النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كتاب البيوع
وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله -: أنها فَسْخ قبل القبض بيع بعده، وقال أبو يوسف:
أنها بيع جديد في حق العَاقِدين وغيرهما إلا ألاَّ يمكن أن تجعل بيعاً فتجعل فسخاً، قال
محمد: أنها فَسْخ إلا ألاَّ يمكن أن تجعل فسخاً، فتجعل بيعاً للضرورة، وقال زفر: أنها فَسْخ
في حق الناس كافة.
وجه قول زفر: أن الإقالة في اللغة عِبَارة عن الرَّفع، يقال في الدعاء: اللهم أقلني
عثراتي، أي: ارفعها، وفي الحديث: ((مَنْ أَقَالَ نَادِماً أَقَالَ الله عَثَرَاتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ))، وعن النبيِّ
- عليه الصلاة والسلام -: ((أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّ فِي حَدِّ»(١).
والأصل أن معنى التصرُّف شرعاً ما ينبىء عنه اللفظ لغة، ورفع العقد فسخه؛ ولأن البيع
والإقالة اختلفا اسماً فيختلفان حكماً، هذا هو الأصل؛ فإذا كانت رفعاً لا تكون بيعاً؛ لأن البيع
ضده، حتى يحمل عليه عند تعذّر معناه الحقيقي.
وقال محمد: بل تحمل على البيع، إذا تعذر الفسخ؛ لكونها تحتمل البيع في الجملة .. إذ هي بيع في
حق ثالث، حيث يجوز له المطالبة بالشفعة فيها؛ كما هو مذهب الحنفية.
ولكن أبا حنيفة - يجيب بأنا جعلناها بيعاً في حق ثالث للضرورة، وهي ثبوت حكم البيع بها من نقل
الملك ببدل، فلئن صرفت عن معنى البيع في حقهما - فلا تضرِف عنه في حق غيرهما، إذا اقتضاه أمرٌ
آخر.
وأيضاً اعتبرت بيعاً في حق ثالث؛ لئلا يفوت مقصود والشارع من شرع الشفعة في بعض الصور؛ إذ هي
قد شرعت لدفع ضرر الخلطة أو الجوار، وهو موجود في الإقالة. ووجهة من قال: إنها بيعٌ هي أنه رأى
حد البيع منطبقاً عليها؛ لأنها مبادلة المال بالمال على التراضي، وهو حد البيع، ولأنها تبطل بهلاك
السلعة قبل القبض، ويرد المبيع فيها بالعيب، وهذه هي أحكام البيع، وعلى هذا فهي بيع حقيقة؛ لانطباق
حده، وحكمها عليها.
ويزيد أبو يوسف على هذا: أنها وضعت في الأصل للفسخ، ثم حملت على البيع لما ذكر. فإن لم
تحتمله كانت مستعملة فيما وضعت له، وهو الفسخ.
ويرد على من قال: إنها بيعٌ بأن حد البيع ليس مبادلة المال بالمال تراضياً فحسب، بل مع زيادة ابتداء،
والموجود في الإقالة المبادلة على سبيل العود، وبأنه لا يلزم من ثبوت لازم شيء لشيء أن يكون إياه؛
لجواز أن يكون لازم حقيقتين مختلفتين، أي: أنه لازم عام.
وفائدة الخلاف في كونها بيعاً، أو فسخاً تظهر في الإقالة من المبيع قبل قبضه، فمن قال: هي بيع لا
يصححها؛ لأن بيع المبيع قبل قبضه لا يجوز، ومن قال: هي فسخ جعلها صحيحة؛ لأنه يرفع العقد يعود
المبيع إلى ملك صاحبه.
ومع ذلك، فلا بد في الإقالة من أن تكون بالثمن فلا يزاد عليه، أو ينقص منه؛ لأن حقيقتها هي المبادلة
بالثمن الذي اتّفق علیه أولاً .
ينظر الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور.
(١) سيأتي في الحدود.

٣٨٢
كتاب البيوع
إِثْبَات والرفع نفي وبينهما تناف، فكانت الإقالة على هذا التقدير فَسْخاً محضاً فتظهر في حق
كافة الناس.
وجه قول محمد: أن الأصل فيها الفسخ كما قال زفر، إلا أنه إذا لم يمكن أن تجعل
فسخاً فتجعل بيعاً ضَرُورة.
وجه قول أبي يوسف: أن معنى البيع هو مبادلة المال بالمال، وهو أخذ بدل وإعطاء
بدل، وقد وجد فكانت الإقَالة بيعاً لوجود معنى البيع فيها، والعبرة للمعنى لا للصورة؛ ولهذا
أعطي حكم البيع في كثير من الأحكام على ما تَذْكر؛ وكذا اعتبر بيعاً في حق الثّالث عند أبي
حنيفة .
وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - في تقرير معنى الفَسْخ: ما ذكرناه لزفر أنه رفع لغة
وشرعاً ورفع الشيء فسخه، وأما تقرير معنى البَيْع فيه فما ذكرنا لأبي يوسف أن كل واحد
[منهما](١) يأخُذ رأس ماله ببدل، وهذا مَعْنَى البيع، إلا أنه لا يمكن إظْهَار معنى البيع في
الفَسْخ في حق العاقدين للتنافي، فأظهرناه في حق الثالث، فجعل فَسْخاً في حقهما بيعاً في حق
ثالث، وهذا ليس بممتنع.
ألا ترى أنه لا يمتنع أن يجعل الفعل الواحد من شخص واحد طاعة من وجه ومعصية
من وجه، فمن شَخْصَين أولى.
والدليل عليه: أنها لا تصحُّ من غير تسمية الثمن، وثمرة هذا الاختلاف [فيما](٢) إذا
تقايلا ولم يسميا الثمن الأول، أو سمَّيا زيادةً على الثمن الأول، أو أنقص من الثمن الأول أو
سميا جنساً آخر سوى الجنس الأول قل أو كثر، أو أجلاً الثمن الأول فالإقالة على الثمن الأول
في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وتسمية الزيادة والنقصان والأجل والجنس الآخر باطلة،
سواء كانت الإقالة قبل القَبْض أو بعدها والمبيع منقول أو غير منقول؛ لأنها فسخ في حق
العاقدين والفَسْخ رفع العقد، والعقد وقع بالثمن الأول فيكون فسخه بالثمن الأول ضرورة؛
لأنه فسخ ذلك العقد وحكم الفَسْخ لا يختلف بين ما قبل القَبْض وبين ما بعده وبين المنقول
وغير المنقول، وتبطل تَسْمية الزيادة والنُّقصان والجنس الآخر والأجل، وتبقى الإقالة صحيحة؛
لأن إطْلاَق تسمية هذه الأشياء لا يؤثر في الإقالة؛ لأن الإقالة لا تبطلها الشروط الفاسدة.
