النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ كتاب الوكالة وكذلك على هذا الاختلاف إذا أقام الغريم البينة أنه أعطى الطالب بالدراهم الدنانير أو باعه بها عرضاً فبينته مسموعة عنده، وعندهما غير مسمومة؛ لأن إيفاء الدين بطريقي المبادلة والمقاصة، ويستوي فيهما الجنس وخلاف الجنس، فكان الخلاف في الكل ثابتاً. وأما الوكيل بالبيع فالتوكيل بالبيع لا يخلو إما أن يكون مطلقاً، وإما أن يكون مقيداً، فإن كان مقيداً يراعي فيه القيد بالإِجماع؛ حتى أنه إذا خالف قيده لا ينفذ على الموكل، ولكن يتوقف على إجازته، إِلا أن يكون خلافه إِلى خير؛ لما مر أن الوكيل يتصرف بولاية مستفادة من قبل الموكل فيلي من التصرف قدر ما ولاه. وإِن كان الخلاف إلى خير فإِنما نفذ؛ لأنه إِن كان خلافاً صورة، فهو وفاق معنى؛ لأنه آمر به دلالة، فكان منصرفاً بتولية الموكل فنفذ بيان هذه الجملة إذا قال: بع عبدي هذا بألف درهم، فباعه بأقل من الألف، لا ينفذ. وكذا إذا باعه بغير الدراهم لا ينفذ، وإن كانت قيمته أكثر من ألف درهم لأَنّه خلاف إلى شر؛ لأن أغراض الناس تختلف باختلاف الأجناس، فكان في معنى الخلاف إلى شر، وإِن باعه بأكثر من ألف درهم نفذ؛ لأنّه خلاف إِلى خير، فلم يكن خلافاً أصلاً. وكذا على هذا لو وكله بالبيع بألف درهم حالة، فباعه بألف نسيئة، لم ينفذ، بل يتوقف لما قلنا، وَإِن وكله بأن يبيعه بألف درهم نسيئة، فباعه بألف حالة نفذ لما قلنا، وإِن وكله بأن يبيع ويشترط الخيار للآمر، فباعه ولم يشترط الخيار، لم يجز بل يتوقف. ولو باع وشرع الخيار للآمر ليس له أن يجيز؛ لأنه لو ملك الإِجازة بنفسه لم يكن للتقييد فائدة . هذا إِذا كان التوكيل بالبيع مقيداً، فأما إذا كان مطلقاً فيراعي فيه الإطلاق عند أبي حنيفة، فيملك البيع بالقليل والكثير، وعندهما لا يملك البيع إِلاَّ بما يتغابن الناس في مثله، وروى الحسن عن أبي حنيفة مثل قولهما. وجه قولهما أن مطلب البيع ينصرف إلى المبيع المتعارف، والبيع بغبن فاحشٍ ليس بمتعارف، فلا ينصرف، إِليه كالتوكيل بالشراء. ولأبي حنيفة أن الأصل في اللفظ المطلق أن يجري على إِطلاقه، ولا يجوز تقييده إِلا بدليل والعرف متعارضٌ، فإِن البيع بغبن فاحش لغرض التوصل بثمنه إلى شراء ما هو أربح منه متعارف أيضاً، فلا يجوز تقييد المطلق مع التعارض، مع أن البيع بغبن فاحشٍ إِن لم يكن متعارفاً فعلاً فهو متعارف ذكراً وتسميةً؛ لأن كل واحد منهما يسمى بيعاً، أو هو مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب لغةً، وقد وجد، ومطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف ذكراً وتسمية من غير عتبار الفعل. ٤٤٢ كتاب الوكالة ألا ترى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لا يأكل لحماً، فأكل لحم الآدمي أو لحم الخنزير يحنث، وإِن لم يكن أكله متعارفاً؛ لكونه متعارفاً إِطلاقاً وتسميةً؛ وكذا هذا. وأما التوكيل بالشراء، فالجواب عنه من وجهين : أحدهما: أن جوازه ثبت على خلاف القياس؛ لكونه أمراً بالتصرف في مال غيره وذكره الثمن فيه تبع. أَلاَ تَرَى أنه يصح بدون ذكر الثمن، إلا أنه جوز باعتبار الحاجة؛ إذ كل أحد لا يتهيأ له أن يشتري بنفسه، فيحتاج إلى من يوكل به غيره، والحاجة إلى التوكيل بالشراء بثمن جرى التعارف بشراء مثله بمثله، فينصرف الأمر بمطلق الشراء إِليه البتة الثاني المشتري متهم بهذا الاحتمال؛ أنه يشتري لنفسه، فلما تبين فيه الغبن أظهر الشراء للموكل، ومثل هذه التهمة في البيع منعدمة فهو الفرق. وكذلك يملك البيع بغير الأثمان المطلقة عنده، وعندهما لا يملك، وهو قول الشافعي - رحمه الله - ويملك البيع بالنقد والنسيئة عنده، وعندهما لا يملك إِلا بالنقد، والحجج من الطرفين على نحو ما ذكرنا في البيع بغبن فاحش. ولو باع الوكيل بعض ما وكل ببيعه فهو على وجهين: إِما أَن كان ذلك مما لا ضرر في تبعيضه؛ كالمكيل والموزون؛ بأن كان وكيلاً ببيع عبدين فباع أحدهما جاز بالإجماع. وإِن كان في تبعيضه ضرر؛ بأن وكله ببيع عبد فباع نصفه، جاز عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما لا يجوز إلا بإِجازة الموكل أو ببيع النصف الباقي، ولو كان وكيلاً بالشراء فاشترى نصفه لم يلزم الآمر إجماعاً، إلا أنه يشتري الباقي ويجيزه الموكل. وجه قولهما الجمع بين الشراء والبيع بجامع، وهو العرف والعادة، ووجوب دفع الضرر الحاصل بالشركة في الأعيان، ولأبي حنيفة الفرق بين البيع والشراء على ما مر، ألا يرى أَن عنده لو باع الكل بهذا القدر من الثمن يجوز، فلأن يجوز بيع البعض به أولى؛ لأنه نفع موكله حيث أمسك البعض على ملكه، وبهذا فارق الشراء؛ لأن التوكيل بالشراء إِذا اشترى النصف بثمن الكل لا يجوز، والوكيل بالبيع يملك إِبراء المشتري عن الثمن، وله أن يؤخره عنه، وله أن يأخذ به عوضاً، وله أن يصالح على شيء ويحتال به على إِنسان، وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يملك شيئاً من ذلك. وجه قولهما أن الوكيل بالإِبراء وأخواته تصرف في ملك الموكل من غير إِذنه، فلا ينفذ عليه؛ كما لو فعلها أجنبي. ٤٤٣ كتاب الوكالة وجه قوله أنه تصرف في حق نفسه بالإِبراء؛ لأن قبض الثمن حقه فكان الإِبراء عن الثمن إبراء عن قبضه؛ تصحيحاً لتصرفه بقدر الإمكان، ولو أسقط حق القبض لسقط الدين ضرورة؛ لأنه لو بقي لبقي ديناً لا يحتمل القبض أصلاً، وهذا مما لا نظير له في أصول الشرع؛ ولأن ديناً لا يحتمل القبض والاستيفاء بوجه لا يفيد فيسقط ضرورة، ويضمن الثمن للموكل؛ لأنه وإِن تصرف في حق نفسه لكنه تعدى إِلى ملك غيره بالإتلاف، فيجب عليه الضمان. وكذا إذا أخذ بالثمن عوضاً عن المشتري؛ لأنه ملك منه القبض الذي هو حقه، فيصح ومتى ملك ذلك فيملك رقبة الدين ضرورة بما أخذه من العوض، ويضمن لما ذكرنا؛ وكذا إذا صالحه على شيء لأن الصلح مبادلة؛ وكذا إذا أحاله المشتري بالثمن على إنسان وقبل الوكيل الحوالة؛ لأنه بقبول الحوالة تصرف في حق نفسه بالإِبراء عنه؛ لأن الحوالة مبرئة، وذلك يوجب سقوط الدين عن المحيل فيه؛ لما ذكرنا ويضمن لما قلنا. وكذلك تأخير الدين من الوكيل تأخير حق المطالبة والقبض، وأنه صادف حق نفسه فيصح، لكنه تعدى إِلى الموكل بثبوت الحيلولة بينه وبين ملكه، فيضمن، وليس للوكيل بالبيع أن يوكل غيره؛ لأن مبنى الوكالة على الخصوص؛ لأن الوكيل ينصرف بولاية مستفادة من قبل الموكل، فيملك قدر ما أفاده ولا يثبت العموم إلا بلفظ يدل عليه، وهو قوله اعمل فيه برأيك، وغير ذلك مما يدل على العموم، فإن وكل غيره بالبيع فباع الثاني بحضرة الأول، جاز، وَإِن باع بغير حضرته لا يجوز، إلا أن يجيزه الأول والموكل. وكذا إِذا باعه فضولي فبلغ الوكيل أو الموكل فأجاز، يجوز هذا عند أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: