النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ كتاب اللقيط ومنها: أن الملتقط أولى بإمساكه من غيره؛ حتى لا يكون لغيره أن يأخذه منه؛ لأنه هو الذي أحياه بالتقاطه، وَمَنْ أَخْيَا أرضًا ميتة؛ فهي له على لسان رسولِ الله وَّر؛ ولأنه مباح الأخذ سبقت يد الملتقط إليه، والمباح مباح من سبق؛ على لسان رسول الله - اله ۔۔ ومنها: أن نفقته من بيت المال(١)؛ لأن ولاءه له، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ)»(٢) ولو كان معه مال مشدود عليه، فهو له(٣)؛ لأن الظاهر أنه ماله، فيكون له (٤)، كثيابه (١) قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن نفقة اللقيط غير واجبةٌ على الملتقط، كوجوب نفقة الولد. وذلك لأن أسباب وجوب النفقة، من القرابة، والزوجية، والملك، والولاء، منتفية، والالتقاط إنما هو تخليصٌ له من الهلاك، وتبرعٌ بحفظه، فلا يوجب ذلك النفقة، كما لو فعله بغير اللقيط. وتجب نفقته في بيت المال؛ لقول عمرَ، رضي الله عنه، في حديث أبي جميلة: اذهب فهو حرٍّ، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته. وفي رواية: من بيت المال؛ ولأن بيت المال وارثه، وماله مصروفٌ إليه، فتكون نفقته عليه، كقرابته ومولاه. فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت المال، لكونه لا مال فيه، أو كان في مكانٍ لا إمام فيه، أو لم يعط شيئاً، فعلى من علم حاله من المسلمين الإنفاق عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. ولأن في ترك الإنفاق عليه هلاكه، وحفظه عن ذلك واجبٌ، كإنقاذه من الغرق. وهذا فرض كفايةٍ، إذا قام به قومٌ سقط عن الباقين، فإن تركه الكُلُّ أئِمُوا. ومن أنفق عليه متبرعاً، فلا شيء له، سواءً كان الملتقط أو غيره. وإن لم يتبرع بالإنفاق عليه، فأنفق عليه الملتقط أو غيره محتسباً بالرجوع عليه إذا أيسر، وكان ذلك بأمر الحاكم، لزم اللقيط ذلك إذا كانت النفقة قصداً بالمعروف. وبهذا قال الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وإن أنفق بغير أمرٍ الحاكم، محتسباً بالرجوع عليه، فقال أحمد: تؤدى النفقة من بيت المال. وقال شريح، والنخعي: يرجع عليه بالنفقة إذا أشهد عليه. وقال عمر ابن عبد العزيز: يحلف ما أنفق احتساباً، فإن حلف استُسعي، وقال الشعبي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وابن المنذر: هو متبرع لا يرجع بشيء، كما لو تبرع به. ولنا، أنه أدى ما وجب على غيره، فكان له الرجوع على من كان الوجوب عليه، كالضامن إذا قضى عن المضمون عنه. ينظر: المغني (٣٥٥/٨ - ٣٥٦). (٢) تقدم. (٣) وبهذا قال الشافعي. (٤) ولہ یدُ صحیحةٌ، بدلیل انه يرث ویورث، ويصح أن يشتري له ولیه ویبیع، ومن له ملكٌ صحيحٌ، فله يد صحيحةٌ، كالبالغ، إذا ثبت هذا، فكل ما كان متصلاً به، أو متعلقاً بمنفعته، فهو تحت يده، ويثبت بذلك ملكاً له في الظاهر، فمن ذلك ما كان لابساً له، أو مشدوداً في ملبوسه، أو في يديه، أو مجعولاً فيه، كالسرير والسفط، وما فيه من فرش أو دراهم، والثياب التي تحته والتي عليه. وإن كان مشدوداً على دابة، أو كانت مشدودة في ثيابه، أو كان في خيمة، أو في دار، فهي له. وأما المنفصل عنه، فإن كان بعيداً منه، فليس في يده، وإن كان قريباً منه، كثوب موضوع إلى جانبه، ففيه وجهان؛ أحدهما، ليس هو له؛ لأنه منفصل عنه، فهو كالبعيد. والثاني، هو له. وهو أصح؛ لأن الظاهر أنه ترك له، فهو له، بمنزلة ما هو تحته، ولأن القريب من البالغ يكون في يده، ألا ترى أن الرجل يقعد في السوق ومتاعه بقربه، = بدائع الصنائع ج٨ - ٢١٢ ٣٢٢ كتاب اللقيط التي عليه؛ وكذا إذا وجد مشدوداً على دابة، فالدابة له؛ لما قلنا، وتكون النفقة من ماله؛ لأن الإنفاق من بيت المال للضرورة، ولا ضرورة إذا كان له مال، وليس على الملتقط أن ينفق عليه من مال نفسه؛ لانعدام السبب الموجب للنفقة عليه، ولو أنفق عليه من مال نفسه، فإن فعل بإذن القاضي، له أن يرجع عليه، وَإن فعل بغير إذنه لا يرجع عليه؛ لأنه يكون متطوعًا فيه. ومنها، أن عقله لبيت المال؛ لأن عاقلته بيت المال، فيكون عقله له؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ))(١) ومنها: أن ولاءه لبيت المال؛ لما قلنا. ومنها: أن له أن يوالي مَنْ شاء إذا بلغ إلا إذا عقل عنه بيت المال، فليس له أن يوالي ويحكم بأنه في يده، والحمَّال إذا جلس للاستراحة، ترك حمله قريباً منه. فأما المدفون تحته، فقال ابن = عقيل: إن كان الحفر طريًّا، فهو له، وإلاَّ فلا؛ لأن الظاهر أنه إذا كان طريًّا فواضع اللقيط حفره، وإذا لم يكن طريًّا، كان مدفوناً قبل وضعه، وقيل: ليس هو له بحالٍ؛ لأنه بموضع لا يستحقه إذا لم يكن الحفر طريًّا، فلم يكن له إذا كان الحفر طريًّا، كالبعيد منه، ولأن الظاهر أنه لو كان له، لشده واضعه في ثيابه، ليعلم به، ولم يتركه في مكان لا يطلع عليه، وكل ما حكمنا بأنه ليس له فحكمه حكم اللقطة، وما هو له أنفق عليه منه، فإن كان فيه كفايته، لم تجب نفقته على أحد؛ لأنه ذو مالٍ، فأشبه غيره من الناس. إذا ثبت هذا، فإن لملتقطه الإنفاق عليه منه بغير إذن الحاكم. ذكره أبو عبد الله بن حامد؛ لأنه وليٍّ له، فلم يعتبر في الإنفاق عليه في حقه إذن الحاكم، كوصيٍّ اليتيم، ولأن هذا من الأمر بالمعروف، فاستوى فيه الإمام وغيره، كتبديد الخمر. ينظر: المغني (٣٥٦/٨ - ٣٥٧). (١) يعني ميراثه لهم، فإن اللقيط حر الأصل، ولا ولاء عليه، وإنما يرثه المسلمون؛ لأنهم خولوا كل مال لا مالك له، ولأنهم يرثون مال من لا وارث له غير اللقيط، فكذلك اللقيط وهو قول مالك، والشافعي، وأكثر أهل العلم. وقال شريح، وإسحاق: عليه الولاء لملتقطه؛ لما روى واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول اللهِ وَلَّ: ((المَرْأةُ تَجُوزُ ثَلاثَةَ مَوَارِيثَ؛ عَتِيقَها، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لاَعَنَتْ عَلَيْهِ)). أخرجه أبو داود، والترمذي. وقال: حديث حسن، وقال عمر لأبي جميلة في لقطته: هو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته. ولنا: قول النبي ◌َّ: ((إنَّما الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). ولأنه لم يثبت عليه. رق، ولا على آبائه، فلم يثبت عليه ولاءٌ، كالمعروف نسبه، ولأنه إن كان ابن حرَّين، فلا ولاء عليه، وإن كان ابن معتقين، فلا يكون عليه ولاءً لغير معتقهما. وحديث واثلة لا يثبت. قاله ابن المنذر. وخبر عمر، قال ابن المنذر: أبو جميلة رجل مجهول، لا تقوم بحديثه حجةٌ. ويحتمل أن عمر، رضي الله عنه، عنى بقوله: ولك ولاؤه. أي لك ولايته، والقيام به وحفظه. لذلك ذكره عقيب قول عريفه: إنه رجلٌ صالح. وهذا يقتضي تفويض الولاية إليه، لكونه مأموناً عليه دون الميراث. إذا ثبت هذا، فإن حكم اللقيط في الميراث حكم