النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كتاب العارية
حنينًا، فقال: ((هَلْ عنْدَكَ شَيْءٌ مِنَ السِّلاَحِ؟ فقال: عَارِيَّةً أَوْ غَصْبًا؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصلاة والسلام:
((عَارِيَّةً، فأعاره ولم يذكر فيه الضمان، والحادثة حادثة واحدة مرة واحدة، فلا يكون الثابت إلا
إحداهما، فتعارضت الروايتان، فسقط الاحتجاج، مع ما أنه إن ثبت فيحتمل ضمان الرد، وبه
نقول، فلا يحمل على ضمان الغير مع الاحتمال، يؤيد ما قلنا ما روي عن رسول الله - دوليه -
أنه قال: ((العَارِيَّةُ مُؤَدَّاً» .
فصل فيما يوجب تغير حالها
وأما بيان ما يوجب تغير حالها فالذي يغير حال المستعار من الأمانة إلى الضمان ما هو
المغير حال الوديعة، وهو الإتلاف حقيقة أو معنى؛ بالمنع بعد الطلب، أو بعد انقضاء المدة،
وبترك الحفظ، وبالخلاف؛ حتى لو حبس العارية بعد انقضاء المدة أو بعد الطلب قبل انقضاء
المدة يضمن؛ لأنه واجب الرد في هاتين الحالتين؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - «العارِيَّةُ
مُؤَدَّاةٌ)، وقوله عليه الصلاة والسلام -: عَلَى اليَدِ ما أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ)) ولأن حكم العقد انتهى
بانقضاء المدة أو الطلب، فصارت العين في يده كالمغصوب، والمغصوب مضمون الرد حال
قيامه، ومضمون القيمة حال هلاكه.
ولو ردَّ العارية مع عبده، أو ابنه، أو بعض من في عياله، أو مع عبد المعير، أو ردها
بنفسه إلى منزل المالك، وجعلها فيه - لا يضمن استحسانًا، والقياس أن يضمن كما في
الوديعة، وقد ذكرنا/ الفرق بينهما في ((كتاب الوديعة)).
وكذا إذا ترك الحفظ حتى ضاعت، وكذا إذا خالف، إلا أن في باب الوديعة إذا خالف
ثم عاد إلى الوفاق يبرأ عن الضمان عند أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم -، وهنا لا يبرأ، وقد
تقدم الفرق في ((كتاب الوديعة)).
ولو تصرف المستعير وادعى أن المالك قد أذن له بذلك وجحد المالك، فالقول قول
المالك حتى يقوم المستعير على ذلك بينة؛ لأن التصرف منه سبب لوجوب الضمان في
الأصل، فدعوى الإذن منه دعوى أمر عارض، فلا تسمع إلا بدليل، والله - سبحانه وتعالى -
أعلم.

كِتَابُ الوَقِفْ وَالصَّدَقَةِ
أما الوقف، فالكلام فيه في مواضع:
في بيان جواز الوقف وكيفيته.
وفي بيان شرائط الجواز.
وفي بيان حكم الوقف الجائز وما يتصل به (١).
(١) إن الله جلّت قدرته، وعلت حكمته، وعمّت رحمته قد أراد النفع لعباده، وأحسن إليهم ببيان سبل
الخيرات، سواء أكان النفع في دنياهم أم في آخرتهم، فشرع لهم الوقف بنوعيه حفظاً لأموالهم التي جعل
الله لهم قياماً، من أن تعبث بها يد السفهاء، فتتوى عزتهم، وتنصرم سعادتهم، وإدامة لعملهم الصالح في
الحياة الدنيا وبعد انتقالهم منها، ليصل ثوابه إليهم دائماً، فضلاً منه وكرماً. يشير إلى ذلك. قول الصادق
المصدوق وله: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية؛ وعلم ينتفع به، وولد صالح
يدعو له))، ولذا ذكر صاحب ((الفتح)) محاسنه بقوله: ومحاسن الوقف ظاهرة، وهي الانتفاع الدَّارُّ الباقي
على طبقات المحبوبين من الذرية والمحتاجين، من الأحياء والموتى، لما فيه من إدامة العمل الصالح،
كما في الحديث المعروف: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية .... )) الحديث.
ويستأنس بما قاله الإمام الدهلوي في كتابه ((حجة الله البالغة)): ومن التبرعات الوقف، وكان أهل الجاهلية
لا يعرفونه فاستنبط النبي ◌ّي لمصالح لا توجد في سائر الصدقات، فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله
مالاً كثيراً ثم يفنى، فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، ويجيء أقوام من الفقراء فيبقون محرومين، فلا
أحسن، ولا أنفع للعامة، من أن يكون شيء حبساً للفقراء، وأبناء السبيل، تصرف عليهم منافعه، ويبقى
أصله على ملك الواقف. وهو قوله ◌َّل﴿ لعمر رضي الله عنه: ((إن شئت حبست أصلها)) وساق الحديث:
اهـ وأما سبيله: فهو إرادة محبوب النفس في الدنيا يبر الأحباب، وفي الآخرة بالثواب، إذا كان بالنية من
أهلها، وهو المسلم العاقل، وذلك لأن الوقف قد يكون مباحاً، والمراد أنه لم يوضع للتعبد به كالصلاة،
والصيام، والزكاة، والحج، والوقف لغة: الحبس، مصدر وقفت أقف: حبست.
قال عنترة :
وَوَقَفْتَ فِيهَا نَاقَتِي فَكّأنَّها فدن لأقضي حاجة المتلوّم
ومنه الموقف؛ لأن الناس يوقفون أي: يحبسون للحساب، وهو أحد ما جاء على ((فعلة ففعل))، يأتي
لازماً ومتعدياً، ويجتمعان في قول القائل: وقفت زيداً، أو الحمار فوقف، وأما أوقفة بالهمز، فلغة
رديئة .
=
٣٨٢

٣٨٣
كتاب الوقف والصدقة
وقال أبو الفتح بن جني: أخبرني أبو علي الفارسي عن أبي بكر عن أبي العباس عن أبي عثمان المازني
=
قال: يقال: وقفت داري وأرضي، ولا يعرف ((أوقفت)) في كلام العرب.
وقال الجوهري: وليس في الكلام أوقفت إلا حرفاً واحداً، ((أوقفت على الأمر الذي كنت عليه)»، ثم
اشتهر المصدر أي الوقف في الموقوف، فقيل: هذه الدار وقف، أي: موقوف، كنسج اليمن بمعنى
منسوج اليمن، ولذا جمع على أفعال فقيل: ((وقف وأوقاف؛ كوقت وأوقات)).
وشرعاً: اختلفت عبارات الكاتبين في تعريفه على مذهب الإمام، فمنهم من جعل التعريف للوقف
المختلف فيه، وهو صاحب ((متن التنوير))، على ما فهمه العلامة ابن عابدين، حيث قال: ((هو حبس العبد
على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة)».
ومثله صاحب الهداية حيث عرفه بقوله: ((وعند أبي حنيفة حبس العبد على ملك الواقف والتصدق
بالمنفعة بمنزلة العارية)».
ومنهم من جعله تعريفاً للوقف اللازم المتفق عليه، وهو العلامة صاحب ((الدر المختار)) شرح تنوير
الأبصار، حيث زاد قيد حكم فيكون التعريف حينئذٍ: ((حبس العين على حكم ملك الواقف والتصدق
بالمنفعة ولو في الجملة)) بناء على ما فهمه العلامة ابن عابدين أيضاً، وعبارته في حاشيته على الدر
المختار هي ((قوله على حكم ملك الواقف)) قدر لفظ حكم تبعاً للأسعاف والشرنبلالية، ليكون تعريفاً
للوقف اللازم المتفق عليه، أما غير اللازم فإنه باق على ملك الواقف حقيقة عنده، ولذا قال القهستاني:
وشرعاً عنده حبس العين، ومنع الرقبة المملوكة بالقول عن تصرف الغير حال كونها مقتصرة على ملك
الواقف، فالرقبة باقية على ملكه في حياته، وملك لورثته بعد وفاته، بحيث يباع ويوهب. ثم قال:
ويشكل بالمسجد فإنه حبس على ملك الله تعالى بالإجماع، اللهم إلا أن يقال: إنه تعريف للوقف
المختلف فيه. اهـ والحاصل أن المصنف عرف الوقف المختلف فيه، والشارح قدر الحكم اختياراً للازم
المتفق عليه، ولكل وجهة هو موليها، لكن جهة الشارح أرجح من حيث إن المصنف قال: ((هو حبس
العين، وذلك لا يناسب تعريف غير اللازم، إذ لا حبس فيه؛ لأنه غير ممنوع عن بيعه ونحوه، بخلاف
اللازم فإنه محبوس حقيقة، وكثيراً ما تخفى رُموز هذا الشارح الفاضل على الناظرين، خصوصاً من هو
مولع.
بالاعتراض عليه فافهم. إلى هنا انتهى كلام العلامة ابن عابدين.
وقد يرى الناظر في كلامه أن زيادة قيد حكم في التعريف لا تعينه تعريفاً للوقف اللازم المتفق عليه،
بدليل أن صاحب الإسعاف الذي ذكر لفظ حكم في التعريف، استدل للإمام بالأدلة الدالة على عدم لزومه
مع ذكر لفظ حكم في التعريف، وقال بعد أن ساق هذه الأدلة: ((والدليل على أنه باق على حكم ملكه
بعد الوقف؛ أنه لو قال: تصدقوا على فلان، فإذا مات فعلى أولاد فلان؛ أنه يفعل كما قال، وأنه يجوز
له الانتفاع به زراعة وسكنى، وأن ولاية التَّصرف إليه، ولهذا عرف على قوله بأنه حبس العين على حكم
ملك الواقف إلى آخره، وقال بعد ذلك في مقابلة مذهب الإمام: ((ولما كان الوقف عندهما إسقاط الملك
لا إلى مالك كالمسجد، عرفوه بأنه حبس العين عن التمليك والتصدق بالمنفعة. اهـ من ((الإسعاف)).
وأيضاً يكون التعريف غير جامع لوقف المسجد؛ لأن المسجد حبس على ملك الله تعالى بالإجماع كما
نقل عن القهستاني، فلا يتعلق به ملك العبد، ولا حكم ملكه، إلا أن يقال: هذا التعريف لوقف غير
المسجد، وتأييده وجهة نظر صاحب (الدر المختار))، على ما فهمه من أنه تعريف للوقف اللازم المتفق =