لا يجوز بيع الوكيل الثاني، سواء كان بحضرة الوكيل الأول أو لم يكن بحضرته. وقال ابن أبي ليلى: يجوز كيف ما كان، والصحيح قول أصحابنا الثلاثة؛ لأن عبارة الوكيل ليست مقصود الموكل، بل المقصود رأيه، فإذا باع الثاني بحضرته فقد حصل التصرف برأيه فنفذ، وإِذا باعه لا بحضرته أو باع فضولي فقد خلا التصرف عن رأيه، فلا ينفذ، ولكنه ينعقد موقوفاً على إجازة الوكيل أو الموكل؛ لصدور التصرف من أهله في محله، وليس للوكيل بالبيع أن يبيع من نفسه؛ لأن الحقوق تتعلق بالعاقد فيؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً ومتسلماً، مطالباً ومطالباً، وهذا محال. وكذا لا يبيع من نفسه وإِن أمره الموكل بذلك لما قلنا؛ ولأنه متهم في ذلك وليس له أن يبيع من أبيه وجده وولده وولد ولده الكبار وزوجته، عند أبى حنيفة، وعندهما يجوز ذلك بمثل القيمة، وأجمعوا على أنه لا يجوز أن يبيع من عبده ومكاتبه. وجه قولهما أن البيع من هؤلاء ومن الأجنبي سواء؛ لأن كل واحد منهما يملكه أجنبي من صاحبه ثم لا يملك البيع من نفسه. ٤٤٤ كتاب الوكالة ولأبي حنيفة أن البيع من هؤلاء بيع من نفسه من حيث المعنى لاتصال منفعة ملك كل واحد منهما بصاحبه، ثم لا يملك البيع من نفسه فلا يملكه من هؤلاء بخلاف الأجنبي، ولهذا لا يملك البيع من عبده ومكاتبه؛ لأن البيع من عبده بيع من نفسه؛ لأنه لا ملك له؛ وكذا المكاتب لأنه عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله - ريملاء -؛ كذا هذا. يحققه أن اتصال منافع الأملاك بينهما تورث التهمة، لهذا لم تقبل شهادة أحدهما لصاحبه، بخلاف الأجنبي. ولو عمم التوكيل فقال: اصنع ما شئت أو بع من هؤلاء، أو أجاز ما صنعه الوكيل، جاز بيعه بالاتفاق، ولا يجوز أن يبيع من نفسه أو من ولده الصغير أو من عبده إِذا لم يكن عليه دين، يحال الوكيل بالبيع مطلقاً يملك البيع الصحيح والفاسد، لأن اسم البيع يقع على كل واحد من النوعين، إذا هو مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب وقد وجد، بخلاف الوكيل بالنكاح مطلقاً أنه لا يملك النكاح الفاسد؛ لأن المقصود من النكاح الحل والنكاح الفاسد لا يفيد الحل، والمقصود من البيع الملك، وأنه يثبت بالبيع الفاسد. وأما الوكيل بالبيع الفاسد فهل يملك البيع الصحيح؟ قال أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله - يملك؛ وقال محمد: لا يملك، وبه أخذ الشافعي - رحمه الله -. وجه قول محمد أن البيع الفاسد بيع لا يفيد الحكم بنفسه، والصحيح يفيد الحكم بنفسه، فكانا مختلفين، فلا يكون التوكيل بأحدهما توكيلاً بالآخر، فإذا باع بيعاً صحيحاً صار مخالفاً . ولهما أن هذا ليس بخلاف حقيقة لأن البيع الصحيح خير، وكل موكل بشيء موكل بما هو خير منه دلالة، والثابت دلالة كالثابت نصًّا، فكان آتياً بما وكل به، فلا يكون مخالفاً. وأما الوكيل بالشراء فالتوكيل بالشراء لا يخلو إما أن كان مطلقاً أو مقيداً فإن كان مقيداً يراعي فيه القيد إِجماعاً لما ذكرنا، سواء كان القيد راجعاً إِلى المشتري، أو إلى الثمن، حتى إِنه إِذا خالف يلزم الشراء، إِلا إِذا كان خلافاً إِلى خير فيلزم الموكل. مثال الأول: إِذا قال اشتر لي جارية أطؤها أو أستخدمها أو أتخذها أم ولد، فاشترى جارية مجوسية، أو أخته من الرضاع، أو مرتدة، أو ذات زوج، لا ينفذ على الموكل وينفذ على الوكيل. كذلك إذا قال: اشتر لي جارية تخدمني، فاشترى جارية مقطوعة اليدين أو الرجلين أو عمياء، لأن الأصل في كل مقيد اعتبار القيد فيه، إِلا قيداً لا يفيد اعتباره، واعتبار هذا النوع من القيد مفيد؛ وكذلك إِذا قال: اشتر لي جارية تركية، فاشترى جارية حبشية، لا يلزم الموكل، ويلزم الوكيل؛ لما ذكرنا. ومثال الثاني: إِذا قال له: اشترى لي جارية بألف درهم، فاشترى جارية بأكثر من ٤٤٥ كتاب الوكالة الألف، تلزم الوكيل دون الموكل؛ لأنه خالف أمر الموكل، فيصير مشترياً لنفسه، ولو قال: اشتر لي جارية بألف درهم أو بمائة دينار، فاشترى جارية بما سوى الدراهم والدنانير لا تلزم الموكل إِجماعاً؛ لأن الجنس مختلف فيكون مخالفاً. ولو قال: اشتر لي هذه الجارية بمائة دينار، فاشتراها بألف درهم قيمتها مائة دينار، ذكر الكرخي أن المشهور من قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أنه لا يلزم الموكل؛ لأن الدراهم والدنانير جنسان مختلفان حقيقة، فكان التقييد بأحدهما مفيداً. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يلزم الموكل كأنه اعتبرهما جنساً واحداً في الوكالة، كما اعتبرا جنساً واحداً في الشفعة، وهو أن الشفيع إِذا أخبر أن الدار بيعت بدنانير فسلم الشفعة، ثم ظهر أنها بيعت بدراهم وقيمتها مثل الدنانير، صح التسليم؛ كذا ههنا؛ فإن اشترى جارية بألف درهم فإن كان مثلها يشتري بألف أو بأكثر من ألف أو بأقلٌ من ألف، مقدار ما يتغابن الناس فيه، لزم الموكل وإن كان النقصان مقدار ما لا يتغابن الناس فيه لزم الوكيل لأن شراء الوكيل المعروف المعروف. وإِن اشترى جارية بثمانمائة درهم ومثلها يشتري بألف، لزم الموكل؛ لأن الخلاف إلى خير لا يكون خلافاً معنى، وكذا إِذا وكله بأن يشتري له جارية بألف نسيئة، فاشترى جارية بألف حالَّة، لزم الوكيل؛ لأنه خالف قيد الموكل، ولو أمره أن يشتري بألف حالة، فاشترى بألف نسيئة لزم الموكل؛ لأن وإن خالف صورة فقد وافق معنى، والعبرة للمعنى لا للصورة، ولو وكله أن يشتري ويشترط الخيار للموكل، فاشترى بغير خيار لزم الوكيل، والأَصْلُ أَنَّ الوكيل بالشراء إِذا خالف يكون مشترياً لنفسه، والوكيل بالبيع إِذا خالف يتوقف على إِجازة الموكل، والفرق بينهما قد ذكرناه فيما تقدم أن الوكيل بالشراء متهم؛ لأنه يملك الشراء لنفسه، فأمكن تنفيذه عليه، حتى إنه لو كان صبيًّا محجوراً أو عبداً محجوراً لا ينفذ عليه، بل يتوقف على إجازة الموكل؛ لأنهما لا يملكان الشراء لأنفسهما، فلا يمكن التنفيذ عليهما فتوقف، وكذا إذا كان الوكيل مرتداً أو كان وكيلاً بشراء عبد بعينه، فاشترى نصفه لعدم إمكان التنفيذ عليه، فاحتمل التوقف، ومعنى التهمة لا يتعذر من الوكيل بالبيع، فاحتمل التوقف على الإِجازة. ولو وكله بشراء عبد فاشتراه بعين من أعيان مال الموكل، توقف على الإِجازة؛ لأنه لما اشتراه بعين من أعيان ماله فقد باع العين، والبيع يقف على إجازة الموكل، هذا إذا كان التوكيل بالشراء مقيداً، فأما إذا كان مطلقاً فإنه يراعي فيه الإطلاق ما أمكن، إلا إذا قام دليل التقييد من عرف أو غيره فيتقيد به، وعلى هذا إذا وكل رجلاً بشراء جارية، وسمى نوعها وثمنها حتى صحت الوكالة، فاشترى جارية مقطوعة اليد والرجل من خلاف، أو عوراء، لزم الموكل، وكذا إِذا اشترى جارية مقطوعة اليدين أو عمياء عند أبي حنيفة وعندهما يلزم الوكيل. وجه قولهما