النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كتاب الوقف والصدقة
بعدها، فلا يكون حجة مع الشك والاحتمال، على أنه إن ثبت أن الوقف كان قبل القسمة،
فيحمل أنه وقفها شائعاً ثم قسم وسلم، وقد روي أنه فعل كذلك؛ وذلك جائز؛ كما لو وهب
مشاعًا ثم قسم وسلم(١) .
(١) المشاع إما أن يحتمل القسمة أولاً، وكل منهما إما أن يكون مسجداً، أو مقبرة، أو غيرهما، فإن كان
يحتمل القسمة، وكان مسجداً، أو مقبرة، فلا يجوز وقفه بالاتفاق بين الصاحبين؛ لأن الشيوع فيهما يمنع
الخلوص لله تعالى، ولأن المهايأة فيهما في غاية القبح، وذلك لأنه يصلي في المسجد سنة، ويتخذ
اصطبلاً سنة أخرى، ويدفن في المقبرة سنة، وتزرع أخرى.
وإن كان غير المسجد والمقبرة، فأجاز أبو يوسف وقفه، ومنعه محمد، والخلاف هنا مبني على الخلاف
في اشتراط تسليم الوقف وعدمه، فلما شرطه محمد قال بعدم صحة وقف المشاع؛ لأن القسمة من تمام
القبض، والقبض واجب، فكذا ما يتم به وهو القسمة، فلا يصح وقفه، ولما لم يكن شرطاً عند أبي
يوسف، فكذا ما يتم به وهو القسمة، لا يكون شرطاً أيضاً، فيصح وقفه، فمن أخذ بقول أبي يوسف في
خروجه بمجرد اللفظ، وهم مشايخ ((بلخ)) أخذ بقوله في هذه، ومن أخذ بقول محمد في اشتراط التسليم،
وهم مشايخ ((بخاری)) أخذ بقوله هنا.
وإن كان لا يحتمل القسمة، وكان مسجداً، أو مقبرة، فلا يجوز وقفه بالاتفاق أيضاً للدليل السابق، وإن
كان غير المسجد والمقبرة، فإنه يصح وقفه بالاتفاق، فأما أبو يوسف فعلى أصله من جواز وقف المشاع
مطلقاً، احتمل القسمة أولاً، إلا في المسجد والمقبرة كما سبق، وأما محمد فقد خالف أصله فيما لا
يحتمل القسمة؛ لأنه لو قسم قبل الوقف فات الانتفاع، وذلك كالبيت الصغير، والحمام، فاكتفى بتحقق
التسليم في الجملة، ثم فيما يحتمل القسمة إذا وقف الكل، ثم استحق جزء منه شائعاً، بطل الوقف في
الباقي عند محمد، لأنه بالاستحقاق ظهر أن الشيوع كان مقارناً للوقف، وإذا بطل الوقف في الباقي رجع
إلى الواقف لو كان حياً، وإلى ورثته إن ظهر الاستحقاق بعد موته، وليس على الواقف أن يبيع ذلك
الباقي، ويشتري بثمنه ما يجعله وقفاً، ولو رجع الوارث في الثلثين بعد موت المريض، وكان قد وقف
الكل في مرضه لا يبطل الوقف؛ لأن الشيوع حينئذٍ طارىء، وكذا لو استحق جزءاً معيناً لم يبطل في
الباقي لعدم الشيوع، فلهذا جاز في الابتداء أن يقف ذلك الباقي فقط، ولو كانت الأرض بين رجلين،
فتصدقا بها جملة صدقة موقوفة على المساكين مثلاً، ودفعاها معاً إلى قيم واحد جاز اتفاقاً؛ لأن المانع
من الجواز عند محمد هو الشيوع وقت القبض، لا وقت العقد، ولم يوجد هنا لوجودهما معاً منهما.
ولو وقف كل منهما نصيبه على جهة، وجعلا القيم واحداً، وسلماه معاً جاز اتفاقاً لعدم الشيوع وقت
القبض.
ولو اختلفا في وقفيهما جهة وقيماً، واتحد زمان تسليمهما لهما، أو قال كل واحد منهما لقيمه: ((اقبض
نصيبي مع نصيب صاحبي)) جاز أيضاً اتفاقاً؛ لأنهما صارا كمتول واحد، بخلاف ما لو وقف كل وقفه
وحده، وسلمه لقيمه وحده، فإنه لا يصح الوقف عند محمد، لوجود الشيوع وقت العقد، وتمكنه وقت
القبض.
وإذا صحَّ وقف المشاع عند أبي يوسف، فتجوز المقاسمة فيه، وإنما صحت القسمة مع أن الوقف لا
يصح بيعه، ولا تمليكه؛ لأنها تمييز وإفراز، غاية الأمر أن الغالب في غير المكيل والموزون معنى
المبادلة، إلا أن في الوقف جعلنا الغالب معنى الإفراز؛ نظراً للوقف، فلم تكن بيعاً وتمليكاً.
بدائع الصنائع ج٨ - م٢٦

٤٠٢
كتاب الوقف والصدقة
وعليه فلو وقف أحد الشريكين حصته من أرض جاز، وإذا اقتسماها بعد ذلك فما وقع في نصيب الواقف
=
كان وقفاً، ولا يحتاج إلى إعادة الوقف فيه، وإن وقفه ثانياً كان أحوط، لارتفاع الخلاف حينئذٍ، كما
يرتفع بقضاء القاضي إذا حكم بجوازه.
ولو وقف نصف أرضه مثلاً، وأراد أن يقسم حصة الوقف ويفرزها، جاز له أحد أمرين:
إما أن يرفع الأمر إلى القاضي، فيعين القاضي رجلاً ليقاسمه، أو يبيعه، أي النصف الباقي المملوك، ثم
يقاسم المشتري، ثم يشتريه ثانياً، وليس له أن يقاسم نفسه؛ لأنها مأخوذة من المفاعلة، فتقتضي المشاركة
بین اثنین فما فوقهما.
ولو وقف أحد الشريكين نصيبه من دور وأراض، ثم أراد القسمة، فقسم القاضي، وجمع الوقف في
أرض أو دار واحدة جاز عند أبي يوسف ومحمد، واختاره هلال، كما لو كان لهما داران، وطلبا
القسمة؛ فجمع القاضي نصيب أحدهما في دار، ونصيب الآخر في دار جاز ذلك، فكذا هنا إلا أن ثمة
- أي في الملك - يجوز سواء كان في مصر واحد أو مصرين، وها هنا في الوقف يجمع إذا كانا في مصر
واحد لا مصرين، وعلى قول أبي حنيفة يقسم القاضي كل واحدة على حدة، إلا أنه يرى الصلاح في
الجمع، فحينئذٍ يجمع الوقف كله في أرض أو دار واحدة، فيصير عند جمع القاضي في الحكم، كأن
الشریکین اقتسما بأنفسهما، وذلك جائز.
ولو اقتسم الشريكان وأدخلا في القسمة دراهم معلومة لتحقيق المعادلة بين الحصتين، فإن كان الآخذ
للدراهم هو الواقف لا يصح؛ لأنه يكون بائعاً بعض الوقف، وذلك لا يجوز، إلا إذا شرط لنفسه
الاستبدال، فحينئذٍ يصح، ويلزمه أن يشتري بالدراهم عقاراً ليكون وقفاً، وإن كان الآخذ للدراهم هو
الشريك صح، وكان ما يقابل هذه الدراهم من العقار ملكاً للواقف، والباقي وقفاً، إن كانت حصة الشريك
أقل مساحة من الحصة التي أخذها الواقف، لظهور أن الدراهم التي دفعها الواقف. إنما هي في الزيادة
التي أخذها من حصة الشريك، فإن لم تكن أقل بأن كانت مساوية لها في المساحة أو أكثر منها، ولكن
دفع الواقف الدراهم تحقيقاً للمعادلة بين الحصتين؛ لأن ما أخذه أجود، كانت الحصة كلها وقفاً، ويعتبر
الواقف كأنه اشترى بدراهمه شيئاً من حصة شريكه ووقفه، ولو وقف المالك عشرة أذرع شائعاً من أرض،
فقاسم، فوقع نصيب الوقف أقل من ذلك لجودة الأرض التي وقعت للوقف، أو وقع نصيب الوقف أكثر
لكونها دون القطعة الأخرى في الجودة جاز؛ لأن مثل هذه القسمة تجوز في الملك، فكذا في الوقف إذا
كان فيه صلاح للوقف لتحقيق المعادلة.
ولو أراد الواقفان أن يقتسما ما وقفاه، ليتولى كل واحد على وقفه، ويصرف غلة فيما سمى من الوجوه جاز،
وتجوز المقاسمة مع وكيل الواقف ووصيه، ولو وقف نصف أرضه على جهة معينة، وجعل الولاية عليه لزيد
في حياته، وبعد مماته ثم وقف النصف الآخر على تلك الجهة أو غيرها، وجعل الولاية عليه لعمرو في
حياته وبعد مماته، يجوز لهما أن يقتسماها، ويأخذ كل واحد منهما النصف، فيكون في يده؛ لأنه لما وقف
كل نصف على حدة صارا وقفين، وإن اتحدت الجهة، كما لو كانت لشريكين فوقفاها كذلك.
وإذا قضى قاض بوقف المشاع، ونفذ قضاؤه، وصار متفقاً عليه كسائر المختلفات، وطلب بعضهم
القسمة، فعند الإمام أبي حنيفة لا يقسم ويتهايؤون، وعندهما يقسم إذا كان بين الواقف والمالك،
وأجمعوا أن الكل لو كان موقوفاً على الأرباب، فأرادوا القسمة لا يقسم، بل يتهايؤون.
=