٣٨٤
كتاب الوقف والصدقة
عليه بقوله: لكن جهة الشارح أرجح من حيث إن المصنف قال: هو حبس العين، وذلك لا يناسب
=
تعريف غير اللازم الخ.
قد يقال فيه: إنه حبس بالقوة، يؤول إلى كونه حبساً بالفعل عند وجود شرطه، ويشهد لذلك ما ساقه هو
(العلامة ابن عابدين) نقلاً عن البحر بقوله: ونظر فيه في البحر بأن سلب الفائدة مطلقاً غير صحيح؛ لأنه
يصح الحكم به، ويحل للفقير أن يأكل منه، وثياب الواقف به ويتبع شرطه، ويصح نصب المتولي عليه،
وهذا البحث الذي في ((البحر)) ورد على بحث صاحب الفتح، وحاصله أنه إذا لم يزل ملكه عنده قبل
الحكم فلفظ ((حبيس)) لا معنى له؛ لأن له التصرف فيه متى شاء، فلم يحدث الوقف إلا مشيئة التصدق
بالمنفعة، وله أن يترك ذلك متى شاء، وهذا القدر كان ثابتاً قبل الوقف، فلم يفد لفظ الوقف شيئاً.
انتھی .
وإذا أريد تعريف الوقف اللازم على مذهب الإمام بعد وجود شرطه، فليكن هو تعريف الوقف للصاحبين،
لثبوت التلازم بين اللزوم والخروج عن الملك، كما نقله العلامة ابن عابدين عن صاحب ((الفتح)) - رحمه
الله - بقوله: لثبوت التلازم بين اللزوم والخروج عن الملك باتفاق وأئمتنا الثلاثة .
وإذا كان الغرض هو بيان حقيقة الوقف على مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وبيانها على مذهب
الصاحبين رحمهما الله، بسوق أدلة كل من الجانبين؛ فالمناسب ذكر تعريف الوقف المختلف فيه،
والظاهر أنه تعريف لغير وقف المسجد، بدليل أن الإمام خالف شرطه فيه، وأن الصاحبين رحمهما الله
استدلا لمذهبهما بالقياس على المسجد، والإمام - رحمه الله تعالى - قد رد عليهما بالفرق بين الوقف
والمسجد، فتعريف الوقف حينئذٍ عنده هو حبس العين على ملك الواقف؛ والتصدق بالمنفعة، ولو في
الجملة، وبزيادة هذا القيد، صار التعريف جامعاً لدخول صورتي الوقف على الوقف على النفس ثم على
الفقراء، والوقف على الأغنياء، ثم على الفقراء فيه؛ والذي زاد هذا القيد هو صاحب ((الدر المختار))،
ووجه صحة هذين الفرعين ودخولهما في التعريف، أن الوقف تصدق ابتداء وانتهاء، إذ لا بد من التصريح
بالتصدق على وجه التأبيد، أو ما يقوم مقامه، كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى - ولكنه إذا جعل أوله
على معينين صار كأنه استثنى ذلك من الدفع إلى الفقراء، كما صرحوا به، ولذا لو وقف على بنيه، ثم
على الفقراء، ولم يوجد إلا ابن واحد، يعطى النصف، والنصف الباقي للفقراء لأن ما بطل على الابن
صار للفقراء؛ لأن الوقف خرج عن ملك الواقف بقوله: ((صدقة موقوفة أبداً فقد ابتدأه بالصدقة وختمه
بها، كما قاله الخصاف، فعلم أن صدقة ابتداء، ولا يخرجه عن ذلك اشتراط صرفه لمعين، ثم هو عند
الإمام بمنزلة العارية، فتصرف منفعته إلى جهة الوقف مع بقاء العين على ملك الواقف، ولو رجع عن
حال حياته جاز مع الكراهة ويورث عنه، ولا يلزم إلا بأحد أمرين.
أما أن يحكم به القاضي، أو يخرجه مخرج الوصية، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وإنما كان بمنزلة
العارية؛ لأنه ليس بعارية حقيقة؛ لأنه إن لم يسلمه إلى غيره، فظاهر أنه ليس بعارية، وإن أخرجه إلى
غيره، فذلك الغير وهو المتولي قد يكون ليس هو المستوفي للمنفعة، فمراد الإمام أنه صحيح كالعارية
لكنه غير لازم.
وإذا علم هذا فقول بعض الناس: إن أبا حنيفة لا يجوز الوقف عنده أخذاً من ظاهر عبارة الأصل، وهو
المبسوط حيث ذكر فيه كان أبو حنيفة لا يجيز الوقف، غير صحيح.
قال صاحب الفتح: ((وإذا لم يزل عند أبي حنيفة قبل الحكم يكون موجب القول المذكور حبس العين =

٣٨٥
كتاب الوقف والصدقة
على ملك الواقف، والتصدق بالمنفعة وحقيقته ليس إلا التصدق بالمنفعة، ولفظ ((حبس)) الخ لا معنى له؛
=
لأن له بيعه متى شاء، وملكه مستمر فيه، كما لو لم يتصدق بمنفعته، فلم يحدث الواقف إلا مشيئة
التصدق بمنفعته، وله أن يترك ذلك متى شاء، وهذا القدر كان ثابتاً له قبل الوقف بلا ذكر لفظ الوقف،
فلم يفد لفظ الوقف شيئاً، وهذا معنى ما ذكر في ((المبسوط)) من قوله: كان أبو حنيفة لا يجيز الوقف،
وحينئذٍ فقول من قال: ((الوقف عند أبي حنيفة لا يجوز" أخذاً من ظاهر لفظ المبسوط صحيح؛ لأنه ظهر
أنه لم يثبت به قبل الحكم حكم لم يكن، وإذا لم يكن له أثر زائد على ما كان قبله كان كالمعدوم،
والجواز، والنفاذ، والصحة فرع اعتبار الوجود، ومعلوم أن قوله: لا يجوز ولا يجيز «ليس المراد التلفظ
بلفظ الوقف، بل لا يجيز الأحكام التي ذكر غيره أنها أحكام ذكر الوقف، فلا خلاف إذن فأبو حنيفة ((لا
يجيز الوقف، أي: لا يثبت الأحكام التي ذكرت له إلا أن يحكم بها حاكم: انتهى.
ونظر فيه في ((البحر)) بأن سلب الفائدة مطلقاً غير صحيح؛ لأنه يصح الحكم به، ويحل للفقير أن يأكل
منه، وثياب الواقف به ويتبع شرطه، ويصح نصب المتولي عليه، وقول من أخذ بظاهر اللفظ غير
صحيح؛ لأنه ظاهره عدم الصحة أصلاً، ولم يقل به أحد وإلا لزم ألا يصح الحكم به انتهى.
قال ابن عابدين رحمه الله مؤيداً نظر صاحب ((البحر)): بل ذكر في الإسعاف أن عنده يكون نذراً بالتصدق،
حيث قال: وحكمه ما ذكر في تعريفه، فلو قال: أرضى هذه صدقة موقوفة مؤبدة جاز لازماً عند عامة
العلماء.
وعند أبي حنيفة يكون نذراً بالصدقة بغلة الأرض ويبقى ملكه على حاله، فإذا مات يورث عنه اهـ. أي:
فيجب عليه التصدق بغلته انتهى كلامه.
وعند الصاحبين رحمهما الله تعالى: هو حبس العين عن التمليك والتصدق بالمنفعة، وهذا التعريف ذكره
صاحب ((الإسعاف)) وعلله بقوله: ولما كان الوقف عندهما إسقاط الملك لا إلى مالك كالمسجد، عرفوه
بأنه حبس إلى آخره، ويمكن أن يزاد قيد، ولو في الجملة، ليكون التعريف جامعاً لصورتي الوقف على
النفس ثم على الفقراء، والوقف على الأغنياء ثم على الفقراء كما زاده صاحب ((الدر المختار)» في التعريف
على مذهب الإمام رحمه الله، وإذا كان الوقف عندهما إسقاط الملك لا إلى مالك، يعني من العباد فيزول
ملك الواقف عنه، ويتمحض ملكاً لله سبحانه وتعالى فيلزم، فلا يباع ولا يوهب ولا يورث، وغير ذلك
من التصرفات الناقلة للملك، ومذهبهما هو الأصح من مذهب الإمام الشافعي، والإمام أحمد رحمهما الله
تعالی.
وقال بعضهم: ((وللشافعي قول آخر))، وهو رواية عن أحمد ينتقل إلى ملك الموقوف عليه إن كان أهلاً
للملك، لامتناع السائبة، والمختار الأول؛ لأنه لو دخل في ملكه لم ينتقل عنه بشرط المالك الذي هو
الواقف؛ لأنه لا ملك له فيه، لكنه ينتقل للإجماع على صحة قوله: ثم من بعد فلان على كذا، والجواب
عن كونه يكون سائبة سيأتي في الأجوبة عن أدلة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وعند مالك هو حبس العين على ملك الواقف، فلا يزول ملكه عنده، لكن لا يباع ولا يورث ولا يوهب،
وذكر بعض الشافعية أن هذا قول آخر للشافعي وأحمد؛ لأنه و # قال: ((حبس الأصل وسيل الثمرة)).
قال الكمال بن الهمام رحمه الله: وهذا أحسن الأقوال، فإن خلاف الأصل، والقياس ثابت في كل من
القولين؛ وهو خروجه لا إلى مالك، وثبوت ملكه أو ملك غيره فيه مع منعه من بيعه وهبته وكل منهما له =
بدائع الصنائع ج٨ - ٢٥٢

