النص المفهرس

صفحات 1-20

تَكَائِهُ الصَّنَّائِ
في ترتيب الشرائح
تأليف
الإمَامِ عَلاءِ الدِّين أَيْ بَكْ بن مَسْعُود
الكَاسَاني الحَنفي
المتوفى سنة ٥٨٧ هـ
تَحَمِيقَ وَتَعَلِيق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الشيخ عَلى مّد معوض
الجزء الثامن
يَحَتَوَي عَلى الكتب التَّالية:
المضَارية - الهَبَة - الرَّهَن - المزارعَة - المعاملة - الشّربْ
الأراضى ~ المفقود .. اللّقيط - اللقطة - الإِبَاق - السّباق
الْوَدِيعَة العَاريَة ~ الوقف وَالصَّدقة - الدَّعَوَى
منشورات
محمد عَلى بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

منشوراتْ محمّد عَلي بيضوت
دار الكتب العلمية.
جميع الحقوق محفوظة
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً
Exclusive rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be translated,
reproduced, distributed in any form or by any means,
or stored in a data base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle ou morale
d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur
cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production
écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée
de l'éditeur.
الطبعة الثانية
٢٠٠٣ م - ١٤٢٤ هـ
دار الكتب العلمية.
بَيْرُوت - لبْنَان
رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت
الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية
هاتف وفاكس: ٨٠٤٨١٠/١١/١٢/١٣ (٩٦١٥+)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Raml Al-Zanf, Bohtory Str., Melkart Bldg. 1st Floor
Head office
Aramoun - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bidg.
Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13
P.O.Box: 11-9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kutub Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Raml Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, 1er Étage
Administration général
Aramoun - Imm. Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13
P.P: 11-9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-0417-9
90000>
9 782745 104175
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

بِسْـ ◌َّهِ الرَّنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ المُضَارَبَةِ(١)
يحتاجُ في هذا الكتاب إلى معرفة جواز هذا العقد، وإلى مغرفة ركنِهِ، وإلى معرفة شرائط
الركن، وإلى معرفة حكمه، وإلى معرفة صفة العقد، وإلى معرفة ما يبطل به، ومعرفة حكمه
إذا بطل، وإلى بيان حكم اختلاف رب المال والمضارب.
(١) المضاربة في اللغة: هي مفاعلة من الضرب في الأرض وهو السير فيها وهو بمعنى السفر وذلك لأنه لا
يخلو عنه غالباً لطلب الربح. وهذا المعنى من لغة أهل العراق.
أما في لغة أهل الحجاز، فيطلقون عليها اسم: القِرَاض وهي كالمقارضة بمعنى القطع. تقول ضربت الطير
تضرب - ذهبت تبتغي الرزق. وأيضاً ضرب في الأرض: ضرباً وضرباناً خرج تاجراً وغازياً.
وسميت المضاربة قراضاً عند أهل الحجاز، لأن رب المال يقطع قدراً من المال عن تصرفه وجعل
التصرف فيه إلى العامل بهذا القصد.
وقد اختار السرخسي في المبسوط المعنى الأول، لأن اشتقاق لفظ المضاربة مشتق من الضرب في
الأرض، فهو موافق لما جاء في الكتاب الكريم إذ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وآخرون يضربون في
الأرض يبتغون من فضل الله﴾ يعني السفر للتجارة.
أما سبب الاختلاف في التسمية هو الاختلاف في الاشتقاق والإطلاقات التي وردت في نصوص الشارع.
فأهل العراق يسمونها (مضاربة) وذلك لأنها مشتقة من الضرب في الأرض وهو السير.
وأهل الحجاز يسمونها (قراضاً) وذلك لأنها مشتقة من القرض وهو القطع بمعنى أن المالك يقطع جزءاً
من ماله ليعمل فيه العامل بجزء من الربح والعامل يقطع لرب المال جزءاً من الربح الحاصل بسعيه.
أما تعريف المضاربة في الإصطلاح: ففقهاء الحنفية متفقون على أن المضاربة هي عبارة عن عقد على
الشركة في الربح. فهي إذن نوع من الشركة لأنها شركة في الربح، لا في رأس المال. وذلك لأن رأس
المال يكون من أحد طرفي العقد، والعمل فيه يكون من الطرف الآخر.
وعرفها الزيلعي بقوله: المضاربة، هي شركة بمال من جانب وعمل من جانب آخر، والمراد بالشركة
الشركة في الربح).
وتعريفات المذاهب الأخرى تجعلها وكالة، وإجارة، وعقد أو اتفاق. مما لا يتفق مع طبيعة المضاربة
وهي المشاركة في الربح.
ينظر: المصباح المنير ٢/ ٥٤٧ والقاموس المحيط ٩٩/١، لسان العرب: ٢٥٦٩/٣، مجمع الأنهر: ٢/
٣٢١، حاشية ابن عابدين ٤٨٣/٤، مغني المحتاج ٢/ ٣٠٩ - ٣١٠، أسهل المدارك ٣٤٩/٢ الإقناع:
٢٥٩/٢، والمغني ٥/ ٥٢، والإشراف ٢/ ٧.
٣

٤
كتاب المضاربة
أما الأول: فالقياس أنه لا يجوز؛ لأنه استئجار بأجر مجهول، بل بأجر معدوم، ولعمل
مجهول؛ لكنا تركنا القياس بالكتاب العزيز والسنة والإجماع.
أما الكتاب الكريم: فقوله عَزَّ شأنُهُ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ
فَضْلِ الله﴾ [المزمل: ٢٠] والمضارب يضربُ في الأعرض يبتغي من فضل الله - عزَّ وجلَّ - وقوله
- سبحانه وتعالى -: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله﴾ [الجمعة:
١٠] وقوله - تعالى -: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾(١) [البقرة: ١٩٨].
وأما السنة: فما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: كان سيدنا العباس بن
عبد المطلب إذا دفع المال مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحراً، ولا ينزل به
وادياً، ولا يشتري به دابة ذات كبد رطبة، فإن فَعَلَ ذلك ضمن، فبلغ شرطه رسول الله وَّل
فأجاز شرطه(٢)، وكذا بعث رسول الله وَّيقول والناس يتعاقدون المضاربة فلم ينكز عليهم؛ وذلك
تقريرٌ لهم على ذلك، والتقريرُ أحد وجوه السنة(٣).
وأما الإجماع: فإنه روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أنهم دفعوا
مال اليتيم مضاربة، منهم: سيدنا عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا علي، وعبد الله بن مسعود،
وعبد الله بن عمر، وعبيد الله بن عمرو، وسيدتنا عائشة - رضي الله تعالى عنهم -، ولم ينقل
أنه أنكر عليهم مِنْ أقرانِهم أحدٌ، ومثله يكون إجماعاً.
وروي أن عبد الله وعبيد الله ابني سيدنا عمر قدما العراقَ وأبو موسى الأشعري أمير بها
فقال لهما: لو كان عندي فضل لأكرمتكما. ولكن عندي مال لبيت المال أدفعه إليكما فابتاعا به
متاعاً واحملاه إلى المدينة وبيعاه، وادفعا ثمنه إلى أمير المؤمنين، فلما قدما المدينة قال لهما
سيدنا عمر - رضي الله عنه -: هذا مال المسلمين فاجعلا ربحه لهم، فسكت عبد الله، وقال
عبيد الله: ليس لك ذلك لو هلك منا لضمنا، فقال بعض الصحابة(٤): يا أمير المؤمنين،
اجعلهما كالمضاربين في المال لهما النصف ولبيت المال النصف، فرضي به سيدنا عمر
(١) واستدل أيضاً بقوله تعالى ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
(٢) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٦٤/٤)، وقال رواه الطبراني في الأوسط وفيه أبو الجارود الأعمى
وهو متروك كذاب.
(٣) ووجه الدلالة في ذلك أنها لو لم تكن مشروعة لما أقرهم النبي - يوليو - فدل ذلك على رضى الرسول
بالتعامل بالمضاربة وهو لا يرضى إلا عن مشروع، وذلك يدل على جوازها والإذن فيها.
(٤) يقال إن الذي أشار على عمر - رضي الله عنه - بذلك هو عبد الرحمن بن عوف.
١
١
١

