النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب المزارعة
منها: الفسخ وهو نوعان: صريح ودلالة.
فالصريح أن يكون بلفظ الفسخ والإقالة؛ لأن المزارعة مشتملة على الإجارة والشركة،
وكل واحد منهما قابل لصريح الفسخ والإقالة.
وأما الدلالة فنوعان: الأول امتناع صاحب البذر عن المضي في العقد؛ بأن قال: لا أريد
مزارعة الأرض، ينفسخ العقد لما ذكرنا أن العقد غير لازم في حقه، فكان بسبيل من الامتناع
عن المضي فيه من غير عذرٍ، ويكون ذلك فسخًا منه دلالة.
والثاني: حجر المولى على العبد المأذون بعد ما دفع الأرض والبذر مزارعة، وبيان ذلك
أن العبد المأذون إذا دفع الأرض والبذر مزارعة، فحجره المولى قبل المزارعة، ينفسخ العقد
حتى يملك منع المزارع عن المزارعة؛ لأن العقد لم يقع لازمًا من جهة العبد؛ لأنه صاحب
بذر فيملك المولى منعه عن الزراعة بالحجر؛ كما كان يملك العبد منعه قبل الحجر.
ولو كان البذر من جهة المزارع لا ينفسخ العقد حتى لا يملك المولى، ولا العهد منع
المزارع عن المزارعة لأن العقد لازم من قبل صاحب البذر؛ ولهذا لا يملك العبد منعه عن
الزراعة قبل الحجر، فلا يملك المولى منعه بالحجر أيضا.
هذا إذا دفع الأرض مزارعة، فأما إذا أخذها مزارعة، فإن كان البذر من قبله، انفسخ
العقد، لأنه إذا حجر عليه فقد عجز العمل، وأنه يوجب انفساخ العقد لفوات المعقود عليه.
وإن كان البذر والأرض من قبل صاحب الأرض(١) لا ينفسخ العقد بالحجر؛ لأنه
بالحجر لم يعجز عن العمل، إلا أن للمولى منعه عن العمل؛ لما فيه من إتلاف ملكه وهو
البذر فله أن يفسخ ما لا ينفسخ بالحجر.
هذا إذا حجر على العبد المأذون، فأما إذا لم يحجر عليه ولكن نهاه عن الزراعة، أو
فسخ العقد بعد الزراعة، أو نهى قبل ذلك، إلا أنه لم يحجر عليه - فالنهي باطلٌ؛ وكذلك نهى
الأب الصبي المأذون قبل عقد المزارعة أو بعده، لا يصح؛ لأن النهي عن الزراعة والفسخ
بعدها من باب تخصيص الإذن بالتجارة، والإذن بالتجارة مما لا يحتمل التخصيص.
ومنها: انقضاء مدة المزارعة؛ لأنها إذا انقضت فقد انتهى العقد، وهو معنى
الانفساخ. ومنها: موت صاحب الأرض، سواء مات قبل الزراعة أو بعدها، وسواء أدرك الزرع
أو هو بقل؛ لأن العقد أفاد الحكم له دون وارثه؛ لأنه عاقد لنفسه، والأصل أن مَنْ عقد لنفسه
بطريق الأصالة، فحكم تصرفه يقع له لا لغيره إلا لضرورة.
(١) في ط: البذر.

٢٨٢
كتاب المزارعة
ومنها: موت المزارع، سواء مات قبل الزراعة أو بعدها، بلغ الزرع حد الحصاد أو لم
يبلغ؛ لما ذكرنا.
فصل في حكم المزارعة المنفسخة
وأما بيان حكم المزارعة المنفسخة، فنقول وبالله التوفيق: لا يخلو من وجهين: إما إن
انفسخت قبل الزراعة أو بعدها، فإن انفسخت قبل الزراعة لا شيء للعامل، وإن کرب
الأرض، وحفر الأنهار، وسوى المسنيات بأيّ طريق انفسخ، سواء انفسخ بصريح الفسخ، أو
بدليله، أو بانقضاء المدة، أو بموت أحد المتعاقدين لأن الفسخ يظهر أثره في المستقبل بانتهاء
حكمه لا في الماضي، فلا يتبين أن العقد لم يكن صحيحًا، والواجب في العقد الصحيح
المسمى وهو بعض الخارج، ولم يوجد، فلا [يجب](١) شيء.
وقيل [إن](٢) هذا جواب الحكم، فأما فيما بينه وبين الله - تعالى - عليه أن يرضي العامل
فيما إذا امتنع عن المضي في العقد قبل الزراعة، ولا يحل له الامتناع شرعًا؛ فإنه يشبه التعزير،
وأنه حرامٌ.
وإن انفسخت بعد الزراعة، فإن كان الزرع قد أدرك وبلغ الحصاد، فالحصاد والخارج
بينهما على الشرط، وإن كان لم يدرك، فكذا الجواب في صريح الفسخ ودليله وانقضاء المدة؛
لأن الزرع بينهما على الشرط، والعمل فيما بقي إلى وقت الحصاد عليهما، وعلى المزارع أجر
مثل نصف الأرض لصاحب الأرض.
٢٢٧/٣ب
أما الزرعَ بينهما على الشرط فلما مرَّ أن انفساخ العقد يظهر أثره في المستقبل، لا في!
الماضي، فبقي الزرع بينهما على ما كان قبل الانفساخ.
وَأمَّا العمل فيما بقي إلى وقت الحصاد عليهما؛ لأنه عمل في مال مشترك لم يشترط
العمل فيه على أحدهما، فيكون عليهما وعلى المزارع أجر مثل نصف الأرض لصاحب
الأرض؛ لأن العقد قد انفسخ، وفي القلع ضرر بالمزارع، وفي الترك بغير أجر ضرر بصاحب
الأرض؛ فكان الترك بأجر المثل نظراً من الجانبين؛ بخلاف ما إذا مات صاحب الأرض والرزعُ
بقلٌ؛ أن العمل يكون على المزارع خاصة؛ لأن هناك انفسخ العقد حقيقة؛ لوجود سبب الفسخ
وهو الموت؛ إلاَّ أنا بقيناه تقديرًا؛ دفعًا للضرر عن المزارع؛ لأنه لو انفسخ لثبت لصاحب
الأرض حق القلع، وفيه ضرر بالمزارع فجعل هذا عذراً في بقاء العقد تقديراً؛ فإذا بقي العقد
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.

٢٨٣
كتاب المزارعة
كان العمل على المزارع خاصة؛ كما كان قبل الموت، وهذا لا يتضح، فإن اتفق أحدهما من
غير إذن صاحبه ومن غير أمر القاضي، فهو متطوعٌ، ولو أراد صاحب الأرض أن يأخذ الزرع
بقلاً، لم يكن له ذلك؛ لأن فيه ضررًا بالمزارع، ولو أراد المزارع أن يأخذه بقلاً، فصاحب
الأرض بين خيارات ثلاث: إن شاء قلع الزرع. فيكون بينهما، وَإن شاء أعطى المزارع قيمة
نصيبه من الزرع، وإن شاء أنفق هو على الزرع من ماله، ثم يرجع على المزارع بحصته، لأن
فيه رعاية الجانبين.
وأما في موت أحد المتعاقدين، أما إذا مات رب الأرض بعد ما دفع الأرض مزارعة
ثلاث سنين، ونبت الزرع، وصار بقلاً - تترك الأرض في يدي المزارع إلى وقت الحصاد،
ويقسم على الشرط المذكور؛ لأن فى الترك إلى وقت الحصاد نظرًا من الجانبين، وفي القلع
إضرارًا بأحدهما؛ وهو المزارع، ويكون العمل على المزارع خاصَّةً لبقاء العقد تقديرًا في هذه
السنة في هذه الزرع، وإن مات المزارع والزرع بقلٌ، فقال ورثته: نحن نعمل على شرط
المزارعة، وأبى ذلك صاحب الأرض، فالأمر إلى ورثة المزارع؛ لأن في القلع ضررًا بالورثة،
ولا ضرر بصاحب الأرض في الترك إلى وقت الإدراك، وإذا ترك لا أجر للورثة فيما يعملون؛
لأنهم يَعْمَلُون على حكم عقد أبيهم تقديرًا، فكأنه يعمل أبوهم.
وَإِن أراد الورثة قلع الزرع لم يجبروا على العمل؛ لأن العقد ينفسخ حقيقةً إلا أنا بقيناه
باختيارهم نظرًا لهم، فإن امتنعوا عن العمل بقي الزرع مشتركًا. فإما أن يقسم بينهم بالحصص،
أو يعطيهم صاحب الأرض قدر حصتهم من الزرع البقل، أو ينفق من مال نفسه إلى وقت
الحصاد، ثم يرجع بحصتهم؛ لأن فيه رعاية الجانبين، والله - تعالى - أعلم.

