النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كتاب الوديعة
منها: وجوب الرد عند طلب المالك؛ لقولهِ تعالى جلَّ شأنه: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا
الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]؛ حتى لو حبسها بعد الطلب فضاعت، ضمن.
هذا إذا كانت الوديعة لرجل واحد، فأما إذا كانت مشاعًا لرجلين، فجاء أحدهما وطلب
حصته، لا يجب عليه الرد(١)، بأن أودع رجلان رجلاً وديعة؛ دراهم أو دنانير أو ثيابًا، وغاب
ثم جاءه أحدُهما وطلب بعضها، وأبى المستودع ذلك، لم يأمره القاضي بدفع شيء إليه ما لم
يحضر الغائب عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد يقسم ذلك ويدفع إليه حصته، ولا يكون ذلك قسمة جائزة على
الغائب بلا خلافٍ؛ حتى لو هلك الباقي في يد المودع ثم جاء الغائب له أن يشارك صاحبه في
المقبوض عندهم جميعًا.
ولو هلك المقبوض في يد القابض ثم جاء الغائب، فليس للقابض أن يشارك صاحبه(٢)
في الباقي.
وَجْهُ قولهما إن الآخذ بأخذ حصته متصرف فى ملك نفسه، فكان له ذلك من غير حضرة
الغائب؛ كما إذا كان لرجلين دين مشترك على رجل، فجاء أحدهما وطلب حصته من الدين،
فإنه يدفع إليه حصته؛ لما قلنا؛ كذا هذا.
وجه قول أبي حنيفة أن المودع لو دفع شيئًا إلى الشريك الحاضر لا يخلو: إما أن يدفع
إليه من النصيبين جميعًا، وإما أن يدفع إليه من نصيبه خَاصَّةً، لا سبيل (٣) إلى الأول؛ لأن دفع
نصيب الغائب إليه ممتنع شرعًا، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن نصيبه شائع في كلُ الألف؛ لكون
الألف مشتركة بينهما، ولا يتميز إلا بالقسمة، والقسمة على الغائب غير جائزة، ولو سلمنا (٤)
ذلك حتى قالاً إذا جاء الغائب وقد هلك الباقي له أن يشارك القابض في المقبوض، ولو نفذت
القسمة لما شاركه فيه لتميز حقه عن حق صاحبه بالقسمة، والقياسُ على الدين المشترك غير
سديد؛ لأن الغريم يدفع نصيب أحد الشريكين بدفع مال نفسه، لا مال شريكه الغائب، وهنا
يدفع مال الغائب بغير إذنه، فلا يستقيم القياس، ولو كان في يده ألف درهم فجاءه رَجُلان،
وادعى كل واحد منهما أنه أودعه إياها، فقال المودع: أودعها أحدكما، ولست أدري أيكما
هو، فهذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين: إما إن اصطلح المتداعيان على أن يأخذا الألف
وتكون بينهما، وإما إن لم يصطلحا وادعى كل واحد منهما أن الألف له خاصَّةً لا لصاحبه،
فإن اصطلحا على ذلك، فلهما ذلك، وليس للمودع أن يمتنع عن تسليم الألف إليهما؛ لأنه أقر
(١) في ب: الأداء.
(٢) في ب: الغائب.
(٣) في ط: لا وجه.
(٤) في ب: وقد سلما.

٣٦٢
كتاب الوديعة
أن الألف لأحدهما. وإذا اصطلحا على أنها تكون بينهما لا يمنعان عن ذلك، وليس لهما أن
يستحلفا المودع بعد الصلح، وإن لم يصطلحا وادعى كل واحد منهما أن الألف له، لا يدفع
إلى أحدهما شيئًا لجهالة المقر له بالوديعة، ولكل واحد منهما أن يستحلف المودع، فإن
استحلفه كل واحد منهما، فالأمر لا يخلو إما أن يحلف لكل واحد منهما، وإما أن ينكل لكل
واحد منهما، وإما أن يحلف لأحدهما وينكل للآخر، فإن حلف لهما فقد انقطعت خصومتهما
للحال إلى وقت إقامة البينة؛ كما في سائر الأحكام(١)، وهل يملكان الاصطلاح على أخذ
الألف بينهما بعد الاستحلاف، فهو على الاختلاف المعروف بين أبي حنيفة وأبي يوسف وبين
محمد على قولهما لا يملكان، وعلى قول محمد يملكان، وهي مسألة الصلح بعد الحلف،
وقد مرت في ((كتاب الصلح)).
وإن نكل لهما يقضي بالألف بينهما نصفين، ويضمن ألفًا أخرى بينهما، فيحصل لكلِّ
واحد منهما ألف كاملة؛ لأن كل واحد منهما يدعي أن كل الألف له، فإذا نكل له، والنكول
بذل أو إقرار، فكأنه بذل لكل واحد منهما ألفًا أو أقر لكل واحد منهما بألفٍ، فيقضي عليه
بينهما بألف، ويضمن أيضًا ألفًا أخرى تكون بينهما؛ ليحصل لكل واحد منهما ألف كاملة.
ولو حلف لأحدهما ونكل للآخر، قضى بالألف للذي نكل له، ولا شيء للذي حلف
له؛ لأن النكول حجة من نكل له، لا حجة من حلف له.
ومنها: وجوب الأداء إلى المالك؛ لأن الله أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وأهلها مالكها،
حتى لو ردها إلى منزل المالك فجعلها فيه أو دفعها إلى من هو في عيال المالك، دخلت في
ضمانه، حتى لو ضاعت يضمن؛ بخلاف العارية فإن المستعير لو جاء بمتاع العارية وألقاها في
دار المعير، أو جاء بالدابة فأدخلها في اصطبله، كان رَدًّا صحيحًا؛ لأن ظاهر النص الذي تلَوْنَا
أن لا يصح، إلاَّ أنها صارت مخصوصة عن عموم الآيات، فبقيت الوديعة على ظاهره؛ ولأن
القياس في الموضعين ما ذكرنا من لزوم الرد إلى المالك، وإلا أنا استحسنًا في العارية للعادةِ
الجارية فيها بردها إلى بيت المالك، أو بدفعها إلى من في عياله، حتى لو كانت العارية شيئًا
نفيسًا كعقد جوهر ونحو ذلك، لا يصح الرد؛ لانعدام جريان العادة بذلك في الأشياء النفيسة،
ولم تجر به العادة في مال الوديعة، فتبقى على أصل القياس؛ ولأن مبنى الإيداع على الستر
والإغفاء عادة، فإن الإنسان إنما يودع مال غيره سرًّا عن الناس؛ لما يتعلق به من المصلحة،
فلو رده على غير المالك لانكشف؛ إذ السر إذا جاوز اثنين يفشو فيفوت المعنى المجعول له
الإيداع؛ بخلاف العارية؛ لأن مبناها على الإعلان والإظهار؛ لأنها شرعت لحاجة المستعير إلى
(١) في ب: المواضع.