٣٨٦
كتاب الوقف والصدقة
نظير في الشرع، فمن الأول المسجد وغيره، ومن الثاني أم الولد يكون الملك فيها باقياً ولا تباع ولا
=
توهب ولا تورث، وكذا المدبر المطلق عندنا، فكل منهما يمكن أن يقع بالدليل، ولا شك أن ملك
الواقف كان متيقن الثبوت، والمعلوم بالوقف من شرطه عدم البيع ونحوه، فليثبت ذلك القدر فقط، ويبقى
الباقي على ما كان حتى يتحقق المزيل، ولم يتحقق؛ فإن الذي في الحديث في بعض الروايات تصدق
بأصله، مع أنه ليس على ظاهره، وإلا لخرج إلى مالك آخر.
ثم رأينا غيره بينه بقوله: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، أي بالثمرة أو الغلة، وظاهره حبسها على
ما كان، فلم يخلص دليل يوجب الخروج عن الملك، وكذا المعنى الذي استدل به، وهو أن الحاجة
ماسة إلى أن يلزم الوقف يفيد لزومه لا غيره، والحاصل أنه ثبت قوله ◌َّلي لعمر تصدق، قوله: حبس
والمفهومان مختلفان؛ لأنه معنى ((تصدق بأصلها)) ملكه الفقير لله سبحانه، ومعنى ((حبس)) أحبسه على ما
كان، ولا يمكن أن يراد بهما إلا معنى أحدهما، وإلا كان ◌َّ مجيباً لعمر رضي الله عنه في حادثة واحدة
بأمرين متنافيين، فإما أن يحمل ((حبس)) على معنى تصدق، والاتفاق على نفيه، إذ لا يقول واحد من
الثلاثة يملك الفقير للعين، فوجب أن يحمل ((تصدق)) على معنى حبس. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله،
فيحبس على الملك شرعاً، وإذا حبس عليه شرعاً امتنع بيعه. انتهى.
ولا شك أن قوله: ((وإذا حبس عليه شرعاً امتنع بيعه)) إنما يناسب مذهب الإمام مالك رحمه الله؛ لأنه إذا
لزم عند الإمام أبي حنيفة بتوفر شرطه يخرج عن الملك، لما نقل الكمال - رحمه الله - من ثبوت التلازم
بين اللزوم والخروج عن الملك باتفاق أئمتنا الثلاثة، كما سبقت الإشارة إليه، وهذا التأييد الذي ساقه
يتناول مذهب الإمام أبي حنيفة أيضاً كما صرح به، لكن استدرك عليه في مكان آخر بقوله: لكن أبا حنيفة
يجعل عدم الخروج ملزوماً لعدم لزومه صدقة أو برّاً، وليس كذلك، بل هما منفكان كما ذكرنا في أم
الولد والمدبر انتهى.
ثم إن الناظر للفظ ((الوقف)) يرى أنه صالح لصدقه عليهما؛ أي يصدق مع كل من زوال الملك وعدمه، إذ
ليس من مقتضيات لفظ ((وقفت داري)) أو ((حبستها)) خروجها عن الملك، فيصدق مع كل منهما،
فالترجيح أي ترجيح الخروج وعدمه بالدليل.
قال في الفتح: ((ولا يخفى أن الأدلة المذكورة من قبلهما إنما يفيد اللزوم لا الخروج عن الملك، ومن
قبله تفيد نفي كل منهما، فلا دليل من الجانبين يفيد تمام المطلوب اهـ.
للإمام أبي حنيفة على عدم لزومه أدلة:
الأول: القياس على العارية، فكما أن المعار يبقى على ملك المعير وللمستعير المنفعة، فكذلك العين
الموقوفة تبقى على ملك الواقف والموقوف عليه يستوفي المنفعة.
الثاني: ما أسنده الطحاوي في شرح ((معاني الآثار)) إلى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:
(سمعت رسول الله ﴿ بعد ما أنزلت سورة النساء نهى عن الحبس))، وروى هذا الحديث الدار قطني،
وفيه عبد الله بن لهيعة عن أخيه وضعفوهما، ورواه ابن أبي شيبة موقوفاً على عليّ حدثنا هشيم عن
إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي. قال: قال علي رضي الله عنه: ((لا حبس عن فرائض الله إلا ما كان
من سلاح أو كراع.
قال الكمال رحمه الله: وينبغي أن يكون لهذا الموقوف حكم المرفوع؛ لأنه بعد أن علم ثبوت الوقف، =

٣٨٧
كتاب الوقف والصدقة
.
ولهذا استثنى الكراع والسلاح لا يقال إلا سماعاً، وألا فلا يحل، والشعبي أدرك علياً، وروايته عنه في
=
البخاري ثابتة .
والجواب عنه: أن الواقف متى صدر منه وقفه، وهو في حال صحته بالغ عاقل. كامل التصرف في ماله،
وهو مالك لما وقفه كان ذلك جائزاً لازماً، كما أن له بالإجماع أن يتصرف في ملكه كيف يشاء ببيع،
وهبة، وصدقة، فله أن يبيع ما يملكه لمن يشاء، وأن يهبه ويسلمه لمن يشاء، وأن يتصدق به على من
يشاء من الفقراء، وإذا تصدق به على الفقراء، فليس له الرجوع بعد ذلك، وهذه التصرفات كلها لا يمكن
أن يقال فيها: إنها حبس عن فرائض الله تعالى، ولا يعد المالك بها فارًّا من فرائض الله تعالى في
المواريث، فالواقف في الصحة وهو يملك ما يقفه كذلك لا حبس في وقفه عن فرائض الله تعالى، وأيضاً
إن فعله قبل أن تكون فرائض الله تعالى، وقبل أن يتعلق حق أصحاب الفرائض بالميراث، فلا يتحقق
الحبس، ولذلك فسر بعضهم حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - وقول علي - رضي الله عنه - بأن
المراد منه لا مال يحبس بعد موت صاحبه عن القسمة بين الورثة، وأوضح منه ما جاء في ((الإسعاف»
جواباً عنه أنه محمول على أنه لا يمنع أصحاب الفروض عن فروضهم التي قدرها الله لهم في سورة النساء
بعد الموت، بدليل نسخها، لما كانوا عليه من حرمانهم الإناث قبل نُزولها، وتوريثهم بالمؤاخاة والموالاة
مع وجودهن.
الثالث: ما روي عن شريح قال: (جاء محمد ببيع الحبيس) رواه ابن أبي شيبة في البيوع حدثنا وكيع وابن
أبي زائدة عن مسعر عن أبي عوف عن شريح قال: (جاء محمد ببيع الحبيس) وأخرجه البيهقي. أيضاً.
قال الكمال رحمه الله: وشريح من كبار التابعين، وقد رفع الحديث، فهو حديث مرسل يحتج به من
يحتج بالمرسل اهـ. والإمام أبو حنيفة رحمه الله ممن يحتج به كما هو مقرر في أصول الفقه وفروعه.
والجواب عنه: أن قول شريح رحمه الله: ((جاء محمد إلى آخره)) محمول على حبس الكفرة، مثل
السائبة، والبحيرة، والحام، عملاً بما هو صريح اللفظ متواتر المعنى، وحملاً للمحتمل عليه توفيقاً بين
الأدلة، وهذا الجواب ثبت عن الإمام الشافعي رحمه الله؛ فإنه لما روي حديث (لا حبس عن فرائض
الله)، وقول شريح: (جاء محمد بإطلاق الحبس) حمله على ما كان عليه أهل الجاهلية من البحيرة،
والسائبة، والوصيلة، والحام، حيث قال رحمه الله ((الحبس التي جاء محمد ◌ّليل بإطلاقها، هي بينة في
كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ الله مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ﴾ فهذه الحبس
هي التي كان أهل الجاهلية يحبسونها، فأبطل الله شروطهم فيها، وأبطلها رسول الله وَّر بإبطال الله إياها،
وهي أن الرجل كان يقول: إذا نتج فحل إبله، ثم ألقح فأنتج منه، هو حام أي: قد حمى ظهره، فيحرم
ركوبه، ويجعل ذلك شبيهاً بالعتق، ويقول في البحيرة والوصيلة على معنى يوافق هذا، ويقول لعبده: أنت
حر سائبة لا يكون لي ولاؤك، ولا على عقلك.
وقيل: إنه أيضاً في البهائم قد سيبتك. قال الشافعي رضي الله عنه: فلما كان العتق لا يقع على البهائم،
ردّ رسول الله ◌َّل ـ ملك البحيرة، والوصيلة، والحام إلى ملكه، وأثبت العتق، وجعل الولاء لمن أعتق
السائبة، وحكم له بمثل حكم النسب، ولم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته داراً، ولا أرضاً تبرراً
بحبسها، وإنما حبس أهل الإسلام بأمر النبي ◌َّ اهـ.
وأما قول صاحب ((العناية)) بعد أن نقل أنهم يحملون الحبس على ما قاله الإمام الشافعي - رحمه الله -
استدراكاً عليه: ((ولكنا نقول النكرة في موضع النفي تعم، فتتناول كل طريق يكون فيه حبس عن الميراث، =