من عرف نسبه، وانقرض أهله، يدفع إلى بيت المال إذا لم يكن له وارثٌ. فإن كان له زوجة فلها الربع، والباقي لبيت المال. وإن كانت امرأة لها زوجٌ، فله النصف، والباقي لبيت المال. وإن كانت له بنتْ، أو ذو رحم، كبنت بنت، أخذت جميع المال؛ لأن الرَّدَّ وذا الرحم مقدمٌ على بيت المال. ينظر: المغني (٨) ٣٥٨ - ٣٦٠). ٣٢٣ كتاب اللقيط أحدًا؛ لأن العقد يلزم بالعقل؛ على ما نذكر في كتاب الديات)) إن شاء الله تعالى؛ لما علم في الولاء. ومنها: أن وليه السلطان له الولاية في ماله ونفسه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: السُلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ)(١). وروي عنه عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((الله وَرَسُولُهُ وَلِيُّ مَنْ لاَ ولِيَّ لَهُ»(٢) والخَالُ وَارِثُ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ))، والسلطان نائب الله ورسوله، فيزوج اللقيط ويتصرف في ماله، وليس للملتقط أن يفعل شيئًا من ذلك؛ لأنه لا ولاية له عليه؛ لانعدام سببها، وهو القرابة والسلطنة، إلا أنه يجوز له أن يقبض الهبة له، ويسلمه في صناعة ويؤاجره؛ لأن ذلك ليس من باب الولاية عليه، بل من باب إصلاح حاله وإيصال المنفعة المحضة إليه من غير ضرر؛ فأشبه إطعامه وغسل ثيابه ومنها: أن نسبه من المدعي يحتمل الثبوت شرعاً؛ لأنه مجهول النسب؛ على ما يأتي في ((كتاب الدعوى))؛ حتى لو ادعى الملتقط أو غيره أنه ابنه، تسمع دعواه من غير بينة، وبينته ونسبه منه، والقياس أن لا تسمع إلا ببينة. وجه القياس ظاهرٌ؛ لأنه يدعي أمرًا جائز الوجود والعدم، فلا بد لترجيح أحد الجانبين على الآخر / من مُرجح، وذلك بالبيئة، ولم توجد. ١ وجه الاستحسان أنه عامل أخبر بأمر محتمل(٣) الثبوت، وكل من أخبر عن أمر، والمخبر به محتمل الثبوت، يجب تصديقه؛ تحسينًا للظن بالمخبر هو الأصل، إلا إذا كان في تصديقه ضرر بالغير وههنا في التصديق وإثبات النسب نظر من الجانبين، جانب اللقيط بشرف النسب والتربية والصيانة عن أسباب الهلاك وغير ذلك، وجانب المدعي بولدٍ يستعين به على مصالحه الدينية، والدنيوية، وتصديق المدعي في دعوى ما ينتفع به ولا يتضرر به غيره، بل ينتفع به - لا يقف على البينة، وسواء كان المدعي مسلمًا أو ذميًّا أو عبدًا؛ حتى لو ادعى نسبة ذمي تصح دعوته، حتى يثبت نسبة منه، لكنه يكون مسلمًا؛ لأنه ادعى شيئين يتصور انفصال أحدهما عن الآخر في الجملة. وهو نسب الولد، وكونه كافرًا، ويمكن تصديقه في أحدهما؛ لكونه نفعًا للقيط، وهو كونه ابنًا له، ولا يمكن تصديقه في الآخر؛ لكونه ضررًا به، وهو كونه كافرًا، فيصدق فيما فيه منفعة، فيثبت نسب الولد منه، ولا يصدق فيما يضره، فلا يحكم بكفره، وَلَيْسَ من ضرورة كون الولد منه أن(٤) يكون كافرًا، أَلاَ ترى أنه يحكم بإسلامه وبإسلام أمه، وإن كان الأب كافرًا، هذا إذا أقر الذمي أنه ابنه ولا بينة له، فإن أقام البينة على ذلك ثبت نسب الولد منه، ويكون على دينه بخلاف الإقرار. (١) تقدم. (٢) تقدم. (٣) في ب: أخبر بما هو محتمل. (٤) في ب: لا. ٣٢٤ كتاب اللقيط ووجه الفرق بين الإقرار وبين الشهادة أنه متهم في إقراره بما يتضمنه إقراره. وهو كون الولد على دينه، ولا تهمة في الشهادة؛ لما مَرَّ . ولو ادعى عبد أنه ابنه، صحت دعوته، وثبت نسبة منه؛ لكنه يكون حُراً؛ لما ذكرنا في دعوى الذمي؛ لأنه ادعى شيئين: أحدهما نفع اللقيط، والآخر مضرة، وهو الرق، فيصدق فيما ينفعه لا فيما يضره؛ على ما ذكرنا في ((دعوى الذمي)). ولو ادعاه رجلان أنه ابنهما ولا بينة لهما، فَإن كان أحدهما مسلمًا والآخر ذميًّا، فالمسلمُ أَوْلَى، [به](١) لأنه أنفع للقيط؛ وكذلك إذا كان أحدهما حُرًّا والآخر عبدًا، فالحر أولى؛ لأنه أنفع له، وَإِن كَانَا مسلمين حرين، فَإِنْ وصف أحدهما علامة في جسده، فالواصف أَوْلى به عندنا . وعند الشافعي - رحمه الله - يرجع إلى القائف(٢)، فيؤخذ بقوله، والصحيحُ قولنا؛ لأن (١) سقط في ط .. (٢) والقافةُ: قومٌ يعرفون الأنساب بالشبه، ولا يختص ذلك بقبيلة معينة، بل من عرف منه المعرفة بذلك، وتكررت منه الإصابة، فهو قائفٌ. وقيل: أكثر ما يكون في بني مدلج رهِط مجزّز المدلجي الذي رأى أسامة وأباه زيداً قد غطّيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: ((إنَّ هُذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)). وكان إياسُ بن معاوية المزني قائفاً، وكذلك قيل في شريح. ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون ذكراً، عدلاً، مجرباً في الإصابة، حرًّا؛ لأن قوله حكمٌ، والحكم تعتبر له هذه الشروط وتعتبر معرفة القائف بالتجربة، وهو أن يترك الصبي مع عشرةٍ من الرجال غير من يدعيه، ويرى إياهم، فإن ألحقه بواحدٍ منهم سقط قوله؛ لأنا تبينا خطأه، وإن لم يلحقه بواحد منهم، أريناه إياه مع عشرين فيهم مدَّعيه، فإن ألحقه به لحق، ولو اعتبر بأن يرى صبيًّا معروف النسب مع قوم فيهم أبوه أو أخوه، فإذا ألحقه بقريبه، عُلمت إصابته، وإن ألحقه بغيره، سقط قوله، جاز. وهذه التجربة عند عرضه على القائف للاختياط في معرفة إصابته، وإن لم نجربه في الحال، بعد أن يكون مشهوراً بالإصابة وصحة المعرفة في مرات كبيرة، جاز. وقد روينا أن رجلاً شريفاً شك في ولدٍ له من جاريته، وأبى أن يستلحقه، فمر به إياس بن معاوية في المكتب، وهو لا يعرفه، فقال: ادع لي أباك. فقال له المعلم: ومن أبو هذا؟ قال: فلان. قال: من أين علمت أنه أبوه؟ قال: هو أشبه به من الغراب بالغراب. فقام المعلم مسرورٌ إلى أبيه، فعلمه بقول إياس، فخرج الرجل وسأل إياساً، فقال: من أين علمت أن هذا ولدي؟ فقال: سبحان الله، وهل يخفى ولدّك على أحدٍ، إنه لأشْبَهُ بك من الغراب بالغراب. فسر الرجل، واستلحق ولده. وهل يقبل قول واحدٍ، أو لا يقبل إلا قول اثنين؟ فظاهر كلام أحمد، أنه لا يقبل إلا قول اثنين، فإن الأثرم روي عنه، أنه قيل له: إذا قال أحد القافة: هو لهذا. وقال الآخر: هو لهذا؟ قال: لا يقبل واحد حتى يجتمع اثنان، فيكونان شاهدين. فإذا شهد اثنان من القافة أنه لهذا، فهو لهذا؛ لأنه قولٌ يثبت به النسب، فأشبه الشهادة. وقال القاضي: يقبل قول الواحد؛ لأنه حكم، ويقبل في الحكم قول واحد. وحمل كلام أحمد على ما إذا تعارض قول القائفين فقال: إذا خالف القائف غيره، تعارضا وسقطا. وإن قال اثنان قولاً، وخالفهما واحدٌ، فقولهما أولى؛ لأنهما شاهدان، فقولهما أقوى من قول واحد. وإن عارض قول اثنين قول اثنين، سقط قول = ٠ كتاب اللقيط ٣٢٥ الدعوتين متى تعارضتا يجب العمل بالراجح منهما، وقد ترجح أحدهما بالعلامة؛ لأنه إذا وصف(١) العلامة ولم يصف الآخر، دَلَّ على أن يده عليه سابقة، فلا بد لزوالها من دليل، والدليل على جواز العمل بالعلامة / قوله - تعالى عَزَّ شأنه - خبرًا عن أهل تلك المرأة ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلِ فَصَدَقَتْ وَهُو مِن الْكَاذِبِينَ، وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبْرِ قَالَ إِنَّه مِنْ كَيْدِكُنَّ، إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [ يوسف: ٢٨] حَكَى الله - تعالى - عن الحكم بالعلامة عن الأمم السالفة في كتابه العزيز، ولم يغير عليهم، والحكيم إذا حكى عن منكر غيره، فصار الحكم بالعلامة شريعة لنا مبتدأة، وكذا عند اختلاف الزوجين في متاع البيت، يميز ذلك بالعلامة؛ كذا ههنا وَإن لم يصف أحدهما العلامة يحكم بكونه ابنًا لهما؛ إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر، فإن أقام أحدهما البينة، فهو أولى به؛ وَإِن أقامَا جميعًا البينة، يحكم بكونه ابنًا لهما؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر. وقد روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - في مثل هذا أنه قال: إنه ابنهما يرثهما ويرثانه، وهو للثاني منهما، فإن ادعاه أكثر من رجلين فأقام البينة، روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه تسمع من خمسة . وقال أبو يوسف: من اثنين، ولا تسمع من أكثر من ذلك. وقال محمد: تسمع من ثلاثة، ولا تسمع من أكثر من ذلك. هَذَا إذا كان المدعي رجلاً، فإن كانت امرأة فادعته أنه ابنها [يرثهما](٢) فإن صدقها زوجها أو شهدت لها القابلة، أو قامت البينة، صحت دعوتها، وإلا فلا؛ لأن فيه حمل نسب الغير على الغير، وأنه لا يجوز؛ لما نذكره في ((كتاب الإقرار))، ولو ادعاه امرأتان، وأقامت إحداهما البينة، فهي أولى به، وإن أقامتا جميعًا فهو ابنهما عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف لا يكون لواحدة منهما، وعن محمد روايتان، في رواية أبي حفص يجعل ابنهما، وفي رواية أبي سليمان: لا يجعل ابن واحدة منهما، والله سبحانه وتعالى أعلم. الجميع. وإن عارض قول الاثنين ثلاثة فأكثر، لم يرجح، وسقط الجميع، كما لو كانت إحدى البينتين = اثنين، والأخرى ثلاثة أو أكثر. فأما إن ألحقته القافة بواحد، ثم جاءت قافة أخرى فألحقته بآخر، كان لاحقاً بالأول؛ لأن القائف جرى مجرى حكم الحاكم، ومتى حكم الحاكم حكماً لم ينتقض بمخالفة غيره له. وكذلك إن ألحقته بواحد، ثم عادت فألحقته بغيره؛ لذلك فإن أقام الآخر بينةً أنه ولده، حكم له به، وسقط قول القائف؛ لأنه بدلٌ، فيسقط بوجود الأصل، كالتَّمُّم مع الماء. ينظر المغني ٣٧٥/٨ - ٣٧٦. (١) في ط: رضي. (٢) سقط في ط. كِتَابُ اللُّقَطَةِ (١) الكلام في اللقطة في مواضع/ : في بيان أنواعها. وفي بيان أحوالها. وفي بیان ما يصنع بها . أما الأول: فنوعان [نوع](٢) من غير الحيوان؛ وهو المال الساقط [على الأرض] (٣) لا يعرف مالكه، ونوع من الحيوان وهو الضالة من الإبل والبقر والغنم [وغيرها](٤) من البهائم، (١) اللقطة لغة: اسم لما يُلْقَطُ، وفيها أربع لُغَاتٍ، نظمها شيخنا أبو عبيد الله بن مالك فقال: [الرجز]. لُقَاطَةٌ، وَلُقْطَةٌ، وَلُقْطَهْ وَلَقَطْ مَا لاَقِطْ قَدْ لَقَطَهْ فالثلاث الأول بضم اللام، والرابعة بفتح اللام والقاف، وروي عن الخليل: واللَّقَطَّةُ، بضم اللام وفتح القاف: الكثير الإسقاط، وبسكون القاف: ما يلتقط، وقال أبو منصور: وهو قياس اللغة؛ لأن فعلة بفتح العين أكثر ما جاء فاعل، وبسكونها مفعول، كَضُحكة للكثير الضَّحِكِ، وضُحكة لمن يضحك منه. انظر: المغرب ١٧٠/٢، المطلع: ص/ ٢٨٢، القاموس المحيط: ٢٩٧/٢. واصطلاحاً: عرفها الحنفية بأنها: أمَانَةٌ إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها ليحفظها، ويردها على صاحبها، وهي الشيء الذي يجده ملقى ليأخذه أمانة. واللقطة مال معصوم عرض للضياع. عرفها الشافعية بأنها: مال أو اختصاص محترم، ضاع بنحو غفلة؛ بمحل غير مملوك لم يحرز، ولا عرف الواحد مستحقه، ولا امتنع بقوته. عرَّفها المالكية بأنها: مَالٌ معصوم عُرِّضَ للضياع، وإن كلباً أو فرساً. عرفها الحنابلة بأنها: المَالُ الضائع من رَبِّه، يلتقطه غيره. انظر: شرح فتح القدير: ١١٨/٦، حاشية ابن عابدين: ٣٤٨/٣، تبيين الحقائق؛ ٣٠١/٣، نهاية المحتاج: ٤٢٦/٥، مغني المحتاج: ٤٠٦/٢، الشرقاوي على التحرير: ١٣٥/٢، جواهر الإكليل: ٢/ ٢١٧، حاشية الدسوقي: ١١٧/٤، الشرح الصغير: ٣٥٠/٣، المغني لابن قدامة: ٦٦٣/٥، كشف القناع: ٢٠٨/٤ - ٢٠٩. (٢) سقط في ط. (٣) سقط في ط. (٤) سقط في ط. ٣٢٦ ٣٢٧ كتاب اللقطة إلا أنه يسمى لقطة من اللقط، وهو الأخذ والرفع؛ لأنه يلقط عادة، أي: يؤخذ ويرفع؛ على ما ذكرنا في ((كتاب اللقيط)). فصل في أموال اللقطة وأما بيان أحوالها فلها (١) في الأصل حالان: حال ما قبل الأخذ، وحال ما بعده، أما قبل الأخذ، فلها أحوال مختلفة، قد يكون مندوب الأخذ، وقد يكون مباح الأخذ، وقد یکون حرام الأخذ. أما حالة الندب: فهو أن يخاف عليها الضيعة لو تركها، فأخذها لصاحبها أفضل من تركها؛ لأنه إذا خاف عليها الضيعة كان أخذها لصاحبها إحياء لمال المسلم معنى، فكان مستحبًّا، والله تعالى أعلم. وأما حالة الإباحة فهو أَنْ لا يخاف عليها الضيعة فيأخذها لصاحبه، وهذا عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله - إذا خاف عليها [الضيعة](٢) يجب أخذها، وإن لم يخف يستحب أخذها، وزعم أن الترك عند خوف الضيعة يكون تضييعًا لها، والتضييع حرام، فكان الأخذ واجبًا، وهذا غير سديدٍ لأن الترك لا يكون تضييعًا، بل هو امتناع من حفظ غير ملزم، والامتناع من حفظ غير ملزم، لا يكون تضييعًا كالامتناع عن قبول الوديعة (٣). وأما حالة الحرمة: فهو أن يأخذها لنفسه لا لصاحبها؛ لما روي عن رسول الله وجل اله - أنه قال: ((لاَ يَأوِي الصَّالَّةَ إِلاَّ ضَالٍّ))(٤) والمراد أن يضمها إلى نفسه لأجل نفسه، لا لأجل صاحبها (١) في ط: منها. (٢) سقط في ط. (٣) مذهب الإمام أحمد: الأفضل ترك الالتقاط. وروي معنى ذلك عن ابن عباس، وابن عمر. وبه قال جابر ابن زيد، والربيع بن خثيم، وعطاء، ومر شريح بدرهم، فلم يعرض له. واختار أبو الخطاب أنه إذا وجدها بمضيعة، وأمن نفسه عليها، فالأفضل أخذها. وهذا قول الشافعي. وحكي عنه قول آخر، أنه يجب أخذها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. فإذا كان وليه، وجب عليه حفظ ماله. وممَّن رأى أخذها سعيد بن المسيب، والحسن بن صالح، وأبو حنيفة. وأخذها أبي بن كعب، وسويد بن غفلة. وقال مالك: إن كان شيئاً له بالٌ، يأخذه أحب إليَّ، ويعرِّفه؛ لأن فيه حفظ مال المسلم عليه، فكان أولى من تضييعه، وتخليصه من الغرق. ينظر المغني ٢٩١/٨. (٤) أخرجه أبو داود (١٣٩/٢) كتاب ((اللقطة)) باب: ( .... )، حديث (١٧٢٠)، والنسائي في الكبرى (٣/ ١٦) كتاب الصواب، باب ((ذكر الاختلاف)) على أيوب فيه حديث (٥٧٩٩، ٥٨٠٠) وابن ماجه (٢/ ٨٣٦) كتاب اللقطة: باب: ((ضالة الإبل والبقر والغنم)). = ٣٢٨ كتاب اللقطة بالرد عليه؛ لأن الضم إلى نفسه لأجل صاحبها ليس بحرام؛ ولأنه أخذ مال الغير بغير إذنه لنفسه، فيكون بمعنى الغصب؛ وكذا لقطة البهيمة من الإبل والبقر والغنم عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله - لا يجوز التقاطها أصلاً، واحتجَّ بما روي أن رجلاً سأل رسولَ الله - وَه - عن ضَالَّةِ الإبل؟ فَقَال؛ ((مَا لَكَ وَلَهَا؛ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤها، تَرِدُ المَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ؛ دَعْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا))(١) نهى عن التعرض لها؛ وأمر بترك الأخذ، فدل على حرمة الأخذ. وأحمد (٣٦٠/٤)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٣٣/٤) في كتاب اللقطة والصواب. = والطبراني (٣٣٠/٢ - ٣٣١) (٢٣٧٦ - ٢٣٧٨) وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣/ كلهم من طرق عن المنذر عن جرير به فذكره. وله شاهد من حديث زيد بن خالد الجهني؛ أخرجه مسلم (٦/ ٢٧٠) كتاب اللقطة، باب: ((تحريم حلب الماشية بغير إذن أهلها))، حديث (١٧٢٥/١٢). بلفظ: ((من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها)). وأخرجه النسائي في الكبرى (٤١٧/٣) كتاب ((اللقطة)) باب: ((النهي عن لقطة الحاج، حديث (٥٨٠٦). وابن حبان (١١/ ٢٦٠) كتاب اللقطة، حديث (٤٨٩٧). والبيهقي (١٩١/٦) كتاب، باب: «ما يجوز له أخذه وما لا يجوز مما يجده)). والطحاوي (١٣٤/٤) كتاب الإجارات، باب: ((اللقطة والضوال)) والطبراني (٢٥٨/٥) حديث (٥٢٨١، ٥٢٨٢). (١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٢/ ٧٥٧) كتاب ((الأقضية))، باب: ((القضاء في اللقطة))، حديث (٤٦). وأحمد (١١٦/٤، ١١٧)، والبخاري (٣٦٣/٥١ - ٣٦٤) كتاب اللقطة، باب: ((ضالة الإبل))، حديث (٢٤٢٧). وطرفه في [٢٤٢٨، ٢٤٢٩، ٢٤٣٦، ٢٤٣٨]. ومسلم (٢٦٢/٦ - ٢٦٤) كتاب اللقطة، باب: (( .... )) حديث (١ - ١٧٢٢/٨). وأبو داود (١٣٥/٢) كتاب اللقطة، حديث (١٧٠٤، ١٧٠٧). والترمذي (٦٤٦/٣ - ٦٤٧) كتاب ((الأحكام))، باب: ((ما جاء في اللقطة وضالة الغنم))، حديث (١٣٧٢). والنسائي في ((الكبرى)) (٤١٩/٣) كتاب اللقطة، باب: الأمر بتعريف اللقطة، حديث (٥٨١١ - ٥٨١٥) مختصراً، في كتاب الضوال، باب ((٣)) حديث (٥٨٠٢). وابن ماجه (٨٣٦/٢ - ٨٣٧) كتاب اللقطة، باب: ((ضالة الإبل والبقر والغنم))، حديث (٢٥٠٤). وعبد بن حميد (٢٧٩)، وعبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٠/ ١٣٠) آخر كتاب اللقطة، حديث (١٨٦٠٢). وابن الجارود (٦٦٦) والشافعي (٢/ ١٣٧) في كتاب اللقطة حديث (٤٥٣) مختصراً. والدارقطني (٢٣٥/٤) في كتاب ((المكاتب)، حديث (١١٣) والطبراني (٢٥٠/٥ - ٢٥٣) حديث (٥٢٤٩ - ٥٢٥٨) والطحاوي (١٣٤/٤) كتاب ((الإجارات))، باب: ((اللقطة والضوال)). وابن حبان (٢٥٠/١١ - ٢٥٢، ٢٥٥، ٢٦١) في كتاب اللقطة، حديث (٤٨٨٩، ٤٨٩٠، ٤٨٩٣، ٤٨٩٨)، والبيهقي (١٨٥/٦، ١٨٩، ١٩٢) كتاب اللقطة، باب: ((اللقطة يأكلها الغني والفقير إذا لم تعترف بعد تعريف سنة))، ((ما يجوز له أخذه وما لا يجوز مما يجده))، ((تعريف اللقطة ومعرفتها والإشهاد عليها)). ٣٢٩ كتاب اللقطة ولنا ما روي أن رجلاً وجد بعيرًا بالحرة(١) فعرفه، ثم ذكره لسيدنا عمر - رضي الله تعالى عنه - فأمره أن يعرفه، فقال الرجل لسيدنا عمر: قَدْ شغلني عن ضيعتي(٢)، فقال سيدنا عمر أرسله حيث وجدته؛ ولأن الأخذ حال خوف الضيعة إحياء لمال المسلم، فيكون مستحبًا، وحال عدم الخوف ضرب إحراز، فيكون مباحًا؛ على ما ذكرنا. وأما الحديث فلا حُجَّةً له فيه؛ لأن المراد منه أن يكون صاحبه قريبًا منه؛ ألا ترى أنه قال عليه الصلاة والسلام: ((حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّها))، وإنما يقال ذلك إذا كان قريبًا أو كان رجاء اللقاء ثابتًا، ونحن به نقول، ولا كلام فيه. والدليلُ عليه أنه لما سأله عن ضالة الغنم، قال: ((خُذْهَا فَإِنَّهَا لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَو لِلذِئب)) دعاه إلى الأخذ، ونبه على المعنى، وهو خوف الضيعة، وأنه موجود في الإبل، والنص الوارد فيها أَوْلَى أن يكون واردًا في الإبل وسائر البهائم دلالة، إلا أنه عليه الصلاة والسلام فَصل بينهما في الجواب، من حيث الصورة؛ لهجوم الذئب على الغنم إذا لم يلقها ربها عادةً، بعيدًا كان أو قريبًا؛ و[لا](٣) كذلك الإبل؛ لأنها تذب عن نفسها عادةً. هذا الذي ذكرنا حال ما قبل الأخذ، وأَما حال ما بعده، فلها بعد الأخذ حالان: في حال هي أمانة، وفي حال هي مضمونة . كلهم من طرق عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني عن النبي ◌َّ فذكره. = قال الترمذي: حدیث زید بن خالد حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غير وجه، وحدیث یزید مولی المنبعث عن زيد بن خالد حديث حسن صحيح وقد روي عنه من غير وجه. وأخرجه مسلم (١٣٤٧/٣) كتاب اللقطة: باب اللقطة حديث (١٧٢٢/٧) وأبو داود (٥٣٣/١) كتاب اللقطة: باب التعريف باللقطة حديث (١٧٠٦) والترمذي (٦٥٦/٣) كتاب الأحكام: باب ما جاء في اللقطة وضالة الإبل حديث (١٣٧٣) وابن ماجه (٨٣٨/٢) كتاب اللقطة: باب اللقطة حديث (٢٥٠٧) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار ... )) (١٣٨/٤) كتاب البيوع: باب اللقطة والضوال والبيهقي (٦) ١٨٦) كتاب اللقطة: باب اللقطة يأكلها الغني والفقير، وابن الجارود (٦٦٩) كلهم من طريق بسر بن سعيد عن زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله وَلقل عن اللقطة فقال عرفها سنة فإن لم تُعترف فاعرف عفاصها ووکاءها ثم کلها فإن جاء صاحبها فأدها إليه. قال الترمذي: حديث حسن غريب. (١) الحِرار في بلادِ العرب كثيرة. والحرَّة كلٌ أرضٍ ذات حجارة سُود نخرة، كأنما أحرقت بالنار، قد ألبستا. وقيل: إذا كانت كذلك وهي مستديرةٌ فهي حَرّة، وما كان مستطيلاً ليس بواسع فهو لابة. ويقال له كُراع. وأكثرُ الحِرارِ حَوْلَ المدينة، وتسمى مضافة إلى أماكنها. ينظر مراصد الاطلاع ٣٩٤/١. (٢) في ب: صنعتي. (٣) سقط في ط. ٣٣٠ كتاب اللقطة أما حالة الأمانة فهي أن يأخذها لصاحبها؛ لأنه أخذها على سبيل الأمانة، فَكَانَتْ يَدُهُ يد أمانة كيد المودع. وأما حالة الضمان: فهي أن يأخذها لنفسه؛ لأن المأخوذ لنفسه مغصوبٌ، وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف فى شىء آخر، وهو أن جهة الأمانة إنما تعرف من جهة الضمان، إما بالتصديق أو بالإشهاد عند أبى حنيفة، وعندهما بالتصديق أو باليمين، حتى لو هلكت فجاء صاحبها وصدقه في الأخذ له، لا يجب عليه الضمان بالإجماع، وَإن لم يشهد؛ لأن جهة الأمانة قد ثبتت بتصديقه، وإن كذبه في ذلك فكذا عند أبي يوسف