كِتَابُ المُعَامَلَةِ
وَقَدْ يسمى ((كتاب المساقاة)»(١)، والكلام في هذا الكتاب في المواضع التي ذكرناها في
[كتاب](٢) المزارعة.
أما معنى المعاملة لغةً: فهو مفاعلة من العمل.
وفي عرف الشرع: عبارة عن العقد على العمل ببعض الخارج مع سائر شرائط الجواز.
وأما شرعيتها: فقدِ اختلف العلماء فيها، قال أبو حنيفة - عليه الرحمة - إنها غير
مشروعة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله - والشافعي - رحمه الله - مشروعة(٣)،
واحتجوا بحديث ((خيبر)) أنه عَلَيه - الصلاة والسلام دَفَعَ نخيلهم معاملة.
(١) المُسَاقَةُ لُغَةً: مفاعلة من السَّقي؛ لأن أهل ((الحجاز)) أكثر حاجة شجرهم إلى السقي؛ لأنهم يستقون من
الآبار؛ فسميت بذلك.
ينظر الصحاح ٢٣٨٠/٦، اللسان ٢٠٤٤/٣، المطلع ص (٢٦٢)، حاشية الباجوري ٢٤/٢، معجم
مقياس اللغة ٣/ ٨٤.
واصطلاحاً: عرفها الشّافعية بأنها: دفع الشخص نَخْلاً، أو شجر عنب لمن يتعهّده بسقي، وتربية على أن
له قدراً معلوماً من ثمره.
عرفها المالكيةُ بأنها: عقد على عمل مؤنة النبات، بقدر لا من غير غلته، لا بلفظ بيع أو إجارة أو جعل.
عرفها الحنفية: دفع الشجر إلى من يصلحه بِجُزْءٍ من ثمره.
عرفها الحنابلة بأنها: دفع الرجل شجره إلى آخر ليقوم بسقيه، وعمل سائر ما يحتاج إليه، بجزء معلوم له
من ثمره.
حاشية الباجوري ٢٤/٢، الخرشي ٢٢٧/٦، الدرر ٣٢٨/٢، المطلع ص (٢٦٢)، المغني لابن قدامة
٠٥٥٤/٥
(٢) سقط في ط ..
(٣) والأصل في جوازها السنة والإجماع؛ أما السنة، فما روى عبد الله بن عمر. رضي الله عنه، قال: عامل
رسول الله ◌َ و أهل خيبر بشطر ما يخرج منها، من ثمر أو زرع. حديث صحيح، متفق عليه. وأما
الإجماع، فقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وعن آبائه:
عامل رسول الله ◌َيقر أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون =
٢٨٤

٢٨٥
كتاب المعاملة
ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن هذا استئجار ببعض الخارج، وأنه منهيٍّ عنه؛ على ما
ذكرنا في ((كتاب المزارعة))، وقد مر الجواب [فيه](١) عن الاستدلال بحديث ((خيبر)) فلا
نعيده .
أما ركنها: فهو الإيجاب والقبول(٢)؛ على نحو ما ذكرنا فيما تقدم من غير تفاوت، وأما
الشرائط المصححة لها على قول مَنْ يجيزها، فما ذكرنا فى ((كتاب المزارعة)) منها: أن يكون
الثلث والربع. وهذا عمل به الخلفاء الراشدون في مدة خلافتهم، واشتهر ذلك، فلم ينكره منكر، فكان
=
إجماعاً. فإن قيل: لا نسلم أنه لم ينكره منكر، فإن عبد الله بن عمر راوي حديث معاملة أهل خيبر، قد
رجع عنه، وقال: كنا نخابر أربعين سنة، حتى حدثنا رافع بن خديج، أن رسول الله وَّ نهى عن
المخابرة. وهذا يمنعَ انعقاد الإجماع، ويدل على نسخ حديث ابن عمر، لرجوعه عن العمل به إلى
حديث رافع بن خديج. قلنا: لا يجوز حمل حديث رافع على ما يخالف الإجماع، ولا حديث ابن
عمر؛ لأن النبي ◌ِّيو لم يزل يعامل أهل خيبر حتى مات، ثم عمل به الخلفاء بعده، ثم من بعدهم،
فكيف يتصور نهي النبي ◌ََّ عن شيء يخالفه؟ أم كيف يُعْمَلُ بذلك في عصر الخلفاء ولم يخبرهم من
سمع النهي عن النبي ◌َّر، وهو حاضر معهم، وعالم بفعلهم، فلم يخبرهم، فلو صح خبر رافع لوجب
حمله على ما يوافق السنة والإجماع. على أنه قد روي في تفسير خبر رافع عنه، ما يدل على صحة
قولنا، فروى البخاري، بإسناده قال: كنا نكري الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الأرض، فمما يصاب
ذلك وتسلم الأرض، ومما تصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهينا، فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذٍ.
وروي تفسيره أيضاً بشيء غير هذا من أنواع الفساد، وهو مضطرب جداً. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله
يسأل عن حديث رافع بن خديج، نهى رسول الله وَّر عن المزارعة. فقال: رافع روي عنه في هذا
ضروب. كأنه يريد أن اختلاف الروايات عنه يوهن حديثه. وقال طاوس: إن أعلمهم - يعني ابن عباس -
أخبرني، أن النبي ◌ِّوَ لم ينه عنه، ولكن قال: ((لأن يَمْنَحَ أحَدُكُم أخاه أرْضَهُ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا
خَرَاجاً مَعْلُوماً)). رواه البخاري ومسلم. وأنكر زيد بن ثابت حديث رافع عليه. فكيف يجوز نسخ أمر فعله
النبي وَّر حتى مات وهو يفعله، ثم أجمع عليه خلفاؤه وأصحابه بعده، بخبر لا يجوز العمل به، ولو لم
يخالفه غيره! ورجوع ابن عمر إليه يحتمل أنه رجع عن شيء من المعاملات الفاسدة التي فسرها رافع في
حديثه. وأما غير ابن عمر فقد أنكر على رافع، ولم يقبل حديثه، وحمله على أنه غلط في روايته.
والمعنى يدل على ذلك؛ فإن كثيراً من أهل النّخيل والشجر يعجزون عن عمارته وسقيه، ولا يمكنهم
الاستئجار عليه، وكثيرٌ من الناس لا شجر لهم، ويحتاجون إلى الثمر، ففي تجويز المساقاة دفع
للحاجتين، وتحصيل لمصلحة الفئتين، فجاز ذلك، كالمضاربة بالأثمان. ينظر المغني ٥٢٧/٧ - ٥٢٩.
(١) سقط في ط ..
(٢) وتصح المساقاة بلفظ المساقاة، وما يؤدي معناها من الألفاظ، نحو: عاملتك، وفالحتك، واعمل في
بستاني هذا حتى تكمل ثمرته، وما أشبه هذا؛ لأن القصد المعنى، فإن أتى به بأي لفظٍ دل عليه، صح،
كالبيع. وإن قال: استأجرتك لتعمل لي في هذا الحائط، حتى تكمل ثمرته، بنصف ثمرته. ففيه وجهان؛
أحدهما، لا يصح. ذكره أبو الخطاب؛ لأن الإجارة يشترط لها كون العوض معلوماً، والعمل معلوماً،
وتكون لازمة، والمساقاة بخلافه. والثاني، يصح. وهو أقيس؛ لأنه مؤدّ للمعنى، فصح به العقد، كسائر
الألفاظ المتفق عليها. ينظر المغني ٥٣٨/٧.

