النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ كتاب الشرب ووجه الفرق أن الزيادة في الفصل الأول تصرف في حق مشترك بين العامة، وحرمة التصرف في حقوق العامة لا تثبت إلا بشريطة الضرر، وَالزيادةُ في الفصل الثاني تصرف في ملك مشترك بأخذ زيادة الماء في النهر، والتصرف في الملك المشترك لا تقف حرمته على الضرر بالمالك، هو الفرق؛ ولو جزر ماء هذه الأنهار عن أرض، فليس لمن يليها أن يضمها إلى أرض نفسه؛ لأنه يحتمل أن يعود ماؤها إلى مكانه، ولا يجد إليه سبيلاً، فيحمل على جانب آخر فيضر، حَقَّ لو أمن العود أو كان بإزائها من الجانب الآخر أرض موات لا يستضر أحمد بحمل الماء عليه - فله ذلك، ويملكه إذا أحياه بإذن الإمام أو بغير إذنه، على الاختلاف المعروف . وَلَو احتاجتْ هذه الأنهار إلى الكري، فَعَلَى السلطان كراها من بيت المال؛ لأن منفعتها لعامة المسلمين؛ فكانت مؤنتها من بيت المال؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الْخَرَاجِ بالضَّمانِ))(١)؛ وَكَذَا لو خيف منها الغرق فعلى السلطان إصلاح مسناتها من بيت المال؛ لما قلنا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. (١) تقدم. كِتَابُ الأَرَاضِي الكلام في موضعين في بيان أنواع الأراضي. وفي بيان حكم كل نوع منها. أما الأول فالأراضي في الأصل نوعان: أرض مملوكة، وأرض مُبَاحة غير مملوكة، والمملوكة نوعان: عامرة وخراب، والْمُبَاحَةُ نوعان أيضًا: نوعٌ هو من مرافق البلدة محتطباً لهم، ومرعى لمواشيهم. وَنَوْعٌ ليس من مرافقها، وهو المسمى بالموات. أما بيان حكم كل نوع منها، أما الأراضي المملوكة العامرة فليس لأحدٍ أن يتصرف فيها من غير إذن صاحبها؛ لأن عصمة الملك تمنع من ذلك، وكذلك الأرض الخراب الذي انقطع ماؤها، ومضى على ذلك سنون؛ لأنَّ الملك فيها قائم، وإن طال الزمان، حتى يجوز بيعها وهبتها وإجارتها، وتصير ميراثًا إذا مات صاحبها، إلا أنها إذا كانت خرابًا، فلا خراج عليها؛ إذْ ليس على الخراب خراج، إلا إذا عطلها صاحبها مع التمكن من الاستنماء، فعليه الخراج، وهذا إذا عرف صاحبها، فإن لم يعرف فحكمها حكم اللقطة، يعرف في كتابه إن شاء الله تعالی . وأما الكَلأُ الذي ينبت في أرض مملوكة، فهو مباح غير مملوك، إلاَّ إذا قطعه صاحب الأرض وأخرج فيملكه. هذا جواب ظاهر الرواية عن أصحابنا - رضي الله عنهم - وقال بعض المتأخرين من مشايخنا - رحمهم الله - أنه إذا سقاه وقام عليه ملكه، والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن الأصل فيه هو الإباحة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ: المَاءُ وَالْكَلأُ وَالنَّارُ)). والكلأُ اسم لحشيش ينبت من غير صنع العبد. والشركة العامة هي الإباحة، إلا إذا قطعه وأحرزه؛ لأنه استولى على مال مباح غير مملوك فيملكه، كالماء المحرز في الأواني والظروف وسائر المباحات التي هي غير مملوكة لأحد. ٣٠٢ ٣٠٣ كتاب الأراضي والنار: اسم لجوهر مضيءٍ دائم الحركة علوًّا، فليس لمن أوقدها أن يمنع غيره من الاصطلاء بها؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - أثبت الشركة فيها، فأما الجمر فليس بنارٍ، وهو مملوك لصاحبه، فله حق المنع كسائر أملاكه. وَلوْ أراد أحدٌ أن يدخل ملكه لاحتشاش الكلأ، فإذا كان يجده في موضع آخر، له أن يمنعه من الدخول، وإن كان لا يجده فيقال لصاحب الأرض: إما أن تأذن له بالدخول، وإما أن تحش بنفسك. فتدفعه إليه؛ كالماء الذي في الآبار والعيون والحياض التي في الأراضي المملوكة؛ على ما ذكرنا في ((كتاب الشرب)). ولو دخل إنسانٌ أرضه بغير إذنه واحتش، ليس لصاحبه أن يسترده؛ لأنه مباح سَبَقَتْ يده إليه؛ وكذا لا يجوز بيعه؛ لأن محل البيع مال مملوك، وإن لم يثبت على ملك أحد، ولا تجوز إجارته؛ لأن الأعيان لا تحتمل الإجارة؛ على ما ذكرنا في ((كتاب الشرب)). والجواب في الكلا في البيع، والإجارة، والهبة، والنكاح، والخلع، والصلح، والوصية - كالجواب في الشرب؛ لأن كل واحد منها غير مملوك، وقد ذكرنا ذلك كله في الشرب . وكذلك المروج المملوكة في حكم الكلأ على هذا. وكذلك الآجام المملوكة في حكم السمك؛ لأن السمك أيضًا مباح الأصل؛ لقوله - تعالى، عزَّ شأنه: ﴿أَحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أحِلَّتْ لِنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانٍ .... )) الحديث، فلا يصير مملوكًا إلا بالأخذ والاستيلاء؛ لما بينا. وَلَوْ حظر السمك في حظيرة، فإن كان مما يمكن أخذه بغير صيد، يملكه بنفس الحظر لوجود الاستيلاء وإثبات اليد عليه، ولهذا لو باعه جاز، وإن كان لا يمكن أخذه إلا بصيد، لا يملكه صاحب الحظيرة؛ لأنه ما استولى عليه ولا يملك المباح إلا بالاستيلاء، ولهذا لو باعه لا يجوز بيعه . وعلى هذا سائر المباحات؛ كالطير إذا باضت أو فرخت فى أرض إنسان؛ أنه يكون مباحًا، ويكون للآخذ لا لصاحب الأرض، سواء كان صاحب الأرض اتخذ له وكرّا أم لا . وقال المتأخرون من مشايخنا - رحمهم الله ـ: إنه إن کان اتخذ له ملكًا له يسترده من الآخذ، وهذا غير سديد، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لِمَنْ أَخَذَهُ))؛ ولأن الملك في المباح إنما يثبت بالاستيلاء عليه، والآخذ هو المستولي دون صاحب الأرض وإن اتخذ له وكرّا، وكذلك صيد التجأ إلى أرض رجلٍ أو داره، فهو للآخذ؛ لما قلنا. ٣٠٤ كتاب الأراضي وَلَوْ رد صاحب الدار باب الدار عليه بعد الدخول، يملكه إن أمكنه أخذه بغير صيد لوجود الاستيلاء منه؛ وكذلك لو نصب شبكة فتعقل بها صيد تَعَقُّلاً لا خلاص له، فهو لناصب الشبكة، سواء كانت الشبكة له أو لغيره؛ كمن أرسل بازي إنسان بغير إذنه فأخذ صيدًا، أو أغرى كلبًا لإنسان على صيد، فأخذه، فكان للمرسل والمغري لا لصاحبه، ولو نصب فسطاطًا فجاء صيد فتعقل به، فهو للآخذ. ووجه الفرق أن نصب الشبكة وضع لتعقل الصيد، ومباشر السبب الموضوع للشيء اكتساب له، فَأمَّا نصب الفسطاط فما وضع لذلك، بل لغرض