٣٦٣
كتاب الوديعة
استعمالها في حوائجه، ولا يمكنه الاستعمال سرًّا عن الناس عادةً والرد إلى غير المالك لا
يفوت ما شرعت له العارية، فهو الفرق.
ومنها: أنه إذا ضاعت في يد المودع بغير صنعه، لا يضمن؛ لما روي عن رسول الله وَله
أنه قال: ((لَيْسَ عَلَى المُسْتَعِيرِ غَيْرِ المُغِلُ، وَلاَ عَلَى المُسْتَوْدَعِ غَيْرِ المُغِلُ ضَمَانٌ(١) ولا على
المستودع غير المعتل ضمان(٢)(٣) ولأن يده يد المالك، فَالهلاك في يده كالهلاك في يد
المالك؛ وكذلك إذا دخلها نقص لأن النقصان هلاك بعض الوديعة، وهلاك الكل لا يوجب
الضمان، فهلاك البعض أَوْلَى.
ومنها: أن المودع مع المودع إذا اختلفا فقال المودع: هلكت، أو قال: رددتها إليك،
وقال المالك: بل استهلكتها، فالقولُ قول المُودَع؛ لأن المالك يدعي على الأمين أمرًا عارضًا،
وهو التعدي، والمودع مستصحب لحال الأمانة، فكان متمسكًا بالأصل، فكان القول قوله، لكن
مع اليمين لأن التهمة قائمة، فيستحلف؛ دفعًا للتهمة؛ وكذلك إذا قال المودع: استهلكت من غير
إذني، وقال المالك(٤): بل استهلكتها أنت أو غيرك بأمرك، أن القولَ قولُ المودع؛ لما قلنا.
ولو قال [المودع](٥) إنها قد ضاعت، ثم قال بعد ذلك: بل كنت رددتها إليك؛ لكني
أوهمت - لم يصدق، وهو ضامن؛ لأنه نفى الرد بدعوى الهلاك، ونفى الهلاك بدعوى الرد،
فصار نافيًا ما أثبته، مثبتًا ما نفاه، وهذا تناقضٌ، فلا تسمع منه دعوى الضياع، والرد لأن
المناقض لا قول له؛ ولأنه لما ادعى دعوتين وأكذب نفسه في كل واحد منهما، فقد ذهبت
أمانته، فلا يقبل قوله.
(١) في ط: الضمان.
(٢) في ط: الضمان.
(٣) أخرجه الدارقطني (٤١/٣) كتاب البيوع حديث (١٦٨) والبيهقي (٩١/٦) كتاب العارية: باب من قال: لا
يغرم من طريق عمرو بن عبد الجبار عن عبيدة بن حسان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن
النبي ◌َّ﴾ قال: ((ليس على المستعير غير المغل ضمان ولا على المستودع غير المغل ضمان)) قال
الدارقطني: عمرو وعبيدة ضعيفان وإنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع.
ثم أخرجه عن شریح.
وأخرجه البيهقي (٩١/٦) كتاب العارية: باب من قال لا يغرم، عن شريح من قوله.
وقال: هذا هو المحفوظ عن شريح القاضي من قوله ورواه عمرو بن عبد الجبار عن عبيدة بن حسان
مرفوعاً.
(٤) في ط: المودع.
(٥) سقط من طـ.

٣٦٤
كتاب الوديعة
فصل فيما يغير حال المعقود عليه
وأما بيان ما يغير حال المعقود عليه من الأمانة إلى الضمان، فأنواعٌ:
منها: ترك الحفظ؛ لأنه بالعقد التزم حفظ الوديعة على وجه لو ترك حفظها حتى هلكت
يضمن بدلها؛ وذلك بطريق الكفالة؛ ولهذا لو رأى إنسانًا يسرق الوديعة، وهو قادر على منعه،
ضمن لترك الحفظ الملتزم بالعقد، وهو معنى قول مشايخنا إن المودع يؤخذ بضمان العقد.
ومنها: ترك الحفظ للمالك؛ بأن خالفه في الوديعة؛ بأن كانت الوديعة ثوبًا فلبسه، أو
دابة فركبها، أو عبدًا فاستعمله، أو أودعها من ليس في عياله، ولا هو ممن يحفظ ماله بيده
عادة؛ لأن الملتزم بالعقد هو الحفظ للمالك، فإذا حفظ لنفسه فقد ترك الحفظ للمالك،
فدخلت في ضمانه .
وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه منع دخول العين في ضمانه في المناظرة حين
قدم بخارى وسئل عن هذه المسألة، وهذا خلاف إطلاق الكتاب؛ فإنه قال يبرأ عن الضمان،
والبراءة عن الضمان بعد الدخول في الضمان تكون؛ وكذلك المودع مع المودع إذا اختلفًا،
فقال المودع: هلكت الوديعة، أو رددتها إليك، وقال المالك [بل](١) استهلكتها، إن كان قبل
الخلاف، فالقولُ قولُ المودع، وإن كان بعده فالقول قول المالك، ونحو ذلك مما يدل على
دخول الوديعة في ضمانه بالخلاف، وإن خالف في الوديعة ثم عاد الوفاق يَبْرأ عن الضمان عند
علمائنا الثلاثة، وعند زفر والشافعي: لا يبرأ عن الضمان.
وجه قولهما إن الوديعة لما دخلت في ضمان المودع بالخلاف فقد ارتفع العقد، فلا يعود
إلا بالتجديد، ولم يوجد، فصار كما لو جحد الوديعة ثم أقر بها؛ وكذلك المستعير والمستأجر
إذا خالفًا ثم عادا إلى الوفاق، لا يبرآن عن الضمان؛ لما قلنا؛ كذا هذا.
ولنا: أنه بعد الخلاف مودع، والمودع إذا هلكت الوديعة/ من غير صنعه لا ضمان
عليه؛ كما قبل الخلاف.
ب
ودلالة أنه بعد الخلاف مودع أن (٢) المودع من يحفظ مال غيره له بأمره، وهو بعد
الخلاف والاشتغال بالحفظ حافظ مال المالك له بأمره، لأن الأمر تناول ما بعد الخلاف.
قوله الوديعة دخلت في ضمان المودع فيرتفع العقد، قلنا: معنى الدخول في ضمان
المودع أنه انعقد سبب وجوب الضمان، موقوفًا وجوبه على وجود شرطه؛ وهو الهلاك في
(١) سقط من ط.
(٢) في ب: لأن.

٣٦٥
كتاب الوديعة
حالة الخلاف، لكن هذا لم يوجب ارتفاع العقد؛ أليس أن من وكل إنسانًا ببيع عبده بألفي
درهم، فباعه بألف وسلمه إلى المشتري دخل العبد في ضمانه؛ لانعقاد سبب وجوب الضمان
وهو تسليم مال الغير إلى غيره من غير إذنه، ومع ذلك بقي العقد، حتى لو أخذه كان له
[أن](١) يبيعه بألفين؛ كذا هذا.
على أنا إن سلمنا أن العقد انفسخ، لكن في قدر ما فات من حقه، وحكمه وهو الحفظ
الملتزم للمالك في زمان الخلاف، لا فيما بقي في المستقبل؛ كما إذا استحفظه بأجر كل شهر
بكذا، وترك الحفظ - في بعض الشهر، ثم اشتغل به في الباقي، بقي العقد في الباقي [حتى](٢)
يستحق الأجرة بقدرة، والجامع بينهما أن الارتفاع لضرورة فوات حكم العقد، فلا يظهر إلا في
قدر الفائت؛ بخلاف الإجارة والإعارة؛ لأن الإجارة تمليك المنفعة(٣)، وهي تمليك منافع
مقدرة بالمكان أو الزمان، فإذا بلغ المكان المذكور فقد انتهى العقد لانتهاء حكمه، فلا يعود
إلاَّ بالتجديد؛ وكذا الإعارة؛ لأنها تمليك المنفعة عندنا، إلا أنها تمليك المنفعة بغير عوض،
والإجارة تمليك المنفعة بعوض.
وأما حكم عقد الوديعة: فلزوم الحفظ للمالك مطلقًا، أو شهرًا أو زمان ما بعد الخلاف
داخل في المطلق والوقت، فلا ينقضي (٤) بالخلاف، بل يتقرر، فهو الفرق.
ومنها: جحود الوديعة في وجه المالك عند طلبه؛ حتى لو قامت البينة على الإيداع، أو
نكل المودع عن اليمين، أو أقر به - دخلت في ضمانه؛ لأن العقد لما ظهر بالحجة فقد ظهر
ارتفاعه بالجحود أو عنده؛ لأن المالك لما طلب منه الوديعة فقد عزله عن الحفظ، والمودع لما
جحد الوديعة حال حضرة المالك، فقد عزل نفسه عن الحفظ، فانفسخ / العقد، فبقي مال أ
الغير في يده بغير إذنه، فيكون مضمونًا عليه، فإذا هلك تقرر الضمان.
ولو جحد الوديعة ثم أقام البينة على هلاكها، فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما إن أقام
البينة على أنها هلكت بعد الجحود، أو قبل الجحود، أو مطلقًا، فإن أقام البينة على أنها
هلكت بعد الجحود أو مطلقًا [لا ينتفع ببينته](٥)؛ لأن العقد ارتفع بالجحود أو عنده، فدخلت
العين في ضمانه، والهلاك بعد ذلك يقرر للضمان، لا أن يسقطه.
وَإن أقام البينة على أنها هلكت قبل الجحود تسمع بينته، ولا ضمان عليه؛ لأن الهلاك
قبل الجحود لما ثبت بالبينة فقد ظهر انتهاء العقد قبل الجحود، فلا يرتفع(٦) بالجحود، فظهر
أن الوديعة هلكت من غير صنعه، فلا يضمن.
(١) سقط من ط.
(٢) سقط من ط.
(٣) في ب: المنافع.
(٤) في ب: ينتهي.
(٥) في ب: لا تسمع بينته.
(٦) في ب: يتصور ارتفاعه.

