الطرف جارياً مجرى المال، بخلاف النفس،
فأمكن القضاء بالنكول فى الطرف دون النفس، فكان القياس أن لا يستحلف فى النفس عنده؛
كما لا يستحلف فى الأشياء السبعة؛ لأن الاستحلاف للتوسل إلى المقصود المدعى، وهو
إحياء حقه بالقضاء بالنكول، ولا يقضي فيها بالنكول أصلاً عنده، فكان ينبغي أن لا يستحلف،
إلاَّ أنه استحسن في الاستحلاف فيها؛ لأن الشرع ورد به في القسامة وجعله حقًّا مقصوداً في
نفسه؛ تعظيماً لأمر الدم، وتفخيماً لشأنه؛ لكون اليمين الكاذبة مهلكة، فصار بالنكول مانعاً حقًّا
مستحقاً عليه مقصوداً، فيحبس حتى يقر أو يحلف؛ بخلاف الأشياء السبعة، فإن الاستحلاف
فيها/ للتوسل إلى استيفاء المقصود بالنكول، وأنه لا يقع وسيلة إلى هذا المقصود، وعندهما ب
النكول إقرار فيه شبهة العدم؛ لأنه إقرار بطريق السكوت، وأنه محتملٌ، والقصاص يدرأ
بالشبهات، وإذا سقط القصاص للشبهة يجب المال؛ بخلاف شهادة النساء مع الرجال والشهادة
على الشهادة أنها لا تقبل فى باب القصاص أصلاً؛ لأن التعذر هناك من جهة من له القصاص
وهو عدم الإتيان بحجة مظهرة للحق وهي شهادة شهود أصول ذكور (١)، والتعذر هنا من جهة
من عليه القصاص، وهو عدم التنصيص على الإقرار، والأصل أن القصاص إذا بطل من جهة
من له القصاص لا تجب الدية، وإذا بطل من جهة من عليه تجب الدية.
وَأَمَّا في دعوى السرقة إذا حلف على المال ونكل يقضي بالمال، لا بالقطع؛ لأن النكول
حجة في الأموال دون الحدود الخالصة.
وأما في حد القذف إذا استحلف على ظاهر الرواية فكل يقضي بالحد في ظاهر
الأقاويل؛ لأنه بمنزلة القصاص في الطرف عند أبي حنيفة، وعندهما بمنزلة التعزير.
وقال بعضهم: هو بمنزلة سائر الحدود لا يقضي فيه بشيء، ولا يحلف لأنه حد؛ وقيل
يحلف ويقضي فيه بالتعزير دون الحد؛ كما في السرقة يحلف ويقضي بالمال دون القطع، والله
سبحانه وتعالى أعلم.
فصل
وأما بيان ما تندفع به الخصومة عن المدعى عليه ويخرج عن كونه خصماً للمدعي،
فنقول وبالله التوفيق: إنه يخرج عن كونه خصماً للمدعي بكون يده غير يد المالك، وذلك
يعرف بالبينة أو بالإقرار أو بعلم القاضي، نحو ما إذا ادعى على رجل داراً أو ثوباً أو دابة،
فقال الذي في يده هو ملك فلان الغائب أودعنيه .
(١) في ط: مذكور.

٤٤٢
کتاب الدعوى
وجملة الكلام فيه أن المدعي لا يخلو إما أن يدعي عليه ملكاً مطلقاً ولم يدع عليه فعلاً،
أو يدعي عليه فعلاً، فإن ادعى ملكاً مطلقاً ولم يدع عليه فعلاً، فقال الذي في يده أودعنيها
فلان الغائب، أو رهنها أو آجرها أو أعارها أو غصبتها أو سرقتها أو أخذتها أو انتزعتها أو
ضلت منه. فوجدتها، وأقام البينة على ذلك، تندفع عنه الخصومة عند عامة العلماء.
وقال ابن أبي ليلى: تندفع عنه الخصومة أقام البينة أو لم يقم، وقال ابن شبرمة: لا
تندفع عنه الخصومة، أقام البينة أو لم يقم، هذا إذا لم يكن/ الرجل معروفاً بالافتعال
والاحتيال، فإن كان تندفع عنه الخصومة عند أبي حنيفة ومحمد أيضاً، وعند أبي يوسف لا
تندفع، وهي المسألة المعروفة بالمخمسة، والحجج تعرف في الجامع.
وكذلك لو ادعى لنفسه والفعل على غير ذي اليد؛ بأن قال هذا ملكي غصبه مني فلان؛
لأنه لم يدع على ذي اليد فعلاً، فصار في حق ذي اليد دعوى مطلقة، فكان على الخلاف
الذي ذكرنا.
فأما إذا ادعى فعلاً على ذي اليد، بأن قال: هذه داري أو دابتي أو ثوبي، أودعتكها أو
غصبتنيها أو سرقتها أو استأجرتها أو ارتهنتها منيٍّ، وقال الذي في يديه: إنها لفلان الغائب
أودعنيها أو غصبتها منه؛ ونحو ذلك، وأقام البينة على ذلك، لا تندفع عنه الخصومة.
ووجه الفرق أن ذا اليد في دعوى الملك المطلق إنما يكون خصماً بيده؛ ألا ترى أنه لو
لم يكن المدعي في يده لم يكن خصماً، فإذا أقام البينة على أن اليد لغيره، كان الخصم ذلك
الغير وهو غائب.
فأما في دعوى الفعل، فإنما يكون خصماً بفعله لا بيده؛ ألا ترى أن الخصومة متوجهة
عليه بدون يده، وإذا كان خصماً بفعله بالبينة لا يتبين أن الفعل منه لم يكن، فبقي خصماً.
ولو ادعى فعلاً لم يسم فاعله؛ بأن قال: غصبت مني أو أخذت مني، فأقام ذو اليد البينة
على الإيداع تندفع الخصومة؛ لأنه ادعى الفعل على مجهول، وأنه باطل، فالتحق بالعدم، فبقي
دعوى ملك مطلق، فتندفع الخصومة؛ لأنه ادعى الفعل على مجهول، وأنه باطل، فالتحق
بالعدم، فبقي دعوى ملك مطلق، فتندفع الخصومة، ولو قال: سرق مني، فالقياس أن تندفع
الخصومة؛ كما في الغصب والأخذ، وهو قول محمد وزفر، وفي الاستحسان لا تندفع فرقاً
بين الغصب والأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -، ووجه الفرق يعرف
في الجامع .
ولو قال المدعي: هذه الدار كانت لفلان، فاشتريتها منه، وقال الذي في يده أودعني
فلان الذي ادعيت الشراء من جهته أو سرقتها منه أو غصبتها، تندفع عنه الخصومة من غير إقامة
أ

٤٤٣
کتاب الدعوى
البينة على ذلك؛ لأنه ثبت كون يده يد غيره بتصادقهما، أما المدعى عليه فظاهر، وأما المدعي
فبدعواه الشراء منه؛ لأن الشراء منه لا يصح بدون اليد.
وكذا لو أقام الذي في يديه البينة على إقرار المدعي بذلك؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت
بالمعاينة، ولو عاينا إقراره لاندفعت الخصومة؛ كذا هذا؛ وكذلك إذا علم القاضي بذلك؛ لأن
العلم المستفاد له في زمان القضاء فوق الإقرار؛ لكونه/ حجة متعدية إلى الناس كافة بمنزلة ب
البينة؛ وكون الإقرار حجة مقتصرة على المقر خاصة، ثم لما اندفعت الخصومة بإقرار المدعي
فبعلم القاضي أولى.
ولو قال الذي في يديه: ابتعته من فلان الغائب، لا تندفع الخصومة؛ لأنه ادعى الملك
واليد لنفسه، وهذا مقر بكونه خصماً، فكيف تندفع الخصومة؟!
ولو أقام المدعي البينة أنه ابتاعه من عبد الله(١)، وقال الذي في يديه: أودعنيه عبد الله
ذلك، تندفع الخصومة من غير بينة؛ لأنهما تصادقا على الوصول إليه من يد عبد الله، فأثبتا
اليد له وهو غائب، وعلى هذا الأصل مسائل كثيرة في الجامع، والله تعالى أعلم.
فصل
وأما حكم تعارض الدعوتين مع تعارض البينتين، فالكلام فيه يَقَعُ في موضعين:
أحدهما: في بيان حكم تعارض الدعوتين مع تعارض البينتين القائمتين على أصل
الملك.
والثاني: في بيان حكم تعارض البينتين القائمتين على قدر الملك.
أما الأول: فالأصل أن البينتين إذا تعارضتا في أصل الملك من حيث الظاهر، فإن أمكن
ترجيح إحداهما على الأخرى يعمل بالراجح؛ لأن البينة حجة من حجج الشرع، والراجح
ملحق بالمتيقن في أحكام الشرع، وإن تعذر الترجيح فإن أمكن العمل بكل واحدة منهما من
كلِّ وجه وجب العمل به، وإن تعذر العمل بهما من كل وجه وأمكن العمل بهما من وجه،
وجب العمل بهما؛ لأن العمل بالدليلين واجبٌ بقدر الإمكان، وإن تعذر العمل بهما أصلاً
سقط اعتبارهما، والتحقا بالعدم؛ إذ لا حجة مع المعارضة كما لا حجة مع المناقضة.
وجملة الكلام في هذا الفصل أن الدعوى ثلاثة أنواع: دعوى الملك، ودعوى اليد،
ودعوى الحق، وزاد محمد مسائل الدعوى على دعوى الملكَ واليد والنسب.
(١) في ب: عند فلان.