آخر، فتوقف الملك فيه على الاستيلاء والأخذ حقيقة، ولو حفر حفيرة فوقع فيها صيد، فإن كان حفرها لاجتماع الماء فيها، فهو للآخذ؛ لأنه بمنزلة الاصطياد، وَإن كان حَفَرَها للاصطياد بها، فهو له بمنزلة الشبكة. وأما الآجام المملوكة في حكم القصب والحطب، فليس لأحدٍ أن يحتطب من أجمة رجل إلاَّ بإذنه؛ لأَنَّ الحطب والقصب مملوكان لصاحب الأجمة ينبتان على ملكه، وَإن لم يوجد منه الإنبات أصلاً، بخلاف الكلا في المروج المملوكة؛ لأن منفعة الأجمة هي القصب والحطب، فَكانَ ذلك مقصودًا من ملك الأجمة، فيملك بملكها . فَأَمَّا الكَلأُ فغير مقصود من المرج المملوك، بل المقصود هو الزراعة، ولو أن بقارًا رعى بقرًا في أجمة مملوكة لإنسان، فليس له ذلك، وهو ضامن لما رعى وأفسد من القصب؛ لما ذكرنا أن منفعة الأجمة القصب والحطب، وهما مملوكان لصاحب الأجمة، وإتلاف مال مملوك لصاحبه يوجب الضمان؛ بخلاف الكلا في المروج؛ لأنه يثبت على الإباحة دون الملك؛ على ما بينا، والدليل على التفرقة بينهما أنه يجوز له دفع القصب معاملة، ولا يجوز دفع الكلأ معاملة، والأصل المحفوظ فيه أن القصب والحطب يملكان بملك الأرض، والكلأ لا . وأما ما لا ينبت عادةً إلا بصنع العبد، كالقتة والقصيل وما بقي من حصاد الزرع ونحو ذلك في أرض مملوكة، يكون مملوكًا، ولصاحب الأرض أن يمنع غيره وَيَجُوُز بيعه ونحو ذلك؛ لأن الإنبات يعد اكتسابًا له فيملكه؛ ولأن الأصل أن يكون من المملوك مملوكًا، إلاَّ أن الإباحة في بعض الأشياء تثبت على مخالفة الأصل بالشرع، والشرع ورد بها في أشياء مخصوصة فيقتصر عليها . وأمَّا أرض الموات، فالكلام فيها في مواضع: في تفسير الأرض الموات. وفي بيان ما يملك الإمام من التصرف في الموات. وفي بيان ما يثبت به الملك في الموات، وما يثبت به الحق فيه دون الملك، وفي بيان حکمه إذا ملك. ٣٠٥ كتاب الأراضي أما الأول: فالأرض الموات هي أرض خارج البلد، لم تكن ملكًا لأحد ولا حقًّا له خاصاً، فلا يكون داخل البلد موات أصلاً، وكذا ما كان خارج البلدة من مرافقها محتطبًا بها لأهلها أو مرعى لهم، لا يكون مواتًا حتى لا يملك الإمام إقطاعها؛ لأن ما كان من مرافق أهل البلدة، فهو حق أهل البلدة؛ كفناء دارهم، وفي الإقطاع إبطال حقهم؛ وكذلك أرض الملح والقار والنفط ونحوها؛ مما لا يستغني عنها المسلمون، لا تكون أرض موات؛ حتى لا يجوز للإمام أن يقطعها لأحد؛ لأنها حق لعامة المسلمين، وفي الإقطاع إبطال حقهم، وهذا لا يجوز، وهل يشترط أن يكون بعيدًا من العمران؟ شرطه الطحاوي - رحمه الله - فإنه قال وما قرب من العامر فليس بمواتٍ. وكذا روي عن أبي يوسف - رحمه الله - أن أرض الموات، بقعةٌ لو وقف على أدناها من العامِر رجلٌ، فنادى بأعلى صوته، لم يسمعه من العامر، وفي ظاهر الرواية ليس بشرط، حتى أن بحرًا من البدة جزر ماؤه أو أجمة عظيمة، لم تكن ملكًا لأحد، تكون أرض موات في ظاهر الرواية، وعلى قياس رواية أبي يوسف وقول الطحاوي لا تكون، والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن الموات اسم لما لا ينتفع به، فإذا لم يكن ملكًا لأحدٍ ولا حقًّا خاصًّا، لم يكن منتفعًا به، كان بعيدًا عن البلدة أو قريبًا منها. وأما بيان ما يملك الإمام من التصرف في الموات، فالإمام يملك إقطاع الموات من مصالح المسلمين؛ لما يرجع ذلك إلى عمارة البلاد التصرف فيما يتعلق بمصالح المسلمين للإمام؛ لكري الأنهار العظام، وإصلاح قناطرها ونحوه. ولو أقطع الإمام الموات إنسانًا؛ فتركه ولم يعمره، لا يتعرض له إلى ثلاث سنين، فإذا مضى ثلاث سنين، فقد عاد مواتًا، كما كان، وله أن يقطعه غيره؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لَيُسَ لِمُخْتَجِر بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ حَقٌّ))(١) ولأن الثلاث سنين مدة لإبلاء الأعذار، فإذا أمسكها ثلاث سنين ولم يعمرها، دَلَّ على أنه لا يريد عمارتها، بل تعطيلها، فبطل حقه وتعود إلى حالها مواتًا، وكان للإمام أن يعطيها غيره. (١) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٩٠/٤ - ٢٩١) رواه أبو يوسف في ((كتاب الخراج)) حدثنا الحسن بن عمارة عن الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر: من أحيى أرضاً ميتة فهي له، وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين، انتهى. والحسن بن عمارة ضعيف، وسعيد عن عمر فيه كلام، وروى حميد بن زنجويه النسائي في ((كتاب الأموال)) حدثنا ابن أبي عباد ثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن عمرو بن شعيب أن النبي وسلم أقطع ناساً من جهينة أرضاً، فعطلوها وتركوها، فأخذها قوم آخرون، فأحيوها، فخاصم فيها الأولون إلى عمر بن الخطاب. فقال: لو كانت قطيعة مني، أو من أبي بكر لم أرددها، ولكنها من رسول الله وَله. وقال: من كانت له أرض. فعطلها ثلاث سنين، لا يعمرها، فعمرها غيره، فهو أحق بها انتهى. بدائع الصنائع ج٨ - ٢٠٣ ٣٠٦ كتاب الأراضي وأما بيان ما يثبت به الملك في الموات وما لا يثبت ويثبت به الحق، فالملك في الموات يثبت بالإحياء بإذن الإمام عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهم الله تعالى - يثبت بنفس الإحياء، وإذن الإمام ليس بشرط. وجه قولهما قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِغَرْقٍ ظَالِم فِيهِ حَقٌّ))(١) أثبت الملك للمحيي من غير شريطة إذن الإمام؛ ولأنه مباح استولى عليه، فيملكه (١) أخرجه مالك (٧٤٣/٢) كتاب الأقضية: باب القضاء في عمارة الموات حديث (٢٦) عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلاً. قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٢/ ٢٨٠): وهذا الحديث مرسل عند جماعة الرواة عن مالك لا يختلفون في ذلك، واختلف فيه على هشام فروته عنه طائفة عن أبيه مرسلاً - كما رواه مالك وهو أصح ما قيل فيه - إن شاء الله وروته طائفة عن هشام عن أبيه عن سعيد بن زيد وروته طائفة عن هشام عن وهب بن كيسان عن