النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ كتاب المضاربة للمضارب حصة ضمها إلى أقل الثمنين، وإذا اشترى رب المال من المضارب يبيعه على أقل الثمنين، ويضم إليه حصة المضارب. ولو كان [رب المال](١) اشتراه بخمسمائة ثم باعه من المضارب بألفين، فإن المضارب يبيعه بألف، خمسمائة رأس المال وخمسمائة حصة المضارب من الألفين؛ لأن نصيب رب المال من الثمن ألف وخمسمائة، فتسقط الزيادة فيها على رأس المال وهو ألف، ويبقى من نصيب رب المال خمسمائة ونصيب المضارب خمسمائة، ورب المال فيها كالأجنبي فيبيعه مرابحة على ألف. ولو كان المضارب اشتراه بألف ثم باعه من رب المال بألفين، باعه رب المال بألف وخمسمائه؛ لأن الألف رأس مال رب المال، وخمسمائة نصيب المضارب، ورب المال فيها كالأجنبيّ، وخمسمائة نصيب رب المال، فيجب إسقاطها. قال ابن سماعة: وروي عن أبي يوسف أنه قال - وهو قوله الآخر - إن رب المال إذا اشترى عبداً بعشرة آلاف، ثم باعه من المضارب بمائة، باعه المضارب مرابحة على مائة، وكذلك لو اشترى المضارب بعشرة آلاف فباعه من رب المال بمائة، باعه رب المال مرابحة على مائة، لأن البيع على أقل الثمنين لا تهمة فيه؛ ولأنه اشتراه بأقل الثمنين، فلا يجوز أن يزيد على الثمن الذي اشتراه . فإن قيل: كيف يجوز للمضارب الحط على قول أبي يوسف؟ فالجواب: أنه إنما لا يجوز له حطه عند أبي يوسف ومحمد لحقُ رب المال، فإِذا باعه من رب المال وحط، فقد رضي رب المال بذلك، فجاز. وأما على قول أبي يوسف الأول الذي أشار إليه ابنُ سماعة فهو أن الحط لا يجوز؛ لأنه قال إذا كان رأس المال ألفاً فريح فيه ألفاً ثم اشترى بألفين جارية ثم باعها من رب المال بألف وخمسماية؛ فإنَّ رَبَّ المال يبيعها مرابحة على ألف وسبعماية وخمسين، لأن المضارب حط من الثمن خمسماية، نصفها من نصيبه ونصفها من مال المضاربة، وهو يملك الحط في حق نصيبه ولا يملك ذلك في مال المضاربة في قول أبي يوسف ومحمد، فلم يصح حط نصيب رب المال؛ فلذلك باع مرابحة على ألف وسبعماية وخمسين، فينبغي على هذا القول إذا باع مرابحة أن يقول قامت(٢) علي بكذا، ولا يقول اشتريتها(٣) بكذا؛ لأن الزيادة لحقت بالثمن حكماً، والشراء ينصرف إلى ما وقع العقد به، والصحيحُ قوله الأخير، لما ذكرنا أنَّ عدم جواز (١) في أ: المضارب. (٣) في ط: اشتريته. (٢) في ط: قام. ٦٢ كتاب المضاربة الحط في مال المضاربة لحق رب المال، فإذا اشترى هو فقد رضي بذلك، فكأنه أذن للمضارب أن يبيعه بنقصان لأجنبي. وذكر محمد في ((كتاب المضاربة)): لو اشترى ربُّ المال عبداً بألف، فباعه من المضارب بألفين، ألف رأس المال وألف ربح، فإن المضارب يبيعه مرابحة على ألف وخمسمائة، يسقط من ذلك ربح رب المال، ويبيع على رأس المال وربح المضارب، لما بَيَّنا. ولو كان رب المال اشترى العبد بخمسمائة، والعبد يساوي ألفين، فباعه من المضارب بألفين، فإن المضارب يبيعه مرابحة على ألف، لأن رأس المال خمسمائة، ونصيب المضارب من المال خمسمائة، وما سوى ذلك ربح رب المال، فلا يثبت حكمه؛ على ما بينا فيما تقدم، ٢٦٩/٢ ب إلاَّ أن يبين الأمر على وجهه فيبيعه كيف شاء؛ لأن المانع من البيع بجميع/ الثمن التهمة، فإذا بين فقد زالت التهمة، فيجوز البيع. ولو اشتراه رب المال بألف، وقيمتُه ألف، فباعه من المضارب بألفين، ألف مضاربة وألف ربح؛ فإن المضارب يبيعه مرابحة على الألف؛ لأنه لما اشترى ما قيمته ألف، ذهب ربحه، فلم يبق له في المال حصة، وصار كأنه(١) مال رب المال فباعه على رأس ماله. وَلَوْ كان رب المال اشتراه بخمسمائة، والمسألة بحالها(٢)؛ فإن المضارب يبيعه مرابحة على خمسمائة؛ لأنه لم يبق للمضارب حصة، فصارا شراء مال رب المال بعضه ببعض، فيبيعه على رأس المال الأول، ولو كان رب المال اشتراه بألفين، وقيمتُه ألف، فباعه من المضارب بألفين؛ فإن المضارب يبيعه بألف ولا يبيعه على أكثر من ذلك؛ لأن قيمته ألف، فليس فيه ربح للمضارب يبيعه عليه؛ ولأنَّ رب المال لما باعه بألفين ما يساوي ألفاً وهما متهمان في حق ألف(٣) في العقد، فصار كأنه أخذ ألفاً لا على طريق البيع، وباعه العبد بألف فلا يبيعه بأكثر من ذلك، ولو كان العبد يساوي ألفاً وخمسمائة، والمسألة بحالها، وقد اشتراه بألف وأراد المضارب أن يبيعه مرابحة، باعه مرابحة على ألف ومائتين وخمسين، لأن في العبد ربحاً للمضارب، ونصيبه من الربح هو مع رب المال فيه كالأجنبيٍّ، فيبيعه على أقل الثمنين مع حصة المضارب من الربح. وذكر محمد في الأصل: إذا اشترى المضارب عبداً بألف درهم مضاربةً، فباعه من رب المال بألفين، ثم إن رَبَّ المال باعه من أجنبي مساومة بثلاثة آلاف درهم، ثم اشتراه المضارب من الأجنبيِّ بألفي درهم، فأراد أن يبيعه مرابحة، لم يجز له ذلك في قول أبي حنيفة (١) في أ: كله. (٢) في أ: على. (٣) في ط: الغير. ٦٣ كتاب المضاربة - رحمه الله - إلاَّ أن يبين الأمر على وجهه، وفي قول أبي يوسف ومحمد يبيعه مرابحة على ألفين. وهذه فريعة مسألة أخرى مذكورة في البيوع، وهي ما إذا اشترى شيئاً فربح فيه ثم ملكه بشراء آخر، فأراد أن يبيعه مرابحة؛ فإن عند أبي حنيفة يسقطُ الربح، ويعتبر ما مضى من العقود، وفي مسألتنا قد ربح فيه ربُّ المال ألفي درهم؛ لأن المضارب لمَّا اشتراه بألف وباعه من رب المال بألفين، فنصف ذلك الربح لرب المال وهو خمسماية، فلما باعه رب المال بثلاثة ألاف، فقد ربح فيه ألفاً وخمسماية؛ لأنه قام عليه بألف وخمسماية مقدار رأس المال، ونصيب المضارب من الربح إذا ضم إلى ذلك فقد ربح ألفين، فإذا اشتراه المضارب بألفين وجب أن يطرح الألفين من رأس المال، فلا يبقى شيء، ولهذا لم يجز البيع مرابحة إلاّ بعد أن يبين. وأما على قولهما فإنَّما يعتبر العقد الأخير خاصة، فالربح في العقد الأول لا يحط من(١) الثاني فيبيعه مرابحة على جميع الألفين. ولو اشترى المضارب عبداً بألف، فباعه من رب المال بألف وخمسماية، ثم باعه رب المال من أجنبيٍّ بألف وستماية، ثم إن المضارب اشتراه من الأجنبي بألفي درهم، فأراد أن يبيعه مرابحة، باعه على ألف وأربعماية، على قول أبي حنيفة، لأن ربَّ المال قد ربح فيه ستماية. ألا ترى أن المضارب لما اشتراه بألف