أَن الجارية تشترى للاستخدام عرفاً وعادةً، وغرض الاستخدام لا يحصل ٤٤٦ کتاب الوكالة عند فوات جنس المنفعة، فيتقيد بالسلامة عن هذه الصفة بدلالة العرف، ولهذا قلنا لا يجوز تحريرها عن الكفارة، وإِن كان نصُّ التحرير مطلقاً عن شرط السلامة لثبوتها دلالة؛ كذا هذا. وجه قوله أبي حنيفة أن اسم الجارية بإطلاقها يَقَعُ على هذه الجارية؛ كما يقع على سليمة الأطراف، فلا يجوز تقیید المطلق إلا بدليل وقد وجد. وأما في باب الكفارة فلأن الأمر تعلق بتحرير رقبة، والرقبة اسم لذات مركب من هذه الأجزاء، فإذا فات ما يقوم به جنس من منافع الذات انتقضٍ الذات، فلا يتناوله مطلق اسم الرقبة، فأما اسم الجارية فلا يدل على هذه الذات باعتبار الأجزاء، فلا يقدح نقصانها في اسم الجارية، بخلاف اسم الرقبة، حتى أَن التوكيل لو كان بشراء رقبة لا يجوز كما يجوز في الكفارة؛ كذا قالوا. ولو وكله أن يشتري له جارية وكالة ((صحيحة)) ولم يسم ثمناً، فاشترى الوكيل جارية؛ إِن اشترى بمثل القيمة أو بأقل من القيمة أو بزيادة يتغابن في مثلها، جاز على الموكل، وإِن اشترى بزيادة لا يتغابن الناس في مثلها يلزم الوكيل؛ لأن الزيادة القليلة مما لا يمكن التحرز عنها، فلو منعت النفاذ على الموكل لضاق الأمر على الوكلاء ولامتنعوا عن قبول الوكالات، وبالناس حاجة إليها فمست الحاجة إلى تحملها، ولا ضرورة في الكثير لإِمكان التحرز عنه، والفاصل بين القليل والكثير إِن كانت زيادة تدخل تحت تقويم المقومين فهي قليلة، وما لا تدخل تحت تقويمهم فهي كثيرة؛ لأن ما يدخل تحت تقويم المقومين لا يتحقق كونه زيادة، وما لا يدخل كانت زيادته متحققة، وقدر محمد الزيادة القليلة التي يتغابن في مثلها في الجامع بنصف العشر، فقال: إن كانت نصف العشر أو أقل فهي مما يتغابن في مثلها، وإن كانت أكثر من نصف العشر فهي مما لا يتغابن في مثلها. وقال الجصاص: ما ذكره محمد لم يخرج مخرج التقدير في الأشياء كلها؛ لأن ذلك يختلف باختلاف السلع، منها ما بعد أقل من ذلك غبناً فيه، ومنها ما لا يعد أكثر من ذلك غبناً فيه . وقدر نصر بن يحيى القليل بالده ينم وفي الحيوان بالده یازده وفي العقار بالده دوازده، والله تعالى أعلم. الوكيل بشراء عبد بعينه إذا اشترى نصفه فالشراء موقوف؛ إِن اشترى باقيه قبل الخصومة لزم الموكل عند أصحابنا الثلاثة؛ لأنه امتثل أمر الوكيل، وعند زفر يلزم الوكيل، ولو خاصم الموكل الوكيل إلى القاضي قبل أن يشتري الوكيل الباقي وألزم القاضي الوكيل، ثم إِن الوكيل اشترى الباقي بعد ذلك يلزم الوكيل إجماعاً لأنه خالف، وكذلك هذا في كل ما في تبعيضه ضرر وفي تشقيصه عيب؛ كالعبد والأمة والدابة والثوب وما أشبه ذلك. ٤٤٧ كتاب الوكالة وهذا بخلاف ما إذا وكله ببيع عبده فباع نصفه أو جزء منه معلوماً؛ أنه يجوز عند أبي حنيفة، سواء باع الباقي منه أو لا، والفرق له على نحو ما ذكرنا في التوكيل بالبيع مطلقاً. ولو أعتقه بعدما اشترى نصفه قبل أن يشتري الباقي، قال أبو يوسف: إِن أعتقه الموكل جاز، وإِن أعتقه الوكيل لم يجز، وقال محمد على القلب من ذلك. وجه قول محمد أن الوكيل قد خالف فيما وكل به. فلم يكن مشترياً للموكل، فكيف ينفذ منه إِعتاقه وهو في الظاهر مشتر لنفسه فينفذ إِعتاقه. ولأبي يوسف أن إِعتاق الموكل صادف عقداً موقوفاً نفاذه على إجازته، فكان الإِعتاق إجازة منه؛ كما إذا صرح بالإِجازة وإِعتاق الوكيل لم يصادف عقداً موقوفاً على إِجازته؛ لأن الوكيل بشراء شيء بعينه لا يملك الشراء لنفسه، فلم يحتمل التوقف على إِجازته فبطل. وإِن کان وکله بشراء شيء ليس في تبعیضه ضرر ولا في تشقیصه عيب، فاشتری نصفه، يلزم الموكل ولا يقف لزومه على شراء الباقي؛ نحو إِن وكله بشراء كر حنطة بمائة درهم فاشترى نصف الكر بخمسين. وكذا لو وكله بشراء عبدين بألف درهم فاشترى أحدهما بخمسمائة، لزم الموكل إجماعاً؛ وكذا لو وكله بشراء جماعة من العبيد فاشترى واحداً منها، والله أعلم، والوكيل بشراء عشرة أرطال لحم بدرهم إذا اشترى عشرين رطلاً بدرهم من لحم يباع مثله عشرة أرطال بدرهم، لزم الموكل منه عشرة أرطال بنصف درهم عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يلزمه العشرين بدرهم، ولو اشترى عشرة أرطال ونصف رطل بدرهم يلزم الموكل استحساناً. وجه قول أبي يوسف أن هذا خلاف صورة لا معنى؛ لأنه خلاف إلى خير، وذا لا يمنع النفاذ على الموكل؛ كما إذا اشترى عشرة أرطال ونصف بدرهم أنه يلزم الموكل؛ كذا هذا. وجه قولهما أن الوكيل يتصرف بحكم الأمر، فلا يتعدى تصرفه موضع الأمر، وقد أمره بشراء عشرة أرطال فلا يلزمه الزيادة على ذلك، بخلاف ما إذا اشترى عشرة أرطال ونصف رطل بدرهم؛ لأَن الزيادة القليلة لا تتحقق زيادة لدخولها بين الوزنين. ولو وكله بشراء عبد بمائة فاشترى بها عبدين كل واحد منهما يساوي مائة، روي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه لا يلزم الموكل واحد منهما، وقال أبو حنيفة إِذا كان رجلاً بشراء عبدين بأعيانهما بألف درهم وقيمتهما سواء، فاشترى أحدهما بستمائة درهم، لا يلزم الموكل إِلا أن يشتري الثاني ببقية الألف، وقال أبو يوسف ومحمد: إِذا كانت الزيادة مما يتغابن الناس في مثلها يلزمه، وهذا لا يتحقق خلافاً، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. ٤٤٨ کتاب الوكالة الوكيلُ بشراء شيءٍ بعينه لا يملك أن يشتري لنفسه، وإِذا اشترى يقع الشراء للموكل؛ لأَن شراءه لنفسه عزل لنفسه عن الوكالة، وهو لا يملك ذلك إلا بمحضر من الموكل؛ كما لا يملك الموكل عزله إلا بمحضر منه؛ على ما نذكره في موضعه، إن شَاءَ الله تعالى. وأما الوكيل بشراء شيءٍ بغير عينه إِذا اشترى يكون مشترياً لنفسه، إلا أن ينويه للموكل. وجملة الكلام فيه أنه إذا قال اشتريته لنفسي وصدقه الموكل، فالمشتري له، وإِذا قال الموكل اشتريته لي وصدقه الوكيل، فالمشتري للموكل؛ لأن الوكيل بشراء شيء بغير عينه يملك الشراء لنفسه؛ كما يملك للموكل فاحتمل شراؤه لموكله، فيحكم فيه التصديق فيحمل على أحد الوجهين بتصادقهما . ولو اختلفا فقال الوكيلُ: اشتريته لنفسي، وقال الموكل: بل اشتريته لي، يحكم فيه الثمن، فإن أدى الوكيل الثمن من دراهم نفسه فالمشتري له، وَإِن أداه من دراهم موكله فالمشتري لموكله؛ لأن الظاهر نقد الثمن من مال من يشتري له، فكان الظاهر شاهداً للثمن، فكان صادقاً في حكمه. وأما إذا لم تحضره النية وقت الشراء واتفقا عليه يحكم فيه الثمن أيضاً، عند أبي يوسف، وعند محمد يكون الشراء للوكيل، وجه قول محمد أن الأصل أن يكون الإنسان متصرفاً لنفسه لا لغيره، فكان الظاهر شاهداً للوكيل، فكان المشتري له. وجه قول أبي يوسف أن أمور المسلمين محمولة على الصلاح والسداد ما أمكن؛ وذلك في تحكيم الثمن على ما مر، والله - تعالى - أعلم، الوكيل بالشراء لا يملك الشراء من نفسه؛ لأن الحقوق في باب الشراء، ترجع إلى الوكيل فيؤدي إلى الإِحالة؛ وهو أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً ومتسلماً، مطالباً ومطالباً؛ ولأنه مهتم في الشراء من نفسه. ولو أمره الموكل بذلك لا يصح لما ذكرنا، وكذلك لو اشترى من ولده الصغير؛ لأن ذلك شراء من نفسه؛ وكذلك لو اشترى من عبده الذي لا دين عليه أو مكاتبه. وَكَذَا الوكيل بالشراء لا يملك الشراء من أبيه وجده وولده وولد ولده وزوجته وكل ما لا تُقبل شهادتُهُ له عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز إِذا اشترى بمثل القيمة أو بأقل أو بزيادةٍ يُتغابنُ في مثلها . وأجمعوا على أنه لا يملك الشراء من عبده الذي لا دين عليه ومكاتبه، وقد مرت المسألة بحججها من قَبْلُ. ولو كانت الوكالة عامة بأن قال له: اعمل ما شئت، أو قال له: بع من هؤلاء، أو أجاز ما صنعه الوكيل، جاز؛ لأن المانع من الجواز التهمة وقد زالت بالأمر والإِجازة. ٤٤٩ كتاب الوكالة ولو دفع إليه دراهم ووكله أن يشتري له بها طعاماً، فهو على الحنطة والدقيق لا على الفاكهة واللحم والخبز؛ لأن الطعام في الحقيقة وإِن كان اسماً لما يطعم، لكنه ينصرف إِلى الحنطة والدقيق بقرينة الشراء في العرف؛ ولهذا سمي السوق الذي تباع فيه الحنطة والدقيق سوق الطعام دون غيره، إِلا إِذا كان المدفوع إليه قليلاً. كالدراهم ونحوه، أو كان هناك وليمة فينصرف إِلى الخبز، وقيل يحكم الثمن إِن كان قليلاً ينصرف إِلى الخبز، وإِن كان كثيراً ینصرف إليهما . ولو قال: اشتر لي بدرهم لحماً، ينصرف إِلى اللحم الذي يباع في السوق، ويشتري الناس منه في الأغلب؛ من: لحم الضأن والمعز والبقر والإِبل؛ إِن جرت العادة بشرائه، ولا يتصرى إِلى المشوي والمطبوخ، إلا إذا كان مسافراً ونزل خاناً ودفع إِلى إِنسان درهماً ليشتري به لحماً، ولا إِلى لحم الطير والوحش والسمك، ولا إِلى شاةٍ حية، ولا إِلى مذبوحة غير مسلوخة لانعدام جريان العادة باشترائه، وإِن اشترى مسلوخاً جاز على الموكل؛ لأن المسلوخ يباع في الأسواق في العادة، ولا إِلى البطن والكرش والكبد والرأس والكراع؛ لأنها ليست بلحم، ولا يشتري مقصوداً أيضاً؛ بل تبعاً للحم، فلا ينصرف مطلق التوكيل إِليه؛ بخلاف ما إذا حُلف لا يأكل لحماً فأكل هذه الأشياء أنه يحنث؛ لأن مبنى الأَيْمَانِ علَى العرف ذكراً وتسميةً، ومبنى الوكالة على العرف عادةً وفعلاً؛ ألا ترى أن حكم الحنث يلزم بأكل القديد، لو اشترى الوكيل القديد لا يلزم الموكل لانعدام العادة ببيع القديد في الأسواق في الغالب، ولا إِلى شحم البطن والألية؛ لأنهما ليسا بلحمٍ. ولو وكله بشراء إلية لا يملك أن يشتري لحماً، لأنهما مختلفان اسماً ومقصوداً، ولو وكله أن يشتري سمكاً بدرهم فهو على الطري الكبار دون المالح والصغار، لأن العادة بشراء الطري الكبار منه دون المالّح ودون الصغار، ولو وكله بشراء الرأس فهو على النيء دون المطبوخ والمشوي، وهو على رأس الغنم دون البقر والإِبل، إلا في موضعٍ جرتِ العادةُ بذلك . والمذكور من الخلاف في ((الجامع الصغير)) يرجع إلى اختلاف العصر والزمان دون الحقيقة ودون رأس العصفور والسمك والجراد؛ لانعدام العادة. ولو وكله بشراء دهن، فله أن يشتري أيَّ دهنٍ شاء، وكذا إذا وكله بشراء فاكهة، له أن يشتري أيَّ فاكهة تباع في السوق عادةً، ولو وكله بشراء البيض فهو على بيض الدجاج، وإن كانت اليمين المنعقدة عليه تقع على بيض الطيور كلها لما ذكرنا. ولو وكله أن يشتري لبناً فهو على ما يباع في عادةِ البلدِ في السوق من الغنم والبقر والإِبل، وكذا إِذا وكله بشراء السمن، فإن استويا فهو عليهما جميعاً، بخلاف ما إِذا حلف لا بدائع الصنائع ج٧ - م٢٩ ٤٥٠ کتاب الوكالة يذوق لبناً أَن ذلك يَقَعُ على لبن الغنم والبقر والإِبل؛ لما ذكرنا من العرف، والله - تعالى - أعلم. الوكيل بشراء الكبش لا يملك شراء النعجة، حتى لو اشترى لا يلزم الموكل؛ لأن الكبش اسم للذكر والنعجة اسم للأنثى؛ وكذا لو وكله بشراء عناق فاشترى جدياً، أو شراء فرس أو برذون فاشترى رمكة، لا يجوز على الموكل، والبقر يَقَعُ على الذكر والأنثى، وكذا البقرة في رواية ((الجامع))؛ قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [سورة البقرة، ٦٧] قيل إِنها كانت ذكراً، وقال - سبحانه وتعالى -: ﴿لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ [سورة البقرة، ٧١]، وإثارة الأرض عملُ الثيران. وذكر القدوري - رحمه الله - أنها تقع على الأنثى، والصحيح رواية الجامع لما ذكرنا. والدجاج يقع على الذكر والأنثى، والدجاج على الأنثى، والبعير على الذكر والناقة على الأنثى، والبختي ضرب خاص من الإِبل، والنجيبة ضرب معروف بسرعة السير، وهي كالحمارة في عرف بلادنا، ولا يقع اسم البقر على الجاموس، وإِن كان من جنس البقر حتى يتم به نصاب الزكاة لبعده عن أوهامهم لقلته فيهم، والله - تعالى - أعلم. الوكيل بالشراء إِذا أمر غيره فاشترى، إِن فعله بحضرة الأول أو بإجازته أو بإجازة الموكل، جاز على الموكل، وإلا فلا، إِلا إِذا كانت الوكالة عامة على ما مر، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. فصل [في حكم الوكيلين](١) الوكيلان هل ينفرد أحدهما بالتصرف فيما وكلا به؟ أما الوكيلان بالبيع فلا يملك أحدُهما (١) إذا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ في تَصَرُّفٍ، وجَعَلَ لكلِّ واحدٍ الانْفِرَادِ بالتَّصَرُّفِ، فله ذلك؛ لأنَّه مَأْذُونٌ له فيه. فإن لم يَجْعَلْ له ذلك، فليس لأحَدِهما الاِنْفِرادُ به؛ لأنَّه لم يَأْذَنْ له في ذلك، وإنَّما يجوزُ له ما أَذِنَ فيه مُوَكُلُه. وبهذا قال الشّافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأي. وإن وَكَّلَهُما في حِفْظِ مالِه، حَفِظَاهُ معاً في حِرْزٍ لهما؛ لأنَّ قولَه: افْعَلاَ كذا. يَقْتَضِي اجْتِمَاعَهُما على فَعْلِه، وهو ممَّا يُمْكِنُ، فَتَعَلَّقَ بهما. وفارَقَ هذا قولُّه: بِعْتُكُما. حيث كان منْقَسِماً بينهما؛ لأنه لا يُمْكِنُ كون المِلْكِ لهما على الاجْتِماعِ، فانْقَسَمَ بينهما. فإن غابَ أحدُ الوَكِيلَيْنِ، لم يكُنْ لِلآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ، ولا لِلْحَاكِمِ ضَمُّ أَمِينٍ إليه لِّيَتَصَرَّفا؛ لأنَّ المُوَكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، لا وِلايَةَ لِلْحَاكِم عليه، فلا يَضُمُّ الحاكِمُ وكِيلاً له بغيّر أمْرِهِ. وفارَقَ ما لو ماتَ أحدُ الوَصِيَّيْنِ، حيث يُضِيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِيِّ أمِيناً لِيَتَصَرَّفَا؛ لِكَوْنِ الحاكِم له النَّظَرُ فِي حَقُ المَيْتِ واليَتِيم، ولهذا لو لم يُوصِ إلى أحَدٍ، أقَامَ الحاكِمُ أمِيناً في النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ. وإن حَضَرَ الحاكِمَ أحَدُ الوَكِيلَيْنِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعَى الوَكَّالَّةَ لهما، وأقَامَ بَيِّنَةً سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكْمَ بِثُبُوتِ الوَكَالَةِ لهما، ولم يَمْلِك الحاضِرُ التَّصَرُّفَ = - ٤٥١ كتاب الوكالة التصرف بدون صاحبه، ولو فعل لم يجز. حتى يجيز صاحبه أو الموكل؛ لأن البيع مما يحتاج فيه إلى الرأي، والموكل إِنما رضي برأيهما لا برأي أحدهما، واجتماعهما على ذلك ممكن، فلم يمتثل أمر الموكل، فلا ينفذ عليه؛ وكذا الوكيلان بالشراء، سواء كان الثمن مسمى أو لم يكن، وسواء كان الوكيل الآخر غائباً أو حاضراً لما ذكرنا في البيع، إلا أن الشراء إِذا اشترى أحدهما بدون صاحبه ينفذ على المشتري ولا يقف على الإجازة، وفي البيع يقع على الإِجازة، وقد مر الفرق. وكذلك الوكيلان بالنكاح والطلاق على مال والعتق على مال والخلع والكتابة، وكل عقد فيه بدل هو مال؛ لأن كل ذلك مما يحتاج إلى الرأي ولم يرض برأي أحدهما بانفراده، وكذا ما خرج مخرج التمليك بأن قال لرجلين: جعلت أمر امرأتي بيدكما، أو قال لهما: طلقا امرأتي إِن شئتما، لا ينفرد أحدهما بالتطليق؛ لأنه جعل أمر اليد تمليكاً؛ ألا ترى أنه يقف على المجلس والتمليكات هي التي تختص بالمجلس، والتمليك على هذا الوجه مشروط بالمشيئة؛ كأنه قال: طلقا امرأتي إن شئتما، وهناك لا يملك أحدهما التطليق دون صاحبه؛ لأن المعلق بشرطين لا ينزل إلا عند وجودهما، فكذا هذا. وكذا الوكيلان بقبض الدين لا يملك أحدهما أن يقبض دون صاحبه؛ لأن قبض الدين مما يحتاج إلى الرأي والأمانة، وقد فوض الرأي إليهما جميعاً لا إِلى أحدهما، ورضي بأمانتهما جميعاً لا بأمانة أحدهما، فإن قبض أحدهما لم یبرئه الغريم حتى يصل ما قبضه إلى صاحبه، فيقع في أيديهما جميعاً أو يصل إلى الموكل؛ لأنه لما وصل المقبوض إِلى صاحبه أو إِلى الموكل فقد حصل المقصود بالقبض، فصار كأنهما قبضاه جميعاً ابتداءً . وَأَما الوكيلان بالطلاق على غير مالٍ والعتق على غير مالٍ، والوكيلان بتسليم الهبة ورد الوديعة وقضاء الدين - فينفرد أحدهما بالتصرف فيما وكلا به؛ لأن هذه التصرفات مما لا تحتاج إِلى الرأي، فكان إضافة التوكيل إليهما تفويضاً للتصرف إِلى كل واحد منهما بانفراده. وَأَمَّا الوكيلان بالخصومة فَكُلُّ واحد منهما يتصرف بانفراده عند أصحابنا الثلاثة، وعند وحّدَه، فإذا حَضَرَ الآخَرُ تَصَرَّفَا معاً، ولا يَحْتَاجُ إِلى إِعَادَةِ البَيَّةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سَمِعَها لهما مَرَّةً. فإن قيل: هذا = حُكْمٌ للغائِبِ. قُلْنا: يجوزُ تَبَعاً لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يجوزُ أن يَحْكُمَ بِالوَقْفِ الذي يَثْبُتُ لمن لم يُخْلَقْ لأَجْلٍ من يَسْتَحِقُه في الحالِ، كذا هُهُنا. وإن جَحَدَ الْغَائِبُ الوكالةَ، أو عَزَلَ نَفْسَه، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ. وَبما ذَكَرْناه قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافاً وجميع التصرفات في هذا سواء. وقال أبو حنيفة: إذا وَكَّلَهما في خُصُومَةٍ، فلكلِّ واحد منهما الانْفِرَادُ بها. ولَنا، أنَّه لم يَرْضَ بِتَصَرُّفِ أحَدِهِما، أشْبَه الْبَيْعَ والشّرَاءَ. ينظر: المغني (٢٠٦/٧ - ٢٠٧). ٤٥٢ کتاب الوكالة زفر لا ينفرد، وجه قوله: أن الخصومة مما يحتاج إلى الرأي ولم يرض برأي أحدهما، فلا يملكها أحدهما دون صاحبه . وَجُهُ قول أصحابنا الثلاثة أن الغرض من الخصومة إِعلام القاضي بما يملكه المخاصم واستماعه، واجتماع الوكيلين على ذلك يخل بالإِعلام والاستماع؛ لأنَّ ازدحام الكلام يخل بالفهم فكان إضافة التوكيل إِليهما تفويضاً للخصومة إِلى كل واحد منهما، فأيهما خاصم كان تمثيلاً؛ إلا أنه لا يملك أحدهما القبض دون صاحبه وإِن كان الوكيل بالخصومة يملك القبض عندنا؛ لأن اجتماعهما على القبض ممكن، فلا يكون راضياً بقبض أحدهما بانفراده. وأما المضاربان فلا يملك أحدهما التصرف بدون إذن صاحبه إِجماعاً، وفي الوصيين خلاف بين أصحابنا، نذكره في ((كتاب الوصية))، والله تعالى أعلم. الوكيل هل يملك الحقوق؟ جملة الكلام فيه أن الموكل به نوعان: نوعٌ لا حقوق له إِلا ما أمر به الموكل؛ كالوكيل بتقاضي الدين والتوكيل بالملازمة ونحوه؛ ونوعٌ له حقوق كالبيع والشراء والنكاح والخلع ونحوه. أما التوكيل بالبيع والشراء فحقوقها ترجع إلى الوكيل، فيسلم المبيع ويقبضه ويقبض الثمن ويطالب به ويخاصم في العيب وقت الاستحقاق. والأَصلُ أَن كل عقد لا يحتاج فيه إِلى إضافته إلى الموكل ويكتفي فيه بالإِضافة إِلى نفسه، فحقوقه راجعة إِلى العاقد كالبياعات والأشربة والإِجارات والصلح الذي هو في معنى البيع، فحقوق هذه العقود ترجع للوكيل وعليه، ويكون الوكيل في هذه الحقوق کالمالك، والمالك كالأجنبي حتى لا يملك الموكل مطالبة المشتري من الوكيل بالثمن. ولو طالبه فأبى لا يجبر على تسليم الثمن إليه، ولو أمره الوكيل بقبض الثمن ملك المطالبة وأيهما طالب المشتري بالثمن يجبر على التسليم إِليه، ولو نهاه الوكيل عن قبض الثمن صحّ نھیه. وَلَوْ نهى الموكل الوكيل عن قبض الثمن لا يعمل نهيه غير أن المشتري إِذا نقد الثمن إِلى الموكل يبرأ عن الثمن استحساناً؛ وكذا الوكيل هو المطالب بتسليم المبيع إِذا نقد المشتري الثمن ولا يطالب به الموكل. وإِذا استحق المبيع في يد المشتري يرجع الثمن على الوكيل إِن كان نقد الثمن إِليه، وإِن كان نقده إِلى الموكل يرجع بالثمن عليه؛ وكذا إِذا وجد المشتري بالمبيع عيباً له أن يخاصم الوكيل. ٤٥٣ کتاب الوكالة وإِذا أثبت الغيب عليه ورده عليه بقضاء القاضي أخذ الثمن من الوكيل إِن كان نقده الثمن، وَإِن كان نقده إِلى الموكل أخذه منه؛ وكذا الوكيل بالشراء هو المطالب بالثمن دون الموكل، وهو الذي يقبض المبيع دون الموكل، وَإِذا استحق المبيع في يده فهو الذي يتولى الرجوع بالثمن على بائعه دون الموكل. ولو وجد بالمبيع عيباً إِن كان المبيع في يده ولم يسلمه إلى الموكل بعد فله أن يرده على بائعه بالعيب، وإِن كان قد سلمه إلى موكله ليس له أن يرده عليه إلا برضا موكله. وكذلك هذا في الإِجارة والاستئجار وأخواتهما، وَكُلُّ عقد يحتاج فيه إِلى إِضافته إِلى الموكل فحقوقه ترجع إلى الموكل كالنكاح والطلاق على مال، والعتاق على مال والخلع والصلح عن دم العمد، والكتابة والصلح عن إِنكار المدعى عليه ونحوه، فحقوق هذه العقود تكون للموكل وعليه، والوكيل فيها يكون سفيراً ومعبراً محضاً؛ حتى إِن وكيل الزوج في النكاح لا يطالب بالمهر، وإِنما يطالب به الزوج إِلا إِذا ضمن المهر، فحينئذٍ يطالب به لكن بحكم الضمان، ووكيل المرأة في النكاح لا يملك قبض المهر. وَكَذَا الوكيل بالكتابة والخلع لا يملك قبض بدل الكتابة والخلع إِن كان وكيل الزوج، وإِن كان وكيل المرأة لا يطالب ببدل الخلع إِلا بالضمان، وكذا الوكيل بالصلح عن دم العمد، وهذا الذي ذكرنا أن حقوق العقد في البيع والشراء وأخواتهما ترجع إلى الوكيل مذهب علمائنا، وقال الشافعي - رحمه الله - لا يرجع شيء من الحقوق إلى الوكيل وإنما يرجع إلى الموكل. وجه قوله أن الوكيل متصرف بطريق النيابة عن الموكل وتصرف النائب تصرف المنوب عنه؛ ألا ترى أن حكم تصرفه يقع للموكل؛ فكذا حقوقه؛ لأن الحقوق تابعة للحكم، والحكم هو المتبوع، فإذا كان الأصل له فكذا التابع. ولنا أن الوكيل هو العاقد حقيقةً، فكانت حقوق العقد راجعة إِليه، كما إذا تولى الموكل بنفسه، ولا شك أن الوكيل هو العاقد حقيقة؛ لأن عقده كلامه القائم بذاته حقيقة، ويستحيل أن يكون الإنسان فاعلاً بفعل الغير حقيقة وهذه حقيقة مقررة بالشريعة؛ قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ [سورة النجم، ٣٩] وقال الله - عزَّ شأنه: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة، ٢٨٦] وكان ينبغي أن يكون أصل الحكم له أيضاً؛ لأن السبب وجد منه حقيقة وشرعاً إِلا أن الشرع أثبت أصل الحكم للموكل؛ لأن الوكيل إِنما فعله له بأمره وإنابته، وفعل المأمور مضاف إلى الآمر فتعارض الشبهان، فوجب اعتبارهما بقدر الإمكان، فعملنا بشبه الأمر والإنابة بإيجاب أصل الحكم للموكل ونسبة الحقيقة المقررة بالشريعة بإثبات توابع الحكم للوكيل؛ توفيراً على الشبهين حظهما من الحكم، ولا يمكن الحكم بالعكس، وهو إثبات أصل الحكم للوكيل، وإثبات التوابع للموكل؛ لأن الأصل في نفاذ تصرف الوكيل هو الولاية؛ لأنها ٤٥٤ كتاب الوكالة علة نفاذه؛ إِذا لا ملك له، والموكل أصل في الولاية والوكيل تابع له؛ لأنه لا يتصرف بولاية نفسه لعدم الملك، بل بولاية مستفادة من قبل الموكل، فَكَان إِثبات أصل الحكم للموكل، وَإِثبات التوابع للوكيل وضع الشيء في موضعه وهو حد الحكمة، وعكسه وضع الشيء في غير موضعه وهو حد السفه؛ بخلاف النكاح وأخواته؛ لأن الوكيل هناك ليس بنائب عن الموكل، بل هو سفير ومعبر بمنزلة الرسول. أَلاَ ترى أنه لا يضيف العقد إلى نفسه، بل إِلى موكله فانعدمت النيابة فبقي سفيراً محضاً، فاعتبر العقد موجوداً من الموكل من كل وجه فترجع الحقوق إليه، ثم نقول إنما تلزمه العهدة وترجع الحقوق إِليه إِذا كان من أهل العهدة. فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ بأن كان صبياً محجوراً ينفذ بيعه وشراؤه، وتكون العهدة على الموكل لا عليه؛ لأن ذلك من باب التبرع، والصبي ليس من أهل التبرع لكونه من التصرفات الضارة المحضة، فيقع محضاً لحصول التجربة والممارسة له في التصرفات، ولا خيار للمشتري من الوكيل المحجور، سواء علم أنه محجور أو لم يعلم في ظاهر الرواية . وَعَن أبي يوسف أنه إِن كان عالماً فلا خيار له، فأما إِذا كان جاهلاً فله الخيار، إِن شاء فسخ العقد، وإِن شاء أمضاه. وجه قوله أن الرضا شرط جواز التجارة. وقد اختل الرضا؛ لأنه لما أقدم على العقد على أن تكون العهدة على العاقد؛ فإذا تبين أنها ليست عليه اختل رضاه فثبت له الخيار كما إِذا ظهر به عَنْبٌ . وَجْه ظاهر الرواية أَنَّ الجهل بالحجر ليس بعذر؛ لأنه يمكنه الوصول إليه خصوصاً في حق الصبي؛ لأن الأصل فيه هو الحجر والإذن بعارض الرشد، فكان سبب الوصول إلى العلم قائماً فالجهل به لتقصير من جهته فلا يعذر ويعتبر عالماً، ولو علم بالحجر حقيقة لما ثبت له الخيار؛ كذا هذا، والله - تَعَالَى - أعلم. الوكيل بالهبة والصدقة والإعارة ةالإيداع والرهن والقرض إِذا فعل ما أمر به وقبض، لا يملك المطالبة برد شيء من ذلك إلى يده، ولا أن يقبض الوديعة والعارية والرهن ولا القرض ممن عليه؛ لأن الحكم في هذه العقود يقف على القبض ولا صنع للوكيل في القبض، بل هو صنع القابض في محل مملوك للمولى، فكان حقوق العقد راجعة إِليه، وكان الوكيل سفيراً عنه بمنزلة الرسول، بخلاف الوكيل بالبيع وأخواته؛ لأن الحكم فيها للعقد لا للقبض وهو العاقد حقيقة وشرعاً، على ما قررنا، فكانت الحقوق عائدة إِليه. وكذا في التوكيل بالاستعارة والارتهان والاستيهاب الحكم والحقوق ترجع إلى الموكل؛ ٤٥٥ كتاب الوكالة وكذا في التوكيل بالشركة والمضاربة لما قلنا؛ وللوكيل أن يوكل غيره في الحقوق؛ لأنه أصل في الحقوق والمالك أجنبي عنها، فملك توكيل غيره فيها . ومنها: أَن المقبوض في يد الوكيل بجهة التوكيل بالبيع والشراء. وقبض الدين والعين وقضاء الدين أمانة بمنزلة الوديعة؛ لأن يده نيابة عن الموكل بمنزلة يد المودع، فيضمن بما يضمن في الودائع، ويبرأ بما يبرأ فيها، ويكون القولُ قولَهُ في دفع الضمان عن نفسه. ولو دفع إِليه مالاً وقال: اقضه فلاناً عن ديني، فقال الوكيل: قد قضيت صاحب الدين فادفعه إلى، وكذبه صاحب الدين، فالقول قول الوكيل في براءة نفسه عن الضمان، والقول قول الطالب في أنه لم يقبضه حتى لا يسقط دينه عن الموكل؛ لأن الوكيل أمين فيصدق في دفع الضمان عن نفسه، ولا يصدق على الغريم في إبطال حقه، وتجب اليمين على أحدهما لا عليهما؛ لأن لا بد للموكل من تصديق أحدهما وتكذيب الآخر، فيحلف المكذب منهما دون المصدق، فإِن صدق الوكيل في الدفع يحلف الطالب بالله - عَزَّ وَجَلَّ - ما قبضه، فَإِنْ حلف لم يظهر قبضه ولم يسقط دينه، وَإِن نكل ظهر قبضه وسقط دينه عن الموكل. وَإِن صدق الطالب أنه لم يقبضه وکذب الوکیل یحلف بالله - تعالى - لقد دفعه إليه، فإِن = حلف بریءَ، وإِن نکل لزمه ما دفع إليه. وكذلك لو أودع ماله رجلاً وأمره أن يدفع الوديعة إِلى فلان، فقال المودع: دفعت، وكذبه فلان، فهو على التفصيل الذي ذكرنا، ولو دفع المودع الوديعة إِلى رجل وادعى أنه قد دفعها إِليه بأمر صاحب الوديعة، وأنكر صاحب الوديعة الأمر، فالقول قوله مع يمينه أنه لم يأمره بذلك؛ لأَن المودع يدعي عليه الأمر وهو ينكر، والقولُ قولُ المنكر مع يمينه. وَلَوْ كان المال مضموناً على رجل كالمغصوب في يد الغاصب أو الدين على الغريم، فأمر الطالب أو المغصوب منه أن يدفعه إِلى فلان، فقال المأمور: قد دفعت إليه، وقال فلان: ما قبضت، فالقولُ قولُ فلان أنه لم يقبض، ولا يصدق الوكيل على الدفع إِلاَّ ببينة أو بتصديق الموكل؛ لأنَّ الضمان قد وجب عليه وهو يدعي الدفع إِلى فلان يريد إبراء نفسه عن الضمان الواجب، فلا يصدق إِلا ببينة أو بتصديق الموكل، فإِن صدقه الموكل يبرأ أيضاً؛ لأنه إِذا صدقه فقد أبرأه عن الضمان، ولكنهما لا يصدقان على القابض ويكون القول قوله؛ أنه لم يقبضه مع يمينه؛ لأَن قولهما حجة في حق أنفسهما لا في إبطال حق الغير مع يمين