جابر وروته طائفة عن هشام عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن جابر وبعضهم يقول فيه عن هشام عن عبيد الله بن أبي رافع عن جابر وفيه اختلاف كثير .... اهـ. وقد روى هذا الحديث مرسلاً أيضاً أبو عبيد القاسم بن سلام في ((الأموال)) (ص - ٢٦٤) رقم (٧٠٤) من طريق سعيد بن عبد الرحمن الجمحي وأبو معاوية كلاهما عن هشام بن عروة به وأخرجه مرسلاً أيضاً البيهقي (٦/ ١٤٢) كتاب إحياء الموات: باب من أحيا أرضاً ميتة من طريق سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة به . فاتفق هنا مالك وسفيان بن عيينة وأبو معاوية وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي في رواية هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلاً . وقد توبع هشام بن عروة أيضاً في روايته لهذا الحديث تابعه أخوه يحيى بن عروة عن أبيه مرسلاً. أخرجه أبو عبيد في ((الأموال)) (ص - ٢٦٤ - ٢٦٥) رقم (٧٠٧) والبيهقي (١٤٢/٦) من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة به . وقد خالف هؤلاء كلهم إسماعيل بن أبي أويس وابن الأجلح أما مخالفة إسماعيل بن أبي أويس. أخرجها أبو يعلى كما في ((نصب الراية)» (٢٨٨/٤) قال: حدثنا زهير ثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله وَلاير: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق». وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (١٦٠/٤ - ١٦١) وقال: رواه كله الطبراني في الأوسط بإسنادين في أحدهما عصام بن داود بن الجراح قال الذهبي لينه أبو أحمد الحاكم وبقية رجاله ثقات وفي إسناد الآخر راو كذاب. اهـ. أما مخالفة ابن الأجلح. أخرجها القضاعي في ((مسند الشهاب)» (٢٠٣/٢) رقم (١١٨٧) من طريق يحيى بن المنذر ثنا ابن الأجلح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به . وقد توبع هشام على هذا الحديث أيضاً تابعه الزهري عن عروة عن عائشة به . أخرجه أبو داود الطيالسي (١٣٩٥) والدارقطني (٢١٧/٤) كتاب الأقضية رقم (٥٠) والبيهقي (١٤٢/٦) = ٣٠٧ كتاب الأراضي كتاب إحياء الموات: باب من أحيا أرضاً ميتة وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٨٣/٢٢) كلهم من طريق = زمعة بن صالح عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله وي ليه: ((العباد عباد الله والبلاد بلاد الله فمن أحيا من موات الأرض شيئاً فهو له وليس لعرق ظالم حق)). وزمعة بن صالح. قال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٥٠٥/٣): يخالف في حديثه تركه ابن مهدي أخيراً. وقال في ((علل الترمذي)) (ص - ١٥٨): وهو منكر الحديث كثير الغلط وقال الترمذي في ((السنن)) (٣٧٨٤): ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه وقال النسائي في ((الضعفاء والمتروكين)) (٢٢٠): ليس بالقوي مكي كثير الغلط عن الزهري. والحديث ذكره ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٤٧٤/١) رقم (١٤٢٢) وقال: سألت أبي عن حديث رواه أبو داود عن زمعة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ومالفور: ((العباد عباد الله والبلاد بلاد الله من أحيا من موات الأرض شيئاً فهو له وليس لعرق ظالم حق))، قال أبي: هذا حديث منكر إنما يرويه من غير حديث الزهري عن عروة مرسلاً. اهـ. وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٨٣/٢٢): هذا الاختلاف على عروة يدل على أن الصحيح في إسناد هذا الحديث عنه الإرسال كما روى مالك ومن تابعه. اهـ. لکن لهذا الحدیث شاهد من حديث فضالة بن عبيد. ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٦٠/٤) عنه قال: قال رسول الله وس * ((الأرض أرض الله والعباد عباد الله من أحیا مواتاً فهو له)». قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. اهـ. (ذكر الاختلاف على هشام في هذا الحديث وتوضيح كلام ابن عبد البر)). قال ابن عبد البر: وروته طائفة عن هشام عن أبيه عن سعيد بن زيد - وهذا الطريق أخرجه الترمذي (٣/ ٦٥٣) كتاب الأحكام: باب ما ذكر في إحياء الأرض الموات حديث (١٣٧٨) وأبو داود (٢/ ١٩٤) كتاب الخراج والفيء والإمارة: باب في إحياء الموات حديث (٣٠٧٣) وأبو يعلى (٢٥٢/٢) رقم (٩٥٧) والبزار كما في ((نصب الراية)) (٢٨٩/٤) والبيهقي (١٤٢/٦) كتاب إحياء الموات: باب من أحيا أرضاً ميتة وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٢/ ٢٨١) كلهم من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد. عن النبي وَ الر قال: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق)). وقال الترمذي: حسن غريب وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلاً .. وقال البزار: لا نعلم أحداً قال: عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد إلا عبد الوهاب عن أيوب عن هشام. وقد حكم الألباني في ((الإرواء)) (٣٥٤/٥) على هذا الطريق بالشذوذ لمخالفة مالك ومن معه في روايته مرسلاً. وكلام البزار عقب الحديث يشعر بهذا الشذوذ. قال ابن عبد البر: وروته طائفة عن هشام عن وهب بن كيسان عن جابر. = ٣٠٨ كتاب الأراضي أخرجه الترمذي (٦٥٣/٣) كتاب الأحكام: باب ذكر ما جاء في إحياء الأرض الموات حديث (١٣٧٨ . = مكرر) وأحمد (٣٠٤/٣) وأبو يعلى (١٣٩/٤) رقم (٢١٩٥) وابن حبان (١١٣٩ - موارد) من طرق عن هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن جابر أن النبي وَّر قال: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له قال الترمذي: حسن صحيح)). وصححه ابن حبان. وقال الألباني في ((الصحيحة)) (١٠٧/٢): وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وزاد في الإرواء (٤/٦): ولا يضر اختلاف الرواة في إسناده على هشام لاتفاق جماعة من الثقات على روايته عنه هكذا ومن الظاهر أن لهشام فيه عدة أسانيد هذا أحدها. قال ابن عبد البر: وروته طائفة عن هشام عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن جابر. أخرجه