٣٦٦
کتاب الوديعة
ولو ادعى الهلاك قبل الجحود ولا بينة له وطلب اليمين من المودع، حلفه/ القاضي بالله
تعالى ما يعلم أنها هلكت قبل جحوده؟ لأنه الأصل في باب الاستحلاف: أن الذي يستحلف
عليه لو كان أمراً لو أقر به الحالف للزمه، فإذا أنكر يستحلف، وهنا كذلك؛ لأن المالك لو أقر
بالهلاك قبل الجحود لقبل منه، ويسقط الضمان عن المودع، فإذا أنكر يستحلف، لكن على
العلم؛ لأنه يستحلف على فعل غيره.
هذا إذا جحد حال حضرة المالك، فإن جحد عند غير المالك حال غيبته، قال أبو
يوسف: لا يضمن، وقال زفر - رحمه الله - يضمن في الحالين جميعًا.
وجه قول زفر إن ما هو سبب وجوب الضمان لا يختلف بالحضرة والغيبة؛ كسائر
الأسباب.
وجه قول أبي يوسف أن الجحود سبب للضمان؛ من حيث إنه يرفع العقد بالعزل على ما
بينا، ولا يصح العزل حالة الغيبة، فلا يرتفع العقد، ولأن الجحود عند غير المالك حال غيبته
معدود من باب الحفظ والصيانة عرفًا وعادةً؛ لأن مبنى الإيداع على الستر والإخفاء، فكان
الجحود عند غير المالك حال غيبته حفظًا معنى، فكيف يكون سببًا لوجوب الضمان؟
ومنها: الإتلاف حقيقة أو معنى، وهو إعجاز المالك عن الانتفاع بالوديعة؛ لأن إتلاف
مال الغير بغير إذنه سبب لوجوب الضمان، حتى لو طلب الوديعة فمنعها المودع مع القدرة
على الدفع والتسليم إليه حتى هلكت - يضمن؛ لأنه لما حبسها عنه عجز عن الانتفاع بها
للحال، فدخلت في / ضمانه، فإذا هلكت تقرر العجز، فيجب الضمان.
ب
ولو أمر غيره بالإتلاف وادعى أنه كان بإذن المالك، لا يصدق إلا ببينة؛ لأن الإتلاف
سبب لوجوب الضمان في الأصل، وقوله كان بإذن المالك، دعوى أمر عارض، فلا تقبل إلا
بحجة، وكذلك المودع إذا خلط الوديعة بماله خلطًا لا يتميز، يضمن؛ لأنه إذا كان لا يتميز
فقد عجز المالك من الانتفاع بالوديعة، فكان الخلط منه إتلافًا، فيضمن، ويصير ملكًا
بالضمان، وإن مات كان ذلك لجميع الغرماء، والمودع أسوة الغرماء فيه، ولو اختلطت [بماله
بنفسها] (١) من غير صنعة، لا يضمن، وهو شريك لصاحبها، أما عدم وجوب الضمان،
فلانعدام الإتلاف منه، بل تلفت بنفسها لانعدام الفعل من جهته، وأما كونه شريكًا لصاحبها
فلوجود معنى الشركة، وهو اختلاط الملكين.
ولو أودعه رَجُلان كل واحد منهما ألف درهم، فخلط المودع المالين خلطًا لا يتميز، فلا
(١) في ب: بمال نفسه.

٣٦٧
كتاب الوديعة
سبيل لهما على أخذ الدراهم، ويضمن المودع لكل واحد منهما ألفًا ويكون المخلوط له،
وهذا قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: هما بالخيار: إن شاءًا اقتسما المخلوط نصفين، وإن شاءا
ضمنا المودع ألفين.
وعلى هذا الخلاف سائر المكيلات والموزونات إذا خلطا الجنس بالجنس خلطًا لا
يتميز؛ كالحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والدهن بالدهن.
وجه قولهما إن الوديعةَ قائمةٌ بعينها، لكن عجز المالك عن الوصول إليها بعارض
الخلط، فإن شاءا اقتسمًا لاعتبار جهة القيام، وإن شاءا ضمنا لاعتبار جهة العجز، وجه
قول أبي حنيفة - رحمه الله - أنه لما خلطهما خلطًا لا يتميز فقد عجز كل واحد منهما عن
الانتفاع بالمخلوط، فكان الخلط منه إتلاف الوديعة عن كل واحدٍ منهما فيضمن، ولهذا
يثبت اختيار التضمين عندهما، واختيار التضمين لا يثبت إلا بوجود الإتلاف، دلَّ أن
الخلط منه وقع إتلافًا.
ولو أودعه رجل حنطة وآخر شعيرًا، فخلطهما، فهو ضامن لكل واحد منهما مثل
حقه عند أبي حنيفة؛ لأن الخلط إتلاف، وعندهما لهما أن يأخذا العين ويبيعاها ويقتسما
الثمن على قيمة الحنطة مخلوطًا بالشعير، وعلى قيمة الشعير غير مخلوط بالحنطة؛ لأن
قيمة الحنطة تنقص بخلط الشعير، وهو يستحق الثمن لقيام الحق في العين وهو مستحق
العين بخلاف قيمة الشعير؛ لأن قيمة الشعير تزداد بالخلط بالحنطة، وتلك الزيادة ملك
الغير، فلا يستحقها صاحب الشعير، ولو أنفق المودع بعض الوديعة، ضمن قدر ما
أنفق، ولا يضمن الباقي؛ لأنه لم يوجد/ منه إلا إتلاف قدر ما أنفق، ولو رد مثله أ
فخلطه بالباقي، يضمن الكل لوجود إتلاف الكل منه، النصف بالإتلاف والنصف الباقي
بالخلط؛ لكون الخلط إتلافًا؛ على ما بينا.
ولو أخذ بعض دراهم الوديعة لينفقها فلم ينفقها، ثم ردها إلى موضعها بعد أيام
فضاعت، لا ضمان علیه عندنا .
وعند الشافعي - رحمه الله - یضمن.
وجه قوله إنه أخذها على وجه التعدي، فيضمن؛ كما لو انتفع بها .
ولنا أن نفس الأخذ ليس بإتلاف، ونية الإتلاف ليس بإتلاف، فلا توجب الضمان،
والأصل فيه ما روي عن رسول الله - وَ ﴿ - أنه قال: إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَزَّ شَأْتُهُ - عَفَا عَنْ

٣٦٨
كتاب الوديعة
أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَفْعَلُوا))(١) ظاهر الحديث يقتضي أن يكون ما حدثت
به النفس عفوًا على العموم إلاّ ما خص بدليلٍ.
وعلى هذا الخلاف إذا أودعه كيسًا مشدودًا فحله المستودع، أو صندوقًا مقفلاً، ففتح
القفل ولم يأخذ منه شيئًا حتى ضاع أو مات المودع، فإن كانت الوديعة قائمة بعينها ترد على
صاحبها؛ لأن هذا عين ماله، ومن وجد عين ماله فهو أحق به على لسان رسول الله وَّه، وإن
كانت لا تعرف بعينها، فهي دين في تركته، يحاص الغرماء؛ لأنه لما مات مجهلاً للوديعة فقد
أتلفها معنى؛ لخروجها من أن تكون منتفعًا بها في حق المالك بالتجهيل وهو تفسير الإتلاف.
ولو قالت الورثة: إنها هلكت أو ردت على المالك، لا يصدقون على ذلك؛ لأن الموت
مجهلاً سبب لوجوب الضمان؛ لكونه إتلافًا، فكان دعوى الهلاك والرد دعوى أمر عارض، فلا
يقبل إلا بحجة، ويحاصّ المودع الغرماء؛ لأنه دين الاستهلاك على ما ذكرنا، فيساوي دين
الصحة، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
(١) تقدم.