الطالب؛ لأنه منكر للقبض، والقول قول المنكر مع يمينه. ولو كذبه الموكل في الدفع وطلب الوكيل يمينه، فإنه يحلف على العلم بالله - تعالى - ما يعلم أنه دفع، فإِن حلف أخذ منه الضمان. ٤٥٦ كتاب الوكالة وَإِن نكل سقط الضمان عنه، ولو أن الوكيل المدفوع إِليه المال قضى الدين من مال نفسه وأمسك ما دفع إِليه الموكل، جاز؛ لأنه لو لم يدفع إليه الدراهم أصلاً وقضى الوكيل من مال نفسه، جاز على الموكل؛ لأن الوكيل بقضاء الدين في الحقيقة وكيل بشراء الدين من الطالب، والوكيل بالشراء إِذا نقد الثمن من مال نفسه جاز، فهذا أولى، ولو لم يدفع إِليه شيئاً ولكنه أمره بقضاء دينه، فقال الوكيل: قضيته، وكذبه الطالب والموكل فأقام الوكيل البينة أنه قد قضى صاحب الدين، قبلت بينته، وبرئ الموكل من الدين، ويرجع الوكيل على الموكل بما قضى عنه؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت حسًّا ومشاهدة. وقد ثبت قضاء الدين بالبينة فله أن يرجع، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ له بينة وكذبه الطالب والموكل، فالقول قولهما مع اليمين؛ لأن الوكيل بدعوى القبض يريد إِيجاب الضمان على الطالب؛ لأنه يريد إسقاط الدين عن الموكل، وذلك بطريق المقاصاة، وهو أن يصير المقبوض مضموناً على القابض الطالب ديناً عليه وله على الموكل دين مثله فيلتقيان قصاصاً والطالب منكر. وَكَذَا الموكل منكر لوجوب الضمان عليه، فكان القول قولهما مع اليمين، أو يقال إِن الوكيل بقوله ((قضيت)) يدعي على الطالب بيع دينه من الغريم، وعلى المشتري الشراء منه وهما منكران، فكان القول قولهما مع اليمين، ويحلف الموكل على العلم؛ لأنه يحلف على فعل غيره وهو قبض الطالب. وإِن صدقه الموكل في القضاء وكذبه الطالب، يصدق على الموكل دون الطالب؛ حتى يرجع على الموكل بما قضى ويغرم ألفاً أخرى للطالب؛ لأن الموكل صدقه في دعوى القضاء عنه بأمره، وهو مصدق على نفسه في تصديقه، فثبت القضاء في حقه، فكان القول قوله مع يمينه؛ هکذا ذکر القدوري - رحمه الله. وذكر في ((الجامع)) أن الوكيل لا يرجع على الموكل، وإِن صدقه الموكل؛ لأَنَّ حق الرجوع يعتمد وجود القضاء ولم يوجد؛ لأن الطالب منكر إِلا أنا نقولٍ إِنكار الطالب يمنع وجود القضاء في حقه؛ لأنه منكر ما لا يمنع وجوده في حق الموكل؛ لأنه مقر وإقرار كل مقر حجة في حقه، فكان الأول أشبه. ولو دفع إِلى إِنسان مالاً ليقضي دينه، فقضاه الموكل بنفسه، ثم قضاه الوكيل، فإنْ كان الوكيل لم يعلم بما فعله الموكل فلا ضمان على الوكيل، ويرجع الموكل على الطالب بما قبض من الوكيل، وَإِن علم بأن الموكل قد قضاه بنفسه، فهو ضامن؛ لأن الوكيل لما قضاه بنفسه فقد عزل الوكيل؛ إلا أن عزل الوكيل لا يصح إلا بعد علمه به، فإذا علم بفعل الموكل فقد علم بالعزل، فصار متعدياً في الدفع، فيلزمه الضمان، وإذا لم يعلم فلم يوجد منه التعدي فلا ضمان عليه، وليس هذا كالوكيل يدفع الزكاة إِذا أدى الموكل بنفسه ثم أدى الوكيل، أَنه يضمن ٤٥٧ كتاب الوكالة الوكيل، علم بأداء الموكل أو لم يعلم عند أبي حنيفة - رحمه الله -؛ لأن الوكيل بأداء الزكاة مأمور بأداء الزكاة، وأداء الزكاة هو إسقاط الفرض بتمليك المال من الفقير، ولم يوجد ذلك من الوكيل لحصوله من الموكل، فبقي الدفع من الوكيل تعدياً محضاً، فكان مضموناً عليه. فأما قضاء الدين فعبارة عن أداء مال مضمون على القابض على ما ذكرنا، والمدفوع إِلى الطالب مقبوض عنه، والمقبوض بجهة الضمان مضمون؛ كالمقبوض على سوم الشراء؛ لكونه مقبوضاً بجهة القضاء، والمقبوض بجهة القضاء مضمون على القابض، ويقال إن قضاء الدين عبارة عن نوع معاوضة، وهو نوع شراء الدين بالمال، والمقبوض من الوكيل مقبوض بجهة الشراء مضمون على المشتري؛ بخلاف ما إذا دفعه على علمه بدفع الموكل؛ لأن هناك لم يوجد القبض بجهة الضمان لانعدام القبض بجهة القضاء، فبقي تعدياً فيجب عليه ضمان التعدي، والقول قول الوكيل في أنه لم يعلم بدفع الموكل؛ لأن القول قول الأمين في دفع الضمان عن نفسه لكن مع اليمين. وعلى هذا إِذا مات الموكل ولم يعلم الوكيل بموته حتى قضى الدين لا ضمان عليه، وإذا كان عالماً بموته ضمن لما قلنا، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. الوكيل ببيع العبد إذا قال: بعت وقبضت الثمن وهلك، هذا على وجهين. أما إن كان الموكل سلم العبد إلى الوكيل أو كان لم يسلم إِليه، فإن لم يكن سلم العبد إليه فقال الوكيل: بعته من هذا الوكيل وقبضت منه الثمن وهلك الثمن في يدي، أو قال: دفعته إِلى الموكل فهذا لا يخلو إما إِن صدقه في ذلك أو كذبه، فإن كذبه بالبيع، أو صدقه بالبيع، وكذبه في قبض الثمن أو صدقه فيهما، وكذبه في الهلاك، فإن صدقه في ذلك كله يهلك الثمن من مال الموكل، ولا شيء على الوكيل، لأنه يهلك أمانة في يده، وإن كذبه في ذلك كله بأن كذبه بالبيع، أو صدقه بالبيع وكذبه في قبض الثمن، فإن الوكيل يصدق في البيع ولا يصدق في قبض الثمن في حتى الموكل؛ لأن إِقرار الوكيل في حق نفسه جائز عليه، والمشتري بالخيار: إِن شاء نقد الثمن ثانياً إِلى الموكل وأخذ منه المبيع، وإن شاء فسخ البيع وله أن يرجع في الحالين جميعاً على الوكيل بما نقده؛ وكذا ولو أقر الوكيل بالبيع وزعم أن الموكل قبض من المشتري الثمن وأنكر الموكل ذلك، فإن الوكيل يصدق في البيع ولا يصدق في إقراره على الموكل بالقبض لما ذكرنا، ويجبر المشتري على ما ذكرنا، إِلا أن هناك لا يرجع على الوكيل بشيء؛ لأنه لم يوجد منه الإِقرار بقبض الثمن، وإِن صدقه الموكل في البيع وقبض الثمن وكذبه في الهلاك أو الدفع إليه، فالقول قول الوكيل في دعوى الهلاك أو الدفع إليه مع يمينه؛ لأنه أمين ويجبر الموكل على تسليم العبد إلى المشتري؛ لأنه ثبت البيع وقبض الثمن بتصديقه إياه، ولا يؤمر المشتري بنقد الثمن ثانياً إِلى الموكل؛ لأَنّه ثبت وصول الثمن إِلى يد وكيله بتصديقه، ووصول الثمن إلی ید و کیله کوصوله إلی یده. ٤٥٨ کتاب الوكالة هَذَا إِذا لم يكن العبد مسلماً إِلى الوكيل، فأما إِذا كان مسلماً إِليه فقال الوكيل: بعته من هذا الرجل وقبضت منه الثمن، فهلك عندي، أو قال: دفعته إِلى الموكل أو قال: قبض الموكل الثمن من المشتري، فإن الوكيل يصدق في ذلك كله ويسلم العبد إلى المشتري، ويبرأ المشتري من الثمن وَلاَ يمين عليه. أَمَّا إذا صدقه الموكل في ذلك كله فلا يشكل؛ وكذا إِذا كذبه في البيع أو صدقه فيه وكذبه في قبض الثمن؛ لأن الوكيل أقر ببراءة المشتري عن الثمن، فلا يحلف ويحلف الوكيل، فإن حلف على ما يدعيه برىء من الثمن، وإِن نكل عن اليمين لزمه ضمان الثمن للموكل، فإن استحق العبد بعد ذلك من يد المشتري فإنه يرجع بالثمن على الوكيل إِذا أقر قبض الثمن منه، والوكيل لا يرجع على الموكل بما ضمن من