أحمد (٣٢٧/٣) والدارمي (٢٦٧/٢) كتاب البيوع باب من أحيا أرضاً ميتة فهي له وأبو عبيد في ((الأموال)» (ص - ٢٦٤) رقم (٧٠٢) وابن حبان (١١٣٧ - موارد) من طريق هشام عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن جابر به. وعبيد الله بن عبد الرحمن ذكره ابن حبان في الثقات وقال الحافظ في ((التقريب)) (٥٣٦/١): مستور. وينتهى إلى هنا توضيح كلام ابن عبد البر وهناك وجوه أخر في الاختلاف على هشام بن عروة في هذا الحدیث . فقد أخرجه الطبراني في «الأوسط كما في ((نصب الراية)) (٢٨٩/٤) من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي وَ ل# قال: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق)). قال الطبراني: تفرد به مسلم بن خالد عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن عمرو وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٦١/٤) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه مسلم بن خالد الزنجي وثقه ابن معين وغيره وضعفه أحمد وغيره. وفي الباب عن جماعة من الصحابة منهم عمرو بن عبيد وفضالة بن عبيد وسمرة وعبادة بن الصامت وأبو أسيد وابن عباس. حدیث عمرو بن عوف. أخرجه الطبراني في ((الكبير)) كما في ((مجمع الزوائد)) (١٦٠/٤) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه. عن جده مرفوعاً بمثل حديث سعيد بن زيد. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه كثير بن عبد الله وهو ضعيف. والحديث ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤/ ٢٩٠) وعزاه لابن أبي شيبة والبزار في مسنديهما والطبراني في معجمه . حدیث فضالة بن عبيد تقدم تخريجه. حديث سمرة. أخرجه أبو داود (١٩٥/٢) كتاب الخراج والفيء والإمارة: باب في إحياء الموات حديث (٣٠٧٧) وأحمد (١٢/٥، ٢١). والطيالسي (٩٠٦) وابن أبي شيبة (٧٦/٧) وابن الجارود (١٠١٥) والبيهقي (١٤٨/٦) = ٣٠٩ كتاب الأراضي بدون إذن الإمام؛ كما لو أخذ صيدًا أو حش كلا، وقوله عليه الصلاة والسلام لَيْسَ لِغرق ظَالِم فِيهِ حَقُّ))، روي مُنَوَّنًا وَمُضَافًا، فالمنونُ هو أن تنبت عروق أشجار إنسان في أرض غيره بغيرٌ إذنه، فلصاحب الأرض قلعها حشيشًا. ولأبي حنيفة الرحمة - مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِّ ◌َِّ أنه قَالَ: ((لَيْسَ لِلْمَزْء إلاَّ ما طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِه(١) فإذا لم يأذن، فلم تطب نفسه به، فلا يكون له؛ ولأن الموات غنيمة، فلا بد للاختصاص به من إذن الإمام؛ كسائر الغنائم. والدليل عليه أن غنيمة اسم لما أصيب من أهل الحرب بإيجاف الخيل والركاب والموات؛ كذلك لأن الأرض كلها كانت تحت أيدي أهل الحرب، استولى عليها المسلمون عنوةً وقهرًا، فكانت كلها غنائم، فلا يختص بعض المسلمين بشيء منها من غير إذن الإمام؛ كسائر الغنائم، بخلاف الصيد والحطب والحشيش؛ لأنها لم تكن في يد أهل الحرب، فجاز أن تملك بنفس الاستيلاء. وإثبات اليد عليها. وأما الحديث فيحتمل أنه يصير به شرعًا، ويحتمل أنه أذن جماعة بإحياء الموات بذلك النظم، ونحن نقول بموجبه، فلا يكون حجة مع الاحتمال. نظير قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ)) (٢) حتى لم يصح الاحتجاج به من طرق عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال قال نبي الله وَّر: ((من أحاط على شيء فهو أحق به)) وزاد = بعضهم: ((وليس لعرق ظالم حق)). حديث عبادة بن الصامت. أخرجه أحمد (٣٢٦/٥ -٣٢٧) من طريق إسحاق بن يحيى بن الوليد عن عبادة بن الصامت قال: ((إن من قضاء رسول الله وَ ر أنه ليس لعرق ظالم حق)). وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٧٧/٤) وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسحاق بن يحيى لم يدرك عبادة . حديث أبي أسيد. أخرجه يحيى بن آدم في ((الخراج» (٢٧٦). حديث ابن عباس. أخرجه الطبراني كما في ((نصب الراية)) (٢٩٠/٤) وابن عدي في ((الكامل)) (٥١/٥) من طريق عمر بن رياح عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلتر: ((من أحيا أرضاً ميتة فهو أحق بها)). قال ابن عدي: عمرو بن رياح هو مولى ابن طاوس ويروى عن ابن طاوس بالبواطيل ما لا يتابعه أحد عليه والضعف بین علی حديثه .. اهـ. وبالجملة فالحديث صحيح وقد صححه الألباني في «الإرواء» (٣٥٤/٥)، (٤/٦). (١) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٩٠/٤)، وقال: رواه الطبراني، وفيه ضعف من حديث معاذ. (٢) تقدم. ٣١٠ كتاب الأراضي في إيجاب السلب للقاتل، على ما ذكر في ((كتاب السير)) أو يحمل ذلك على حال الإذن؛ توفيقاً بين الدلائل، ويملك الذمي بالإحياء؛ كما يملك المسلم لعموم الحديث. ولو حجر الأرض الموات لا يملكها بالإجماع؛ لأن الموات يملك بالإحياء؛ لأنه عبارة عن وضع أحجار أو خط حولها يريد أن يحجر غيره عن الاستيلاء عليها، وشيء من ذلك ليس بإحياء، فلا يملكها، ولكن صار أحق بها من غيره، حتى لم يكن لغيره أن يزعجه؛ لأنه سبقت يده إليه، والسبق من أسباب الترجيح في الجملة؛ قال النبيُّ - عليه الصلاة والسلام -: مِنَى مُبَاحُ مَنْ سَبَقَ))(١) . وعلى هذا المسافر إذا نزل بأرض مباحة أو رباط، صار أحق بها، ولم يكن لمن يجيء بعده أن يزعجه عنها، وَإِذا صار أحق بها، فلا يقطعها الإمام غيره إلاّ إذا عطلها المتحجر ثلاث سنین، ولم يعمرها. وأما بيان حكم أرض الموات إذا ملكت، فيختص بها حكمان: أحدهما: حكم الحريم. والثاني: الوظيفة من العشر والخراج، أما الأول فالكلام فيه في موضعين، أحدُهما: في أصل الحريم، والثاني: في قدره. أما أصله فلا خلاف في أن من حفر بئرًا في أرض الموات يكون لها حريم؛ حتى لو أراد أحد أَنْ يحفر في حريمه له أن يمنعه؛ لأن النبيَّ - عليه الصلاة والسلام - جَعَلَ للبئر حريمًا؛ (١) أخرجه أبو داود (٢١٢/٢) كتاب المناسك، باب: ((تحريم حرم مكة))، حديث (٢٠١٩) والترمذي (٣/ ٢١٩) كتاب الحج، باب: ((ما جاء أنه منى مناخ من