٤٠٣
كتاب الوقف والصدقة
فصل في حكم الوقف المباشر وما يتصل به
وأما حكم الوقف الجائز وما يتصل به، فالوقف إذا جاز على اختلاف العلماء في ذلك،
فحكمه أنه يزول الموقوف عن ملك الواقف، ولا يدخل في ملك الموقوف عليه، لكنه ينتفع
بغلته بالتصدق عليه؛ لأن الوقف حبس الأصل وتصدق بالفرع، والحبس لا يوجب ملك
المحبوس كالرهن، والواجب أن يبدأ بصرف الفرع إلى مصالح الوقف من عمارتِهِ، وإصلاح ما
وهى من بنائه وسائر مؤناته التي لا بد منها، سواء شرط ذلك الواقف أو لم يشرط؛ لأن الوقف
صدقة جارية في سبيل الله تعالى، ولا تجري إلا بهذا الطريق، ولو وقف داره على سكنى ولده
فالعمارة على من له السكنى؛ لأن المنفعة له فكانت المؤنة عليه؛ لقوله - عليه الصلاة
والسلام -: ((الخَرَاجِ بِالضَّمَانِ)) كالعبد الموصي بخدمته أن نفقته على الموصى له بالخدمة لما
قلنا؛ كذا هذا، فإن امتنع من العمارة ولم يقدر عليهما؛ بأن كان فقيرًا آخرها القاضي وعمرها
بالأجرة؛ لأن استبقاءه الوقف واجب، ولا يبقى إلا بالعمارة، فإذا امتنع عن ذلك أو عجز عنه
ناب القاضي منابه في استبقائه بالإجارة؛ كالعبد والدابة إذا امتنع صاحبها عن الإنفاق عليها،
أنفق القاضي عليها بالإجارة؛ كذا هذا.
وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج إليه، وإن
استغنى عنه أمسكه إلى وقت الحاجة إلى عمارته، فيصرفه فيها، ولا يجوز أن يصرفه إلى
والتهايؤ هو التناوب في العين الموقوفة، وذلك كما إذا كانت أرض موقوفة بين جماعة فتراضوا على أن
=
كل واحد منهم يأخذ له من الأرض الموقوفة. قطعة معينة يزرعها لنفسه هذه السنة، ثم في السنة الأخرى
يأخذ كل منهم قطعة غيرها، فذلك سائغ، ولكنه ليس بلازم، فلهم إبطاله، وليس ذلك في الحقيقة
بقسمة، إذ القسمة الحقيقية أن يختص ببعض من العين الموقوفة على الدوام، وهذا المعنى في التناوب
والتهايؤ نقله ابن عابدين - رحمه الله - عن فتاوى ابن الشلبي، ثم قال: ((ومقتضاه أنه ليس استدامة هذه
القسمة، بل يجب عليهم نقضها أو استبدال الأماكن بعضها ببعض، إذ لو استديمت صارت من القسمة
الممنوعة بالإجماع؛ لتأديتها في طول الزمان إلى دعوى الملكية، أو دعوى كل منهم، أو بعضهم أن ما
في يده موقوف عليه بعينه، ولا يخفى ما في ذلك من الضرر، ثم إن الشرط في جواز قسمة التهايؤ هو
رضى الجميع، فإذا لم يرض واحد منهم لا يصار إليها، وإذا أبى واحد منهم بعد ذلك، له إبطال القسمة،
وإن رضي بها من قبل؛ لأنها ليست بلازمةً، ولأولاده المستحقين للوقف من بعده نقض القسمة التي
ارتضاها والدهم إن أرادوا ذلك.
وكذلك إذا قسم ولي الصغير المستحق في الوقف نصيبه فيه مع متوليه، ثم بلغ الصغير رشده رد القسمة
إن أراد.
وأما ما ذكره في ((الفتح) نقلاً عن الخصاف من قوله: ((وأجمعوا أن الكل لو كان وقفاً على الأرباب،
وأرادوا القسمة لا تجوز، وكذا التهايؤ)) فمحمول على قسمة التملك جبراً، وهذا التوفيق نقله ابن عابدين
- رحمه الله - عن الخير. الرملي والله سبحانه وتعالى أعلم. ينظر الأوقاف لشيخنا حنف.

٤٠٤
كتاب الوقف والصدقة
مستحقي الوقف؛ لأن حقهم في المنفعة والغلة لا في العين، بل هي حق الله - تعالى - على
الخلوص.
ولو جعل داره مسجدًا فخرب جواز المسجد، أو استغنى عنه، لا يعود إلى ملكه ويكون
مسجدًا أبدًا عند أبي يوسف، وعند محمد يعود إلى ملكه.
وجه قول محمد أنه أزال ملكه بوجه مخصوص، وهو التقرب إلى الله تعالى - بمكان
يصلي فيه الناس، فإذا استغنى عنه فقد فات غرضه منه، فيعود إلى ملكه؛ كما لو كفن ميتاً ثم
أكله سبع وبقي الكفن، يعود إلى ملكه، كذا هذا.
ولأبي يوسف أنه لما جعله مسجداً فقد حرره وجعله خالصًا لله - تعالى - على الإطلاق،
وصح ذلك، فلا يحتمل العود إلى ملكه كالإعتاق؛ بخلاف تكفين الميت لأنه ما حرر الكفن
وإنما دفع حاجة الميت به، وهو ستر عورته، وقد استغنى عنه، فيعود ملكًا له.
وقوله أزال ملكه بوجه وقع الاستغناء عنه، قلنا: ممنوعٌ؛ فإن المجتازين يصلون فيه،
وكذا احتمال عود العمارة قائم وجهة القربة قد صحت بيقين، فلا تبطل باحتمال عدم حصول
المقصود.
ولو وقف دارًا أو أرضًا على مسجد معين.
قال بعضهم هو على الاختلاف على قول أبي يوسف يجوز، وعلى قول محمد لا
يجوز؛ بِنَاءً على أن المسجد عند أبي يوسف لا يصير ميراثًا بالخراب، وعند محمد يصير
ميراثاً .
وقال أبو بكر الأعمش: ينبغي أن يجوز بالاتفاق.
وقال أبو بكر الإسكاف: ينبغي أن لا يجوز بالاتفاق. (١)
(١) قد اختص المسجد بأحكام تخالف أحكام مطلق الوقف عند علماء الحنفية الثلاثة رحمهم الله، فعند الإمام
أبي حنيفة لا يشترط في زوال ملك الواقف عن المسجد حكم الحاكم، ولا الإيصاء به، والفرق له
- رحمه الله - بين المسجد وغيره أن لفظ الوقف لا ينبىء عن الخروج عن الملك، بل إبقاء الملك
والتصدق بالمنفعة، إذ معنى ((وقفت)) حبست العين على ملكي، وتصدقت بالمنفعة، والمنفعة معدومة،
والتصدق بالمعدوم لا يصح إلا في الوصية، فيجب تعليقه بالموت، ليكون وصية به، أو حكم الحاكم في
موضعٍ الاجتهاد، ليخرج عن ملكه إلى غير مالك؛ بخلاف المسجد، فإن قوله: ((جعلت أرضي مسجداً)
ليس منبئا عن إبقاء الملك ليحتاج إلى القضاء بزواله.
وعند محمد - رحمه الله - لا يشترط فيه التسليم إلى المتولي، وذلك لأن الوقف غير المسجد، اشترط فيه
التسليم إلى المتولي؛ ليتحقق التسليم إلى من أخرج إليه، وهو الله سبحانه وتعالى، ولا يتحقق ذلك إلا =

٤٠٥
كتاب الوقف والصدقة
في ضمن التسليم إلى العبد الذي تعود منفعة الوقف إليه، غير أن المتولي يقام مقامهم في القبض، ومقام
=
الواقف في إقبال الغلة لهم في العادة فتعين التسليم إلى المتولي، ولم تجر العادة في المسجد بذلك، إذ
ليس له غلة يستحقها الناس؛ فلا يشترط التسليم إلى المتولي.
وعند أبي يوسف - رحمه الله - لا يجوز مشاعاً، لتعلق حق العبد به، والمساجد لله، يجب أن تتحرر لله،
وتخلص عن شائبة حق العبد.
ثم اختلفوا فيما يزول به ملك الواقف عن المسجد، فعند أبي حنيفة ومحمد لا يزول إلا بإقراره عن ملكه
بطريقه، والصلاة فيه بإذنه.
أما الإفراز فإنه لا يخلص لله تعالى، إلا به؛ لأنه ما دام حق العبد متعلقاً به لم يتحرر لله .
وأما الصلاة فيه بإذنه فإنه لا بد من التسليم عند أبي حنيفة ومحمد، لكن لا يتعين المتولي، فلا منافاة بينه
وبين ما ذكر آنفاً، من عدم اشتراط التسليم إلى المتولي، وبالصلاة فيه يتحقق المقصود منه، فيقام مقام
التسليم، أو الشرط تسليم نوعه، وهو في المسجد بالصلاة فيه.
ثم يكتفي بصلاة الواحد في رواية عن أبي حنيفة ومحمد؛ لأن قبض الجنس متعذر، فيشترط أدناه وهو
الواحد، وعلى هذه الرواية اختلفوا لو صلى الواقف بنفسه وحده، والصحيح أنه لا يكفي؛ لأن الصلاة
إنما تشترط لأجل القبض للعامة، وقبضه من نفسه لا يكفي، فكذا صلاته.
وفي رواية أخرى عنهما وهي الصحيحة؛ أنه يشترط الصلاة بجماعة بأذان وإقامة، حتى لو كانت بغير أذان
وإقامة لا يصير مسجداً، وذلك لأن الجماعة هي المقصود من المسجد، لا مطلق الصلاة، فإنها تتحقق
في غير المسجد؛ فكان تحقق المقصود منه بصلاة الجماعة.
ولو جعل الواقف له واحداً مؤذناً وإماماً، فأذن وأقام وصلى وحده، صار مسجداً اتفاقاً، لأن الصلاة على
هذا الوجه كالجماعة، ولهذا قالوا: ((يكره بعد صلاة المؤذن هذه أن تعاد الجماعة لمن يأتي بعده على هذا
الوجه عند البعض)).
ولو سلم المسجد إلى متول نصبه ليقوم بمصالحة صح، وإن لم يصل فيه أحد، وفيه اختلاف المشايخ،
والوجه الصحة؛ لأن المسجد قد يكون له خادم يكنس، ويغلق الباب، ونحوه من المصالح، ويتسليمه
إلى المتولي ترتفع يده عنه، فيحصل تمام التسليم إلى الله تعالى.
وعند أبي يوسف - رحمه الله - يزول ملكه بما سبق عنهما، وبقوله: ((جعله مسجداً؛ لأن التسليم عنده
ليس بشرط؛ لأنه إسقاط لملك العبد، فيصير خالصاً لله تعالى بسقوط حق العبد، وصار كالإعتاق، وإذا
صار مسجداً على اختلافهم زال ملكه عنه، فلا يجوز له بيعه، ولا الرجوع فيه، ولا يورث عنه؛ لأنه
تجرد عن حق العبد، وصار خالصاً لله، وهذا لأن الأشياء كلها لله تعالى، وإذا أسقط العبد ما ثبت له من
الحق رجع إلى أصله، فانقطع تصرفه عنه، ولقوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله﴾ ولا رجوع فيما صار لله
تعالى كالصدقة .
ولو جعل مسجداً تحته سرداب، أو جعل فوقه بيت، وكل من السرداب والبيت ليس لمصالح المسجد،
وعزله عن ملكه، وجعل بابه إلى الطريق، لا يصير مسجداً، فله بيعه، ويورث عنه؛ لأنه لم يخلص لله؛
لبقاء حق العبد فيه، والمسجد لا يكون إلا خالصاً لله، ومع بقاء حق العبد في أسفله، أو في أعلاه لا
يتحقق الخلوص كله لله، أما إذا كان السفل مسجداً فلأن لصاحب العلو حقاً في السفل، حتى لا يكون =