٤٤٤
کتاب الدعوى
أما دعوى الملك فلا تخلو إما أن تكون من الخارج على ذي اليد، وإما أن تكون من
الخارجين على ذي اليد، وإما أن تكون من صاحبي اليد أحدهما على الآخر، فإن كانت
الدعوى من الخارج على ذي اليد دعوى الملك وأقاما البينة، فلا/ تخلو إما إن قامت البينتان
على ملك مطلق عن الوقت، وإما إن قَامَتًا على ملك مؤقت.
وأما إن قامت إحداهما على ملك مطلق والأخرى على ملك مؤقت، وكل ذلك لا يخلو
إما إن كانت بسبب، وإما إن كانت بغير سبب، فإن قَامَتَا على ملك مطلق عن الوقت، فبينة
الخارج أولى عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - بينة ذي اليد أولى.
وجه قوله إن البينتين تعارضتا من حيث الظاهر، وترجحت بينة ذي اليد باليد، فكان
العمل بها أولى، ولهذا عمل ببينته في دعوى النكاح.
ولنا أن البينة حجة المدعي، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((البَيْنَةُ عَلَى المُدَّعِي)» وذو اليد
ليس بمدع، فلا تكون البينة حجته، والدليل على أنه ليس بمدع ما ذكرنا من تحديد المدعي أنه
اسم لمن يخبر عما في يد غيره لنفسه؛ والموصوف بهذه الصفة هو الخارج لا ذو اليد؛ لأنه
يخبر عما في يد نفسه لنفسه، فلم يكن مدعياً، فالتحقت بينته بالعدم، فبقيت بينة الخارج بلا
معارض، فوجب العمل بها؛ ولأن بينة الخارج أظهرت له سبق الملك، فكان القضاء بها
أولى؛ كما إذا وقتت البينتان نصًّا ووقتت بينة الخارج دلالة، ودلالة الوصف أنها أظهرت له
سبق اليد؛ لأنهم شهدوا له بالملك المطلق، ولا تحل لهم الشهادة بالملك المطلق إلا بعلمهم
به، ولا يحصل العلم بالملك إلا بعد العلم بدليل الملك، ولا دليل على الملك المطلق سوى
اليد، فإذا شهدوا للخارج فقد أثبتوا كون المال في يده، وكون المال في يد ذي اليد ظاهراً
ثابت للحال، فكانت يد الخارج سابقة على يده، فكان ملكه سابقاً ضرورة، وإذا ثبت سبق
الملك للخارج يقضي ببينته؛ لأنه لما ثبت له الملك واليد في هذه العين في زمان سابق ولم
يعرف لثالث فيها يد وملك، علم أنها انتقلت من يده إليه، فوجب إعادة يده ورد المال إليه؛
حتى يقيم صاحب اليد الآخر الحجة أنه بأي طريق انتقل إليه؛ كما إذا عاين القاضي كون المال
في يد إنسان ويدعيه لنفسه، ثم رآه في يد غيره؛ فإنه يأمره بالرد إليه إذا ادعاه ذلك الرجل إلى
أن يبين سبباً صالحاً للانتقال إليه.
وكذا إذا أَقَرَّ المدعى عليه أن هذا المال كان في يد المدعي، فإنه يؤمر بالرد إليه إلى أن
يبين بالحجة طريقاً صالحاً/ للانتقال إليه؛ كذلك هذا، وصار كما إذا أرَّخا نصًا وتاريخ أحدهما
أسبق؛ لأن هذا تاريخ من حيث المعنى؛ بخلاف النتاج؛ لأن هناك لم يثبت سبق الخارج؛
لانعدام تصور السبق والتأخير فيه؛ لأن النتاج مما لا يحتمل التكرار، فيطلب الترجيح من وجه
آخر، فتترجح بينة صاحب اليد باليد، وهنا بخلافه.
ب

٤٤٥
کتاب الدعوى
هذا إذا قامت البينتان على ملك مطلق عن الوقت من غير سبب، فأما إذا قامتا على ملك
موقت من غير سبب، فإن استوى الوقتان يقضي للخارج، لأنه بطل(١) اعتبار الوقتين
للتعارض، فبقي دعوى ملك مطلق، وإن كان أحدهما أسبق من الآخر، يقضي للأسبق وقتاً
أيهما كان، في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى.
وروى ابن سماعة عن محمد أنه رجع عن هذا القول عند رجوعه من الرقة، وقال: لا
تقبل من صاحب اليد بينة على وقت وغيره إلاّ في النتاج، والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن
بينة صاحب الوقت الأسبق أظهرت الملك له في وقت لا ينازعه فيه أحد، فيدفع المدعي إلى
أن يثبت بالدليل سبباً للانتقال عنه إلى غيره، وإن أقامت إحداهما على ملك مطلق والأخرى
على ملك موقت من غير سبب، لا عبرة للوقت عندهما، ويقضي للخارج.
وعند أبي يوسف: يقضي لصاحب الوقت أيهما كان، وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله -
مثله .
وجه قول أبي يوسف أن بينة صاحب الوقت أظهرت الملك له في وقت خاص لا
يعارضها فيه بينة مدعي الملك المطلق بيقين، بل تحتمل المعارضة وعدمها؛ لأن الملك
المطلق لا يتعارض للوقت، فلا تثبت المعارضة بالشك، ولهذا لو ادعى كل واحد من
الخارجين على ثالث وأقام كل واحد منهما البينة أنه اشتراه من رجل واحد، ووقتت بينة
أحدهما. وأطلقت الأخرى؛ أنه يقضي لصاحب الوقت؛ كذا هذا.
ولهما أن الملك احتمل السبق والتأخير؛ لأن الملك المطلق يحتمل التأخير والسبق؛
لجواز أن صاحب البينة المطلقة لو وقتت بينته كان وقتها أسبق، فوقع الاحتمال في سبق الملك
الموقت، فسقط اعتبار الوقت، فبقي دعوى مطلق الملك، فيقضي للخارج، بخلاف الخارجين
إذا ادعيا الشراء من رجل واحد؛ لأن البائع إذا كان واحداً فقد اتفقا على تلقي الملك منه ببيعه،
وأنه أمر حادث، وقد ظهر/ بالتاريخ أن شراء صاحب الوقت أسبق، ولا تاريخ مع الآخر أ
وشراؤه أمر حادث، ولا يعلم تاريخه، فكان صاحب التاريخ أولى.
هذا إذا قامت البينتان من الخارج وذي اليد على ملك مطلق أو موقت من غير سبب،
فأما إذا كان في دعوى ذلك بسبب، فإن كان السبب هو الإرث فكذلك الجواب، حتى لو
قامت البينتان على ملك مطلق بسبب الإرث، بأن أقام كل واحد منهما البينة على أنه ملكه مات
أبوه وتركه ميراثاً له، يقضي للخارج بلا خلافٍ بين أصحابنا - رحمهم الله ..
(١) في ب: تسقط.