٢٨٦
كتاب المعاملة
العاقدان عاقلين، فلا يجوز عقد من لا يعقل، فأما البلوغ: فليس بشرط؛ وكذا الحرية على
نحو ما مَرَّ في ((كتاب المزارعة)).
ومنها: ألاَّ يَكُونَا مرتدين في قول أبي حنيفة؛ على قياس قول من أجاز المعاملة، حتى
لو كان أحدهما مرتدًا وقفت المعاملة، ثم إن كان المرتد هو الدافع، فإن أسلم فالخارج بينهما
على الشرط، وَإن قتل أو مات أو لحق، فالخارج كه للدافع؛ لأنه نماء ملكه، وللآخر أجر
١٢٢٨/٣ المثل/ إذا عمل، وعندهما الخارج بين العامل المسلم وبين ورثة الدافع على الشرط في
الحالين؛ كما إذا كانا مسلمين.
وَإن كان المرتد هو العامل، فإن أسلم فالخارج بينهما على الشرط، وَإِن قتل أو مات
على الردة أو لحق، فالخارج بين الدافع المسلم وبين ورثة العامل المرتد، على الشرط
بالإجماع؛ لما مر في المزارعة.
هذا إذا كانت المعاملة بين مسلم ومرتد، فأما إذا كانت بين مسلمين ثم ارتدًا أو ارتد
أحدهما، فالخارج على الشرط؛ لما مَرَّ في ((كتاب المزارعة))، ويجوز معاملة المرتدة دفعًا
وأخذا(١) بالإجماع.
ومنها: أن يكون المدفوع من الشجر الذي فيه ثمرة معاملة فيما يزيد ثمره بالعمل، فإن
كان المدفوع نخلاً فيه طلعٌ أو بسرّ قد احمر أو اخضر، إلاَّ أنه لم يتناه عظمه، جازت
المعاملة، وإن كان قد تناهى عظمه، إلا أنه لم يرطب، فالمعاملة فاسدة؛ لأنه إذا تناهى عظمه
لا يؤثر فيه العمل بالزيادة عادةً، فلم يوجد العمل المشروط عليه، فلا يستحق الخارج، بل
يكون كله لصاحب النخل.
ومنها: أن يكون الخارج لهما، فلو شَرَطًا أن يكون لأحدهما فسدّت؛ لما علم.
ومنها: أن تكون حصة كل واحد منهما من بعض الخارج مشاعًا معلومَ القدر؛ لما علم.
ومنها: أن يكون محل العمل - وهو الشجر - معلومًا، وبيان هذه الجملة في ((كتاب
المزارعة)).
ومنها: التسليم إلى العامل؛ وهو التخلية، حتى لو شرطا العمل عليهما فسدت؛ لانعدام
التخلية، فأما بيان المدة فليس بشرط لجواز المعاملة؛ استحسانًا، ويقع على أول ثمرة تخرج
في أول السنة؛ بخلاف المزارعة.
(١) في ط: واحداً.

٢٨٧
كتاب المعاملة
والقياس أن يكون شرطًا؛ لأن ترك البيان يؤدي إلى الجهالة؛ كما في ((المزارعة))؛ إلا أنه
ترك القياس لتعامل الناس ذلك من غير بيان المدة، ولم يوجد ذلك في المزارعة؛ حتى أنه لو
وجد التعامل به في موضع يجوزُ من غير بيان المدة، وبه كما يفتي محمد بن سلمة على ما مَرَّ
في ((المزارعة))
ولو دفع أرضًا ليزرع فيها الرطاب، أو دفع أرضًا فيها أصول رطبة نابتة ولم يسم المدة،
فإن كان شيئًا ليس لابتداء نباته ولا لانتهاء جذه(١) وقت معلوم، فالمعاملة فاسدة، وَإن كان
وقت جذه معلومًا، يجوز ويقع على الجذة الأولى؛ كما في الشجرة المثمرة.
فضلْ في الشروط المفسدة للمعاملة
وأما الشرائط المفسدة للمعاملة فأنواع: دخل بعضها في الشرائط المصححة للعقد لأن ما
كان وجوده شرطًا للصحة كان انعدامه شرطًا للإفساد.
منها: شرط كون الخارج كله لأحدهما.
ومنها: شرط أن يكون لأحدهما قفزان مسماة.
ومنها: شرط العمل على صاحب الأرض.
ومنها: شرط الحمل والحفظ بعد القسمة على العامل؛ لما ذكرنا في ((كتاب المزارعة)).
ومنها: شرط الجذاذ والقطاف على العامل بلا خلاف؛ لأنه ليس من المعاملة في شيء؛
ولانعدام التعامل به أيضًا، فكان من باب مؤنة الملك، والملك مشترك بينهما، فكانت مؤنته
عليهما على قدر ملكيهما .
ومنها: شرط عمل تبقى منفعته بعد انقضاء مدة المعاملة؛ نحو السرقية (٢)، ونصب
العرايش، وغرس الأشجار، وتقليب الأرض؛ وما أشبه ذلك؛ لأنه لا يقتضيه العقد، ولا هو
من ضرورات المعقود عليه ومقاصده.
ومنها: شركة العامل فيما يعمل فيه؛ لأن العامل أجير رب الأرض، واستئجار الإنسان
للعمل في شيء هو فيه شريك المستأجر لا يجوز، حتى أن النخل لو كان بين رجلين، فدفعه
أحدُهما إلى صاحبه معاملةً مدةً معلومة؛ على أن الخارج بينهما أثلاث: ثلثاه للشريك العامل،
وثلثه للشريك الساكت، فالمعاملةُ فاسدة، والخارج بينهما على قدر الملك، ولا أجر للعامل
(١) في أ: آخره.
(٢) في ط: السرقية.