باعه من رب المال بألف وخمسماية، فنصيب رب المال من الربح مائتان وخمسون، وكان رب المال اشترى بألف ومايتين وخمسين رأس المال وحصة المضارب، فَلَمَّا باعه بألف وستماية، فقد ربح ثلثماية وخمسين، وقد كان ربح مايتين وخمسين بربح المضارب، فوجب أن يحط ذلك المضارب من الثمن، فيبقى ألف وأربعماية، ولو اشترى المضارب عبداً بألف فولاه رب المال، ثم إن رب المال باعه من أجنبيٍّ بألف وخمسماية، ثم إن المضارب اشتراه من الأجنبي مرابحة بألفين. ثم إن رب المال لما حط من الأجنبي ثلثماية، فإن الأجنبي يحط من المضارب أربعماية؛ لأن رَبَّ المال لما حط من الأجنبي ثلثماية استند ذلك الحط إلى العقد، فكأن ذلك المقدار لم يكن، فيطرح من رأس المال وتطرح حصته من الربح، وقد كان الأجنبي ربح مثل ثلث الثمن، فيطرح مع الثلثماية ثلثها، فيصير الحط عن المضارب أربعماية، فإن أراد المضارب أن يبيع هذا العبد مرابحة، باعه على ألف ومايتين؛ لأن رب المال ربح أربعماية. (١) في ط: عن. ٦٤ كتاب المضاربة ألا ترى أنه لو باعه من الأجنبي فربح خمسماية، ثم حط عنه ثلثماية، وهذا الحط من رأس المال والربح جميعاً؛ مايتين من رأس المال وماية من الربح، فلما سقط من الربح مايةٌ يبقى الربح أربعماية، فلما اشتراه المضارب بألفين ثم حط عنه أربعماية، صار شراؤه بألف وستماية، فيطرح عنه مقدار ما ربح فيه رب المال؛ وهو أربعماية، فيبيعه على ما بقي، وتجوز المرابحةُ بين المضاربين كما تجوز بين المضارب ورب المال. ١٢٧٠/٢ قال محمدٌ في الأصل: إذا دفع الرجل إلى رجل ألفَ درهم مضاربةً بالنصف، ودفع إلى رجل آخر ألف درهم مضاربة بالنصف/ فاشترى أحد المضاربين عبداً بخمسماية من المضاربة، فباعه من المضارب الآخر بألف، فأراد الثاني أن يبيعه مرابحة، باعه على خمسماية، وهو أقل الثمنين؛ لأن مال المضاربين لرجل واحد، فصار بيع أحدهما من الآخر في حق الأجانب كبيع الإنسان ملكه(١) بماله، فيبيعه مرابحة على أقل الثمنين. ولو باعه الأول من الثاني بألفين، ألف من المضاربة وألف من مال نفسه، فإن الثاني يبيعه مرابحة على ألف ومايتين وخمسين؛ لأن الثاني اشترى نصفه لنفسه [بألف] (٢) وقد كان الأول اشترى ذلك النصف بمايتين وخمسين، فيبيعه الثاني مرابحة على ألف؛ لأنه لا نصيب لواحد منهما في شراء صاحبه، فصارا كالأجنبيين، فأما النصف الذي اشترى الثاني بألف المضاربة، فقد كان الأول اشتراه بمايتين وخمسين؛ وهو مال واحد، فيبيعه على أقل الثمنين. ولو كان الأول اشتراه بألف المضاربة، فباعه من الثاني بألفين للمضاربة؛ ألف رأس المال وألف ربح، فإن الثاني يبيعه مرابحة بألف وخمسماية، لأنه يبيعه على أقل الثمنين وعلى حصته من الربح، وأقل الثمنين ألف، وحصة المضارب [من الربح](٣) خمسماية، ولو كان الأول اشتراه بخمسماية والمسألة بحالها، باعه الثاني على ألف؛ لأن أقل الثمنين خمسماية، وحصة المضارب خمسماية، فيبيعه مرابحة على أقل الثمنين، وحصة من الربح، والربح في المضاربة بينهما على الشرط، والوضيعة على رب المال، والقول قولُ المضارب في دعوى الهلاك؛ لأن المال أمانة في يده. وأَمَّا الذي يستحقه المضارب بالعمل، فالذي يستحقه بعمله في مال المضاربة شيئان: أحدُهما النفقة، والكلام في النفقة في مواضع: في [بيان](2) وجوبها، وفي شرط الوجوب، وفيما فيه النفقة، وفي تفسير النفقة، وفي قدرها، وفيما تحتسب النفقة منه. أما الوجوب؛ فلأن الربح في باب المضاربة يحتمل الوجود والعدم، والعاقل لا يسافر (١) في أ: ماله. (٢) سقط في ط. (٣) سقط في ط. (٤) سقط في ط. ٦٥ كتاب المضاربة بمال غيره لفائدة تحتمل الوجود والعدم، مع تعجيل النفقة من مال نفسه، فلو لم تجعل نفقته من(١) مال المضاربة لامتنع الناس من قبول المضاربات، مع مساس الحاجة إليها، فكان إقدامهما على هذا العقد والحال ما وصفنا - إذناً من رب المال للمضارب بالإنفاق من مال المضاربة، فكان مأذوناً في الإنفاق دلالةً، فصار كما لو أذن له به نصًّا؛ ولأنه يسافر لأجل المال لا على سبيل التبرع ولا ببدل واجب له لا محالة، فتكون نفقته في المال بخلاف المبضع لأنه(٢) يسافر بمال الغير على وجه التبرع، وبخلاف الأجير لأنه يعمل ببدل لازم في ذمة المستأجر لا محالة، فلا يستحق النفقة، وهكذا روى ابن سماعة عن محمد في الشريك إذا سافر بالمال أنه ينفق من المال كالمضارب. وَأَمَّا شرط الوجوب فخروج المضارب بالمال من المصر الذي أخذ المال منه مضاربة، سواء كان المصر مصره أو لم يكن، فما دام يعمل به في ذلك المصر فإن نفقته في مال نفسه، لا في مال المضاربة، وإن أنفق شيئاً منه ضمن؛ لأن دلالة الإذن لا تثبت في المصر. وكذا إقامته في الحضر لا تكون لأجل المال؛ لأنه كان مقيماً قبل ذلك، فلا يستحق النفقة ما لم يخرج من ذلك المصر؛ سواء كان خروجه بالمال مدة سفر أو أقل من ذلك؛ حتى لو خرج من المصر يوماً أو يومين، فله أن ينفق من مال المضاربة. كذا ذكر محمد عن نفسه، وعن أبي يوسف [من مكان المضاربة لوجود الخروج من المصر](٣) لأجل المال، وإذا انتهى إلى المصر الذي قصده، فإن كان ذلك مصر نفسه أو كان له في ذلك المصر أهلٌ، سقطت نفقته حين دخل(٤)؛ لأنه يصير مقيماً بدخوله فيه، لا لأجل المال وإن لم يكن ذلك مصره، ولا له فيه أهل، لكنه أقام فيه للبيع والشراء، لا تسقط نفقته ما أقام فيه، وإن نوى الإقامة خمسة عشر يوماً فصاعداً ما لم يتخذ ذلك المصر الذي هو فيه دار إقامة؛ لأنه إذا لم يتخذه دار إقامة، كانت إقامته فيه لأجل المال، وإن اتخذه وطناً كانت إقامته للوطن لا للمال، فصار كالوطن الأصلى، فنقول الحاصل أنه لا تبطل نفقة المضاربة بعد المسافرة بالمال إلا بالإقامة في مصره أو في مصر يتخذه دار إقامة، لما قلنا. وَلَوْ خرج من المصر الذي دخله للبيع والشراء بنية العود إلى المصر الذي أخذ المال فيه مضاربة، فإن نفقته من مال المضاربة حتى يدخله، فإذا دخله فإن كان ذلك مصره أو كان له فيه أهل، سقطت نفقته، وإلاَّ فَلاَ، حتى(٥) لو أخذ المضارب مالاً بالكوفة وهو من أهل البصرة، (١) في أ: في. (٢) في ط: لا. (٣) بدل ما بين المعكوفين في أ: في كتاب المضاربة لو خرج من المصر. (٤) في ط: دخل . (٥) في أ: و. بدائع الصنائع ج٨ - ٥٢ ٦٦ كتاب المضاربة وكان قد قدم الكوفة مسافراً، فلا نفقة له في المال ما دام بالكوفة؛ لما قلنا، فإذا خرج منها ٢٧٠/٢ب مسافراً فله النفقة حتى يأتي البصرة؛ لأن/ خروجه لأجل المال، ولا ينفق من المال ما دام بالبصرة؛ لأن البصرة وطن أصلي له، فكان إقامته فيها لأجل الوطن، لا لأجل المال، فإذا خرج من البصرة له أن ينفق من المال حتى يأتي الكوفة؛ لأن خروجه من البصرة لأجل المال. وله أن ينفق أيضاً ما أقام(١) بالكوفة حتى يعود إلى البصرة؛ لأن وطنه بالكوفة كان وطن إقامة، وأنه يبطل بالسفر، فإذا عاد إليها وليس له وطنٌ، فكان(٢) إقامته فيها لأجل المال، فكان نفقته فيه، وكل مَنْ كان مع المضارب ممن يعينه على العمل، فنفقته من مال المضاربة، حُرًّا كان أو عبداً أو أجيراً يخدمه أو يخدم دابته؛ لأن نفقتهم كنفقة نفسه؛ لأن لا يتهيأ له السفر إلا بهم، إلا أن يكون معه عبيد لرب المال بعثهم ليعاونوه، فلا نفقة لهم في مال المضاربة، ونفقتهم على رب المال خاصة، لأن إعانة عبد رب المال كإعانة رب المال بنفسه، ورب المال لو أعان المضارب بنفسه في العمل لم تكن نفقته في مال المضاربة؛ كذا عبيده. فأما عبد المضارب فهو كالمضارب، والمضارب إذا عمل بنفسه في المال أنفق عليه منه؛ كذا عبده. وأما [بيان](٣) ما فيه النفقة فالنفقة في مال المضاربة، وله أن ينفق من مال نفسه ما له أن ينفق من مال المضاربة على نفسه، ويكون ديناً في المضاربة، حتى كان له أن يرجع فيها؛ لأن الإنفاق من المال وتدبيره إليه، فكان له أن ينفق من ماله ويرجع به على مال المضاربة، كالوصيّ إذا أنفق على الصغير من مال نفسه؛ أن (٤) له أن يرجع بما أنفق على مال الصغير لما قلنا؛ كذا هذا له أن يرجع بما أنفق في(٥) مال المضاربة، لكن بشرط بقاء المال، حتى لو هلك المال لم يرجع على رب المال بشيءٍ؛ كذا ذكر محمد في المضاربة؛ لأن نفقة المضاربة من مال المضاربة، فإذا هلك هلك بما فيه؛ كالدين يسقط بهلاك الرهن، والزكاة تسقط بهلاك النصاب، وحكم الجناية يسقط بهلاك(٦) العبد الجاني. وأما تفسير النفقة التي في مال المضاربة؛ فالكسوة، والطعام، والإدام، والشراب،. وأجر الأجير، وفراش ينام عليه، وعلف دابته التي يركبها في سفره ويتصرف عليها حوائجه، وغسل ثيابه، ودهن السراج والحطب؛ ونحو ذلك، ولا خلاف بين أصحابنا في هذه الجملة؛ لأن المضارب لا بد له منها، فكان الإذن ثابتاً من رب المال دلالةً. (١) في أ: ما دام. (٣) سقط في ط. (٥) في أ: على. (٢) في أ: كانت. (٤) في أ: كان. (٦) في أ: يموت. ٦٧ كتاب المضاربة وأمَّا ثَمَنُ الدَّوَاءِ والحجامة والفصد والتنور(١) والأدهان وما يرجع إلى التداوي وصلاح البدن، ففي ماله خاصة لا في مال المضاربة. وذكر الكرخي - رحمه الله - في مختصره في الدهن خلاف محمد أنه في مال المضاربة عنده، وذكر في الحجامة والإطلاء بالنورة والخضاب قول الحسن بن زياد أنه قال: على قياس قول أبي حنيفة يكون في مال المضاربة، والصحيحُ أنه يكون في ماله خاصة؛ لأن وجوب النفقة للمضارب في المال لدلالة الإذن الثابت عادة، وهذه الأشياء غر معتادة، هذا إذا قضى القاضي بالنفقة، يقضي بالطعام والكسوة ولا يقضي بهذه الأشياء. وأما الفاكهة فالمعتاد منها يجري مجرى الطعام والإدام، وقال بشر في نوادره سألت أبا يوسف عن اللحم فقال: يأكل كما كان يأكل؛ لأنه من المأكول المعتاد، وأما [بيان](٢) قدر النفقة فهو أن يكون بالمعروف عند التجار من غير إسراف، فإن جاوز ذلك ضمن الفضل؛ لأن الإذن ثابت بالعادة، فيعتبر القدر(٣) المعتاد، وسواء سافر برأس المال أو بمتاع عن المضاربة؛ لأن سفره في الحالين لأجل المال؛ وكذا لو سافر فلم يتفق له شراء متاع من حيث قصد وعاد بالمال فنفقته ما دام مسافراً في مال المضاربة؛ لأن عمل التجارة على هذا، وهو أن يتفق الشراء في وقت دون وقت، ومكان دون مكان، وسواء سافر بمال المضاربة وحده أو بماله ومال المضاربة، ومال المضاربة لرجل أو رجلين، فله النفقة، غير أنه إن سافر بماله ومال المضاربة أو بمالين (٤) لرجلين، كانت النفقة(٥) من المالين بالحصص؛ لأن السفر لأجل المالين، فتكون النفقة فيهما . وإن كان أحد(٦) المالين مضاربة لرجل والآخر بضاعة لرجل آخر، فنفقته في مال المضاربة؛ لأن سفره لأجله لا لأجل البضاعة؛ لأنه متبرعٌ بالعمل بها، إلاَّ أن يتبرع بعمل البضاعة فينفق من مال نفسه؛ لأنه بدل العمل في المضاربة، وليس على رب البضاعة شيء، إلاَّ أن يكون أذن له في النفقة منها؛ لأنه تبرع بأخذ البضاعة، فلا يستحق النفقة كالمودع. ولو خَلَطَ مال المضاربة بماله، وقد أذن له في ذلك، فالنفقة بالحصص، لأن سفره لأجل المالين. وأما ما تحتسب النفقة منه، فالنفقة/ تحتسب من الربح أولاً، إن كان في المال ربح، فإن ١٢٧١/٢ (١) التنور: الفرن يخبز فيه، ومفجر الماء. المعجم الوسيط (تنور). (٣) في أ: الفعل. (٢) سقط في ط. (٤) في أ: بمال. (٦) في ط: أخذ. (٥) في أ: في. ٦٨ كتاب المضاربة لم يكن فهي من رأس المال، لأن النفقة جزء هالك من المال، والأصل أن الهلاك ينصرف إلى الربح؛ ولأنَّا لو جعلناها من رأس المال خَاصَّةً أو في نصيب رب المال من الربح، لازداد نصيب المضارب في الربح على نصيب رب المال، فإذا رجع المضارب إلى مصره فما فضل عنده من الكسوة والطعام رَدَّه إلى المضاربة؛ لأن الإذن له بالنفقة كان لأجل السفر، فإذا انقطع السفر لم يبق الإذن، فيجب رد ما بقي إلى المضاربة. وروى المعلى عن أبي يوسف: إذا كان مع الرجل ألف درهم مضاربة فاشترى عبداً بألفين، فأنفق عليه، فهو متطوعْ في النفقة؛ لأنه لم يبق في يده شيء من رأس المال، فالنفقة تكون استدانة على المال، وهو لا يملك ذلك، فصار كالأجنبيٍّ إذا أنفق على عبد غيره، إلاَّ أن يكون القاضي أمره بذلك، فإن رفعه إلى القاضي فأمره القاضي بالنفقة عليه، فما أنفق فهو عليهما على قدر رؤوس أموالهما (١). قال أبو يوسف - رحمه الله - وهذه قسمة من القاضي بين المضارب وبين رب المال إذا قضى بالنفقة، وإنما صارت النفقة دَيْناً بأمر القاضي؛ لأن له ولاية على الغائب في حفظ ماله، وهذا من باب الحفظ، فيملك الأمر بالاستدانة عليه، وإنما صار قضاء القاضي بالنفقة قسمة لوجود معنى القسمة وهو التعيين؛ لأن القاضي لما ألزم المضارب النفقة لأجل نصيبه، فقد عين نصيبه، ولا يتحقق تعيين نصيب المضارب إلاّ بعد تعيين رأس المال، وهذا معنى القسمة. ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة، فاشترى بها جارية قيمتها ألفان، فالنفقة على المضارب وعلى رب المال في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعلى قول(٢) محمد: النفقة على رب المال؛ كذا حقق القدوري - رحمه الله - الاختلاف. وجه قول محمد إن المضارب لم يتعين له ملك؛ لأن رأس المال غير متعين، فكانت الجارية على حكم رب المال، فكانت نفقتها عليه، ويحتسب بها في رأس ماله في رواية عنه. وفي رواية أخرى عنه يقال لرب المال أنفق إن شئت. ولهما أن نصيب المضارب من العبد على ملكه، بدليل أن إعتاقه ينفذ فيه (٣)، فلا يجوز إلزام رب المال الإنفاق على ملك غيره، فإذا قضى على كل واحد منهما بنفقة نصيبه، فقد تعين الربح ورأس المال، فيكون قسمة لوجود معنى القسمة، وعلى هذا الخلاف العبد الآبق من المضاربة إذا جاء به رجل وقيمته ألفان، وليس في يده من المضاربة غير العبد؛ أن الجعل (١) في ط: رأس المال. (٣) في ط: منه. (٢) في ط: عند. ٦٩ كتاب المضاربة عليهما في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن العبد على ملكهما، وعند محمد الجعل على رب المال يحتسب من(١) رأس ماله، إذ هو زيادة في رأس المال، فإذا بيع استوفى رب المال رأس ماله والجعل وما بقي يكون بينهما على ما اشترطا من الربح. قال بشر عن أبي يوسف: إن الجعل لا يحتسب به في مال المرابحة(٢)، ويحتسب به فيما بين المضارب ورب المال، فإن كان هناك ربح، فالجعل منه، وإلا فهو وضيعة من رأس المال، وإنما لم يلحق الجعل برأس المال في باب المرابحة؛ لأن الذي يلحق رأس المال في المرابحة ما جرت عادة التجار بإلحاقه به، وما جرت عادتهم بإلحاق الجعل؛ ولأنه نادر غير معتاد، فلا يلحق بالعادة ما ليس بمعتاد، وإنما احتسب به فيما بين المضارب ورب المال؛ لأنه غرمٌ لزم لأجل المال، ويجوز أن يحتسب بالشيء فيما بين المضارب ورب المال، ولا يلحق برأس المال في المضاربة، كنفقة المضارب على نفسه، والثاني ما يستحقه المضارب بعمله في المضاربة الصحيحة هو الربح المسمى إن كان في المضاربة ربح، وإن لم(٣) يظهر الربح بالقسمة وشرط جواز القسمة قبض رأس المال، فلا تصح قسمة الربح قبل قبض رأس المال، حتى لو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف، فربح ألفاً، فاقتسما الربح، ورأسُ المال في يد المضارب لم يقبضه رب المال، فهلكت الألف التي في يد المضارب بعد قسمتهما الربح، فإن القسمة الأولى لم تصح، وما قبض رب المال فهو محسوب عليه من رأس ماله، وما قبضه المضارب دين عليه يرده إلى رب المال حتى يستوفي رب المال رأس ماله، ولا تصح قسمة الربح حتى يستوفي رب المال رأس المال، والأصل في اعتبار هذا الشرط ما رُوي عن رسول الله وََّ أنه قال ((مَثَلُ المُؤْمِنِ مَثَلُ التَّاجِرِ لاَ يَسْلَمُ لَهُ رِبْحُهُ حَتَّى يَسْلَمَ لَهُ رأسُ مَالِهِ)) كذلك المؤمن لا تسلم له نوافله حتى تسلم له عزائمه؛ فدل الحديث على أن قسمة الربح قبل(٤) قبض رأس المال لا تصح؛ ولأن الربح زيادة، والزيادةُ على الشيء لا تكون إلا بعد سلامة/ الأصل، ولأن المال إذا بقي في يد المضارب فحكم المضاربة بحالها، فلو صححنا ٢٧١/٢ب قسمة الربح لثبت قسمة الفرع قبل الأصل، فهذا لا يجوز. وإذا لم تصح القسمة، فإذا هلك ما في يد المضارب صار الذي اقتسماه هو رأس المال، فوجب على المضارب أن يرد منه تمام رأس المال، فإن قبض رب المال ألف درهم رأس ماله أولاً، ثم اقتسما الربح، ثم رد الألف التي قبضها بعينها إلى يد المضارب على أن يعمل بها بالنصف، فهذه مضاربة مستقبلة، فإن هلكت في يده لم تنتقض القسمة الأولى؛ لأن رب المال (١) في ط: يحسب في. (٣) في ط: وإنما. (٤) في أ: على. (٢) في ط: المضاربة. ٧٠ كتاب المضاربة لما استوفى رأس المال فقد انتهت المضاربة وصحت القسمة، فإذا رد المال [إليه](١) فهذا عقد آخر، فهلاك المال فيه لا يبطل القسمة في غيره. وَلَوْ كَانَ الربح في المضاربة الأولى ألفين، واقتسما الربح، فأخذ رب المال ألفاً والمضارب ألفاً، ثم هلك ما في يد المضارب، فإن القسمة باطلة، وما قبضه رب المال محسوب من رأس المال، ورد المضارب نصف الألف الذي قبض؛ لأنه لما هلك ما في يد المضارب من رأس المال قبل صحة القسمة، صار ما قبضه رب المال رأس ماله، وإذا صار ذلك رأس المال تعين الربح فيما قبضه المضارب بالقسمة، فيكون بينهما على الشرط، فيجب عليه أن يرد نصفه، وكذلك إن كان قد هلك ما قبضه المضارب من الربح، يجب عليه أن يرد نصفه؛ لأنه تبين أنه قبض نصيب رب المال من الربح لنفسه، فصار ذلك مضموناً عليه. ولو هلك ما قبض رب المال لم يتعين بهلاكه شيء؛ لأن ما هلك بعد القبض يهلك في ضمان القابض، فبقاؤه وهلاكه سواءٌ. قالوا: ولو اقتسما الربح ثم اختلفا، فقال المضارب: قد کنت دفعت إلیك رأس المال قبل القسمة، وقال ربُّ المال: لم أقبض رأس المال قبل ذلك، فالقولُ قولُ رب المال، ويرد المضارب ما قبضه لنفسه تمام رأس المال يحتسب على رأس رب المال بما قبض من رأس ماله، ويتم له رأس المال بما يرده المضارب، فإن بقي شيء بعد ذلك مما قبضه المضارب، كان بينهما نصفين، وإنما كان كذلك لأن المضارب يدعي أنها رأس المال، ورب المال ينكر ذلك، والمضارب وإن كان أميناً لكن القول قول الأمين في إسقاط الضمان عن نفسه، لا في التسليم إلى غيره، ولأن المضارب يدعي خلوص ما بقي من المال والربح، ورب المال يجحد ذلك، فلا يقبل قول المضارب في الاستحقاق. فإن أقاما البينة، فالبينةُ بينة المضارب، لأنها تثبت إبقاء(٢) رأس المال، ولا يقال [إن](٣) الظاهر شاهد للمضارب فيما ادعاه من إيفاء رأس المال؛ إذ الربح لا يكون إلا بعد الإيفاء، إذ هو شرط صحة قسمة الربح؛ لأنا نقول قد جرت عادة التجار بالمقاسمة مع بقاء رأس المال في يد المضارب، فلم يكن الظاهر شاهد للمضارب، وذكر ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف في رجلٍ دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة صحيحة، ثم جعل رب المال يأخذ الخمسين والعشرين