٣٨٨
كتاب الوقف والصدقة
إلا ما قام عليه دليل اهـ)». فهو غير مسلم؛ لأن الوقف في حال الصحة كسائر التصرفات الناجزة في حال
=
الصحة، من بيع، وهبة، وصدقة، وغير ذلك، فكما أن هذه التصرفات لا تعد حبساً عن الميراث،
فالوقف كذلك، فالدليل قائم بلا شك على أن المالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، إلا إذا حجر عليه
بطريقه الشرعي، أو كان مريضاً مرض الموت، على أن في مرض الموت إنما يحجر عليه فيما زاد على
الثلث فقط؛ لأنه هو الذي يتعلق به الميراث، وتوضيحاً لمعنى حبس أهل الجاهلية الواردة في قول الله
تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة﴾ الآية يحسن ذكر ما قاله بعض أئمة التفسير فيها.
قال الإمام النسفي رحمه الله تعالى: كان أهل الجاهلية إذا نُتِجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر؛ بحروا
أذنها أي: شقوها، وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، واسمها ((البحيرة)) وكان
يقول الرجل: إذا قدمت من سفري، أو برأت من مرضي، فناقتي سائبةً، وجعلها كالبحيرة في تحريم
الانتفاع بها .
وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبداً قال: ((هو سائبة)) فلا عقل بينهما ولا ميراث، وكانت الشاة إذا ولدت
سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكراً أكله الرجال، وإن كان أنثى أرسلت في الغنم، وكذا إن كان ذكراً أو
أنثى، وقالوا: وصلت أخاها، فالوصيلة بمعنى الواصلة، وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا:
قد حمى ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى، ومعنى ((ما جعل)) ما شرع
ذلك، ولا أمر به اهـ.
الرابع: أنه عقد على منفعة معدومة، فيكون جائزاً غير لازم.
الخامس: أن حقوق العباد لم تنقطع عنه حتى جاز الانتفاع به زراعةً، وسكنى لغير الواقف، وتعلق حقوق
العباد بالعين أثر ثبوت ملكهم فيها على ما هو الأصل، فإما أن يكون ذلك الملك لغير الواقف، أو له،
واتفقنا على أنه لا يكون ملكاً لغيره من العباد، فيجب أن يكون ملكاً للواقف.
السادس: أن له ولاية التصرف فيه؛ بصرف غلاته إلى مصارفها، وباشتراط صرفها مرتبة، كما إذا قال:
(«تصدقوا على فلان، فإذا مات فعلى أولاد فلان، فإنه يفعل كما قال، وينصب القوام فيها، وذلك يكون
بحسب الأصل عن ملكه للعين، إلا أن يوجب موجب لا مرد له خروجه عن ملكه، وأن تصرفه بولاية
غیر الملك، ولم يثبت ذلك.
والجواب عنه: أن هذه التصرفات لا يلزم في صحتها منه أن يكون ملكه باقياً في العين، بل تصح، وإن
خرجت العين عن ملكه بتولية الشرع له، لكونه هو الواقف، والعين خرجت عنه، ألا ترى أن القربان
تصير بالإراقة إلى الله تعالى، ثم إن صاحبه يتصرف فيه بالأكل، والإطعام، والتصدق به بتولية الشرع،
لكونه المتقرب به، فجاز أن يكون أمر الواقف كذلك اهـ يتصرف عن العناية.
السابع: أنه يحتاج إلى التصدق بالغلة دائماً، ولا يتصدق عنه إلا بالبقاء على ملكه، فهذا يقتضي قيام
الملك .
والجواب عنه: أنه لو اقتضى دوام الصدقة دوام الملك لانقطعت الصدقة بانقطاع الملك، والملك ينقطع
بموت الواقف، فلو انقطعت هي أيضاً لم تكن دائمة، وهذا خلاف ما قضت به الأحاديث الصحيحة.
الثامن: أنه لا يمكن أن يزول ملكه عنه لا إلى مالك مع بقائه؛ لأنه غير مشروع، إذ حينئذٍ يصير كالسائبة.
والجواب عنه: أنه إذا خرج عن ملك الواقف لا يكون سائبة، وذلك أن الأصل في الأشياء جميعها أنها =

٣٨٩
كتاب الوقف والصدقة
ملك الله تعالى، وليس لغيره فيها ملك، ولكن الله بفضله ورحمته قال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ
=
جَمِيعاً﴾ فأذن لنا أن نتملك الأموال، ويمتاز كل إنسان بملك خاص به، وحرم على كل واحد منهم أن
يتعرض لملك الآخر، وجعل لكل من ملك شيئاً من المال أن يتصرف فيه كيف يشاء، بحيث لا يجوز أن
يحجر عليه إلا بأسبابه المعروفة شرعاً من دين ونحوه، وإذا وقف الواقف ما يملكه، مما أجاز الشارع
وقفه، فقد أزال ملكه الطارىء عما وقفه، وجعله باقياً على خالص ملك الله تعالى، كما كان أولاً قبل أن
يتملكه، فخرج بذلك عن ملكه لا إلى مالك من العباد، لكن إلى ملك الله؛ لأنه كان مملوكاً لله تعالى قبل
أن يتملكه الواقف؛ وبعد أن تملكه بإذنه تعالى، فملك الله تعالى لا يزول، ولكن الذي زال إنما هو ملك
الواقف .
وللصاحبين - رحمهما الله تعالى - على لزومه أدلة :
الأول: قول النبي ◌ِّله ــ لعمر رضي الله عنه - حين أراد أن يتصدق بأرض له تدعى (ثمغ)): تصدق
بأصلها، لا يباع، ولا يورث، ولا يوهب، وهذا الحديث روي من طرق عدة، قال محمد بن الحسن في
الأصل: أخبرنا صخر بن جويرية عن مولى عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب كان له أرض تدعى
((ثمغ)) قال: وكان نخلاً نفيساً، قال: فقال: يا رسول الله إني استفدت مالاً هو عندي نفيس، أفأتصدق
به، قال: فقال رسول الله وَلا ير: ((تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن تنفق ثمرته))
قال: فتصدق به عمر في سبيل الله، وفي الرقاب، وللضيف، وللمساكين، ولابن السبيل، ولذي القربى؛
لا جناح على من وليه أن يأكل بالمعروف، أو يؤكل صديقاً غير متمول فيه: وهو من تمول الرجل، أي:
صار ذا مال وهذا الحديث في الصحيحين، وباقي الكتب الستة، روى البخاري بسنده عن نافع عن ابن
عمر قال: ((أصاب عمر بخيبر أرضاً فأتى النبي وَلّره ـ فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه،
فكيف تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، فتصدق بها عمر ولا يباع أصلها ولا
يوهب ولا يورث للفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف وابن السبيل»، الحديث.
وفي بعض طرق البخاري فقال عليه الصلاة والسلام: ((تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث،
ولكن تنفق ثمرته)).
وفي رواية الدارقطني بعد قوله: ((ولا يورث)) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع (حبيس ما دامت
السموات والأرض). وقد كتب عمر رضي الله عنه كتاب وقفه كتبه معيقيب، وشهد عبد الله بن الأرقم،
وكان هذا في زمن خلافته؛ لأن معيقيباً كان يكتب في خلافته له، وقد كان وقفه في أيام النبي وَّ كما
يشهد له الحديث المذكور. فإن قيل: إن ما روياه لا يدل على اللزوم، ولهذا أراد عمر رضي الله عنه أن
يبيع وقفه بعد موت النبي ◌َّه، ثم كره أن ينقض ما كان بينه وبين رسول الله وَل فتركه، حيث قال: (لولا
أني ذكرت صدقتي لرسول الله لرددتها).
فالجواب عنه: أن هذه الرواية أخرجها الطحاوي من طريق مالك عن الزهري، قال: قال عمر: (لولا أني
ذكرت) الخ، فيكون الحديث منقطعاً حينئذٍ؛ لأن الزهري لم يدرك عمر، وهذا وإن كان لا يمنع من كونه
حجة، لكونه الزهري إماماً جليل القدر لا يتهم في روايته، لكن لا يقوى على معارضة ما هو متصل،
وأقوى منه مما رواه البخاري وغيره، فلهذا يسقط الاحتجاج به، على أن الإمام الشافعيّ رضي الله عنه
ذكر في كتابه ((الأم)) عن محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهما الله تعالى - أن الزهري قبيح =

٣٩٠
كتاب الوقف والصدقة
المرسل، وأقرّه الشافعيّ على ذلك، والمنقطع والمرسل في اصطلاحهما نوع واحد، وهما أدرى بما يقبل
=
وما لا يقبل، فهو لا حجة فيه من هذه الجهة أيضاً.
الثاني: أن الحاجة ماسة إلى أن يلزم الوقف لحاجته، إلى أن يصل ثوابه إليه على الدوام، وقد أشار الشرع
إلى إعمال ما يدفع هذه الحاجة، فيما روى الترمذي بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله وَلتر قال: ((إذا
مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له)). ولا طريق
إلى تحقق دفع هذه الحاجة، وإثبات هذه الصدقة الجارية، إلا لزومه.
الثالث: القياس على المسجد وعلى العتق، فإن الإجماع منعقد على أن من وقف مسجداً أو أعتق عبداً،
فقد لزم، وخرج عن ملكه إلى خالص ملك الله تعالى، فلا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، فكذلك
الوقف.
والجواب عنه: أن هناك فرقاً بين الوقف، والمسجد، والعتق، بيان ذلك أن المسجد جعل الله تعالى - على
الخلوص، محرراً عن أن يملك العباد فيه شيئاً غير العبادة فيه، وما كان كذلك خرج عن ملك الخلق
أجمعين، قياساً على الكعبة، والوقف غير المسجد، ليس كذلك، بل ينتفع العباد بعينه زراعةً وسكنّى
وغيرهما، كما ينتفع بالمملوكات، وما كان كذلك ليس كالمسجد، فيلحق بالكعبة كما ألحق المسجد بها،
وأيضاً قضية كون الحاصل منه صدقة دائمة عن الواقف، أن يكون ملكه دائماً، إذ لا تصدق بلا ملك،
فاقتضى قيام الملك، ومن لوازم قيام الملك يكون الوقف لازماً، والإعتاق إتلاف للمملوك بالكلية، وليس
الوقف كذلك، وقد أجاب شمس الأئمة بأن الآدمي خلق مالكاً غير مملوك، وإنما عرض فيه المملوكية،
وبالإعتاق يعود إلى ما كان، بخلاف ما سواه؛ لأنها خلقت لتتملك، فبالوقف لا تعود إلى أصل هو عدم
المملوكية، بل إلى الحبس على ملكه، والتصدق بالمنفعة.
والجواب عن هذا الفرق: أن انتفاع العباد بالوقف غير المسجد، إنما هو بريعه وغلته على وجه البر
والصدقة؛ لأن المقصود بالوقف كما اعترف هو به الصدقة الدائمة عن الواقف، ولو اقتضى دوام الصدقة
دوام ملك الواقف لانقطعت الصدقة بانقطاع الملك، والملك ينقطع بموت الواقف، فلو انقطعت هي أيضاً
لم تكن دائمة، وهذا خلاف ما قضت به الأحاديث الصحيحة، إلى هنا انتهت. أدلة الفريقين.
قال الكمال - رحمه الله - مرجِحاً قول الصاحبين والجمهور: والحق ترجح.
قول عامة العلماء بلزومه؛ لأن الأحاديث والآثار متضافرة على ذلك قولاً، كما صح من قوله عليه الصلاة
والسلام: ((لا يباع ولا يورث)) إلى آخره، وتكرر هذا في أحاديث كثيرة، واستمر عمل الأمة من الصحابة
والتابعين ومن بعدهم على ذلك، أولها صدقة رسول الله وَلقر، ثم صدقة أبي بكر، وعمر، وعثمان،
وعلي، (وسرد أسماء الصحابة الذين وقفوا) ثم قال: كل هؤلاء من الصحابة ثم التابعين كلها بروايات
صحيحة، وتوارث الناس أجمعون ذلك، فلا تعارض بمثل حديث شريح (جاء محمد ببيع الحبس) على
أن حديث شريح بيان نسخ ما كان عليه الجاهلية من الحام ونحوه؛ وبالجملة فلا يعد أن يكون إجماع
الصحابة العملي، ومن بعدهم على خلاف قوله، فلذا ترجح خلافه أهـ.
ويعتذر عن الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - بما حكاه الطحاوي عن عيسى بن أبان قال: كان أبو يوسف
يجيز بيع الوقف، فبلغه حديث عمر هذا، فقال: من سمع هذا عن ابن عوف، فحدثه به أبو علية، فقال:
هذا لا يسع أحداً خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة لقال به، فرجع عن بيع الوقف حتى صار كأنه لا خلاف فيه =