وبخلاف البيع؛ لأن الشَّرط الفَاسِد إنما يؤثر في البيع؛ لأنه يمكن الربا فيه، والإقالة رفع
البيع فلا يتصوّر تمكن الربا فيه فهو الفرق بينهما.
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.

٣٨٣
کتاب البيوع
وفي قول أبي يوسف: إن كان بعد القَبْض، فالإقالة على ما سميا؛ لأنها بيع جديد كأنه
باعه منه(١) ابتداء، وإن كان قبل القَبْض والمبيع عقاراً فكذلك؛ لأنه يمكن جعله بيعاً؛ لأن بيع
العقار قبل القَبْض جائز عنده؛ وإن كان منقولاً فالإقالة فسخ؛ لأنه لا يمكن جعلها بيعاً؛ لأن
بيع المبيع المنقول قبل القبض لا يجُوز.
وروي عن أبي يوسف: أن الإقالة بيع على كل حال، فكل ما لا يجوز بيعه لا تجوز
إقالته، فعلى هذه الرواية لا تجُوز الإقالة عنده في المنقول قبل القبض؛ لأنه لا يجوز بيعه،
وعند/ محمد: إن كان قبل القبض فالإقالة تكون على الثمن الأول، وتبطل تسمية الزيادة على ١٦٤/٣ب
الثّمن الأوّل والجنس الآخر، والنقصان والأجل يكون فسخاً، كما قاله أبو حنيفة
- رحمه الله -: لأنه لا يمكن جعلها قبل القبض بيعاً، لكن بيع المبيع قبل القبض لا يجُوز عنده
منقولاً كان أو عقاراً.
وإن كان بعد القَبْض، فإن تقايلا من غير تسمية الثمن أصلاً أو سميا الثمن الأول من غير
زيادة ولا نقصان، أو نقصاً عن الثّمن الأول - فالإقالة على الثمن الأول وتبطل تسمية النقصان،
وتكون فسخاً أيضاً كما قال أبو حنيفة - رحمه الله - أنها فَسْخ في الأصل، ولا مانع من جعلها
فسخاً فتجعل فسخاً، وإن تقايلا عن الزيادة أو على الثمن الأول أو على جنس آخر سوى جنس
الثَّمن الأول قل أو كثر، فالإقالة على ما سميا ويكون بيعاً عنده؛ لأنه لا يمكن جعلها فسخاً
ههنا؛ لأن من شأن الفسخ أن يكون بالثمن الأول، وإذا لم يمكن جعلها فسخاً تجعل بيعاً بما
سميا، بخلاف ما إذا تقايلا على أنْقَص من الثمن الأول أن الإقالة تكون بالثمن الأول عنده،
وتجعل فَسْخاً ولا تجعل بيعاً عنده؛ لأن هذا سكوت عن نقص(٢) الثمن وذلك نقص الثمن،
والسُّكوت عن النقص(٣) لا يكون أعلى من السكوت عن الثمن الأول، وهناك يجعل فسخاً لا
بيعاً، فههنا أولى، والله عز وجل أعلم.
وعلى هذا يخرج ما إذا كان المشتري داراً ولها شَفِيع، فقضى له بالشفعة، ثم طلب منه
المشتري أن يسلم الشّفعة بزيادة على الثَّمن الأول أو بجنس آخر - أن الزيادة باطلة.
وكذا تَسْمية الجنس الآخر عند أبي حنيفة ومحمَّد وزفر - رحمهم الله -؛ لأنه لما قضى
للشفيع بالشّفعة، فقد انتقلت الصَّفقة إليه بالثمن الأول، فالتسليم بالزيادة على الثمن الأول أو
بجنس آخر يكون إقَالَة على الزّيادة على الثمن الأول، أو على جنس آخر، فتبطل التسمية،
ويصح التَّسليم بالثَّمن الأول عندهما، وإنما اتفق جوابهما ههنا على أصل محمد؛ لأنه لا يرى
(١) في ط: فيه.
(٣) في أ: البعض.
(٢) في أ: بعض.

٣٨٤
كتاب البيوع
جواز بيع المَبِيع العقاد قبل القبض، فيبقى فسخاً على الأصل، وعند أبي يوسف الزيادة
صحيحة .
وكذا تسمية جنس آخر؛ لأن الإقالة عنده بيع، ولا مانع من جَعْلها بيعاً فتبقى بيعاً على
الأصل، ولو تقايلا البيع في المنقول، ثم إن البائع باعه من المشتري ثانياً قبل أن يستردّه من
يده يجوز البيع، وهذا يطرد على أصل أبي حنيفة ومحمد وزفر، أما على أضل(١) زفر؛ فلأن
الإقالة فسخ مطلق في حق الكل.
وعلى أصل أبي حنيفة: فسخ في حق العَاقِدين، والمشتري أحد المتّعَاقدين، وعلى أصل
محمد فسخ عند عدم المانع من جعله فسخاً، ولا مانع ههنا من جعله فسخاً، بل وجد المانع
من جعله بيعاً؛ لأن بيع المَبِيع المنقول قبل القبض لا يجوز، فكانت الإقالة فسخاً عندهم، فلم
يكن هذا بيع المبيع المنقول قبل القبض فجاز.
وأما على أصل أبي يوسف فلا يطرد؛ لأن الإقالة عنده بعد القَبْض بيع مطلق وبيع المبيع
المنقول قبل القبض لا يجوز، بلا خِلاف بين أصحابنا، فكان هذا الفعل(٢) حجة عليه، إلا أن
يثبت عنه الخلاف فيه .
ولو باعه من غير المشتري لا يجوز، وهذا على أضل أبي حنيفة وأبي يوسف يطرد، أما
على أصل أبي يوسف فلأن الإقالة بعد القَبْض بيع جديد في حق العاقدين وغيرهما إلا لمانع،
ولا مانع من جعلها بيعاً ههنا؛ لأنا لو جعلناها بيعاً لا تفسد الإقالة؛ لأنها حصلت بعد القَبْض
فتجعل بيعاً، فكان هذا بيع المنقول قبل القبض فلم يجز.
وأما على أصْل أبي حنيفة: فهي وإن كانت فسخاً لكن في حق العاقدين، وأما في حق
غيرهما فهي بيع والمشتري غيرهما، فكان بيعاً في بيعه فيكون بيع المبيع المنقول قبل القبض.