٢٨٨
كتاب المعاملة
على شريكه؛ لما مر أن في المعاملة معنى الإجارة، ولا يجوز الاستئجار لعمل فيه الأجير
شريك المستأجر، وإذا عمل لا يستحق الأجر على شريكه، لما عرف في الإجارات، ولا يشبه
هذا المزارعة؛ لأن الأرض إذا كانت مشتركة بين اثنين دفعها أحدهما إلى صاحبه مزارعة؛ على
أن يزرعها ببذره وله ثلثا الخارج - أنه تجوز المزارعة؛ لأن هناك لم يتحقق الاستئجار للعمل
في شيء الأجير فيه شريك المستأجر؛ لانعدام الشركة في البذر، وهنا تحقق لثبوت الشركة في
٢٢٨/٣ب النخل/، فهو الفرق، ولا يتصدق واحدٌ منهما بشيء من الخارج؛ لأنه خالص ماله لكونه نماء
ملکه .
لو شَرَطًا أن يكون الخارج لهما على قدر ملكيهما، جازت المعاملة؛ لأن استحقاق كل
واحد منهما - أعني: من الشريكين - [الخارج](١) لكونه نماء ملكه لا بالعمل، بل العامل منهما
معين لصاحبه في العمل من غير عوض، فلم يتحقق الاستئجار.
ولو أمر الشريك الساكت الشريك العامل أن يشتري ما يلقح به النخل، فاشتراه، رجع
عليه بنصف ثمنه؛ لأنه اشترى مالاً متقوَّمًا على الشركة بأمره، فيرجع عليه، وسواء كان العامل
في عقد المعاملة واحدًا أو أكثر، حتى لو دفع رجل نخله إلى رجلين معاملة بالنصف أو
بالثلث، جاز، وسواء سوى بينهما في الاستحقاق أو جعل لأحدهما فضلاً؛ لأن كل واحد
منهما أجير صاحب الأرض، فكان استحقاق كل واحد منهما بالشرط، فيتقدر بقدر الشرط،
ولو شرط لأحد العاملين مائة درهم على رب الأرض، والآخر ثلث الخارج، ولرب الأرض
الثلثان - جاز؛ لأن الواجب لكل واحد منهما أجرة مشروطة، فيجب على حسب ما يقتضيه
الشرط .
ولو شرطا لصاحب النخل الثلث، ولأحد العاملين الثلثين، وللآخر أجر مائة درهم على
العامل الذي شرط له الثلثان، فهو فاسدٌ، ولا يشبه هذا المزارعة أن من دفع الأرض مزارعة
على أن لرب الأرض الثلث وللزارع الثلثان؛ على أن يعمل فلان معه بثلث الخارج - أن
المزارعة جائزةٌ بين رب الأرض والمزارع فاسدةٌ في حق الثالث؛ لأن المعاملة استئجار العامل،
والأجرة تجب على المستأجر دون الأجير بمقابلة العمل، والعمل للمستأجر، فكانت الأجرة
عليه، فإذا اشترطها على الأجير فقد استأجره ليعمل له؛ على أن تكون الأجرة على غيره، ولا
سبيل إليه، ففسد العقد، وهذا هو الموجب للفساد في حق الثالث في باب المزارعة، لا أنه
صح فيما بين صاحب الأرض والمزارع؛ لأنه جعل بمنزلة عقدين، ففساد أحدهما لا يوجب
فساد الآخر، وهذا مع هذا التكلف غير واضحٍ، ويتضح إن شاء الله تعالى.
(١) سقط في ط.

٢٨٩
كتاب المعاملة
فصل في حكم المعاملة الصحيحة عند من يجيزها
وأما حكم المعاملة الصحيحة [عند مجيزها] (١) فأنواعٌ:
منها أن كل ما كان من عمل المعاملة مما يحتاج إليه الشجر، والكرم، والرطاب،
وأصول الباذنجان، من: السقي، وَإصلاح النهر، والحفظ، والتلقيح للنخل - فعلى العامل؛
لأنها من توابع المعقود عليه فيتناوله العقد، وكل ما كان من باب النفقة على الشجر والكرم
والأرض من السرقنة (٢) وتقليب الأرض التي فيها الكرم والشجر والرطاب ونصب العرايش
ونحو (٣) ذلك - فعليهما على قدر حقيهما؛ لأن العقد لم يتناوله، لا مقصودًا ولا ضرورة،
وكذلك الجذاذ والقطاف؛ لأن ذلك يكون بعد انتهاء العمل، فلا يكون من حكم عقد المعاملة.
ومنها: أن يكون الخارج بينهما على الشرط، لما مر.
ومنها: أنه إذا لم يخرج الشجر شيئًا، فلا شيء لواحد منهما؛ بخلاف المزارعة الفاسدة؛
لما مر من الفرق في ((كتاب المزارعة)).
ومنها أن هذا العقد لازم من الجانبين، حتى لا يملك أحدهما الامتناع والفسخ من غير
رضا صاحبه، إلاَّ من عذرٍ؛ بخلاف المزارعة، فإنها غير لازمة في جانب صاحب البذر، وقد
مر الفرق.
ومنها: ولاية جبر العامل على العمل إلاَّ من عذر على ما قدمناه.
ومنها: جواز الزيادة على الشرط والحط عنه وانعدام الجواز، والأصل فيه ما مر في
(كتاب المزارعة)) أن كل موضع احتمل إنشاء العقد احتمل الزيادة، وإلاَّ فلا، والحط جائز في
الموضعين، وأصله بالزيادة في الثمن والمثمن، فإذا دفع نخلاً بالنصف معاملة فخرج الثمر،
فإن لم يتناه عظمه، جازت الزيادة منهما أيهما كان؛ لأن الإنشاء للعقد في هذه الحالة جائز،
فكانت الزيادة جائزة.
ولو تناهى عظم البسر جازت الزيادة من العامل لرب الأرض شيئًا، ولا تجوز الزيادة من
رب الأرض للعامل شيئًا؛ لأن هذه زيادة في الأجرة؛ لأن العامل أجير والمحل لا يحتمل
الزيادة .
(١) في أ: على قول من يجيزها.
(٢) في ط: السرقية.
(٣) في أ: وغير.
بدائع الصنائع ج٨ - ١٩٢

٢٩٠
كتاب المعاملة
أَلاَ ترى أنّه لا يحتمل الإنشاء، والأول حط من الأجرة، واحتمال الإنشاء ليس بشرطٍ
لصحة الحط .
١٢٢٩/٣
ومنها: أن العامل لا يملك أن يدفع إلى غيره معاملة إلاّ إذا قال/ له رب الأرض: اعمل
فيه برأيك؛ لأن الدفع إلى غيره إثبات الشركة في مال غيره بغير إذنه، فلا يصح.
وَإِذا قَالَ له: اعمل فيه برأيك، فقد أذن له، فَصَحَّ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ له اعمل برأيك فيه،
فدفع العامل إلى رجل آخر معاملة، فعمل فيه، فأخرج، فهو لصاحب النخل، ولا أجر للعامل
الأول؛ ولأن استحقاقه بالشرط وهو شرط العمل، ولم يوجد منه العمل بنفسه ولا بغيره أيضًا؛
لأن عقده معه لم يصح، فلم يكن عمله مضافًا إليه، وله على العامل الأول أجر مثل عمله يوم
عمل؛ لأنه عمل له بأمره، فاستحق أجر المثل، ولو هلك الثمر في يد العامل الأخير من غير
عمله، وهو في رؤوس النخل، فلا ضمان على واحد منهما؛ لانعدام الغصب من واحد منهما؛
وهو تفويت يد المالك.
ولو هلك من عمله فى أمر خالف فيه أمر العامل الأول، فالضمان لصاحب النخل على
العامل الآخر دون الأول؛ لأن الخلاف قطع نسبة عمله إليه، فبقي متلفًا على المالك ماله،
فكان الضمان عليه، ولو هلك في يده من عمله في أمر لم يخالف فيه أمر العامل الأول،
فلصاحب النخل أن يضمن أيهما شاء؛ لأنه إذا لم يوجد منه بخلاف بقي عمله مضافًا إليه؛ كأنه
عمل لنفسه، فكان له أن يضمنه وله أن يضمن الثاني؛ لأنه في معنى غاصب الغاصب، فإن
اختار تضمين الأول لم يرجع على الآخر بشيء؛ لأنه عمل بأمر الأول، فلو رجع عليه لرجع
هو عليه أيضًا، فلا يفيد، وإن اختار تضمين الآخر يرجع على الأول؛ لأنه غره في هذا العقد،
فيرجع عليه بضمان الغرور، وهو ضمان السلامة.
هذا إذا لم يقل له: اعمل فيه برأيك، فأما إذا قال وشرط [له] (١) النصف فدفعه إلى رجل
آخر بثلث الخارج، فهو جائز لما ذكرنا، وما خرج من الثمر فنصفه لرب النخل، والسدس
للعامل الأول؛ لأن شرط الثلث يرجع إلى نصيبه خاصة؛ لأن العمل واجب عليه، فبقي له
السدس ضرورة.
وذكر محمد - رحمه الله - في الأصل أنه إذا لم يَقُلْ له: اعمل فيه برأيك، وشرط له
شيئًا معلومًا، وشرط الأول للثاني مثل ذلك، فهما فاسدان، ولا ضمان على العامل الأول.
(١) سقط في ط.