٣٩١
كتاب الوقف والصدقة
أما الأول، فنقول وبالله التوفيق: لا خلاف بين العلماء في جواز الوقف في حق وجوب
التصدق بالفرع ما دام الواقف حيًّا، حتى أن من وقف داره أو أرضه يلزمه التصدق بغلة الدار
والأرض، ويكون ذلك بمنزلة النذر بالتصدق بالغلة، ولا خلاف أيضًا في جوازه في حق زوال
ملك الرقبة إذا اتصل به قضاء القاضي، أو أضافه إلى ما بعد الموت؛ بأن قال: إذا مت فقد
جعلت داري أو أرضي وقفًا على كذا، أو قال هو وقف في حياتي صدقة بعد وفاتي.
واختلفوا في جوازه مزيلاً لملك الرقبة إذا لم توجد الإضافة إلى ما بعد الموت، ولا
اتصل به حكم حاكم.
قال أبو حنيفة - عليه الرحمة -: لا يجوز، حتى كان للواقف بيع الموقوف وهبته، وإذا
مات يصير ميراثًا لورثته.
وقال أبو يوسف ومحمد وعامة العلماء - رضي الله تعالى عنهم - يجوز؛ حتى لا يباع
ولا یوهب ولا يورث.
ثم في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة لا فرق بين ما إذا وقف في حالة الصحة وبين ما إذا
وقف في حالة المرض؛ حتى لا يجوز عنده في الحالين جميعًا إذا لم توجد الإضافة ولا حكم
الحاكم .
وروى الطحاوي عنه أنه إذا وقف في حالة المرض جاز عنده، ويعتبر من الثلث، ويكون
بمنزلة الوصية بعد وفاته، وأما عندهما فهو جائز في الصحة والمرض.
وعلى هذا الخلاف إذا بنى رباطًا أو خانًا للمجتازين، أو سقاية للمسلمين، أو جعل
أرضه مقبرة - لا تزول رقبة هذه الأشياء عن ملكه عند أبي حنيفة، إلا إذا أضافه إلى ما بعد
الموت أو حكم به حاكم.
وعندهما يزول بدون ذلك؛ لكن عند أبي يوسف بنفس القول، وعند محمد بواسطة
التسليم؛ ذلك بسكنى المجتازين في الرباط والخان وسقاية الناس من السقاية والدفن في
المقبرة .
اهـ. ولذا قال القرطبي رد الوقف مخالف للإجماع، فلا يلتفت إليه. وأيضاً من الثابت عن جميع الأئمة
=
أن كل واحد منهم قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ولذلك قال الحافظ ابن حجر: أحسن ما يعتذر به
عن رد الوقف ما قال أبو يوسف، فإنه أعلم بأبي حنيفة من غيره. انتهى.
ينظر الأوقاف لشيخنا حنف، وينظر: تحرير التنبيه ص ٢٥٩، والمغرب ص ٤٩١، الهداية: ١٣/٣،
مجمع الأنهر: ٧٣١/١، مغني المحتاج: ٣٧٦/٢، الشرح الصغير: ٣٧٣/٥، كشاف القناع: ٢٤٠/٤،
الإقناع: ٨١/٢. نهاية المحتاج ٣٥٨/٥.

٣٩٢
كتاب الوقف والصدقة
وَأَجْمَعُوا على أن من جعل داره أو أرضه مسجدًا يجوز، وتزول الرقبة عن ملكه، لكن
عزل الطريق وإفرازه والإذن للناس بالصلاة فيه، والصلاة شرط عند أبي حنيفة ومحمد؛ حتى
كان له أن يرجع قبل ذلك، وعند أبي يوسف تزول الرقبة عن ملكه بنفس قوله جعلته مسجدًا،
وليس له أن يرجع عنه على ما نذكره.
وجه قول العامة الاقتداء - برسول الله - * - والخلفاء الراشدين(١) وعامة الصحابة -
(١) أصول الأحكام الشرعية أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. والوقف وإن لم يرد به نص
صريح في كتاب الله ولكن النبي ◌َّهُ بيّنه لنا بالسنة الصريحة، التي لا تحتمل التأويل، فيلزمنا اتباعها عملاً
بقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ فقد اتفقوا على أن النبي ◌َّ وقف سبع
حوائط (بساتين).
وإن اختلفوا هل هي من أموال بني النضير أو المخيريق الذي قتل يوم أحد؟ وكان قد قال قبل وفاته: إن
أصبت فأموال الرسول و له يضعها حيث أراه الله. وهاك نص الرواية :...
قال الخصاف ما نصه: حدثنا أبو بكر أحمد بن عمرو قال: حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال: أخبرنا
صالح بن جعفر عن المسور بن رفاعة قال: قتل مخيريق على رأس اثنين وثلاثين شهراً من مهاجر رسول
الله ◌َ - وأوصى إن أصبت فأموالي لرسول الله وَالو فقبضها رسول الله وَل وتصدق بها.
وحدثني محمد بن بشير بن حميد عن أبيه قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته بـ((خناصرة))
(في القاموس) بالضم بلد بالشام من عمل حلب سمعت بالمدينة والناس يومئذٍ بها كثير من مشيخة من
المهاجرين والأنصار، أن حوائط رسول الله لتر السبعة التي وقف من أموال مخيريق، وقال: إن أصبت
فأموالي إلى محمد يضعها حيث أراه الله، وقتل يوم أحد فقال رسول الله وَّار: ((مخيريق خير يهودي))، ثم
دعا لنا بثمر منها، فأتى بثمر في طبق فقال كتب إلى أبي بكر بن حزم يخبرني أن هذا الثمر من الغدق (في
المصباح الغدق بالفتح مثل فلس النخلة نفسها وبالكسر مثل حمل الكباسة وهو جامع الشماريخ] الذي كان
على عهد رسول الله ﴿ل وكان رسول الله وهو يأكل منها، فقلت: يا أمير المؤمنين فاقسمه بيننا، فقسمه،
فأصاب كل واحد منا تسع ثمرات.
وقال عمر بن عبد العزيز: فدخلتها إذ كنت والياً بالمدينة، وأكلت من هذه النخلة ولم أر مثلها من الثمر
أطيب منها ولا أعذب.
ويروى عن ابن كعب القرظي قال: كانت الحبس على عهد رسول الله وَل و سبعة حوائط بالمدينة
الأعراف، الصافية، الدلال، الميثب، برقى، حسنى، مشرب أم إبراهيم. قال كعب: وقد حبس
المسلمون بعده على أولادهم وأولاد أولادهم ولم ينكر عليهم أحد اهـ بعد كلام طويل.
وحدثني أسامة عن الزهريّ عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه -
قال: كان لرسول الله ◌َ﴿ ثلاث صفايا، وكانت بنو النضير حبساً النوانية، وكانت لابن السبيل، وكانت
خيبر قد جزءها ثلاثة أجزاء، فجزآن للمسلمين، وجزء كان ينفق منه على أهله، فإن فضل رده على فقراء
المهاجرين.
وهناك آثار كثيرة ذكرها الحصاف وغيره تدل على وقف رسول الله وَ ل﴿ لِم نذكرها خوفاً من التطويل،
ویکفر فلا ثبات ما ذکرنا.
وروي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه حبس رباعاً كانت له بمكة، وتركها فلا يعلم أنها ورثت عنه، ولكن =
1