ومحمد، أشهد أو لم يشهد، ويكون القول قول الملتقط مع يمينه . وَأما عند أبي حنيفة، فإن أشهد، فلا ضمان عليه؛ لأنه بالإشهاد ظهر أن الأخذ كان لصاحبه، فظهر أن يده يد أمانة، وإن لم يشهد يجب عليه الضمان، ولو أقر الملتقط أنه أخذها لنفسه يجب عليه الضمان، لأنه أقر بالغصب، والمغصوب مضمون على الغاصب. وَجْهُ قَوْلهما إن الظاهر أنه أخذه لا لنفسه؛ لأن الشرعَ إنما مكنه من الأخذ بهذه الجهة، فكان إقدامه على الأخذ دليلاً على أنه أخذ بالوجه المشروع، فكان الظاهر شاهدًا له، فكان القول قوله، ولكن مع الحلف؛ لأن القول قولُ الأمين مع اليمين. ولأبي حنيفة - رحمه الله - وجهان: أحدهما أن أخذ مال الغير بغير إذنه سبب لوجوب الضمان في الأصل إلا أنه إذا كان الأخذ على سبيل الأمانة بأن أخذه لصاحبه، فيخرج من أن يكون سببًا، وذلك إنما يعرف بالإشهاد، فإذا لم يشهد لم يعرف كون الأخذ لصاحبه، فبقي الأخذ سببًا في حق وجوب الضمان على الأصل. والثاني: أنَّ الأصل أن عمل كل إنسان [يكون](١) له لا لغيره؛ بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْ لَيْس لِلإِنْسَانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وقوله - تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أُكَتسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] فكان أخذه اللقطة في الأصل لنفسه، لا لصاحبها، وأخذ مال الغير بغير إذنه لنفسه سبب لوجوب الضمان؛ لأن غصب، وإنما يعرف الأخذ لصاحبها بالإشهاد، فإذا لم يوجد تعين أن الأخذ لنفسه، فيجب عليه الضمان. ولو أخذ اللقطة ثم ردها إلى مكانها الذي أخذها منه، لا ضمان عليه في ظاهر الرواية؛ وكذا نص عليه محمد في ((الموطأ))، وبعض مشايخنا رحمهم الله - قالوا: هذا الجواب فيما إذا رفعها ولم يبرح عن ذلك المكان، حتى وضعها في موضعها، فأما إذا ذهب بها عن ذلك المكان، ثم ردها إلى مكانها، يضمن، وجواب ظاهر الرواية مطلقٌ عن هذا التفصيل، مستغن عن هذا التأويل. (١) سقط في ط. ٣٣١ كتاب اللقطة وقال الشافعي - رحمه الله - يَضمن، ذهب عن ذلك المكان أو لم يذهب. وجه قوله إنه لما أخذها من مكانها فقد التزم حفظها بمنزلة قبول الوديعة، فَإِذَا رَدَّها إلى مكانها فقد ضيعها بترك الحفظ الملتزم، فأشبه الوديعة إذا ألقاها المودع على قارعة الطريق، حتى ضاعت. ولنا: أنه أخذها محتسبًا متبرعًا ليحفظها على صاحبها، فإذا رَدَّها إلى مكانها فقد فسخ التبرع من الأصل، فصار كأنه لم يأخذها أصلاً، وبه تبين أنه لم يلزم الحفظ، وإنما تبرع به، وقد رده بالرد إلی مکانھا، فارتد وجعل كأن لم يكُنْ. هَذَا إِذا كَانَ أخذها / لصاحبها ثم رَدَّها إلى مكانها فضاعت، وصدقه صاحبها فيه أو كذبه، لكن الملتقط قد كان أشهد على ذلك، فَإِنْ كان لم يشهد يجب عليه الضمان عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجب، أشهد أو لم يشهد، ويكون القول قوله مع يمينه أنه أخذها لصاحبها؛ على ما ذكرنا. ثم تفسير الإشهاد على اللقطة أن يقولَ الملتقط بمسمع من الناس: إني التقطت لقطة أو عندي لقطة، فأي الناس أنشدها فدلوه عليَّ، أو يقول: عنديّ شيء فمن رأيتموه(١) يسأل شيئًا [أو يريد شيئًا] (٢) فدلوه عليَّ، فَإذا قال ذلك ثم جاء صاحبها، فقال الملتقط قد هلكت، كان القول قوله، ولا ضمان عليه بالإجماع، وإن كان عنده عشر لقطات؛ لأنَّ اسم الشيء [واللقط كان لهم](٣) منكرًا إن كان يقع على شيء واحد ولقطة واحدة لغةً لكن في مثل هذا الموضع يراد بها كل الجنس في العرف والعادة، لا فرد من الجنس؛ إذ المقصود من التعريف إيصال الحق إلى المستحق، ومطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف والمعتاد، فكان هذا إشهادًا على الكل بدلالة العرف والعادة، ولو أقر أنه كان أخذها لنفسه لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك؛ لأنه ظهر أنه أخذها غصبًا، فكان الواجب عليه الرد إلى المالك؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((عَلَى الَيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ))(٤) فإذا عجز عن رد العين يجب عليه بدلها كما في الغصب . (١) في ب: سمعتموه. (٢) سقط في ط. (٣) سقط في ط. (٤) أخرجه أحمد (٨/٥، ١٢، ١٣) وأبو داود (٢٩٦/٣) كتاب ((البيوع))، باب: في تضمين العارية، حديث (٣٥٦١). والترمذي (٥٥٧/٣) كتاب ((البيوع))، باب: «ما جاء في أن العارية مؤداه)»، حديث (١٢٦٦). والنسائي في الكبرى (٤١١/٣) كتاب ((العارية)): باب: ((المنيحة))، حديث (٥٧٨٣). = ٣٣٢ كتاب اللقطة وكذلك إذا أخذ الضالة ثم أرسلها إلى مكانها الذي أَخَذَها منه، فحكمها حكم اللقطة؛ لأن هذا أحد نوعي اللقطة، وقد روينا في هذا الباب عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قال لواجد البعير الضال: أرسله حيث وجدته، وهذا يدل على انتفاء وجوب الضمان. فصل في بيان ما يصنع باللقطة وأما بيان ما يصنع بها، فنقول وبالله التوفيق: إذا أخذ اللقطة فإنه يعرفها؛ لما روي عن رسولِ الله - وَّمَ - أنه قال: ((عرِّفها حَوْلاً))(١) حين سُئل عن اللقطة وروي أن رجلاً جاء إلى عبد الله ابن سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنهما - فقال: إني وجدتُ لقطة، فما تأمرني فيها؟ فقال: عرفها سنة(٢). وروينا عن سيدنا عمر - رضى الله عنه - أنه أمر بتعريف البعير الضال، ثم نقول الكلام في التعريف في موضعين : (أحدهما): في مدة التعريف وابن ماجه (٨٠٢/٢) كتاب ((الصدقات))، باب: ((العارية)) حديث (٢٤٠٠). والدارمي (٢٦٤/٢) كتاب ((البيوع))، باب: ((في العارية مؤداة)». والحاكم (٤٧/٢). والبيهقي (٩٠/٦) كتاب ((العارية)): باب: ((العارية مضمونة)). وابن أبي شيبة (٣١٦/٤) كتاب ((البيوع والأقضية)): باب: ((العارية من كان لا يضمنها ومن كان يفعل)) حديث (٢٠٥٦٣). وابن الجارود (١٠٢٤). والطبراني (٢٥١/٧ - ٢٥٢) حديث (٦٨٨٢) كلهم من طرق عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي وَ ط# فذكره. وفيه زيادة قالها قتادة: ((ثم نسي الحسن فقال: فهو أمينك لا ضمان عليه)). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّر وغيرهم إلى هذا، وقالوا: يضمن صاحب العارية. وهو قول الشافعي وأحمد. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي وي ليه وغيرهم: ليس على صاحب العارية ضمان إلا أن يخالف. وهو قول الثوري وأهل الكوفة، وبه يقول إسحاق. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قال الحافظ في ((التلخيص)) (١١٧/٣): والحسن مختلف في سماعه من سمرة. اهـ. وبقية إسناده ثقات، والحسن ثقة فقيه فاضل إلا أنه يرسل، وقد ذكر له المزي في تهذيب الكمال رواية له عن سمرة في الصحيح. (١) تقدم تخريجه. (٢) ذكره الهندي في كنز العمال (٤٠٦٢٥) وعزاه لمسدد. ٣٣٣ كتاب اللقطة (والثاني): في بيان مكان التعريف: أما مدة التعريف فيختلفُ قدر المدة لاختلاف قدر / اللقطة إن كان شيئًا له قيمة تبلغ أ عشرة دراهم فصاعدًا يعرفه حولاً، وإن كان شيئًا قيمته أقل من عشرة يعرفه أيامًا على قَدْرِ ما یری . وروى الحسن بن زياد عن أبي - حنيفة أنه قال: التعريفُ على خطر المال، إن كان مائة ونحوها عرفها سنة(١) وإن كان عشرة ونحوها عرفها شهرًا، وَإن كان ثلاثة ونحوها عرفها جمعة، أو قال عشرة، وإن كان درهماً ونحوه عرفه ثلاثة أيام، وإن كان دانقًا ونحوه عرفه يومًا، وإن كان تمرة أو كسرة تصدق بها؛ وإنما تكمل مدة التعريف إذا كان مما لا يتسارع اليه الفساد، فإن خاف الفساد لم تکمل ویتصدق بها. وأما مكان التعريف: فالأسواق وأبواب المساجد؛ لأنها مجمع الناس(٢) وممرهم، فكان التعريف فيها أسرع إلى تشهير الخبر، ثم إذا عرفها فإن جاء صاحبها وأقام البينة أنها ملكه أخذها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام -: ((منْ وجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ به))(٣) وَإن لم يقم البينة، ولكنه ذكر العلامة؛ بأن وصف عفاصها ووكاءها ووزنها وعددها؛ يحل للملتقط أن يدفع إليه، وَإن شاء أخذ منه كفيلاً؛ لأن الدفع بالعلامة مما قد ورد به الشرع في الجملة كما في اللقيط، إلا أن هناك يجبر على الدفع، وهنا لا يجبر؛ لأن هناك يجبر على الدفع بمجرد الدعوى، فمع / العلامة أَوْلَى، وهنا لا عبرة بمجرد الدعوى بالإجماع، فجاز ألا يجبر على الدفع مع العلامة، ولكن يحل له الدفع، وله أن يأخذ كفيلاً؛ لجواز مجيء آخر فيدعها ويقيم البينة، ثم إذا عرفها (١) وبه قال ابنُ المسيب، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وروي عن عمر، رواية أخرى، أنه يعرفها ثلاثة أشهر. وعنه ثلاثة أعوام؛ لأن أبي بن كعب روى أن رسول الله وَالقول أمره بتعريف مائة الدينار ثلاثة أعوام. وقال أبو أيوب الهاشمي: ما دون الخمسين درهماً يعرفها ثلاثة أيام إلى سبعة أيام. وقال الحسن بن صالح: ما دون عشرة دراهم يعرفها ثلاثة أيام. وقال الثوري في الدرهم: يعرفه أربعة أيام. وقال إسحاق: ما دون الدينار يعرفه جمعة أو نحوها. وروى أبو إسحاق الجوزجاني، بإسناده، عن يعلى بن أمية، قال: قال رسول الله وَ﴿: ((مَنِ الْتَقَطَّ دِرْهَماً، أَوْ حَبْلاً، أو شِبْهَ ذُلِكَ، فَلْيُعَرِّفُهُ ثَلاثَةَ أيام، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذْلِكَ، فَلَيُعَرْفُهُ سَبعَةَ أَيَّامٍ﴾. ينظر: المغني ٢٩٣/٨. (٢) لأن المقصود إشاعة ذكرها، وإظهارها، ليظهر عليها صاحبها، فيجب تحري مجامع الناس، ولا ينشدها في المسجد؛ لأن المسجد لم يبن لهذا. وقد روى أبو هريرة، عن النبي وَّر، أنه قال: ((مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَتْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لاَ رَدَّها الله إِلَيْكَ، فَإِنَّ المَسَاجِدَ لمْ تُبْنَ لِهُذَا)). وأمر عمر واجد اللقطة بتعريفها على باب المسجد. ينظر المغني ٢٩٤/٨. (٣) تقدم. ٣٣٤ كتاب اللقطة ولم يحضر صاحبها مدة التعريف، فهو بالخيار إن شاء أمسكها إلى أن يحضر صاحبها، وَإن شاء تصدق بها على الفقراء، ولو أراد أن ينتفع بها، فإن كان غنيًّا لا يجوز أن ينتفع بها عندنا. وعند الشافعي - رحمه الله - إذا عرفها حولاً ولم يحضر صاحبها، كان له أن ينتفع بها، وَإن كان غنيًّا، وتكون قرضًا عليه.(١) واحتجَّ بما روي أن رسول الله - وَّر - قال لمن سأله عن اللقطة: ((عَرِّفْهَا حَوْلاً، فَإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا؛ وَإِلاَّ فَشَأْنَكَ بِهَا))، وهذا إطلاق الانتفاع للملتقط من غير السؤال عن حاله؛ أنه فقير أو غني، بل أن الحكم لا يختلف. ولنا ما روي عن رسولِ الله - رَّهِ - أنه قال: ((لاَ تَحِلُّ اللَّقَطَةُ(٢) فَمَنِ الْتَقَطَّ شَيْئًا فَلْيُعَرِّفْهُ سَنَةَ))(٣) فإن جَاءَهُ صاحبها فليردَّها عليه، وإن لم يأت فليتصدق، والاستدلالُ/ به من وجهين: (١) إذا عرف اللقطة حولاً، فلم تعرف، ملكها ملتقطها، وصارت من ماله، كسائر أمواله، غنياً كان الملتقط أو فقيراً. وروري نحو ذلك عن عمر، وابن مسعودٍ، وعائشة، رضي الله عنهم. وبه قال عطاءً، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. وروي ذلك عن عليٍّ، وابن عباسٍٍ، والشعبي، والنخعي، وطاوس، وعكرمة. وقال مالك، والحسن بن صالح، والثوري، وأصحاب الرأي: يتصدق بها، فإذا جاء صاحبها خيَّرهُ بين الأجر والغرم؛ لما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، عن النبي ◌َ ◌ّر، أنه سئل عن اللقطة، فقال: ((عَرِّفْها حَوْلاً)). وروي: (ثَلاثَةً أُخْوالٍ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، وإلاَّ تَصَدَّقْ بِهَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّهَا، فَرَضِيَ بالأجْرِ، وإلاَّ غَرِمَهَا)). ولأنها مالٌ لِمَغْصُوم، لم يرض بزوال ملکه عنها، ولا وجد منه سبب يقتضي ذلك، فلم يزل ملکه عنه، كغيرها. قالوا: وليس له أن يتملكها، إلا أن أبا حنيفة قال: له ذلك إن كان فقيراً من غير ذوي القربى؛ لما روى عياض بن حمار المجاشعي، أن النبيِ رَ له قال: ((مَنْ وَجَدَ لُقْطَةٌ فَلْيُشْهِدْ عَلَيْها ذا عَدْلٍ، وَلا يَكْتُمُ وَلاَ يُغَيِّبُ، فإن وَجَدَ صَاحِبَها فَلَيَرْدُدها عَلَيْهِ، وإلاَّ فَهِيَ مَالُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)). رواه النسائي. قالوا: وما يضاف إلى الله تعالى، إنما يتملكه من يستحق الصدقة. ونقل حنبل، عن أحمد مثل هذا القول. وأنكره الخلال، وقال: ليس هذا مذهباً لأحمد. ولنا، قول النبي ◌َ﴿، في حديث زيد بن خالد: ((فإن لم تعرف، فاستنفقها)». وفي لفظ: (وإلاَّ فَهِيَ كَسِيلٍ مَالِكَ)). وفي لفظٍ: ((ثُمَّ كُلْهَا)). وفي لفظ: ((فَانْتَفِعْ بِهَا)). وفي لفظٍ: «فَشَأْنَكَ بِهَا)). وفي حديث أبيّ بن كعب: ((فَاسْتَثْفِقْها)). وفي لفظٍ: ((فَاسْتَمْتِعْ بها)». وهو حديث صحيحٌ. ولأن من ملك بالقرض ملك باللقطة كالفقير، ومن جاز له الالتقاط ملك به بعد التعريف، كالفقير. وحديثهم عن أبي هريرة لم يثبت، ولا نقل في كتاب يوثق به. ودعواهم في حديث عياض أن ما يضاف إلى الله لا يتملكه إلا من يستحق الصدقة. لا برهان لها، ولا دليل عليها، وبطلانها ظاهر؛ فإن الأشياء كلها تضاف إلى الله تعالى خلقاً وملكاً، قال الله تعالى: ﴿وَآتُوهُم مِّنْ مالِ الله الذي ءَاتَاكُمْ﴾. ينظر: المغني ٢٩٩/٨ - ٣٠٠. (٢) في ط: اللقط . (٣) أخرجه الدارقطني (١٨٢/٤) في كتاب ((المكاتب))، باب: ((الرضاع)) حديث (٣٥). قال: نا محمد بن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق نا أبي نا خالد بن يوسف نا ابي نا زياد بن سعد عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة .... فذكره. قال