٤٠٦
كتاب الوقف والصدقة
لصاحب السفل أن يحدث فيه شيئاً من غير رضى صاحب العلو، كنقب كوة أو غيرها، وأما إذا كان العلو
=
مسجداً فلأن أرض العلو ملك لصاحب السفل، وليس له من التصرفات شيء من غير رضى صاحب
السفل كالبناء وغيره، بخلاف ما إذا كان السرداب أو البيت موقوفاً لمصالح المسجد، فإنه يجوز، إذ لا
ملك فيه لأحد، بل هو من تتميم مصالح المسجد، فصار كسرداب مسجد بيت المقدس.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه أجاز أن يكون الأسفل مسجداً والأعلى ملكاً؛ لأن الأسفل أصل، وهو
يتأبد، ولم يجز عكسه، وعن محمد عكسه؛ لأن المسجد مُعَظّم، ولا تعظيم إذا كان فوقه مستغل أو
مسکن .
وعن أبي يوسف أنه أجاز الوجهين حين قدم بغداد، ورأى ضيق الأماكن.
وکذا روي عن محمد حین قدم «الري)).
ولو اتخذ وسط داره مسجداً، وأذن للناس بالدخول فيه، لا يصير مسجداً أيضاً، فله بيعه، ويورث عنه،
وذلك لأن ملكه محيط بجوانبه الأربع؛ فكان له حق المنع من الدخول فيه، والمسجد من شرطه، ألا
يكون لأحد فيه حق المنع؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ الله أنْ يَذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ولأنه لم
يفرزه حيث أبقى الطريق لنفسه، فلم يخلص لله تعالى، حتى لو عزل بابه إلى الطريق الأعظم صار
مسجداً.
وعن الصاحبين أنه يصير مسجداً، وإن لم يعزل بابه إلى الطريق، لأنه لما رضي بكونه مسجداً، ولا
مسجد إلا بطريق، دخل فيه الطريق ضرورة، كما يدخل في الإجارة من غير ذكر، باعتبار أنه لا يمكنه
الانتفاع إلا بالطريق، والانتفاع هو المقصود منها.
رجل له ساحة لا بناء فيها، فأمر قوماً أن يصلوا فيها بسرعة قالوا: إن أمرهم بالصلاة فيها أبداً، أو أمرهم
بالصلاة بجماعة ولم يذكر الأبد، إلا أنه أراد الأبد، ثم مات لا يكون ميراثاً عنه، وإن أمرهم بالصلاة
شهراً، أو سنة، ثم مات يورث عنه؛ لأنه لا بد من التأبيد، والتوقيت ينافيه.
قال الكمال رحمه الله: ((ومقتضى هذا ألا يصير مسجداً، فيما إذا أطلق؛ إلا إذا اعترفت الورثة بأنه أراد
الأبد، فإن نیته لا تعلم، فلا یحکم علیھم بمنع إرثهم بما لم يثبت اهـ.
ولو اتّخذ رجل مصلى لصلاة الجنازة، أو لصلاة العيد، هل يكون لها المسجد؟ اختلف المشايخ فيه: قال
بعضهم: ((يكون مسجداً، حتى إذا مات لا يورث عنه».
وقال بعضهم: ((ما اتخذ لصلاة الجنازة فهو مسجد، ولا يورث عنه، وما اتخذ لصلاة العيد لا يكون
مسجداً مطلقاً، وإنما يعطى له حكم المسجد في صحة الاقتداء بالإمام، وإن كان منفصلاً عن الصفوف،
وفیما سوى ذلك فليس له حكم المسجد.
وقال بعضهم: له حكم المسجد حال أداء الصلاة لا غير، وهو والجبانة سواء، ويجنب هذا المكان عما
تجنب عنه المساجد احتياطاً .
وهل يشترط أن تكون أرض المسجد ملكاً للباني أو لا يشترط؟ ذكر في ((البحر)) أن مفاد كلام الحاوي
اشتراط كون أرض المسجد ملكاً للباني، لكنه ذكر الطرسوسي جوازه على الأرض المستأجرة، أخذاً من
جواز وقف البناء، ولا يكون المسجد بيت شعر، كما في الخيرية. اهـ من حاشية ابن عابدين.
=
ولو ضاق المسجد، وبجنبه أرض وقف عليه، أو حانوت، جاز أن يؤخذ، ويدخل فيه بإذن القاضي.

٤٠٧
كتاب الوقف والصدقة
٠٠
ولو كان بجنبه أرض لرجل، تؤخذ أرضه بالقيمة كرهاً؛ لما روي عن الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم
=
لما ضاق المسجد الحرام أخذوا أرضين بكره من أصحابها بالقيمة، وزادوا في المسجد الحرام، ولو كان
طريقاً للعامة أدخل بعضه، بشرط ألا يضر بالطريق.
وهل يجعل شيء من المسجد طريقاً؟ قال في ((الفتح)): وفي كتاب ((الكراهية)) من الخلاصة عن الفقيه أبي
جعفر عن هشام عن محمد أنه يجوز أن يجعل شيء من الطريق مسجداً، أو يجعل شيء من المسجد
طريقاً للعامة اهـ. يعني إذا احتاجوا لذلك، ولأهل المسجد أن يجعلوا الرحبة مسجداً، وكذا على القلب،
ويحولوا الباب، أو يحدثوا له باباً آخر، ولو اختلفوا ينظر أيهم أكثر ولاية له ذلك، ولهم أن يهدموه،
ويجددوه، وليس لمن ليس من أهل المحلة ذلك وكذا لهم أن يضعوا الحباب، ويعلقوا القناديل، ويفرشوا
الحصر، كل ذلك من مال أنفسهم، وأما من مال الوقف فلا يفعل غير المتولي إلا بإذن القاضي.
الكل من الخلاصة إلا أن قوله: ((وعلى القلب)) يقتضي جعل المسجد رحبة، وفيه نظر، وقد ذكر المصنف
في علامة النون من كتاب ((التجنيس)) قيم المسجد إذا أراد أن يبني حوانيت في المسجد، أو في فنائه، لا
يجوز له أن يفعل؛ لأنه إذا جعل المسجد سكناً تسقط حرمة المسجد، وأما الفناء فلأنه تبع للمسجد اهـ.
ولو كان طريق العامة واسعاً، فبنى فيه أهل المحلة مسجداً للعامة، وهو لا يضر بالمارة، قالوا: ((لا بأس
به»، وهو مروي عن أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - لأن الطريق للعامة، والمسجد لهم أيضاً، وليس
لأهل المحلة أن يدخلوا شيئاً من الطريق في دورهم، ولو لم يضر بالمارة.
ولو خرب المسجد حتى لا يصلى فيه، أو خُرب ما حوله، واستغنى عنه، يبقى مسجداً على حاله وهو
قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وعند محمد يعود إلى ملك الواقف لو كان حيّاً، وإلى ورثته إن كان
ميتاً، وإن لم يعرف بانيه، ولا ورثته، كان لهم بيعه، والاستعانة بثمنه في بناء مسجد آخر.
وهذا الخلاف مبني على ما تقدم من اشتراط التسليم في المسجد وعدمه، فعند محمد يشترط التسليم
بالصلاة فيه بالجماعة ابتداءً فكذا إبقاءً، فإذا ترك الناس الصلاة فيه بجماعة، يخرج من أن يكون مسجداً،
وعند أبي يوسف لا يشترط التسليم المذكور ابتداءً فكذا بقاء، فإن ترك الناس الصلاة فيه لا يخرج عن أن
يكون مسجداً.
وجه قول أبي يوسف أنه بعد تحقق سبب سقوط الملك فيه لا يعود إلى ملكه كالإعتاق، كما لا يعود إذا
زال إلى مالك من أهل الدنيا إلا بسبب يوجب تجدد الملك، فما لم يتحقق لم يعد.
ووجه قول محمد أنه عينه لقربة، وقد انقطعت، فينقطع هو أيضاً، فصار كالكفن إذا أخرج يرجع إلى ملك
صاحبه، بأن كفن ميتاً فافترسه سبع، عاد الكفن إلى ملك صاحبه، وكهدي الإحصار إذا زال الإحصار
فأدرك الحج، کان له أن يصنع بهدیه ما يشاء.
وأجيب عنه بأن الهدي لم يزل ملكه عنه قبل الذبح، والكفن باق على ملكه، وإنما أباح به الانتفاع على
ملكه، وقد استغنى المستعير فيعود إلى المعير، ولا كذلك المسجد، حيث زال ملكه عنه بشرطه، ولأنه
ما جعله مسجداً ليصلي فيه أهل تلك المحلة لا غير، بل يصلي فيه العامة مطلقاً، أهل تلك المحلة
وغيرهم.
وعلى هذا الخلاف حصير المسجد وحشيشه إذا استغنى عنهما يرجع إلى مالكه عند محمد، وعند أبي
يوسف ينتقل إلى مسجد آخر، وعلى هذا الخلاف الرباط والبئر إذا لم ينتفع بهما.
=

