النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ کتاب الإباق لضاع، ولا يؤخذ لصاحبه، ويتحمل مؤنة الأخذ والرد عليه(١) مجانًا بلا عوض عادةً، وإذا علم أن له عليه جعلاً تحمل مشقة/ الأخذ والرد، طمعًا في الجعل، فتحصل الصيانة عن الضياع، فكان استحقاق الجعل طريق صيانة الآبق عن الضياع، وصيانة المال عن الضياع واجب، / فكان المالك شارطًا للأجر عند الأخذ والرد دلالة؛ بخلاف الضالة؛ لأن الدابة إذا ضلت فَإنها ترعى في المراعي المألوفة، فيمكن الوصول إليها بالطلب عادة، فلا تضيع دون الأخذ، فلا حاجة إلى الصيانة بالجعل، فَإن أخذه آخذ كان في الأخذ والرد محتسباً فلا يستحق الأجر، فهو الفرق، وأما سبب استحقاق الجعل، فهو الأخذ لصاحبه؛ لأنه طريق الصيانة على المالك وهو معنى التسبب. فصل في شروط الاستحقاق وأما شرائط الاستحقاق فأنواع: منها: الرد على المالك؛ لأن الصيانة تحصل عنده وهو معنى الشرط أن توجد العلة عند وجوده، حتى لو أخذه فمات أو أبق من يده قبل الرد، لا يستحق الجعل، ولو أخذه فأبق من يده فأخذه غيره فرده على المالك، فالجعل للثاني ولا شيء للأول؛ لأنه لما أبق من يده فقد انفسخ ذلك السبب أو بقي ذلك سببًا محضاً؛ لانعدام شرطه؛ وهو الرد على المالك، وقد وجد السبب والشرط من الثاني، فكان الأول صاحب سبب محض، والسبب المحض لا حكم له، والثاني صاحب علة، فيكون الجعل له. ولو كان الراد واحدًا والآبق اثنين، فله جعلان لوجود سبب الاستحقاق وشرطه في كل واحد منهما، ولو كان الراد اثنين والآبق واحدًا، فلهما جعل واحد بينهما نصفان؛ لاشتراكهما في مباشرة السبب والشرط، ولو كان الراد واحدًا والآبق واحدًا والمالك اثنين، فعليهما جعل واحد على قدر ملكيهما . ولو جاء بالآبق فوجد المالك قد مات، فله الجعل في تركته؛ لوجود الرد على المالك من حيث المعنى بالرد على التركة، ثم إن كان عليه دين محيط بماله، فهو أحق بالعبد حتى يعطي الجعل لما ذكرنا، وإن لم يكن له مال سوى العبد يقدم الجعل على سائر الديون، فيباع العبد ويبدأ بالجعل من ثمنه، ثم يقسم الباقي بين الغرماء؛ لأنه كان أحق بحبسه من بين سائر الغرماء، لاستيفاء الجعل، فكان أحق بثمنه بقدر الجعل كالمرتهن. (١) في ب: حصل على كل واحد منهما والآبق واحد لوجود سبب. ٣٤٢ كتاب الإباق هذا إذا جاء به أجنبيٍّ فوجد المالك قد مات، فأما إذا جاء به وارث الميت، فوجد مورثه قد مات، فله الجعل عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - إذا كان المالك حيًّا وقت الأخذ، وعند أبي يوسف: لا جعل له وإن كان حيًّا وقت الأخذ إذا مات قبل الوصول إليه. ب وجه قوله إنه فات شرط الاستحقاق وهو الرد على / المالك؛ لأنه رد على نفسه وجه قولهما إن المجيء به من مسيرة ثلاثة أيام - مثلاً - في حال حياة المالك على قصد الرد، رد على المالك فيستحق الجعل، كما إذا وجده حَيًّا؛ ولهذا لو كان الراد أجنبيًّا استحق الجعل لما قلنا؛ كذا هذا. ولو جاء به فأعتقه مولاه قبل أن يرده عليه أو باعه منه، فله الجعل لما ذكرنا أن المجيء به على قصد الرد على المالك، رد عليه ويجب الجعل برد الآبق المرهون؛ لوجود سبب الوجوب وشرطه وهو الرد على المالك، إلا أنه يجب على المرتهن؛ لأن منفعة الصيانة رجعت إليه . ألا ترى أنه لو ضاع يسقط دينه بقدر قيمته، فإذا كانت المنفعة له كانت المضرة عليه؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ)) وسواء كان الراد بالغًا أو صبيًّا، حرًّا أو عبدًا؛ لأن الصبي من أهل استحقاق الأجر بالعمل، وكذا العبد، إلاَّ أن الجعل لمولاه؛ لأنه ليس من أهل ملك المال، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ومنها: أن لا يكون الراد على المالك في عيال المالك، حتى لو كان في عياله لا جعل له، سواء كان وارثًا أو أجنبيًّا؛ لأنه إذا كان في عياله، كان الرد منه بمنزلة رد المالك؛ ولأنه إذا كان في عياله كان في الرد عليه عاملاً لنفسه؛ لأن منفعة الرد تعود إليه، ومن عمل لنفسه لا يستحق الأجر على غيره. والأصل أن الراد إذا كان في عيال المالك لا جعل له كائنًا ما كان، وإن لم يكن في عياله فله الجعل كائنًا ما كان، إلا الابن يرد آبق أبيه، والزوج يرد آبق زوجته؛ لأنه لا جعل لهما، وَإن لم يكونا في عيالهما؛ لأن الابن وإن لم يكن في عيال أبيه، فالرد منه يجري مجرى الخدمة لأبيه، والابن لا يستحق الأجرة بخدمة أبيه لأنها مستحقة عليه، ولهذا لو استأجر ابنه لخدمته لا يستحق الأجر؛ بخلاف الأب مع ما أن الأولاد في العادات يحفظون أموال الآباء لطمع الانتفاع بها بطريق الإرث، فكان رَادًا عبد نفسه معنى؛ إذ كان بالرد عاملاً لنفسه، فلا يستحق الأجر، وكذلك الزوج إذا رد عبد زوجته فقد رد عبد نفسه معنى لأنه ينتفع بمالها عادةً؛ وكذلك لا تقبل شهادة كل واحد منهما للآخر (١)، فلا يستحق الجعل. (١) في ب: لصاحبه. ١ ٣٤٣ کتاب الإباق وأما الأب إذا رد عبد ابنه، فَإن كان في عياله لا جعل له، لأن الأجنبي الذي في عياله لا جعل له، فالقرابة أولى، وإن لم يكن في عياله، فله الجعل؛ لأن الأب لا يستخدم/ طبعًا أ وشرعًا وعقلاً؛ ولهذا لو خدم بالأجر وجب الأجر، فلا يمكن حمله على الخدمة، فيحمل على طلب الأجر. وكذا الآباء لا يحفظون أموال الأولاد للانتفاع بها بطريق الإرث؛ لأن موتهم يتقدم موت الأولاد عادةً، فلم يتحقق معنى الرد والعمل لنفسه؛ لذلك افترق الأمْرَانِ. وعلى هذا سائر ذوي الأرحام من الأخ والعم والخال وغيرهم؛ أن الراد إن كان في عيال المالك لا جعل له؛ لما قلنا؛ وَإن لم يكن في عياله، فله الجعل؛ وعلى هذا الوصي إذا رد عبد اليتيم لا جعل له؛ لأن اليتيم في عياله وحفظ ماله مستحق عليه، فلا يستحق الجعل على الرد؛ وكذا عبد الوصي إذا رَدَّ عبد اليتيم؛ لأن رد عبده کرده. ومنها: أن يكون المردود مرقوفًا مطلقًا كالقن والمدبر وأم الولد؛ حتى لو كان مكاتبًا لا جعل له؛ لأنه ليس بمرقوق على الإطلاق، بل هو فيما يرجع إلى مكاسبه حر، ولهذا لم يتناوله مطلق اسم المملوك في قول الرجل: كل مملوك لي حر، إلا بالنية، بخلاف المدبر وأم الولد؛ ولأن استحقاق الجعل معلول بالصيانة عن الضياع، ولا حاجة إلى الصيانة في المكاتب؛ لأنه لا يهرب عادة؛ لأن العقد في جانبيه غير لازم، فلو لم يقدر على بدل الكتابة يعز نفسه بالإباء عن الكسب بخلاف المدبر وأم الولد؛ لأنهما يستخدمان عادة، فلعلهما يكلفان ما لا