٢٩١
کتاب المعاملة
فصل في حكم المعاملة الفاسدة
وأما حكم المعاملة الفاسدة، فأنواعٌ ذكرناها في المزارعة.
منها: أنه لا يجبر العامل على العمل، لأن الجبر على العمل بحكم العقد ولم يصح.
ومنها: أن الخارج كله لصاحب الأرض؛ لأن استحقاق الخارج لكونه نماء ملكه،
واستحقاق العامل بالشرط، ولم يصح، فيكون لصاحب الملك ولا يتصدق بشيء منه؛ لأنه
حصل عن خالص ملكه.
ومنها: أن أجر المثل لا يجب في المعاملة الفاسدة ما لم يوجد العمل؛ لما ذكرنا في
((المزارعة)).
ومنها: أن وجوب أجر المثل فيها لا يقف على الخارج، بل يجب وإن لم يخرج الشجر
شيئًا، بخلاف المعاملة الصحيحة، وقد ذكرنا (١) الفرق في ((كتاب المزارعة)).
ومنها: أن أجر المثل فيها يجب مقدرًا بالمسمى لا يتجاوز عنه عند أبي يوسف، وعند
محمد يجب تامًّا، وهذا الاختلاف فيما إذا كانت حصة كل واحد منهما مسماة في العقد، فإن
لم تَكُنْ مسماة في العقد، يجب أجر المثل تامًّا بلا خلافٍ، وقد مرت المسألة في ((كتاب
المزارعة)).
فصل في الأعذار التي تفسخ بها
وأما المعاني التي هي عذر في فسخها (٢)، فما ذكرنا في ((كتاب المزارعة))، ومن الأعذار
التي في جانب العامل أن يكون سارقًا، معروفًا بالسرقة، فيخاف [على](٣) الثمر والسعف.
فصل فيما ينفسخ به عقد المعاملة
وأما الذي ينفسخ به عقد المعاملة فأنواع :
منها: صريح الفسخ.
ومنها: الإقالة.
(١) في أ: مر.
(٢) في أ: فسخ المعاملة.
(٣) سقط في ط.

٢٩٢
كتاب المعاملة
ومنها: انقضاء المدة.
ومنها: موت المتعاقدين، وقد مر في ((كتاب المزارعة)).
فصل في حكم المعاملة المنفسخة
وأما حكم المعاملة المنفسخة، فعلى نحو حكم المزارعة المنفسخة، والله تعالى أعلم.

كِتَابُ الشُّرْبِ
الكلام في هذا الكتاب في مواضع: في بيان معنى الشرب لغةً وشرعًا، وفي بيان أنواع
المياه، وفي بيان حكم كل نوع منها.
أما الأول: فالشرب في اللغة: عبارة عن الحظ والنصيب من الماء، قال الله - عَزَّ
شأنه: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمِ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، وفي الآية الكريمة
دلالةٌ على جواز قسمة الشرب بالأيام؛ لأن الله - سبحانه وتعالى، عزَّ اسمه - أخبر عن نبيه
سيدنا صالح - عليه الصلاة والسلام - قبل ذلك، ولم يعقبه بالفسخ، فصارت شريعة لنا مبتدأة،
وبها استدل محمد - رحمه الله - في ((كتاب الشرب)) لجواز قسمة الشرب بالأيام.
وفي عرف الشرع: عبارة عن حق الشرب والسقي.
وأما بيان أنواع المياه فنقول: المياه أربعةُ أنواع:
الأول: الماء الذي يكون في الأواني والظروف.
والثاني: الماء الذي يكون في الآبار والحياض والعيون.
والثالث: ماء الأنهار الصغار التي تكون لأقوام مخصوصين.
والرابع: ماء الأنهار العظام؛ كجيحون، وسيحون، ودجلة، والفرات؛ ونحوها.
أما بيان حكم كل نوع منها على القسمة:
أما الأول: فهو مملوك لصاحبه، لا حق لأحد فيه؛ لأن الماء وَإن كان مباحًا في
الأصل، لكن المباح يملك بالاستيلاء إذا لم يكن مملوكًا لغيره، كما إذا استولى على الحطب
والحشيش والصيد، فيجوز بيعه؛ كما يجوز بيع هذه الأشياء؛ وكذا السقًّاؤن يبيعون المياه
المحروزة في الظروف، به جرت العادة في الأمصار وفي سائر الأعصار من غير نكيرٍ، فلم
يحل لأحدٍ أن يأخذ منه فيشرب من غير إذنه، ولو خاف الهلاك على نفسه من العطش فسأله
فمنعه؛ فإن لم يكن عنده فضل، فليس له أن يقاتله أصلاً؛ لأن هذا دفع الهلاك عن نفسه
بإهلاك غيره لا بقصد إهلاكه، وهذا لا يجوز، وإن كان عنده فضل ماء عن حاجته، فللممنوع
٢٩٣

٢٩٤
كتاب الشرب
أن يقاتله ليأخذ منه الفضل، لكن بما دون السلاح؛ كما إذا أصابته مخمصة وعند صاحبه فضل
طعام، فسأله، فمنعه، وهو لا يجد غيره.
وأما الثاني: الماء الذي يكون في الحياض والآبار والعيون، فليس بمملوك لصاحبه، بل هو
مباحٌ في نفسه، سواء كان في أرض مباحة أو مملوكة؛ لكن له حق خاص فيه؛ لأن الماء في
الأصل خلق مباحًا لقول النبي - عليه الصلاة والسلام - ((النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ: المَاءُ وَالكَلأُ
وَالنَّارُ))(١) والشركة العامة تقتضي الإباحة، إلا أنه إذا جعل في إناء وأحرزه به، فقد استولى عليه
وهو غير مملوك لأحد، فيصير مملوكًا للمستولي؛ كما في سائر المباحات الغير المملوكة، إذا
لم يوجد ذلك بقي على أصل الإباحة الثابتة بالشرع، فلا يجوز بيعه؛ لأن محل البيع هو المال
المملوك، وليس له أن يمنع الناس من الشفة، وهو الشرب بأنفسهم وسقي دوابهم منه؛ لأنه
مباح لهم، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ * نَهَى عَنْ مَنْعِ نَبْعِ البِثْرِ؛ وهو فضل مائها الذي يخرج
منها، فلهم أن يسقوا منها لشفاههم ودوابهم، فَأما لَزَروعَهم وأشجارهم، فله أن يمنع ذلك لما
في الإطلاق من إبطال حقه أصلاً، إلاَّ إذا كان ذلك في أرض مملوكة، فلصاحبها أن يمنعهم
عن الدخول في أرضه إذا لم يضطروا إليه؛ بأن وجدوا غيره؛ لأن الدخول إضرار به من غير
ضرورة، فله أن يدفع الضرر عن نفسه، وإن لم يجدوا غيره واضطروا وخافوا الهلاك يُقال له:
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٠٠) كتاب البيوع: باب في منع الماء حديث (٣٤٧٧) وأحمد (٣٦٤/٥) والبيهقي
(١٥٠/٦) كتاب إحياء الموات: باب ما لا يجوز إقطاعه من المعادن الظاهرة كلهم من طريق حريز بن
عثمان ثنا أبو خداش عن رجل من أصحاب النبي وَ * قال قال رسول الله وَّير: ((المسلمون شركاء في
ثلاث في الماء والكلأ والنار)».
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة.
أخرجه ابن ماجه (٨٢٦/٢) كتاب الرهون: باب المسلمون شركاء في ثلاث حديث (٢٤٧٣) حدثنا
محمد بن عبد الله بن يزيد ثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وله :
((ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار)).
وقال البوصيري في ((الزوائد» (٢٦٦/٢ - ٢٦٧): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات محمد بن عبد الله بن
يزيد المقري أبو يحيى المكي وثقه النسائي وابن أبي حاتم وسلمة الأندلسي والخليل وغيرهم وباقي رجال
الإسناد على شرط الشيخين. اهـ.
وللحديث شاهد أيضاً من حديث ابن عباس.
أخرجه ابن ماجه (٨٢٦/٢) كتاب الرهون: باب المسلمون شركاء في ثلاث حديث (٢٤٧٢) من طريق
عبد الله بن خراش بن حوشب الشيباني عن العوام بن حوشب عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول
الله ◌َر: ((المسلمون شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار وثمنه حرام)).
قال البوصيري في ((الزوائد» (٢٦٦/٢): هذا إسناد ضعيف عبد الله بن خراش ضعفه أبو زرعة والبخاري
والنسائي وابن حسان وغيرهم.