٥
كتاب المضاربة
- رضي الله عنه_(١)
وعلى هذا تعامل الناس من لدن رسول الله وّل إلى يومنا هذا في سائر الأعصار من غير
إذكار من حـ، وإجماع أهل كل عصر حجة، فترك به القياس.
ونوع من القياس يدل على الجواز أيضاً، وهو أن الناس يحتاجون إلى عقد المضاربة،
لأن الإنسان قد يكون له مال لكنه لا يهتدي إلى التجارة، وقد يهتدي إلى التجارة لكنه لا مال
له، فنا في شرع هذا العقد دفع الحاجتين، والله تعالى ما شرع العقود إلا لمصالح العباد
ردفع حوائجهم.
فصل في أركان المضاربة
وأما ركن العقد (٢): فالإيجاب والقبول، وذلك بألفاظ تدل عليهما، فالإيجاب هو لفظ
المضاربة والمقارضة/ والمعاملة، وما يؤدي معاني هذه الألفاظ بأن يقول ربُّ المال: خذ هذا ٢٥٨/٢ ب
(١) ووجه الدلالة من هذا الأثر، لو لم تكن المضاربة مشروعة لما قال عبد الرحمن بن عوف ذلك، ولما
جعله عمر، وذلك لأن العمل بغير المشروع منهي عنه على أي وجه كان، وعمر لا يجرؤ على عمل منهي
عنه، فدل على مشروعية المضاربة والإذن فيها.
والأثر أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٢/ ٦٨٧ - ٦٨٨) كتاب القراض، باب: ما جاء في القراض، حديت
(١) عن يزد بن أسلم عن أبيه ... فذكره، وإسناده صحيح وأخرجه الشافعي (١٦٩/٢ - ١٧٠) كتاب
القراض، باب ( ... ) حديث (٥٩٣) من طريق مالك وأخرجه من طريق الشافعي البيهقي في ((معرفة
السنن والآثار)» (٤٩٧/٤) كتاب الصلح، باب: ((القراض)) حديث (٣٧٠٢).
وفي السنن الكبرى (١١٠/٦) كتاب القراض من طريق آخر عن مالك بإسناده ومعناه.
وأخرجه الدارقطني (٦٣/٣) في كتاب البيوع حديث (٢٤١) من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه
عن جده .. فذكره بنحوه.
(٢) أي عقد من العقود ركناه شيئان الإيجاب والقبول، والمضاربة عقد من العقود. فركناها إذن هو الإيجاب
والقبول. فالركن الأول الإيجاب والثاني القبول.
فالإيجاب: ما صدر أولاً بألفاظ تدل عليها كلفظ المضاربة والمقارضة والمعاملة وما يؤدي معاني هذه
الألفاظ: (وذلك بأن يقول رب المال خذ هذا المال مضاربة على أن ما رزق الله عز وجل، أو أطعم الله
تعالى منه من ربح فهو بيننا على كذا من نصف أو ربع أو ثلث أو غير ذلك من الأجزاء المعلومة، وكذا
إذا قال مقارضة أو معاملة.
أما الركن الثاني فهو القبول: وهو ما يصدر ثانياً من العاقد الآخر وذلك بأن يقول المضارب: أخذت، أو
رضيت، أو قبلت أو نحو ذلك أما أركانها عند غير الحنفية وهو الجمهور، فقد أجمع على أنها خمسة:
رأس مال، وعمل وربح وصيغة وعاقدان.

٦
كتاب المضاربة
المال مضاربة على أن ما رزق الله عزَّ وجلَّ، أو أطعم الله تعالى منه من ربح فهو بيننا على كذا
من نصف أو ربع أو ثلث أو غير ذلك من الأجزاء(١) المعلومة؛ وكذا إذا قال مقارضة أو معاملة
أو (٢) يقول المضارب: أخذت أو رضيت أو قبلت؛ ونحو ذلك، فيتم الركن بينهما.
أما لفظ المضاربة فصريح مأخوذ من الضرب في الأرض وهو السير فيها؛ سمي هذا
العقد مضاربة لأن المضارب يسير في الأرض ويسعى فيها لابتغاء الفضل، وكذا لفظ المقارضة
صريح في عرف أهل المدينة؛ لأنهم يسمون المضاربة مقارضة؛ كما يسمون الإجارة بيعاً؛
ولأن المقارضة مأخوذة من القرب وهو القطع، سميت المضاربة مقارضة؛ لما أن رَبَّ المال
يقطع يده عن رأس المال ويجعله في يد المضارب، والمعاملة لفظ يشتمل على البيع والشراء،
وهذا معنى هذا العقد.
ولو قال: خذ هذا المال واعمل به على أَنَّ ما رزق الله عَزَّ وجلَّ من شيء فهو بيننا على
كذا، ولم يزد على هذا، فهو جائز، لأنه أتى بلفظ يؤدي معنى هذا العقد، والعبرة في العقود
لمعانيها لا لصور الألفاظ حتى ينعقد البيع بلفظ التمليك بلا خلاف، وينعقد النكاح بلفظ البيع
والهبة والتملیك عندنا.
٥٢
وذكر في الأصل: لو قال خذ هذه الألف فابتع بها متاعاً، فما كان من فضل فلك
النصف، ولم يزد على هذا فقبل هذا، كان مضاربة استحساناً، والقياس أن لا يكون مضاربة.
وجه القياس أنه ذكر الشراء ولم يذكر البيع، ولا يتحقق معنى المضاربة إلا بالشراء
والبيع.
وجه الاستحسان أنه ذكر الفضل، ولا يحصل الفضل إلا بالشراء والبيع، فكان ذكر
الابتياع ذِكْراً للبيع، وهذا معنى المضاربة، ولو قال: خذ هذه الألف بالنصف ولم يزد علیه،
كان مضاربة استحساناً، والقياس أن لا يكون؛ لأنه لم يذكر الشراء والبيع، فلا يتحقق معنى
المضاربة .
وجه الاستحسان أنه لما ذكر الأخذ، والأخذ ليس عملاً يستحق به العوض، وإِنَّمَا
يستحق بالعمل في المأخوذ وهو الشراء والبيع، فتضمن ذكره ذكر الشراء والبيع.
ولو قال: خذ هذا المال فاشتر به هرويًّا بالنصف، أو رقيقاً بالنصف، ولم يزد على هذا
شيئاً، فاشترى كما أمره، فهذا فاسدٌ، وللمشتري أجر مثل عمله فيما اشترى، وليس له أن يبيع
(١) في أ: الأجرة.
(٢) في ط: و.