.. (١)
كِتَابُ العَارِيَةِ(١)
الكلام في هذا الكتاب يَقَعُ في مواضع: في بيان ركن العارية.
وفي بيان شرائط الركن.
وفي بیان حكم العقد.
وفي بيان ما يملكه المستعير من التصرف في المستعار وما لا يملكه.
وفي بيان صفة الحكم.
وفي بيان حال المستعار، وفي بيان ما يوجب تغير حاله.
(١) العارية لغة مشددة الياء على المشهور، وحكى الخطابي وغيره تخفيفها، وجمعها: عواري بالتشديد
والتخفيف.
قال ابن فَارِسٍ: ويقال لها: العارة أيضاً. قال الشاعر: [الطويل]
فَأَخْلِفْ وَأَتْلِفْ إِنَّمَا المَالُ عَارَةٌ وَكُلْهُ مَعَ الدَّهْرِ الَّذِي هُوَ آكِلُهُ
قال الأزهري: هي مأخوذة من عَار الشيء يعير: إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيّار، وهي
مَنْسُوبَةٌ إلى العارة، بمعنى: الإعارة، وقال الجوهري: هي منسوبة إلى العَارِ؛ لأن طلبها عار وعيب.
وقيل: هي مشتقة من التعاور، من قولهم: اعتوروا الشيء، وتعاوروه، وتعوَّروه: إذا تداولوه بينهم.
وحاصل الأمر أن العارية: تداول الشيء عارية: أعطاه إياه، فعل به مثل ما فعل صاحبه على أن يعيره.
انظر: الصحاح ٧٦١/٢، لسان العرب ٦٢٢/٤.
اصطلاحاً :
عرفها الحنفيةُ بأنها: تمليكُ المنافع بغير عوَضٍ، أو هي إباحة الانتفاع بملك الغير.
عرفها الشافعيةُ بأنها: اسم لإباحة منفعة عين مع بقائها، بشروط مخصوصة.
عرفها المالكيةُ بأنها: تمليكُ منفعة مؤقّتة لا بِعوّضٍ.
عرفها الحنابلةُ بأنها: العَيْنُ المُعَارَةُ من مالكها، أو مالك منفعتها، أو مأذونها في الانتفاع بها مطلقاً، أو
زَمَناً مَعْلوماً بلا عوض.
انظر: تبيين الحقائق ٨٣/٥، المحلى على المنهاج ١٧/٣، مواهب الجليل ٢٦٨/٥، كشاف القناع ٤/
٦٢. أسهل المدارك ٢٩/٣ مجمع الأنهار ٣٤٥/٢ - ٣٤٦.
٣٦٩
بدائع الصنائع ج٨ - ٢٤٣

٣٧٠
كتاب العارية
أما ركنها: فهو الإيجاب من المعير، وأما القبول من المستعير فليس بركنٍ عند أصحابنا
الثلاثة؛ استحسانًا .
ب
والقياس/ أن يكون ركنًا، وهو قول زفر كما في الهبة، حتى أن من حلف لا يعير فلانًا
فأعاره ولم يقبل، يحنث؛ كما إذا حلف لا يهب فلانًا شيئًا فوهبه ولم يقبل وهي مسألة ((كتاب
الهبة)) .
والإيجاب هو أن يقول: أعرتك هذا الشيء، أو منحتك هذا الثوب، أو هذه الدار، أو
أطعمتك هذه الأرض، أو هذه الأرض لك طعمة، أو أخدمتك هذا العبد، أو هذا العبد لك
خدمة، أو حملتك على هذه الدابة، إذا لم ينو به الهبة، أو داري لك سكنى، أو داري لك
عمری سكنى(١).
وأما لفظ الإعارة فصريحٌ في بابها، وأما المنحة فهي اسم للعطية التي ينتفع الإنسان بها
زمانًا ثم يردها على صاحبها؛ وهو معنى العارية(٢).
قال النبي - عليه السلام -: ((المِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، (٣) وَمِنْحَةُ الأرض زِرَاعَتُهَا)) قال النبي - عليه
(١) وتُعْقَدُ بكلٌ فِعْل أو لَفْظِ يَدُلُّ عليها، مثل قوله: أعَزْتُكَ هذا. أو يَدْفَعُ إليه شيئاً، ويقول: أبَحْتُكَ الانْتِفَاعَ
به. أو خُذْ هذاَ فانْتَفِعْ به. أو يقول: أعِزْنِي هذا. أو أعْطِنِي أَرْكَبْه أو أحْمِلْ عليه. ويُسَلِّمُه إليه. وأشباه
هذا؛ لأنه إباحة للتصرف، فصح بالقول والفعل الدال عليه، كإباحة الطعام بقوله وتقديمه إلى الضيف.
ينظر المغني (٣٤٥/٧).
(٢) العارية مندوب إليها .
وليست واجبة، في قول أكثر أهل العلم، وقيل: هي واجبة؛ للآية، ولما روى أبو هريرة، أن النبي وَليه
قال: ((ما من صاحب إيل لا يؤدي حقها)). الحديث.
قيل: يا رسول الله: وما حقها؟ قال: ((إعارة دلوها، وإطراق فحلها، ومنحة لبنها يوم وردها)). فذم الله
تعالى مانع العارية، وتوعده رسول الله ( 98 بما ذكر في خبره. ولنا، قول النبي وَّر: ((إذا أديت زكاة
مالك، فقد قضيت ما عليك)). رواه ابن المنذر. وروي عن النبي ◌َّر، أنه قال: ((ليس في المال حق
سوى الزكاة)). وفي حديث الأعرابي الذي سأل رسول الله وَلهير: ماذا فرض الله علي من الصدقة؟ قال:
((الزَّكاة)). فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: ((لا، إلا أن تطوع شيئاً». أو كما قال. والآية فسرها ابن عمر
والحسن البصري بالزكاة، وكذلك زيد بن أسلم. وقال عكرمة: إذا جمع ثلاثتها فله الويل، إذا سها عن
الصلاة، وراءى، ومنع الماعون.
ينظر المغني (٣٤٠/٧ - ٣٤١).
(٣) أخرجه البزار (٩٩/٢) كتاب ((البيوع))، باب: ((في الشروط))، حديث (١٢٩٦).
من طريق محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَّفي ((المنحة
مردودة والناس على شروطهم ما وافق الحق)).
قال البزار: عبد الرحمن له مناكير، وهو ضعيف عند أهل العلم.
قال الهيثمي في ((المجمع)) (٨٩/٤): رواه البزار وفيه محمد بن عبد الرحمن البيلماني، وهو ضعيف جداً . =