٢٩٥
كتاب الشرب
إما أن تأذن بالدخول، وإما أن تعطي بنفسك، فإن لم يعطهم ومنعهم من الدخول، ولهم أن
يقاتلوه بالسلام؛ ليأخذوا قدر ما يندفع به الهلاك عنهم، والأصل فيه ما رُويّ أن قومًا وردوا ماء
فَسَالُوا أهلَهُ أن يدلوهم على البئر فأبوا، وسألوهم أن يعطوهم دلوًا فأبوا، فقالوا لهم: إن أَغْنَاقَنَا
وأعناقَ مطايانا كدت تُقطع، فأبوا، فذكروا ذلك لسيدنا عمر - رضي الله عنه - فقال: هَلأَّ
وضعتم فيهم السلاح؟ بخلاف الماء المحرز في الأواني والطعام حالة المخمصة؛ لأن الماء
هناك مملوك لصاحبه؛ وكذا الطعام، فَلاَ بد من مراعاة حرمة الملك لحرمة القتال بالسلاح، ولا
ملك هناك، بل هو على الإباحة الأصلية على ما بينا، فإذا منعه أحد ماله حق أخذه قاتله
بالسلاح؛ كما إذا منعه ماله المملوك.
وأما الثالث: الماء الذي يكون في الأنهار التي تكون لأقوام مخصوصين، فيتعلق به
أحكام بعضها، يرجع إلى نفس الماء، وبعضها / يرجع إلى الشرب، وبعضها يرجع إلى النهر.
أما الذي يرجع إلى نفس الماء، فهو أنه غير مملوك لأحد؛ لما ذكرنا أن الماء خلق مباح
الأصل بالنص، وإنما يأخذ حكم الملك بالإحراز بالأواني، فلا يجوز بيعه لعدم الملك.
وَلَوْ قال: اسقني يومًا من نهرك، عَلَى أَنْ أسقيك يومًا من نهر كذا، لا يجوز؛ لأن هذا
مبادلة الماء بالماء، فيكون بيعًا أو إجارة الشرب بالشرب، وكل ذلك لا يجوز، ولا تجوز
إجارته؛ لأَنَّ الإجارةَ تمليك المنفعة، لا تمليك العين بمنافعها ليست بمملوكة.
ولو استأجر خَوْضاً أو بئرًا ليسقي منه ماء، لا يجوز؛ لأن هذا استئجار الماء؛ وكذا لو
استأجر النهر ليصيد منه السمك؛ لأن هذا استئجار السمك؛ وكذا لو استأجر أجمة ليختطب؛
لأن هذا استئجار الحطب، والأعيان لا تحتمل الإجارة، وليس لصاحب النهر أن يمنع من
الشفة، وهو شرب الناس والدواب، وله أن يمنع من سقي الزرع والأشجار؛ لأن له فيه حقًّا
خاصًّا، وفي إطلاق السقي إبطال حقه، لأن كل أحد يتبادر إليه فيسقي منه زرعه وأشجاره،
فيبطل حقه أصلاً.
ولو أذن بالسقي والنهر خاصّ له، جاز؛ لأنه أبطل حق نفسه.
وأما الذي يرجع إلى الشرب، فهو أنه لا يجوز بيعه منفردًا؛ بأن باع شرب يوم أو أكثر؛
لأنه عبارة عن حق الشرب والسقي، والحقوق لا تحتمل الإفراد بالبيع والشراء، ولو اشترى به
دارًا وعبدًا وقبضهما، لزمه رد الدار والعبد؛ لأنه مقبوض بحكم عقد فاسدٍ فكان واجب الرد؛
كما في سائر البياعات الفاسدة، ولا شيء على البائع بما انتفع به من الشرب.
ولو باع الأرض مع الشرب، جاز تبعًا للأرض، ويجوز أن يجعل الشيء تبعًا لغيره، وَإن
كان لا يجعله مقصودًا بنفسه كأطراف الحيوان، ولا يدخل الشرب في بيع الأرض إلاَّ بالتسمية

٢٩٦
كتاب الشرب
صريحًا، أو بذكر ما يدل عليه؛ بأن يقول بعتها بحقوقها أو بمرافقها، أو كل قليل وكثير هو لها
داخلٌ فيها وخارجٌ عنها من حقوقها، فإن لم يذكر شيئًا من ذلك لا يدخل؛ لأن اسم الأرض
بصيغته وحروفه لا يدلُّ على الشرب، ولا تجوز إجارته مفردًا؛ لأن الحقوق لا تحتمل الإجارة
على الانفراد؛ كما لا تحتمل البيع؛ وَكَذَا لو جعله أجرة في إجارة الدار والعبد ونحو ذلك، لا
يجوز؛ لأن الأجرة في باب الإجارة كالثمن في باب البيع، وأنه لا يصلح ثمنًا في البياعات،
فلا يصلح أجرة في الإجارات، ولو انتفع بالدار والعبد، لزمه أجر مثله؛ لأنه استوفى منفعة
المعقود عليه عقدًا فاسدًا، فيلزمه أجرة المثل؛ كما فى سائر الإجارات الفاسدة.
ولو استأجر الأرض مع الشرب، جاز تبعًا للأرض؛ كما في البيع؛ على ما ذكرنا ولو
استأجر أرضًا ولم يذكر الشرب والمسيل أصلاً، فالقياس أن لا يكون الشرب والمسيل في
البيع .
وفي الاستحسان كَانًا له ويدخلاً تحت إجارة الأرض من غير تسمية نصًّا لوجودها دلالة؛
لأن الإجارة تمليك المنفعة بعوض، ولا يمكن الانتفاع بالأرض بدون الشرب، فيصير الشرب
مذكورًا بذكر الأرض دلالةً؛ بخلاف البيع؛ لأن البيع تمليك العين، والعين تحتمل الملك
بدونه، ولا تجوز هبته والتصدق به؛ لأن كل واحد منهما تمليك، والحقوق المفردة لا تحتمل
التمليك، ولا يَجُوز الصلح عليه؛ بأن صالح من دعوى على شرب، سواء كان دعوى المال أو
الحق من القصاص في النفس وما دونه؛ لأن الصلح في معنى البيع، إلا أنه يسقط القصاص،
ويكون الصلح؛ كأنه على العفو؛ لما ذكرنا في ((كتاب الصلح))؛ ولأن صورة الصلح أورثت
شبهة، والقصاص لا يستوفي مع الشبهات، وتجب على القاتل والجارح الدية وأرش الجناية،
ولا تصح تسميته في ((باب النكاح))؛ بأن تزوج امرأةً عليه وعلى الزوج مهر المثل؛ لأن النكاح
تصرف تمليك، وأنه لا يحتمل التمليك، وإذا لم تصح التسمية يجب العوض الأصلي، وهو
مهر المثل، ولا تصح تسميته في الخلع؛ بأن اختلعت المرأة من نفسها عليه، وعليها رد
المأخوذ من المهر؛ لأن تسميته في معرض التمليك إن لم يصح فهو مال؛ لكونه مرغوبًا فيه،
فمن حيث إنه لم يحتمل التمليك لم يصلح بدل الخلع، ومن حيث هو مال مرغوب فيه في
نفسه لم يبطل ذلك أصلاً، فيظهر في وجوب رد المأخوذ، وهذا أصلي في باب الخلع،
محفوظ أنه شيء تعذر تسليم البدل المذكور؛ وهو مال مرغوب في نفسه، يجب عليها رد
المأخوذ من المهر ومورثه؛ لأن الإرث لا يقف على الملك لا محالة، بل يثبت في حق المال
كما يثبت في الملك؛ كخيار العيب ونحو ذلك، ويوصي به؛ حتى لو أوصى الرجل أن يسقي
أرضه مدة معلومةً من شربه، جازت الوصية، وتعتبر من الثلث؛ لأن الوصية وإن كان تمليكاً
لكنها تمليك بعد الموت.