٧
كتاب المضاربة
ما اشترى إلا بأمر رَبِّ المال؛ لأنه ذكر الشراء ولم يذكر البيع، ولا ذكر ما يوجب ذكر البيع،
ليحمل على المضاربة، فحمل على الاستئجار على الشراء بأجر مجهول، وذلك فاسد، فإذا
اشترى كما أمره فالمستأجر استوفى منافعه بعقد فاسدٍ، فاستحق أجر مثل عمله، وليس له أن
يبيع ما اشترى من غير إذن الآمر؛ لأنه أمره بالشراء لا بالبيع، فكان المشتري له فلا يجوز بيعه
من غير إذنه، فإن باع منه شيئاً لا ينفذ بيعه من غير إجازة رَبِّ المال، ويضمن قيمته إن لم يقدر
على عينه؛ لأنه صار متلفاً مال الغير بغير إذنه، وَإِن أجاز رَبُّ المال البيعَ والمتاعُ قائم، جاز،
والثمن لرب المال؛ لأن عدم الجواز لحقه، فإذا أجاز فقد زال المانع.
وكذلك لو كان لا يدري حاله أنه قائم أو هالك، فأجاز لأن الأصلَ هو بقاء المبيع حتىٍ
يعلم هلاكه، وَإِنما شرط قيام المبيع لأنه شرط صحة الإجازة؛ لما عرف أن ما لا يكون محلاً
لإنشاء العقد عليه لا يكون محلاً لإجازة العقد فيه، وَإن علم أنه هلك فالإجازة باطلةٌ لما ذكرناه.
وَروى بشر عن أبي يوسف في رجلٍ دفع إلى رجلٍ ألف درهم ليشتري بها ويبيع، فما
ربح فهو بينهما، فهذه مضاربة ولا ضمان على المدفوع إليه المال ما لم يخالف؛ لأنه لما ذكر
الشراء والبيع فقد أتى بمعنى المضاربة؛ وكذلك لو شرط عليه أن الوضيعة عليَّ وعليك، فهذه
مضاربة والربحُ بينهما والوضيعة على رَبِّ المال؛ لأنّ شرط الوضيعة على المضارب شرط
فاسد، فيبطل الشرط وتبقى المضاربة.
وروي عن علي بن الجعد عن أبي يوسف لو أنَّ رجلاً دفع إلى رجل ألف درهم ولم
يَقُلْ مضاربةً ولا بضاعة ولا قرضاً ولا شركة، وقال: ما ربحت فهو بيننا، فهذه مضاربة لأن
الربح لا يحصل إلا بالشراء والبيع، فكان ذكر الربح ذكراً للشراء والبيع، وهذا معنى المضاربة.
ولو قال: خذ هذه الألف على أن لك نصف الربح أو ثلثه، ولم يزد على هذا،
فالمضاربةُ جائزة قياساً واستحساناً، وللمضارب ما شرط، وما بقي فلرب المال، والأصل في
جنس هذه المسائل أن رَبَّ المال إنما يستحق الربح لأنه نماء ماله لا بالشرط، فلا يفتقر
استحقاقه إلى الشرط؛ بدليل أنه إذا فسد الشرط كان جميع الربح له، والمضارب لا يستحق إلا
بالشرط؛ لأنه إنما يستحق بمقابلة عمله، والعملُ لا يتقوم إلا بالعقد/ .
١٢٥٩/٢
إذا عرف هذا فنقول في هذه المسألة: إذا سَمَّى للمضارب جزءاً معلوماً من الربح، فقد
وجد في حقه ما يفتقر إلى استحقاقه الربح، فيستحقه، والباقي يستحقه رب المال بماله.
ولو قال: خذ هذا المال مضاربة على أَنَّ لي نصف الربح ولم يزد على هذا، فالقياسُ أن
تكون المضاربة فاسدة، وهو قول الشافعي - رحمه الله - ولكنها جائزةٌ استحساناً، ويكون
للمضارب النصف.

٨
كتاب المضاربة
وجه القياس أن رب المال لم يجعل للمضارب شيئاً معلوماً من الربح، وإنما سمى لنفسه
النصف فقط، وتسميتُهُ لنفسه لغوّ لعدم الحاجة إليها، فكان ذكره والسكوت عنه بمنزلة واحدةٍ،
وإِنما الحاجة إلى التسمية في حق المضاربة، ولم يوجد، فلا تصحُ المضاربةُ.
وجه الاستحسان أن المضاربة تقتضي الشركة في الربح، فكان تسمية أحد النصفين لنفسه
تسمية الباقي للمضارب؛ كأنه قال: خذ هذا المال مضاربةً على أن لك النصف كما في ميراث
الأبوين في قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ لما كان
ميراث الميت لأبويه، وقد جعل الله - عَزَّ وجلَّ - للأم منه الثلث، كان ذلك جعل [الباقي
للأب](١)، كذا هذا(٢).
ولو قال: عليَّ أن لي نصف الربح ولك ثلثه، ولم يزد على هذا، فالثلث للمضارب،
والباقي لرب المال؛ لما ذكرنا أن استحقاق المضارب الربح بالشرط، واستحقاق رب المال
لكونه مِنْ نَمَاء ماله، فإذا سلم المشروط للمضارب بالشرط، يسلم المسكوت عنه؛ وهو الباقي
لرب المال لكونه من نماء ماله.
ولو قال ربُّ المال: عليَّ أن ما رزق الله - عزَّ وجلَّ - فهو بيننا، جاز ذلك، وكان الربح
بينهما نصفين؛ لأن البين كلمة قسمة، والقسمة تقتضي المساواة إذا لم يبين فيها مقدار معلوم،
قال الله - عَزَّ شأنُهُ -: ﴿وَنَبِّثْهُمْ أَنَّ المَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] وقد فهم منها التساوي في
الشرب، قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمِ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:
١٥٥] هذا إذا شرط جزء من الربح في عقد المضاربة لأحدهما، إِما المضاربَ وَإِما رَب المال،
وسكت عن الآخر.
فأما إذا شرط لهما ولغيرهما؛ بأن شرط فيه الثلث للمضارب والثلث لرب المال والثلث
لثالث سواهما، فإن كان الثالث أجنبيًّا، أو كان ابن المضارب وشرط عليه العمل، جاز وكان
الربح بينهم أثلاثاً، وإن لم يشرط عليه العمل، لم يجز، وما شرط له يكون لرب المال؛ لأن
الربح لا يستحق في المضاربة من غير عمل ولا مال، وصار المشروط له كالمسكوت عنه.
وإن كان الثالثُ عبد المضارب، فإن كان عليه دَيْنٌ فكذلك عند أبى حنيفة - رحمه الله -
أن شرط عمله؛ لأن المضارب لا يملك كسب عبده، فكان كالأجنبي، وإن لم يشترط عمله
فما شرطه فهو لرب المال؛ لما ذكرنا في الأجنبي.
(١) بدل ما بين المعكوفين في أ: للأب الثلثين.
(٢) في أ: ها هنا.
مـ

٩
كتاب المضاربة
وعند أبي يوسف ومحمد المشروط له يكون للمضارب؛ لأن المولى يملك كسبه
- عندهما - كما يملك لو لم يكن علیه دَیْنٌ .
وإن كان الثالثُ عبد رب المال، فهو على هذا التفصيل أيضاً أنه إن كان عليه دين فإن
شرط عمله فهو كالأجنبي عند أبي حنيفة؛ لأن المولى لا يملك إكسابه، وإن لم يشترط عمله
فما شرط له فهو لرب المال؛ لما قلنا، وعندهما ما شرط له فهو مشروط لمولاه، عمل أو لم
يعمل، لأن المولى يملك كسب عبده، كان عليه دين أو لا، فإن لم يَكُنْ على العبد دين ففي
عبد المضارب الثلثان للمضارب والثلث لرب المال، لأنه إذا لم يكن عليه دين فالملك يثبت
للمولى، فكان المشروط له مشروطاً للمولى، وصار كأنه شرط للمضارب الثلثين، وفي عبد
رب المال الثلث للمضارب والثلثان لرب المال؛ لأن المشروط له يكون مشروطاً لمولاه إذا لم
يكن عليه دين، فصار كأن رب المال شرط لنفسه الثلثين.
وعَلَى هذا قالوا: لو شرط ثلث الربح للمضارب، والثلث لقضاءِ دين المضارب، والثلث
لرب المال - أن الثلثين للمضارب والثلث لرب المال؛ وكذا لو شرط ثلث الربح للمضارب
والثلث لرب المال والثلث لقضاء دين رب المال، أن الثلثين لرب المال والثلث للمضارب؛
لأن المشروط لقضاء دين كلّ واحد مِنْهُمَا مَشْرُوطً له.
فصل في شرائط الركن
وأما شرائط الركن: فبعضها يرجع إلى العاقدين؛ وهما رب المال والمضارب، وبعضها
يرجع إلى رأس المال، وبعضها يَرْجِعُ إلى الربح.
أما الذي يرجع إلى العاقدين وهما رب المال والمضارب، فأهلية التوكيل والوكالة؛ لأن
المضارب يَتَصَرَّف بأمر رب المال، وهذا معنى التوكيل، وقد ذكرنا(١) شرائط أهلية التوكيل
والوكالة في ((كتاب الوكالة))، ولا يشترط إسلامهما، فتصح المضاربة بين أهل الذمة وبين
المسلم والذمي والحربي المستأمن، حتى لو دخل حربيُّ دارَ الإسلام بأمانٍ فدفع ماله إلى مسلم
مضاربة، أو دفع إليه مسلم ماله مضاربةً، فهو جائز؛ لأن المستأمَنَ في دارنا بمنزلة الذمي،
والمضاربة (٢) مع الذمي مضاربة جائزة، فكذلك مع الحربيِّ المستأمِن، فإن كان المضاربُ هو
المسلم، فدخل دار الحرب بأمان، فعمل بالمال فهو جائز؛ لأنه دَخَلَ دار رب المال، فلم
يوجد بينهما اختلاف الدارين، فصار كأنهما في دار واحدة.
(١) في ط: ذكر.
(٢) في أ: المعاراة.