وأما على أضل محمد وزفر فلا يطّرد؛ لأنها عند زفر فسخ في حق العَاقِدين وغيرهما،
وعند محمد: الأصل فيها الفَسْخ إلا لمانع، ولم يوجد المانع فبقي فسخاً في حق الكل، ولم
يكن هذا بيع المنقول قبل القَبْض فينبغي أن يجوز، وإن كان المبيع غير منقول، والمسألة
١٦٥/٣ أ بحالها جاز بيعه من غير المشتري أيضاً على أصل أبي حنيفة/ وأبي يوسف، وكذا على قياس
أصل محمد؛ لأن على أصله الإقالة بيع في حق الكل، إلا ألاَّ يمكن وههنا يمكن لما قلنا.
وعلى أصل أبي حنيفة بيع في حَقُ العَاقِدين، فكان هذا بيع المبيع العقار قبل القبض،
(١) في أ: قول.
(٢) في أ: الفصل.

٣٨٥
كتاب البيوع
وأنه جَائِز عندهما، وعلى أصل محمد فسخ إلا عند التعذر، ولا تعذر ههنا؛ لأنها حصلت بعد
القَبْض على الثمن الأوّل فبقيت فسخاً، فلم يكن هذا بيع المبيع قبل القبض، بل بيع المفسوخ
فيه البيع قبل القَبْض، وهذا جائز عنده منقولاً كان أو غير منقولٍ، وعند زفر: هو فسخ على
الإطلاق فلم يكن بيعه بين المبيع المنقول قبل القَبْض فيجُوز.
وعلى هذا يخرج ما إذا اشْتَرى داراً ولها شفيع فسلم الشفعة، ثم تقايلا البيع أو اشْتَراها
ولم يكن بجنبها دار، ثم بنيت بجنبها دار ثم تقايلاً البيع؛ فإن الشفيع يأخذها بالشّفعة عند أبي
حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الإقالة بيع جديد في حق الكل على أصْل أبي يوسف، ولا مانع من
جعلها بيعاً.
وعلى أضل أبي حنيفة: بيع في حق غير العَاقِدين، والشفيع غيرهما فيكون بيعاً في حقه
فيستحق، وأما على قِيَاس أصْل محمد وزفر: لا يثبت حق الشفعة؛ لأنها فسخ مطلق على
أصل زفر.
وعلى أصل محمد: فسخ ما أمْكَن، وههنا ممكن، والشفعة تتعلق بالبيع لا بالفسخ كالرد
بخيار الشَّرط والرؤية ونحو ذلك، ولو تقايلا ثم وهب البائع المبيع من المشتري قبل
الاسْتِرداد، وقبل المشتري - جازت الهبة وملكه المشتري ولا تنفسخ الإقالة، ولو كان هذا في
البيع لا تجُوز الهبة، وينفسخ البيع بأن وهب المشتري المبيع قبل القبض من البائع وقبله البائع،
وهذا يشكل على أصل أبي يوسف؛ لأنه أجْرَى الإقالة بعد القَبْض مجرى البيع؛ ولو كانت
كذلك لما جازت الهِبَة، ولكانت فسخاً للإقالة كما كانت فسخاً للبيع.
ثم الفرق على أصل من يجعلها فسخاً ظاهراً؛ لأن الفسخ لا يحتمل الفسخ، فلا يمكن
جعل الهبة مجازاً عن الإقالة، فلا تنفسخ الإقالة بخلاف البيع، فإنه يحتمل الفسخ فأمكن جعل
الهبة مجازاً عن إقالة البيع.
ولو كان المبيع مكيلاً أو موزوناً بيع مكايلة أو موازنةً، فتقايلا البيع فاسترده البائع من غير
كيل أو وزن صحّ قبضه، وهذا لا يطرد على أصل أبي يوسف؛ لأن الإقالة لو كانت بيعاً لما
صحّ قبضه من غير كيل أو وزن كما في البيع، ولو تقايلاً قبل قبض المبيع أو بعده، ثم وجد
البَائِع به عيباً كان عند بائعه - ليس له أن يرده عليه، وهذا على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف
يطرد؛ لأنَّ الإقالة على أصل أبي يوسف بيع في حق الكُلِّ، وعلى أصل أبي حنيفة بيع في حقِّ
ثالث، فكان بيعاً في حقه، فيصير كأنه اشتراه ثانياً أو ورثه من المشتري.
وعلى أضل محمد وزفر: يشكل، لأن الإقالة فَسْخ على أصلهما، فينبغي ألاَّ يمنع الرد؛
ولو اشترى شيئاً وقَبَضه قبل نقد الثمن، ثم باعه من أجنبي ثم تقايلا، وعاد المبيع إلى
بدائع الصنائع ج٧ - ٢٥٣

٣٨٦
كتاب البيوع
المشتري، ثم إن بائعه اشْتَراه بأقل مما باعه بالثمن الأول قبل النقد - يجوز، وهذا على أصل
أبي حنيفة وأبي يوسف صَحِيح؛ لأن الإقالة على أصل أبي يوسف بيع في حق العَاقِدين
وغيرهما .
وعلى أصل أبي حنيفة بيع في حقِّ ثالث والبائع الأوّل ههنا ثالث، فكانت الإقالة بيعاً في
حقه كأن المشتري الأول اشْتَراه ثانياً، ثم باعه من بائعه بأقل من الثمن الأول قبل العقد(١)،
وذلك جائزٌ كذا هذا.
وأما على أضل محمد وزفر: فلا يطرد؛ لأنهما يجعلان الإقالة فَسْخاً، فكانت إعادة إلى
قديم الملك فينبغي ألا يجوز، وأما شَرَائط صحة الإقالة، فمنها رضا المتقايلين، أما على أصل
أبي يوسف فَظَاهر؛ لأنه بيع مُطْلق والرِّضا شرط صحَّة البياعات.
وأما على أضل أبي حنيفة ومحمد وزفر: فلأنها فَسْخ العقد، والعقد لم ينعقد على
الصحة إلا بتراضيهما أيضاً، ومنها المجلس لما ذكرنا أن معنى البَيْع موجود فيها، فيشترط لها
المَجْلس كما يشْتَرط للبيع.