يطيقان، فيحملهما ذلك على الهرب، فتقع الحاجة إلى الصيانة بالجعل كما في القن، إلاَّ أن الفرق بينهما وبين القن أنه إذا جاء بالقن وقد مات المولى قبل أن يصل إليه، فله الجعل، وَإن جاء بالمدبر وأم الولد وقد مات المولى قبل الوصول إليه لا جعل له. ووجه الفرق ظاهرٌ؛ لأنهما يبقيان بموت السيد، فلم يوجد رد المرقوق أصلاً، فلا يستحق الجعل بخلاف القن، والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في بيان من يستحق عليه وأما بيان من يستحق عليه، فالمستحق عليه هو المالك إذا أبق من يده؛ لأن الجعل مؤنة الرد، ومنفعة الرد عائدة إلى المالك، فكانت المؤنة عليه ليكون الخراج بالضمان، وَلَوْ أبق عبد الرهن من يد المرتهن، فالجعل عليه؛ لأن منفعة الرد تعود إليه باعتبار الحبس الذي هو وسيلة إلى استيفاء الدين؛ فإن كان في قيمة العبد فَضْلٌ على الدين يجب بقدر الدين على المرتهن، والزيادة على الراهن. والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. ٣٤٤ کتاب الإباق فصل في بيان قدر المستحق وأما بيان قدر المستحق، فينظر: إن رده من مسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا فله أربعون درهمًا؛ لما روينا من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - وإن رده دون ذلك فبحسابه، وإن رده من أقصى المصر رضخ له على قدر عنائه وتعبه؛ لأن الواجب بمقابلة العمل فيتقدر بقدره، إلا أن الزيادة على مدة السفر سقط اعتبارها بالشرع فيبقى الواجب في المدة بمقابلة العمل، فيزداد بزيارته، وينقص بنقصانه . هَذَا إذا كانت قيمة العبد أكثر من الجعل فإن كانت مثل الجعل أو أنقص منه، ينقص من قيمته درهم عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف له الجعل تامًّا، وإن كانت قيمة العبد درهمًا واحدًا. واحتج بما روينا عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - أنه قال: من كل رأس أربعين درهمًا، اعتبر الرأس دون القيمة. وجه قولهما إن الواجب معلول بمعنى الصيانة عن الضياع لما ذكرنا، ولا فائدة في هذه الصيانة. لو اعتبرنا الرأس دون القيمة؛ لأنه إن كان يصان من وجه يضيع من وجه آخر، فلا فرق بين الضياع بترك الأخذ والإمساك وبين الضياع بالجعل، فلا بد من أن ينقص من قيمته درهم؛ ليكون الصوت بالأخذ مفيدًا. والحديث محمولٌ على ما إذا كانت قيمة كل رأس أكثر من أربعين درهمًا؛ توفيقاً بين الدلائل بقدر الإمكان، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. كِتَابُ السِّبَاقِ(١) الكلام في هذا الكتاب في موضعين: في تفسير السباق. وفي بيان شرائط جوازه. أما الأول: فالسباق: فعال من السبق، وهو أن يسابق الرجل صاحبه في الخيل أو الإبل؛ ونحو ذلك، فيقول: إن سبقتك فكذا، أو إن سبقتني فكذا، ويسمى أيضًا رِهَانًا؛ فعالاً من الرهن (٢). فصل في شروط جواز السباق وأما شرائط جوازه فأنواع: منها: أن يكون في الأنواع الأربعة: الحافر(٣)، والخف (٤)، والنصل(٥)، والقدم(٦)، ولا (١) السبق بسكون الباء: مصدر سبق يسبق سبقاً والسبق بتحريك الباء: المال الذي يسابق عليه ينظر النظم (٥٢/٢). (٢) وهذا الباب من مبتكرات إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه التي لم يسبق إليها كما قاله المزني وغيره. والمسابقة الشاملة للمناضلة سنة للرجال المسلمين بقصد الجهاد بالإجماع ولقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] الآية. وفسر النبي ◌َّر القوة بالرمي. ينظر الإقناع ٥٧٩/٢. (٣) الحافر: واحد حوافر الدابة، قال في المصباح: حفرت الأرض حفراً، من باب ضرب، وسمي حافر الفرس والحمار من ذلك؛ كأنه يَخْفِرُ الأرض لشدة وطئه عليها. انظر ترتيب القاموس (حفر)، والمصباح (حفر). (٤) الخُفُّ؛ بالضم: مجمع فرسِيٍ البعيرِ، وجمعه: أخفاف. انظر ترتيب القاموس (خفف). (٥) النصل: حديدة السهم والرمح والسيف، ما لم يكن له مَقْبِضٌ، وجمعه: أَنْصُلٌ؛ في القلّة، ونِصَال ونُصُول؛ في الكثرة انظر ترتيب القاموس (نصل). (٦) القدم: الرِّجْلُ، مؤنثة، قال في صاحب القاموس: ((وقول الجوهرة واحد الأقدام - سهو؛ صوابه: واحدةُ» أي: القدم، واحدة الأقدام، وجمعها - كما سمعت -: الأقدام انظر ترتيب القاموس (قدم). ٣٤٥ ٣٤٦ کتاب السباق [يجوز] (١) في غيرها؛ لما رَوى عَلَيْهِ الصلاة والسلام أنه قال: ((لاَ سَبَقَ إِلاَ فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصَالٍ))(٢) إلا أنه زيد عليه السبق في القدم بحديث سيدتنا عائشة - رضي الله عنها -، ففيما وراءه بقي على أصل النفي؛ ولأنه لعب، واللعب حرام في الأصل، إلا أن اللعب بهذه الأشياء صار مستثنى من التحريم شرعًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام -: ((كُلُ لَعِبِ حَرَامٌ إلاَّ مُلاَعَبَةَ الرَّجُلِ امْرَأْتَهُ وَقَوْسَهُ وَفَرَسَهُ))(٣) حرم عليه الصلاة والسلام كلَّ لعبٍ واستثنى الملاعبة بهذه (١) - سقط من ط. (٢) أخرجه أبو داود (٢٩/٣) كتاب الجهاد: باب في السبق حديث (٢٥٧٤) والترمذي (١٧٨/٤) كتاب الجهاد: باب ما جاء في الرهان والسبق حديث (١٧٠٠) والنسائي (٢٢٦/٦) كتاب الخيل: باب السبق حديث (٣٥٨٥) وأحمد (٤٧٤/٢) والشافعي (١٢٨/٢) كتاب الجهاد حديث (٤٢٢) وابن حبان (١٦٣٨ - موارد) والطبراني في ((الصغير» (٢٥/١) والبيهقي (١٦/١٠) كتاب السبق والرمي باب لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل، والبغوي في ((شرح السنة)) (٥٣٥/٥ - بتحقيقنا) من طريق ابن أبي ذئب عن نافع عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: حديث حسن وأقره البغوي. وصححه ابن حبان. وأخرجه الشافعي (١٢٩/٢) كتاب الجهاد حديث (٤٢٣) والبيهقي (١٦/١٠) كتاب السبق والرمي: باب لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن عباد بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة به بلفظ: لا سبق إلا في حافر أو خف. وأخرجه النسائي (٢٢٧/٦) كتاب الخيل: باب السبق، وابن ماجه (٢/ ٩٦٠) كتاب الجهاد: باب السبق. والرهان حديث (٢٨٧٨) وأحمد (٢٥٦/٢، ٣٨٥، ٤٢٥) والبيهقي (١٦/١٠) كتاب السبق والرمي: باب لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل، من طريق محمد بن عمرو عن أبي الحكم مولى الليثيين عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد (٣٥٨/٢) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة وفي الباب عن ابن عباس وابن عمر. حديث ابن عباس. أخرجه الطبراني في «الكبير» (٣٨٢/١٠) رقم (١٠٧٦٤) من طريق عبد الله بن هارون الفروي ثنا قدامة عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن عطاء عن ابن عباس قال: لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل. والحديث ذكره الهيثمي في ((المجمع» (٢٦٦/٥) وقال: وفيه عبد الله بن هارون الفروي وهو ضعيف. حديث ابن عمر. أخرجه ابن حبان (٩٦/٧ - الإحسان) رقم (٤٦٧٠) من طريق عاصم بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي ◌َّهه سابق بين الخيل وجعل بينهما سبقاً وجعل بينهما محللاً وقال: لا سبق إلا في حافر أو نصل. ومن طريق عاصم رواه ابن أبي عاصم في الجهاد كما في ((التلخيص)) (١٦٣/٤ - ١٦٤) وقال الحافظ: وعاصم هذا ضعيف واضطرب فيه رأي ابن حبان فصحح حديثه تارة وقال في الضعفاء: لا يجوز الاحتجاج به وقال في الثقات يخطىء ويخالف. (٣) روي من حديث عقبة بن عامر الجهني، ومن حديث جابر بن عبد الله، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث عمر بن الخطاب. = ٣٤٧ كتاب السباق الأشياء المخصوصة، فبقيت الملاعبة بما وراءها على أصل التحريم؛ إذ الاستثناء تكلم بالباقي فأما حديث عقبة بن عامر : = أخرجه أحمد (١٤٦/٤، ١٤٨). وأبو داود (١٣/٣) كتاب ((الجهاد)»: باب: ((في الرمي))، حديث (٢٥١٣). والترمذي (١٧٤/٤) كتاب ((فضائل الجهاد)) باب: ((ما جاء في الرمي في سبيل الله))، حديث (١٦٣٧). والنسائي (٢٨/٦، ٢٢٢ - ٢٢٣) كتاب ((الجهاد، باب: (ثواب من رمى بسهم في سبيل الله))، حديث (٣١٤٦) مختصراً، كتاب ((الخيل))، باب: («تأديب الرجل فرسه)»، حديث (٣٥٨٠). وابن ماجه (٩٤٠/٢) كتاب ((الجهاد)) باب: ((الرمي في سبيل الله))، حديث (٢٨١١). والطبراني (٣٤١/١٧) (٩٤١). والحاكم (٩٥/٢). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قلت: كلهم أخرجوه من طريقين: الأول: من طريق أبي سلام عن خالد بن زيد عنه به فذكره بنحوه. الثاني: من طريق أبي سلام عن عبد الله بن زيد بن الأزرق عنه به فذكره بنحوه. وكلا الطريقين ضعيف. خالد بن زيد الجهني قال عنه الحافظ مقبول - أي عند المتابعة وإلا عليه - التقريب (١٦٤٤). قلت: تابعه عبد الله بن زيد بن الأزرق، ولم يوثقه غير ابن حبان، وابن حبان معروف بتساهله في التوثيق. قلت: من مما سبق يظهر الاضطراب في هذا الحديث؛ فأبو سلام مرة يرويه عن عبد الله بن الأزرق ومرة يرويه عن خالد بن زيد (أو يزيد) الجهني وكلاهما مجهول الحال. وأما حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: أخرجه النسائي في الكبرى (٣٠٢/٥، ٣٠٣) كتاب ((عشرة النساء)): باب: ((ملاعبة الرجل زوجته))، حديث (٨٦٣٨ - ٨٦٤٠) من طرق عن عطاء بن أبي رباح، قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين يرميان، قال: فأما أحدهما فجلس، فقال له صاحبه أكسلت؟ قال نعم. فقال أحدهما للآخر أما سمعت رسول الله وَّل﴿ يقول: ((كل شيء ليس من ذكر الله فهو لعب؛ إلا أربعة: ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الغرضين، وتعلم الرجل السباحة)). قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٧٤/٤): ورواه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) حدثنا محمد بن سلمة الجزري عن أبي عبد الرحمن خالد بن أبي يزيد عن عبد الوهاب بن بخت المكي عن عطاء بن أبي رباح به؛ ومن طريق إسحاق رواه الطبراني في ((معجمه))، وكذلك رواه البزار في («مسنده))، وجعله من مسند جابر بن عمير، وكذلك ابن عساكر. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٧٢/٥): رواه الطبراني في الأوسط والكبير والبزار، ورجال الطبراني رجال الصحيح خلا عبد الوهاب بن بخت وهو ثقة. وأما حديث أبي هريرة: أخرجه الحاكم (٢/ ٩٥) من طريق سويد بن عبد العزيز ثنا محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة - رضي الله عنه أن رسول الله وَلّر قال: ((كل شيء من لهو الدنيا باطل إلا = ٣٤٨ كتاب السباق بعد الثنيا؛ وكذا المسابقة بالخف صارت مستثناة [بما روينا] (١) من الحديث؛ وبما روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: إن العضباء ناقة رسول الله - 183 - كانت تسبق كلمًّا دفعت في سباق، فدفعت يومًا في إبل فسبقت، فكانت على المسلمين كآبة إذا سبقت؛ فقال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَفَعُوا شَيْئًا أَوْ أَرَادُوا رَفْعَ شَيْءٍ وَضَعَهُ الله))(٢). ثلاثة: انتضالك بقوسك، وتأديبك فرسك وملاعبتك أهلك؛ فإنها من الحق ... الحديث)). = قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وتعقبه الذهبي فقال: سويد متروك. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٧٤/٤). قال ابن أبي حاتم في ((كتاب العلل)) سألت أبي، وأبا زرعة عن حديث رواه سويد بن عبد العزيز عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ◌َلّ أنه قال، فذكره، فقالا: هذا خطأ، وهم فيه سويد إنما هو عن ابن عجلان عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، قال: بلغني أن رسول الله وَلّه قال: فذكره؛ هكذا رواه الليث، وحاتم بن إسماعيل، وجماعة، وهو الصحيح مرسلاً، قال أبي: ورواه ابن عيينة عن ابن أبي حسين عن رجل عن أبي الشعثاء عن النبي وَّر، وهو أيضاً مرسل، انتهى كلامه. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٧٢/٥): رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه سويد بن عبد العزيز، قال أحمد: متروك. وأما حديث عمر فأخرجه الطبراني كما في نصب الراية (٢٧٤/٤) ((ومجمع الزوائد» (٢٧٢/٥)، قال: قال رسول الله وَله: ((كل لهو يكره إلا ملاعبة الرجل امرأته، ومشيه بين الهدفين، وتعليمه فرسه)). قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه المنذر بن زياد الطائي وهو ضعيف. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٧٤/٤): رواه ابن حبان في كتاب الضعفاء وأعله بالمنذر، وقال إنه يقلب الأسانيد وينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يحتج به إذا انفرد. (١) سقط من ط. (٢) ذكره الهيثمي (٢٥٧/١٠ - ٢٥٨)، وقال: قال معن: كان مالك لا يسنده فخرج علينا يوماً نشيطاً فحدثناه به عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة. وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير شيخ البزار أحمد بن الربيع فإني لم أعرفه. وللحديث شاهد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أخرجه أحمد (١٠٣/٣). والبخاري (١٤٢/١٣) كتاب ((الرقاق))، باب: ((التواضع))، حديث (٦٥٠١). وأبو داود (٢٥٣/٤ - ٢٥٤) كتاب («الأدب))، باب: ((في كراهية الرفعة في الأمور)»، حديث (٤٨٠٢، ٤٨٠٣). والنسائي (٢٢٨/٦) كتاب الخيل، باب: ((الجنب))، حديث (٣٥٩٤). والبغوي في ((شرح السنة)) (٥٣٤/٥) كتاب ((السير والجهاد))، باب: ((المسابقة على الخيل)) حديث (٢٦٤٥). والبيهقي (١٦/١٠ - ١٧) كتاب ((السبق والرمي))، باب: ((لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل)). وابن حبان (٢/ ٤٧٧) كتاب ((الرقاق))، باب: ((الفقر والزهد والقناعة))، حديث (٧٠٣). والدارقطني (٤ /٣٠١) في كتاب السبق بين الخيل، حديث (١٦). كلهم من طريقين عن أنس - رضي الله عنه -... فذكر القصة بنحو رواية سعيد بن المسيب. ٣٤٩ كتاب السباق وكذا السبق بالقدم؛ لما روت سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت سابقت النبيَّ - عليه الصلاة والسلام - فسبقته فلما حملت اللحم سابقته، فسبقني، فقلت: هذه بتلك(١). فَصَارَتْ هذه الأنواع مستثناة من التحريم، فبقي ما وراءها على أصل الحرمة؛ ولأن [استثناء هذه الأنواع] يحتمل أن يكون لمعنى لا يوجد في غيرها، وهو الرياضة والاستعداد لأسباب الجهاد في الجملة، فكانت لعبًا صورة، ورياضة، وتعلم أسباب الجهاد، فيكون جائزًا إذا استجمع شرائط الجواز، ولئن كان لعبًا لكن اللعب إذا تعلقت به عاقبة حميدة لا يكون حرامًا، ولهذا استثنى ملاعبة الأهل لتعلق عاقبة حميدة بها، وهو انبعاث الشهوة الداعية إلى الوطء الذي هو سبب التوالد، والتناسل، والسكنى؛ وغير ذلك من العواقب الحميدة، وهذا المعنى لا يوجد في غير هذه الأشياء، فلم يكن في معنى المستثنى، فبقي تحت المستثنى. وَمنها: أن يكون الخطر فيه من أحد الجانبين إلاَّ إذا وجد فيه محللاً؛ حتى لو كان (١) أخرجه أحمد (٣٩/٦)، وأبو داود (٢٩/٣ - ٣٠) كتاب ((الجهاد)) باب: ((في السبق على الرجل))، حديث (٢٥٧٨). وابن ماجه (٦٣٦/١) كتاب: ((النكاح))، باب: ((حسن معاشرة النساء))، حديث (١٩٧٩). والحميدي (١٢٨/١)، حديث (٢٦١). وابن حبان (٥٤٥/١٠) كتاب ((السير)»، باب: ((السبق))، حديث (٤٦٩١). كلهم من طريقين عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها ... فذكرته. وإسناده صحيح رجاله ثقات، وفي الألفاظ اختلاف يسير لا يضر. قال في ((الزوائد)): إسناده صحيح على شرط البخاري، وعزاه المزي في الأطراف للنسائي، وليس هو في رواية ابن السني. ومن طريق علي بن زيد وهو من جدعان: أخرجه أحمد (١٢٩/٦، ٢٨٠). والطبراني (٤٦/٢٣)، حديث (١٢٣). كلاهما من طريق علي بن زيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها به. ومن طريق علي أيضاً، أخرجه أحمد (١٨٢/٦) عن القاسم بن محمد عنها به. وعلي بن زيد وإن كان ضعيفاً إلا أن الحديث يشهد له طريق هشام فهو صحيح. وقد تابعه هشام أيضاً من هذا الطريق؛ أخرجه أبو داود (٢٩/٣) كتاب ((الجهاد))، باب: ((في السبق على الرجل»، حديث (٢٥٧٨). والبيهقي (١٧/١٠ - ١٨) كتاب ((السبق والرمي))، باب: ((ما جاء في المسابقة بالعدو)). كلاهما من طريقين عن أبي إسحاق الفزاري عن هشام بن عروة عن أبيه وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة - رضي الله عنها - به . وأخرجه أحمد (٢٦١/٦) من طريق هشام عن أبي سلمة عن عائشة - رضي الله عنها - مختصراً. ٣٥٠ كتاب السباق الخطر من الجانبين جميعًا ولم يدخلا فيه محللاً لا يجوز؛ لأنه في معنى القمار؛ نحو أن يقول أحدُهما لصاحبه: إن سبقتني فلك على كذا، وإن سبقتك فلي عليك كذا، فقبل الآخر. ولو قال أحدُهما لصاحبه: إن سبقتني فلك علي كذا، وإن سبقتك فلا شيء عليك، فهو جائز؛ لأن الخطر إذا كان من أحد الجانبين لا يحتمل القمار، فيحمل على التحريض على استعداد أسباب الجهاد في الجملة بمال نفسه؛ وذلك [أمر] (١) مشروع كالتنفيل من الإمام، بل أُوْلَى؛ لأن هذا يتصرف في مال نفسه بالبذل(٢)، والإمام بالتنفيل يتصرف فيما لغيره فيه حق في الجملة، وهو الغنيمة، فلما جاز ذلك فهذا بالجواز أَوْلَئ. وكذلك إذا كان الخطر من الجانبين، ولكن أدخلا فيه محللاً؛ بأن كانوا ثلاثة لكن الخطر من الاثنين منهم، ولا خطر من الثالث، بل إن سبق أخذ الخطر، وإن لم يسبق لا يغرم شيئًا، فهذا مما لا بأس به أيضًا؛ وكذلك ما يفعله السلاطين؛ وهو أن يقول السلطان لرجلين من سبق منكما فله كذا، فهو جائز؛ لما بينا أن ذلك من باب التحريض على استعداد أسباب الجهاد، خصوصًا من السلطان، فكانت ملحقة بأسباب الجهاد. ثم الإمام إذا حرض واحدًا من الغزاة على الجهاد،. بأن قال: من دخل هذا الحصن أولاً فله من النفل كذا ونحوه، جاز؛ كذا هذا، بل أولى لما بينا. ومنها: أن تكون المسابقة فيما يحتمل أن يسبق ويسبق من الأشياء الأربعة؛ حتى لو كانت فيما يعلم أنه يسبق غالبًا لا يجوز؛ لأن معنى التحريض في هذه الصورة لا يتحقق، فبقي الرهان التزام المال بشرط لا منفعة فيه، فيكون عبثًا ولعبًا؛ والله تعالى أعلم. (١) سقط من ط. (٢) في ط: بالبدل. كِتَابُ الوَدِيعَةِ(١) الكلام في هذا الكتاب يَقَعُ في مواضع: في بيان ركن العقد. وفي بيان شرائط الركن. وفي بيان حكم العقد. وفي بيان حال المعقود عليه. وفي بيان ما يوجب تغير حاله. أما ركنه: فهو الإيجاب والقبول؛ وهو أن يقول لغيره: أَوْدَعْتُكَ هذا الشيء، أو احفظ هذا الشيء لي، أو خذ هذا الشيء وديعةً عندك، وما يجري مجراه، ويقبله الآخر؛ فإذا وجد ذلك، فقد تم عقد الوديعة . (١) الوديعة لغة: فعيلة بمعنى مفعولة، من الوَذع، وهو: التَّرك. قال ابن القطاع: ودعت الشيء وَدْعاً: تركته. وابن السّكيت، وجماعة غيره، ينكرون المصدر، والماضي من ((يدع)) وقد ثبت في ((صحيح مسلم))، (لينتهين أقوام عن وَذْعهم الجُمُعات)) وفي ((سنن النسائي)) من كلام رسول اللّهِ وَّلـ «اتركوا التُّرْكَ ما تركوكم، ودعوا الحَبَشَةَ ما ودعوكم، فكأنها سميت وديعةً، أي: متروكة عند المودع، وأودعتك الشيء: جعلته عندك وَدِيعَةً، وقبلته منك وديعة، فهو من الأضداد. انظر: الصحاح: ١٢٩٦/٣، المغرب: ٤٧٩، المطلع: ٢٧٩. واصطلاحاً: عرفها: الحنفيةُ بأنها: توكيل لحفظ مال غيره تبرُّعاً بغير تصرف. عرفها الشّافعية