سبق))، حديث (٨٨١). وابن ماجه (٢/ ١٠٠) كتاب ((المناسك))، باب: النزول بمنى، حديث (٣٠٠٦، ٣٠٠٧). والدارمي (٧٣/٢) كتاب المناسك، باب: ((كراهية البنيان بمنى)). والحاكم (٤٦٦/١ - ٤٦٧). وابن خزيمة (٢٨٤/٤) (٢٨٩١). والبيهقي (١٣٩/٥) كتاب الحج، باب: ((النزول بمنى)). كلهم من طريقين عن إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة عن عائشة رضي الله عنها - قالت: قيل: ((يا رسول الله وَلر - ألا تبني لك بمنى بناءً يظلك قال: لا؛ منى مناخ من سبق)) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. قلت فيه مسيكة، قال عنها الحافظ في التقريب (٨٧٨١): لا يعرف حالها، وبقية إسناده رجاله ثقات. ٣١١ كتاب الأراضي وكذلك العين لها حريم بالإجماع؛ لأنه . عليه الصلاة والسلام - جعل لكل أرض حريمًا، وأما النهر فقد ذكرنا الكلام فيه، وأما تقديره فحريم العين خمسمائة ذراع بالإجماع، وبه نطقت السنة، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((لِلْعَيْنِ خَمْسُمائَةِ ذِرَاعٍ))(١) وحريم بئر العطن أربعون (١) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٩٢/٤): غريب. وأخرجه أبو داود في مراسيله (٤٠٢) مرسلاً، قال: حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله : ((حريم البئر العادية خمسون ذراعاً، وحريم بئر البدي خمس وعشرون ذراعاً)). وأخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٣٨٩/٤) كتاب ((البيوع والأقضية))، باب: في حريم الآبار كم يكون ذراعاً من طريق عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب ... فذكره من كلامه وزاد فيه: ((وحریم الزرع ثلاثمائة ذراع)). -.. قال الزهري: وبلغني أن حریم العين خمسمائة ذراع. وأخرجه الدارقطني (٢٢٠/٤) والحاكم (٩٧/٤) مرفوعاً من حديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله ريمحر .... فذكره بنحوه. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٩٢/٤ - ٢٩٣): قال عليه السلام: ((حريم العين خمسمائة ذراع، وحريم بئر العطن أربعون ذراعاً، وحريم بئر الناضح ستون ذراعاً))؛ قلت: غريب؛ وأخرج أبو داود في ((مراسيله)) عن الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله وَله: ((حريم البئر العادية خمسون ذراعاً، وحريم بئر البدي خمس وعشرون ذراعاً)، قال سعيد من قبل نفسه: وحريم قليب الزرع ثلثمائة ذراع، وزاد الزهري: وحريم العين خمسمائة ذراع من كل ناحية، فهذا حريم ما يأذن به السلطان، إلا أن يكون القوم في أرض أسلموا عليها وابتاعوها، انتهى. ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه - في أثناء البيوع)) حدثنا وكيع عن سفيان عن إسماعيل بن أمية عن الشعبي عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله وَّ ر، فذكره بدون زيادة الزهري، وكذلك رواه عبد الرزاق في ((مصنفه - في أواخر البيوع)) أخبرنا محمد بن مسلم ثنا يحيى بن سعيد عن ابن المسيب، قال: جعل رسول الله ◌ّر حريم البئر المحدثة خمسة وعشرين ذراعاً، وحريم البئر العادية خمسين ذراعاً، قال ابن المسيب: وأرى أنا حريم بئر الزرع ثلثمائة ذراع، انتهى. وأخرجه الدارقطني في ((سننه)) عن الحسن بن أبي جعفر عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ◌َّه قال: قال رسول الله وَّر: ((حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعاً، وحريم البئر العادية خمسون ذراعاً، وحريم العين السائحة ثلثمائة ذراع، وحريم عين الزرع ثلثمائة ذراع))، انتهى. وابن أبي جعفر ضعيف، ثم أخرجه عن محمد بن يوسف المقري ثنا إسحاق بن أبي حمزة ثنا يحيى بن أبي الخصيب ثنا هارون بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن عبلة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه؛ وقال: الصحيح عن ابن المسيب مرسل، ومن أسنده فقد وهم، انتهى. وأخرج الحاكم في ((المستدرك - في كتاب الأحكام)) عن إسماعيل بن أمية عن الزهري عن سعيد بن المسيب يبلغ به النبي وَّر، قال: حريم قليب العادية خمسون ذراعاً، وحريم قليب البادي خمسة وعشرون ذراعاً، انتهى. قال: وأسنده عمر بن قيس عن الزهري، ثم أخرجه عن عمر بن قيس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ◌َّار، قال: ((حريم البئر العادية خمسون ذراعاً، وحريم البئر المحدثة خمسة وعشرون ذراعاً))، انتهى. وسكت عنه. قال عبد الحق في ((أحكامه)): والمرسل أشبه. ٣١٢ كتاب الأراضي ذراعًا بالإجماع، نطقت به السنة، قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: ((وَحَرِيمُ بِثْرِ العَطَنِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا))(١). وأما حريم بئر الناضح، فقد اختلف فيه، عند أبي حنيفة - رحمه الله - أربعون ذراعًا، وعندهما ستون ذراعًا، احتجًّا بما رُوِيَ عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((وَحَریمُ بِثْرِ النَّاضِحِ سِتُونَ ذِراعًا)»(٢) وجه قول أبي حنيفة أن الملك في الموات يثبت بالإحياء بإذن الإمام أو بغير إذنه، ولم يوجد منه إحياء الحريم، وكذا إذن الإمام يتناول الحريم مقصودًا، إلاّ أن دخول الحريم لحاجة البئر إليه، وحاجة الناضح تندفع بأربعين ذراعًا من كل جانب؛ كحاجة العطن، فبقي الزيادة على ذلك على حكم الموات، والحديث يحتمل أنه قال عليه الصلاة والسلام ذلك في بئر خاصٍّ، وللإمام ولاية ذلك. وأما حريم النهر فقد اختلف أبو يوسف ومحمد في تقديره، فعند أبي يوسف قدر نصف بطن النهر من كل جانب، النصف من هذا الجانب، والنصف من ذلك الجانب، وعند محمد قدر جمیع بطن النهر من كل جانب قدر جميعه. وأما النهر إذا حفر أرض الموات، فمنهم من ذكر الخلاف فيه بين أبي حنيفة وصاحبيه، والصحيحُ أن له حريّما بلا خلافٍ لما قلنا. وأما الثاني: حكم الوظيفة؛ فإن أحياها مسلم، قال أبو يوسف: إن كانت من حيز أرض العشر فهي عشرية، وإن كانت من حيز أرض الخراج، فهي خراجية. وقال محمد: إن أحياها بماء العشر فهي عشرية. وَإن