لنفقته، والمضارب يعمل [ببقية المال] (٤) ويتربح فيما يشتري ويبيع، ثم احتسبا؛ فإنهما يحتسبان برأس المال ألف درهم يوم يحتسبان والربح بينهما نصفان، ولا يكون ما أخذ (١) سقط في ط. (٢) في ط: إيفاء. (٣) سقط في ط. (٤) في ط: بالنفقة. ٧١ كتاب المضاربة رب المال من النفقة نقصاناً من رأس المال، ولكنهما يحتسبا رأس المال ألفاً من جميع المال، وما بقي من ذلك فهو بينهما نصفان؛ لأنا لو جعلنا المقبوض من رأس المال بطلت المضاربة؛ لأن استرجاع رب المال رأس ماله يوجب بطلان المضاربة، وهما لم يقصدا إبطالها، فيجعل رأس المال فيما بقي؛ لئلا يبطل، هذا [كله](١) إذا كان في المضاربة ربح، فإن لم يكن فيها ربح فلا شيء للمضارب؛ لأن الشرط قد صح، فلا يستحق إلاَّ ما شرط [له] (٢) وهو الربح، ولم یوجد. وأما الذي يستحقه رب المال، فالربح المسمى إذا كان في المال ربح، وإن لم يكن فلا شيء له على المضارب، هذا كله حكم المضاربة الصحيحة. وأما حكم المضاربة الفاسدة فليس للمضارب أن يعمل شيئاً مما ذكرنا أن له أن يعمل في المضاربة الصحيحة، ولا يثبت بها شيء مما ذكرنا عن أحكام المضاربة الصحيحة، ولا يستحق النفقة ولا الربح المسمى، وإنما له أجر مثل عمله، سواء كان في المضاربة ربح أو لم يكن، لأن المضاربة الفاسدة في معنى الإجارة الفاسدة، والأجير لا يستحق النفقة، ولا المسمى في الإجارة الفاسدة، وإنما يستحق أجر المثل، والربح كله يكون لرب المال؛ لأن الربح نماء ملكه، وإنما يستحق المضارب شطراً منه بالشرط، ولم يصح الشرط، فكان كله لرب المال، والخسران عليه، والقول قول المضارب في دعوى الهلاك والضياع والهلاك في المضاربة الفاسدة مع يمينه، هكذا ذكر في ظاهر الرواية، وجعل المال في يده أمانةً؛ كما في / المضاربة ١٢٧٢/٢ الصحيحة . وذكر الطحاوي فيه اختلافاً، وقال: لا ضمان عليه في قول أبي حنيفة، وعندهما يضمنْ كما في الأجير المشترك إذا هلك المال في يده. فصل في صفة عقد المضاربة (فَصْلٌ) وأما صفة هذا العقد فهو أنه عقد غير لازم، ولكل واحد منهما، أعني: رب المال والمضارب - الفسخ، لكن عند وجود شرطه وهو علم صاحبه [به](٣) لما ذكرنا في ((كتاب الشركة)) . ويشترط أيضاً أن یکون رأس المال عیناً وقت الفسخ، دراهم أو دنانیر، حتى لو نھی رب المال المضارب عن التصرف، ورأس المال عروض وقت النهي، لم يصح نهيه، وله أن (١) سقط في ط. (٣) سقط في ط. (٢) سقط في ط. ٧٢ كتاب المضاربة يبيعها؛ لأنه يحتاج إلى بيعها بالدراهم والدنانير ليظهر [له] (١) الربح، فكان النهي والفسخ إبطالاً لحقه في التصرف، فلا يملك ذلك، وإن كان رأس المال دراهم أو دنانير وقت الفسخ والنهي، صح الفسخ والنهي، لكن له أن يصرف الدراهم إلى الدنانير والدنانير إلى الدراهم؛ لأن ذلك لا يعد بيعاً لاتحادهما في الثمنية. فصل في حكم اختلاف المضارب وأما حُكْمُ اختلافِ المضارب ورب المال، فإن اختلفا في العموم والخصوص فالقولُ قولُ من يدعي العموم؛ بأن ادعى أحدهما المضاربة في عموم [جميع](٢) التجارات أو في عموم الأمكنة، أو مع عموم الأشخاص(٣)، وادعى الآخر نوعاً دون نوع، ومكاناً دون مكان، وشخصاً دون شخص، لأن قول من يدعى العموم موافق للمقصود بالعقد؛ إذ المقصود من العقد هو الربح، وهذا المقصود في العموم أوفر، وكذلك لو اختلفا في الإطلاق والتقييد، فالقولُ قولُ من يدعي الإطلاق؛ حتى لو قال رب المال: أذنت لك أن تتجر في الحنطة دون ما سواها، وقال المضارب ما سميت لي تجارة بعينها، فالقولُ قول المضارب مع يمينه؛ لأن الإطلاق أقرب إلى المقصود بالعقد؛ على ما بينا. وقال الحسن بن زياد: إن القولَ قولُ رب المال في الفصلين جميعاً، وقيل: إنه قول زفر. ووجهه أن الإذن يستفاد من [جهة] (٤) رب المال، فكان القول في ذلك قوله، فإن قامت لهما بينة، فالبينة بينة مدعي العموم في دعوى العموم والخصوص؛ لأنها تثبت زيادة، وفي دعوى التقييد والإطلاق البينةُ بينةُ مدعي التقييد؛ لأنها تثبت زيادة فيه، وبينة الإطلاق ساكتة. ولو اتَّفَقًا على الخصوص لكنهما اختلفا في ذلك الخاص، فقال رب المال: دفعت المال إليك مضاربة في البز، وقال المضارب: في الطعام، فالقولُ قولُ رب المال في قولهم جميعاً؛ لأنه لا يمكن الترجيح هنا بالمقصود من العقد؛ لاستوائهما في ذلك، فترجح بالإذن وأنه يستفاد من رب المال، فإن أقاما البينة، فالبينة بينة المضارب؛ لأن بينته مثبتة، وبينةَ رب المال نافيةٌ؛ لأنه لا يحتاج إلى الإثبات، والمضارب يحتاج إلى الإثبات لدفع الضمان عن نفسه، فالبينةُ المثبتة للزيادة أولى، وقد قالوا في البينتين إذا تعَارَضَتَا في صفة الإذن(٥) وقد وقتتا إنَّ (١) سقط في ط. (٣) في ط: من الأشخاص. (٥) في أ: الأمر. (٢) سقط في ط. (٤) سقط في ط. ٧٣ كتاب المضاربة الوقت الأخير أولى؛ لأن الشرط الثاني ينقض الأول، فكان الرجوع إليه أَوْلَى. وإن اختلفًا في قدر رأس المال والربح، فقال رب المال كان رأس مالي ألفاً(١) وشرطت لك ثلث الربح، وقال المضارب رأس المال ألف وشرطت لي نصف الربح، فإن كان في يد المضارب ألف درهم يقر أنها مال المضاربة، فالقول قول المضارب في أن رأس المال ألف، والقول قولُ رب المال أنه شرط ثلث الربح، وهذا قول أبي حنيفة الآخر، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وكان قوله الأول أن القولَ قولُ رب المال في الأمرين جميعاً، وهو قول زفر. وجه قوله الأول أن الربح يستفاد من أصل المال، وقد اتفقا على أن جملة المال مضاربة، وادعى المضارب استحقاقاً فيها، ورب المال ينكر ذلك، فكان القول قوله، بخلاف ما إذا قال المضارب: بعض هذه الألفين خلطته بها أو بضاعة في يدي؛ لأنهما ما اتفقا على أن الجميع مال المضاربة، ومن كان في يده شيء، فالقول قوله. وجه قوله الآخر أن القول في مقدار رأس المال قول المضارب؛ لأنهما اختلفا في مقدار المقبوض، فكان القول قول القابض؛ ألا ترى أنه لو أنكر القبض أصلاً وقال: لم أقبض منك شيئاً، كان القول قوله؛ فكذا إذا أنكر البعض دون البعض، وإنما كان القول قول رب المال في مقدار الربح؛ لأن شرط الربح يستفاد من قبله، فكان القول في مقدار المشروط قوله. أَلاَ ترى أنه لو أنكر الشرط رأساً فقال: لم أشرط لك ربحاً، وإنما