٤٠٨
كتاب الوقف والصدقة
فصل
وأما الصدقة: إذا قال: داري هذه في المساكين صدقة، وتصدق بثمنها، وإن تصدق
بعينها، جاز لأن الناذر بالنذر يتقرب إلى الله - تعالى - بالمنذور به، ومعنى القربة يحصل
بالتصدق بثمن الدار.
ولو تَصَدَّقَ بعين الدار جاز؛ لأنه أدى المنصوص عليه، ولو قال: داري هذه صدقة
موقوفة على المساكين، تصدق بالسكنى والغلة عند أبي حنيفة؛ لأن المنذور به صدقة موقوفة،
والوقف حبس الأصل وتصدق الفرع؛ ولو قال مالي في المساكين صدقة، تصدق بكلٌ مال
تجب فيه الزكاة استحسانًا، والقياسُ أن يتصدق بالكلِّ؛ لأن اسم المال ينطلق على الكل.
وجه الاستحسان أن إيجاب العبد معتبرٌ بإيجاب الله تعالى، ثم إيجاب الصدقة المتعلقة
باسم الله من الله تعالى في قوله - تعالى -: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةَ﴾ [التوبة: ١٠٣] ونحو ذلك
تصرف إلى بعض الأموال دون الكلِّ؛ فكذا إيجاب العبد.
ولو قال: ما أملكه فهو صدقة، تصدق بجميع ماله، ويقال له: امسك قدر ما تنفقه على
نفسك وعيالك إلى أن تكتسب مالاً، فإذا اكتسب مالاً تصدقت بمثل ما أمسكت لنفسك؛ لأنه
أضاف الصدقة إلى المملوك وجميع ماله مملوك له، فيتصدق بالجميع، إلا أنه يُقَال له: امسك
قدر النفقة، لأنه لو تصدق بالكل على غيره لاحتاج إلى أن يتصدق غيره عليه، وقد قال عليه
الصلاة والسلام: ((أَبْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ))، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
ثم لا بأس بأن يترك سراج المسجد فيه من المغرب إلى وقت العشاء، ولا يجوز أن يترك فيه كل الليل إلا
=
في موضع جرت العادة فيه بذلك، كمسجد بيت المقدس، ومسجد النبي ◌ّ والمسجد الحرام، أو شرط
الواقف - تركه فيه كل الليل، ويجوز الدرس بسراج المسجد إن كان موضوعاً فيه للصلاة، وإلا بأن فرغ
القوم من الصلاة، وذهبوا إلى بيوتهم؛ وبقي السراج فيه، قالوا: ((لا بأس بأن يدرس بنوره إلى ثلث
الليل؛ لأنهم لو أخروا الصلاة إلى ثلث الليل لا بأس به، فلا يبطل حقه بتعجيلهم، وفيما زاد على ثلث
اللیل لیس لهم تأخیرها، فلا یکون له حق الدرس).
ينظر الأوقاف لشيخنا حنف.

كِتَابُ الدَّعوى(١)
الكلامُ في هذا الكتاب يَقَعُ في مواضع :
(١) هي قول مقبول يقصد به الإنسان إيجاب حق له على غيره سواء كان ذلك حال المنازعة أو لا وتقول
العرب ادعى كذا ادعاء زعم أنه له حقاً وباطلاً والاسم منه الدعوى والجمع دعاوى بالفتح ودعاوي بالكسر
وهو الراجح عند سيبويه عند الإضافة إلى الضمير وغلب الكسر في دعوى النسب والفتح في المأدبة واسم
المدعي يتناول في العرف من لا حجة له ولا يتناول من له حجة ولذا يقال لمسيلمة الكذاب مدعي النبوة
ولا يقال ذلك بالنسبة للنبي ◌ّطو لأن نبوته ثبتت بالمعجزة فالمطالب بحقه قبل قيام حجة يسمى مدعياً
وبعدها يسمى محقاً.
((تعريف الدعوى في الاصطلاح هي قول مقبول عند القاضي يقصد به الإنسان طلب حق قبل غيره أو دفعه
عن حق نفسه والمراد بالقول أن تكون الدعوى باللسان فهي تصح بالكتابة إلا عند العجز عن القول.
فإذا كان عاجزاً عن القول فكتب الدعوى في صحيفة جاز وإلاّ لا كذا في خزانة المفتي والأخرص تقوم
إشارته المعهودة مقام القول إن كان عاجزاً عن الكتابة فإن لم يكن عاجزاً عن الكتابة فقيل تقبل إشارته
واستظهر هذا القول في الأشباه وقيل لا تقبل وهو مختار الكمال بن الهمام وهو الظاهر.
لأن الفرض من القول والكتابة والإشارة الإبانة عما في نفس المتكلم ولا شك أن الكتابة أدل على المراد
من الإشارة فكما لا تصح الدعوى بالكتابة إلا عند العجز عن القول كذلك لا تصح بالإشارة إلا عند
العجز عن الكتابة فإن القول أدل على المقصود من الكتابة والكتابة أدل عليه من الإشارة ...
ولا يجوز الانتقال من الأعلى إلى الأدنى إلا لضرورة وقيد القول بالمقبول لتخرج الدعوى الفاسدة وهي التي
لم تستوف الشرائط والأركان وقيد القول بما يقصد به طلب حق له قبل غيره لتخرج الشهادة والإقرار فإن
الشهادة أخبار بحق لغيره على غيره والإقرار إخبار بحق لغيره على نفسه وقوله أو دفعه عن حق نفسه أي دفع
الخصم وبه شمل التعريف دعوى دفع التعرض. وإنما نحتاج لهذا القيد إذا أردنا من الحق في التعريف
الوجودي فقط. وأما إذا أردنا منه ما يعم الوجودي والعدمي فلا حاجة إليه ومثال دعوى رفع التعرض أن
تدعي المرأة أن فلاناً بعد أن تزوجها بعقد نكاح صحيح شرعي طلقها ثلاثاً فصار لا حق له في إمساكها ولكنه
يحاول إمساكها بغير حق فهي تطلب منع لقرضه لها لأن عصمتها عادت إليها وصارت خلصة لها.
وسببها المحافظة على تحصيل الحقوق التي يترتب عليها بقاء النوع الإنساني أو شخص المدعي ممن
تعدى عليها فمثال ما يترتب عليه بقاء النوع النكاح وما يترتب عليه بقاء الشخص الأموال بجميع أنواعها
وما يرتبط بها .
انظر: تبيين الحقائق ٢٩٠/٤، فتح القدير ١٥٢/٨، تكملة حاشية ابن عابدين ٢٨٣/١، مغني المحتاج
٤٦١/٤، والشرح الصغير ٦٩٣/٢ والكافي ٩٢١/٢، الإشراف ٣٥١/٢.
٤٠٩