٣٧١
كتاب العارية
لكن يشهد له شواهد عن أبي أمامة وابن عباس وأنس - رضي الله عنهم -. فأما حديث أبي أمامة.
=
فأخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٠) كتاب الوصايا: باب الوصية للوارث حديث (٢٨٧٠) والترمذي (٤٣٣/٤)
كتاب الوصايا: باب لا وصية لوارث حديث (٢١٢٠) وابن ماجه (٩٠٥/٢) كتاب الوصايا: باب لا وصية
لوارث حديث (٢٧١٣) وأحمد (٢٦٧/٥) والطيالسي (١١٧/٢ - منحة) رقم (٢٤٠٧) وسعيد بن منصور
(٤٢٧) والدولابي في ((الكنى)) (٦٤/١) وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان)» (٢٢٧/١) والبيهقي (٢٦٤/٦)
كتاب الوصايا: باب نسخ الوصية للوالدين، كلهم من إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم عن أبي
أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله عليه يقول في خطبته عام حجة الوداع: ((إن الله تبارك وتعالى قد
أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث)».
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وأخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٩٤٩) من طريق الوليد بن مسلم قال: ثنا ابن جابر ثنا سليم بن
عامر سمعت أبا أمامة. قال: سمعت رسول الله ملته .
يقول في خطبته عام حجة الوداع: ((إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث الولد للفراش
وللعاهر الحجر وحسابهم على الله، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله التابعة
إلى يوم القيامة. لا تنفق امرأة من بيت زوجها إلا بإذن زوجها)) قيل يا رسول الله ولا الطعام؟ قال ذلك
أفضل أموالنا ثم قال: ((العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم».
قال الترمذي: وفي الباب عن عمرو بن خارجة وأنس وهو حديث حسن صحيح. وقد روي عن أبي أمامة عن
النبي 18َّ من غير هذا الوجه ورواية إسماعيل بن عياش عن أهل العراق وأهل الحجاز ليس بذلك فيما تفرد به
لأنه روي عنهم مناكير وروايته عن أهل الشام أصح هكذا قال محمد بن إسماعيل قال: سمعت أحمد بن
الحسن يقول قال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن عياش أصلح حديثاً من بقية ولبقية أحاديث مناكير عن الثقات
وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول سمعت زكريا بن عدي يقول قال أبو إسحاق الفزاري خذوا عن بقية ما
حدث عن الثقات، ولا تأخذوا عن إسماعيل بن عياش ما حدث عن الثقات ولا عن غير الثقات.
وأما حديث ابن عباس فذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٥٨/٤)، وقال: رواه الطبراني في ((كتاب مسند
الشاميين)) حدثنا أحمد بن أنس بن مالك ثنا هشام بن عمار ثنا محمد بن شعيب ثنا عبد الرحمن بن
يزيد بن جابر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أنس بن مالك، قال: إني لتحت ناقة رسول الله وله
يسيل عليّ لعابها، فسمعته يقول: ((إن الله جعل لكل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث، لا تنفق
المرأة))، إلى آخر اللفظ الأول.
وأما حديث أنس رضي الله عنه.
فذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٥٨/٤)، وقال: فأخرجه ابن عدي في ((الكامل)) عن إسماعيل بن زياد
السكوني ثنا سفيان الثوري عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي وَّ قال:
((الزعيم غارم، والدين مقضي، والعارية مؤداة، والمنحة مردودة)). انتهى. وأعله بإسماعيل هذا، وقال:
إنه منكر الحديث، لا يتابع على عامة ما يرويه، انتهى. وقال ابن طاهر: إسماعيل بن زياد، ويقال: ابن
أبي زياد شيخ دجال: لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح، انتهى.
يعني رواية أبي أمامة.

٣٧٢
كتاب العارية
الصلاة والسلام ـ ((آزْرَغْهَا أَوِ آمْنَخْهَا أَخَاكَ))(١) وكذا الإطعام المضاف إلى الأرض هو إطعام
منافعها التي تحصل منها بالزراعة من غير عوضٍ عرفًا وعادةً؛ وهو معنى العارية.
وأما إخدام العبد إياه فجعل خدمته بغير عوضٍ وهو تفسير العارية؛ وكذا قوله: داري لك
سكنى، أو عمرى سكنى، هو جعل سكنى الدار له من غير عوضٍٍ وسكنى الدار منفعتها
المطلوبة منها عادةً، فقد أتى بمعنى الإعارة.
وأما قوله: حملتك على هذه الدابة، فإنه يحتمل الإعارة والهبة، فأي ذلك نوى فهو على
ما نوى؛ لأنه نوى ما يحتمل لفظه، وعند الإطلاق ينصرف إلى العارية لأنها أدنى، فكان
الحمل عليها أولى، ولو قال داري لك رقبى، أو حبس (٢)، فهو عارية عند أبي حنيفة ومحمد،
وعند أبي يوسف هبة، وقوله: رقبى أو حبس(٣) - باطلٌ وهي مسألة ((كتاب الهبة).
فصل في شرائط الركن
وأما الشرائط التي تصير الركن بها إعارة شرعًا، فأنواعٌ:
منها: العقل، فلا تصح الإعارة من المجنون والصبي الذي لا يعقل (٤).
وأما البلوغ فليس بشرط عندنا؛ حتى تصح الإعارة من الصبي المأذون؛ لأنها من توابع
التجارة، وأنه يملك التجارة، فيملك ما هو من توابعها.
وعند الشافعي لا يملك، وهي مسألة ((كتاب المأذون)).
وكذا الحرية ليست بشرط، فيملكها العبد المأذون؛ لأنها من توابع التجارة، فيملك
بملك ذلك(٥) .
ومنها: القبض من المستعير؛ لأن الإعارة عقد تبرع، فلا يفيد الحكم بنفسه بدون القبض
كالهبة .
ومنها: أن يكون المستعار مما يمكن الانتفاع بدون استهلاكه، فإن لم يكن، لا تصح
أ إعارته؛ لأن حكم العقد/ ثبت في المنفعة لا في العين، إلا إذا كانت ملحقة بالمنفعة؛ على ما
نذكره في موضعه.
(١) تقدم.
(٢) في ب: حبيس.
(٣) في ب: حبيس.
(٤) ولا تصح العارية إلا من جائز التصرف لأنه تصرف في المال فأشبه التصرف في البيع.
(٥) في ب: التجارة.

٣٧٣
كتاب العارية
فصل في حكم العقد
وأما بيان حكم العقد فالكلام فيه في موضعين.
أحدهما: في بيان أصل الحكم.
والثاني: في بیان صفته.
أما الأول فهو ملك المنفعة: للمستعير بغير عوضٍ، أو ما هو ملحق بالمنفعة عرفًا وعادةً
عندنا، وعند الشافعي: إباحة المنفعة، حتى يملك المستعير الإعارة عندنا في الجملة كالمستأجر
يملك الإجارة، وعنده لا يملكها أصلاً، كالمباح له الطعام لا يملك الإباحة من غيره.
وجه قول الشافعي دلالة الإجماع والمعقول: أما الإجماع فلجواز العقد من غير أجل،
ولو كان تمليك المنفعة لما جاز من غير أجلٍ كالإجارة؛ وكذا المستعير لا يملك أن يؤجر
العارية، ولو ثبت الملك له في المنفعة لملك كالمستأجر.
وأما المعقول: فهو أن القياس يأبى تمليك المنفعة؛ لأن بيع المعدوم لانعدام المنفعة
حالة العقد، والمعدوم لا يحتمل البيع؛ لأنه بيع ما ليس عند الإنسان، وقد نهى رسولُ
الله - رَّ - عنه، إلا أنها جعلت موجودة عند العقد في باب الإجارة حكمًا للضرورة، ولا
ضرورة إلى الإعارة، فبقيت المنافع فيها على أصل العدم.
ولنا: أن المعير سلطه على تحصيل المنافع وصرفها إلى نفسه على وجه زالت يده عنها،
والتسليط على هذا الوجه يكون تمليكًا لا إباحة كما في الأعيان، وَإنما صح من غير أجل؛ لأن
بيان الأجل للتحرز عن الجهالة المفضية إلى المنازعة، والجهالة في باب العارية لا تفضي إلى
المنازعة؛ لأنها عقد جائز غير لازم، ولهذا المعنى لا يملك الإجارة؛ لأنها عقد لازم،
والإعارة عقد غير لازم. فلو ملك الإجارة لكان فيه إثبات صفة اللزوم بما ليس بلازم، أو
سلب صفة اللزوم عن اللازم، وكل ذلك باطل.
وقوله المنافع منعدمة عند العقد، قلنا: نعم، لكن هذا لا يمنع جواز العقد كما في
الإجارة، وهذا لأن العقد الوارد على المنفعة عندنا عقد مضاف إلى حين وجود المنفعة، فلا
ينعقد في حق الحكم إلا عند وجود المنفعة شيئًا فشيئًا على حسب حدوثها، فلم يكن بيع
المعدوم ولا بيع ما ليس عند الإنسان(١).
(١) قال ابن قدامة: وتجوز إعارة كل عين ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها على الدوام، كالدور، والعقار،
والعبيد، والجواري، والدواب، والثياب، والحلي للبس. والفحل للضراب، والكلب للصيد، وغير
ذلك؛ لأن النبي وَلتر استعار أدرعا، وذكر إعارة دلوها وفحلها. وذكر ابن مسعود عارية القدر والميزان، =