٤٤٦
کتاب الدعوى
وكذلك إن قامتا على ملك موقت، واستوى الوقتان؛ لأنه سقط اعتبار الوقتين للتعارض،
فبقي دعوى مطلق الملك.
وإن كان أحدهما أسبق من الآخر يقضي لأسبقهما وقتاً، أيهما كان، في قول أبي حنيفة
وأبي يوسف ومحمد الأول، وفي قول محمد الآخر يقضي للخارج؛ لأن دعوى الإرث دعوى
ملك الميت، فكل واحدة من البينتين أظهرت ملك الميت؛ لكن قام الوارث مقام الميت في
ملك الميت، فكأن الوارثين ادعيا ملكاً مطلقاً أو موقتاً من غير سبب، وهناك الجواب؛ هكذا
في الفصول كلها من الاتفاق والاختلاف إلا في فصل واحد، وهو ما إذا قامت إحدى البينتين
على ملك مطلق، والأخرى على ملك موقت، فإن هنا يقضي للخارج بالاتفاق، ولا عبرة
للوقت كما لا عبرة له في دعوى المورثين.
وهذا على أصل أبي حنيفة ومحمد يطرد على أصل أبي يوسف فيشكل، وإن كان السبب
هو الشراء بأن ادعى الخارج أنه اشترى هذه الدار من صاحب اليد بألف درهم ونقده الثمن،
وادعى صاحب اليد أنه اشتراها من الخارج ونقده الثمن، وأقام كل واحد منهما البينة على
ذلك، فإن أقاما البينة على الشراء من غير وقت ولا قبض، لا تقبل البينتان في قول أبي حنينة
وأبي يوسف، ولا يجب لواحد منهما على صاحبه شيء، ويترك المدعي في يد ذي اليد، وعند
محمد يقضي بالبينتين ويؤمر بتسليم المدعي إلى الخارج.
ب
وجه قول محمد إن التوفيق بين الدليلين واجب بقدر الإمكان، وأمكن التوفيق هنا بين
البينتين بتصحيح العقدين؛ بأن يجعل كأن صاحب اليد اشتراه أولاً من الخارج وقبضه/ ، ثم
اشتراه الخارج من صاحب اليد ولم يقبضه حتى باعه من صاحب اليد، فيوجد العقدان على
الصحة، لكن بتقدير تاريخ وقبض، وفي هذا التقدير تصحيح العقدين، فوجب القول به، ولا
وجه للقول بالعكس من ذلك؛ بأن يجعل كأن الخارج اشترى أولاً من صاحب اليد ولم يقبضه
حتى باعه من صاحب اليد؛ لأن في هذا التقدير إفساد العقد الأخير؛ لأنه بيع العقار المبيع قبل
القبض، وأنه غير جائز عنده، فتعين تصحيح العقدين بالتقدير الذي قلنا، وإذا صح العقدان
يبقى المشتري في يد صاحب اليد، فيؤمر بالتسليم إلى الخارج.
وَجْهُ قول أبي يوسف وأبي حنيفة أن كل مشتري يكون مقرًّا بكون البيع ملكاً للبائع،
فكان دعوى الشراء من كل واحد منهما إقراراً بملك المبيع لصاحبه، فكانت (١) البينتان قائمتين
على إقرار كل واحد منهما بالملك لصاحبه وبين موجبي الإقرارين تناف، فتعذر العمل بالبينتين
أصلاً، وإن وقت البينتان ووقت الخارج أسبق، فإذا لم يذكروا قبضاً يقضي بالدار لصاحب اليد
(١) في ط: فكان.
مـ

٤٤٧
کتاب الدعوى
عندهما، وعند محمد يقضي للخارج؛ لأن وقت الخارج إذا كان أسبق جعل كأنه اشترى الدار
أولاً ولم يقبضها حتى باعها من صاحب اليد، عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد يقضى
للخارج؛ لأن وقت الخارج إذا كان أسبق جعل كأنه اشترى الدار أولاً، ولم يقبضها حتى باعها
من صاحب اليد، وبيع العقار قبل القبض لا يجوز عند محمد، وإذا لم يجز بقي على ملك
الخارج، وعندهما ذلك جائز، فصح البيعان، ولو ذكروا القبض جاز البيعان، ويقضي بالدار
لصاحب اليد بالإِجماع؛ لأن بيع العقار بعد القبض جائز بلا خلافٍ، فيجوز البيعان.
وأما إذا كان وقت صاحب اليد أسبق ولم يذكروا قبضاً، يقضى بها للخارج؛ لأنه إذا كان
وقته أسبق يجعل سابقاً في الشراء؛ كأنه اشترى من الخارج وقبض ثم اشترى منه الخارج ولم
یقبض، فیؤمر بالدفع إليه.
وكذلك إن ذكروا قبضاً؛ لأنه يقدر كأنه اشترى من صاحب اليد أولاً وقبض، ثم اشترى
الخارج منه وقبض، ثم عادت إلى يد صاحب اليد بوجه آخر. وإن كان السبب هو النتاج وهو
الولادة في الملك فنقول: لا يخلو إما إن قامت البينتان على النتاج، وإما إن قامت إحداهما
على النتاج، والأخرى على الملك المطلق، فإن قامت البينتان على النتاج فلا يخلو إما إن
كانت البينتان مطلقتين عن الوقت، وإما إن وقتا وقتاً، فإن لم يوقتا وقتاً/ يقضي لصاحب اليد؛ أ
لأن البينة القائمة على النتاج قائمة على أولية الملك، وقد استوت البينتان في إظهار الأولية،
فتترجح بينة صاحب اليد باليد، فيقضي ببينته، وقد رُوِيَ عنِ جابر - رضي الله عنه -: ((أنَّ
رَجُلاً اذَّعَى بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِبَِّ نَتَاجَ نَاقَةٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، وأَقَامَ الَبَيْئَةَ عَلَيْهِ، وَأَقَامَ ذُو اليَدِ
البَيْنَةَ عَلَى مِثْلٍ ذَلِكَ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ وَلِهِ بِالنَّاقَةِ لِصَاحِبِ البَدِ))؛ وهذا ظاهر مذهب أصحابنا.
وقال عيسى بن أبان من أصحابنا: إنه لا يقضي لصاحب اليد، بل تتهاتر البينتان، ويترك
المدعي في يد صاحب اليد قضاء ترك، وهذا خلاف مذهب أصحابنا، فإنه نَصَّ على لفظة
القضاء، والترك في يد صاحب اليد لا يكون قضاء حقيقة؛ وكذا في الحديث الذي رويناه عن
النبي ◌ّ﴾ أنه قضى بذلك لصاحب اليد؛ وكذلك في دعوى النتاج من الخارجين على ثالث
يقضى بينهما نصفين، ولا يترك في يد صاحب اليد، دَلَّ أن ما ذكره خلاف مذهب أصحابنا.
ولو أقام أحدهما البينة على النتاج، والآخر على الملك المطلق عن النتاج، فبينة النتاج
أولى؛ لما قلنا إنها قامت على أولية الملك لصاحبه، فلا تثبت لغيره إلا بالتلقي منه.
وأما إن وقتت البينتان، فإن اتفق الوقتان فكذلك السقوط اعتبارهما للتعارض، فبقي
دعوى الملك المطلق، وإن اخْتَلَفَا بحكم سن الدابة، فتقضى لصاحب الوقت الذي وافقه
السن؛ لأنه ظهر أن البينة الأخرى كاذبة بيقين، هذا إذا علم سنها، فأما إذا أشكل سقط اعتبار
التاريخ؛ لأنه يحتمل أن يكون سنها موافقاً لهذا الوقت، ويحتمل أن يكون موافقاً لذلك

٤٤٨
كتاب الدعوى
الوقت، ويحتمل أن يكون مخالفاً لهما جميعاً، فيسقط اعتبارهما؛ كأنهما سكتا عن التاريخ
أصلاً، وإن خالف سنها الوقتين جميعاً سقط الوقت؛ كذا ذكره في ظاهر الرواية؛ لأنه ظهر
بطلان التوقيت، فكأنهما لم يوقتا، فبقيت البينتان قائمتين على مطلق المالك من غير توقيت،
وذكر الحاكم في مختصره أن في رواية أبي الليث تتهاتر البينتان، قال وهو الصحيح.
ووجهه أن سن الدابة إذا خالف الوقتين فقد تَيَقِّنًّا بكذب البينتين، فالتحقتا بالعدم، فيترك
ب المدعي في يد صاحب/ اليد كما كان.
والجواب: أن مخالفة السن الوقتين يوجب كذب الوقتين، لا كذب البينتين أصلاً ورأساً،
وكذلك لو اختلفا في جارية، فقال الخارج: إنها ولدت في ملكي من أمتي هذه، وقال صاحب
اليد كذلك، يقضى لصاحب اليد لما قلنا.
وكذلك لو اختلفا في الصوف والمِرْعَزْي وأقام كل واحد منهما بينة أنه له جزه في ملكه،
يقضى لصاحب اليد، وكذلك لو اختلفا في الغزل، وأقام كل واحد منهما البينة أنه له غزله من
قطن هو له(١)، يقضى لصاحب اليد.
والأصل أن المنازعة إذا وقعت في سبب ملك لا يحتمل التكرار، كان بمنزلة النتاج،
فيقضى لصاحب اليد، فإذا وقعت في سبب ملك يحتمل التكرار لا يكون في معنى النتاج،
ويقضى للخارج، وإن أشكل الأمر في الملك أنه يحتمل التكرار أولاً، يقضى للخارج أيضاً.
فعَلَى هذا إذا اختلفا في اللبن، فأقام كل واحد منهما البينة أنه له حلب في يده وفي
ملكه، يقضى لصاحب اليد؛ لأن اللبن الواحد لا يحتمل الحلف مرتين، فكان في معنى النتاج.
وكذلك لو ادعى كل واحد منهما أَنَّ الشاة التي حلب منها اللبن نتجت عنده، يقضى
لصاحب اليد بالشاة واللبن جميعاً؛ وكذلك لو اختلفا في جبن، وأقام كل واحد منهما البينة أنه
له صنعه في ملكه، يقضى لصاحب اليد؛ لأن اللبن الواحد لا يحتمل أن يصنع جبناً مرتين،
فكان بمنزلة النتاج.
ولو اختلفا في الأرض والنخل، وادعى كل واحد منهما أنه أرضه غرس النخل فيها،
يقضى بها للخارج؛ لأن هذا ليس في معنى النتاج؛ لأن النتاج سبب لملك الولد والغرس ليس
بسبب لملك الأرض؛ وكذا الغرس مما يحتمل التكرار، فلم يكن في معنى النتاج.
وكذلك لو اختلفا في الحبوب النابتة والقطن النابتة، ادعى كل واحد منهما أنه له زرعه
(١) في ب: ملكه.
-