٤١٠
کتاب الدعوى
في بیان ركن الدعوى.
وفي بيان شرائط الركن.
وفي بيان حد المدعي والمدعى عليه.
وفي بيان حكم الدعوى وما يتصل به.
وفي بيان حجة المدعي والمدعى عليه.
وفي بيان علائق اليمين.
وفي بيان ما تندفع به الخصومة عن المدعى عليه، ويخرج عن كونه خصمًا.
وفي بيان حكم تعارض الدعوتين مع تعارض البينتين وحكم تعارض الدعوى لا غير.
وفي بيان حكم الملك والحق الثابت في المحل.
أما ركن الدعوى (١)، فهو قول الرجل: لي على فلان أو قِبَلَ فلان كذا، أو قضيت حق
فلان، أو أبرأني عن حقه؛ ونحو ذلك؛ فإذا قال ذلك فقد تم الركن(٢).
(١) أما ركنها فهو إضافة الحق إلى نفسه إن كان أصيلاً كأن يقول على فلان لي كذا أو إلى من هو نائب عنه إن
كان وكيلاً كأن يقول هذه العين لموكلي فلان ولا بد أن يكون ذلك حال المنازعة لأن الدعوى الشرعية لا
تتحقق إلا بالمنازعة وإذا جعلنا ماهية الدعوى مركبة من إضافة الحق إلى النفس ومن القول المقبول وكونه
في مجلس القاضي تصير الأركان حينئذٍ ثلاثة هي القول المقبول وإضافة الحق بالنفس ومجلس القاضي
وإن جعلنا عند القاضي شرطاً كانت الأركان ثنتين هما القول المقبول والإضافة إلى النفس وإن اعتبرنا
القول وسيلة فقط كان الركن واحداً وهو إضافة الحق إلى النفس حال المنازعة كذا في الهندية.
(٢) حكمها وجوب الجواب على الخصم بنعم أو بلا لأن قطع الخصومة والمنازعات واجب ولا يمكن قطع
الخصومة والمنازعات إلا بالجواب ويستحضر القاضي المدعى عليه بمجرد دعوى المدعى إن كان في
المصر أو قريباً منه بحيث يحضر إليه ويمكنه المبيت في بيته وإلا بأن لم يمكنه الرجوع إلى بيته يحلف
القاضي المدعي فإن نكل أخرجه من المجلس وإن حلف أمر بإحضار خصمه وقيل يكلف المدعي بإقامة
بينة على صحة دعواه وليس بلازم حينئذٍ أن تكون البينة عدولاً فإنها للأشخاص لا للقضاء كذا في شرح
أدب القاضي للخصاف وإذا حضر المدعي ووجب عليه الجواب فلا يخلو إما أن يقر أو ينكر أو يسكت
فإن أقر أمره القاضي بالدفع للمدعي لظهور صدق دعواه وإن أنكر فإن كان للمدعي بينة أقامها وإن لم تكن
له بينة وطلب يمين المدعى عليه يجاب إلى ذلك ثم إن المدعى لو قال لا بينة لي ثم أتى ببينة هل تقبل
منه أو لا روايتان عن أبي حنيفة فرواية الحسن رضي الله عنه أنها تقبل ورواية محمد رضي الله عنه أنها لا
تقبل وجه رواية الحسن أن من الجائز أن تكون له بينة لم يعلمها المدعي بأن أقر المدعى عليه أمام تلك
البينة وهو لا يعلم بها ثم علم بعد ذلك بهذه البينة فأمكن التوفيق فلا يكون الإتيان بعد ذلك بالبينة رجوعاً =

٤١١
کتاب الدعوى
فصل في الشرائط المصححة للدعوى
وأما الشرائط المصححة للدعوى فأنواعٌ: منها عقل المدعي والمدعى عليه، فلا تصح
دعوى المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ وكذا لا تصح الدعوى عليهما؛ حتى لا يلزم الجواب
ولا تسمع البينة؛ لأنهما مبنيان على الدعوى الصحيحة(١).
ومنها أن يكون المدعي معلومًا لتعذر الشهادة والقضاء بالمجهول، والعلم بالمدعي إنما
يحصل بأحد أمرين: إما الإشارة، وإما التسمية.
وجملة الكلام فيه أن المدعي لا يخلو: إما أن يكون عينًا، وَإما أن يكون دينًا، فإن كان
عينًا فلا يخلو: إما إن كان محتملاً للنقل، أو لم يكن محتملاً للنقل، فَإن كان محتملاً للنقل
فلا بد من إحضاره لتمكن الإشارة إليه عند الدعوى والشهادة، فيصير معلومًا بها إلا إذا تعذر
نقله كحجر الرحى ونحوه، فإن شاء القاضي استحضره، وإن شاء/ بعث إليه أميناً، وَإن لم
فتقبل ووجه قول محمد أن قول المدعي لا بينة لي إقرار على نفسه والإنسان أمين في حق نفسه فلا يتهم
=
في الإقرار عليها فالإتيان بالبينة بعد ذلك رجوع فلا يصح وإن سكت اعتبر منكر لأن الجواب إما إقرار أو
إنكار ولا بد أن يحمل السكوت على أحدهما ولا يتأتى حمله على الإقرار وذلك لأن العاقل المتدين لا
يسكت عن إظهار الحق المستحق لغيره مع قدرته عليه وقد يسكت عن إظهار الحق لنفسه مع قدرته عليه
فكان حمل السكوت على الإنكار أولى فكان السكوت إنكاراً دلالة ولو لم يسكت المدعى عليه ولم يقر
بل قال لا أنكر ولا أقر وأصر على ذلك اختلف فيه المشايخ فقال بعضهم هو إنكار وقال بعضهم هو إقرار
وحمله على الإقرار أولى وأظهر لأن قوله لا أنكر ولا أقر إخبار عن السكوت عن الجواب وإعراض عنه
والسكوت عن الجواب إنكار كما حقق. ينظر الدعوى لشيخنا عبد الحميد الدسوقي.
(١) وأما الصبي المميز فإن كان مأذوناً له في الخصومة فدعواه وجوابه صحيح وإلا فلا لأن الخصومة من
التصرفات التي يصح فيها الإذن دون الإجازة صيانة للقضاء عن البطلان ولذا لا تصح دعوى الفضول ولا
يعتبر جوابه .
وإذا عقل الصبي أو أفاق المجنون كان كل منهما أهلاً للخصومة بشرط الإذن للصبي بالخصومة ممن له
الولاية عليه وفي تحليف الصبي المأذون خلاف فقيل يحلف وقيل لا والصحيح أنه يحلف ويقضى عليه
بنکوله.
وإذا دعي على الصبي المحجور عليه والمجنون فقيل يشترط حضورهما في مجلس القاضي وقيل لا
والذي جرى عليه صاحب التكملة، نقلاً عن الفصول العمادية وحاشية الحموي عن الأشباه أنه إذا لم يكن
للمدعي بينة فليس له إحضار الصغير المحجور عليه ولا المجنون إلى مجلس القضاء لأنه لو حلف فنكل
لا يقضى عليه بنكوله لأن النكول بذل أو إقرار وهما ليسا من أهله فلا فائدة إذن في توجيه اليمين إلى
أحدهما وإذا كان للمدعي بينة وهو يدعي عليه الاستهلاك أو الغصب فله إحضاره لكن يشير إليه الشهود
عند الشهادة والصبي والمجنون كلاهما مؤاخذ بأفعاله دون أقواله. ينظر الدعوى لشيخنا عبد الحميد
الدسوقي .

٤١٢
کتاب الدعوى
يكن محتملاً للنقل وهو العقار، فلا بد من بيان حده ليكون معلومًا؛ / لأن العقار لا يصير
معلومًا إلا بالتحديد، ثم لا خلاف في أنه لا يكتفي فيه بذكر حد واحد؛ وكذا بذكر حدين عند
أبي حنيفة ومحمد؛ خلافًا لأبي يوسف.
وَهَلْ تَقَعُ الكفاية بذكر ثلاثة حدود؟ قال علماؤنا الثلاثة رضي الله عنهم: نعم، وقال
زفر - رضي الله عنه -: لا، وهي مسألة ((كتاب الشروط))؛ وكذا لا بد من بيان موضع المحدود
وبلده ليصير معلومًا .
هذا إذا كان المدعي عينًا، فإن كان دينًا فلا بد من بيان جنسه ونوعه وقدره وصفته؛ لأن
الدين لا يصير معلومًا إلا ببيان هذه الأشياء.
ومنها: أن يذكر المدعي في دعوى العقار أنه في يد المدعى عليه؛ لأن الدعوى لا بد
وأن تكون على خصم، والمدعى عليه إنما يصير خصمًا إذا كان بيده، فلا بد وَأن يذكر أنه في
يده ليصير خصمًا، فإذا ذكر وأنكر المدعى عليه ولا بينة للمدعي؛ فإنه يحلف من غير الحاجة
إلى إقامة البينة من المدعي على أنه في يد المدعى عليه، ولو كان له بينة لا تسمع حتى يقيم
البينة على أنه في يد هذا المدعى عليه، ووجه الفرق أن من الجائز أن يكون صاحب اليد غيره
واصطلحا على ذلك، فلو سمع القاضي بينته، لكان قضاء على الغائب، وهذا المعنى هنا
متعذرٌ؛ لأنه لا قضاء هنا أصلاً؛ لأن المدعى عليه لا يخلو إما أن يحلف، وإما أن ينكل؛ فإن
خلف فالأمر فيه ظاهر، وإن نكل فكذا؛ لأن القاضي لا يقضي بشيء؛ وإنما يأمره بأن يخرج
من الدار ويخلي بينها وبين المدعي.
ومنها: أن يذكر أنه يطالبه به؛ لأن حق الإنسان إنما يجب إيفاؤه بطلبه.
ومنها: أن يكون بلسانه عينًا إذا لم يكن به عذر إلا إذا رضي المدعى عليه بلسان غيره
عند أبي حنيفة، وعندهما ليس بشرط حتى لو وكل المدعي بالخصومة من غير عذرٍ، ولم
يرض به المدعى عليه، لا تصح دعواه عنده؛ حتى لا يلزم الجواب ولا تسمع منه البينة،
وعندهما تصح حتى يلزم وتسمع؛ لما علم في ((كتاب الوكالة)).
ومنها: مجلس الحكم، فلا تسمع الدعوى إلا بين يدي القاضي كما لا تسمع الشهادة إلا
بین یدیه .
ومنها: حضرة الخصم، فلا تسمع الدعوى والبينة إلا على خصم حاضر إلا إذا التمس
المدعي بذلك كتابًا حكميًا للقضاء به، فيجيبه القاضي إليه، فيكتب إلى القاضي الذي الغائب
في بلده بما سمعه من الدعوى والشهادة ليقضي عليه، وهذا عندنا.
وعند الشافعي - رحمه الله - حضرة المدعى عليه ليست بشرطٍ لسماع الدعوى والبينة
والقضاء، فيجوز القضاء على الغائب عنده، وعندنا لا يجوز.