٣٧٤
كتاب العارية
وعلى هذا تخرج إعارة الدراهم والدنانير أنها تكون قرضًا لا إعارة؛ لإن الإعارة لما
كانت تمليك المنفعة أو إباحة المنفعة على اختلاف الأصلين، ولا يمكن الانتفاع [بها](١) إلا
باستهلاكها، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتصرف في العين لا في المنفعة، ولا يمكن تصحيحاً
إعارة حقيقية، فتصحح قرضًا مجازًا؛ لوجود معنى الإعارة فيه، حتى لو استعار حليًّا ليتحمل
به، صح؛ لأنه يمكن الانتفاع به من غير استهلاك بالتجمل، فأمكن العمل بالحقيقة، فلا
ضرورة إلى الحمل على المجاز؛ وكذا إعارة كل ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه
كالمكيلات والموزونات يكون قرضًا لا إعارة؛ لما ذكرنا أن محل حكم الإعارة المنفعة لا
العين(٢)، إلا إذا كان ملحقًا بالمنفعة عرفًا وعادةً،؛ كما إذا منح إنسانًا شاتًا أو ناقة لينتفع بلبنها
ووبرها مدة ثم يردها على صاحبها؛ لأن ذلك معدود من المنافع عرفًا وعادة فكان له حكم
المنفعة، وقد روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((هَلْ مِنْ أَحَدٍ يَمْنَحُ مِنْ إِلِهِ نَاقَةً
أَهْلَ بَيْتٍ لاَ دَرَّ لَهُمْ)) وهذا يجري مجرى الترغيب. كمن منح منحة ورق أو منحة لبن(٣) كان له
بعدل رقبة.
وكذا لو منح جدياً أو عناقًا، كان عارية؛ لأنه يعرض أن ينتفع بلبنه وصوفه، ويتصل بهذا
الفصل بيان ما يملكه المستعير من التصرف في المستعار وما لا يملكه، فنقول وبالله التوفيق:
جملة الكلام فيه أن عقد الإعارة لا يخلو من أحد وجهين: إما إن كان مطلقًا، وإما إن
كان مقيدًا(٤)، فإن كان مطلقًا بأن أعار دابته إنسانًا ولم يسم مكانًا ولا زمانًا، ولا الركوب ولا
الحمل، فله أن يستعملها في أي مكان وزمان شاء، وله أن يركب أو يحمل؛ لأن الأصل في
المطلق أن يجري على إطلاقه، وقد ملكه منافع العارية مطلقاً، فكان له أن يستوفيها على الوجه
الذي ملكها، إلاَّ أنه لا يحمل عليها ما يعلم أن مثلها لا يطيق بمثل هذا الحمل، ولا يستعملها
فيثبت الحكم في هذه الأشياء، وما عداها مقيسٌ عليها إذا كان في معناها. ولأن ما جاز للمالك استيفاؤه
=
من المنافع، ملك إباحته إذا لم يمنع منه مانع كالثياب. ولأنها أعيان تجوز إجارتها، فجازت إعارتها،
كالثياب. ويجوز استعارة الدراهم والدنانير ليزن بها، فإن استعارها لينفقها، فهذا قرض. وهذا قول
أصحاب الرأي. وقيل: ليس هذا جائزاً، ولا تكون العارية في الدنانير، وليس له أن يشتري بها شيئاً.
ولنا، أن هذا معنى القرض، فانعقد القرض به، كما لو صرح به. ينظر المغني (٣٤٥/٨ - ٣٤٦).
(١) سقط من ط.
(٢) في ط: بالعين.
(٣) في ط: لبس.
(٤) لأنها إباحة فجاز فيها ذلك كإباحة الطعام. ولأن الجهالة إنما تؤثر في العقود اللازمة، فإذا أعاره شيئاً
مطلقاً، أبيح له الانتفاع به في كل ما هو مستعد له من الانتفاع.
ينظر المغني (٣٤٦/٧).

٣٧٥
كتاب العارية
ليلاً ونهارًا ما لا يستعمل مثلها من الدواب لذلك عادةً؛ حتى لو فعل فعطبت يضمن؛ لأن
العقد وَإن خرج مخرج الإطلاق لكن المطلق يتقيد بالعرف والعادة دلالة؛ كما يتقيد (١) نَصًّا،
وله أن يعير العارية عندنا، سواء كانت العارية مما يتفاوت في / استيفاء المنفعة أو لا؛ لأن
إطلاق العقد يقتضي ثبوت الملك للمستعير، فكان هو في التمليك من غيره على الوجه الذي
ملكه متصرفًا في ملك نفسه؛ إلاَّ أنه لا يملك الإجارة لما قلنا.
فإن آجر وسلم إلى المستأجر ضمن؛ لأنه دفع مال الغير إليه بغير إذنه فصار غاصباً فإن شاء
ضمنه، وإن شاء ضمن المستأجر لأنه قبض مال الغير بغير إذنه كالمشتري من الغاصب، إلا أنه إذا
ضمن المستعير لا يرجع بالضمان على المستأجر؛ لأنه ملكه بأداء الضمان، فتبين أنه آجر ملك نفسه.
وَإن ضمن المستأجر، فإن كان عالمًا بكونها عارية في يده، لا يرجع على المستعير، وَإن
لم يكن عالما بذلك يرجع عليه؛ لأنه إذا لم يعلم به فقد صار مغرورًا من جهة المستعير،
فيرجع عليه بضمان الغرور، وهو ضمان الكفالة في الحقيقة، وإذا كان عالمًا لم يصر مغرورًا
من جهته، فلا يرجع عليه.
وهل يملك الإيداع؟ اختلف المشايخ فيه، قال مشايخ العراق: يملك، وهو قول بعض
مشايخنا، لأنه يملك الإعارة، فالإيداع أولى؛ لأنها دون الإعارة.
وقال بعضهم: لا يملك استدلالاً بمسألة مذكورة في ((الجامع الصغير))، وهي أن
المستعير إذا رد العارية على يد أجنبي ضمن، ومعلوم أن الرد على يده إيداع إياه، ولو ملك
الإيداع لما ضمن، وإن كان مقيدًا فيراعى فيه القيد ما أمكن؛ لأن أصل اعتبار تصرف العاقل
على الوجه الذي تصرف، إلا إذا لم يمكن اعتباره لعدم الفائدة، ونحو ذلك، فلغا الوصف؛
لأن ذلك يجري مجرى العبث، ثم إنما يراعى القيد فيما دخل، لا فيما لم يدخل؛ لأن المطلق
إذا قيد ببعض الأوصاف يبقى مطلقًا فيما وراءه، فيراعي عند(٢) الإطلاق فيما وراءه.
بيان هذه الجملة في مسائل: إذا أَعَار إنسانًا دابة على أن يركبها المستعير بنفسه، ليس له
أن يعيرها من غيره؛ وكذلك إذا أعاره ثوبًا على أن يلبسه بنفسه؛ لما ذكرنا أن الأصل في المقيد
اعتبار القيد فيه، إلا إذا تعذر اعتباره، واعتبار هذا القيد ممكنً؛ لأنه مقيد لتفاوت الناس في
استعمال الدواب والثياب ركوبًا ولبسًا، فلزم اعتبار القيد فيه، فإن فعل حتى هلك ضمن؛ لأنه
خالف، وَإن ركب بنفسه وأردف غيره فعطبت، فإن كانت الدابة مما تطيق/ حملهما جميعًا ب
يضمن نصف قيمة الدابة؛ لأنه لم يخالف إلا في قدر النصف، وإن كانت الدابة مما لا تطيق
حملهما، ضمن جميع قيمتها؛ لأنه استهلكها.
(١) في ب: بالتقيد.
(٢) في ب: صفة.