٤٤٩
کتاب الدعوى
في أرضه، فإنه يقضى بالأرض والحب والقطن للخارج؛ وكذلك لو اختلفا في البناء، ادعى
كل واحد منهما أنه بنى على أرضه لما قلنا، ولو اختلفا في حلي مصوغ ادعى كل واحد منهما
أنه صاغه في ملكه، يقضى للخارج؛ لأن الصياغة تحتمل التكرار، فلم تكن في معنى النتاج.
وَلَو اختلفا في ثوب خز أو شعر، وأقام كل واحد منهما البينة أنه له نسجه في ملكه، فإن
علم أن ذلك لا ينسج إلا مرة واحدة يقضى لصاحب اليد؛ لأنه بمنزلة النتاج وإن علم أنه ينسج
مرتين يقضى للخارج، وكذا إن كان مشكلاً؛ وكذلك لو اختلفا/ في سيف مطبوع، وادعى كل أ
واحد منهما أنه طبع في ملكه، يرجع في هذا إلى أهل العلم بذلك.
ولو اختلفا في جارية(١)، وأقام كل واحد منهما البينة أن أمها أمته [وأقام البينة على
ذلك](٢) وأنها ولدت هذه في ملكه يقضي بالجارية وبأمها للخارج؛ لأنَّ هذا ليس دعوى
النتاج، بل هو دعوى الملك المطلق وهو ملك الأم، والبينة بينة الخارج في الملك المطلق،
فيقضى بالأم للخارج، ثم يملك الولد بملك الأم؛ وكذلك لو اختلفا في الشاة مع الصوف،
وأقام كل واحد منهما البينة أن هذه الشاة مملوكة له، وأن هذا صوف هذه الشاة يقضى بالشاة.
والصوف للخارج؛ لما قلنا.
شاتان إحداهما بيضاء والأخرى سوداء، وهما في يد رجل، فأقام الخارج البينة على أن
الشاة البيضاء شاته ولدتها السوداء في ملكه، وأقام صاحب اليد البينة على أن السوداء شاته
ولدتها البيضاء في ملكه، يقضى لكل واحد منهما بالشاة التي شهدت شهوده أنها ولدت في
ملكه، فيقضى للخارج بالبيضاء، ولصاحب اليد بالسوداء؛ لأنَّ بينة الخارج قامت على النتاج
في البيضاء، وبينة ذي اليد قامت فيها على ملك مطلق، فبينة النتاج أولى؛ كذا بينة ذي اليد
قامت على النتاج في السوداء، وبينة الخارج فيها قامت على ملك مطلق، فبينة النتاج أَوْلَى.
ولو اختلفا في اللبن الذي صنع منه الجبن، فأقام كل واحد منهما البينة أن اللبن الذي
صنع منه الجبن في ملكه، فيقضى للخارج، لأن البينة القائمة على ملك اللبن قائمة على ملك
مطلق، لا على أولية الملك، فبينة الخارج أَوْلَى في دعوى الملك المطلق.
ولو ادعى عبداً في يد إنسان أنه اشتراه من فلان، وأنه ولد في ملك الذي اشتراه منه،
وأقام ذو اليد البينة أنه اشتراه من رجل آخر، وأنه ولد في ملكه، يقضى لصاحب اليد؛ لأنَّ
دعوى الولادة في ملك بائعه بمنزلة دعوى الولادة في ملكه؛ لأنه تلقى الملك من جهته وهناك
یقضی له؛ كذا هذا.
(١) أم جارية .
(٢) سقط من ب.
٠
بدائع الصنائع ج٨ - ٢٩٣

٤٥٠
كتاب الدعوى
وكذلك لو ادعى ميراثاً أو هبةً أو صدقةً أو وصيةً، وأنه ولد في ملك المورث والواهب
والموصي، فإنه يقضى لصاحب اليد؛ لما قلنا .
ب
ولو ادعى الخارج مع ذي اليد كل واحد منهما/ النتاج، فقضي لصاحب اليد، ثم جاء
رجل وادعى النتاج، وأقام البينة عليه، يقضى له، إلاّ أن يعيد صاحب اليد البينة على النتاج،
فيكون هو أولى؛ لأن القضاء على المدعي الأول لا يكون قضاء على المدعي الثاني، فلم يكن
الثاني مقضيًّا عليه، فتسمع البينة منه.
فرق بين الملك وبين العتق أن القضاء بالعتق على شخص واحد يكون قضاء على الناس
كافة، والقضاء بالملك على شخص واحد لا يكون قضاء على غيره، وإن كانت بينة النتاج
توجب الملك بصفة الأولية، وأنه لا يحتمل التكرار كالعتق.
ووجه الفرق أن العتق حق الله تعالى؛ ألا ترى أن العبد لا يقدر على إبطاله حتى لا
يجوز استرقاق الحر برضاه، ولو كان حق العبد لقدر على إبطاله كالرق، وإذا كان حق الله
تعالى فالناس في إثبات حقوقه خصوم عنه بطريق النيابة؛ لكونهم عبيده، فكان حضرة الواحد
كحضرة الكل، والقضاء على الواحد قضاء على الكل؛ لاستوائهم في العبودية؛ كالورثة لما
قاموا مقام الميت في إثبات حقوقه والدفع عنه؛ لكونهم خلفاءه، فقام الواحد منهم مقام الكل؛
لاستوائهم في الخلافة، بخلاف الملك؛ فإنه خالص حق العبد، فالحاضر فيه لا ينتصب خصماً
عن الغائب إلا بالإنابة حقيقة، أو بثبوت النيابة عنه شرعاً واتصال بين الحاضر والغائب فيما
وقع فيه الدعوى على ما عرف، ولم يوجد شيء من ذلك، فالقضاء على غيره يكون قضاء على
الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر وهذا لا يجوز.
ولو شهد الشهود أن هذه الحنطة من زرع حصد من أرض هذا الرجل، لم يكن لصاحب
الأرض أن يأخذها؛ لأنه يحتمل أن يكون البذر لغيره، وملك الزرع يتبع ملك البذر لا ملك
الأرض (١)؛ ألا ترى أن الأرض المغصوبة إذا زرعها الغاصب من بذر نفسه، كانت الحنطة له،
ولو شهدوا أن هذه الحنطة من زرع هذا، أو هذا التمر من نخل هذا، يقضى له؛ لأن ملك
الحنطة والتمر يتبع ملك الزرع والنخل.
ولو قالوا: هذه الحنطة من زرع كان من أرضه، لم يقض له؛ لأنهم لو شهدوا أنه حصد
من أرضه، لم يقض له، فهذا أولى.
وَلَوْ شهدوا أن هذا اللبن وهذا الصوف حلاب شاته وصوف شاته، لم يقض له؛ / لجواز
أن تكون الشاة له وحلابها وصوفها لغيره؛ بأن أوصى بذلك لغيره.
أ
(١) في ب: الأراضي.