٣/ ١٦٥ ب
ومنها تقابض بدلي الصَّرف/ في إقالة الصرف، وهذا على أصل أبي يوسف ظاهر،
وكذل على أصل أبى حنيفة؛ لأن قبض البَدَلين إنما وجب حقاً لله تعالى. ألا ترى أنه لا يَسْقط
بإسقاط العبد والإقالة على أصله؛ وإن كانت فسخاً في حق العاقدين، فهي بيع جَدِيد في حق
ثالث، فكان حق الشرع في حكم ثالث فيجعل بيعاً في حقه.
ومنها أن يكون المبيع بمحل الفسخ بسَائِر أسباب الفَسْخ؛ كالرد بخيار الشَّرط والرؤية
والعيب عند أبي حنيفة وزفر؛ فإن لم يكُن بأن ازداد زيادة تمنع الفَسْخ بهذه الأسباب - لا تصحُ
الإقالة عندهما، وعند أبي يوسف ومحمد: هذا ليس بشرط، أما على أصْل أبي حنيفة وزفر
فظاهر؛ لأن الإقالة عندهما فَسْخ للعقد، فلا بد وأن يكون المحل محتملاً(٢) للفَسْخ، فإذا
خرج عن احتمال الفَسْخ خرج عن احتمال الإقالة ضَرُورة.
وأما على أضل أبي يوسف: فلأنها بعد القبض بيع مطلق، وهو بعد الزيادة محتمل للبيع
فبقي محتملاً للإقالة، وأما على أصل محمد: وإن كانت فسخاً لكن عند الإمكان، ولا إمكان
هُهنا؛ لأنا لو جعلناها فسخاً لم يصحَّ، ولو جعلناها بيعاً لصحت، فجعل بيعاً لضرورة الصحة،
فلهذا اتَّفق جواب محمد مع جواب أبي يوسف في هذا الفصل.
ومنها قيام المبيع وقت الإقَالَة، فإن كان هالكاً وقت الإقالة لم تصح، فأما قيام الثَّمن
(١) في أ: النقد.
(٢) في أ: قابلاً.

٣٨٧
کتاب البيوع
وقت الإقالة فليس بشرط ووجه الفَرْق: أن إقالة البيع رفعه، فكان قيامها بالبيع وقيام البيع
بالمبيع لا بالثمن؛ لأنه هو المعقود عليه على معنى أن العَقْد ورد عليه لا على الثمن؛ لأنه يرد
على المعين والمعين هو المبيع لا الثمن؛ لأنه لا يختَمل التعيين وإن عين؛ لأنه اسم لما في
الذمة، فلا يتصور إيراد العقد عليه دلَّ أن قيام البيع بالمبيع لا بالثمن، فإذا هلك لم يبق محل
حكم البيع، فلا يبقى حكمه، فلا يتصور الإقالة التي هي رفع حكم البيع في الحقيقة، وإذا
هلك الثّمن فمحل حكم البيع قائم فتصحُ الإقالة .
وعلى هذا يخرج ما إذا تبايعا عيناً بدين كالدَّراهم والدنانير عيناً، أو لم يعينا والفلوس
والمكيل والموزون والعدديات المتَقَاربة الموصوفة في الذمة: ثم تقايلا أنهما إن تقايلا والعين
قائمة في يد المشْتَري صحت الإقالة، سواء كان الثمن قائماً في يده أو هالكاً؛ لقيام [محل](١)
حكم البيع بقيام المعقُود عليه، وأن تقايلا بعد هلاك العين لم تصح، وكذا إن كانت قائمة وقت
الإقالة ثم هلكت قبل الردّ على البائع بطلت الإقالة، سواء كان الثمن قائماً أو هالكاً؛ لأن
الإقالة فيها معنى البيع.
ألا ترى أن بعد الإقالة وجب على كل واحدٍ منهما رد ما في يده على صاحبه فكان هلاك
البيع بعد الإقالة قبل القَبْض كهلاكه بعد البيع قبل القبض؛ فإنه يوجب بطلان البيع كذا هذا،
سواء بقي الثمن أو هَلَك؛ لأنه إذا لم يتعين فقيامه وهلاكه بمنزلة واحدة.
وكذا إذا كان المبيع عبدين وتَقَابضًا ثم هلكا، ثم تقايلا - أنه لا تصح الإقالة لما ذكرنا أن
المغْقُود عليه إذا هلك لم يبق محل الفسخ بالإقالة؛ وكذا لو كان أحدهما مالكاً وقت الإقالة
والآخر قائماً وصحت الإقالة، ثم هَلَك القائم قبل الرد بطلت الإقالة؛ لأنه هلك المعقود عليه
قبل القَبْض على ما بينا.
ولو تبايعا عيناً بعين وتَقَابَضا ثم هلكت إحداهما في يد مشتريها، ثم تقايلا - صحت
الإقالة، وعلى مشتري الهَالِك قيمة الهالك إن لم يكن له مثل، ومثله إن كان له مثل، فيسلمه
إلى صاحبه ويسترد منه العين؛ لأن كل واحدٍ منهما مَبِيع على حدة؛ لقيام العقد في كل واحد
منهما، ثم خرج الهالك من أن يكون قِيَام العقد به فيقوم بالآخر؛ وإذا بقي المبيع بقي محل
الفَسْخ فيصح أو نقول: المبيع أحدهما والآخر ثمن؛ إذ المبيع لا بد له من الثمن، فإذا هلك
أحدهما تعين الهالك للثمن والقائم للبيع لما في من تصحيح العقد، وفي القلب إفْسَاده، فكان
التصحيح أولى، فبقي البيع ببَقَاء المبيع فاختَمل الإقالة.
(١) سقط في ط.

٣٨٨
كتاب البيوع
١١٦٦/٣
وكذلك لو تَقَايلا والعينان قائمتان، ثم هلك أحدهما/ بعد الإقالة قبل الردّ - لا تبطل
الإقالة؛ لأن هلاك إخدَاهما قبل الإقالة لما لم يمنع صحة الإقالة - فهلاكها بعد الإقالة لا يمنع
بقاءها على الصّحة من طريق الأولى؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء، وهذا بخلاف بيع العرض
بالعرض؛ أنه لا ينْعَقد بأحد العرضين ابتداء، وإذا انعقد بهما ثم هلك أحدهما قبل القَبْض يبطل
البيع؛ لأن البيع مبادلة المال بالمال، فلا ينعقد بأحد البدلين ويبطل بهَلاَك أحد العرضين قبل
القبض؛ لأن كل واحد من العرضين مَبِيع، وهلاك المبيع قبل القبض يبطل البيع.