أحياها بماء الخراج فهي خراجية، وإن أحياها ذمي فهي خراجية، كيف ما كان؛ بالإجماع، وهي من مسائل ((كتاب العشر" و ((الخراج))، والله عزَّ شأنه أعلم. (١) ينظر تخريج السابق. (٢) ينظر تخريج السابق. كِتَابُ المَفْقُودِ الكلام في المفقود يَقَعُ في أربعة مواضع: في تفسير المفقود. وفي بيان حاله. وفي بيان ما يصنع بماله. وفي بیان حكم ماله. أما الأول: فالمفقود اسم لشخص غاب عن بلده ولا يعرف خبره أنه حَيٍّ أم ميت. فضل في حال المفقود وأما حال المفقود فعبارة مشايخنا - رحمهم الله - عن حاله أنه حي في حق نفسه، ميت في حق غيره، والشخصُ الواحد لا يكون حيًّا وميتًا حقيقة؛ لما فيه من الاستحالة، ولكن معنى هذه العبارة أنه تجري عليه أحكام الأحياء فيما كان له، فلا يورث ماله، ولا تبين امرأته؛ كأنه حي حقيقة، وتجري عليه أحكام الأموات فيما لم يكن له، فلا يرث أحدًا؛ كأنه ميت حقيقة؛ لأن الثابت باستصحاب الحال يصلح لإبقاء ما كان على ما كان، ولا يصلح لإثبات ما لم يكن، وملكه في أحكام أمواله ونسائه أمر قد كان، واستصحبنا حال الحياة لإبقائه، وأما ملكه في مال غيره فأمر لم يكن، فتقع الحاجة إلى الإثبات، واستصحاب الحال لا يصلح حجة لإثبات ما لم یکن. وتحقيق العبارة عن حاله أن حَالَهُ/ غير معلوم، يحتمل أنه حي، ويحتمل أنه ميت، وهذا يمنع التوارث والبينونة؛ لأنه إن كان حَيًّا يرث أقاربه، ولا يرثونه، ولا تبين امرأته. وإن كان ميتًا لا يرث أقاربه ويرثونه، والإرث من الجانبين أمرٌ لم يكن ثابتًا بيقين، فوقع الشك في ثبوته، فلا يثبت بالشك والاحتمال؛ وكذلك البينونة؛ على الأصل المعهود في الثابت بيقين لا يزول بالشك، وغير الثابت بيقين لا يثبت بالشك. ٣١٣ ٣١٤ كتاب المفقود فإذا مات واحدٌ من أقاربه يوقف نصيبه إلى أن يظهر حاله أنه حيٍّ أم ميت؛ لاحتمال الحياة والموت للحال، حتى أن من هلك وترك ابنًا مفقودًا وابنتين وابن ابن، وطلبت الابنتان الميراث، فإن القاضي يقضي لهما بالنصف، ويوقف النصف الثاني(١) إلى أن يظهر حاله، لأنه إن كان حَيًّا كان له النصف، والنصف للابنتين، ولا شيء لابن الابن، وَإن كان ميتًا كان للابنتين الثلثان، والباقي لابن الابن، فكان استحقاق النصف للابنتين ثابتًا بيقين، فيدفع ذلك إليهما، ويوقف النصف الآخر إلى أن يظهر حاله، فإن لم يظهر حتى مضت المدة التي يعرف فيها موته، يدفع الثلثان إليهما، والباقي لابن الابن، وكذا لو أوصى له بشيء يوقف، وكذا إذا فقد المرتد ولا يدري أنه لحق بدار الحرب أم لا [، توقف تركته كالمسلم] (٢) فضل فيما يُصنع بماله وأما بيان ما يصنع بماله، فالذي يصنع أنواعٌ: منها أن القاضي يحفظ ماله يقيم من ينصبه للحفظ؛ لأنه مال لا حافظ له؛ لعجز صاحبه عن الحفظ، فيحفظ عليه القاضي نظرًا له؛ كما يحفظ مال الصبي والمجنون الذي لا وليَّ لهما. ومنها: أنه يبيع من ماله ما يتسارع إليه الفساد ويحفظ ثمنه؛ لأن ذلك حفظ له معنى، ولا يأخذ ماله الذي في يد مودعه ومضاربه ليحفظه؛ لأن يدهما يد نيابة عنه في الحفظ، فكان محفوظًا بحفظه معنى، فلا حاجة إلى حفظ القاضي. ومنها: أنه ينفق على زوجته من ماله إن كان عالمًا بالزوجية؛ لأن الإنفاق عليها إحياء لها، فكان من باب حفظ ملك الغائب عليه عند عجزه عن الحفظ بنفسه، فيملكه كما يملك حفظ ماله. ومنها: أنه ينفق من ماله على أولاده/ الصغار الذكور والإناث، وعلى أولاده الفقراء الزمنى (٣) من الذكور والفقيرات من الإناث، سواء كُنَّ زمنى أو لا، وعلى أولاده(٤) المحتاجين إن كان عالمًا بالنسب؛ لأن نفقة أولاده إنما تجب بحكم الجزئية، والبعضية إحياء لهم، وإحياء نفسه واجب؛ فكذا إحياء جزئهِ وكله، فكان الإنفاق عليهم من ماله إحياء لهم معنى، وهو عاجز عن ذلك بنفسه، فيقوم به القاضي. (١) في ب: نصيب الآخر. (٢) في ب: يوقف ميراثه كالمسلم. (٣) الزمنى: المرضى مرضاً يدوم. (٤) في ط: والديه. ٣١٥ كتاب المفقود وإن لم يعلم القاضي بالزوجية والنسب، فأحضروا رجلاً فى يده مال وديعة للمفقود، أو مضاربة، أو عليه دين له، فأقر الرجل بذلك وبالزوجية والنسب، أنفق عليهم من ذلك المال؛ لأن للمرأة أن تأخذ نفقتها من مال زوجها إذا ظفرت به قدر ما يكفيها قال النبيُّ وَّ لهند امرأة(١) أبي سفيان: خُذِي مِنْ أَبِي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ))(٢) فإذا أقرَّ هذا ماله وهذه امرأته، ثبت لها حق الأخذ؛ وكذا في الأولاد يأخذ البعض كفايته من مال البعض عند الحاجة، فإذا أقر بالنسب والمال فقد ثَبَتَ لهم حق الأخذ، وهذا قول أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم -. وعند زفر - رحمه الله - ليس للقاضي ذلك؛ لكونه قضاء على الغائب، ونحن نقول: ليس هذا من باب القضاء على الغائب، بل هو من باب النظر للغائب، وللقاضي ولاية النظر للغائب لما علم على ما ذكرنا في ((كتاب النفقات)). ولو أخذ القاضي منهم كفيلاً كان حسنًا؛ لجواز أن يحضر المفقود فيقيم البينة على أنه كان طلق امرأته، أو كان أعطاهم(٣) النفقة معجلة، هذا إذا أقر الرجل بهما، فأما إذا أنكرهما جميعًا، أو أقر بأحدهما دون الآخر، فأقاموا البينة على ذلك - لا تسمع بينتهم؛ لأنه يكون قضاء على الغائب، وله من غير أن يكون عنه. وله خصم حاضر؛ لأن المودع والمضارب والغريم ليسوا خصماء عن الغائب في إثبات الزوجية وإيجاب النفقة عليه؛ وكذا الأولاد والوالدون والمرأة، ليسوا خصماء(٤) للغائب في إثبات ملك المال له، وكل ذلك لا يجوز، فإن أعطوهم شيئًا فهو من مال أنفسهم؛ لأنهم متطوعون في ذلك، ولا ينفق من ماله على من سواهم من ذوي الأرحام؛ لأن نفقتهم ليست بعلة الجزئية والبعضية لعدمها، بل بطريق الصلة والبر بهم والإحسان/ إليهم. ب أَلاَ ترى أنهم ليس لهم أن يمدوا أيديهم فيأخذوا من ماله عند حاجتهم إليه؛ بخلاف الوالدين والمولودين فَكَانَ الإنفاق [عليهم](٥) من ماله قضاء على الغائب، والأصل أن كل مال ثبت حق الأخذ منه للمنفق عليه من غير قضاء القاضي، له أن ينفق منه، وما لا يثبت