٤٥١
كتاب الدعوى
هذا الذي ذكرنا كله في دعوى الخارج الملك، فأما دعوى الخارجين على ذي اليد
الملك، فنقول: لا تخلو في الأصل من أحد وجهين: إما أن يدعي كل واحدٍ منهما قدر ما
يدعي الآخر، وإما أن يدعي أكثر مما يدعي الآخر، فإن ادعى كل واحد منهما قدر ما يدعي
الآخر، فهو على التفصيل الذي ذكرنا أيضاً، وهو أن البينتين إما إن قامتا على ملك مطلق عن
الوقت، وإما إن قَامَتَا على ملك موقت، وإما إن قامت إحداهما على ملك مطلق، والأخرى
على ملك موقت، وكل ذلك بسبب أو بغير سبب، فإن قامت البينتان على ملك مطلق من غير
سبب، فإنه يقضى بالمدعي بينهما نصفان عند أصحابنا .
والشافعي - رحمه الله - قولان: في قول تتهاتر البينتان ويترك المدعي في يد صاحب
اليد، وفي قول يُقرع بينهما، فيقضي لمن خرجت له القرعة منهما.
وجه قول الشافعي - رحمه الله - أن العمل بالبينتين متعذر؛ لتناف بين موجبهما؛
لاستحالة كون العين الواحدة مملوكة لاثنين على الكمال في زمان واحد، فيبطلان جميعاً؛ إذ
ليس العلم بإحداهما أولى من العمل بالأخرى؛ لاستوائهما في القوة، أو ترجح إحداهما
بالقرعة لورود الشرع بالقرعة في الجملة.
ولنا أن البينة دليل من أدلة الشرع، والعمل بالدليلين واجبٌ بالقدر الممكن؛ فإن أمكن
العمل بهما من كل وجه يعمل بهما من كل وجه، وإن لم يمكن العمل بهما من كل وجه يعمل
بهما من وجه؛ كما في سائر دلائل الشرع من ظواهر الكتاب والسنن المشهورة وأخبار
الآحاد(١) والأقيسة الشرعية إذا تعارضت، وهنا إن تعذر العمل بالبينتين بإظهار الملك في كل
(١) وهي ما لم تبلغ مبلغ التواتر فيصدق على المشهور، والعزيز، والغريب.
والعزيز: ما جاء في طبقة من طبقات رواته، أو أكثر من طبقة - اثنان، ولم يقل في أي طبقة من طبقاته
عنهما.
والغريب: ما جاء في طبقة من طبقات رواته، أو أكثر - واحد تفرد بالرواية.
ومن المعلوم أن الحديث سواء كان مرفوعاً، أو موقوفاً، أو مقطوعاً - ينقسم إلى متواتر يفيد العلم،
وآحاد؛ كما أن الآحاد ينقسم إلى مشهور، وعزيز، وغريب، وكل من هذه الثلاثة تنقسم إلى مقبول يفيد
الظن ما لم تكن فيه قرينة تفيد القطع، وإلى مردود لا يفيد ظناً ولا قطعاً.
ينقسم الخبر المقبول إلى خبر صحيح، وحسن، وينقسم الصحيح إلى صحيح لذاته، وصحيح لغيره،
وأيضاً ينقسم الحسن إلى حسن لذاته، وحسن لغيره.
والمردود هو الضعيف، والضعيف ينقسم إلى أقسام كثيرة تنظر في كتب الحديث والاصطلاح.
وضابط هذا التقسيم أن صدق الحديث إنما يترجح بما يأتي:
١ - الاتصال. ٢ - عدالة الراوي. ٣ - ضبط الراوي.
٤ - عدم الشذوذ. ٥ - عدم العلة الخفية القادحة.
=

٤٥٢
کتاب الدعوى
=
والضبط ثلاث درجات:
١ - عليا. ٢ - وسطى. ٣ - دنيا.
فمتى استوفى الحديث كل هذه الشروط، وكان في الدرجة العليا من الضبط - كان حديثاً صحيحاً.
ومتى استوفى الحديث كل هذه الشروط، وكان في الدرجة الوسطى، أو الدنيا - كان حديثاً حسناً.
وإن فقد أحد الشروط الخمسة السابقة، سمي ضعيفاً، والضعيف منه ما هو معتبر به ومنه غير معتبر به.
فإذا فقد الحديث الاتصال، أو فقد الضبط، أو إذا لم تثبت عدالة الراوي؛ بأن كان مجهول العين، أو
الحال - كان الحديث ضعيفاً، لكنه لم يفقد صفة الاعتبار به بحيث إذا قوي بغيره، فإنه يرتفع من الضعيف
إلى الحسن، ويسمى حسناً لغيره، كما أن الحديث الحسن لذاته إذا تقوى بغيره، وتعدد - يرتفع إلى درجة
الصحيح، ويسمى صحيحاً لغيره.
وإذا كان الضعف من قبل الطعن في العدالة، فإن كان الطعن بالكذب على رسول الله وَّفقر فهو الحديث
الموضوع، لا يصلح لأن يروى إلا لبيان حاله؛ أو كان الطعن بتهمة الراوي بالكذب؛ بأن كان يكذب في
أحاديث الناس، أو ثبت عليه الفسق المخرج عن العدالة كالسرقة، أو القتل، أو الغيبة، أو النميمة من
سائر الكبائر، أو الإصرار على الصغائر - فهذا الراوي لا يعتد بحديثه، ولا يكتب حديثه ليقوى غيره،
وإنما يروي حديثه فقط لبيان حاله.
حكم خبر الواحد من المعلوم أن الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، والصدق هو مطابقة النسبة
الحكمية للنسبة الواقعية .
والكذب هو عدم المطابقة بين النسبة الحكمية والنسبة الواقعية؛ فمثلاً: إذا كان الشيء واقعاً، وأخبرت
به، فإن هذا الإخبار يحتمل الصدق، كما يحتمل الكذب أيضاً، وإنما يرفع احتمال الكذب فيه الدليل
القطعي، والدليل القطعي هو الذي يرفع احتمال النقيض عقلاً؛ كما أنه ليس عندنا في الأخبار ما يرفع
احتمال النقيض فيها، إلا إذا كان المخبر صادقاً بالدليل العقلي؛ مثل: أخبار الله - عز وجل - وأخبار رسله
- صلوات الله عليهم أجمعين - كذلك أخبار التواتر.
وإذا كان الإخبار غير هذه الثلاثة، فإنه لا يفيد القطع؛ لأن احتمال الكذب ما زال باقياً.
أما إذا كان الإخبار من مخبر صادق عدل ضابط رجح أن يكون مطابقاً للواقع، وتطرق إليه احتمال ألا
يكون مطابقاً للواقع؛ لاحتمال النسيان أو الغلط، أو الوهم إلى غير ذلك من احتمالات.
ومن ناحية أخرى فإنه إذا تقوى هذا الاحتمال بمعارض راجح فإن الخبر يصير شاذاً، ولا يقبل.
أما إذا تعددت الطبقات، وجب أن تتوفر في كل طبقة منها العدالة، والضبط، وعدم الشذوذ، كما يجب
أن يثبت الاتصال، والعدالة والضبط، وعدم المعارض الراجح في جميع الطبقات.
أما إذا قسنا خبر الواحد بغيره من الأخبار التي تساويه في القوة، فوجدنا اختلافاً، من غير ترجيح - فإنه لا
يكون راجح الصدق.
وعلى ذلك قلنا: إن خبر الواحد الذي استوفى شروط القبول الخمسة.
وترتب على ذلك أمور هي:
١ - جواز وجود المعارض المساوي من غير نسخ.
٢ - لا يعارض المتواتر بحال.