٣٧٦
كتاب العارية
ولو أعاره داراً ليسكنها بنفسه(١)، فله أن يسكنها غيره؛ لأن المملوك بالعقد السكني
والناس لا يتفاوتون فيه عادةً، فلم يكن التقييد بسكناه مفيدًا فيلغو، إلا إذا كان الذي يسكنها إياه
حدادًا أو قصارًا ونحوهما ممن يوهن عليه البناء، فليس له أن يسكنها إياه، ولا أن يعمل بنفسه
ذلك؛ لأن المعير لا يرضى به عادة، والمطلق يتقيد بالعرف والعادة؛ كما في الإجارة(٢).
ولو أعاره دابة على أن يحمل عليها عشرة مخاتيم شعير، فليس له أن يحمل عليها عشرة
مخاتيم حنطة؛ لأن الحنطة أثقل من الشعير، فكان اعتبار القيد مفيدًا / فيعتبر، ولو أعارها على
أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة، فله أن يحمل عليها عشرة مخاتيم شعيرًا أو دخناً أو أرزًا
أو غير ذلك مما يكون مثل الحنطة أو أخف منها، استحساناً، والقياسُ أن لا يكون له ذلك،
حتى أنها لو عطبت لا يضمن استحسانًا، والقياسُ أن يضمن، وهو قول زفر؛ لأنه خالف.
وجواب الاستحسان أن هذا وإن كان خلافًا صورة، فليس بخلاف معنى؛ لأن المالك
يكون راضيًا به دلالة، فلم يكن التقييد بالحنطة مفيدًا، وصار كما لو شرط عليه أن يحمل عليها
عشرة مخاتيم من حنطة نفسه، فحمل عليها عشرة مخاتيم من حنطة غيره؛ فإنه لا يكون مخالفًا
حتى لا يضمن؛ كذا هذا.
ولو قال عَلَى أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة، ليس له أن يحمل عليها حطبًا أو تبنًا
أو آجرًا أو حديدًا أو حجارة، سواء كان مثلها في الوزن أو أخف؛ لأن ذلك أشق على الدابة أو
أنكى لظهرها أو أعقر، ولو فعل حتى عطبت، ضمن.
ولو قال: على أن يحمل عليها مائة مَنْ قُطْئًا، فحمل عليها مثله من الحديد وزنًا،
فعطبت، يضمن؛ لأن القطن ينبسط عل ظهر الدابة، فكان ضرورته أقل من الحديد؛ لأنه يكون
في موضع واحد، فكان ضرره بالدابة أكثر، والرضا بأدنى الضررين لا يكون رضًا بأعلاهما،
فكان التقييد مفيدًا، فيلزم اعتباره.
ولو قال: عَلَى أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة، فحمل عليها من الحنطة زيادة على
المسمى في القدر، فعطبت نظر في ذلك، فإن كانت الزيادة مما لا تطيق الدابة حملها، يضمن
جميع قيمتها؛ لأن حمل ما لا تطيق الدابة/ إتلاف للدابة، وإن كانت الدابة مما تطيق حملها
يضمن من قيمتها قدر الزيادة؛ حتى لو قال: على أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة، فحمل
عليها أحد عشر مختومًا، فعطبت، يضمن جزءاً من أحد عشر جزءاً من قيمتها؛ لأنه لم يتلف
منها إلا هذا القدر، ولو قيدها بالمكان بأن قال: على أن يستعملها في مكان كذا في المصر،
١
(١) في ب: المستعير.
(٢) المخاتيم: جمع مختوم، والمختوم: الصاع. انظر ترتيب القاموس (ختم).

٣٧٧
كتاب العارية
يتقيد به، وله أن يستعملها في أي وقت شاء بأي شيء شاء؛ لأن التقييد لم يوجد إلا بالمكان،
فبقي مطلقًا فيما وراءه، لكنه لا يملك أن يجاوز ذلك المكان؛ حتى لو جاوزه دخل في
ضمانه، ولو أعادها إلى المكان المأذون، لا يبرأ عن الضمان؛ حتى لو هلكت من قبل التسليم
إلى المالك يضمن، وهذا قول أبي حنيفة - عليه الرحمة - الآخر، وكان يقول أولاً يبرأ عن
الضمان كالمودع إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق ثم رجع.
ووجه الفرق بين العارية والوديعة قد ذكرناه في ((كتاب الوديعة))؛ وكذلك لو قيدها بالزمان
بأن قال: على أن يستعملها يومًا يبقى مطلقًا فيما وراءه؛ لكنه يتقيد بالزمان؛ حتى لو مضى
اليوم ولم يردها على المالك حتى هلكت، يضمن؛ لما قلنا؛ وكذلك لو قيدها بالحمل.
وكذلك لو قيدها بالاستعمال بأن قال: على أن يستعملها حتى لو أمسكها ولم يستعملها
حتى هلكت، يضمن؛ لأن الإمساك منه خلاف فيوجب الضمان، ولو اختلف المعير أو
المستعير في الأيام أو المكان أو فيما يحمل عليها، فالقول قول المعبر؛ لأن المستعير يستفيد
ملك الانتفاع من المعير، فكان القول في المقدار والتعيين قوله، لكن مع اليمين؛ دفعاً للتهمة.
فصل في صفة الحكم
وأما صفة الحكم، فهي أن الملك الثابت للمستعير ملك غير لازم؛ لأنه ملك لا يقابله
عوض، فلا يكون لازمًا كالملك الثابت بالهبة، فكان للمعير أن يرجع في العارية، سواء أطلق
العارية أو وقت لها وقتًا.
وَعَلى هذا إذا استعار من آخر أرضًا ليبني عليها أو ليغرس فيها، ثم بَدًا للمالك أن
يخرجه، فله ذلك، سواء كانت العارية مطلقة أو مؤقتة؛ لما قلنا؛ غير أنها إن كانت مطلقة له
أن يجبر المستعير على قلع الغرس ونقض البناء لأن في الترك ضرراً بالمعير لأنه لا نهاية له،
وإذا قلع ونقض لا يضمن المعير شيئًا من قيمة الغرس والبناء؛ لأنه لو وجب عليه الضمان
لوجب بسبب الغرور(١) ولا غرور من جهته؛ حيث أطلق العقد ولم يوقت فيه وقتًا، فأخرجه
قبل الوقت، بل هو الذي غرر نفسه حيث حمل المطلق على الأبد، وإن كانت موقتة فأخرجه
قبل الوقت / لم يكن له أن يخرجه ولا يجبر على النقض والقلع، والمستعير بالخيار: إن شاء
ضمن صاحب الأرض قيمة غرسه وبنائه قائمًا سليمًا وترك ذلك عليه؛ لأنه لما وقت للعارية
وقتّا ثم أخرجه قبل الوقت فقد غره، فصار كفيلاً عنه فيما يلزمه من العهدة؛ إذ ضمان الغرور
(١) الغرور: الخديعة؛ يقال: غَرَّهُ غَرًّا وغُرُوراً وغرَّةٌ - بالكسر - فهو مغرور وغَرِيرٌ: خَدَعَهُ وأطعمه بالباطل؛
فاغترَّ هو انظر ترتيب القاموس (غرر).