٣٩٣
كتاب الوقف والصدقة
رضوان الله تعالى عليهم - أجمعين - فإنه روي أن رسول الله - * - وقف ووقف سيدنا أبو
بكر، وسيدنا عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا علي؛ وغيرهم - رضي الله عنهم - وأكثر الصحابة
وقفوا؛ ولأن الوقف ليس إلا إزالة الملك عن الموقوف وجعله الله - تعالى - خالصًا، فأشبه
الإعتاق، وجعل الأرض أو الدار مسجدًا.
والدليل عليه أنه يصح مضافًا إلى ما بعد الموت، فيصح منجزًا؛ وكذا لو اتصل به قضاء
القاضي يجوز، وغير الجائز لا يحتمل الجواز، لقضاء القاضي.
ولأبي حنيفة - عليه الرحمة - ما روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أَنَّهُ
قَالَ: لَمَّا نَزَّلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ وَفُرِضَتْ فِيهَا الفَرائِضُ، قَالَ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
((لاَ حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللهِ تَعَالَى)) (١) أي: لا مال يحبس بعد موت صاحبه عن القسمة بين
يسكنها من حضر من ولده، وولد ولده، ونسله بمكة، ولم يتوارثوها، فإما أن تكون عندهم صدقة
=
موقوفة، وإمّا أن يكونوا تركوها على ما تركها أبو بكر، وكرهوا مخالفة فعله فيها، فهذا عندنا شبيه
بالوقف، وهذه الرباع مشهورة بمكة.
وحدثنا محمد بن عمر الواقدي الأسلمي قال: حدثنا ابن أذينة عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان وكان
يلي صدقه عثمان بن عفان، فيبيع من رقيق صدقه عثمان من لا خير فيه ويبتاع بها، ورأيت غلاماً من
الصدقة، قد جنى على رجل فدفعه بالجناية، لأن قيمته كانت أقل من الجناية، وهناك غير ذلك.
وحدثنا محمد بن عمر الواقدي قال: حدثنا سليمان بن بلال وعبد العزيز بن محمد عن أبيه عن ابن أبي
طالب كرم الله وجهه؛ أن عمر بن الخطاب قطع لعلي ينبع بها عيون ونخيل وزرع بطريق حاج مصر، ثم
اشترى علي إلى قطيعته التي قطعها عمر أشياء، فحضر فيها عيناً، فبينما هم يعملون إذ انفجر عليهم مثل
عنق الجزر من الماء، فأتى عليّاً فبشر بذلك، فقال علي: ((بشروا الوارث))، ثم تصدق بها على الفقراء
والمساكين في سبيل الله، وابن السبيل القريب والبعيد، في السلم والحرب، يوم تبيض وجوه وتسود
وجوه، ليصرف الله النار عن وجهه بها وبلغ في زمن ألف.
وحدثنا محمد بن عمر الواقدي قال: حدثنا ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام
أنه جعل دوره على بنيه لاتباع، ولا توهب ولا تورث وأن للمردودة من نباته أن تسكن غير مضرة، ولا
مضر بها، فإذا استغنت بزوج فليس لها حق.
وهناك كثير من الآثار تدل على أوقاف الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهذا كله كاف في الرد على
الناقمين على الأوقاف.
ينظر الوقف لشيخنا عبد الفتاح عيسوي.
(١) أخرجه الدارقطني (٦٨/٤) في كتاب الفرائض والسير وغير ذلك، حديث (٤٢٣)، والطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) (٩٦/٤ - ٩٧) والطبراني في ((الكبير)) (٣٦٥/١١) (١٢٠٣٣) والبيهقي (١٦٢/٦) كتاب
((الوقف)) باب: ((من قال: لا حبس عن فرائض الله عز وجل)).
كلهم من طريق ابن لهيعة عن أخيه عيسى بن لهيعة عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه -.... فذكره.
قال الدارقطني: لم يسنده غير ابن لهيعة، عن أخيه عيسى بن لهيعة وهما ضعيفان.
قال الهيثمي في ((المجمع)) (٥/٧): رواه الطبراني وفيه عيسى بن لهيعة وهو ضعيف.

٣٩٤
كتاب الوقف والصدقة
ورثته، والوقف حبس عن فرائض الله - تعالى، عزَّ شأنه - فكان منفيًّا شرعًا.
وعن شريح أنه قال: جاء محمد ببيع الحبيس، وهذا منه رواية عن النبي - عليه الصلاة
والسلام - أنه يجوز بيع الموقوف؛ لأن الحبيس هو الموقوف فعيل بمعنى المفعول إذ الوقف
حبس لغة، فكان الموقوف محبوسًا فيجوز بيعه، وبه تبين أن الوقف لا يوجب زوال الرقبة عن
ملك الواقف .
وأما وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنما جاز؛ لأن المانع من وقوعه حبسًا
عن فرائض الله - عزَّ وجلَّ - ودفعه وَّهَ ـ لَمْ يَقَعْ حبسًا عن فرائض الله تعالى؛ لقوله - دَطير -:
(إنَّا - مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ - لاَ نُورَثُ؛ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ))(١).
وأما أوقاف الصحابة - رضي الله عنهم - فما كان منها في زمن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - احتمل أنها كانت قبل نزول سورة النساء - فلم تقع حبسًا عن فرائض الله تعالى،
وما كان بعد وفاته - عليه الصلاة والسلام - فاحتمل أن ورثتهم أمضوها بالإجازة، وهذا هو
الظاهر، ولا كلام فيه، وإنما جاز مضافًا إلى ما بعد الموت؛ لأنه لما أضافه إلى ما بعد الموت
فقد أخرجه مخرج الوصية، فيجوز كسائر الوصايا، لكن جوازه بطريق الوصية لا يدل على
جوازه لا بطريق الوصية.
ألا ترى لو أوصى بثلث ماله للفقراء جاز، ولو تصدق بثلث ماله على الفقراء لا يجوز.
وأما إذا حكم به حاكم، فإنما جاز، لأن حكمه صادف محل الاجتهاد، وأفضى اجتهاده
إليه، وقضاء القاضي في موضع الاجتهاد بما أفضى إليه اجتهاده جائز؛ كما في سائر
المجتهدات .
فصل في شروط الجواز
وأما شرائط(٢) الجواز فأنواع: بعضها يرجع إلى الواقف.
وبعضھا یرجع إلى نفس الوقف.
وبعضها يرجع الموقوف.
(١) تقدم.
(٢) جمع شرط والشرط لغة العلامة وفي الاصطلاح: ما توقفت عليه صحة الشيء، وكان غير جزء من
حقيقته .. (من تصفح الكتب يجد أن الفقهاء اشترطت شروطاً لصحة الوقف ولزومه، أوصلها بعضهم
((كالبحر)) إلى أحد عشر شرطاً.

٣٩٥
كتاب الوقف والصدقة
أما الذي يرجع إلى الواقف فأنواعٌ: منها العقل، ومنها البلوغ، فلا يصح الوقف من الصبي
والمجنون؛ لأن الوقف من التصرفات الضارة؛ لكونه إزالة الملك بغير عوض، والصبي والمجنون
ليسا من أهل التصرفات الضارة، ولهذا لا تصح منهما الهبة والصدقة والإعتاق ونحو ذلك.
ومنها: الحرية(١)، فلا يملكه العبد؛ لأنه إزالة الملك، والعبد ليس من أهل الملك،
وسواء كان مأذونًا أو محجورًا (٢)؛ لأن هذا ليس من باب التجارة، ولا من ضرورات التجارة،
فلا يملكه المأذون؛ كما لا يملك الصدقة والهبة والإعتاق.
(١) وينبغي على اشتراط الحرية أن وقف الرقيق غير نافذ، ولو كان مأذوناً له في التجارة، وذلك لتعلق حق
السيد، وهذا إذا لم يأذن له المولى، أمّا إذا أذن له مولاه، وكان غير مستغرق بالدين فيصح فيما زاد على
الدین.
أما إذا كان مستغرقاً وأذن له المولى لا يصح؛ لتعلق حق الغرماء، حتى قال صاحب ((الإسعاف)) لو أذن
السيد والغرماء لا يصح أيضاً.
والذي يظهر أن قول ((الإسعاف)) فيه شيء؛ لأن العبد منع من هذا التصرف لأمرين:
الأول: تعلق حق السيد في وجوب الاستئذان.
الثاني: تعلق حق الغرماء.
فإذا أذنوا سقط حقهم، وارتفع ما كان متحققاً، وهو عدم الجوز.
ويمكن أن يقال: إن عدم صحة وقف العبد راجعه إلى عدم ملكيته ...
ويشترط أن يكون الموقوف مملوكاً للواقف وقت وقفه كما سيأتي، والعبد وما ملكت يداه ملك لسيده،
فحينئذٍ يرجع إلى اشتراط المملوكية في الوقف.
(٢) وباشتراط عدم الحجر للسفه يعلم أن وقف السفيه غير صحيح، ذلك لأن الحجر للسفيه يبطل التصرفات
الضارة، ولا شك أن الوقف ضار به؛ لأنه تبرع وهو لا يملكه ثم قال الكمال ابن الهمام: إنه إذا وقف
على نفسه مدة حياته ومن بعده على ذريته ما بقيت، وبعد انقراضهم يصرف لجهة خيرية، يكون الوقف
صحيحاً، وهو كلام وجيه؛ لأننا إذا نظرنا إلى الغرض من الحجر للسفه، نجده للمحافظة على أمواله،
حتى لا يصبح عالة على غيره، وفي وقف هذا حفظ أمواله من الضياع، مع استيفاء منفعته له ولذريته ...
ولكن قال صاحب ((البحر)): إن وقفه غير صحيح، وعلّل ذلك بأن الوقف تبرع، وهو ليس من أهله، فلا
يجوز مطلقاً، ويمكن الرد عليه بما قلنا. وقد قال ابن عابدين: إن عدم أهلية السفيه للتبرع تكون قاصرة
على الغير، أما على نفسه فلا ...
ولعل من قال بالصحة يريد أنه صحيح إذا أذن القاضي، ومن قال بعدمها يريد أن الصحة تتوقف على
الإذن، كما في المميز، فيكون الخلاف لفظياً ...
وينبني على اشتراط عدم الحجر للدين أن وقف المحجور عليه للدين غير صحيح، وذلك لأن حق الغرماء
تعلق به، وينبغي أن يكون هذا إذا كان الدّين مستغرقاً، فإن لم يكن مستغرقاً صح فيما زاد على الدّين،
لعدم لحاق ضرر بالغرماء حينئذٍ ...
والحاصل أن المدين إما أن يكون محجوراً عليه أم لا؛ فإذا كان محجوراً عليه فلا يخلو حاله من أمرين:
إما أن يكون مستغرقاً بالدّين، بألا يزيد ماله عن دينه، وإما أن لا يكون مستغرقاً، ففي الصورة الأولى لا =

٣٩٦
كتاب الوقف والصدقة
ومنها أن يخرجه الواقف من يده ويجعل له قيمًا ويسلمه إليه عند أبي حنيفة ومحمد،
وعند أبي يوسف هذا ليس بشرط، واحتج بما روي أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - وقف
وکان یتولی أَمْرَ وقفه بنفسه، وکان في يده.
وروي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه كان يفعل كذلك؛ ولأن هذا إزالة الملك لا
إلى حد، فلا يشترط فيه التسليم كالإعتاق.
ولهما أن الوقف إخراج المال عن الملك على وجه الصدقة، فلا يصح بدون التسليم،
کسائر التصرفات.
وأما وقف سيدنا عمر وسيدنا عليّ - رضي الله عنهما - فاحتمل أنهما أخرجاه عن أيديهما
وسلماه إلى المتولي بعد ذلك، فصح؛ كمن وهب من آخر شيئًا أو تصدق أو لم يسلم إليه
وقت الصدقة والهبة، ثم سلم، صح التسليم؛ كذا هذا.
يصح وقفه؛ لتعلق حق الغرماء بجميع ماله، وأما في الصورة الثانية فوقفه صحيح فيما زاد على الدّين،
=
لأنه لم يظهر أثر للحجر في الزائد؛ لأن الحجر لحق الغرماء، ولا حق لهم في الزائد، فلا حجر عليه
فيه؛ لأنه لا ضرر يلحق الغرماء في وقف الزائد، ومثله المدين غير المحجور عليه إذا وقف في مرض
موته فإن كان الدّين مستغرقاً لا يصح وقفه، والأصح فيما زاد ولكن بشرط أن يخرج من الثلث.
وهل المال الذي يتجدد بعد الحجر يظهر أثر الحجر فيه؛ بحيث لا يصح له أن يتصرف فيه بوقف
أو غيره؟
قالوا: لا يظهر أثر الحجر فيه؛ لأن الحجر حصل بالنسبة للمال الأول، أما الجديد غير المحجور عليه
فوقفه صحيح، سواء كان على نفسه أو غيره، وسواء اشترط سداد الدين من غلته أم لا، وهذا قدر متفق
عليه بين العلماء ...
ولكن اختلفوا في أنه هل للغرماء طلب نقض الوقف في الموقوف كله أو فيما يفي بالدين منه أم ليس لهم
ذلك؟ معظم الكاتبين على أنهم ليس لهم ذلك، ولو قصد المدين بالوقف الهروب من الدين، وعللوا ذلك
بأن حقهم لم يتعلق بالعين في حال صحته، وإنما تعلق بذمته، وهي باقيه؛ لأن الدين وصف ثابت في
الذمة، لكن إن وقف على نفسه، وشرط وفاء دينه من غلة الوقف اتبع شرطه، وإن لم يشرط يوفى الدين
من فاضل الغلة بعد إعطائه منها ما يكفيه بلا إسراف لبقاء الغلة على ملكه، وإن وقف على غيره فغلته
جميعها للموقوف عليه خاصة، وهذا ما عليه معظم المؤلفين كما قلنا ... ولكن في ((الدر المختار)) عن
المفتي أبي السعود أن وقف المدين لا يصح ولا يلزم، والقضاة ممنوعون من الحكم، وتسجيل الوقف
بمقدار ما شغل بالدين، وللدائنين الحق في طلب نقض الوقف في الموقوف، بقدر ما يفي ديونهم، فإن
لم يقبل الواقف نفذ عليه القاضي جبراً بعد أمن بالبيع والسداد، وهذا هو الراجح من المذهب وعليه
العمل.
وبالتأمل يرى أن هذا موافق لأسلوب الشريعة الغراء، التي تحافظ على الحقوق كل المحافظة، وتحزم كل
طريق بوادي لضياعها، ولو قلنا بعدم صحة نقض الوقف لضاع كثير من الحقوق، إذ المدينون يتخذون
ذلك وسيلة لضياع حقوق الدائنين. ينظر الوقف لشيخنا عبد الفتاح عيسوي.

٣٩٧
كتاب الوقف والصدقة
ثم التسليم في الوقف عندهما أن يجعل له قيمًا ويسلمه إليه، وفي المسجد أن يصلي فيه
جماعة بأذان وإقامة بإذنه؛ كذا ذكر القاضي في ((شرح الطحاوي)).
وذكر القدوري - رحمه الله - في شرحه أنه إذا أذن للناس الصلاة فيه فصلى واحد، كان
تسليماً، ويزول ملكه عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وهل يشترط أن لا يشرط
الواقف لنفسه من منافع الوقف شيئًا؟ عند أبي يوسف: ليس بشرط، وعند محمد: شرط.
وجه قول محمد أن هذا إخراج المال إلى الله تعالى وجعله خالصًا له، وشرط الانتفاع
لنفسه يمنع الإخلاص فيمنع جواز الوقف؛ كما إذا جعل أرضه أو داره مسجدًا وشرط من منافع
ذلك لنفسه شيئًا؛ وكما لو أعتق عبده وشرط خدمته لنفسه؛ لأبي يوسف ما روي عن سيدنا
عمر - رضي الله عنه - أنه وقف وشرط في وقفه، لا جناح على من وليه أن يأكل منه
بالمعروف، وكان يلي أمر وقفه بنفسه.
وعن أبي يوسف - رحمه الله - أن الواقف إذا شرط لنفسه بيع الوقف وصرف ثمنه إلى ما
هو أفضل منه يجوز؛ لأن شرط البيع لا ينافيه الوقف؛ ألا ترى / أنه يباع باب المسجد إذا خلق
وشجر الوقف إذا ييس.
ومنها: أن يجعل آخره بجهة لا تنقطع أبدًا عند أبي حنيفة ومحمد، فإن لم يذكر ذلك لم
يصح عندهما، وعند أبي يوسف ذكر هذا ليس بشرط، بل يصح، وَإن سمى جهة تنقطع
ويكون بعدها للفقراء وإن لم يسمهم.
وجه قول أبي يوسف أنه ثبت الوقف عن رسول الله - وَلّر - وعن الصحابة، ولم يثبت
عنهم هذا الشرط ذكرًا وتسمية؛ ولأن قصد الواقف أن يكون آخره للفقراء وإن لم يسمهم، هو
في الظاهر من حاله، فكان تسمية هذا الشرط ثابتاً دلالة والثابت دلالة كالثابت نصاً ولهما أن
التأبيد شرط جواز الوقف؛ لما نذكر، وتسمية جهة تنقطع توقيت له معنى، فيمنع الجواز.
(١) الشروط ثلاثة أنواع؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون الشرط مؤثراً على أصل الوقف أولاً.
والثاني: إما أن يكون مفوتاً لمصلحة الوقف، أو مخالفاً لحكم الشرع، أولاً .
والمعتبر من شروط الواقفين هو الثالث، وهو ما لم يكن مفوتاً لمصلحة الوقف، ولا مخالفاً لحكم
الشرع.
أما الأول فغير معتبر، بل يبطل الوقف والشرط معاً.
وكذلك الثاني غير معتبر فيلغو، لكن يصح الوقف، فقولهم شرط الواقف. كنص الشارع في الفهم
والدلالة، ووجوب العمل ليس على إطلاقه، بل مخصوص بالنوع الثالث، وهو ما لم يكن مفوتاً، ولا
مخالفاً .

٣٩٨
كتاب الوقف والصدقة
وأما الذي يرجع إلى نفس الوقف فهو التأبيد، وهو أن يكون مؤبدًا؛ حتى لو وقت لم
يجز؛ لأنه إزالة الملك لا إلى حد، فلا تحتمل التوقيت كالإعتاق وجعل الدار مَسْجدًا.
فصل فيما يرجع إلى الموقوف
وأما الذي يرجع إلى الموقوف فأنواعٌ:
منها: أن يكون مما لا ينقل ولا يحول كالعقار ونحوه، فلا يجوز وقف المنقول(١)
(١) المنقول مما لا يتأبد، وشرط الوقف التأبيد، فلا يصح وقفه استقلالاً قياساً، لكن ترك القياس لأمرين.
ورود النص بوقفه، وجريان التعامل بوقفه، ويمكن حصر أقسامه فيما يأتي:
١ - ما ورد نص بوقفه.
٢ - ما جرى التعامل بوقفه.
٣ - ما لم يرد فيه نص، ولم يجر به تعامل، فأما ما ورد النص بوقفه، فوقفه صحيح بالاتفاق بين
الصاحبين، ويترك القياس بالنص، وذلك كوقف السلاح والكراع استقلالاً، لما روي عن أبي هريرة رضي
الله عنه في الصحيحين: (بعث النبي ◌َّ عمر بن الخطاب على الصدقات، فمنع ابن جميل، وخالد بن
الوليد والعباس، فقال رسول الله وَلهو: ((ما ينقم ابن جميل إلا إن كان فقيراً فأغناه الله، وأما خالد فإنكم
تظلمون خالداً، وقد احتبس أدراعه واعتده في سبيل الله، وأما العباس عم رسول الله وَّل ـ فهي علي
ومثلها، ثم قال: أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه)).
ولما روي أن أم معقل جاءت إلى النبي ◌َّ فقالت يا رسول الله: إن أبا معقل جعل ناضحه في سبيل الله،
وإني أريد الحج، أفأركبه؟ فقال النبي وَّه: اركبيه، فإن الحج والعمرة في سبيل الله.
وأما ما جرى التعامل بوقفه، فمنع أبو يوسف وقفه؛ لأن القياس إنما يترك بالنص، والنص ورد في الكراع
والسلاح، فيقتصر عليه، وأجازه محمد لأن التعامل يترك القياس به أيضاً، كما في الاستصناع لحديث (ما
رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) رواه أحمد في كتاب السنة كما في حاشية ابن عابدين، والتعامل
هو الأكثر استعمالاً كما في ((البحر عن التحرير)) والظاهر اعتبار العرف في الموضع أو الزمان الذي اشتهر
فيه دون غيره اهـ منها ومثل للمنقول المتعارف وقفه بالفأس، والقدوم، والمنشار، والجنازة وثيابها
والقدور.
ومما جرى التعامل بوقفه وقف المصاحف، والكتب على المساجد والمدارس، وطلبة العلم، فإن وقف
مصحفاً للقراءة في مسجد معين، جاز للغني والفقير من أهل هذا المسجد أن يقرأ فيه، ولا يجوز نقله منه
إلا إذا تخرب المسجد، وانفض الناس من حوله، لكن قال في ((الفتح)): وإن وقف على المسجد جاز،
ويقرأ في ذلك المسجد، وفي موضع آخر، ولا يكون مقتصراً على هذا المسجد، وإن وقف كتبه على
مدرسة بعينها، وأعدلها خزانة بها كان الانتفاع بها قاصراً على أهل هذه المدرسة، وليس لهم ولا لغيرهم
نقلها من محلها، وكذلك إن وقفها على مستحقي الوقف، لا يجوز لهم نقلها من محلها، وإن عمم في
وقفه للكتب، بأن وقفها على طلبة العلم، وعين لها مكاناً، وضعها فيه، فلكل طالب علم أن ينتفع بها،
فقيراً كان أو غنياً، لاستوائهما في الحاجة إلى الانتفاع بالكتب، إذ ليس كل غني يجد كل كتاب،
خصوصاً في وقت الحاجة، لكن إن شرط الواقف ألا تخرج من ذلك المكان، صح، واتبع شرطه، وإن =