حق الأخذ منه إلا بقضاء، ليس للقاضي أن ينفق منه، / ثم القاضي إنما ينفق من مال المفقود على ما ذكرنا إذا كان المال دراهم أو دنانير أو طعامًا أو ثيابًا هي من جنس كسوتها. / فأما إذا كان من جنس آخر من العروض والعقار، فلا ينفق؛ لأنه لا يمكنه الإنفاق إلا (١) في ط: لامرأة. (٣) في ب: أوفاهم. (٥) سقط في ط. (٢) تقدم تخريجه. (٤) في ب: أحدهم خصماً. ٣١٦ كتاب المفقود بالبيع، وليس للقاضي أن يبيع العقار والعروض على الغائب بالإجماع؛ لأن البيع على الغائب في معنى الحجر عليه، والحجر على الحر البالغ لا يجوز عند أبي حنيفة، وعندهما إن جاز على الحاضر لكن لا يجوز على الغائب؛ لأن الجواز على الحاضر لدفع الظلم بالامتناع عن قضاء الدين مع القدرة على القضاء من ثمن العين، ولم يتحقق الظلم منه حالة الغيبة؛ لما لم يعرف منه الامتناع من الإنفاق، فافترق الحالان، وإنما ملك بيع ما يتسارع إليه الفساد؛ لأن ذلك وإن كان بيعًا صورة، فهو حفظ وإمساك له معنى، والقاضي يملك حفظ مال المفقود، وأما الأب فليس له أن يبيع العقار في نفقة الغائب من غير إذن القاضي بالإجماع، وأما المنقول فله أن يبيعه عند أبي حنيفة من [غير أمر] (١) القاضي، وعندهما لا يبيع المنقول؛ كما لا يبيع العقار؛ لما علم في ((كتاب النفقات))، والله تعالى أعلم. فصل في حكم مال المفقود وأما حكم ماله، فهو أنه إذا مضت من وقت ولادته مدة لا يعيش إليها عادةً؛ يحكم بموته، ويعتق أمهات أولاده ومدبروه(٢) وتبين امرأته، ويصير ماله ميراثًا لورثته الأحياء. وقت الحكم، ولا شيء لمن مات قبل ذلك، ولم يقدر لذلك المدة في ظاهر الرواية تقديرًا. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قدرها(٣) بمائة وعشرين سنة من وقت ولادته، وذكر محمد في الأصل أنه فقد رجل بـ ((صفين)) أو بـ ((الجمل)) ثم اختصم ورثته في ماله في زمن أبي حنيفة - عليه الرحمة - فقسم بينهم، وقيل: كانت وفاة سيدنا علي - رضي الله عنه - في سنة/ أربعين، ووفاة أبي حنيفة - رضي الله عنه - في سنة مائة وخمسين. وروي عن محمد - رحمه الله - أنه قدرها بمائة سنة. فإذا مضت المدة المقدرة يحكم بموته، وتثبت جميع الأحكام المتعلقة بالموت؛ كما إذا قامت البينة على موته، والله سبحانه وتعالى أعلم. أ (١) في ب: إذن. (٢) في ط: ومدبره. (٣) في ط: بالمدة. كَتَابُ اللَّقِيطِ(١) الكلامُ في اللقيط في مواضع: في تفسير اللقيطة لغةً وعرفًا. وفي بیان حاله. وفي بيان ما يتعلق به من الأحكام. أما [تفسيره](٢) في اللغة: فهو فعيل من اللقط، وهو اللقاء بمعنى المفعول، وهو الملقوط، وهو الملقى أو الأخذ والرفع بمعنى الملقوط، وهو المأخوذ والمرفوع عادةً؛ لما أنه يؤخذ فيرفع. وأما في العرف فنقولُ: هو اسم للطفل المنبوذ(٣) وهو الملقى، أو الطفل المأخوذ والمرفوع عادة [لما أنه يرفع ويؤخذ عادة] (٤)، فكان تسميته لقيطًا باسم العاقبة؛ لأنه يلقط (١) اللَّقِيطُ لغةً: ما يُلْقَطُ أي: يرفع من الأرض، وقد غلب على الصبي المنبوذ، وفي ((الصحاح)): المنبوذ: الصبي الذي تلقيه أمه في الطريق. انظر: الصحاح ٥٧١/٢، والمصباح المنير ٨٥٨/٢، والمغرب ٢٤٧/٢. اصطلاحاً : عرفه الحنفية بأنه: اسم لحي مَوْلُودٍ، طرحه أهله؛ خوفاً من العَيْلَةِ، أو فراراً من تهمة الزنا. عرفه الشّافعية بأنه: طفل تبيدٌ بنحو شارع لا يعرف له مدّعٍ، وطفل باعتبار الغالب، وإلا فقد يكون صغيراً مميزاً. عرفه المالكية بأنه: صغير أدميّ، لم يعرف أبوه، ولا رقّه. عرفه الحنابلة بأنه: طفلٌ لا يعرف نسبه، ولا رقه، نُبِذَ أو ضَلَّ عن الطريق ما بين ولادته إلى سن التمييز، على الصحيح من المذهب. وقيل: المميز لقيط. انظر: شرح فتح القدير ١٠٩/٦ - ١١٠، مغني المحتاج ٤١٨/٢، نهاية المحتاج ٤٤٢/٥، كشاف القناع ٢٢٦/٤. (٢) سقط في ط. (٣) في ط: المفقود. (٤) سقط في ط .. ٣١٧ ٣١٨ كتاب اللقيط عادةً، أي: يؤخذ ويرفع، وتسمية الشيء باسم عاقبته أمر شائع في اللغة؛ قال الله - تعالى، جَلَّ شأنه -: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقال الله - تعالى، جَلَّ شأنه: ﴿إِنَّكَ مَيْثْ وَإِنَّهُمْ مَيْتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] سمي العنب خمرًا، والحي الذي يحتمل الموت ميتًا باسم العاقبة؛ كذا هذا. فصل في بيان حال المفقود وأما بيان حاله، فله أحوال ثلاث لا بد من التعرف عنها: حاله في الحرية والرق [وحاله في الإسلام والكفر] (١) وحاله في النسب. أما حاله في الحرية والرق، فهو أنه حُرٍّ من حيث الظاهر؛ كذا روي عن سيدنا عمر وسيدنا علي - رضي الله عنهما - أنهما حَكَما بكون اللقيط حُرًّا؛ ولأن الأصل هو الحرية في بني أدم؛ لأن الناس كلهم أولاد سيدنا آدم - عليه الصلاة والسلام - وحواء، وهما كانا حرين، والمتولد من الحرين يكون حُرًّا، وَإنما حدث الرق في البعض شرعًا بعارض الاستيلاء، بسبب عارض، وهو الكفر الباعث على الحراب، فيجب العمل بالأصل حتى يقوم الدليل على العارض(٢)، فرتب عليه أحكام الأحرار من: أهلية الشهادة، والإعتاق، والتدبير، والكتابة، واستحقاق الحد على قاذفه، وغير ذلك من الأحكام المختصة بالأحرار؛ إلا أنه لا يحد قاذف أمه؛ لأن إحصان المقذوف شرط انعقاد علة توجب على القاذف، ولم يعرف إحصائها لانعقاد القذف عليه؛ لوجوب/ الحد على القاذف. ب وَلَوْ ادَّعَى الملتقط أو غيره أنه عبده لا يسمع منه إلا ببينة؛ لأن حريته ثابتة من حيث الظاهر، فلا يقدر على إبطال هذا الظاهر إلا بدليل، ولو بلغ فأقر أنه عبد فلان، نظر في ذلك: إن كان لم يجر عليه شيءٌ من أحكام الأحرار بعد قبول شهادته وضرب قاذفه الحد ونحوه - صح إقراره؛ لأنه لم تعرف حريته إلا بظاهر الحال، فإذا أقرَّ بالرق، [فالظاهرُ أنه] (٣) لا يقر (١) سقط في ط. (٢) اللقيط حر في قول عامة أهل العلم، إلا النخعي. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر. روي هذا القول عن عمر وعليٍّ، رضي الله عنهما. وبه قال عمر بن عبد العزيز، والشعبي والحكم، وحماد، ومالك، والثوري والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ومن تبعهم. وقال النخعي: إن التقطه للحسبة، فهو حرِّ، وإن كان أراد أن يسترقه، فذلك له. وذلك قولٌ شذ فيه عن الخلفاء والعلماء، ولا يصح في النظر؛ فإن الأصل في الآدميين الحرية، فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحراراً، وإنما الرق لعارض، فإذا لم يعلم ذلك العارض، فله حكم الأصل. ينظر: المغني (٣٥٠/٨ - ٣٥١). (٣) في ب: والإنسان. ٣١٩ كتاب اللقيط على نفسه بالرق كاذبًا، [ظاهرًا](١) فصح إقراره، إلا أنه لا يعتبر في إبطال ما يفعله من التصرفات؛ من: الهبة، والكفالة، والإعتاق، والنكاح؛ ونحوها من التصرفات التي لا يملكها العبد حتى لا تنفسخ، وهذا عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله - في أحد قوليه: ينفسخ، وجه قوله إنه لما أقر بالرق فقد ظهر أنه كان رقيقًا وقت التصرف، فلم يصح تصرفه؛ كما إذا قامت البينة على رقه. ولنا أن هذا إقرار تضمن إبطال حق الغير؛ لأن حريته ثابتة من حيث الظاهر، فلا يصدق في حق ذلك الغير؛ لما عرف أن الإقرار تصرف في نفس المقر فإذا تضمن إبطال حقه حق الغير، كان دعوى أو شهادة على غيره من ذلك الوجه، فيصدق على نفسه لا على غيره؛ كمن أقر بحرية عبد إنسان ثم اشتراه، عتق عليه، ولا يرجع بالثمن على البائع؛ لما قلنا؛ كذا هذا. والاستدلال بالبينة غير سديد؛ لأن الشاهد غير متهم في شهادته على غيره، فأما المقر في إقراره على غيره فمنهم، فهو الفرق. وإن كان قد أجري عليه شيء من ذلك، لا يصح إقراره؛ لأنه إذا أجري عليه شيء من أحكام الأحرار فقد ظهرت حريته عند الناس كافة، فظهر أنه حر الأصل، فلا يملك إبطالها بالإقرار بالرق. وأما حاله في الإسلام والكفر، فإن وجده مسلم في مصر من أمصار المسلمين(٢)، أو في (١) سقط في ط. (٢) قال ابن قدامة ولا يخلو اللقيط من أن يوجد في دار الإسلام، أو في دار الكفر، فأما دار الإسلام فضربان؛ أحدهما، دار اختطّها المسلمون، كبغداد والبصرة والكوفة، فلقيط هذه محكوم بإسلامه، وإن كان فيها أهل الذمة تغليباً للإسلام ولظاهر الدار، ولأن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. الثاني، دارٌ فتحها المسلمون، كمدائن الشام، فهذه إن كان فيها مسلمٌ واحدٌ حكم بإسلام لقيطها، لأنه يحتمل أن يكون لذلك المسلم، تغليباً للإسلام، وإن لم يكن فيها مسلمٌ، بل كل أهلها ذمة حكم بكفره؛ لأن تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال. وأما بلد الكفار فضربان أيضاً؛ أحدهما، بلد كان للمسلمين، فغلب الكفار عليه، كالساحل، فهذا كالقسم الذي قبله، إن كان فيه مسلمٌ واحدٌ حكم بإسلام لقيطه، وإن لم يكن فيه مسلمٌ فهو كافر. وقال القاضي: يحكم بإسلامه أيضاً؛ لأنه يحتمل أن يكون فيه مؤمنٌ يكتم إيمانه، بخلاف الذي قبله، فإنه لا حاجة به إلى كتم إيمانه في دار الإسلام. وإن كان في بلدٍ كان للمسلمين، ثم غلب عليه المشركون، ثم ظهر عليه المسلمون، وأقروا فيه أهله بالجزية، فهذا كالقسم الثاني من دار الإسلام. الثاني، دار لم تكن للمسلمين أصلاً، كبلاد الهند والروم، فإن لم يكن فيها مسلمٌ، فلقيطها كافر؛ لأن الدار لهم وأهلها منهم، وإن كان فيها مسلمون كالتجار وغيرهم، احتمل أن يحكم بإسلامه، تغليباً للإسلام، واحتمل أن يحكم بكفره، تغليباً للدار والأكثر. وهذا التفصيل كله مذهب الشافعي. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم، على أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين، = ٣٢٠ كتاب اللقيط قرية من قراهم - يكون مسلمًا، حتى لو مات يغسل، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، وَإن وجده ذمي في بيعةٍ، أو كنيسةٍ، أو في قرية ليس فيها مسلمٌ يكون ذميًّا؛ تحكيمًا للظاهر؛ كما (١) إذا وجده مسلم في بيعة، أو كنيسة، أو في قرية من قرى أهل الذمة - یکون/ دمیًا . ولو وجده ذمي في مصر من أمصار المسلمين، أو في قرية من قراهم يكون مسلمًا؛ كذا ذكر في ((كتاب اللقيط)) من الأصل واعتبر المكان وروى ابن سماعة عن محمد أنه اعتبر حال الواجد من كونه مسلمًا أو ذميًّا. وفي كتاب الدعوى اعتبر الإسلام إلى أيهما نسب إلى الواجد أو إلى المكان. والصحيحُ رواية هذا الكتاب؛ لأن الموجود في مكان هو في أيدي أهل الإسلام وتصرفهم في أيديهم، واللقيط الذي هو في يد المسلم وتصرفه يكون مسلمًا ظاهرًا، والموجودُ في المكان الذي هو في أيدي أهل الذمة وتصرفهمٍ في أيديهم، واللقيط الذي هو في يد الذمي وتصرفه يكون ذميًّا ظاهرًا، فكان اعتبار المكان أَوْلَى. فإن وَجَدَهُ مسلمٌ في مِصْرٍ من أمصار المسلمين، فبلغ كافرًا، يجبر على الإسلام، ولكن لا يقتل؛ لأنه لم يعرف إسلامه حقيقة، وإنما حكم به تبعًا للدار، فلم تتحقق ردته، فلا يقتل. وَأَمَّا حاله في النسب، فهو أنه مجهول النسب؛ حتى لو ادعى إنسان نسبة الملتقط أو عتقه، تصح دعوته، ويثبت النسب منه؛ لما علم في (كتاب الدعوى)). وَأَمَّا الأحكام المتعلقة به، فأنواعٌ: منها: أن التقاطه أمر مندوب إليه؛ لما روي أن رجلاً أتى سيدنا عليًّا - رضي الله عنه - بلقيطِ فقال: هو حُرِّ، ولأن أكون وليت من أمره مثل الذي وليت أنت كان أحب إليَّ من كذا وكذا، عُذَّ جملة من أعمال الخير، فقد رَغَّب في الالتقاط وبالغ في الترغيب فيه؛ حيث فضله على جملة من أعمال الخير؛ على المبالغة في الندب إليه؛ ولأنه نفس لا حافظ لها، بل هي في مضيعة، فكان التقاطها إحياء لها معنى؛ وقد قال الله - تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخيًا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. ميتاً في أي مكان وجد، أن غسله ودفنه في مقابر المسلمين. يجب، وقد مَنَعُوا أن يُذْفَنَ أطْفَالُ المشركين = في مَقَابِرِ المسلمين. قال: وإذا وجد لقيطً في قرية ليس فيها إلا مشركٌ، فهو على ظاهر ما حكموا به أنه كافرٌ، هذا قول أصحاب الشافعي وأصحاب الرأي. ينظر: المغني (٣٥١/٨ - ٣٥٢). (١) في ب: فأما.