العظيم آبادي: الحديث رواه البزار أيضاً في مسنده عن يوسف بن خالد السمتي، وكلاهما ضعيفان. قلت: يشهد له حديث زيد بن خالد المتقدم. ٣٣٥ كتاب اللقطة أحدهما: أنه نفى الحل مطلقًا، وحالة الفقر غير مرادة بالإجماع، فتعين حالة الغنى. والثاني: أنه أمر بالتصدق ومصرف الصدقة الفقير دون الغني، ولأن(١) الانتفاع بمال المسلم بغير إذنه لا يجوز إلا لضرورة، ولا ضرورة، إذا كان غنيًا، وأما الحديث فلا حجة له فيه؛ لأن قوله - عليه الصلاة والسلام - فشأنك بها إرشاد إلى الاشتغال بالحفظ؛ لأن ذلك كان شأنه المعهود باللقط إلى هذه الغاية، أو يحمله على هذا؛ توفيقا بين الحديثين؛ صيانةً لهما عنٍ على التناقض، / وإذا تصدق بها على الفقراء، فإذا جاء صاحبها كان له الخيار: إن شاء أمضى الصدقة، وله ثوابها، وإن شاء ضمن الملتقط أو الفقير إن وجده؛ لأن التصدق كان موقوفًا على إجازته، وأيهما ضمن لم يرجع على صاحبه؛ كما في غاصب الغاصب، وَإن كان فقيرًا، فإن شاء تصدق بها على الفقراء، وإن شاء أنفقها على نفسه، فإذا جاء صاحبها خَيَّره بين الأجر وبين أن يضمنها له؛ على ما ذكرنا. وكذلك إذا كان غنيًّا جاز له أن يتصدق بها على أبيه وابنه وزوجته، إذا كانوا فقراء، وكل جواب عرفته في لقطة الحل، فهو الجواب في لقطة الحرم، يصنع بها ما يصنع بلقط الحل من التعريف وغيره، وهذا عندنا. وعند الشافعي - رحمه الله - لقطة الحرم تعرف أبدًا، ولا يجوز الانتفاع بها بحال. واحتج بما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال في صفة مكة: ((وَلاَ تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ))(٢) أي: لمعرف، فالمنشد المعرف، والناشد الطالب، وهو المالك ومعنى (١) في ط: وإن. (٢) المروي في ذلك لفظان: ((أحدهما أنه لا ترفع لقطتها إلا لمنشد الثاني لا يرفع لقطتها إلا منشد)). أما اللفظ الأول: أخرجه البخاري (٨٧/٥) كتاب اللقطة: باب إذا وجد تمرة في الطريق حديث (٣٤٣٤) ومسلم (٩٨٨/٢) كتاب الحج باب تحريم مكة وصيدها حديث (١٣٥٥/٤٤٧) وأبو داود (٥١٨/٢) كتاب المناسك: باب تحريم حرم مكة حديث (٢٠١٧) والدارمي (٢٦٥/٢) كتاب البيوع: باب في اللقطة، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٤٠/٤) كتاب اللقطة والضوال، وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٥٠٨) وأحمد (٢٣٨/٢) والدارقطني (٩٦/٣ - ٩٧) كتاب الحدود والديات رقم (٥٨) والبيهقي (١٩٩/٦) كتاب اللقطة: باب لا تحل لقطة مكة إلا لمنشد كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال لما فتح الله عز وجل على رسوله ◌َّيه مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنها لم تحل لأحد قبلي وإنها أحلت لي ساعة من نهار وإنها لن تحل لأحد بعدي فلا ينفر صيدها ولا يختلي شوكها ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد)). أما اللفظ الثاني. أخرجه البخاري (٢٦/٨) كتاب المغازي: باب (٥٣) حديث (٤٣١٣) ومسلم (٩٨٦/٢) كتاب الحج : = ٣٣٦ كتاب اللقطة الحديث أنه لا يحل [أخذ] (١) لقطة الحرم إلا للتعريف(٢). باب تحريم مكة وصيدها حديث (١٣٥٣/٤٤٥) وأبو داود (٦١٦/١) كتاب المناسك: باب تحريم حرم = مكة حديث (٢٠١٨) والنسائي (٢٠٣/٥، ٢٠٤) وأحمد (٢٥٩/١، ٣١٥ -٣١٦) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٥٠٩) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢٠٩/٤) والبيهقي (١٩٩/٦) كتاب اللقطة: باب لا تحل لقطة مكة إلا لمنشد كلهم من طريق طاوس عن ابن عباس أن رسول الله وَ لّر قال يوم فتح مكة إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لا يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلي خلاها فقال العباس: يا رسول الله وَ ه إلا الإذخر فإنه لبيوتهم قال: إلا الإذخر. (١) سقط في ط. (٢) أصح قول الشافعي: أن لُقطة مكة وحرمها لا يجوز أخذها للتمليك، وإنما تؤخذ للحفظ والتعريف بخلاف سائر البلاد. وهو قول عبد الرحمن بن مهدي وأبي عبيد لما في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله ◌َي﴿ يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حرمه الله لا يُعضَدُ شوكه، ولا يُنَفَّر صيده، ولا تُلْتقط لقطته إلا من عرَّفها)) ومعلوم أن لقطة كل بلد تعرّف، ولو كان كغيره لم يكن لتخصيصه بهذا الذكر معنى. وفي مسند أحمد عن عبد الرحمن بن عثمان أنه ◌ّ نهى عن لقطة الحاج. وزعم ابن الجوزي أن مسلماً أخرجه في الصحيح ولم يذكره الحافظ أبو الحجاج المزي في الأطراف، والمعنى فيه أن مكة مثابة للناس يعودون إليها مرة بعد أخرى، وربما يعود إليها من أضلها أو يبعث في طلبها. والقول الثاني إنها كلقطة سائر البلدان. والمراد من الخبر، أنه لا بد من تعريفها به كما في سائر البلدان فلا يتوهم أن تعريفها في الموسم كان لكثرة الناس وهو مذهب الأئمة الثلاثة. قال ابن المنذر: ورويناه عن عمر وابن عباس وعائشة وابن المسيب. يعني وبعد الحول تملك. قال أبو عبيد في كتاب الأموال: الصحيح عند ابن مهدي: هو القول الأول لقوله: ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد. قال ابن مهدي: المعنى ليس يحل له إلا إنشادها، فأما الانتفاع بها فلا يجوز. وقال جرير بن عبد الحميد: معنى قوله: إلا لمنشد أي إلا لمن يسمع ناشداً يقول: من أصاب كذا فحينئذٍ يجوز للملتقط أن يرفعها إذا رآها ليردها إلى صاحبها. ومال ابن راهويه إلى هذا القول. وقيل: معناه لا تحل إلا له، وهو خبر في المعنى. لكنه لا يقال للطالب منشد، لأن المنشد، المعرف. والطالب الناشد: قال أبو عبيد: وليس للحديث وجه إلا ما قاله ابن مهدي واختاره من المالكية الداودي، والباجي، وابن العربي، قال القرطبي في شرح مسلم: وهو الأظهر. وقال الماوردي في الحاوي: في المنشد تأويلان. أحدهما وهو قول أبي عبيدة؛ أنه صاحبها الطالب لها، والناشد هو المعرف الواجد لها، والمعنى لا تحل لمن يتملكها إلا صاحبها التي هي له دون الواجد. والثاني وهو قول الشافعي: أن المنشد الواجد المعرف، والناشد هو المالك الطالب ومنه الحديث - وقد سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد -: أيها الناشد، غيرُك الواجد. والمعنى لا تحل لقطتها إلا لمعرف يقيم على تعريفها ولا يتملكها، وعلى كل من التأويلين ففيه دليل على تحريم تملكها. ينظر: إعلام الساجد ص ١٥٢ إلى ١٥٣. ٣٣٧ كتاب اللقطة وَلَنَا ما ذكرنا مِنَ الدلائل من غير فصل بين لقطة الحل والحرم، ولا حجة له في الحديث؛ لأنا نقول بموجبه أنه لا يحل التقاطها إلا للتعريف، وهذا حال كل لقطة، إلا أنه خص - عليه الصلاة والسلام - لقطة الحرمَ بذلك؛ لما لا يوجد صاحبها عادةً، فتبين أن ذا لا يسقط التعريف، وكذلك حكم الضالة في جميع ما وصفنا، وتنفرد بحكم آخر وهو النفقة، فإن أنفق عليها بأمر القاضي يكون دينًا