٤٥٣
کتاب الدعوى
المحل، أمكن العمل بهما بإظهار الملك في النصف، فيقضى لكل واحد منهما بالنصف.
وَلَوْ قامتا على ملك موقت من غير سبب، فإن استوى الوقتان فكذلك الجواب؛ لأنه إذا
لم يثبت سبق أحدهما بحكم التعارض، سقط التاريخ والتحق بالعدم، فبقي دعوى الملك
المطلق، وإن كان وقت أحدهما أسبق من الآخر، فالأسبق أولى بالإجماع، ولا يجىء هنا
خلاف محمد - رحمه الله -؛ لأن البينة من/ الخارج مسموعة بلا خلافٍ، والبينتان قامتا من ب
الخارجين، فكانتا مسموعتين، ثم ترجح إحداهما بالتاريخ؛ لأنها أثبتت الملك في وقت لا
تعارضها فيه الأخرى، فيؤمر بالدفع إليه، إلى أن يقوم الدليل على أنه بأي طريق انتقل إليه
الملك .
وإن أرخت إحداهما وأطلقت الأخرى من غير سبب، يقضى بينهما نصفين، عند أبي
حنيفة، ولا عبرة للتاريخ، وعند أبي يوسف يقضى لصاحب الوقت، وعند محمد يقضى
لصاحب الإطلاق.
٣ - ترجيح الأقوى من المتعارضين.
=
٤ - ليس الصدق مطرداً فيه.
٥ - لا يجب تخطئة المجتهد لمخالفته.
وخبر الواحد المحتفُّ بالقرائن: إذا كانت هناك قرائن خارجية، تمنع احتمال النقيض، فإن الأكثرين من
الفقهاء رأوا أن خبر الواحد لا يفيد القطع؛ وذلك لأن الذي يفيد القطع القرائن لا الخبر، بينما ذهب إمام
الحرمين، والغزالي، والآمدي، والإمام الرازي، وابن الحاجب، ورواية عن أحمد - إلى أنه يفيد القطع.
وذهب ابن حجر إلى أن الخبر المحتف بالقرائن أنواع:
١ - ما يختص بما أخرجه الشيخان في الصحيحين مما لم يبلغ حد التواتر؛ فإنه احتف بقرائن كثيرة:
كجلالة الشيخين في هذا الشأن، ومكانتهما في تمييز الصحيح، وتلقي العلماء للصحيحين بالقبول.
٢ - المشهور إذا كانت له طرق متباينة، سالمة من ضعف الرواة والعلل.
٣ - ما رواه الأئمة الحفّاظ المتقون حيث لا يكون غريباً؛ مثلاً: يروي الإمام أحمد بن حنبل حديثاً،
ويشاركه فيه غيره عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك، فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من
جهة جلالة رواته، وإن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم.
ينظر: البحر المحيط للزركشي: ٢٥٧/٤، والبرهان لإمام الحرمين: ٥٩٩/١، سلاسل الذهب
للزركشي: ٣/٨، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي: ٣٠/٢، ونهاية السول للأسنوي: ٩٧/٣،
وزوائد الأصول له (٣٣٦)، ومنهاج العقول للبدخشي: ٣١٧/٢، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري
(٩٧)، والتحصيل من المحصول للأرموي: ١٣٠/٢، والمنخول للغزالي (٢٤٥)، والمستصفى له: ١/
١٤٥، وحاشية البناني: ١٣١/٢، والإبهاج لابن السبكي: ٢٩٩/٢، والآيات البينات لابن قاسم
العبادي: ٢١٥/٣، حاشية العطار على جمع الجوامع: ١٥٧/٢، والمعتمد لأبي الحسين: ٩٢/٢،
والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ١١٢/١.

٤٥٤
کتاب الدعوى
وجه قول محمد أن البينة القائمة على الملك المطلق أقوى؛ لأن الملك المطلق ملكه من
الأصل حكماً؛ ألا ترى أنه يظهر في الزوائد وتستحق به الأولاد والأكساب(١).
وهذا حكم ظهور الملك من الأصل، ولا يستحق ذلك بالملك الموقت، فكانت البينة
القائمة عليه أقوى، فكان القضاء بها أَوْلَى.
وجه قول أبي يوسف - رحمه الله - ما ذكرنا أن البينة المؤرخة تظهر الملك في زمان لا
تعارضها فيه البينة المطلقة عن التاريخ بيقين، بل تحتمل المعارضة وعدمها، فلا تثبت
المعارضة بالشك، فتثبت بينة صاحب التاريخ بلا معارض، فكان صاحب التاريخ أَوْلَى.
وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - مَا مَرَّ أيضاً أن الملك الموقت يحتمل أن يكون سابقاً
ويحتمل أن يكون متأخراً، لاحتمال أن صاحب الإطلاق لو أرخ لكان تاريخه أقدم يثبت السبق
مع الاحتمال، فسقط اعتبار التاريخ، فبقي دعوى الملك المطلق، هذا إذا قامت البينتان من
الخارجين على ذي اليد على الملك من غير سبب، فإن كان ذلك بسبب فنقول: لا يخلو إما
أن ادعيا الملك بسبب واحد من الإرث أو الشراء أو النتاج ونحوها، وإما أن ادعياه بسببين،
فإن ادعيا الملك بسبب واحد، فإن كان السبب هو الإرث، فإن لم توقت البينتان فهو بينهما
نصفان؛ لما ذكرنا أن الملك الموروث هو ملك الميت بعد موته، وإنما الوارث يخلفه ويقوم
مقامه في ملكه.
ألا ترى أنه يجهز من التركة ويقضي منها ديونه، ويرد الوارث بالعيب، ويرد عليه؛ فكأن
المورثين حضرا وادعيا ملكاً مطلقاً عن الوقت.
وإن وقتا وقتاً فإن كان وقتهما واحداً فكذلك لما مر، وإن كان أحد الوقتين أسبق يقضى
لمن هو أسبق وقتاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -/، وعند محمد - رحمه الله -
يقضى بينهما نصفين، ولا عبرة للتاريخ عنده في الميراث؛ لما مر أن الموروث ملك الميت
والوارث قام(٢) مقامه، فلم يكن الموت تاريخاً لملك الوارث، فسقط التاريخ لملكه، والتحق
بالعدم، فبقي دعوى الملك المطلق عن التاريخ، فيستويان فيه.
وعن محمد أنهما إن لم يؤرخا ملك الميتين فكذلك، فأما إذا أرخا ملك الميتين فيقضى
الأسبقهما تاريخاً، ذكره في نوادر هشام وأبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله - يقولان: بل
الوارث بإقامة البينة يظهر الملك للمورث لا لنفسه، فيصير كأنه حضر المورثان. وأقام كل
واحد منهما بينة مؤرخة، وتاريخ أحدهما أسبق، ولو كان كذلك لقضي لأسبقهما وقتاً لإثباته
الملك في وقت لا تعارضه فيه بينة الآخر؛ كذا هذا.
(١) في ب: الاكتساب.
(٢) في ب: قائم.

٤٥٥
کتاب الدعوى
ولو وقتت إحداهما ولم توقت الأخرى، يقضى بينهما نصفان بالإجماع، أما عند محمد
فإن التاريخ في باب الميراث ساقط، فالتحق بالعدم، وأما عندهما فيصير كأن المورثين
الخارجين حضرا وادعيا ملكاً فأرخه أحدهما ولم يؤرخه الآخر، وهناك كان المدعي بينهما
نصفين؛ فكذا هنا؛ لأنهما ادعيا تلقي الملك من رجلين، ولا عبرة فيه بالتاريخ.
وإن كان السبب هو الشراء، فنقول: لا تخلو إما أن تكون الدار في يد ثالث، وإما أن تكون
في يد أحدهما، وكل ذلك لا يخلو إما أن ادعيا الشراء من واحد، وإما أن ادعياه من اثنين، فإن
كانت في يد ثالث وادعيا الشراء من واحد، فإن كان صاحب اليد، وأقاما البينة على الشراء منه
بثمن معلوم، ونقد الثمن مطلقاً عن التاريخ، وذكر القبض - يقضى بينهما نصفين عندنا.
وللشافعي فيه قولان: في قول تتهاتر البينتان، وفي قول يقرع بينهما، فيقضى لمن
خرجت له القرعة، وهي مسألة التهاتر، وقد تقدمت، وَإِذا قضي بالدار بينهما نصفين يكون
لهما الخيار: إن شاء أخذ كل واحد منهما نصف الدار بنصف الثمن، وَإن شاء نقض؛ لأن
غرض كل واحد منهما من الشراء الوصول إلى جميع المبيع، ولم يحصل، فأوجب ذلك خللاً
في الرضا، فلذلك أثبت لهما الخيار، فإن اختار كل واحد منهما أخذ نصف الدار، رجع على
البائع بنصف الثمن؛ لأنه لم يحصل له إلا نصف المبيع، وإن اختار الرد رجع كل واحد منهما
بجميع الثمن؛ لأنه انفسخ/ البيع؛ فإن اختار أحدهما الرد والآخر الأخذ، فإن كان ذلك بعد ب
قضاء القاضي وتخييره إياهما، فليس له أن يأخذ إلا النصف بنصف الثمن؛ لأن حكم القاضي
بذلك أوجب انفساخ العقد في حق كل واحد منهما في النصف، فلا يعود إلا بالتحديد؛ كما
إذا قضى القاضي بالدار المشفوعة للشفيعين، ثم سلم أحدهما الشفعة، لا يكون لصاحبه إلا
نصف الدار، فَأَمَّا إذا اختار أحدهما ترك الخصومة قبل تخيير القاضي، فللآخر أن يأخذ جميع
المبيع بجميع الثمن؛ لأن المستحق بالعقد كل البيع، والامتناع بحكم المزاحمة، فإذا انقطعت
فقد زال المانع؛ كأحد الشفيعين إذا سلم الشفعة قبل قضاء القاضي بالدار المشفوعة، يقضى
لصاحبه بالکل.
وكذلك إذا ادعى كل واحد منهما الشراء من رجل آخر سوى صاحب اليد، وأقام البينة
على ذلك، يقضي بالدار بينهما نصفين عندنا، وثبت الخيار لكل واحد منهما.
والكلام في توابع الخيار على نحو ما بينا؛ غير أن هناك الشهادة القائمة على الشراء من
صاحب اليد، وهو البائع، تقبل من غير ذكر الملك له، والشهادة القائمة على الشراء من غير
صاحب اليد لا تقبل إلا بذكر الملك للبائع؛ لأن المبيع في الفصل الأول في يد البائع، واليد
دليل الملك، فوقعت الغنية عن ذكره، وفي الفصل الثاني المبيع ليس في يد البائع، فدعت
الحاجة إلى ذكره؛ لصحة البيع.