٣٧٨
كتاب العارية
كفالة، فكان له أن يرجع عليه بالضمان ويملك صاحب الأرض البناء والغرس بأداء الضمان؛
لأن هذا حكم المضمونات أنها تملك بأداء الضمان، وإن شاء أخذ غرسه وبناءه ولا شيء على
صاحب الأرض؛ ثم إنما يثبت خيار القلع والنقض للمستعير إذا لم يكن القلع أو النقض مضرًّا
بالأرض، فإن كان مضرًا بها، فالخيار للمالك؛ لأن الأرض أصل، والبناء والغرس تابعٌ لها،
فكان المالك صاحب أصل والمستعير صاحب تبع، فكان إثبات الخيار لصاحب الأصل أولى،
إن شاء أمسك الغرس والبناء بالقيمة، وَإن شاء رضي بالقلع والنقض.
هذا إذا استعار أرضًا للغرس أو البناء، فأما إذا استعار أرضًا للزراعة فزرعها، ثم
أراد صاحب الأرض أن يأخذها، لم يكن له ذلك حتى يحصد الزرع، بل يترك في يده
إلى وقت الحصاد بأجر المثل؛ استحسانًا، في القياس أن يكون له ذلك كما في البناء
والغرس.
وَوَجْه الفرق للاستحسان أن النظر من الجانبين ورعاية الحقين واجبٌ عند الإمكان،
وذلك ممكن في الزرع؛ لأن إدراك الزرع له وقت معلوم، فيمكن النظر من الجانبين، جانب
المستعير لا شك فيه، وجانب المالك بالترك إلى وقت الحصاد بالأجر، ولا يمكن في الغرس
والبناء؛ لأنه ليس لذلك وقت معلوم، فكان مراعاة صاحب الأصل أَوْلَى.
وقالوا في باب الإجارة إذا انقضت المدة والزرع بقل لم يستحصد؛ أنه يترك في يد
المستأجر إلى وقت الحصاد بأجر المثل؛ كما في العارية لما قلنا؛ بخلاف باب الغصب؛ لأن
الترك للنظر، والغاصب جان، فلا يستحق النظر، بل يجبر(١) على القلع.
فصل في بيان حال المستعار
وأما بيان حال المستعار، فحاله أنه أمانة في يد المستعير في حال الاستعمال بالإجماع،
فأما في غير حال الاستعمال فكذلك عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - مضمون؛ واحتج بما
رُويَ أن رسول الله - اسْتَعَارَ مِنْ صفوانَ درْعًا يَوْم حُنَين، فَقَالَ صَفْوَانْ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَال
عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ -: بَلْ عَارِيَّةً مَضْمُونَةً(٢) ولأن العين مضمونة الرد حال قيامها، فكانت
(١) في ب: يزجر.
(٢) أما الحديث بلفظ: بل عارية مضمونه فأخرجه أحمد (٤٠١/٣) وأبو داود (٨٢٢/٣) كتاب البيوع: باب
تضمين العارية حديث (٣٥٦٢) والدارقطني (٣٩/٣) كتاب البيوع حديث (١٦١) والحاكم (٤٧/٢)
والبيهقي (٨٩/٦) كتاب العارية: باب العارية مضمونة، كلهم من طريق شريك عن عبد العزيز بن رفيع =

٣٧٩
كتاب العارية
مضمونة القيمة حال هلاكها كالمغصوب؛ وهذا لأن العين اسم للصورة والمعنى، وبالهلاك إن
عجز عن رد، الصورة لم يعجز عن رد المعنى؛ لأن القيمة الشيء معناه، فيجب عليه رده
بمعناه كما في الغصب؛ ولأنه قبض مال الغير لنفسه فيكون مضمونًا عليه؛ كالمقبوض على
سوم الشراء.
= عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه أن رسول الله و ﴿ استعار منه أدراعاً يوم حنين فقال: أغصب يا محمد
فقال: لا بل عارية مضمونة.
وأخرجه أبو داود (٨٢٣/٣) كتاب البيوع: باب تضمين العارية حديث (٣٥٦٣) والبيهقي (٨٩/٦) كتاب
العارية: باب العارية مضمونة، من طريق جرير عن عبد العزيز عن أناس من آل عبد الله بن صفوان أن
رسول الله ◌َ و قال: ((يا صفوان هل عندك من سلاح)) قال: عارية أم غصباً قال: ((لا بل عارية)) فأعاره ما
بين الثلاثين إلى الأربعين درعاً .... )).
وأخرجه البيهقي (٨٩/٦ - ٩٠) كتاب العارية: باب العارية مضمونة، من طريق جعفر بن محمد عن أبيه
أن صفوان بن أمية أعار رسول الله و # سلاحاً من ثمانون درعاً فقال له أعارية مضمونة أم غصباً فقال
رسول الله وَ لجر: ((بل عارية مضمونة)) وفي الباب عن جابر.
أخرجه الحاكم (٤٨/٣ - ٤٩) والبيهقي (٨٩/٦) كتاب العارية: باب العارية مضمونة، من طريق ابن
إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله أن رسول
الله ◌َّ سار إلى حنين - وفيه - ثم بعث رسول الله ◌َل* إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعاً عنده مائة درع
وما يصلحها من عدتها فقال: أغصباً يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة حتى نؤديها عليك ثم خرج
رسول الله رَ* سائراً.
قال الحاكم: صحيح الإسناد لم يخرجاه ووافقه الذهبي.
أما الحديث بلفظ: بل عارية مؤداة.
فأخرجه أبو داود (٨٢٦/٣) كتاب البيوع: باب تضمين العارية حديث (٣٥٦٦) وابن حبان (١١٧٣ -
موارد) وأحمد (٢٢٢/٤) والدارقطني (٣٩/٣) كتاب البيوع حديث (١٥٩) من طريق حبان بن هلال ثنا
همام بن يحيى ثنا قتادة عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلى بن أمية قال: قال لي رسول الله وَليه:
((إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعاً وثلاثين بعيراً فقلت: يا رسول الله أعارية مضمونة أم عارية مؤداة
قال: بل عارية مؤداة.
صححه ابن حبان وقال ابن حزم في ((المحلى)) (١٧٣/٩): حديث حسن: ليس في شيء مما يروى في
العارية خبر يصح غيره.
وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)» (ص - ١٨٣) رقم (٩١٣): رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن
حبان: اهـ.
وله شاهد من حديث ابن عباس.
أخرجه الدارقطني (٣٨/٣) كتاب البيوع حديث (١٥٧) والحاكم (٤٧/٢) والبيهقي (٨٨/٦) من طريق
عكرمة عن ابن عباس به.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

٣٨٠
كتاب العارية
ولنا: أنه لم يوجد من المستعير سبب وجوب الضمان، فلا يجب عليه الضمان كالوديعة
والإجارة، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الضمان لا يجب على المرء بدون فعله، وفعله الموجود منه
ظاهرًا هو العقد والقبض، وكل واحدٍ منهما لا يصلح سببًا لوجوب الضمان.
أما العقد؛ فلأنه عَقْدُ تبرع بالمنفعة تمليكًا أو إباحة على اختلاف الأصلين، وأما القبض
فلو جھین :
(أحدهما) : إن قبض مال الغير بغير إذنه لا يصلح سببًا لوجوب الضمان، فبالإذن
أولى؛ وهذا لأن قبض مال الغير بغير إذنه هو إثبات اليد على مال الغير وحفظه وصيانته عن
الهلاك، وهذا إحسان في حق المالك؛ قال الله - تبارك وتعالى جلَّ شأنه -: ﴿هَلْ جَزَاءُ
الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وقال - تبارك وتعالى -: ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾
[التوبة: ٩١] دلَّ أن قبض مال الغير بغير إذنه لا يصلح سببًا لوجوب الضمان، فمع الإذن أولى.
(الثاني) : إن القبض المأذون فيه لا يكون تعديًا؛ لأنه لا يفوت يد المالك، ولا ضمان
إلا على المتعدي؛ قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿فَلاَ عُذْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]
بخلاف قبض الغصب.
وأما الاستدلال بضمان الرد، قلنا إن وجب عليه رد العين حال قيامها، لم يجب عليه رد
القيمة حال هلاكها، وقوله قيمتها معناها، قلنا: ممنوعٌ وهذا لأن القيمة هي الدراهم والدنانير،
والدراهم والدنانير عين أخرى لها صورة ومعنى غير العين الأولى، فالعجز عن رد أحد العينين
لم يوجب رد العين الأخرى، وفي باب الغصب لا يجب عليه ضمان القيمة بهذا الطريق، بل
ب بطريق آخر وهو إتلاف المغصوب معنى لما علم، وهنا لم يوجد، حتى لو وجد يجب/
الضمان، ثم نقول إنما وجب عليه ضمان الرد؛ لأن العقد متى انتهى بانتهاء المدة أو بالطلب
بقي العين في يده كالمغصوب، والمغصوب مضمون الرد حال قيامه، ومضمون القيمة حال
هلاكه، وعندنا إذا هلكت في تلك الحالة ضمن.
وأما قوله قبض مال الغير لنفسه، فنعم، لكن قبض مال الغير لنفسه بغير إذنه لا يصلح
سببًا لوجوب الضمان؛ لما ذكرنا، فمع الإذن أَوْلَى.
والمقبوض على سوم الشراء غير مضمون بالقبض، بل بالعقد بطريق التعاطي بشرط
الخيار الثابت دلالة لما علم، ولا حجة له في حديث صفوان؛ لأن الرواية قد اختلفت، فقد
روي أنه هرب من رسول الله وَ ر - فأرسل إليه فأمنه [فأسلم](١) وكان رسول الله - وَله - يريدُ
(١) سقط من ط.