على مالكها، وَإن أنفق بغير إذنه يكون متطوعًا، فينبغي أن يرفع الأمر إلى القاضي، [حتى](١) ينظر في ذلك، فإن كانت بهيمة يحتمل الانتفاع بها بطريق الإجارة، أمره بأن يؤاجرها وينفق عليها من أجرتها؛ نظرًا للمالك. وَإن كانت مما لا يحتمل الانتفاع بها بطريق الإجارة، وخشي أن لو أنفق عليها أن تستغرق النفقة قيمتها، أمره ببيعها وحفظ ثمنها [وقام ثمنها](٢) مقامها في حكم الهلاك، وَإن رأى الأصلح أن لا يبينها، بل ينفق عليها، أمره بأن ينفق عليها، لكن نفقة لا تزيد على قيمتها، ويكون ذلك دينًا على صاحبها، حتى إذا حضر يأخذ منه النفقة، وله أن يحبس اللقطة بالنفقة كما يحبس المبيع بالثمن، وإن أبى أن يؤدي النفقة باعها القاضي ودفع إليه قدر ما أنفق، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. (١) سقط في ط. (٢) سقط في ط. بدائع الصنائع ج٨ - م٢٢ كِتَاب الإِبَاقِ(١) الكلام في هذا الكتاب في مواضع : في تفسير الآبق . وفي بيان حاله. وفي بيان ما يصنع به . وفي بيان حكم ماله. أما الأول: فالآبق اسم لرقيق يهرب من مولاه. (١) الإباقُ: الهرب لا عن تعب ورهب، وصرفه من حد دخل وضرب جميعاً. والنعت الآبق، وجمعه الإباق. والإباق في اللغة: الفرار الهرب مطلقاً، من باب ضرب ونصر. وفي التنزيل العزيز: [سورة الصافات: آية / ١٤٠] ﴿إِذْ أبق إلى الفُلْكِ المشخونِ﴾. وهو في الشريعة: هروبٌ مخصوصٌ، وهو هرب العبد المملوك من مالكه وتمرده في الانطلاق، وهو من سوء الأخلاق. وحكمه: أنه يندب لمن قدر عليه أخذه ورده إلى سيده، أو إلى السلطان. [المصباح المنير ج٣/١/ وأنيس الفقهاء / ١٨٩ / والصّحاح ج٥/ ٢٠٧١/، والمُغْرِب ج٢٣/١]. ورُوي عن أبي عمرو الشيباني أنَّه قال: كنتُ قاعداً عندَ عبدِ الله بن مسعودٍ رضي الله عنه فجاء رجل فقال: إن فلاناً قدم بإباقٍ من الفيوم: هو اسم موضع، فقال القوم: لقد أصاب أجراً. فقال عبد الله رضي الله عنه: وجعلا إن شاء من كل رأس أربعين درهماً: أي إن شاء أخذ الجعل الواجب برده، فيصيب الأجر والجعل جميعاً. والجعل: ما جعل للإنسان من شيء على الشيء يفعله. وروي أن عبداً لرجل أخذ عبداً آبقاً لأخر، فكتب إلى مولاه بذلك، وطلب منه أن يأتي أهله فيجتعل له منهم، أي كتب راد الآبق إلى مالك نفسه يقول له: اذهب إلى مولى الآبق وخذ منه الجعل لي، لأني أرد عبده الآبق، ففعل مولاه ذلك، ثم كتب إليه، فأقبل بالعبد ليرده فأبق منه، فاختصموا إلى شريح رحمه الله فضمنه إياه، فاختصموا إلى عليٍّ رضي الله عنه، فقال: أخطأ شريح وأساء القضاء، أي لم يكن أن يضمنه، لأنه قد أشهد عند الأخذ، ثم قال عليّ رضي الله عنه: يحلف العبد الأحمر للعبد الأسود بالله لأبق منه، ولا ضمان عليه. اللام في ((لأبق)) لام تأكيد، وهو يزاد في جواب القسم إذا كان للإثبات. ٣٣٩ کتاب الإباق وأما حاله: فحال اللقطة قبل الأخذ وبعده، وقد ذكرنا تفاصيله في ((كتاب اللقطة)). فصل فيما يصنع بالآبق وأما بيان ما يصنع به فنقول: [لاستيفاء الثمن](١) وبالله التوفيق: إذا أخذ الآبق لصاحبه فإن شاء الآخذ أمسكه على صاحبه حتى يجيء فيأخذه، وإن شاء ذهب به إلى صاحبه فرده عليه، فإن أمسكه فجاء إنسان وادعى أنه عبده، فإن أقام البينة دفعه إليه وأخذ منه كفيلاً إن شاء؛ لجواز أن يجيء آخر فيدعيه ويقيم البينة، فله أن يستوثق بكفيل، وإن لم يكن له بينة، ولكن أقر العبد بذلك، دفعه إليه أيضًا؛ لأنه ادعى شيئًا لا ينازعه فيه أحدٌ، فيكون له، ويأخذ منه كفيلاً إن شاء؛ لما قلنا. وما أنفق عليه فإن كان بإذن القاضي يرجع به على صاحبه، وإلا فلا؛ لأنه يكون متطوعًا، فإن طالت المدة ولم يجىء له طالبٌ، باعه القاضي وأخذ ثمنه يحفظه على صاحبه؛ لأن ذلك حفظ له معنى، فإن باعه وأخذ ثمنه ثم جاء إنسان وأقام البينة أنه عبده، دفع الثمن إليه، وليس له أن ينقض البيع؛ لأن البيع من القاضي صدر عن ولاية شرعية؛ لأنه من باب حفظ ماله؛ إذ لو لم يبع لأتتِ النفقة على جميع قيمته، فيضيع المال، فكان بيعه حفظًا له من حيث المعنى، والقاضي يملك مال الغائب؛ ولهذا يبيع ما يتسارع إليه الفساد. ولو زعم المدعي أنه قد كان دبره أو كاتبه، لم يصدق في نقض البيع؛ لما قلنا، وينفق القاضي عليه في مدة حبسه إياه من بيت المال، ثم إذا جاء/ صاحبه أخذه من صاحبه أو من ثمنه إن باعه؛ لأن الإنفاق عليه إحياء ماله، فيكون عليه، وإذا جاء بالآبق له أن يمسكه بالجعل؛ لأنه إذا جاء به فقد استحق الجعل على مالكه، فكان له حق حبسه بالجعل؛ كما يحبس المبيع لاستيفاء الثمن. ولو هلك في حال الحبس لا ضمان عليه، لكن يسقط الجعل؛ كما لا ضمان على البائع بهلاك المبيع المحبوس [لاستيفاء الثمن] بالثمن، لكن يسقط الثمن عن المشتري، ولا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الرقيق في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يقبل في العبد ولا يقبل في الجارية، وهذه المسألة في ((كتاب [آداب](٢) القاضي)) في بيان شرائط قبول كتاب القاضي إلى القاضي. (١) سقط في ط. (٢) سقط في ط .. ٣٤٠ کتاب الإباق فصل في حكم ماله وأما بيان حكم ماله، فهو استحقاق الجعل عندنا استحسانًا، والكلام في الجعل في مواضع : في بيان أصل الاستحقاق. وفي بیان سببه . وفي بیان شرطه. وفي بيان ما يستحق عليه. وفي بيان قدر المستحق. أما أصل الاستحقاق: فثابتٌ عندنا استحسانًا، والقياسُ أن لا يثبت أصلاً؛ كما لا يثبت برد الضالة. وقال الشافعي - رحمه الله -: يثبت بالشرط، ولا يثبت بدونه؛ حتى لو شرط الآخذ الجعل عن المالك وجب، وإلا فلا. وجه قول الشافعي - رحمه الله - أنه رد مال الغير عليه محتسبًا، فلا يستحق الأجر؛ كما لو رد الضالّة إلا إذا شرط فيجب عليه بحكم الشرط؛ لقوله عليه الصلاة والسلام المُسْلمُونَ / عِنْدَ شُرُوطِهِمْ. ولنا: ما رواه محمد بن الحسن - عليه الرحمة - عن أبي عمرو الشيباني أنه قال: كنتُ قاعدًا عند عبد الله بن مسعود، فجاء رجل، فقال: قدم فلان بإباق من القوم، فقال القوم لقد أصاب أجرًا، فقال عبد الله - رضي الله عنه - وجعلا إن شاء من كل رأس [أربعين](١) درهمًا (٢)، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكرٌ، فيكون إجماعًا؛ ولأن جعل الآبق طريق صيانة عن الضياع؛ لأنه لا يتوصل إليه بالطلب عادةً؛ إذ ليس له مقام معلوم يطلب هناك، فلو لم يأخذه (١) سقط في ط. (٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٨/٨) كتاب ((البيوع)) باب: الجعل في الآبق، حديث (١٤٩١١) والبيهقي (٦/ ٢٠٠) كتاب اللقطة، باب: ((الجعالة)) كلاهما من طريق سفيان الثوري عن أبي رباح عن أبي عمرو الشيباني قال أتيت ابن مسعود ... فذكره بنحوه. قال البيهقي: وهو أمثل ما في الباب. قال الزيلعي في («نصب الراية)» (٤٧٠/٣): ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني. في ب: عادة.