٤٥٦
كتاب الدعوى
هذا إذا لم تؤرخ البينتان، فأما إذا أرختا، فإن استوى التاريخان فكذلك؛ لسقوط
اعتبارهما بالتعارض، فبقي دعوى مطلق الشراء، وإن كانت إحداهما أسبق تاريخاً، كانت أولى
بالإجماع؛ لأنها تظهر الملك في وقت لا تعارضها فيه الأخرى، فتندفع بها الأخرى.
ولو أرخت إحداهما وأطلقت الأخرى، فالمؤرخة أولى؛ لأنها تظهر الملك في زمان
معين، والأخرى لا تتعرض للوقت، فتحتمل السبق والتأخير، فلا تعارضها مع الشك
والاحتمال، ولو لم تؤرخ البينتان ولكن ذكرت إحداهما القبض، فهي أولى؛ لأنها لما أثبتت
قبض المبيع جعل كأن بيع صاحب القبض أسبق، فيكون أولى، وكذلك لو ذكرت إحداهما
تاريخاً والأخرى قبضاً، فبينة القبض أولى، إلا أن تشهد بينة التاريخ أن شراءه قبل شراء الآخر،
فيقضى له/ ويرجع الآخر بالثمن على البائع، وكذا لو أرخا تاريخاً واحداً وذكرت إحداهما
القبض، فبينة القبض أولى، إلا إذا كان وقت الآخر أسبق.
أ
هَذَا إذا ادّعَيا الشراء من واحد، وهو صاحب اليد أو غيره، فأما إذا ادعيا الشراء من اثنين
سوى صاحب اليد مطلقاً عن الوقت، وأقاما البينة على ذلك، يقضى بينهما نصفين؛ لأنهما
ادعيا تلقي الملك من البائعين، فقاما مقامهما، فصار كأن البائعين الخارجين حضرا وأقاما البينة
على ملك مطلق، ولو كان كذلك يقضى بينهما نصفين؛ كذا هذا، ويثبت لهما الخيار، والكلام
في الخيار على نحو ما ذكرنا.
ولو وقتت البينتان، فإن كان وقتهما واحداً، فكذلك، وإن كان أحدهما أسبق من الآخر،
فالأسبق تاريخاً أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ وكذا عند محمد في رواية الأصول؛ بخلاف
الميراث أنه يكون بينهما نصفان عنده، ووجه الفرق له ذكره الرازي (١) وهو أن المشتري يثبت
الملك لنفسه، والوارث يثبت الملك للميت، وعن محمد في الإملاء أنه سوى بين الميراث
والشراء، وقال: لا عبرة بالتاريخ في الشراء أيضاً، إلا أن يؤرخا ملك البائعين، وإن وقتت
إحداهما ولم توقت الأخرى، يقضى بينهما نصفين، ولا عبرة للتاريخ أيضاً.
فرق بين هذا وبين ما إذا ادعيا الشراء من رجل واحد، فوقتت بينة أحدهما وأطلقت
الأخرى أن بينة الوقت أولى.
ووجه الفرق أنهما إذا ادعيا الشراء من اثنين فقد ادعيا تلقي الملك من البائعين، فتاريخ
إحدى البينتين لا يَدُلُّ على سبق أحد الشراءين، بل يجوز أن يكون شراء صاحبه أسبق من
شرائه، فلا يحكم بسبق أحدهما مع الاحتمال، فيقسم بينهما نصفين، بخلاف ما إذا ادَّعَيا
(١) في ط: الداري.

٤٥٧
کتاب الدعوى
الشراء من واحد؛ لأن هناك اتفقا على تلقي الملك من واحد، فتاريخ إحدى البينتين أوجب
تلقي الملك منه في زمان لا ينازعه فيه أحد، فيؤمر بالدفع إليه حتى يقوم على التلقي منه دليل
آخر.
هذا إذا كانت الدار في يد ثالث، فإن كانت في يد أحدهما؛ فإن ادعيا الشراء من
واحدٍ، فصاحب اليد أولى، سواء أرخ الآخر أو لم يؤرخ، وسواء ذكر شهود القبض أو لم
يذكر؛ لأن القبض من صاحب/ اليد أقوى لثبوته حسًّا ومشاهدة، وقبض الآخر لم يثبت إلا ب
ببينة تحتمل الصدق والكذب، فكان القبض المحسوس أولى، فصار الحاصل أن القبض الثابت
بالحس أولى من الثابت بالخبر، ومن التاريخ أيضاً، والقبض الثابت بالخبر أولى من التاريخ.
وإن ادعيا الشراء من اثنين يقضى للخارج، سواء وقتت البينات أو لا، أو وقتت إحداهما
دون الأخرى؛ إلا إذا وقتتا ووقت صاحب اليد أسبق؛ لأنهما ادعيا تلقي الملك من البائعين
فقاما مقام البائعين فصار كأن البائعين حضرا وأقاما البينة، ولو كان كذلك يقضى للخارج؛ كذا
هذا؛ بخلاف ما إذا كان البائع واحداً؛ لأنهما اتفقا على أن الملك لهما بالشراء من جهته
ولأحدهما يد، فيجعل كأن شراء صاحب اليد أسبق.
وَإن كان السبب هو النتاج؛ بأن ادعى كل واحد من الخارجين أنها دابته نتجت عنده،
فإِنْ أقام كل واحد منهما البينة على ملك مطلق، يقضى بينهما نصفين؛ لاستواء الحجتين،
وتعذر العمل بهما بإظهار الملك في كل المحل، فليعمل بهما بالقدر الممكن.
وإِن أَقَامًا البينة على ملك موقت، فإن اتفق الوقتان فكذلك، وإن اختلفا يحكم سن الدابة
إن علم، وإن أشكل فعند أبي حنيفة يقضى لأسبقهما وقتاً، وعندهما يقضى بينهما.
وَجْهُ قولهما إن السن إذا أشكل يحتمل أن يكون موافقاً لوقت هذا، ويحتمل أن يكون
موافقاً لوقت ذاك، فسقط اعتبار الوقت، وصار كأنهما سَكَتا عن الوقت أصلاً.
وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن وقوع الإشكال في السن يوجب سقوط اعتبار حكم
السبق، فبطل تحكيمه، فبقي الحكم للوقت، فالأسبق أولى، وهذا يشكل بالخارج مع ذي
اليد، وإن خالف الوقتين جميعاً فهو على ما ذكرنا في الخارج مع ذي اليد، وإن أقام أحدهما
البينة على النتاج والآخر على ملك مطلق، فبينة النتاج أولى لما مر.
هذا إذا ادعى الخارجان الملك من واحد أو اثنين، بسببين متفقين من الميراث والشراء
والنتاج، فإن كان بسببين مختلفين، فنقول: لا يخلو إما إن كان من اثنين، وإما إن كان من
واحد، فإن كان من اثنين يعمل بكل واحد من السببين؛ بأن ادعى أحدهما أنه اشترى هذه
الدابة من فلان، وادعى الآخر أن فلاناً آخر وهبها له وقبضها/ منه، قضي بينهما نصفين؛ أ