فأما الإقالة فرفع البيع، فتستدعي بقاء حُكُم البيع، وقد بقي ببقاء أحدهما وعلى هذا
تَخْرج إقالة السلم قبل قبض المسلم فيه أنها جائزة؛ سواء كان رَأس المال ديناً أو عيناً، وسواء
كان قائماً في يد المسلم إليه أو هالكاً؛ لأن المَبيع هو المسلم فيه وأنه قائم، وهذا لأن المسلم
فيه وإن كان ديناً حقيقة، فله حكم العين حتى لا يجوز استبداله قبل القبض، فكان كالمعقود
عليه، وأنه قائم فوجَدَ شرط صحة الإقالة، وإذا صحت فإن كان رَأْس المال عين مال قائمة رده
المسلم إليه بعينه، وإن كانت هالكة، فإن كان مما له مثل رد مثله، وإن كان ممَّا لا مثل له رد
قيمته؛ وإن كان ديناً رد مثله قائماً كان أو هالكاً؛ لأنه لا يتعين بالتَّعيين فهلاكه وقيامة سواء،
وكذلك لو كانت الإقالة بعد قبض المسلم فيه، وأنه قائِمْ في يد رب السلم - أنه تصح الإقالة
ثمة؛ لأنها صحت حال گونه ديناً حقيقة، فحال صيرورته عيناً بالقبض أولى.
وإذا صحت فعلى ربّ السلم رد عين المقْبُوض؛ لأن المقبوض بعقد السلم كأنه عين ما
ورد عليه العقد؛ بدليل أنه يجوز بيعه مرابحةً على رأس المال، والمرابحة بيع ما اشتراه البائع
بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح، وإذا كان المقبوض عَيْن ما ورد عليه العَقْد في التقدير
والحكم - وجب رد عينه في الإقالة.
ولو اشْتَرى عبداً بنقرة أو بمصوغ وتقابضا، ثم هلك العبد في يد المشتري، ثم تقايلا
والفضة قائمة في يد البائع - صحّت الإقالة؛ لأن كل واحد منهما مبيع لتعينه بالتعيين، فكان
معقوداً عليه، فيبقى البيع ببقاء أحدهما وعلى البائع رد عين الفضة، ويسترد من المشتري (١)
قيمة العبد لكن ذهباً لا فضة؛ لأن الإقالة وردت على قيمة العبد، فلو استردَّ قيمته فضة والقِيمَة
تختلف فتزداد أو تنقص فيؤدي إلى الربا، ولو كان العبد قائماً وقت الإقالة، ثم هلك قبل الرد
على البائع - فعلى البائع أن يردّ الفضة ويسترد قيمة العبد إن شاء ذهباً وإن شاء فضة؛ لأن
الإقالة. ههنا وردت على عين العبد، ثم وجبت القيمة على المشتري بدلاً للعبد، ولا ربا بين
العبد وقيمته، والله تعالى أعلم.
(١) في أ: الثمن.

كِتَابُ الكَفَالةِ
الكَلامُ في هذا الكتاب يَقَعُ في مواضع: في بيان ركن الكفالة، وفي بيان شرائط الركن،
وفي بيان حكم الكفالة، وفي بيان ما يخرج به الكفيل عن الكفالة، وفي بيان الرجوع بعد
الخروج أنه هل يرجع أم لا .
أما الركن، فهو الإيجاب والقبول، الإيجاب من الكفيل والقبول من الطالب، وهذا عند
أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف الآخر، وفي قوله الأول الركن هو الإيجاب فحسب.
فأمَّا القبول فليس بركن، وهو أحد قول الشافعي - رحمه الله - لما روي أن النبي - عليه
الصّلاة والسلام - أتى بجنازة رجلٍ من الأنصار، فقال: ((هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ)) (١) فقيل:
نعم، درهمان أو ديناران، فامتنع من الصلاة عليها، فقال سيدنا عليٍّ أو أبو قتادة - رضي الله
عنهما - هما عليَّ يا رسول الله، فصلَّى عليها ولم ينقل قبول الطالب؛ ولأن الكفالة ضم لغةً،
والتزام المطالبة بما على الأصيل شرعاً لا تمليك؛ ألا يرى أنه يحتمل الجهالة والتعليق
بالشرط، والتمليك لا يحتمل ذلك، ومعنى الضم والالتزام يتم بإيجاب الكفيل فأشبه النذر.
والدليل عليه أن المريض إذا قال عند موته لورثته: اضمنوا عنى ما عليَّ مِنَّ الدين
لغرمائي، وهم غيبٌ فضمنوا ذلك فهو جائزٌ، ويلزمهم، وأي فرق بين المريض والصحيح.
ولهما: أن الكفالة ليست بالتزام محض، بل فيها معنى التمليك لما نذكر، والتمليك لا
يتم إلا بالإِيجاب والقبول كالبيع، والجواب عن مسألة المريض نذكره من بعد، إن شاء الله
تعالى .
فإذا عرفت أن ركن الكفالة الإِيجاب والقبول، فالإيجاب من الكفيل أن يقول: أنا كفيلٌ،
أو ضمينٌ، أو زعيمٌ، أو غريم أو قَبَيْلٌ، أو حميلٌ، أو لك علي، أو لك قبلي، أو لك عندي.
أما لفظ الكفالة والضمان فصريحان، وكذلك الزعامة بمعنى الكفالة، والغرامة بمعنى
(١) تقدم.
٣٨٩

٣٩٠
كتاب الكفالة
الضمان، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((الزَّعِيمُ غَارِمٌ))(١) أي: الكفيل ضامنٌ، وكذلك القبالة
بمعنى الكفالة أيضاً، يقال: قبلت به أقبل قبالة، وتقبلت به، أي: كفلت، قال الله تعالى: ﴿أَوْ
تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ [سورة الإسراء، ٩٢] أي: كفيلاً يكفلوني بما يقول، والحميل بمعنى
المحمول، فعيل بمعنى المفعول؛ كالقتيل بمعنى المقتول، وأنه ينبئ عن تحمل الضمان.
وقوله ((عليَّ)) كلمةُ إِيجاب، وكذا قوله ((إِلَيَّ))، قال رسول الله - وَه ـ ((مَنْ تَرَكَ مَالاً
فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْئاً فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ))(٢) وقوله: ((قبلي)) ينبئ عن القبالة، وهي الكفالة على ما
ذكرنا.
وقوله ((عندي))، وإن كانت مطلقة للوديعة، لكنه بقرينة الدين يكون كفالة، لأن قوله
عندي يحتمل اليد ويحتمل الذمة؛ لأنها كلمة قرب وحضرة، وذلك يوجد فيهما جميعاً، فعند
الإطلاق يحمل على اليد؛ لأنه أدنى، وعند قرينة الدين يحمل على الذمة، أي: في ذمتي؛ لأن
الدين لا يحتمله إلا الذمة.