١٠
كتاب المضاربة
/
وَإِنْ كان المضاربُ هو الحربي، فرجع إلى داره الحربي، فإن كان بغير إذن رب المال
٢٥٩/٢ب بطلت المضاربة، وإن كان بإذنه فذلك جائز، ويكون على المضاربة ويكون/ الربح بينهما على
ما شرطا، إن رجع إلى دار الإسلام مسلماً أو معاهداً أو بأمانٍ؛ استحساناً، والقياسُ أن تبطل
المضاربةُ.
وجه القياس أنه لما عاد إلى دار الحرب بطل أمانُه وعاد إلى حكم الحرب كما كان،
فبطل أمر رب المال عند اختلاف الدارين، فإذا تَصَرَّفَ فيه، فقد تعدى بالتصرف، فملك ما
تصرف فيه.
وجه الاستحسان: أنه لما دخل(١) بأمر رَبِّ المال، صار كأن رَبَّ المال دخل معه، ولو
دَخَلَ رَبُّ المال معه إلى دار الحرب، لم تبطل المضاربة، فكذا إذا دخل بأمره، بخلاف ما إذا
دخل بغير أمره؛ لأنه لما لم يأذن له بالدخول انقطعَ حكم رَبِّ المال عنه، فصار تصرفه لنفسه،
فملك الأمر به.
وقد قالوا في المسلم إذا دخل دار الحرب بأمانٍ فدفع إليه حربي مالاً مضاربةً مائة درهم؛
أنه على قياس قول أبى حنيفة ومحمد - جائز، فإن اشترى المضاربُ على هذا وربح أو وضع،
فالوضيعةُ على رب المال، والربح على ما اشترط، ويستوفي المضارب مائة درهم والباقي لرب
المال، وَإِن لم يكن في المال ربح إلا مائة، فهي كلها للمضارب [ما لم يشترط](٢) وإن كان
أقل من مائة، فذلك للمضارب أيضاً، ولا شيء للمضارب على رَبِّ المال؛ لأنَّ رَبَّ المالِ لم
يشترط المائة إلا من الربح.
فَأَما على قول أبي يوسف، فالمضاربةُ فاسدةٌ، وللمضارب أجر مثله، وهذا فرع
اختلافهم في جواز الربا في دار الحربِ لما علم، وَأما الذي يرجع إلى رأس المال فأنواعٌ:
منها أن يكون رأس المال من الدراهم أو الدنانير(٣) عند عامة العلماء(٤)، فلا تجوز
المضاربة بالعروض.
(١) في ط: خرج.
(٢) سقط من ط.
(٣) الدينار - عملة ذهبية، كان يعرفها العرب قبل الإسلام، وكان يستخدمها المسلمون في عصور مختلفة،
واشتقت اسمها من لفظ (ديناريوس) اليوناني الذي أطلق على عملة ذهبية بيزنطية، كانت شائعة في الشرق
. الأوسط، وعرفها العرب في اتصالهم التجاري، وبدا تعريب الدينار البيزنطي أبان خلافة (عبد الملك بن
أُمروان) وتميز باحتفاظه بالوزن الرسمي للدينار البيزنطي القديم، وهو (٤,٢٥) جرام. (القاموس الإسلامي
جـ ٢ ص ٤٢٤، ٤٢٥).
أما الدرهم - وكان يوجد في جزيرة العرب نقود فضية تعد من أجزاء الدرهم، فمنها: ما كان وزنه اثني
وعشر قيراطاً، وما كان وزنه عشرة قراريط، وهو (٠٫٧) من الدينار، أي كل عشرة دراهم تساوي سبعة =
.

١١
كتاب المضاربة
دنانير، وهو ستة دوانق. والدرهم الشرعي درهمان: درهم أخذ به أبو حنيفة، وهو: سبعون حبة من
متوسط القمح أو الشعير، ودرهم أخذ به الأئمة الثلاثة، وهو: وزن ٥/٢ ٥٠ حبة.
ورأس مال المضاربة يكون دراهم أو دنانير أي (ذهب وفضة مسكوكة) أما غير المسكوكة منها، فإن كان
التعامل بها متعارفاً بين الناس وعادة فهي في حكم المسكوكة، وإلا فهي في حكم العروض، ولنا تفصيل
سيأتي بعد، وزيادة في الانتفاع أحب أن أبين معنى المال.
فالمراد به: ما تميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة والمالية: تثبت بتمول الناس كافة أو
بعضهم، والتقوم يثبت بها وبإباحة الانتفاع به شرعاً، فما يباح بلا تمول لا يكون مالاً، كحبة حنطة، وما
يتمول بلا إباحة انتفاع لا يكون متقوماً كالحجر، وإذا عدم الأمران، لم يثبت واحد منهما كالدم.
وخلاصة القول: إن المال أعم من المتمول، لأن المال ما يمكن ادخاره، ولو غير مباح كالخمر.
وأما المتقوم: فهو ما يمكن ادخاره مع الإباحة، فالخمر: مال لا يتقوم. فلذا فسد البيع بجعلها ثمناً،
وخرج بما يمكن ادخاره المنفعة: فلا تعد مالاً، لأنها ملك لا مال، لأن الملك ما من شأنه أن يتصرف
فيه، بوصف الاختصاص، كما في التلويح (ابن عابدين جـ ٤ ص ١٣٩).
(٤) اشترط الشيخان في رأس مال المضاربة -: أن يكون دراهم أو دنانير، ولا تصح بغيرهما إلا أن محمداً
رحمه الله، أجازها بالفلوس الرائجة .
والفلوس الرائجة: هي المسكوكات النحاسية والبرونزية الرائجة التي جرى التعامل فيها بين الناس، عرفاً
وعادة، فهي في حكم النقود، تصلح أن تكون رأس مال عند محمد، وذلك خلافاً للشيخين أبي حنيفة،
وأبي يوسف. ولا تصح على قولهما، لأنها كالعروض، ثمنها تتبدل ساعة فساعة، وتصير سلعاً.
(تنظر الهداية: جـ ٣ ص ٩).
أما على قول محمد: تصح المضاربة بها، والفتوى على أنها تجوز (الفتاوى الهندية جـ ٤ ص ٢٨٦،
والهداية جـ ٣ ص ٥).
ووجه قوله: إنها أثمان لا تتعين بالتعيين كالدراهم والدنانير.
أما وجه قول الشيخين: بعدم الجواز، أنها إذا كسدت فهي كالعروض، ثمن من وجه، بيع من وجه.
ثمن لبعض الأشياء في عادة التجار، دون البعض، فكانت كالمكيل والموزون.
(المبسوط ٢١/٢٢، مجمع الأنهر ٢٥٤/٢).
وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف، مثل ما روي عن محمد في رواية أخرى، وهي رواية الحسن بن زياد
في المجرد.
إلا أن الرواية الأولى أقيس وأظهر (الهداية ٥/٣).
ومعنى أقيس وأظهر: أنه موافق للقياس، وأنه ظاهر الرواية.
أما ابن أبي ليلى فقد جوز: أن يكون رأس المال مكيلاً أو موزناً، لأنهما من ذوات الأمثال، فيمكن تقدير
رأس المال، بمثل المقبوض.
(تبیین الحقائق ٥/ ٥٣).
ورأى بعض فقهاء المالكية، عدم الجواز، كابن القاسم، وابن المواز.
وحجة هذا الرأي: أن الفلوس لا يحرم فيها التفاضل، فإذا وقع بها القراض يجب فسخه كالعروض.
(المنتقى ١٥٦/٥، ١٥٧).
=