دفعت إليك بضاعة، كان القول قوله، فكذا إذا أقر بالبعض دون البعض، وإذا كان القول قول المضارب في قدر رأس المال في قوله الأخير، فالقول قول رب المال/ في مقدار الربح في قولهم يجعل رأس ٢٧٢/٢ب المال ألف درهم، ويجعل للمضارب ثلث الألف الأخرى، فلا يقبل قول رب المال في زيادة رأس المال، ولا يقبل قول المضارب في زيادة شرط الربح، وعلى قوله الأول يأخذ رب المال الألفين جميعاً. وإن كان في يده ثلاثة آلاف درهم، والمسألة بحالها، أخذ رب المال ألف درهم على قوله الأخير، واقتسما ما بقي من المال أثلاثاً، وعلى قوله الأول يأخذ رب المال ألفي درهم، ويأخذ ثلثي الألف الأخرى، لما بينا. وإن كان في يد المضارب قدر ما ذكر أنه قبض من رأس المال أو أقل، ولم يكن في يده أكثر مما أقر، فالقول قول المضارب عندهم جميعاً؛ لأنه لا سبيل إلى قبول قول رب المال في إيجاب الضمان على المضارب، فإن جاء المضارب بثلاثة آلاف، فقال: ألف رأس المال، (١) في ط: ألفين. ٧٤ كتاب المضاربة وألف ربح، وألف وديعة لآخر أو مضاربة لآخر أو بضاعة لآخر أو شركة لآخر، أو على ألف دين، فالقول في الوديعة والشركة والبضاعة والدين قولُ المضارب في الأقاويل كلها؛ لأن من في يده شيء فالظاهر أنه له، إلا أن يعترف به لغيره، ولم يعترف لرب المال بهذه الألف، فكان القول قوله فيها، وكل من جعلنا القول قوله في هذا الباب فهو مع يمينه، ومن أقام منهما بينة على ما يدعي من فضل، فالبينة [بينته لأن](١) بينة كل واحد منهما تثبت زيادة، فبينة رب المال تثبت زيادة في رأس المال، وبينة المضارب تثبت زيادة في الربح. وقال محمد - رحمه الله -: إذا قال رب المال: شرطت لك ثلث الربح وزيادة عشرة دراهم، وقال المضارب: بل شرطت لي الثلث، فالقول قول المضارب؛ لأنهما اتفقا على شرط الثلث، وادعى رب المال زيادة لا منفعة له فيها إلا فساد العقد، فلا يقبل قوله، وإن قامت لهما بينة، فالبينة بينة رب المال؛ لأنها تثبت زيادة شرط، ولو قال رَبُّ المال: شرطت لك الثلث إلاَّ عشرة، وقال المضارب: بل شرطت لي الثلث، فالقولُ قولُ رب المال؛ لأنه أقر له ببعض الثلث، والمضارب يدعي تمام الثلث، فلا يقبل قوله في زيادة شرط الربح، وفي هذا انوع إشكال؛ وهو أن المضارب يدعي صحة العقد ورب المال يدعي فساده، فينبغي أن يكون القولُ قولَ المضارب. والجوابُ: أن دعوى رب المال وإن تعلق به فساد العقد، لكنه منكر لزيادة يدعيها المضارب، فيعتبر إنكاره؛ لأنه مفيد في الجملة . ولو قال رب المال: شرطت لك نصف الربح، وقال المضارب: شرطت لي مائة درهم، أو لم تشترط لي شيئاً ولي أجر المثل، فالقول قول رب المال، لأن المضارب يدعي أجراً واجباً في ذمة رب المال، ورب المال ينكر ذلك، فيكون القول قوله، فإن أقام رب المال البينة على شرط النصف، وأقام المضارب البينة على أنه لم يشترط له شيئاً، فالبينة بينة المال؛ لأنها مثبتة للشرط، وبينة المضارب نافية، والمثبتةُ أَوْلَى. ولو أقام المضارب البينةَ أنه شرط له مائة درهم، فبينته أولى؛ لأن البينتين استويًا في إثبات الشرط، وبينة المضارب أوجبت حكماً زائداً؛ وهو إيجاب الأجر على رب المال، فكانت أولى . وَذَكَرَ الكَرْخِيُّ - رحمه الله - أنهم جعلوا حكم المزارعة في هذا الباب حكم المضاربة إلاَّ في هذا الفصل خاصة، وهو أنه إذا أقام رب الأرض والبذر البينة على أنه شرط للعامل نصف الخارج، وقال العاملُ: شرطت لي مائة قفيز، فالبينة بينة الدافع، وفي المضاربة البينة بينة (١) سقط في ط. ٧٥ كتاب المضاربة المضارب، والفرق بينهما أن المزارعة عقد لازم في جانب العامل، بدليل أن مَنْ لا بذر له من جهته لو امتنع من العمل يجبر عليه، فرجحنا بينة من يدعي الصحة، والمضاربة ليست بلازمه، فإن المضارب لو امتنع من العمل لا يجبر عليه، فلم يقع الترجيح بالتصحيح، فرجحنا بإيجاب الضمان وهو الأجر. ولو قال ربُّ المال: دفعتُ إليك بضاعة، وقال المضارب: مضاربة بالنصف أو مائة درهم، فالقول قول ربِّ المال؛ لأن المضارب يستفيد الربح بشرطه، وهو منكر، فكان القول قوله أنه لم يشترط؛ ولأن المضارب يدعي استحقاقاً في مال الغير، فالقول قول صاحب المال. ولو قال المضارب: أَقْرَضْتَنِي المال والربحُ لي، وقال ربُّ المال: دفعتُ إليك مضاربةً أو بضاعة، فالقولُ قول رب المال، لأن المضارب يدعي عليه التمليك، وهو منكر، فإن أقامًا البيئةَ، فالبينةُ بينةُ المضارب؛ لأنها تثبت التمليك؛ ولأنه لا تنافي بين البينتين؛ لجواز أن يكون أعطاه بضاعة أو مضاربة، ثم أقرضه. ولو قال المضاربُ: دفعت إلى مضاربة وقال رب المال أقرضتك، فالقولُ قول المضارب/ لأنهما اتفقا على أن الأخذ كان بإذن رب المال، ورب ١٢٧٣/٢ المال يدعي على المضارب الضمان، وهو ينكر، فكان القولُ قولَهُ، فإن قامت لهما بينة، فالبينة بينة رب المال؛ لأنها تثبت أصل الضمان. ولو جَحَدَ المضارب المضاربة أصلاً، ورب المال يدعي دفع المال إليه مضاربة، فالقول قول المضارب؛ لأن رب المال يدعي عليه قبض ماله، وهو ينكر، فكان القول قوله. ولو جحد ثم أقر [به] (١) فقد قال ابن سماعة في نوادره: سمعت أبا يوسف قال في رجل دفع إلى رجل مالاً مضاربة، ثم طلبه منه، فقال: لم تدفع إلي شيئاً، ثم قال: ((بلى، استغفر الله العظيم، قد دفعت إلي ألف درهم مضاربةً))، فهو ضامن للمال؛ لأنه أمين، والأمين إذا جحد الأمانة ضمن كالمودع؛ وهذا لأن عقد المضاربة ليس بعقد لازم، بل هو عقد جائز محتمل للفسخ فكان جحوده فسخاً له أو رفعاً له، وإذا ارتفع العقد، صار المال مضموناً عليه كالوديعة، فإن اشترى بها مع الجحود، كان مشترياً لنفسه؛ لأنه ضامنٌ للمال، فلا يبقى حكم المضاربة، لأن من حكم المضاربة(٢) أن يكون المال أمانة في يده، فإذا صار ضميناً لم يبق أميناً، فإن أقر بعد الجحود لا يرتفع الضمان؛ لأن العقد قد ارتفع بالجحود، فلا يعود إلا بسبب جديد، فإن اشترى بها بعد الإقرار، فالقياس أن يكون ما اشتراه لنفسه؛ لأنه قد ضمن المال بجحوده، فلا يبرأ منه بفعله وفي الاستحسان يكون ما اشتراه على المضاربة، ويبرأ من الضمان؛ لأن الأمر بالشراء لم يرتفع بالجحود، بل هو قائم مع الجحود؛ لأن الضمان لا ينافي (١) سقط في ط. (٢) في ط: المضارب. ٧٦ كتاب