٤١٣
کتاب الدعوى
وجه قول الشافعي - رحمه الله - أنه ظهر صدق المدعي في دعواه على الغائب بالبينة،
فيجوز القضاء ببينته قياسًا على الحاضرة، ولالة الوصف أن دعوى المدعي وإن كان خبرًا
يحتمل الصدق، والكذب لكن يرجح جانب صدقه على جانب الكذب في خبره بالبينة، فيظهر
صدقه في دعواه؛ كما إذا كان المدعى عليه حاضرًا يحققه أن المدعى عليه لا يخلو إما أن يكون
مقرًّا، وإما أن يكون منكرًا، فإن كان مقرًّا فكان المدعي صادقًا في دعواه، فلا حاجة إلى
القضاء، وإن كان منكرًا فظهر صدقه بالبينة، فكان القضاء بالبينة قضاء بحجة مظهرة للحق،
فجاز.
ولنا ما روي عَنْ رسولِ الله - وَّ - أنه قال لسيدنا علي - رضي الله عنه -: ((لاَ تَقْضٍ
لِأَحَدِ الخَصْمَينِ مَا لَمْ تَسْمَعْ كَلاَمَ الآخِرِ)»(١)؛ نهَاهُ عليه الصلاة والسلام عن القضاء لأحد
الخصمين قبل سماع كلام الآخر، والقضاء بالحق للمدعي حال غيبة المدعى عليه قضاء لأحد
الخصمين قبل سماع كلام الآخر فكان منهيًّا عنه؛ ولأن القاضي مأمور بالقضاء بالحق، قال
الله - تبارك وتعالى، جلَّ شأنه -: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ، فَأَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ
بِالحَقِ﴾ .
وقال عليه الصلاة والسلام لعمرو بن العاص: ((اقْضِ بَيْنَ هَذَيْنٍ، قَالَ اقْضِي وَأَنْتَ حَاضِرٌ
بَيْنَنَا، فقال عليه الصلاةُ والسلامُ: ((اقْضِ بَيْنَهُمَا بِالحَقْ)) (٢) والحق اسم للكائن الثابت، ولا
ثبوت مع احتمال العدم، واحتمال العدم ثابت في البينة لاحتمال الكذب، فلم يكن الحكم
بالبيئة حكمًا بالحق، فكان ينبغي أن لا يجوز الحكم بها أصلاً، إلا أنها جعلت حجة لضرورة
(١) أخرجه أبو داود (١١/٤) كتاب الأقضية: باب كيف القضاء حديث (٣٥٨٢) والترمذي (٦١٨/٣) كتاب
الأحكام: باب القاضي لا يقضي بين الخصمين حديث (١٣٣١) وابن ماجه (٧٧٤/٢) كتاب الأحكام:
باب ذكر القضاة حديث (٢٣١٠) وأبو يعلى (٢٥٢/١) رقم (٢٩٣) وأحمد (٨٨/١، ١٥٦) والطيالسي
(٢٨٦/١ - منحة) رقم (١٤٤٩، ١٤٥٠) وابن حبان (٢٢٠٨ - موارد) والحاكم (٩٣/٤) كتاب الأحكام
والبيهقي (١٠/ ١٤٠) كتاب آداب القاضي: باب لا يقبل القاضي شهادة الشاهد إلا بمحضر من الخصم،
من طرق عن علي وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وصححه ابن حبان.
(٢) رواه الدارقطني في سننه (٢٠٣/٤) كتاب الأقضية والأحكام وغير ذلك الحديث (١).
حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن مبشر نا أحمد بن سنان القطان نا يزيد بن هارون عن فرج بن فضالة
عن محمد بن عبد الأعلى بن عدي عن أبيه عن عبد الله بن عمرو.
وفيه قال علي ما أقضي قال: ((إن اجتهدت فأصبت لك عشرة أجور وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر
واحد» .
رواه أيضاً بنحوه أحمد في المسند (١٨٧/٢) «قال الهيثمي في المجمع (١٩٨/٤): ((رواه أحمد والطبراني
في الكبير وفيه من لم أعرفه» اهـ.

٤١٤
کتاب الدعوى
فصل الخصومات والمنازعات، ولم يظهر حالة الغيبة، وقد خرج الجواب عن كلامه (١).
ثم إنما لا يجوز القضاء عندنا على الغائب إذا لم يكن عنه خصم حاضر، فإن كان
يجوز؛ لأنه يكون قضاء على الحاضر حقيقة ومعنى، والخصم الحاضر والوكيل والوصي
والوارث وَمَنْ كان بينه وبين الغائب اتصال فيما وقع فيه الدعوى؛ لأن الوكيل والوصي نائبان
عنه بصريح النيابة، والوارث نائب عنه شرعًا، وحضرة النائب كحضرة/ المنوب عنه، فلا
يكون قضاء على الغائب معنى.
وكذا إذا كان بين الحاضر والغائب اتصال فيما وقع فيه الدعوى؛ بأن كان ذلك سببًا
لثبوت حق الغائب؛ لأن الحاضر يصير مدعى عليه فيما هو حقه، ومن ضرورة ثبوت حقه
ثبوت حق الغائب، فكان الكل حق الحاضر(٢)؛ لأن كُلَّ ما كان من ضرورات الشيء كان
ملحقاً به، فيكون قضاء على الحاضر حتى أن مَن ادَّعَى على آخر أنه أخوه ولم يدع ميراثًا ولا
نفقة لا تسمع دعواه؛ لأنه دعوى على الغائب؛ لأنه يريد إثبات نسبه من أب المدعى عليه
وأمه، وهما غائبان وليس عنهما خصم حاضرٌ؛ لأنه لم توجد الإنابة ولا حق يقضي به على
الوارث ليكون ثبوت النسب من الغائب من ضروراته تبعًا له، فلا تسمع دعواه أصلاً.
ولو ادعى عليه ميراثًا أو نفقة عند الحاجة، تسمع دعواه وتقبل بينته؛ لأنه دعوى حق
مستحق على الحاضر وهو المال، ولا يمكنه إثباته إلا بإثبات نسبه من الغائب، فينصب خصمًا
عن الغائب ضرورة ثبوت الحق المستحق تبعًا له؛ ولهذا لو أقر بالنسب من غير دعوى المال لا
يصح إقراره، بخلاف ما لو ادعى على رجل أنه أبوه أو ابنه أنه يصح من غير دعوى المال
الحاضر؛ لأنه ليس فيه حمل نسب الغير على الغير، فكان دعوى على الحاضر؛ ألا ترى أنه لو
أقر به يصح إقراره بخلاف الإقرار بالأخوة.
(١) القضاء على الغائب فوق مسافة القصر قد تنوعت أراء الفقهاء في ذلك ففريق يرى عدم الجواز وبه قال
شریح وابن أبي ليلى والثوري ورواية عن أحمد.
وفريق آخر يرى الجواز وهم الشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية واستدل المجيزون بقول الله تعالى:
﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق﴾.
وبحديث هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان أنها أتت رسول الله وَّ ر قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل
شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت من ماله سراً، فهل علي في ذلك من حرج؟ فقال لها:
((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) وهذا قضاء منه على غائب، لأن أبا سفيان لم يحضر.
وأدلة المجيزين أقوى يؤيدها نصوص كثيرة، ولأن الحنفية القائلين بمنعه قد أجازوا القضاء عليه في صور
منها اتصاله بحق حاضر.
ينظر أدب القضاء (١٥٩/١).
(٢) في ب: للحاضر.

٤١٥
کتاب الدعوى
وعلى هذا تخرج المسائل الخمسة وتوابعها على ما نذكرها في موضعها إن شاء الله
تعالی.
ومنها: عدم التناقض في الدعوى، وهو أن لا يسبق منه ما يناقض دعواه؛ لاستحالة
وجود الشيء مع ما يناقضه وينافيه، حتى لو أقر بعين في يده لرجل، فأمر القاضي بدفعها إليه،
ثم ادعى أنه كان اشتراها منه قبل ذلك، لا تسمع دعواه/ لأن إقراره بالمالك لغيره للحال يمنع
الشراء منه قبل ذلك؛ لأن الشراء يوجب الملك للمشتري، فكان مناقضًا للإقرار، والإقرار
يناقضه، فلا يصح.
وكذا لو لم يقر ونكل عن اليمين، فقضى عليه بنكوله، ثم ادعى أنه كان اشتراه منه قبل
ذلك، لا تسمع دعواه، ولا تقبل بينته في ظاهر الرواية؛ لأن النكول بمنزلة الإقرار.
وروي عن أبي يوسف أنه تسمع دعواه وتقبل بينته، هذا إذا ادعى أنه اشتراه منه/ قبل أ
الإقرار والنكول، فأما إذا ادعى أنه اشتراه منه بعد ذلك، تسمع دعواه بلا خلافٍ؛ لأن الإقرار
بالملك لفلان لا يمنع الشراء منه بعد ذلك؛ لانعدام التناقض لاختلاف الزمان.
وَلَوْ قال: هذا لفلان اشتريته منه، تسمع منه، موصولاً، قال ذلك أو مفصولاً؛ لأنه لم
يسبق منه ما يناقض الدعوى، بل سبق منه ما يقررها؛ لأن سابقة الملك لفلان شرط تحقق
الشراء منه .
ولو قال: هذا العبد لفلان اشتريته منه، موصولاً، فالقياس أن لا تصح دعواه، وفي
الاستحسان تصح، ولو قال ذلك مفصولاً لا تصح؛ قياساً واستحساناً.
وجه القياس أن قوله ((هو لفلان)) إقرار منه بكونه ملكاً لفلان في الحال، فهذا يناقض
دعوى الشراء؛ لأن الشراء يوجب كونه ملكاً للمشتري، فلا يصح كما إذا قال مفصولاً .
وجه الاستحسان أن قوله هو لفلان اشتريته منه موصولاً معناه في متعارف الناس
وعاداتهم أنه كان لفلان فاشتريته منه، قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَليلٌ
مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٢٦] أي: إذ كنتم قليلاً إذ لم يكونوا قليلاً وقت نزول الآية
الشريفة، فيحمل عليه تصحيحاً له، ولا عادة جرت بذلك في المفصول، فحمل على حقيقته
وهو بحقيقته مناقضة، فلا تسمع.
هذا إذا بين أنه اشتراه قبل الإقرار، فإن بين أنه اشتراه بعده تسمع دعواه؛ لانعدام
التناقض على ما بينا؛ وكذلك لو لم يبين وادعى الشراء مبهماً بثمن معلوم، تسمع؛ لأنه لما لم
يذكر الوقت يحمل على الحال تصحيحاً له.