وَأَمَّا القَبُولُ من الطالب فهو أَنْ يقول: قبلت، أو رضيت، أو هويت؛ أو ما يدل على
هذا المعنى .
ثم ركن الكفالة في الأصل لا يخلو عن أربعة أقسام: إما أن يكون مطلقاً، أو مقيداً
بوصفٍ، أو معلقاً بشرط، أو مضافاً إِلى وقتٍ، فإن كان مطلقاً فلا شك في جوازهِ إِذا استجمع
شرائط الجواز، وهي ما نذكر إِن شاء الله تعالى، غير أنه إِن كان الدين على الأصيل حالاً،
كانت الكفالة حالة، وإِن كان الدين عليه مؤجلاً، كانت الكفالة مؤجلة؛ لأن الكفالة بمضمون
على الأَصيل فتتقيد بصفة المضمون.
وَأَمَّا المقيد فلا يخلو إما إِن كان مقيداً بوصف التأجيل أو بوصف الحلول، فإن كانت
الكفالة مؤجلة، فإن كان التأجيل إِلى وقتٍ معلوم بأن كفل إلى شهر أو سنة، جاز، ثم إن كان
الدين على الأصيل مؤجلاً إلى أجلِ مثله، يتأجلّ إليه في حق الكفيل أيضاً، وإن سمى الكفيل
أجلاً أزيد من ذلك أو أنقص، جازً، لأن المطالبة حق الطالب، فله أن يتبرع على كل واحد
منهما بتأخير حقه، وإِن كان الدين عليه حالاً جاز التأجيل إِلى الأجل المذكور، ويكون ذلك
تأجيلاً في حقهما جميعاً في ظاهر الرواية، وروى ابن سماعة عن محمد أنه يكون تأجيلاً في
حق الكفيل خاصة.
وجه هذه الرواية أَن الطالب خص الكفيل بالتأجيل فيخص به؛ كما إِذا كفل حالاً أو
مطلقاً ثم أخر عنه بعد الكفالة.
(١) تقدم.
(٢) تقدم.

٣٩١
كتاب الكفالة
وَجْهُ ظاهر الرواية أَن التأجيل في نفس العقد يجعل الأجل صفة للدين، وَالدين واحد
وهو على الأَصيل فيصير مؤجلاً عليه ضرورة، بخلاف ما إِن كان بعد تمام العقد؛ لأن التأجيل
المتأخر عن العقد يؤخر المطالبة، وقد خص به الكفيل، فلا يتعدى إِلى الأصيل.
ولو كان الدين على الأصيل مؤجلاً إِلى سنة، فكفل به مؤجلاً إِلى سنة أو مطلقاً ثم مات
الأصيل قبل تمام السنة، يحل الدين في ماله، وهو على الكفيل إلى أجله؛ وكذا لو مات
الكفيل دون الأصيل يحل الدين في مال الكفيل، وهو على الأصيل إِلى أجله؛ لأن المبطل
للأجل وجد في حق أحدهما دون الآخر، وإِن كان التأجيل إِلى وقت مجهول، فإن كان يشبه
آجال الناس كالحصاد والدياس والنيروز ونحوه، فكفل إِلى هذه الأوقات، جاز عند أصحابنا،
وعند الشافعي - رحمه الله - لا يجوز.
وجه قوله أن هذا عقد إِلى أجل مجهول، فلا يصح كالبيع.
ولنا أن هذا ليس بجهالةٍ فاحشةٍ فتحملها الكفالة، وهذا لأن الجهالة لا تمنع من جواز
العقد لعينها، بل لإِفضائها إلى المنازعة بالتقديم والتأخير، وجهالة التقديم والتأخير لا تفضي
إِلى المنازعة في باب الكفالة؛ لأنه يسامح في أخذ العقد ما لا يسامح في غيره؛ لإمكان استيفاء
الحق من جهة الأصيل، بخلاف البيع؛ ولأن الكفالة جوازها بالعرف، والكفالة إِلى هذه الآجال
متعارفة، ولو كانت الكفالة حالة فأخر إِلى هذه الأوقات، جاز أيضاً لما ذكرنا، وإِن كان لا
يشبه آجال الناس كمجيء المطر وهبوب الريح، فالأجل باطلٌ، والكفالة صحيحةٌ؛ لأن هذه
جهالة فاحشة، فلا تتحملها الكفالة، فلم يصح التأجيل فبطل، وبقيت الكفالة صحيحةٌ.
وَكَذَا لو كان على رجل دين فأجله الطالب إِلى هذه الأوقات، جاز، وإن كان ثمن مبيع
ولا يوجب ذلك فساد البيع؛ لأن تأجيل الدين ابتداء بمنزلة التأخير في الكفالة، وذا لا يؤثر في
البيع؛ فكذا هذا؛ هذا إذا كانت الكفالة مؤجلة، فأما إذا كانت حالة، فإِنَّ شَرَطَ الطالبُ الحلول
على الكفيل جاز، سواء كان الدين على الأصيل حالاً أو مؤجلاً؛ لما ذكرنا أن المطالبة حق
المكفول له، فيملك التصرف فيه بالتعجيل والتأجيل، ولو كفل حالاً ثم أجله الطالب بعد
ذلك، يتأخر في حق الكفيل إِذا قبل التأخير دون الأصل؛ بخلاف ما إِذا كان التأجيل في العقد
لما ذكرنا من الفرق.
وَلَوْ كَانَ الدين على الأَصل حالاً، فأخره الطالب إِلى مدةٍ وقبله المطلوب، جاز التأخير،
ويكون تأخيراً في حق الكفيل، هذا إذا كانت الكفالة مقيدة بوصف، فأما إِذا كانت معلقة
بشرطِ، فإن كان المذكور شرطاً سبباً لظهور الحق أو لوجوبه أو وسيلة إِلى الأداء في الجملة،
جاز؛ بأن قال: إِن استحق المبيع فأنا كفيل؛ لأن استحقاق المبيع سبب لظهور الحق؛ وكذا إذا
قال: إِذا قدم زيد فأنا كفيل؛ لأن قدومه وسيلة إِلى الأداء في الجملة؛ لجواز أن يكون مكفولاً
عنه أو يكون مضاربة، فإنْ لم يكن سبباً لظهور الحق ولا لوجوبه ولا وسيلة إِلى الأداء في

٣٩٢
كتاب الكفالة
الجملة، لا يجوز؛ بأن قال: إِذا جاء المطر أو هبت الريح، أو إن دخل زيد الدار فأنا كفيل؛
لأن الكفالة فيها معنى التميلك لما ذكرنا، والأصل أن لا يجوز تعليقها بالشرط إِلا شرطاً ألحق
به تعلق بالظهور أو التوسل إليه في الجملة، فيكون ملائماً للعقد فيجوز؛ ولأن الكفالة جوازها
بالعرف، والعرف في مثل هذا الشرط دون غيره.