٣٩٩
كتاب الوقف والصدقة
٠٠
لم يشرط فقد تردد بعضهم في جواز النقل، والأقرب جواز إعارتها لمن لا يخشى منه الضياع من
=
الطلاب، لينتفع بها، ثم يردها إلى مكانها.
ويد المستعير يد أمانة فلا يضمن ما تلفت في يده إلا بالتعدي، أو بالتفريط، وإن شرط واقف الكتب ألا
تعار إلا بتذكرة صح شرطه، واتبع؛ لأن فيه منفعة للوقف.
وإن شرط ألا يخرج إلا برهن لا يصح شرطه؛ لأنها في يد المستعير أمانة، والرهن بالأمانات باطل، وإذا
أخذ خازن الكتب الرهن، فهلك في يده، لا ضمان عليه؛ لأن الرهن الباطل أمانة في يد المرتهن.
وكذلك يجوز وقف البناء والشجر بدون الأرض عند ((محمد)» لجريان العرف بذلك، لكن يشترط لصحة
وقفهما أن يكونا في أرض موقوفة، سواء كان واقف البناء هو الواقف لها أو غيره، حتى يتحقق التأبيد،
فلو كانت الأرض مملوكة لواقف البناء أو لغيره، وهي في يده بطريق العارية، أو الاستئجار، لا يصح
الوقف، لانتفاء التأبيد بخروج الأرض عن ملك الواقف بعد موته، وطلب الورثة نقض البناء، وقطع الشجر
من الأرض المملوكة لهم، وباحتمال طلب المالك نقض البناء، وقطع الشجر من أرضه بعد استرداد
العارية، وانتهاء مدة الإجارة، أو فسخها، ولا يتعين على الصحيح وقفها على الجهة التي وقفت عليها
الأرض، بل يصح للمحتكر أن يبني بإذن المتولي، أو يغرس في أرض الحكر، ثم يقف ذلك البناء أو
الغرس على نفسه، ثم للفقراء، كما يصح أحد يقفها على الجهة التي وقفت عليها الأرض.
وأما ما لم يرد فيه نص، ولم يجر به تعامل، فلا يجوز وقفه عندنا بالاتفاق.
وقال الشافعي رحمه الله: ((كل ما يمكن الانتفاع به مع بقاء أصله، ويجوز بيعه يجوز وقفه؛ لأنه يمكن
الانتفاع به، فأشبه العقار، والكراع، والسلاح، وأما ما لا ينتفع به إلا بالإتلاف كالذهب، والفضة أي
الدراهم والدنانير، وما ليس بحليّ، والمأكول والمشروب فوقفه غير جائز في قول عامة الفقهاء.
وأما الحلي فيصح وقفه عند الشافعي، لأن حفصة رضي الله عنها ابتاعت حليّاً بعشرين ألفاً، فحبسته على
نساء آل الخطاب، فكانت لا تخرج زكاته، ولنا أن الوقف فيه لا يتأبد، ولا بد في الوقف من التأبيد، ولا
يتأبد غير العقار، غير أنه ترك في الجهاد لأنه سنام الدين، فكان معنى القرية في الكراع والسلاح أقوى،
فلا يلزم من شرعية الوقف فيهما شرعيته فيما هو دونهما، ولا يلحق دلالة أيضاً؛ لأنه ليس في معناهما،
ولأنه لا معارض من حيث السمع، ولا من حيث التعامل، فبقي على أصل القياس، فلا يصح وقفه، ثم
إن بعض المشايخ زاد من المنقول، لما رأوا جريان التعامل بوقفه، ففي ((الخلاصة)) وقف بقرة على أن ما
يخرج من لبنها وسمنها يعطى لأبناء السبيل قاله إن كان ذلك في موضع غلب ذلك في أوقافهم، رجوت
أن يكون جائزاً، وفي فتاوى (الناطفي)» عن محمد بن عبد الله الأنصاري من أصحاب زفر رحمه الله - أنه
يجوز وقف الدراهم، والطعام، والمكيل، والموزون، فقيل له: وكيف يصنع بالدراهم؟ قال يدفعها
مضاربة، ويتصدق بالفضل.
وقيل على هذا: ينبغي أن يجوز إذا قال: وقفت هذا الكُرِّ على أن يقرض لمن لا بذر له من الفقراء،
فيدفع لهم، ويبذرونه، فإذا حصدوا يؤخذ ويقرض لغيرهم، وهكذا دائماً، وكذا أسترة الموتى،
والأكسية، إذا وقفت صدقة جاز، فتدفع للفقراء، فينتفعون بها في أوقات لبسها. ولو وقف ثوراً لإنزاء
بقرهم لا يصح؛ لأنه ليس بقربة.
وفي ((الخلاصة)) يجوز وقف الغلمان والجواري على مصالح الرباط، وغير ذلك من الفروع.
ينظر الأوقاف لشيخنا حنف.

٤٠٠
كتاب الوقف والصدقة
مقصودًا؛ لما ذكرنا أن التأبيد شرط جوازه، ووقف المنقول لا يتأبد لكونه على شرف الهلاك،
فلا يجوز وقفه مقصودًا، إلا إذا كان تبعًا للعقار؛ بأن وقف ضيعة ببقرها وأكرتها وهم عبيده،
فیجوز؛ کذا قاله أبو يوسف.
وجوازه تبعًا لغيره لا يدل على جوازه مقصودًا؛ كبيع الشرب ومسيل الماء والطريق أنه لا
يجوز مقصودًا، ويجوز تبعًا للأرض والدار، وإن كان شيئًا جرت العادة بوقفه؛ كوقف المر
والقدوم لحفر القبور، ووقف المرجل لتسخين الماء، ووقف الجنازة وثيابها .
ولو وقف أشجارًا قائمة، فالقياس ألا يجوز؛ لأنه وقف المنقول، وفي الاستحسان يجوز
لتعامل الناس ذلك، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن.
ولا يجوز وقف الكراع والسلاح في سبيل الله - تعالى - عند أبي حنيفة؛ لأنه منقول وما
جرت العادة به، وعند أبي يوسف ومحمد يجوزُ، ويجوز عندهما بيع ما هرم منها، أو صار
بحالٍ لا ينتفع به، فيباع ويرد ثمنه في مثله؛ كأنهما تركا القياس في الكراع والسلاح بالنص،
وهو ما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «أَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ أَحْتَبَسَ أَكْرَاعًا وَأَفْرَاسًا
فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى))(١) ولا حجة لهما في الحديث؛ لأنه ليس فيه أنه وقف ذلك فاحتمل قوله
حبسه، أي: أمسكه للجهاد لا للتجارة.
وأما وقف الكتب، فلا يجوز على أصل أبي حنيفة، وأما على قولهما فقد اختلف
المشايخ فيه، وحكي عن نصر بن يحيى أنه وقف كتبه على الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة.
ومنها: أن يكون الموقوف مقسومًا عند محمد، فلا يجوز وقف المشاع، وعند أبي
يوسف هذا ليس بشرط، ويجوز، مقسومًا كان أو مشاعًا؛ لأن التسليم شرط الجواز عند
محمد، والشيوع يخل بالقبض والتسليم، وعند أبي يوسف التسليم ليس بشرط أصلاً، فلا
يكون الخلل فيه مانعًا، وقد روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه ملك مائة سهم
بـ(خيبر))، فقال له رسولُ الله - وَلِّل ـ: ((آخْبِسْ أَضْلَهَا))(٢) فَدَلَّ على أن الشيوع لا يمنع صحة
الوقف .
وجواب محمد - رحمه الله - يحتمل أنه وقف مائة سهم قبل القسمة، ويحتمل أنه
(١) تقدم.
(٢) أخرجه النسائي ٢٣٢/٦ في الأحباس، باب حبس في المشاع، وابن ماجه ٢/ ٨٠١ في الصدقات، حديث
رقم (٢٣٩٧): والشافعي ١٣٨/٢ (٤٥٧ مسنده) وأحمد ١١٤/٢، ١٥٦ - ١٥٧: والدارقطني ٤ /١٨٦ -
١٨٧ - ١٩٣، والبيهقي ٦/ ١٦٢ من طريق نافع عن ابن عمر عن عمر به.