المضاربة الأمر بالشراء، بدليل أن من غصب من آخر شيئاً، فأمر المغصوب منه الغاصب ببيع المغصوب أو بالشراء به صح الأمر، وإن كان المغصوب مضموناً على الغاصب، وإذا بقي الأمرُ بعد الجحود، فإذا اشترى بموجب الأمر وقع الشراء للآمر، ولن يقع الشراء له إلاّ بعد انتفاء الضمان، وصار كالغاصب إذا باع المغصوب بأمر المالك وسلم أنه يبرأ من الضمان؛ كذا هذا. وقوله المال صار مضموناً عليه، فلا يبرأ من الضمان بفعله، قلنا العين المضمونة يجوز أن يبرأ الضامن منها بفعله؛ كالمغصوب منه إذا أمر الغاصب أن يجعل المغصوب في موضع كذا أو يسلمه إلى فلان؛ أنه يبرأ بذلك من الضمان، وكذلك رجل دفع إلى رجل ألف درهم، فأمره أن يشتري بها عبداً، فجحده الألف، ثم أقر بها، ثم اشترى؛ جاز الشراء، ويكون للآمر، وبرىء الجاحد من الضمان، ولو اشترى بها عبداً، ثم أقر، لم يبرأ عن الضمان، وكان الشراء له؛ لما ذكرنا في المضارب. ولو دفع إليه ألفاً وأمره أن يشتري بها عبداً بعينه، ثم جحد الألف ثم اشترى بها العبد ثم أقر بالألف، فإن العبد للآمر؛ لأن الوكيل بشراء العبد بعينه لا يملك أن يشتريه لنفسه، فتعين أن يكون الشراء للآمر، فصار كأنه أقر ثم اشترى؛ بخلاف المضارب، لأنه يملك أن يشتري لنفسه، فلا يحمل على الشراء لرب المال إلا أن يقر بالمال قبل الشراء. وقال أبو يوسف في المأمور ببيع العبد إذا جحده إياه فادَّعاه لنفسه ثم أقر له به [فباعه](١) أن البيع جائزٌ، وهو بريء من ضمانه، وكذلك لو دفع إليه عبداً فأمره أن يهبه لفلان، فجحده وادعاه لنفسه، ثم أقر له به فباعه - أن البيع جائز، وهو بريء من ضمانه؛ وكذلك إن أمره بعتقه فجحده وادعاه لنفسه، ثم أقر له به فأعتقه، جاز عتقه؛ لما ذكرنا أن الأمر بعد الجحود قائم، فإذا جحد ثم أقر[فوهبه، فهو جائز؛ وكذلك إن أمن معتقه فجحده وادعاه لنفسهِ، ثم أقر له](٢) فقد تصرف بأمر رب المال، فيبرأ من الضمان. ولو باع العبد أو وهبه أو أعتقه، ثم أقر بذلك بعد البيع، قال ابن سماعة: ينبغي في قياس ما إذا دفع إليه ألفاً وأمره أن يشتري بها عبداً بعينه، أنه يجوز، ويلزم الآمر، لأنه لا يملك أن يبيع العبد لنفسه. وقال هشام: سمعتُ محمداً قال في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربةً، فجاء بألف وخمسمائة، فقال: هذه الألف رأس المال، وهذه الخمسمائة ربح، وسكت ثم قال: علي دين (١) سقط في ط .. (٢) سقط في ط .. ٧٧ كتاب المضاربة فيه لفلان كذا كذا، قال محمد: القولُ قولُ المضارب، وقال الحسن بن زياد: إذا أقر المضارب أنه عمل بالمال وأن في يده عشرة ألاف وعليَّ فيها دين ألف أو ألفان، فقال ذلك في كلام متصل، كان القولُ قولَهُ مع يمينه، يدفع الدين منه، سمي صاحبه أو لم يسمه، وَإن سكت سكتة ثم أقر بذلك وسمى صاحبه أو لم يسمه، لم يصدق، قال: وهذا قياس قول أبي حنيفة، وهذا الذي ذكره الحسن يخالف ما قال(١) محمد. ووجهه أنه إذا قال في يدي عشرة آلاف، وسكت، فقد أقر بالربح، فإذا قال عَلَيَّ دين ألف، فقد رجع عما أقر به؛ لأن الربح لا يكون/ إلا بعد قضاء الدين، والإقرار إذا صح لا ٢٧٣/٢ب يحتمل الرجوع عنه، بخلاف ما إذا قال ذلك متصلاً؛ لأن الإقرار لم يستقر بَعْدُ، وكان بمنزلة الاستثناء . وجه قول محمد إن أقر بالدين في حال يملك الإقرار به فينفذ إقراره؛ كما إذا قال: هذا ربح وعلي دین. وقوله: إن قوله ((علي دين))، بعد ما سكت، يكون رجوعاً عما أقر به من الربح - ممنوعْ، فإنه يجوز أنه ربح ثم لزمه الدين؛ أَلاَ ترى أن الرجل يقول قد ربحت ولزمني دين وهو يملك الإقرار بالدين، فإذا أقر به صَحَّ. ولو جاء المضارب بألفين فقال: ألف رأس المال وألف ربح، ثم قال لم(٢) أربح إلاَّ خمسمائة، ثم هلك المال كله في يد المضارب، فإن المضارب يضمن الخمسمائة التي جحدها، ولا ضمان عليه في باقي المال؛ لأن الربح أمانة في يده، فإذا جحده فقد صار غاصباً بالجحود، فيضمن إذا هلك. ولو قال المضارب لرب المال: قد دفعت إليك رأس مالك، والذي بقي في يدي ربح، ثم رجع فقال: لم أدفعه إليك ولكن هلك، فإنه يضمن ما ادعى دَفْعَهُ إلى رب المال؛ لأنه صار جاحداً بدعوى الدفع، فيضمن بالجحود، وكذلك لو اختلفا في الربح ثم رجع فقال: لم أدفعه إليك، ولكنه هلك، فإنه يضمن ما ادعى دفعه إلى رب المال؛ لما بينا. ولو اختلفا في الربح، فقال رب المال: شرطت لك الثلث، وقال المضارب شرطت لي النصف، ثم هلك المال في يد المضارب، قال محمدٌ: يضمن المضارب السدس من الربح يؤديه إلى رب المال من ماله خاصة، ولا ضمان عليه فيما سوى ذلك؛ لأنا قد بينا أن القول في شرط الربح قول رب المال، وإذا كان كذلك فنصيب المضارب الثلث، وقد ادعى النصف، وَمَنِ ادعى أمانة في يده ضمنها؛ لذلك يضمن سدس الربح، والله - عَزَّ وجلَّ - الموفق. (١) في أ: ذكره. (٢) في ط: ما. ٧٨ كتاب المضاربة فصل فيما يبطل عقد المضاربة وأما بيان ما يبطل به عقد المضاربة، فعقد المضاربة يبطل بالفسخ وبالنهي عن التصرف، لكن عند وجود شرط الفسخ والنهي، وهو علم صاحبه بالفسخ والنهي، وأن يكون رأس المال عيناً وقت الفسخ والنهي، فإن كان متاعاً لم يصح، وله أن يبيعه بالدراهم والدنانير. حتى ينض؛ كما ذكرنا فيما تقدم، وإن كان عيناً صح، لكن له صرف الدراهم إلى الدنانير والدنانير إلى الدراهم بالبيع؛ لما ذكرنا أن ذلك لا يعد بيعاً لتجانسهما في معنى الثمنية، وتبطل بموت أحدهما؛ لأن المضاربة تشتمل على الوكالة، والوكالة تبطل بموت الموكل والوكيل، وسواء علم المضارب بموت رب المال أو لم يعلم؛ لأنه عزل حكمي، فلا يقف على العلم كما في [باب](١) الوكالة، إلاَّ أن رأس المال إذا صار متاعاً فللوكيل أن يبيع حتى يصير ناضاً لما بينا. وتبطل بجنون أحدهما إذا كان مطبقاً؛ لأنه يبطل أهلية الأمر للآمر، وأهلية التصرف للمأمور. وكل ما تبطل به الوكالة تبطل به المضاربة؛ وقد تقدم(٢) في ((كتاب الوكالة)) تفصيلُهُ. ولو ارتد ربُّ المال فباع المضارب واشترى بالمال بعد الردة، فذلك كله موقوف في قول أبي حنيفة - عليه الرحمة - إن رجع إلى الإسلام بعد ذلك نفذ كله، والتحقت ردتُهُ بالعدم في جميع أحكام المضاربة، وصار كأنه لم يرتد أصلاً؛ وكذلك إن لحق بدار الحرب ثم عاد مسلماً قبل أن