١٢
كتاب المضاربة
وعند مالك هذا ليس بشرط، وتجوز المضاربةُ بالعروض، والصحبحُ قولُ العامة لما
ذكرنا في ((كتاب الشركة)) أن ربح ما يتعين بالتعيين ربح ما لم يضمن، لأن لعروض تتعين عند
الشراء بها، والمعين غير مضمون حتى لو هلكت قبل التسليم لا شيء على المضارب، فالربح
عليها يكون ربح ما لم يضمن؛ ((وَنَهَىْ رَسُولُ اللهِ -رَ﴿ - عَنْ رِبْحَ مَا لَمْ يضمن))(١)، وما لا
يتعين يكون مضموناً عند الشراء به، حتى لو هكلت - العينُ قبل التسليم، فعلى المشتري به
ضمانه(٢)، فكان الربح على ما في الذمة، فيكون ربح المضمون؛ ولأن المضاربة بالعروض
تؤدي إلى جهالة الربح وقت القسمة؛ لأن قيمةَ العروضِ تعرف بالحزر والظن، وتختلفُ
باختلاف المقومين، والجهالة تفضي إلى المنازعةِ، والمنازعةُ تفضي إلى الفساد، وهذا لا
يجوزُ.
وَقَدْ قالوا: إنه لو دفع إليه عروضاً فقال له: بعها واعمل بثمنها مضاربةً، فباعها بدراهم
أو دنانير وتصرف فيها، جاز؛ لأنه لم يضف المضاربةَ إلى العروض؛ وَإِنما أضافها إلى الثمن،
والثمنُ تصحّ به المضاربة، فإن باعها بمكيلٍ أو موزون، جاز البيعُ عند أبي حنيفة؛ بناءً عَلَى
أصله في الوكيل بالبيع مطلقاً أنه يبيع بالأثمان وغيرها، إلا أن المضاربة فاسدة؛ لأنها صارت
مضافة إلى ما لا تصح المضاربة به، وهو الحنطة والشعير، وأما على أصلهما فالبيعُ لا يجوز؛
لأن الوكيل بالبيع مطلقاً لا يملك البيع بغير الأثمان، ولا تفسد المضاربةُ؛ لأنها لم تصر مضافة
إلى ما لا يصلح به رأس مال المضاربة.
ولأن الفلوس تؤول إلى الكساد والفساد، فلا تتفق. (شرح الخرشي ٢٠٥/٦، والمدونة الكبرى ٨٦/١٢).
=
والرأي الثاني للمالكية: وهو قول ابن حبيب وأصبغ، وروي عن أشهب: الجواز، لأن الفلوس لا تتعين
بالعقد، وأنها أثمان يتعامل به، فصح القراض بها كالدنانير والدراهم. (مواهب الجليل: ٢٥٩/٥، وشرح
الخرشي ٢٠٥/٥).
والرأي الأول هو الأصح في المذهب.
أما الشافعية: فقد قالوا بعدم الجواز، لأنها نقد وعرض، وحكمها حكم العروض، وهذا متفق عليه
عندهم. (فتح العزيز ٥/١٢) و(شرح منهج الطلاب ١٣٣/٣).
جاء في المهذب: (ولا يصح إلا على الأثمان، وهي الدراهم والدنانير، فأما ما سواهما من العروض
والنقار والسيائك والفلوس فلا يصح القراض عليها) - المهذب ٣٨٩/١.
والحنابلة: يرون عدم الجواز، ولو كانت نافقة، أي رائجة على الرأي الراجح في المذهب، لأن الفلوس
تروج مرة وتكسد أخرى فأشبهت العروض، فإن قلنا بصحة المضاربة فيها، فإنها إن كانت رائجة كان
رأس المال مثلها، وإن كانت فاسدة، كانت قيمتها كالعروض. (نيل المآرب بشرح دليل الطالب ١٢٧/١،
١٢٨، والفروع ٧١٣/٢، المغني ١٥/٥).
(١) تقدم بنحوه.
(٢) في: ضمانه مثله من الربح.

١٣
كتاب المضاربة
وأما تبرُ(١) الذهب والفضة، فقد جعله في هذا الكتاب بمنزلة العروض، وجعله في
(كتاب الصرف)) بمنزلة الدراهم والدنانير، والأمرُ فيه مَوْكُولٌ إلى التعامل، فإن كانَ الناسُ
يتعاملون به، فهو بمنزلة الدراهم والدنانیر؛ فتجوز المضاربة به، وَإِن كانوا لا يتعاملون به، فهو
كالعروض، فلا تجوز المضاربة به(٢).
(١) التبر: كسارة الذهب والفضة إذا أخذ من معدنها قبل تنقيتها من ترابها.
(٢) فقد جعل المصنف التبر في الشركة، بمنزلة العروض، وذكر في صرف الأصل أنه كالأثمان، وفي شرح
القدوري: أن ذلك على حسب عادات الناس في التعامل بالتبر، فإن تعاملوا به فهو كلأثمان، وإن لم
يتعاملوا به فهو كالعروض.
ثم الحيلة في تجويز الشركة، بما يتغير في عقود المبادلات والمعاملات، أن يبيع كل واحد منهما نصف
عرضه، بنصف عرض صاحبه، حتى صار ما لكل واحد منهما مشتركاً بينهما شركة تملك ثم بعقدان بعد
ذلك عقد الشركة، إن شاء مفاوضة، وإن شاء عناناً، وكذلك لو باع صاحب العرض، نصف عرضه
بنصف دراهم صاحبه، وتقابضا، ثم عقدا عليهما عقد الشركة مفاوضة أو عناناً جاز، ويصير القرض رأس
مال الشركة بعده ناضاً متركاً بينهما يصلح رأس المال الشركة، وإذا كان قبل ذلك لا يصلح.
وذكر خواهر زاده - رحمه الله - هذا الوجه، في باب بضاعة المقارض، وفي المنتقى (هشام عن محمد
رحمه الله).
ومعلوم بأنه يشترط: أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير أي عملة ذهبية، وفضة مسكوكة، أما غير
المسكوكة من النحاس والألمنيوم، فيسميها العلماء بالنقار.
واختلف العلماء في حكم التعامل به، وبالتبر: ذهب الحنفية: بأنه لا تجوز المضاربة بغير الدراهم
والدنانير، غير البعض منهم الذي أجاز المضاربة بالفلوس، أما المضاربة بالتبر فقد روي عنهم روايتان:
(الأولى) الجواز و(الثانية) بعدم الجواز.
وجه الرواية الأولى: أن التبر مما لا يتعين بالتعيين، ولا يبطل العقد بهلاكه، فهو بمنزلة الدراهم
والدنانير، ومن هنا تجوز المضاربة به والأمر موكول إلى التعامل، فإن كان الناس يتعاملون به، فهو
كالدراهم والدنانير وإن لم يتعاملوا به، فهو كالعروض، فلا تجوز. (المبسوط ٢١/٢٢، والفتاوى الهندية
٢٨٦/٤).
وجه الرواية الثانية: أن الدراهم والدنانير اسم للمضروب، والتبر غير ذلك فكان بمنزلة العرض.
والحاصل: أن الأمر يرجع فيه إلى العرف والعادة، فإن كان الناس يتعارفون على التعامل به جاز، وإلا
لا. (المرجع السابق).
أما علماء الشافعية: فقد منعوا التعامل بالنقار والتبر مطلقاً، سواء كان يتعامل الناس بها، أم لا بلا خلاف
بينهم، وقالوا: إن المضاربة فيها نوع من الغرر لجهالة العمل، وعدم الثقة في الربح، فكان خاصاً بما
يروج، وتسهل التجارة به، وهو النقد المضروب، لأنه ثمن الأشياء (فتح العزيز ٥/١٢، والمهذب ١/
٣٨٩، نهاية المحتاج ١٦١/١).
وقال الرافعي من الشافعية: (ويترتب على اعتبار النقدية ((الدراهم والدنانير)) امتناع القراض على الحلى
والتبر، وكل ما ليس بمضروب، لأنها مختلفة القيمة كالعروض. (فتح العزيز ٦/١٢).
=

١٤
كتاب المضاربة
وَأَمَّا الزيوف والنبهرجة فتجوز المضاربةُ بها، ذكره محمد - رحمه الله - لأنها تتعين بالعقد
کالجياد.
وأما الستوقة، فإن كانت لا تروج، فھي کالعروض، وإن كانت تروج فهي كالفلوس،،
وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف في الدراهم التجارية [أنه](١) لا يجوز المضاربة بها(٢)؛ لأنها
كسدت عندهم وصارت سلعة قال: ولو أجزت المضاربة بها أجزتها بمكةً بالطعام؛ لأنهم
يتبايعون بالحنطة كما يتبايع غيرُهم بالفلوس.
أما علماء المالكية: فأجازوا المضاربة بالتبر، بشرط ألا يكون في البلد المضارب فيها عملة مسكوكة.
وقال اللخمي: (لا يجوز القراض بالنقد في البلد الذي يتبايعون به فيه، ولا خلاف في ذلك. (التاج
والإكليل ٣٥٥/٥).
وقال الخرشي: (ولا بتبر لم يتعامل به ببلده) وقيده ابن رشد في ذلك. ويفهم من مذهب المالكية أن
المضاربة لا تجوز بالنقود غير المضروبة، والتبر إذا لم يتعامل بها في بلد القراض، ولا تجوز أيضاً عند
وجود عملة مسكوكة، ولو جرى التعامل بها. (الشرح الكبير ٤٧٣/٣).
أما مذهب الحنابلة: في ذلك موافق تماماً للمذهب الحنفي بعدم الجواز لأن قيمتها تزيد وتنقص، فكانت
کالعروض.
(المغني ١٥/٥، نيل المآرب لشرح دليل الطالب ١٢٧/١).
(١) سقط من ط.
(٢) سئل أبو يوسف عن المضاربة، بالدراهم التجارية، فقال: لو جزت ذلك، لجوزت المضاربة بالطعام
بمكة، يعني أن أهل مكة يتبايعون بالطعام، كما أن أهل بخارى، يتعاملون بالبر بعينه وقد جاء ذلك في
المبسوط ٢١/٢٢.
حيث إن المضاربة بالدراهم التجارية لا تجوز، لأنها كالفلوس تتبدل قيمتها ساعة فساعة، فصارت سلعاً،
أما ابن ليلى من الحنفية فقد جوز أن يكون رأس المال من العروض، لأنها من ذوات الأمثال، ويمكن
تقدير رأس المال بمثل المقبوض. (تبيين الحقائق للزيلعي ٥٣/٥) أما الجمهور: فقد منعوا ذلك للغرر،
وقد علل ابن رشد بقوله: (لأنه يقبض العرض، وهو يساوي قيمة ما، ويرده وهو يساوي قيمة غيرها،
فيكون رأس المال والربح مجهولين. (بداية المجتهد لابن رشد الحفيد ٢٣٦/٢).
وقال الإمام مالك: تجوز بالعروض، لأنها متقومة، يستريح عليها بالتجارة عادة فكانت كالنقدين، فيما هو
المقصود بالمضاربة، وأمكن تقدير رأس المال بالقيمة، إذ هي متقومة، ولهذا تبقى المضاربة عليها، فكذا
يجوز الابتداء بها. (المرجع السابق).
ولنا ما روي: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام، نهى عن ربح ما لم يضمن والمضاربة بغير النقود تؤدي
إليه، لأنها أمانة في يد المضارب، وربما زادت قيمتها بعد القبض، فإذا باعها شركة في الربح، فحصل
ربح ما لم يضمن، حيث إن المضارب يستحق نصيبه من غير أن يدخل شيء في ضمانه بخلاف النقود،
فإنه عند الشراء بها، يجب الثمن في ذمته، لأنها لا تتعين بالتعيين، فما يحصل له بذلك فهو ريح ما
ضمن، والمكيل والموزون عروض لا نرى أنها تتعين بالتعيين، فأول تصرف يكون فيها بيعاً وقد يحصل
بهذا البيع ربح، بأن يبيعه ثم يرخص سعره بعد ذلك فيظهر ربحه بدون الشراء، فيكون هذا استئجاراً على
البيع بأجر مجهول فيكون باطلاً كما في العروس. ينظر تبيين الحقائق (٥٣/٥، ٥٤).

١٥
كتاب المضاربة
وَأَمَّا الفلوسُ: فَقَدْ ذَكَرْنا الكلام فيها في ((كتاب الشركة))، فالحاصلُ أن في جواز
المضاريةِ بها روايتين عن أبي حنيفة، ذكر محمد في المضاربة الكبيرة في ((الجامع الصغير))،
وقال: لا تجوز المضاربة إلا بالدراهم والدنانير عند أبي حنيفة، وروى الحسن عنه أنها
تجوز(١).
والصحيحُ مِنْ مَذْهَب أبي يوسف أنها لا تجوزُ.
وعند محمد تجوز بناءً على أن الفلوس لا تتعين بالتعيين عنده، فكانت أثماناً كالدراهم
والدنانير .
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف تتعين، فكانت كالعروض.
ومنها أن يكون معلوماً، فإن كان مجهولاً/ لا تصح المضاربة؛ لأن جهالة رأس المال ١٢٦٠/٢
تؤدّي إلى جهالة الربح، وكون الربح معلوماً شرط صحة المضاربة.
ومنها: أن يكون رأسُ المال عيناً لا ديناً، فإن كان ديناً فالمضاربةُ فاسدة (٢) وعلى هذا
(١) في أ: أنه يصح.
(٢) / وذلك لأن المضاربة توكيل بالشراء، والتوكيل بالشراء بدين في ذمة الوكيل لا يصح، حتى يعين البائع أو
المبيع، عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله، فبطل التوكيل بالكلية، حتى لو اشترى كان للمأمور وكذا لا
يصح التوكيل بقبض ما في ذمة نفسه، فلا تتصور المضاربة فيه، وعندهما أي: (أبو يوسف ومحمد
رحمهما الله) يصح التوكيل بالشراء بما في ذمة الوكيل من غير تعيين ما ذكر (أي يعين البائع أو المبيع).
ويبرأ من الدين، حتى يكون مشترياً للآمر، له ربحه، وعليه وضيعته والمضاربة فاسدة، لأن الشراء وقع
للموكل فيكون مضاربة بالعروض فلا تصح. وذلك بخلاف ما لو كان له دين على ثالث، فقال: (اقبض
مالي على فلان واعمل به مضاربة، حيث يجوز، لأنه أضاف المضاربة إلى زمان القبض والدين فيه يصير
عيناً، ويصلح أن يكون رأس مال للمضاربة. (تبيين الحقائق ٥٤/٥، الفتاوى الهندية ٢٨٦/٤ المبسوط
٢٩/٢٢).
وكذلك يرى المالكية عدم صحة المضاربة بالدين، فإذا كان الدين في ذمة المضارب نفسه لا يجوز،
وذلك مخافة أن يكون عليه دين فيزيده فيه ليؤخره، ولكن إذا أحضر المضارب الدين، وسلمه إلى الدائن
ثم سلمه الدائن إليه مرة أخرى صحت المضاربة.
وقد جاء في الشرح الكبير في هذا ما يلي: (ولا تجوز المضاربة بدين على العامل ما لم يوفه لربه فعلاً،
أو يحضره ويشهد على أن هذا هو الدين الذي عليه لرب المال، وأن ذمته برئت منه، ثم يدفعه إليه،
ليعمل فيه حتى تنتهي تهمة تأخير وفاء الدين في نظير فائدة هي ادعاء العمل. (الشرح الكبير ٤٧٢/٣).
أما المالكية فيذهبون إلى أبعد من هذا، فقالوا: بعدم جواز صحة المضاربة بالدين الذي في ذمة الغير، إذا
قام المضارب بقبضه بإذن المالك، والعمل فيه مضاربة، لأن في ذلك منفعة للدائن وهي عمل المضارب
في قبض الدين من الغير من غير أجر، وهذا لا يجوز، وشبهوا هذه الحالة بحالة عدم جواز المضاربة
بثمن العروض، إذا باعها المضارب بنفسه.
وقد جاء في شرح الخرشي: (وكذا لا يجوز أن يكون رأس المال قراضاً أو ثمناً إذا كان المضارب هو =