الثمن للمشتري؛ لأن الموكل لم يصدقه على قبض الثمن فإقرار الوكيل في حقه جائز، ولا يجوز في حق الرجوع على الموكل، وله أن يحلف الموكل على العلم بقبض الموكل، فإِن نكل رجع عليه بما ضمن. ولو أقر الموكل بقبض الوكيل الثمن لكنه كذبه في الهلاك أو الدفع إِليه، فإِن الوكيل يرجع بما ضمن عليه لأن يد وكيله كيده، ولو كان الوكيل لم يقر بقبض الثمن بنفسه ولكنه أقر أن الموكل قبضه من المشتري، لا يرجع المشتري على الوكيل؛ لأنه لم يقبض منه الثمن، ولا يرجع على الموكل أيضاً لأن إقرارهما على الموكل لا يجوز، ولو لم يستحق المبيع ولكنه وجد به عيباً، كان له أن يخاصم الوكيل، فإِذا رد عليه بقضاء القاضي رجع عليه بالثمن إِن أقر بقبض الثمن منه، وللوكيل أن يرجع على الموكل بما ضمن إذا أقر الموكل بقبض الوكيل الثمن، ويكون البيع للموكل، وإِن لم يقر الموكل بقبض الوكيل الثمن لا يَرْجِعُ الوكيل بما ضمن على الموكل وله أن يحلف الموكل على العلم بقبضه، فإِن نكل رجع عليه، وَإِن حلف لا يرجع ولكنه يبيع العبد فيستوفي ما ضمن من ثمن العبد، فإن كان فيه فضل رده على الموكل، وإِن كان فيه نقصان فلا يرجع بالنقصان على أحد. ولو كان الوكيل لم يقر بقبض الثمن بنفسه ولكنه أقر بقبض الموكل لا يرجع المشتري بالثمن على الوكيل؛ لأنه لم يدفعه إليه ولا يرجع على الموكل أيضاً؛ لأنهما لا يصدقان عليه بالقبض وعلى الموكل اليمين على البتات، فإِن نكل رجع عليه والمبيع له، وَإِن حلف لا يرجع عليه بشيء ولكن المبيع يباع عليه. وذكر الطحاوي في الفصل الأول أن الوكيل يبيعه في قولهما، وفي قول أبي حنيفة - رحمه الله - لا يبيعه، وجعل هذا کبيع مال المديون المفلس، ولکن الوکیل لو باعه يجوز بيعه؛ لأنه لما رد عليه فسخاً عادت الوكالة، فإِذا بيع العبد يستوفي المشتري الثمن منه إِن أقر الوكيل بقبض الموكل ولم يقر بقبض نفسه، وَإِن أقر بقبض الثمن وضمن المشتري يأخذ من الثمن مقدار ما غرم، فإن كان فيه فضل رده على الموكل، وَإِن كان فيه نقصان لا يرجع على أحد. ٤٥٩ کتاب الوكالة ومنها: الوكيل بقضاء الدين إِذا لم يدفع الموكل إليه مالاً ليقضي دينه منه، فقضاه من مال نفسه، يرجع بما قضى على الموكل؛ لأن الآمر بقضاء الدين من مال غيره استقراض منه، والمقرض يرجع على المستقرض بما أقرضه. وكذلك الوكيل بالشراء من غير دفع الثمن إلى الوكيل توكيل بقضاء الدين وهو الثمن، والوكيل بقضاء الدين إِذا قضى من مال نفسه يرجع على الموكل؛ فكذا الوكيل بالشراء، وله أن يحبس المبيع لاستيفاء الثمن من الموكل عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر ليس له حبسه. وجه قوله أن المبيع أمانة في يد الوكيل؛ ألا ترى أنه لو هلك في يده فالهلاك على الموكل حتى لا يسقط الثمن عنه، وليس للأمين حبس الأمانة بعد طلب أهلها؛ قال الله - تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُوَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء، ٥٨] فصار كالوديعة. ولنا أنه عاقد وجب الثمن له على من وقع له حكم البيع ضماناً للمبيع، فكان له حق حبس المبيع لاستيفاء الثمن كالبائع من المشتري. وإذا طلب منه الموكل فحبسه حتى هلك، كان مضموناً عليه بلا خلافٍ بين أصحابنا، لكنهم اختلفوا في كيفية الضمان. قال أبو حنيفة ومحمد: يكون مضموناً ضمان البيع، وقال أبو يوسف: يكون مضموناً ضمان الرهن، وقال زفر: يكون مضموناً ضمان الغصب. وجه قول زفر ما ذكرنا أن المبيع أمانة في يده، والأمين لا يملك حبس الأمانة عن صاحبها، فإِذا حبسها فقد صار غاصباً، والمغصوب مضمون بقدره من المثل أو بالقيمة بالغاً ما بلغ. وجه قول أبي يوسف أن هذه عين محبوسة بدين يسقط بهلاكها، فكانت مضمونة بالأقل من قيمتها ومن الدین کالرهن. وجه قولهما: أن هذه عين محبوسة بدين هو ثمن، فكانت مضمونة ضمان البيع كالمبيع في يد البائع، وكذلك الوكيل بالبيع إذا باع سلم وقبض الثمن ثم استحق المبيع في يد المشتري، فإنه يرجع بالثمن على الوكيل فيأخذ عينه إِن كان قائماً ومثله أو قيمته إِن كان هالكاً، والله أعلم. فصل [فيما يخرج به الوكيل عن الوكالة] وأما بيان ما يخرج به الوكيل عن الوكالة، فنقول وبالله التوفيق: الوكيل يخرج عن الوكالة بأشياء . ٤٦٠ كتاب الوكالة ومنها: عزل الموكل إياه ونهيه؛ لأن الوكالة عقد غير لازم فكان محتملاً للفسخ بالعزل والنهي(١)، ولصحة العزل شرطان: أحدهما: علم الوكيل به؛ لأن العزل فسخ للعقد، فلا يلزم حكمه إلا بعد العلم به كالفسخ؛ فإِذا عزله وهو حاضر انعزل؛ وكذا لو كان غائباً فكتب إليه كتاب العزل، فبلغه الكتاب وعلم بما فيه، انعزل؛ لأن الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر. وكذلك لو أرسل إليه رسولاً فبلغ الرسالة، وقال: إِن فلاناً أرسلني إليك، ويقول: إِني عزلتك عن الوكالة، فإِنه ينعزل كائناً ما كان الرسول، عدلاً كان أو غير عدلٍ، حرًّا كان أو عبداً، صغيراً كان أو كبيراً، بعد أن بلغ الرسالة على الوجه الذي ذكرنا؛ لأن الرسول قائم مقام المرسل معبر وسفير عنه، فتصح سفارته بعد أن صحت عبارته؛ على أي صفة كان، وإِن لم يكتب كتاباً ولا أرسل رسولاً ولكن أخبره بالعزل رجلان، عدلان، كانا أو غير عدلين، أو رجل واحد عدل ـ ينعزل في قولهم جميعاً، سواء صدقه الوكيل أو لم يصدقه؛ إذا ظهر صدق الخبر؛ لأن خبر الواحد مقبول في المعاملات، فإن لم يكن عدلاً فخبر العدلين أو العدل أَوْلَى، وَإِن أخبره واحد غير عدل، فإن صدقه ينعزل بالإِجماع، وَإِن كذبه لا ينعزل، وإِن ظهر صدق الخبر في قول أبي حنيفة، وعندهما ينعزل إِذا ظهر صدق الخبر وإِن كذبه. وجه قولهما أن الإخبار عن العزل من باب المعاملات، فلا يشترط فيه العدد ولا العدالة كما في الأخبار في سائر المعاملات. وجه قول أبي حنيفة أن الإخبار عن العزل له شبه الشهادة، لأن فيه التزام حكم المخبر به وهو العزل، وهو لزوم الامتناع من التصرف، ولزوم العهدة فيما يتصرف فيه بعد العزل، فأشبه الشهادة فيجب اعتبار أحد شروطها، وهو العدالة أو العدد. وعلى هذا الاختلاف الشفيع إذا أخبره بالبيع واحد غير عادل، فلم يصدقه ولم يطلب الشفعة حتى ظهر عنده صدق الخبر، فهو على شفعته عند أبي حنيفة، وعندهما بطلت شفعته. وعلى هذا الاختلاف إِذا جنى العبد جناية في بني آدم، ثم أخبر واحد غير عدل مولاه أَن عبده قد جنى فلم بصدقه حتى أعتقه، لا يصير المولى مختاراً للفداء عند أبى حنيفة، وعندهما يصير مختاراً للفداء . (١) الوَكَالَةَ عَقْدٌ جائِزٌ من الطَّرَفَيْنِ، فَلِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيلِه متى شاءَ، ولِلْوَكِيِلِ عَزْلُ نَفْسِه؛ لأَنَّه إِذْنٌ في الَّصَرُّفِ، فكان لكلِّ واحدٍ منهمَا إِنْطَالُه، كما لو أَذِنَ في أَكْلٍ طَعَامِهِ. ينظر: المغني (٢٤٣/٧).