٤٥٨
كتاب الدعوى
لأنهما ادعيا تلقي الملك من البائع والواهب، فَقَّامَا مقامهما؛ كأنهم حضرا وادعيا وأقاما البينة
على ملك مرسل.
وكذا لو ادعى ثالث ميراثاً عن أبيه، فإنه يقسم بينهم أثلاثاً، ولو ادعى رابع وصدقه يقسم
بينهم أرباعاً، لما قلنا.
إن كان ذلك من واحد ينظر إلى السببين، فإن كان أحدهما أقوى يعمل به، لأن العمل
بالراجح واجب، وإن استويا في القوة يعمل بهما بقدر الإمكان؛ على ما هو سبيل دلائل
الشرع .
بيان ذلك إذا أقام أحدهما البينة أنه اشترى هذه الدار من فلان، ونقده الثمن، وقبض
الدار، وأقام الآخر البينة أن فلاناً ذاك وهبها له وقبضها، يقضى لصاحب الشراء؛ لأنه يفيد
الحكم بنفسه، والهبة لا تفيد الحكم إلا بالقبض، فكان الشراء أولى، وكذلك الشراء مع
الصدقة والقبض لما قلنا؛ وكذلك الشراء مع الرهن والقبض؛ لأن الشراء يفيد ملك الرقبة
والرهن يفيد ملك اليد، وملك الرقبة أقوى، ولو [اجتمعت البينتان](١) مع القبض، يقضى
بينهما نصفين؛ لاستواء السببين، وقيل هذا فيما لا يحتمل القسمة كالدابة والعبد ونحوهما.
فأما فيما يحتمل القسمة كالدار ونحوها، فلا يقضى لهما بشيء على أصل أبي حنيفة
- رحمه الله - في الهبة من رجلين لحصول معنى الشيوع.
وقيل: لا فرق بين ما يحتمل القسمة وبين ما لا يحتملها هنا؛ لأن هذا في معنى الشيوع
الطارىء لقيام البينة على الكل، وأنه لا يمنع الجواز.
وكذلك لو اجتمعت الصدقة مع القبض أو الهبة والصدقة مع القبض، يقضى بينهما
نصفين؛ لاستواء السببين؛ لكن هذا إذا لم يكن المدعي في يد أحدهما، فإن كان يقضي
لصاحب اليد بالإجماع لما مر؛ ولو اجتمع الرهن والهبة أو الرهن والصدقة، فالقياس أن تكون
الهبة أولى؛ وكذا الصدقة لأن كل واحد منهما يفيد ملك الرقبة، والرهن يفيد ملك اليد،
والحبس وملك الرقبة أقوى، وفي الاستحسان الرهن أولى؛ لأن المرهون عندنا مضمون بقدر
ب الدين، فأما الموهوب فليس بمضمون أصلاً، فكان الرهن أقوى، ولو اجتمع النكاحان/ بأن
ادعت امرأتان وأقامت كل واحدة منهما البينة على أنه تزوجها عليه، يقضى بينهما نصفين؛
الاستواء السببين.
ولو اجتمع النكاح مع الهبة أو الصدقة أو الرهن، فالنكاح أَوْلَى؛ لأنه عقد يفيد الحكم
(١) في ب: اجتمع السببان.

٤٥٩
کتاب الدعوى
بنفسه، فكان أقوى، ولو اجتمع الشراء والنكاح؛ فهو بينهما نصفان عند أبي يوسف، وللمرأة
نصف نصف القيمة على الزوج، وعند محمد الشراء أولى، وللمرأة القيمة على الزوج.
وجه قول محمد أن الشراء أَقْوَى من النكاح بدليل أنه لا يصح البيع بدون تسمية الثمن،
ويصح النكاح بدون تسمية المهر؛ وكذا لا تصح التسمية بدون الملك في البيع، وتصح في
باب النكاح؛ كما لو تزوج على جارية غيره، دَلَّ أن الشراء أقوى من النكاح.
وَجْهُ قول أبي يوسف أن النكاح مثل الشراء، فإن كل واحد منهما معاوضة يفيد الحكم
بنفسه، هذا إذا ادعى كل واحد منهما قدر ما يدعي الآخر، فأما إذا ادعى أحدهما أكثر مما
يدعي الآخر؛ بأن ادعى أحدهما كل الدار والآخر نصفها، وأقاما البينة على ذلك؛ فإنه يقضى
المدعي الكل بثلاثة أرباع الدار، ولمدعي النصف بربعها عند أبي حنيفة، وعندهما يقضى
المدعي الكل بثلث الدار ولمدعي النصف بثلثها، وإنما اختلف جوابهم لاختلافهم في طريق
القسمة، فتقسم عنده بطريق المنازعة، وهما قسما بطريق العدل والمضاربة.
وتَفْسِيرُ القسمة بطريق المنازعة أن ينظر إلى القدر الذي وقع التنازع فيه، فيجعل الجزء
الذي خلا عن المنازعة سالماً لمدعيه.
وَتَفْسِيرُ القسمة على طريق العدل والمضاربة أن تجميع السهام كلها في العين، فتقسم بين
الكل بالحصص، فيضرب كل بسهمه كما في الميراث والديون المشتركة المتزاحمة والوصايا،
فَلمَّا كانت القسمة عند أبي حنيفة على طريق المنازعة تجب مراعاة محل النزاع، فهنا يدعي
أحدهما كل الدار والآخر لا ينازعه إلا في النصف، فبقي النصف الآخر خالياً عن المنازعة،
فيسلم لمدعي الكل؛ لأنه يدعي شيئاً لا ينازعه فيه غيره، وَمَنِ اذَّعَى شيئاً لا ينازعه/ فيه غيره، أ
يسلم له، والنصف الآخر استوت فيه منازعتهما، فيقضى (١) بينهما نصفين، فكانت القسمة
أرباعاً: ثلاثة أرباع الدار لمدعي الكل، وربعها لمدعي النصف، ولما كانت القسمة عندهما
على طريق المضاربة يقسم الثمن(٢) على مبلغ السهام، فيضرب كل واحد بسهمه، فهنا(٣)
أحدهما يدعي كل الدار، والآخر يدعي نصفها، فيجعل أخسهما سهماً، فجعل نصف الدار
بینھما .
وإذا جعل نصف الدار بينهما، صار الكل سهمين، فمدعي الكل يدعي سهمين، ومدعي
النصف يدعي سهماً واحداً، فيعطى هذا سهماً وذاك سهمين، فكانت الدار بينهما أثلاثاً: ثلثاها
المدعي الكل، وثلثها لمدعي النصف، والصحيح قسمة أبي حنيفة - عليه الرحمة -؛ لأن
(١) في ب: فيقسم.
(٣) في ب: فها هنا.
(٢) في ب: العين.

٤٦٠
کتاب الدعوى
الحاجة إلى القسمة لضرورة الدعوى والمنازعة ووقوع التعارض في الحجة، ولا منازعة(١)
المدعي الكل إلا في النصف، فلا يتحقق التعارض إلا فيه، فيسلم له ما وراءه؛ لقيام الحجة
عليه، وخلوها عن المعارض، فكان ما قاله أبو حنيفة عملاً بالدليل بالقدر الممكن، وأنه
واجب.
هذا إذا كانت الدار في يد ثالث، فإن كانت في أيديهما، فبينة مدعي الكل أولى؛ لأنه
خارج؛ لأنه يدعي على صاحبه النصف الذي في يده، ومدعي النصف لا يدعي شيئاً هو في يد
صاحبه؛ لأنه لا يدعي إلا النصف، والنصف في يده، فكان مدعي الكل خارجاً، ومدعي
النصف صاحب يد، فكانت بينة الخارج أولى، فيقضى له بالنصف الذي في يد صاحبه، ويترك
النصف الذي في يده على حاله، هذا إذا ادعى الخارجان شيئاً في يد ثالث، فأنكر الذي في
يده، فأقام البينة، فإن لم يقم لهما بينة وطلبا يمين المنكر، يحلف لكلِّ واحد منهما، فإن نكل
لهما جميعاً يقضى لهما بالنكول؛ لأن النكول حجة عندنا.
فإنْ حلف لأحدهما ونكل للآخر، يقضى للذي نكل لوجود الحجة في حقه، وإن حلف
لكل واحد منهما يترك المدعي في يده، قضاء ترك لا قضاء استحقاق؛ حتى لو أقامت لهما بينة
ب بعد ذلك تقبل بينتهما، ويقضى لهما؛ بخلاف ما إذا أقاما البينة وقضي بينهما نصفين، ثم أقام/
صاحب اليد البينة على أنه ملكه أنه لا تقبل بينته.
وكذا إذا أقام أحد المدعين البينة على النصف الذي استحقه صاحبه بعدما قضى بينهما
نصفین، لا تسمع بینته .
ووجه الفرق أن بالترك في يد المدعى عليه لم يكن كل واحد من المدعيين مقضياً عليه
حقيقة، فتسمع منهما البينة.
فأما صاحب اليد فقد صار مقضيًّا عليه حقيقة، وكذا كل واحد من المدعيين بعدما قضى
بينهما نصفين، صار مقضيًّا عليه في النصف، والبينة من المقضي عليه غير مسموعة، إلا إذا
ادعى التلقي من جهة المستحق أو ادعى النتاج.
وكذا لو ادعى بائع المقضي عليه أو بائع بائعه هكذا، وأقام البينة، لا تسمع دعواه، ولا
تقبل بينته؛ لأن القضاء عليه قضاء على الباعة كلهم في حق بطلان الدعوى إن لم يكن قضاء
عليهم في حق ولاية الرجوع بالثمن، إلا إذا قضى القاضي لهذا المشتري بالرجوع على بائعه
[بالثمن] (٢)، فيرجع هذا البائع على بائعه أيضاً هكذا فرق بين هذا وبين الحرية الأصلية؛ أن
(١) في ب: منازع.
(٢) سقط في ب.