١٦
كتاب المضاربة
يخرج ما إذا كان لربِّ المال على رجل دين، فقال له: اعمل بديني الذي في ذمتك مضاربة
الذي يتولى بيعه، وجعل ثمنه المبيع به هو القراض، كأن وكله على خلاص دين والتشبيه في المنع
=
والمعنى: أنه إذا وكله على خلاص دين له على شخص، فإذا أخلصه كان بيده قراضاً، فإن ذلك لا
يجوز، ولو كان الذي عليه الدين حاضراً مقراً تأخذه الأحكام. (شرح الخرشي ٢٠٥/٦، حاشية الدسوقي
والشرح الكبير ٤٧٣/٣).
ويقول ابن رشد: (واختلف العلماء في من أمر رجلاً أن يقبض ديناً له على رجل آخر، ويعمل فيه على
جهة القراض، فلم يجز ذلك الإمام مالك وأصحابه لأنه رأى أنه ازداد على العامل كلفة، وهو ما كلفه من
قبضه .
وهذا على أصله، أن من اشترط منفعة زائدة في القراض أنه فاسد.
(بداية المجتهد ٣٨٥/١، المنتقى ١٦٥/٥، ١٦٦).
ويرى علماء الحنابلة: عدم صحة المضاربة بالدين في ذمة المضارب وقالوا بصحتها، إذا كان الدين في
ذمة آخر، ولكن وكله اقتضاء دينه وقبضه، وإذا قبضه وعمل به صحت المضاربة.
ويقول البهوتي في هذا: (وإن قال رب دين: ضارب بالدين الذي عليك لم تصح، لعدم حضور المال،
ولأن المال الذي في يد المدين له، وإنما يصير لغريمه يقبضه، ولم يقبضه، أو قال ضارب بديني الذي
على زيد فاقبضه لم يصح، ذلك لأنه عقد على ما لا يملكه، لأنه لا يملك ما في يد مدين إلا بقبض ونم
يوجد وذلك بخلاف: اقبض ديني وضارب به فيصح، لأنه وكله في قبض الدين وعلق المضاربة على
القبض وتعليقها صحيح. (ينظر كشاف القناع ٤٢٨/٣، المغني ٦٧/٥، الفروع ٧١٤/٢).
أما مذهب الشافعية: فهو عدم الجواز مطلقاً، سواء كان الدين في ذمة المضارب، أو في ذمة آخر، ولو
أمره بقبضه، والمضاربة به.
ولذلك لو قال الدائن للمضارب: ضارب بالدين الذي لي بذمتك لم يصح وذلك لأن الدائن لا يملك
الدين بغير قبض، وإذا لم يملكه فلا مضاربة. ولو قال شخص لآخر: اقبض ديني على فلان، فإذا قبضته
فقد ضاربتك عليه لم يصح، لأن في هذا تعليق المضاربة على القبض والتعليق يفسد المضاربة. (مغني
المحتاج ٣١٠/٢، نهاية المحتاج ١٦١/٤، فتح العزيز ٧/١٢، ٨، حاشية البجيرمي ١٣٤/٣).
وعلى هذا فالمضاربة بالدين لها صورتان:
أما الأولى: المضاربة بالدين الذي في ذمة المضارب نفسه، فلا تصح المضاربة به إلا بعد قبضه من قبل
الدائن، وتسليمه إلى المضارب ثانياً ليعمل فيه مضاربة، لأن الدين قبل قبضه وصف في الذمة لا يملكه
الدائن، وبعد القبض يصير عيناً، وتصح المضاربة به، هذا متفق عليه عند جميع الفقهاء.
وأما الثانية: المضاربة بالدين الذي في ذمة آخر، فقد ذهب علماء المالكية والشافعية إلى عدم صحة
المضاربة، ولو أمر المضارب بقبضه من هذا الغير والمضاربة به؛ لأن الدائن شرط لنفسه منفعة، وهذا لا
يجوز، كما قال المالكية، ولأن في هذا تعليق المضاربة إلى زمن القبض، وتعليق المضاربة يفسدها.
وذهب علماء الحنفية والحنابلة: إلى جواز المضاربة بالدين الذي في ذمة الغير، وذلك لأن هذا يعتبر
توكيلاً للمضارب بقبض الدين أولاً، ثم المضاربة به بعد قبضه، وهذا صحيح.
ويبدو أن ما ذهب إليه الأحناف والحنابلة هو الأصح، ونميل إلى اختياره.
ويرد على الشافعية: أن المضارب بقبض الدين الذي في ذمة الغير، باعتباره وكيلاً عن رب المال الدائن =

١٧
كتاب المضاربة
بالنصف، أَن المضاربةَ فاسدةٌ بلا خلافٍ، فإن اشترى هذا المضارب وباع، له ربحه وعليه
وضيعتُهُ، والدين في ذمته بحال عند أبي حنيفة.
وعندهما ما اشترى وباع لرب المال له ربحه وعليه وضيعته؛ بناءً على أن من وكل رجلاً
يشتري له بالدين الذي في ذمته لم يصح عند أبي حنيفة؛ حتى لو اشترى لا يبرأ عَمَّا في ذمته
عنده، وإذا لم يصحُ الأمرُ بالشراء بما في الذمة، لم تصحَّ إضافة المضاربة إلى ما في الذمة.
وعندهما يصح التوكيل ولكن لا تصح المضاربة؛ لأن الشراء يَقَعُ للموكل فتصير
المضاربةُ بعد ذلك مضاربة بالعروض؛ لأنه يصير في التقدير كأنه وكَّله بشراء العروض ثم دفعه
إليه مضاربة، فتصير مضاربة بالعروض، فلا تصح.
ولو قال لرجل: اقبض ما لي على فلان من الدين، واعمل به مضاربة ـ جاز؛ لأن
المضاربة هنا أُضِيفَتْ إلى المقبوض، فكان رأس المال عيناً لا ديناً (١)، ولو أضاف المضاربة
إلى عين هي أمانة في يد المضاربِ من الدراهم والدنانير؛ بأن قال للمودع (٢) أو المستبضع:
اعمل بما في يدك مضاربة بالنصف، جاز ذلك بلا خلافٍ، وَإِن أضافها إلى مضمونة في يده
كالدراهم والدنانير المغصوبة، فقال للغاصب: اعمل بما في يدك مضاربة بالنصف، جاز ذلك
عند أبي یوسف والحسن بن زياد.
وقال زُفر: لا يجوز.
فكأن الدائن قبضه بنفسه ثم بعد أن يقبض المضارب الدين تنعقد المضاربة، لأن الدين بعد القبض يصير
=
عينا، وتصح المضاربة به، فالمضاربة هنا مضافة إلى وقت القبض وليس فيها تعليق على شرط كما
ادعیتم .
ويرد على المالكية: من أن المضاربة بالدين الذي في ذمة الغير بعد قبضه من قبل المضارب تتضمن منفعة
اشترطها الدائن على المضارب وهو عمله، وتعيينه في قبض الدين، ففيه نظر أيضاً.
فعمل المضارب، وتعيينه في قبض الدين ليس داخلاً في المضاربة، بل خارج عنها، لأنها تنعقد بعد
القبض لا قبله، ثم إن المضارب يعتبر وكيلاً عن الدائن في قبض الدين من الغير، وبعد القبض تنتهي
الوكالة، وتنعقد المضاربة.
(١) قال السرخسي في المبسوط: (ولو قال رب المال لرجل آخر: اقبض ما لي على فلان، ثم عمل به
مضاربة بالنصف فهو جائز؛ لأنه وكيل رب المال في قبض الدين منه، فإذا قبضه، كان المقبوض بمنزلة
الوديعة في يده، فتنعقد المضاربة بينهما برأس مال هو عين في يده.
وذكر في النوادر: أن هذا يكره، وذلك لأنه شرط لنفسه منفعة قبل عقد المضاربة، ليس ذلك مما حصل
به الربح، وهو تقاضي الدين، وقبضه فالكراهة لهذا.
(ينظر المبسوط جـ ٢٢ ص ٢٩، وابن عابدين جـ ٤ ص ٦٦٨).
(٢) في أ: المودع.
بدائع الصنائع ج٨ - ٢٢