يحكم بلحاقه بدار الحرب، على الرواية التي يشترط حكم الحاكم بلحقاه للحكم بموته، وصيرورة أمواله ميراثاً لورثته، فإن مات أو قتل على الردة، أو لحق بدار الحرب وقضى القاضي بلحاقه - بطلت المضاربة من يوم ارتد على أصل أبي حنيفة - عليه الرحمة - أن ملك المرتد موقوفٌ إن مات أو قتل أو لحق فحکم باللحوق، یزول ملکه من وقت الردة إلی ورثته، ويصير كأنه مات في ذلك الوقت، فيبطل تصرف المضارب بأمره لبطلان أهلية الأمر، ويصير كأنه تصرف في ملك الورثة، فإن كان رأس المال يومئذٍ قائماً في يده لم يتصرف فيه، ثم اشترى بعد ذلك، فالمشتري وربحه يكون له؛ لأنه زَالَ ملك رب المال عن المال، فینعزل المضارب عن المضاربة، فصار متصرفاً في ملك الورثة بغير أمرِهمٍ. وَإِنْ كَانَ صار رأس المال متاعاً فبيع المضارب فيه وشراؤه جائزٌ، حتى ينض رأس المال لما ذكرنا [أن المضارب](٣) في هذه الحالة لا ينعزل بالعزل والنهي، ولا بموت رب المال؛ فكذلك ردته، فإن حصل في يد المضارب دنانير ورأس المال دراهم، أو حصل في يده دراهم (١) سقط في ط. (٣) سقط في ط. (٢) في أ: مر. ا ٧٩ كتاب المضاربة ورأس المال دنانير، فالقياسُ أن لا يجوز له التصرف؛ لأن الذي حصل في يده من جنس رأس المال معنى لاتحادهما في الثمنية، فيصير كأن عين المال قائم في يده، إلاَّ أنهم استحسنوا فقالوا: إن باعه بجنس رأس المال جاز؛ لأن على المضارب أن يرد/ مثل رأس المال، فكان ١٢٧٤/٣ له أن يبيع ما في يده کالعروض. وأما على أصل أبي يوسف ومحمد؛ فالردة لا تقدح في ملك المرتد، فيجوز تصرف المضارب بعد ردة رب المال؛ كما يجوز تصرف رب المال بنفسه عندهما، فإن مات رب المال أو قتل، كان موته كموت المسلم في بطلان عقد المضاربة. وكذلك إن لحق بدار الحرب وحكم بلحاقه؛ لأن ذلك بمنزلة الموت؛ بدليل أن ماله يصير ميراثاً لورثته، فبطل أمره في المال، فإن لم يرتد رب المال ولكن المضارب ارتد، فالمضاربة على حالها في قولهم جميعاً؛ لأن وقوف تصرف رب المال بنفسه لوقوف ملكه، ولا ملك للمضارب فيما يتصرف فيه، بل الملك لرب المال، ولم توجد منه الردة، فبقيت المضاربة، إلا أنه لا عهدة على المضارب، وإنما العهدة على رب المال في قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله -؛ لأن العهدة تلزم بسبب المال، فتكون على رب المال، وَصَارَ كما لو وكل صبيًّا محجوراً أو عبداً محجوراً، فأما على قولهما فالعهدةُ عليه؛ لأن تصرفه كتصرف المسلم . وإن مات المضارب أو قتل على الردة بطلت المضاربة؛ لأن موته في الردة كموته قبل الردة؛ وكذا إذا لحق بدار الحرب وقضى بلحوقه؛ لأن ردته مع اللحاق والحكم به بمنزلة موتِهِ في بطلان تصرفه. فَإِنْ لحق المضارب بدار الحرب بعد ردته، فباع واشترى هناك، ثم رجع مسلماً، فجميع ما اشترى وباع في دار الحرب يكون له، ولا ضمان عليه في شيء من ذلك؛ لأنه لما لحق بدار الحرب صار كالحربي إذا استولى على مال إنسان ولحق بدار الحرب؛ أنه يملكه؛ فكذا المرتد . وأما ارتداد المرأة وعدم ارتدادها سواء في قولهم جميعاً، سواء كان المال لها أو كانت مضاربة؛ لأن ردتها لا تؤثر في ملكها، إلا أن تموت فتبطل المضاربة؛ كما لو ماتت قبل الردة أو لحقت بدار الحرب وحكم بلحاقها؛ لما ذكرنا أن ذلك بمنزلة الموت، وتبطل بهلاك مال المضاربة في يد المضارب قبل أن يشتري به شيئاً في قول أصحابنا؛ لأنه تعين لعقد المضاربة بالقبض، فيبطل العقد بهلاكه كالوديعة. وكذلك لو استهلكه المضارب أو أنفقه أو دفعه إلى غيره فاستهلكه؛ لما قلنا؛ حتى لا ٨٠ كتاب المضاربة يملك أن يشتري به شيئاً للمضاربة، فإن أخذ مثله من الذي استهلكه، كان له أن يشتري به على المضاربة؛ كذا روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأنه أخذ عوض رأس المال، فكان أخذ عوضه بمنزلة أخذ ثمنه، فيكون على المضاربة. وروى ابن رستم عن محمد أنه لو أقرضها المضارب رجلاً فإن رجع إليه الدراهم بعينها، رجعت على المضاربة؛ لأنه وإن تعدى يضمن، لكن زال التعدي، فيزول الضمان المتعلق به، وإن أخذ مثلها لم يرجع في المضاربة؛ لأن الضمان قد استقر بهلاك العين، وحكم المضاربة مع الضمان لا يجتمعان؛ ولهذا يخالف ما رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في الاستهلاك، هذا إذا هلك مال المضاربة قبل أن يشتري المضارب شيئاً، فإن هلك بعد الشراء؛ بأن كان مال المضاربة ألفاً فاشترى بها جاريةً ولم ينقد الثمن البائع حتى هلكت الألف، فقد قال أصحابنا: الجاريةُ على المضاربة، ويرجعُ على رب المال بالألف فيسلمها إلى البائع؛ وكذلك إن هلكت الثانية التي قبض، يرجع بمثلها على رب المال؛ وكذلك سبيل الثالثة والرابعة وما بعد ذلك أبداً حتى يسلم إلى البائع، ويكون ما دفعه أولاً رب المال وما غرم كله من رأس المال، وإنما كان كذلك لأن المضارب متصرف لرب المال، فيرجع بما لحقه من الضمان بتصرفه له كالوكيل. غَيْرَ أن الفرق بين الوكيل والمضارب أن الوكيل إذا هلك الثمن في يده فرجع بمثله إلى الموكل، ثم هلك الثاني، لم يرجع على الموكل، والمضارب يرجع في كل مرة. ووجه الفرق أن الوكالة قد انتهت بشراء الوكيل؛ لأن المقصود من الوكالة بالشراء استفادة ملك المبيع لا الربح، فإذا اشترى فقد حصل المقصود، فانتهى عقد الوكالة بانتهائه، ووجب على الوكيل الثمن للبائع، فإذا هلك في يده قبل أن ينقده البائع وجب للوكيل على الموكل مثل ما وجب للبائع عليه، فإذا قبضه مرة فقد استوفى حقه، فلا يجب له عليه شيء آخر. فأما المضاربة فإنها لا تنتهي بالشراء، لأن المقصود منها الربح، ولا يحصل إلا بالبيع والشراء مرة بعد أخرى، فإذا بقي العقد فكان له أن يرجع ثانياً وثالثاً، وما غرم رب المال مع الأول يصير كله رأس المال؛ لأنه غرم لرب المال بسبب المضاربة، فيكون كله من مال المضاربة؛ ولأن المقصود من هذا العقد هو الربح، فلو لم يعتبر (١) ما غرم رب المال من رأس ٢٧٤/٢ ب المال ويهلك/ مجاناً، يتضرر به رب المال؛ لأنه يخسر ويربح المضارب، وهذا لا يجوز. ولو قبض المضارب الألف الأولى، فتصرف فيها حتى صارت ألفين ثم اشترى بها جارية قيمتها ألفان، فهلكت الألفان قبل أن ينقدها البائع؛ فإنه يرجع على رب المال بألف (١) في ط: يصر.