٤١٦
کتاب الدعوى
هذا إذا قال: هذا الشيء لفلان، ولم يقل: لا حق لي فيه، فإن قال: لا حق لي فيه، ثم
ادعى الشراء بعد ذلك، لا تسمع دعواه؛ لأن قوله ((لا حق لي فيه)) لتأكيد البراءة، إلا إذا تبين
أنه اشتراه بعد الإقرار، فتسمع لما قلنا.
ولو ادعى على رجل ديناً فقال المدعى عليه، لم يكن لك علي شيء قط، فأقام المدعي
البينة وقضى القاضي بذلك، ثم أقام المدعى عليه البينة أنه كان قد قضاه إياه، تسمع دعواه،
وتقبل بينته؛ لجواز أنه لم يكن عليه شيء، وإنما قضاه إياه لدفع الدعوى الباطلة.
ولو قال: لم يَكُنْ لك عليَّ شيءٍ ولا أعرفك، فأقام المدعي البينة، وقضى القاضي
بينته، ثم أقام المدعى عليه البينة أنه كان قضاه، لا تسمع دعواه، ولا تقبل بينته؛ لأن قوله ((لا
أعرفك)) يناقض/ دعوى القضاء؛ لأن الظاهر أنه لا يقضي إلا بعد معرفته إياه، فكان في دعوى
القضاء مناقضاً، فلا تسمع.
وَلَوِ ادَّعَى على رجل أنه اشترى منه عبداً بعينه، والعبد في يد البائع، فأنكر البائع البيع،
فأقام المشتري البينة وقضى القاضي به، ثم وجد به عيباً فأراد أن يرده على البائع، فأقام البائع
البينة على أن المشتري كان أبرأه عن كلٌ عيبٍ، لم تسمع دعواه، ولا تقبل بينته؛ لأن إنكار
البيع يناقض دعوى الإبراء عن العيب؛ لأن الإبراء يقتضي وجود البيع، فكان مناقضاً في دعوى
الإبراء، فلا تسمع، وعلى هذا مسائل:
والأصل في هذا الباب أنه إذا سبق من المدعي ما يناقض دعواه يمنع صحة الدعوى، إلا
في النسب والعتق، فإن التناقض فيهما غير معتبرٍ؛ بأن قال لمجهول النسب: هو ابني من الزنا،
ثم قال: هو ابني من النكاح، تسمع دعواه؛ وكذا مجهول النسب إذا أقر بالرق لرجل، ثم
ادعى أنه حُرُّ الأصل، تسمع دعواه حتى تقبل بينته؛ لأن بيان النسب مبني على أمر خفي، وهو
العلوق منه؛ إذ هو مما يغلب خفاؤه على الناس، فالتناقض في مثله غير معتبر؛ كما إذا
اختلعت امرأة / زوجها على مال، ثم ادعت أنه كان طلقها ثلاثاً قبل الخلع، وأقامت البينة على
على ذلك، تسمع دعواها، وتقبل بينتها لما قلنا؛ كذا هذا؛ وكذا الرق والحرية.
ومنها: أن يكون المدعي مما يحتمل الثبوت؛ لأن دعوى ما يستحيل وجوده حقيقة أو
عادة تكون دعوى كاذبة، حتى لو قال لمن لا يولد مثله لمثله: هذا ابني لا تسمع دعواه،
لاستحالة أن يكون الأكبر سنًّا ابناً لمن هو أصغر سنًّا منه؛ وكذا إذا قال لمعروف النسب من
الغير: هذا ابني، والله - تعالى - أعلم.
فصل في بيان حد المدعي والمدعى عليه
وأما بيان حد المدعى والمدعى عليه، فقد اختلف عبارات المشايخ في تحديدهما، قال بعضهم
المدعي من إذا ترك الخصومة لا يجبر عليها، والمدعى عليه من إذا ترك الجواب يجبر عليه .

٤١٧
کتاب الدعوى
وقال بعضهم المدعي مَنْ يلتمس قبل غيره لنفسه عيناً أو ديناً أو حقًّا، والمدعى عليه من
يدفع ذلك عن نفسه.
وقال بعضُهم: ينظر إلى المتخاصمين أيهما كان منكراً فالآخر يكون مدعياً.
وقال بعضهم: المدعي مَنْ يخبر عما في يد غيره لنفسه، والمدعى عليه من يخبر عما في
يد نفسه لنفسه .
فينفصلان بذلك عن الشاهد، والمقر والشاهد مَنْ يخبر عما في يد/ غيره لغيرِهِ، والمقر
من يخبر عما في يد نفسه لغيره.
فصل في بيان حكم الدعوى
وأما بيان حكم الدعوى وما يتصل به (١)، فحكمها وجوب الجواب على المدعى عليه؛
لأن قطع الخصومة والمنازعة واجب، ولا يمكن القطع إلا بالجواب، فكان واجباً، وهل يسأله
القاضي الجواب قبل طلب المدعي؟ ذكر في أدب القاضي أنه يسأله، وذكر في الزيادات أنه لا
يسأله ما لم يقل المدعي أسأله عن دعواي، وعلى هذا إذا تقدم الخصمان إلى القاضي، هل
يسأل المدعي عن دعواه؟ في أدب القاضي أنه يسأله، وفي الزيادات أنه لا يسأله، ويعرف ذلك
في (كتاب أدب القاضي))، وسيأتي.
وَإذا وجب الجواب على المدعى عليه، فإما إن أقر أو سكت أو أنكر، فإن أقر يؤمر
بالدفع إلى المدعي لظهور صدق دعواه، وإن أنكر فإن كان للمدعي بينة أقامها، ولو قال: لا
بينة لي ثم جاء بالبيئة، هل تقبل؟ روى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنها تقبل،
وعن محمد أنها لا تقبل.
وَجْهُ قول محمد أن قوله لا بينة لي إقرار على نفسه، والإنسان لا يتهم في إقراره على
نفسه، فالإتيان بالبينة بعد ذلك رجوع عما أقر به، فلا يصح.
وجه رواية الحسن عن أبي حنيفة أن من الجائز أن تكون له بينة لم يعلمها المدعي؛ بأن
أقر المدعى عليه بين يدي هؤلاء وهو لا يعلم به، ثم علم بعد ذلك بها، فأمكن التوفيق، فلا
يكون الإتيان بالبينة بعد ذلك رجوعاً، فتقبل، وإن لم يكن له بينة وطلب يمين المدعى عليه،
يحلف فيما يحتمل التحليف، فإن سكت عن الجواب يأتي حكمه، إن شاء الله - تعالى - في
الفصل الذي يليه .
(١) في ب: بها.
بدائع الصنائع ج٨ - ٢٧٣

٤١٨
کتاب الدعوى
فصل في حجة المدعي والمدعى عليه
وأما [بيان](١) حجة المدعي والمدعى عليه، فالبينة حجة المدعي، واليمين حجة المدعى
عليه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((البَيْنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى المُذَّعَى عَلَيْهِ))(٢) جَعَلَ
عليه الصلاة والسلام البيئةَ حجة المدعي، واليمينَ حجةَ المدعى عليه.
والمعقول كذلك؛ لأن المدعي يدعي أمراً خفيًّا فيحتاج إلى إظهاره، وللبيئة قوة
الإظهار؛ لأنها كلام من ليس بخصم، فجعلت حجة المدعي، واليمين وإن كانت مؤكدة بذكر
اسم الله - عزَّ وجلَّ - لكنها كلام الخصم، فلا تصلح حجة مظهرة للحق، وتصلح حجة
ب المدعى عليه؛ لأنه متمسك بالظاهر، وهو ظاهر اليد/، فحاجته إلى استمرار حكم الظاهر،
واليمين وإن كانت كلام الخصم فهي كاف للاستمرار، فكان جعل البينة حجة المدعي، وجعل
اليمين حجة المدعى عليه وضع الشيء في موضعه وهو حد الحكمة.
وَعَلَى هذا يخرج القضاء بشاهد واحد ويمين من المدعي أنه لا يجوز عندنا؛ خلافاً
الشافعي - رحمه الله -(٣).
(٢) تقدم.
(١) سقط في ط.
(٣) اختلف الفقهاء في الحكم بشاهد واحد مع يمين المدعي.
فذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وشريح والفقهاء السبعة إلى جواز
الحكم بشاهد؟ ويمين في الأموال خاصة. ورُوِيّ هذا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله
عنهم -.
وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والأوزاعي، والشّغْبيَّ، والنخعي، وزيد بن علي، وابن شبرمة، والإمام
يحيى إلى عدم جواز الحكم بشاهد ويمين. وقال محمد بن الحسن من قضى بشاهد ويمين نقضت
حكمه. وقال الحكم: القضاء بشاهد ويمين بدعة وأول من حكم به معاوية.
استدل المجوزون بما يأتي: عن سيف بن سليمان عن قيس بن سعدٍ عن عمرو بن دينار عن ابن عباس
- رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ◌َ* قضى بيمين وشاهد. رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.
وفي رواية لأحمد إنما كان ذلك في الأموال.
عن جعفر بن محمد عن أبيه عن أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه. أن النبي ◌َِّ. قضى بشهادة
شاهد واحد ويمين صاحب الحق، وقضى به أمير المؤمنين علي بالعراق. رواه أحمد والدار قطني. وذكره
الترمذي.
عن ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. قال قضى رسول الله وَ لّر باليمين مع الشاهد
الواحد. رواه ابن ماجه والترمذي. وأبو داود. قال عبد العزيز الداروردي فذكرت ذلك لسهيل. فقال
أخبرني ربيعة، وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه. قال عبد العزيز كان أصاب سهيلاً علة أذهبت
بعض عقله، ونسي بعض حديثه. فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه.
واحتج المانعون بما يأتي: بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ =

٤١٩
كتاب الدعوى
وَأَمْرَأْتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِن الشُّهَدَاءِ﴾. الآية. وجه الاستدلال أن الآية قد انتظمت شيئين من أمر الشهود.
=
أحدهما العدد والآخر الصفة، وهي العدالة المأخوذة من قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.
وحيث إنه لم يجز إسقاط العدالة والاقتصار على ما دونها، لم يجز إسقاط العدد؛ لأن الآية مقتضية
استيفاء الأمرين في تنفيذ الحكم بها؛ فغير جائز إسقاط واحد منهما.
وأيضاً، فلما أراد الله الاحتياط في إجازة شهادة النساء، أوجب شهادة المرأتين؛ وقال: ((أَنْ تَضِلَّ إحدَاهُمَا
فَتُذكِّر إِحْدَاهُمَا الْأَخْرَى)). فلو أجيز الحكم بشاهد ويمين، لما كان هناك حاجة؛ لأن تذكر إحدى المرأتين
الأخرى - إذا ما ضلت، لأن الشاهد وحده مع اليمين كاف، ثم قوله تعالى: ﴿ذَلَّكُمْ أَقْسَطَ عِنْدَ الله وأقْوَمُ
لِلشَّهَادَةِ وأذنَى ألاَّ تَرْتَابُوا﴾ ينفي قبول الشاهد واليمين، لما فيه من الحكم بغير ما أمر الله من الاحتياط،
والاستظهار، ونفي الريبة والشك، وفي قبول يمين الطالب أعظم الريب والشك وأكبر التهمة؛ وذلك
خلاف مقتضى الآية.
وأيضاً، لو قبلت شهادة شاهد واحد مع يمين الطالب، لكان زيادةً على ما جاء به القرآن، والزيادةُ نسخ،
وأخبار الآحاد لا تنسخ المتواتر.
بما روي عن ابن عباس أن النبي ﴿ قضى باليمين على المدعى عليه، وأخرجه الطبراني من رواية سفيان
عن نافع عن ابن عمر بلفظ ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) وأخرجه البيهقيُّ من طريق
عبد الله بن إدريس عن ابن جريج وعثمان بن الأسود عن أبي مُلَيْكَة. قال: كنت قاضياً لابن الزبير على
الطائف، فذكر قصة المرأتين اللتين ادعت إحداهما على الأخرى أنها جرحتها، فكتبت إلى ابن عباس،
فكتب إليَّ أنَّ رسول اللّهِوَ لَّ قال: ((لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَىْ رِجَالْ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلْكِنِ
البَيْنَةُ عَلَى مَنِ آدَّعِى وَاليَمِينُ عَلَى مِنْ أَنْكَرَ)) بدل قول النبي ◌َّـ البينة على من ادَّعىّ، واليمينُ على من
أنكر على التفريق بين البيئة واليمين، وغير جائز أن تكون اليمين بينة؛ إذ لو جاز، لكان بمنزلة قول القائل
((البينة على المدعي، والبينة على المدعى عليه))، وحيث إنَّ اليمين خلافُ البينة. وقد قسم النبي ◌َّلـ
- بين الخصمين فجعل على المُدَّعي البينة، وعلى المنكر اليمين؛ فلا يجوز الحكم بشاهد ويمين؛ لأن
القسمة تنافي الشركة .
وأيضاً جعل النبي ◌َّير جنس البينة على المدعي، وجنس الأيمان على المنكر. وحينئذٍ تكون جميع أفراد
البينة على المدعين، وجميع أفراد اليمين على المنكرين. فلو حلف المدعي مع الشاهد كان مخالفاً
للنص.
وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((لو أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَغْوَاهُمْ ... الخ)) يدل على بطلان القول بالشاهد
واليمين. إذا إنَّ اليمين هي دعواه، لأن مخبرها ومخبر دعواه واحد فلو استحق بيمينه كان مستحقاً
بدعواه. وقد منع النبي ◌َظهر ... ذلك.
بما روي عن علقمة بن حجر عن أبيه في الحضرمي الذي خاصم الكندي في أرض ادَّعَاهَا في يده وجحد
الكندي. فقال النبي ◌َّ للحضرمي: ((شَاهِدَاكَ أوْ يَمِينِهِ لَيْسَ لَكَ إلاَّ ذَلِكَ)) نفى النبي ◌َّ - أنْ يستحق
شيئاً بغير شاهدين، وأخبر أنه لا شيء له غير ذلك.
ويرد على أدلة المجوزين ما يأتي: يرد على حديث ابن عباس أنَّ سيف بن سليمان ضعيف. ثم إن
الطحاوي أعلَّ هذا الحديث بأنه لا يعلم قيساً يحدث عن عمرو بن دينار. وقال الترمذي في العلل. سألت
محمداً يعني البخاري عن هذا الحديث؟ فقال: ((لم يسمعه عندي عمرو من ابن عباس)).
==

٤٢٠
كتاب الدعوى
قال البَيْهَقِيُّ في حديث جعفر رَوَى إبراهيم بن أبي هنيد عن جعفر عن أبيه عن جابر رفعه. أتاني جبريل
=
وأمرني أن أقضي باليمين مع الشاهد وإبراهيم ضعيف جداً رواه ابن عدي، وابن حبان في ترجمته. وقيل:
إنَّه أخطأ فيه فذكر فيه جابراً. وإنَّما هو عن أبي جعفر محمد بن علي عن النبي بَّرِ.
يرد على حديث أبي هريرة، أن سهيلاً: أنكر أنه حدث به ربيعة، ومثل هذا الحديث لا يثبت به شريعة مع
إنكار من روى عنه إيَّاهُ وفقد معرفته به. ولكن الحافظ في ((الفتح)) قال: في هذا الحديث رجاله مدنيون
ثقات ولا يضر أن سهيل بن أبي صالح نسيه بعد أن حدث به ربيعة، لأنه كان بعد ذلك يرويه عن ربيعة
عن نفسه .
هذا ما ورد على سند هذه الأحاديث ثم هي بعد يحتمل أن يكون المعنى قضى تارة بشاهد يعني بجنسه،
وتارة بيمين فلا دلالة فيها على الجمع بينهما. ولئن سلم أن هذه الأحاديث تقتضي الجمع فليس فيها ما
يدل على أن اليمين هو يمين المُدَّعي. بل يجوز أن يكون المراد يمين المدعى عليه. ويحتمل أن يكون
الحكم بشاهد ويمين فيمن اشترى جارية وأدَّعى عيباً في موضع لا يجوز النظر إليه إلا لعذر؟ فتقبل شهادة
الشاهد الواحد في وجود العيب، ويستحلف المشتري مع ذلك بالله ما رضي به، فيكون قد قضى بالرد
على البائع بشهادة شاهد مع يمين الطالب، وهو المشتري وورد على أدلة المانعين ما يأتي.
يرد على الاستدلال بالآية. أن دلالتها على عدم جواز الحكم بشاهد ويمين إنَّما هي بالمفهوم، والمانعون
لا يقولون به فضلاً عن مفهوم العدد.
ويرد على قولهم إن الزيادة نسخ، وأخبار الآحاد لا تنسخ المتواتر. أن النسخ رفع الحكم ولا رفع هنا،
لأن الذي ثبت بالأخبار حكم سكت عنه الكتاب فبينة السنة، وأيضاً فإنَّ الناسخ والمنسوخ لا بد أن يتواردا
على محل واحد، وهذا غير متحقق في الزيادة على النص، ثم لو كانت كل زيادة نسخاً للزم على
المانعين أن يبيحوا: الجمع بين البنت، وعمتها، لأن التحريم زيادة على النص. ((وأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ
ذَلِكُم))، ولكنهم لا يقولون بإباحة الجمع، وحيث كان كذلك علم أن السنة الصحيحة، إذا أثبتت حكماً
سكت عنه الكتاب، وجب قبوله. وعلم أنه ليس بنسخ إذ ليس في السنن الصحيحة ما يخالف كتاب الله.
قال ابن الْقَيِّم في ((الطرق الحكمية)): والذي يجب على كل مسلم اعتقاده أنَّهُ ليس في سنن رسول الله.
الصحيحة سنة واحدة تخالف كتاب الله. بل السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل.
المنزلة الأولى: سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهدت به الكتب المنزلة.
المنزلة الثانية: سنة تفسر الكتاب، وتبين مراد الله منه وتقيد مطلقة.
المنزلة الثالثة: سنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب فتبينه بياناً مبتدأ، ولا يجوز رد واحدة من هذه
الأقسام الثلاثة، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة .
ويرد على قولهم إذا كان يكتفي بشهادة شاهد، ويمين المدعي ما كان هناك حاجة، لأنه تذكر إحدى
المرأتين الأخرى. أن الحاجة إلى إذكار إحداهما الأخرى، إنَّما هو فيما إذا شهدتا، فأما إذا لم تشهدا
قامت مقامهما يمين الطالب ببيان السنة الثابتة.
ويرد على الاستدلال بالحديث البينة على من ادعى. أن الحكمة التي من أجلها جعلت البينة على المدعي
واليمين على المنكر أن جانب المدعي ضعيف، لأنه يقول خلاف الظاهر. فكلف الحجة القوية، وهي
البينة: لأنها لا تجلب لنفسها نفعاً، ولا تدفع عنها ضرراً. فيقوي بها ضعف المدعي. وجانب المدعى =