١٨
كتاب المضاربة
وجه قوله إن المضاربة تقتضي كون المال أمانةً في / يد المضارب والمغصوب مغصوب
في يده، فلا يتحقق التصرف للمضاربة، فلا يصح، ولأبي يوسف أن ما في يده مضمونٌ إلى
أن يأخذ في العمل، فإذا أخذ في العمل وهو الشراء تصير أمانة في يده فيتحقق معنى
المضاربة، فتصح، وسواء كان رأس المال مفروزاً أو مشاعاً؛ بأن دفع مالاً إلى رجل بعضه
مضاربة وبعضه غير مضاربة مشاعاً في المال، فالمضاربة جائزة، لأن الإِشاعة لا تمنع من
التصرف في المال، فإن المضارب يتمكن من التصرف في المشاع، وكذا الشركة لا تمنع
المضاربة، فإن المضارب إذا ربح يصير شريكاً في المال، ويجوز تصرفه بعد ذلك على
المضاربة، فإذا لم يمنع البقاء لا يمنع الابتداء.
وعلى هذا يخرج ما إذا دفع إلى رجل ألف درهم، فقال: نصفها عليك قرضٌ، ونصفُها
مضاربة - أن ذلك جائز.
أما جواز المضاربة فلما قلنا، وأما جواز القَرْضِ في المشاع وإن كان القرض تبرعاً
المشاع (١) يمنع صحة التبرع كالهبة؛ فلأن القرض ليس بتبرع مطلقٍ؛ لأنه وإن كان في الحال
تبرعاً، لأنه لا يقابله عوضٌ للحال، فهو تمليك المال بعوض في الثاني.
أَلاَ ترى أن الواجب فيه رد المثل لا رد العين، فلم يكن تبرعاً من كلِّ وجهٍ، فلا يعمل
فيه الشيوع بخلاف الهبة؛ فإنها تبرع محضّ، فعمل الشيوع فيها، وَإِذا جاز القرض والمضاربة
كان نصف الربح للمضارب؛ لأنه ربح ملكه وهو القرض، ووضيعته عليه، والنصف الآخر بينه
وبين رب المال على ما شرطا؛ لأنه ربح مستقاد بمال المضاربة، ووضيعته على رب المال،
ولا تجوز قسمة أحدهما دون صاحبه؛ لأنه مال مشترك بينهما، فلا ينفرد أحدُ الشريكين
بقسمته .
قالوا: ولو كان قال له: خذ هذه الألف على أن نصفها قرضٌ عليك على أن تعمل
بالنصف الآخر مضاربة؛ على أن الربح لي - فهذا مكروهٌ؛ لأنه شرط لنفسه منفعة في مقابلة
القرض؛ ((وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهَِّ عَنْ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعاً)(٢)؛ فإن عمل على هذا فربح أو وضع،
فالربح بينهما نصفان؛ وكذا الوضيعة.
أما الربحُ فلأن المضارب ملك نصف المال بالقرض، فكان نصف الربح له والنصف
الآخر بضاعة في يده، فكان ربحه لرب المال.
صـ
(١) في ط: الشياع.
(٢) ذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (٤١١/١) رقم (١٣٧٣) وعزاه للحارث بن أبي أسامة عن علي
ابن أبي طالب مرفوعاً.

١٩
كتاب المضاربة
وأما الوضيعةُ فلأنها جزء هالك من المال، والمالُ مشترك، فكانت الوضيعة على قدره،
ولو قال: خذ هذه الألف على أن نصفها مضاربة بالنصف، ونصفها هبة، فقبضها المضارب
على ذلك غير مَقسوم، فالهبة فاسدة؛ لأنها هبة المشاع فيما يحتمل القسمة، فإن عمل في
المال فريح، كان نصف الربح للمضارب حصة الهبة، ونصف الربح بينهما على ما شرطا،
والوضيعة عليهما.
أما نصف الربح للمضارب حصة الهبة؛ فلأنه يثبت الملك له فيه إذا قبض بعقد فاسد،
فكان ربحه له، وأما النصف الآخر فإنما يكون ربحه بينهما على الشرط؛ لأنه استفيد بمال
المضاربة مضاربة صحيحة .
وأما كون الوضيعة عليهما؛ فلأنها جزء/ هالك من المال، والمال مشترك، فإن هلك ٢/ ٢٦٠ب
المال في يد المضارب قبل أن يعمل أو بعد ما عمل، فهو ضامن لنصف المال وهو الهبة؛ لأنه
مقبوض بعقد فاسدٍ، فكان مضموناً عليه كالمقبوض ببيع فاسد، ولو كان دفع نصف المال
بضاعة ونصفه مضاربة فقبضه المضاربُ على ذلك، فهو جائز، والمال على [ما] (١) سمَّيا من
المضاربة والبضاعة، والوضيعة على رب المال ونصف الربح لرب المال، ونصفه على ما
شرطا؛ لأن الإشاعة لا تمنع من العمل في المال مضاربة وبضاعة، وجازت المضاربة
والبضاعة، وَإِنما كانت الوضيعةُ على رب المال لأنه لا ضمان على المبضع، والمضارب في
البضاعة والمضاربة وحصة البضاعة من الربح لرب المال خاصَّة؛ لأن المبضع لا يستحق
الربح، وحصة المضاربة بينهما على ما شرطا؛ لأنه ربح حصل من مال المضاربة، والمضاربة
قد صحَّت، فيكون بينهما على الشرط.
ولو دفع إليه على أن نصفها وديعة في يد المضارب، ونصفها مضاربةٌ بالنصف؛ فذلك
جائز، والمال في يد المضارب على ما سَمَّيَا؛ لأن كلَّ واحد منهما، أعني: الوديعة والمضاربة
- أمانة، فلا يتنافيان، فكان نصف المال في يد المضارب وديعة ونصفه مضاربة، إلا أن
التصرف لا يجوز إلا بعد القسمة؛ لأن كل جزءٍ من المال بعضه مضاربة وبعضه وديعة،
والتصرف في الوديعة لا يجوزُ.
فإن قسم المضارب المال نصفين، ثم عمل بأحد النصفين على المضاربة فربح أو وضع،
فالوضيعة عليه وعلى رب المال نصفان، ونصف الربح للمضارب ونصفه على ما شرطا؛ لأن
قسمة المضارب المال(٢) لم تصح؛ لأن المالك لم يأذن له فيها، فإذا أفرز بعضه فقد تصرف
(١) سقط من ط.
(٢) في أ: هناك.

٢٠
كتاب المضاربة
في مال الوديعة ومال المضاربة، فما كان في حصة الوديعة فهو غصب، فيكون ربحه
للغاصب، وما كان في حصة المضاربة فهو على الشرط.
ومن هذا الجنس ما إذا دفع إلى رجلٍ متاعاً فباع نصفه من المدفوع إليه بخمسماية، ثم
أمره أن يبيع النصف الباقي ويعمل بالثمن كله مضاربة على أن ما رزق الله - تعالى - من شيءٍ
فهو بيننا نصفان، فباع المضارب نصف المتاع بخمسماية، ثم عمل بها وبالخمسماية التي عليه،
فربح في ذلك أو وضع، فالوضيعة عليهما نصفان، والربح بينهما نصفان في قياسٍ قول أبي
حنيفة - رحمه الله -، لأن من مذهبه أن من كان له على رجل دَيْنٌ فَأَمَرَهُ أن يشتريّ له بذلك
الدين شيئاً - لا يصح، والمشتري يكون للمأمور لا للآمر، ويكون الدين على المأمور [على](١)
حالة .
وإذا كان كذلك فهنا أمرٌ أن يعمل بالدين وبنصف ثمن المباع، فما ربح في حصة الدين
فهو للمدفوع إليه؛ لأنه تصرف في ملك نفسه، فيكون ربحه له، وما ربح في نصيب الدافع فهو
للدافع والوضيعة عليهما؛ لأن المالَ مشترك بينهما، فكان الهالك بينهما.
وأما في قياس قولِ أبي يوسف ومحمدٍ؛ فمقدار ما ربح في الخمسماية التي أمره أن يبيع
نصف المتاع بها، فهو بينهما نصفان على ما شرطا، وما ربح في النصف الذي عليه من الدين
يكون لرب المال؛ لأن من أصلهما أن الأمر بالشراء بالدين يصح، وتكون المضاربة فاسدة؛
لأنه إذا اشترى صار عروضاً والمضاربة بالعروض لا تصحُ، فصارت المضاربة هنا جائزة في
النصف فاسدة في النصف، فالربحُ في الصحيحة يكون بينهما على الشرط، وفي الفاسدة يكون
لرب المال.
ولو شرط الدافعُ لنفسِهِ الثلثَ وللمضارب الثلثين والمسألة بحالها، فإنَّ في قول أبي
حنيفة ثلثا الربح للمضارب على ما اشترطا، نصف الربح من نصيب المضاربة خاصَّةً، والسدس
من نصيب الدافع؛ كأنه قال له: اعمل في نصيبك على أن الربح لك، واعمل في نصيبي على
أن لك ثلث الربح من نصيبي.
وأما على قياس قولهما، فقد دفع إليه نصفه مضاربة جائزة، ونصفه مضاربة فاسدة، فما
ربح في النصف الذي كان ديناً فهو لرب المال؛ لأنه مضاربة فاسدة، وما ربح في النصف الذي
هو ثمن المتاع فالربح بينهما على ما شرطا، فصار لرب المال ثلثا الربح وللمضارب الثلث.
وَإِنْ كَانَ شرط لرب المال ثلثي الربح وللمضارب الثلث، فالربح بينهما نصفان في قول
(١) سقط من ط ..