٢٩٧
کتاب الشرب
ألا ترى أن الموصى له لا يملك الموصى به في الحال. وَإنما يملك بعد الموت، فأشبه
الميراث، فإذا احتمل الإرث احتمل الوصية التي هي أخت الميراث.
وإذا مات الموصى له تبطل الوصية حتى لا تصير ميراثًا لورثة الموصى له؛ لأن الشرب
ليس بعين مالٍ، بل هو حق مالي وشبه الخدمة، ثم الوصية بالخدمة تبطل بموت الموصى له،
ولا تصير ميراثًا؛ فكذلك الوصية بالشرب، وَلَوْ أَوْصَى أن يتصدق بالشرب على المساكين لم
يصح؛ لأنه لما لم يحتمل التمليك بالتصدق استوى فيه الحال والإضافة إلى ما بعد الموت
بالوصية، ويسقى كل واحد من الشركاء على قدر شربه.
وَلَوِ اخْتَلَفَا في قدر الشرب ولا بينة لأحدهم، تحكم الأراضي فيكون الشرب بينهم على
قدر أراضيهم، ولا يعتبر عدد الرؤوس؛ بخلاف الجماعة إذا اختلفوا في طريق مشترك بينهم؛
أنه لا تحكم فيه بقعة الدار، بل يعتبر فيه عدد الرؤوس؛ وإنما كان كذلك لاختلاف المقصود؛
إذ المقصود من الشرب السقي، والسقي يختلف باختلاف الأراضي، والمقصود من الطريق هو
المرور، وأنه لا يختلف باختلاف الدور.
وَلَوْ كان الأعلى منهم لا يشرب ما لم يسكر النهر عن الأسفل؛ بأن كانت أرضه ربوة -
لم يكن له ذلك، ولكن يشرب بحصته؛ لأن في سكر النهر حتى يشرب الأعلى منع الأسفل من
الشرب، وهذا لا يجوز إلا إذا تراضيا على أن يسكر كل في نوبته فيجوز.
ولو أراد أحد الشركاء أن ينصب على النهر المشترك رَحَى أو دالية أو سانية، نظر فيه،
فإن كان لا يضر بالشرب والنهر، وكان موضع البناء أرض صاحبه، وإلا فلا؛ لأن رقبة النهر
وموضع البناء ملك بين الجماعة على الشركة، وحق الكل متعلق بالماء، ولا سبيل إلى التصرف
في الملك المشترك والحق المشترك إلاَّ برضا الشركاء.
وأما الذي يرجع إلى النهر، فالأصل فيه أنَّ النهر الخاص لجماعة لا يملك أحدهم
التصرف فيه من غير رضا الباقين، سواء أضرَّ بهم التصرف أو لا؛ لأن رقبة النهر مملوكة لهم،
وحرمة التصرف في المملوك لا تقف على الإضرار بالمالك، حتى لو أراد واحد من الشركاء أن
يحفر نهرًا صغيرًا من النهر المشترك، فيسوق الماء إلى أرض أحياها، ليس لها منه شرب، ليس
له ذلك إلا برضاهم؛ لأن الحفرَ تصرف في محلٌ مملوك على الشركة من غير رضاهم، فيمنع
عنه .
وكذلك لو كان هذا النهر يأخذ الماء من النهر العظيم، فأراد واحد أن يزيد فيها كوة من
غير رضا الشركاء، ليس له ذلك، وإن كان ذلك لا يضرهم؛ لأن ذلك تصرفهم في النهر بإجراء
زيادة ماء فيه من غير رضاهم، فيمنع عنه.

٢٩٨
كتاب الشرب
ولو أراد أَنْ ینصب علیه رحى؛ فإن كان موضع البناء مملوكًا له والماء يدير الرحى على
سيبه، له ذلك وإن كان موضع البناء مشتركًا، أو تقع الحاجة إلى تعريج الماء ثم الإعادة، ليس
له ذلك؛ لما فيه من الضرر بالشركاء بتأخير وصول حقهم إليهم بالتعريج؛ كما إذا حفر نهرًا في
أرضه، وأراد أن يعرج الماء إليه، ثم يعيده إلى النهر؛ وكذلك لو أراد أحدهم أن ينصب دالية
أو سانية، فهو على هذا التفصيل، وليس لأحدهم أن يضع قنطرة على هذا النهر من غير
رضاهم؛ لأن القنطرة تصرف في حافتي النهر وفي هواء، وكل ذلك مشترك.
وَلَوْ كَانَ النهر بين شريكين له خمس كوى من النهر الأعظم، ولأحد الشريكين أرض في
أعلى النهر، وللآخر أرض في أسفله، فأراد صاحب الأعلى أن يسد شيئًا من تلك الكوی؛ لما
يدخل من الضرر في أرضه - ليس له ذلك إلاَّ برضا شريكه؛ لأنه يتضرر به شريكه، فلا يجوز
له دفع الضرر عن نفسه بإضرار غيره، إن أراد أن يتهاياً حتى يسد في حصته ما شاء، لم يكن له
ذلك إلا برضا الشريك؛ لما قلنا، وإن تراضيا على ذلك زمانًا، ثم بدا لصاحب الأسفل أن
ينقض، فله ذلك؛ لأن المراضاة على ما لا يحتمل التمليك تكون مهايأة، وأنها غير لازمة.
ولو کان النهر بین رجلین له کوی، فأضاف رجل أجنبي إليها كوة، وحفر نهرًا منه إلى
أرضه برضا منهما، ومضى على ذلك زمان، ثم بدا لأحدهما أن ينقض، فله ذلك؛ لأن العارية
لا تكون لازمة؛ وكذلك لو مات لورثتهما أن ينقضوا ذلك؛ لما قلنا.
وَلَو كان نهر بين جماعة يأخذ الماء من النهر الأعظم، ولكل رجل نهر من هذا النهر،
فمنهم مَنْ له كوتان، ومنهم من له ثلاث كوى، فقال صاحب الأسفل لصاحب الأعلى: إنكم
تأخذون أكثر من نصيبكم؛ لأن دفعة الماء وكثرته في أول النهر، ولا يأتينا إلاَّ وهو قليل،
فأرادوا المهاياة أيامًا معلومة، فليس لهم ذلك ويترك الماء والنهر على حاله؛ لأن ملكهم في
رقبة النهر لا في نفس الماء.
وَلَوْ أراد واحدٌ منهم أن يوسع كوة نهره، لم يكن له ذلك؛ لأنه يدخل فيها الماء زائدًا
على حقه، فلا يملك ذلك، ولو حفر في أسفل النهر جاز، ولو زاد في عرضه لا يجوز؛ لأن
الكوى من حقوق النهر، فيملكه بملك النهر؛ بخلاف الزيادة في العرض.
ولو كان نهر يأخذ الماء من النهر الأعظم بين قوم، فَخَافُوا أن ينبثق، فأرادوا أن
يحصنوه، فامتنع بعضهم عن ذلك، فإن كان ضررًا عامًّا يجبرون على أن يحصنوه بالحصص،
وَإن لم يكن فيه ضرر عام لا يجبرون عليه؛ لأنَّ الانتفاع متعذر عند عموم الضرر، فكان الجبر
على التخصيص من باب دفع الضرر عن الجماعة، فجاز، وإذا لم يكن الضرر عامًّا يمكن
الانتفاع بالنهر، فكان الجبر بالتخصيص جبرًا عليه لزيادة الانتفاع بالنهر؛ وهذا لا يجوز.