بأنها: العقد المقتضي للاستحفاظ، أو العين المستحقة به حقيقة فيها، وبتعريف آخر: توكيل من حفظ مملوك، أو محترم مختصّ على وجه مخصوص. عَرَّفَها المالكيّة بأنها: مَالٌ وَكّل على مُجَرَّدٍ حفظه. عرفها الحَنَّابلة بأنها: اسْمٌ للمال المُودَعِ المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض. انظر: الإنصاف: ٣١٦/٦، الشرقاوي على التحرير: ٩٦/٢، مغني المحتاج: ٧٩/٣، حاشية الدسوقي: ٤١٩/٣، كشاف القناع: ١٦٦/٤، مجمع الأنهر ٣٣٧/٢، الفواكه الدواني ٢٣٧/٢. ٣٥١ ٣٥٢ كتاب الوديعة فضل في شروط ركن الوديعة وأما شرائط الركن فأنواعٌ : منها عقل المودع، فلا يصح الإيداع من المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن العقل شرط أهلية التصرفات الشرعية (١). وأما بلوغه، فليس بشرط عندنا، حتى يصح الإيداع من الصبي المأذون؛ لأن ذلك مما يحتاج إليه التاجر، فكان من توابع التجارة، فيملكه الصبي المأذون كما يملك التجارة. وعند الشافعي - رحمه الله - لا يملك التجارة، فلا يملك توابعها؛ على ما نذكر في ((كتاب المأذون))؛ وكذا حريته ليست بشرط، فيملك العبد المأذون الإيداع؛ لما قلنا في الصبي المأذون. وَمنها: عقل المودع، فلا يصح قبول الوديعة من المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأَنَّ حكم هذا العقد هو لزوم الحفظ، ومن لا عقل له لا يكون من أهل الحفظ، وأما بلوغه، فليس بشرط حتى يصح قبول الوديعة من الصبي المأذون؛ لأنه من أهل الحفظ. أَلاَ ترى أنه أذن له الولي ولو لم يكن من أهل الحفظ، لكان الإذن له سفهًا، وأما الصبي المحجور عليه فلا يصح قبول الوديعة منه؛ لأنه لا يحفظ المال عادةً؛ ألا ترى أنه منع منه ماله، ولو قبل الوديعة فاستهلكها، فإن كانت الوديعة عبدًا أو أمةً، يضمن بالإجماع، وإن كانت سواهما، فإن قبلها بإذن الولي فكذلك، وإن قبلها بغير إذنه، لا ضمان عليه عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يضمن. وجه قوله إن إيداعه لو صح فاستهلك الوديعة يُوجب الضمان، وإن لم يصح، جعل كأنه لم يكن، فصار الحال بعد العقد كالحال قبله، ولو استهلكها قبل العقد لوجب عليه الضمان (١) ولا يصح الإيداع إلا من جائز التصرف، فإن أودع طفل أو معتوه إنساناً وديعة، ضمنها بقبضها، ولا يزول الضمان عنه بردها إليه، وإنما يزول بدفعها إلى وليه الناظر له في ماله، أو الحاكم. فإن كان الصبي مميزاً، صح إيداعه لما أذن له في التصرف فيه؛ لأنه كالبالغ بالنسبة إلى ذلك. فإن أودع رجل عند صبي أو معتوه وديعة، فتلفت، لم يضمنها، سواء حفظها أو فرَّط في حفظها. فإن أتلفها، أو أكلها، ضمنها وهو ظاهر مذهب الشافعي. وبعض الحنابلة من قال: لا ضمان عليه. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه سلطه على إتلافها بدفعها إليه، فلا يلزمه ضمانها، ألا ترى أنه لو دفع إلى صغير سكيناً، فوقع عليها، كان ضمانه على عاقلته؟ ولنا، أن ما ضمنه بإتلافه قبل الإيداع، ضمنه بعد الإيداع، كالبالغ. ولا يصح قولهم: إنه سلطه على إتلافها. وإنما استحفظه إياها، وفارق دفع السكين، فإنه سبب للإتلاف، ودفع الوديعة بخلافه. ينظر المغني ٩/ ٢٧٩. ٣٥٣ كتاب الوديعة [كذا بعده والجامع أن الصبي مؤاخذ بأفعاله إن لم يؤاخذ بأقواله ولهذا أوجب عليه الضمان](١). إذا كانت الوديعة عبدًا أو أمةً. وَجْه قولهما إن الإيداع عند (٢) الصبي المحجور إهلاك للمال معنى، فَكانَ فعل الصبي إهلاك مال قائم صورة لا معنى، فلا يكون مضمونًا عليه، ودلالة ما قلنا إنه لما وضع المال في يده، فقد وضع في يد من لا يحفظه عادةً، ولا يلزمه الحفظ شرعًا، ولا شك أنه لا يجب عليه حفظ الوديعة شرعًا؛ لأن الصبيَّ ليس من أهل وجوب الشرائع عليه، والدليل على أنه لا يحفظ الوديعة عادةً أنه منع عنه ماله، ولو كان يحفظ المال عادة لدفع إليه؛ قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿فَإِن آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] وبهذا فارق المأذون؛ لأنه يحفظ المال عادة. ألا ترى أنه دفع إليه ماله، ولو لم يوجد منه الحفظ عادة، لكان الدفع إليه سفهًا؛ بخلاف ما إذا كانت الوديعة عبدًا أو أمة؛ لأن هناك لا يجب عليه ضمان المال أيضًا، وإنما يجب عليه ضمان الدم؛ لأن الضمان الواجب بقتل العبد ضمان الدم (٣)، لا ضمان المال، والعبد من حيث إنه آدمي قائم من كل وجه قبل الإيداع وبعده، فهو الفرق كذلك حرية المودع ليست بشرط لصحة العقد، حتى يصح القبول من العبد المأذون، ويترتب عليه أحكام العقد؛ لأنه يحتاج إلى الإيداع والاستيداع، على ما نذكر في ((كتاب المأذون))/. وأما العبد المحجور، فلا يصح منه القبول؛ لأنه لا يحفظ المال عادةً، ولو قبلها فاستهلكها، فإن كانت عبدًا أو أمةً يؤمر المولى بالدفع أو الفداء، وإن كانت سواهما فإن قبلها بإذن وليه يضمن بالإجماع، وإن قبلها بغير إذن وليه، لا يؤاخذ به في الحال عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يؤاخذ به في الحال، والكلام في الطرفين على حسب ما ذكرنا في الصبي المحجور. ب فصل في بيان حكم العقد وأما بيان حكم العقد، فحكمه لزوم الحفظ للمالك؛ لأن الإيداع من جانب المالك استحفاظ، ومن جانب المودع التزام الحفظ، وهو من أهل الالتزام فيلزمه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»، والكلام في الحفظ [يقع](٤) في موضعين: أحدهما: فيما يحفظ به، والثاني: فيما فيه يحفظ. (١) سقط من طـ. (٢) في ط: إيداع. (٣) في ط: الأدمي. (٤) سقط من ط. بدائع الصنائع ج٨ - م٢٣ ٣٥٤ كتاب الوديعة أما الأول: فالاستحفاظ لا يخلو من أن يكون مطلقًا أو مقيدًا فإنْ كان مطلقًا فللمودع أن يحفظ بيد نفسه ومن هو في عياله، وهو الذي يسكن معه وبمؤنه، فيكفيه طعامه وشرابه وكسوته، كائنًا من كان، قريبًا أو أجنبيًّا، من ولده وامرأته وخدمه وأجيره، لا الذي استأجره بالدراهم والدنانير، وبيد من ليس في عياله ممن يحفظ ماله بنفسه عادةً؛ كشريكه المفاوض والعنان وعبده المأذون وعبده المعزول عن بيته، هذا عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله -: ليس له أن يحفظ - إلا بيد نفسه، إلا أن يستعين بغيره من غير أن يغيب عن عينه، حتى لو فعل يدخل في ضمانه(١). (١) إذا أودعها غيره. ولها صورتان؛ إحداهما، أن يودعها غيره لغير عذر، فعليه الضمان. بغير خلاف عند الحنابلة. وهو قول