ولو قال: إِن قتلك فلان، أو إِن شَجَّكَ فلان، أو إِن غصبك فلانٌ، أو إِن بايعت فلاناً -
فأنا ضامنٌ لذلك؛ جاز لأن هذه الأفعال سبب لوجوب الضمان.
ولو قال: إِن غصبك فلان ضَيْعَتَكَ، فأنا ضامنٌ، لم يجز عند أبي حنيفة وأبي يوسف،
وجاز عند محمد. بناءً على أن غصب العقار لا يتحقق عند أبي حنيفة، وعند محمد يتحقق.
ولو قال: من قتلك من الناس، أو من غصبك من الناس، أو من شَجَّكَ من الناس، أو
من بايعك من الناس، لم يجز، لا من قبل التعليق بالشرط، بل لأن المضمون عنه مجهول،
وجهالة المضمون عنه تمنع صحة الكفالة.
ولو قال: ضمنت لك ما عَلَى فلان إن توى، جاز؛ لأن هذا شرط ملائمٌ للعقد؛ لأنه
مؤكد لمعنى التوسل إلى ما هو المقصود؛ وكذا لو قال: إِن خرج من المصر ولم يعطك فأنا
ضامنٌ، لما ذكرنا.
ولو شرط في الكفالة بالنفس تسليم المكفول به في وقتٍ بعينه، جاز؛ لأن هذا تأجيل
الكفالة بالنفس إلى وقت معلوم، فيصح كالكفالة بالمال، وكذا سائر أنواع الكفالات في التعليق
بالشرط والتأجيل والإِضافة إِلى الوقت سواء، لأن الكل في معنى الكفالة على السواء.
ولو قال: كفلت لك مالك على فلان حالاً، على أنك متى طلبته فلي أَجَلُ شهرٍ؛ جاز،
وإِذا طلبته منه فله أجل، ثم إِذا مضي الشهر فله أن يأخذه متى شاء.
ولو شرط ذلك بعد تمام الكفالة بالمال حالاً؛ لم يجز، وله أن يطالبه متى شاء.
والفرق أن الموجود ههنا كفالتان: إِحداهما: حالة مطلقة، والثانية: مؤجلة إِلى شهر،
معلقة بشرط الطلب، فإذا وجد الشرط ثبت التأجيل إِلى شهر، فإذا مضى الشهر انتهى حكم
التأجيل، فيأخذه بالكفالة الحالة، هذا معنى قوله في الكتاب: يأخذه متى شاء بالطلب الأول،
بخلاف ما إذا كان التأجيل بالشرط بعد تمام العقد؛ لأن ذلك تعليق التأجيل بالشرط لا تعليق
العقد المؤجل بالشرط، والتأجيل نفسه لا يحتمل التعليق بالشرط، فبطل.
ألا ترى أنه إِذا كفل إِلى قدوم زيد جاز، ولو كفل مطلقاً ثم أخر إِلى قدوم زيد لم يجز؛
لما ذكرنا؛ كذا هذا.

٣٩٣
كتاب الكفالة
ولو كفل بنفس المطلوب على أنه إِن لم يواف به غداً فعليه ما عليه وهو الأَلْف، فمضى
الوقت ولم يواف به، فالمال لازم للكفيل؛ لأن هنا كفالتين بالنفس وبالمال، إلا أنه كفل
بالنفس مطلقاً وعلق الكفالة بالمال بشرط عدم الموافاة بالنفس، فكل ذلك جائز.
أما الكفالة بالنفس فلا شك فيها، وكذا الكفالة بالمال؛ لأن هذا شرط ملائم للعقد محقق لما
شرع له، وهو الوصول إِلى الحق من جهة الكفيل عند تعذر الوصول إليه من قبل الأصيل، فإذا لم
يُوجد الشرط لزمه المال، وإذا أداه لا يبرأ عن الكفالة بالنفس؛ لجواز أن يدعي عليه مَالاً آخر،
فليزمه تسليم نفسه؛ وكذا إذا قال فعليه ما عليه وعليه ألف ولم يسم؛ لأن جهالة قدر المكفول به لا
تمنع صحة الكفالة، ويلزمه جميع الألف؛ لأنه أضاف الكفالة إِلى ما عليه، والألف عليه؛ وكذا لو
كفل لامرأة بصداقها إِن لم يواف الزوج وصداقها وصيف، فالوصيف لازم للكفيل؛ لأن الكفالة
بالوصيف كفالة بمضمون على الأصيل وهو الزوج؛ لأن الحيوان يثبت ديناً في الذمة بدلاً عما ليس
بمال، فيلزم الكفيل، ولو كفلٍ بنفس رجل، وقال: إِن لم أوافك به غداً فعليَّ ألفُ درهم، ولم
يقل: الألف التي عليه، أو الألف التي ادعيت، والمطلوب ينكر، فالمال لازم للكفيل عند أبي
حنيفة وأبي یوسف - رحمهما الله - وعند محمد- رحمه الله - لا يلزمه.
وجه قول محمد: أن هذا إيجاب المال معلقاً بالخطر ابتداء؛ لأنه لم توجد الإِضافة إِلى
الواجب، ووجوب المال ابتداءً لا يتعلق بالخطر، فأما الكفالة بمال ثابت، فتتعلق بالخطر، ولم
يوجد .
وجه قولهما: أَن مطلق الألف ينصرف إِلى الأَلْف المعهودة، وهي الأَلْف المضمونة، مع
ما أن في الصرف إِلى ابتداء الإيجاب فساد العقد، وفي الصرف إلى ما عليه صحته، فالصرف
إِلى ما فيه صحة العقد أولى.