٢٩٩
كتاب الشرب
ولو كان نهر لرجل ملاصق لأرض رجل، فاختلف صاحب الأرض والنهر في مسناة،
فالمسناة لصاحب الأرض عند أبي حنيفة - رحمه الله - له أن يغرس فيها طينة، ولكن ليس له
أن يهدمها .
وعند أبي يوسف ومحمد: المسناة لصاحب النهر حريمًا لنهره، وله أن يغرس فيها،
ويلقي طينه، ويجتاز فيها.
وَإِنْ لم يكن ملاصقًا، بل كان بين النهر والأرض حائل من حائط ونحوه، كانت المسناة
لصاحب النهر بالإجماع، وبعض مشايخنا بنوا هذا الاختلاف على أن النهر هل له حريم أم لا؛
بأنْ حفر رجل نهرًا في أرض موات بإذن الإمام، عند أبي حنيفة لا حريم له، وعندهما له
حریم.
وَوَجْهُ البناء عليه أنه لما لم يكن للنهر حريم عند أبي حنيفة، كان الظاهر شاهدًا لصاحب
الأرض، فكان القول قوله، ولما كان له حريم عندهما، كان الظاهر شاهدًا لصاحب النهر،
فيكون القول قوله.
وبعضُهم لم يصححوا البناء وقالوا لا خلاف أن للنهر حريمًا في أرض الموات؛ لأَنَّ للبئر
والعين حريمًا فيها بالإجماع، وقد روى عليه الصلاة والسلام أنه جعل لهما حريمًا لحاجتهما
إلى الحفر؛ لتعذر الانتفاع بها بدون الحفر؛ لأنَّ حاجةً النهر إلى الحريم كحاجة البئر والعين،
بل أشد، فَكَانَ جعلُ الشرع للبئر والعين حريمًا جعلاً للنهر من طريق الأولى، دَلَّ أن البناء على
هذا الأصل غير صحيح، فكان هذا خلافًا مبتدأ .
وجه قولهما إنه لما كان للنهر حريم بالاتفاق، كان الظاهر شاهدًا لصاحب النهر، فيجب
العمل بالظاهر، حتى يقول الدليل بخلافه، ولهذا كان القول قول صاحب البئر والعين عند
الاختلاف؛ كذا هذا.
ولأبي حنيفة أن المسناة إذا كانت مستوية بالأرض، فالظاهر أنها ملك صاحب الأرض؛
إذ لو كانت حريمًا للنهر لكانت مرتفعة، لكونها ملقى طينه، فكان الظاهر شاهداً لصاحب
الأرض، إلاَّ أنه لا يملك هدمها؛ لتعلق حق صاحب النهر بها، وفي الهدم إبطاله، ويجوز أن
يمنع الإنسان من التصرف في ملكه؛ لتعلق حق الغير كحائط لإنسان عليه جذوع لغيره، فأراد
هدم الحائط، يمنع منه؛ كذا هذا.
ثم كري النهر المشترك على أصحاب النهر، وَلَيْسَ عَلى أصحاب الشفة في الكري شيءٌ؛
لأن هذا من حقوق الملك، ولا ملك لأهل الشفة في رقبة النهر، بل لهم حق شرب الماء
والسقي للدواب فقط .

٣٠٠
كتاب الشرب
واختلف في كيفية الكري عليهم، قال أبو حنيفة: عليهم أن يكروا من أعلاه، وَإذا
جاوزوا أرض رجل دفع عنه، وكان الكري على من بقي.
وقال أبو يوسف ومحمد: الكري عليهم جميعًا، من أوله إلى آخره بحصص الشرب
والأراضي؛ حتى أنَّ النهر لو كان بين عشرة أنفس أراضيهم عليه، لأخر كرى/ فوهة النهر إلى
أن يجاوز شرب أولهم بينهم على عشرة أسهم، على كل واحد منهم العشر، فإذا جاوزوا شرب
الأول، سقط عنه الكري، وَكَانَ على الباقين على تسعة أسهم، فإذا جاوزوا شرب الثاني سقط
عنه الكري، وكان على الباقين على ثمانية أسهم هكذا، وهذا عند أبي حنيفة، وأما عندهما
فالكري بينهم على عشرة أسهم من أعلى النهر إلى أسفله.
وجه قول أبي حنيفة إن الكري من حقوق الملك، والملك في الأعلى مشترك بين الكل
من فوهة النهر إلى شرب أولهم، فَكَانَتْ مؤنته على الكل، فأما بعده فلا ملك لصاحب الأعلى
فيه، إنما له حق، وهو حق تسييل الماء فيه، فكانت مؤنته على صاحب الملك، لا على
صاحب الحق، ولهذا كانت مؤنة الكرى على أصحاب النهر، ولا شيء على أهل الشفة؛ لأنَّ
الملك لأصحاب النهر، ولأهل الشفة حق الشرب وسقي دوابهم، وكذا كل من كان له ميل
على سطح مملوك لغيره، فكانت غرامته على صاحب السطح لا عليه؛ لما قلنا.
وَأمَّا الأنهار العظام؛ كسيحون، ودجلة، والفرات، ونحوها، فلا ملك لأحد فيها ولا في
رقبة النهر، وكذا ليس لأحد حق خاص فيها ولا في الشرب، بل هو حق لعامة المسلمين،
فَلِكُلِّ أحد أن ينتفع بهذه الأنهار بالشفة والسقي وشق النهر منها إلى أرضه؛ بأنْ أَخْيَا أرضًا ميتة
بإذن الإمام، له أن يشق إليها نهرًا من هذه الأنهار، وليس للإمام ولا لأحد منعه إذا لم يضر
بالنهر؛ وكذا له أن ينصب عليه رحى ودالية وسانية، إذا لم يضر بالنهر؛ لأن هذه الأنهار لم
تدخل تحت يد أحد، فلا يثبت الاختصاص بها لأحد، فكان الناس فيها كلهم على السواء،
فكان كل واحد بسبيل من الانتفاع، لكن بشريطة عدم الضرر بالنهر؛ كالانتفاع بطريق العامة،
وَإِن أضر بالنهر فلكلِّ واحد من المسلمين منعه، ما بينا أنه حق لعامة المسلمين، وإباحة
التصرف في حقهم مشروطة بانتفاء الضرر؛ كالتصرف في الطريق الأعظم.
وسئل أبو يوسف عن نهر مرو، وهو نهر عظيم أَخْيَا رجل أرضًا كانت مواتًا فحفر لها
نهرًا فوق مرو من موضع ليس يملكه أحدٌ، فساق الماء إليها من ذلك النهر، فقال أبو يوسف:
إن كان يدخل على أهل مرو ضررٌ في مائهم، ليس له ذلك، وإن كان لا يضرهم فله ذلك،
وليس لهم أن يمنعوه؛ لما قلنا.
وَسُئل أيضًا: إذا كان لرجل من هذا النهر كوى معروفة، هل له أن يزيد فيها؟ فقال: إن
زاد في ملكه، وذلك لا يضر بأهل النهر، فله ذلك، ولو كان نهر خاص لقوم يأخذ الماء من
هذا النهر، فأراد واحدٌ منهم أن يزيد كوة، لم يكن له ذلك، وإن كان لا يضر بالنهر.