شريح، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه، وإسحاق. وقال ابن أبي ليلى: لا ضمان عليه؛ لأن عليه حفظها وإحرازها، وقد أحرزها عند غيره وحفظها به، ولأنه يحفظ ماله بإيداعه، فإذا أودعها فقد حفظها بما يحفظ به ماله، فلم يضمنها، كما لو حفظها في حرزه. ولنا، أنه خالف المودع فضمنها. كما لو نهاه عن إيداعها. وهذا صحيح؛ فإنه أمره بحفظها بنفسه، ولم يرض لها غيره. فإذا ثبت هذا، فإن له تضمين الأول، وليس للأول الرجوع على الثاني؛ لأنه دخل معه في العقد على أنه أمين له لا ضمان عليه. وإن أحب المالك تضمين الثاني، فذكر القاضي أنه ليس له تضمينه، في ظاهر كلام أحمد؛ لأنه ذكر الضمان على الأول فقط. وهذا مذهب أبي حنيفة؛ لأنه قبض قبضاً موجباً للضمان على الأول، فلم يوجب ضماناً آخر، وفارق القبض من الغاصب؛ فإنه لم يوجب الضمان على الغاصب، إنما لزمه الضمان بالغصب. ويحتمل أنه له تضمين الثاني أيضاً؛ لأنه قبض مال غيره على وجه لم يكن له قبضه، ولم يأذن له مالكه، فيضمنه، كالقابض من الغاصب، وهذا مذهب الشافعي. وذكر أحمد الضمان على الأول لا ينفي الضمان عن الثاني، كما أن الضمان يلزم الغاصب. ولا ينفي وجوبه على القابض منه. فعلى هذا يستقر الضمان على الأول، فإن ضمنه لم يرجع على أحد، وإن ضمن الثاني رجع على الأول. وهذا القول أشبه بالصواب، وما ذكرنا للقول الأول لا أصل له، ثم هو منتقض بما إذا دفع الوديعة إلى إنسان عارية، أو هبة، أو وديعة لنفسه، فأما إن دفع الوديعة إلى من جرت عادته بحفظ ماله من أهله، كامرأته وغلامه، لم يضمن. نص عليه أحمد. وهو قول أبي حنيفة. وقال الشافعي: يضمن؛ لأنه سلم الوديعة إلى من لم يرض به صاحبها، فضمنها. كما لو سلمها إلى أجنبي. ولنا، أنه حفظها بما يحفظ به ماله، فأشبه ما لو حفظها بنفسه، وكما لو دفع الماشية إلى الراعي، أو دفع البهيمة إلى غلامه ليسقيها، ويفارق الأجنبي، فإن دفعها إليه لا يعد حفظاً منه. الصورة الثانية، إذا كان له عذر، مثل إن أراد سفراً، أو خاف عليها عند نفسه من حرق أو غرق أو غيره، فهذا إن قدر على ردها على صاحبها أو وكيله في قبضها، لم يجز له دفعها إلى غيره، فإن فعل ضمنها؛ لأنه دفعها إلى غير مالكها بغير إذنه من غير عذر، فضمنها، كما لو أودعها في الصورة الأولى. وإن لم يقدر على صاحبها ولا وكيله، فله دفعها إلى الحاكم، سواء كان به ضرورةً إلى السفر أو لم يكن؛ لأنه متبرع بإمساكها، فلا يلزمه استدامته، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته. وإن أودعها مع قدرته على الحاكم، ضمنها؛ لأن غير الحاكم لا ولاية له. ويحتمل أن يجوز له إيداعها؛ لأنه قد يكون أحفظ لها وأحب إلى صاحبها. وإن لم يقدر على الحاكم، فأودعها ثقة، لم يضمنها؛ لأنه موضع حاجة. وذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد أنه يضمنها، ثم تأول = ٣٥٥ كتاب الوديعة وَجْهُ قوله إن العقد تناوله دون غيره، فلا يملك الإيداع من غيره؛ كما لا يملك لإيداع سائر الأجانب. ولنا: أن الملتزم بالعقد هو الحفظ، والإنسان لا يلتزم بحفظ مال غيره عادةً، إلا بما يحفظ به مال نفسه، وأنه يحفظ ـ مال نفسه بيده مرة وبيد هؤلاء أخرى، فله أن يحفظ - الوديعة بيدهم أيضًا، فكان الحفظ بأيديهم داخلاً تحت العقد دلالةً. وكذا له أن يرد الوديعة على أيديهم، حتى لو هلكت قبل الوصول إلى المالك لا ضمان عليه؛ لأن يدهم يد المودع معنى، فما دام المال في أيديهم كان محفوظًا بحفظه، وليس له أن يدفع الوديعة إلى غيرهم إلاّ لعذر، حتى لو دفع تدخل في ضمانه؛ لأن المالك ما رضي بيده؛ أَلاَ ترى أنه لا يرضى [بحفظ] (١) مال نفسه بيده، فإذا/ دفع فقد صار مخالفًا، فتدخل الوديعة في ضمانه، إلاَّ إذا كان عن عذر؛ بأن وقع في داره حريق أو كان في السفينة فخاف الغرق فدفعه إلى غيره؛ لأن الدفع إليه في هذه الحالة تعين طريقًا للحفظ - فكان الدفع بإذن المالك دلالة، فلا يضمن فلو أراد السفر فليس له أن يودع؛ لأن السفر ليس بعذرٍ . ولو أودعها عِندَ مَنْ لَيْسَ له أن يودعه، فضاعت في يد الثاني، فالضمان على الأول لا على الثاني عند أبي حنيفة. وعند أبي يوسف ومحمد المالك بالخيار: إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني، فإن ضمن الأول لا يرجع بالضمان على الثاني، وإن ضمن الثاني يرجع به على الأول. وجه قولهما إنه وجد من كل واحد منهما سبب وجوب الضمان، أما الأول فلأنه دفع مال الغير إلى غيره بغير إذنه، وأما الثاني فلأنه قبض مال الغير بغير إذنه، وكل واحد منهما سبب لوجوب الضمان، فيخير المالك إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني؛ كمودع الغاصب مع الغاصب، غير أنه إن ضمن الأول لا يرجع بالضمان على الثاني؛ لأنه ملك الوديعة بأداء الضمان، فتبين أنه أودع ماله نفسه إياه، فهذا مودع هلكت الوديعة في يده، فلا شيء عليه، وإن ضمن الثاني يرجع بالضمان على الأول؛ لأن الأول غره بالإيداع، فيلزمه كلامه على أنه أودعها من غير حاجةٍ، أو مع قدرته على الحاكم. وإن دفنها في موضع، وأعلم بها ثقة يده = على الموضع، وكانت مما لا يضرها الدفن، فهو كإيداعها عنده، وإن لم يعلم بها أحداً، ضمنها؛ لأنه فرَّط في حفظها، فإنه لا يأمن أن يموت في سفره، فلا تصل إلى صاحبها، وربما نسي مكانها، أو أصابه آفة من هدم أو حرق أو غرق، فتضيع. وإن أعلم بها غير ثقة، ضمنها؛ لأنه ربما أخذها. وإن أعلم بها ثقة لا يد له على المكان، فقد فرط، لأنه لم يودعها إياه، ولا يقدر على الاحتفاظ بها. ینظر المغني ٢٥٩/٩ - ٢٦١. (١) سقط من ط. ٣٥٦ كتاب الوديعة ضمان الغرور؛ كأنه كفل عنه بما يلزمه من العهدة في هذا العقد؛ إذ ضمان الغرور ضمان كفالة؛ لما علم. وجه قول أبي حنيفة أن يد المودع الثاني ليست بيد مانعة، بل هي يد حفظ وصيانة الوديعة عن أسباب الهلاك، فلا يصلح أن يكون سببًا لوجوب الضمان لأنه من باب الإحسان إلى المالك وقد؛ قال الله - جلَّ شأنه: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلِ﴾ [التوبة: ٩١] وكان ينبغي أن لا يجب الضمان على الأول أيضًا؛ لأن الإيداع منه مباشرة سبب الصيانة والحفظ له، فكان محسنًا فيه، إلا أنه صار مخصوصًا عن النص، فبقي المودع الثاني على ظاهره. ولو أودع غيره وادعى أنه فعل عن عذرٍ، لا يصدق على ذلك إلا بينةٍ عند أبي يوسف، وهو قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله -، كذا ذكر الشيخ القدوري - رحمه الله؛ لأن الدفع إلى غيره سبب لوجوب الضمان في الأصل/ فدعوى الضرورة دعوى أمر عارض يريد به دفع الضمان عن نفسه، فلا يصدق إلا بحجة. ب هذا إذا هلكت الوديعة في يد المودع الثاني، فأما إذا استهلكها فالمالك بالخيار: إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني بالإجماع، غير أنه إن ضمن الأول يرجع بالضمان على الثاني، وإن ضمن الثاني لا يرجع بالضمان على الأول؛ لأن سبب وجوب الضمان وجد من الثاني حقيقة، وهو الاستهلاك لوقوعه إعجازًا للمالك عن الانتفاع بماله على طريق القهر، ولم يوجد من الأول إلا الدفع إلى الثاني على طريق الاستحفاظ دون الإعجاز، إلا أنه ألحق ذلك بالإعجاز شرعًا في حق اختيار التضمين صورة؛ لأنه باشر سبب الإعجاز، فكان الضمان في الحقيقة على الثاني؛ لأن إقرار الضمان عليه؛ لذلك لم يرجع الأول على الثاني، ولم يرجع الثاني على الأول؛ بخلاف مودع الغاصب إذا هلك المغصوب في يده أن المالك يتخير بين أن يضمن الغاصب أو يضمن المودع، فإن ضمن الغاصب لا يرجع بالضمان على المودع، وإن ضمن المودع يرجع به على الغاصب، وقد تقدم الفرق. وعلى هذا إذا أودع رجل من رجلين مالاً، فإن كان محتملاً للقسمة اقتسماه وحفظ كل واحد منهما نصفه؛ لأنه لما أودعه من رجلين فقد استحفظهما جميعًا، فلا بد وأن تكون الوديعة في حفظهما جميعًا، ولا تتحقق إلا بالقسمة؛ ليكون النصف في يد هذا والنصف في يد ذاك، والمحل محتمل للقسمة، فيقتسمان نصفين. ولو سلم أحدهما النصف إلى صاحبه فضاعت، فمن المسلم نصف الوديعة عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا يضمن [ولا يضمن](١) القابض شيئًا بالإجماع. (١) سقط من ط. ٣٥٧ كتاب الوديعة ولو كانت الوديعة مما لا يحتمل القسمة، فلكلِّ واحدٍ منهما أن يسلم الكل إلى صاحبه، وَإذا فعل فضاعت، لا ضمان عليه بالإجماع، وَجْهُ قولهما إن المالك لما استحفظهما فقد رضي بيد كل واحد منهما على كل الوديعة؛ كما إذا لم تكن الوديعة محتملة للقسمة. وَجْهُ قول أبي حنيفة أن المالك استحفظ كل واحد منهما في بعض (١) الوديعة لا في كلها، فكان راضيًا بثبوت يد كل واحد منهما على البعض دون الكل. وهذا لما ذكرنا أنه لما استحفظهما جميعًا، فلا بد أن يكون المال في حفظهما جميعًا، ولا يمكن أن يكون كله في يد كل واحد منهما للاستحالة، فيقسم ليكون النصف في يد أحدهما والنصف في يد الآخر، فإذا كان المحل محتملاً للقسمة لم يكن راضيًا بكون الكل في يد أحدهما، فإذا فعل فقد خالفه فدخل في ضمانه، فإذا ضاع ضمن، بخلاف ما إذا لم يكن محتملاً للقسمة؛ لأنه إذا لم يحتمل [القسم ](٢) تعذر أن يكون كله في حفظ كل واحد منهما على التوزيع في زمان واحد، فكان راضياً بكونه في يد كل واحد منهما في زمانين على التهايؤ، فلم يصر مخالفًا بالدفع، فهو الفرق؛ وعلى هذا الخلاف الذي ذكرنا المرتهنان والوكيلان بالشراء إذا كان المرهون والمشتري مما يحتمل القسمة، فسلمه أحدهما إلى صاحبه. وأما الثاني: وهو الكلام فيما فيه تحفظ ـ الوديعة، فإن كان العقد مطلقًا، فله أن يحفظها فيما يحفظ ـ فيه مال نفسه من داره وحانوته وكيسه وصندوقه؛ لأنه ما التزم حفظها إلا فيما يحفظ - فيه مال نفسه، وليس له أن يحفظ في حرز غيره؛ لأن حرز غيره في يد ذلك الغير ولا يملك الحفظ - بيده، فلا يملكه بما في يده أيضًا إلا إذا استأجر حرزًا لنفسه، فله أن يحفظ - فيه؛ لأن الحرز في يده فما في الحرز يكون في يده أيضًا، فكان حافظًا بيد نفسه فملك ذلك، وله أن يحفظ الحضر والسفر؛ بأن يسافر بها عند أبي حنيفة، سواء كان للوديعة حمل ومؤنة، أو لم يكن، وعند أبي يوسف ومحمد إن كان لها حمل ومؤنة لا يملك المسافرة بها، وإن لم يكن يملك. وعند الشافعي - رحمه الله - لا يملك كيف ما كان. أما الكلام مع الشافعي - رحمه الله - فوجه قوله إن المسافرة بالوديعة تضييع / المال؛ لأن المفازة مضيعة؛ قال النبي - عليه أفضل التحية -: ((المُسَافِرُ وَمَالُهُ عَلَى قلت إِلاَّ مَا وقَى الله)) (٣) فكان التحويل إليهما تضييعًا، فلا يملكه المودع. (١) في ب: نصف. (٢) سقط من طـ .. (٣) قال العجلوني: في ((كشف الخفاء)» . في شرح ابن حجر والرملي عند قول المنهاج في الوديعة ولو سافر بها ضمن لأن حرز السفر دون حرز الحضر، ومن ثم جاء عن بعض السلف: المسافر وماله على قلت - بفتح القاف واللام هلاك - إلا ما وقى الله، ووهم من رواه حديثاً. كذا نقل على المصنف، وممن رواه حديثاً الديلمي وابن الأثير، وسندهما = ٣٥٨ كتاب الوديعة ولنا أن أمر الأمر بالحفظ صدر مطلقًا عن تعيين المكان، فلا يجوز التعيين إلا بدليل، قوله المفازة مضيعة، قلنا: ممنوعٌ، أو نقول: إذا كان الطريق مخوفًا، أما إذا كان أمنًا فلا، والكلام فيما إذا كان الطريق أمنًا، والحديثُ محمولٌ على ابتداء الإسلام حين كانت الغلبة للكفرة وكانت الطريق مخوفة، ونحن به نقول. وأما الكلام مع أصحابنا - رضي الله عنهم - فوجه قولهم إن في المسافرة بماله حمل ومؤنة ضررًا بالمالك؛ لجواز أن يموت المودع في السفر، فيحتاج إلى الاسترداد من موضع لا يمكنه ذلك إلا بحمل ومؤنة عظيمة، فيتضرر به، ولا كذلك إذا لم يكن لها حمل ومؤنة؛ ولأبي حنيفة على نحو ما ذكرنا مع الشافعي - رحمه الله - أن الأمر بالحفظ لا يتعرض لمكان دون مكان؛ ولا يجوز تقييد المطلق من غير دليلٍ، قولهما فيه ضرر. قلنا: هذا النوع من الضرر ليس بغالبٍ، فلا يجب دفعه على أنه إن كان فهو الذي أضر بنفسه حيث أطلق الأمر، ومن لم ينظر لنفسه لا ينظر له؛ هذا إذا كان العقد مطلقًا عن شرط في الفصلين جميعًا، فأما إذا شرط فيه شرطًا نظر فيه: إن كان شرطًا يمكن اعتباره ويفيد اعتبر، وَإلا فلا(١). ضعيف، لا موضوع انتهى. ومر في: لو علم الناس بأبسط . = وأورده بلفظ: ((لو علم الناس رحمة الله بالمسافر؛ لأصبح الناس وهم على سفر؛ إن المسافر ورحله على قلت إلا ما وقى الله تعالى)) (٢٢٤/٢)، وقال: رواه الديلمي بلا سند عن أبي هريرة رفعه، وأورده ابن الأثير في النهاية بلفظ أن المسافر وماله لعلي قلت إلا ما وفى الله، وفسر القلت بفتحتين بالهلاك، وعند الديلمي أيضاً بسنده إلى أبي هريرة لو يعلم الناس ما للمسافر لأصبحوا وهم على ظهر سفر، إن الله بالمسافر لرحيم، وجميع أسانيده ضعيفة، كذا في المقاصد. (١) قال ابن قدامة: وإن أراد السفر بها وقد نهاه المالك عن ذلك، ضمنها؛ لأنه مخالف لصاحبها، وإن لم يكن نهاه، لكن الطريق مخوف، أو البلد الذي يسافر إليه مخوف، ضمنها؛ لأنه فرط في حفظها. وإن لم يكن كذلك، فله السفر بها. نص عليه أحمد، سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لم يكن. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: إن سافر بها مع القدرة على صاحبها، أو وكيله، أو الحاكم، أو أمينٍ، ضمنها؛ لأنه سافر بها من غير ضرورة، أشبه ما لو كان السفر مخوفاً. ولنا، أنه نقلها إلى موضعٍ مأمون، فلم يضمنها، كما لو نقلها في البلد، ولأنه سافر بها سفرًا غير مخوف، أشبه ما لو لم يجد أحداً يتركها عنده. ويقوى عندي أنه متى سافر بها مع القدرة على مالكها، أو نائبه بغير إذنه، فهو مفرط عليه الضمان؛ لأنه يفوت على صاحبها إمكان استرجاعها، ويخاطر بها، فإن النبي ( * قال: ((إن المسافر وماله لعلى قلت، إلا ما وقى الله)). أي على هلاك. ولا يلزم من الإذن في إمساكها على وجه لا يضمن هذا الخطر، ولا يفوت إمكان ردها على صاحبها، الإذن فيما يتضمن ذلك، فأما مع غيبة المالك ووكيله، فله السفر بها إذا كان أحفظ لها؛ لأنه موضع حاجة فيختار فعل ما فيه الحظ. ينظر المغني ٢٦١/٩ - ٢٦٢. ٣٥٩ كتاب الوديعة بيان ذلك إذا أمره بالحفظ وشرط عليه أن يمسكها بيده ليلاً ونهارًا ولا يضعها، فالشرط باطل، حتى لو وضعها في بيته أو فيما يحرز فيه ما له عادة فضاعت، لا ضمان عليه؛ لأن إمساك الوديعة بيده [دائمًا] (١) بحيث لا يضعها أصلاً غير مقدورٍ له عادة، فكان شرطًا لا يمكن مراعاته فيلغو، ولو أمره بالحفظ ونهاه أن يدفعها إلى امرأته أو عبده أو ولده الذي هو في عياله [أو الأجنبي الذي هو في عياله](٢) أو من يحفظ مال نفسه بيده عادةً، نظر فيه: إن كان لا يجد بدًا من الدفع إليه، له أن يدفع؛ لأنه إذا لم يجد بدًّا من الدفع إليه، كان النهي عن الدفع إليه نهيًا عن الحفظ، فكان سفهًا، فلا يصح نهيه، وإن كان يجد بُدًّا من الدفع إليه، ليس له أن يدفع . ولو دفع يدخل في ضمانه؛ لأنه إذا كان له منه بد في الدفع إليه أمكن اعتبار الشرط وهو مفيد؛ لأن الأيدي في الحفظ متفاوتة، والأصل فى الشروط اعتبارها ما أمكن. وَلَوْ قال: لا تخرجها من الكوفة، فخرج بها، تدخل في ضمانه؛ لأنه شرط يمكن اعتباره وهو مفيد؛ لأن الحفظ في المصر أكمل من الحفظ في السفر؛ إذ السفر موضع الخطر، إلا إذا خاف التلف عليها، فاضطر إلى الخروج بها، فخرج، لا تدخل في ضمانه؛ لأن الخروج بها في هذه/ الحالة طريق متعين للحفظ؛ كما إذا وقع في داره حريق أو كان في سفينة فخاف الغرق، فدفعها إلى غيره. وَلَوْ قال له: احفظ الوديعة في دارك هذه، فحفظها في دار له أخرى، فإن كانت الداران في الحرز سواء، أو كانت الثانية أحرز، لا تدخل في ضمانه؛ لأن التقييد غير مفيدٍ، وإن كانت الأولى أحرز من الثانية، دخلت في ضمانه؛ لأن التقييد به عند تفاوت الحرز مفيد. وكذلك لَوْ أَمَرَهُ أن يضعها في داره في هذه القرية، ونهاه عن أن يضعها في داره في قرية أخرى، فهو على هذا التفصيل. وَلَوْ قال له: اخبأها في هذا البيت، وأشار إلى بيت معين في داره، فخبأها في بيت آخر في تلك الدار، لا تدخل في ضمانه؛ لأن للبيتين من دار واحدة لا يختلفان في الحرز عادةً؛ بخلاف الدارين، فلا يكون التعيين مفيدًا؛ حتى لو تفاوتا بأن كان الأول أحرز من الثاني، تدخل في ضمانه. والأصل المحفوظ في هذا الباب ما ذكرنا أن كل شرط يمكن مراعاته ويفيد فهو معتبرٌ، وكلُّ شرط لا يمكن مراعاته ولا يفيد فهو هَدَرٌ، وهذا عندنا. (١) سقط من ط. (٢) سقط من ط. ٣٦٠ كتاب الوديعة وعند الشافعي - رحمه الله - تجب مراعاة الشروط في المواضع كلها؛ حتى أن المأمور بالحفظ في بيت معين لا يملك الحفظ في بيت آخر من دار واحدة. وجه قوله إن الأصل اعتبار تصرف العاقل على الوجه الذي أوقعه، فلا يترك هذا الأصل إلا لضرورة، ولم توجد، وصار كالدارين، والجواب: نعم إذا تعلقت به عاقبة حميدة، فأما إذا خرج مخرج السفه العبث، فلا؛ لأن التعيين عند انعدام التفاوت في الحرز يجري مجرى العبث؛ كما إذا قال: احفظ بيمينك ولا تحفظ بشمالك، أو احفظ في هذه الزاوية من البيت ولا تحفظ - في الزاوية الأخرى، فلا يصح التعيين؛ لانعدام الفائدة، حتى لو تَفَاوَتًا في الحرز، يصح، بخلاف الدارين؛ لأن (١) الأصل في الدارين اختلاف الحرز، فكان التعيين مفيدًا؛ حتى لو لم يختلف، فالجوابُ فيها كالجواب في البيتين على مَا مَرَّ . فضلْ في بيان حال الوديعة وأما بيان حال الوديعة، فحالها أنها في يد المودع أمانة (٢)؛ لأن المودع مؤتمن، فكانت الوديعة أمانة في يده، ويتعلق بكونها أمانة أحكام : (١) في ط: والأصل. (٢) والمودع أمين، والقول قوله فيما يدعيه من تلف الوديعة. بغير خلاف. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة، ثم ذكر أنها ضاعت، أن القول قوله. وقال أكثرهم: مع يمينه. وإن ادعى ردها على صاحبها، فالقول قوله مع يمينه أيضاً. وبه قال الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وبه قال مالك إن كان دفعها إليه بغير بينة. وإن كان أودعه ببينة لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة. ولنا، أنه أمين لا منفعة له في قبضها، فقبل قوله في الرد بغير بينة، كما لو أودع بغير بينة. وإن قال: دفعتها إلى فلان بأمرك. فأنكر مالكها الإذن في دفعها، فالقول قول المودع. نص عليه أحمد، في رواية ابن منصور. وهو قول ابن أبي ليلى. وقال مالك، والثوري، والعنبري، والشافعي، وأصحاب الرأي: القول قول المالك؛ لأن الأصل عدم الإذن، وله تضمينه. ولنا، أنه ادعى دفعاً يبرأ به من الوديعة، فكان القول قوله، كما لو ادعى ردها على مالكها. ولو اعترف المالك بالإذن، ولكن قال: لم يدفعها. فالقول قول المستودع أيضاً، ثم ننظر في المدفوع إليه؛ فإن أقر أنه قبضه، وكان الدفع في دين، فقد برىء الكل، وإن أنكر، فالقول قوله مع يمينه. وقد ذكر أصحابنا أن الدافع يضمن؛ لكونه قضى الدين بغير بينة، ولا يجب اليمين على صاحب الوديعة؛ لأن المودع مفرّط، لكونه أذن في قضاء يبرئه من الحق ولم يبرأ بدفعه، فكان ضامناً، سواء صدقه أو كذبه. وإن أمره بدفعه وديعة، لم يحتج إلى بينةٍ؛ لأن المودع يقبل قوله في التلف والرد، فلا فائدة في الإشهاد عليه. فعلى هذا يحلف المودع، ويبرأُ، ويحلف الآخر ويبرأُ أيضاً، ويكون ذهابها من مالكها. ينظر المغني (٢٧٣/٩ - ٢٧٤).