ولو كفل بنفسه على أن يوافي به إذا ادعى به، فإن لم يفعل فعليه الألف التي عليه، جاز
لأنه كفل بالنفس مطلقاً، وعلق الكفالة بالمال بشرط عدم الموافاة بالنفس عند طلب الموافاة،
وهذا شرط ملائم للعقد لما ذكرنا، فإذا طلب منه المكفول له تسليم النفس، فإن سلم مكانه
برئ، لأنه أتى بما التزم، وإِن لم يسلم فعليه المال لتحقق الشرط، وهو عدم الموافاة بالنفس
عند الطلب، ولو قال: ائتني به عشية، أو غدوة، وقال الكفيل: أنا آتيك به بعد غد، فإن لم
يأت به في الوقت الذي طلب المكفول له، فعليه المال لوجود شرط اللزوم، وإِن أخر المطالبة
إلى ما بعد غد كما قاله الكفيل، فأتى به، فهو بريء من المال؛ لأنه بالتأخير أبطل الطلب
الأول، فلم يبق التسليم واجباً عليه، وصار كأنه طلب منه من الابتداء التسليم بعد غد، وقد
وجد وبرئ من المال، ولو كفل بالمال وقال: إِن وافيتك به غداً فأنا بريء، فوافاه من الغد،
يبرأ من المال في رواية، وفي رواية لا يبرأ.

٣٩٤
كتاب الكفالة
وجه الرواية الأخيرة إن قوله: ((إن وافيتك به غداً فأنا بريء)»، تعليق البراءة عن المال
بشرط الموافاة بالنفس، والبراءة لا تحتمل التعليق بالشرط، لأن فيها التمليك، والتمليكات لا
يصح تعليقها بالشرط.
وجه الرواية الأولى أن هذا ليس بتعليق البراءة بشرط الموافاة، بل هو جعل الموافاة غاية
للكفالة بالمال، والشرط قد يذكر بمعنى الغاية لمناسبة بينهما، والأول أشبه، ولو شرط في
الكفالة بالنفس أن يسلمه إليه في مجلس القاضي، جاز لأن هذا شرط مفيد، ويكون التسليم في
المصر أو في مكان يقدر على إحضاره مجلس القاضي تسليماً إلى القاضي؛ لما نذكره إن شاء
الله تعالی .
ولو شرط أن يسلمه إليه في مصر معين، يصح التقييد بالمصر بالإِجماع، إلا أنه لا يصح
التعيين عند أبي حنيفة، وعندهما يصح على ما نذكر، إِن شاء الله تعالى.
ولو شرط أن يدفعه إليه عند الأمير لا يتقيد به حتى لو دفعه إِليه عند القاضي، أو عزل
الأَمير وولى غيره، فدفعه إِليه عند الثاني، جاز، لأن التقييد غير مفيدٍ، ولو كفل بنفسه فإن لم
يواف به، فعليه ما يدعيه لطالب، فإن ادعى الطالب ألفاً، فإن لم يكن عليه بينة لا يلزم
الكفيل؛ لأنه لا يلزم بنفس الدعوى شيء، فقد أضاف الالتزام إلى ما ليس بسبب اللزوم، وكذا
إذا أقر بها المطلوب؛ لأن إقراره حجة عليه لا على غيره، فلا يصدق على الكفيل، ولو قامت
البينة عليها أو أقر بها الكفيل، فعليه الألف؛ لأن البينة سبب لظهور الحق، وكذا إقرار الإِنسان
على نفسه صحيح فيؤاخذ به.
ولو كفل بنفسه على أنه إِن لم يواف به إلى شهر فعليه ما عليه، فمات الكفيل قبل الشهر
وعليه دين، ثم مضى الشهر قبل أن يدفع ورثة الكفيل المكفول به إِلى الطالب، فالمال لازم
للكفيل، ويضرب الطالب مع الغرماء، أما لزوم المال فلأن الحكم بعد الشرط يثبت مضافاً إلى
السبب السابق، وهو عنده مباشرة السبب صحيح؛ ولهذا لو كفل وهو صحيح ثم مرض، تعتبر
الكفالة من جميع المال لا من الثلث، وأما الضرب مع الغرماء فلاستواء الدينين؛ وكذا لو مات
المكفول به ثم مات الكفيل؛ لأنه إذا مات فقد عجز الكفيل عن تسليم نفسه، فوجد شرط لزوم
المال بالسبب السابق.
هذا إذا كانت الكفالة معلقة بالشرط، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مضافة إِلى وقت بأن ضمن ما أدان له
على فلان، أو ما قضى له عليه، أما ما داين فلاناً، أو ما أقرضه، أو ما استهلك من ماله، أو
ما غصبه، أو ثمن ما بايعه - صحت هذه الكفالة؛ لأنها أضيفت إلى سبب الضمان، وإِن لم
يكن الضمان ثابتاً في الحال، والكفالة إِن كان فيها معنى التمليك فليست بتمليك محض، فجاز
أن تحتمل الإضافة .

٣٩٥
كتاب الكفالة
ولو قال: كلما بايعت فلاناً فثمنه علي، أو ما بايعت، أو الذي بايعت، يؤاخذ الكفيل
بجميع ما بايعه، ولو قال: إن بايعت أو إذا بايعت أو متى بايعت يؤاخذ بثمن أول المبايعة، ولا
يؤاخذ بثمن ما بايعه بعدها؛ لأن كلمة ((كل)) لعموم الأَفعال؛ وكذا كلمة ((ما)) والذي للعموم
وقد دخلت على المبايعة، فيقتضي تكرار المبايعة، ولم يوجد مثل هذه الدلالة في قوله: ((إِن
بايعت)) ونظائره، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
فصل [في شروط الكفالة]
وأما شرائط الكفالة فأنواعٌ: بعضُها يرجع إِلى الكفيل، وبعضُها يرجع إلى الأصيل،
وبعضُها يرجع إِلى المكفول له، وبعضُها يرجع إلى المكفول به، ثم منها ما هو شرط الانعقاد،
ومنها ما هو شرط النفاذ.
أما الذي يَرْجع إِلى الكفيل فأنواعٌ؛ منها العقل، ومنها البلوغ، وإِنهما من شرائط الانعقاد
لهذا التصرف، فلا تنعقد كفالة الصبي والمجنون؛ لأنها عقد تبرع، فلا تنعقد ممن ليس من
أهل التبرع، إلا أن الأب أو الوصي لو استدان ديناً في نفقة اليتيم، وأمر اليتيم أن يضمن المال
عنه، جاز.
ولو أمره أَنْ يكفل عنه النفس لم يجز؛ لأن ضمان الدين قد لزمه من غير شرط، فالشرط
لا يزيده إلا تأكيداً، فلم يكن متبرعاً، فأما ضمان النفس وهو تسليم نفس الأب أو الوصي، فلم
يكن عليه، فكان متبرعاً فيه، فلم يجز.
ومنها: الحرية وهي شرط نفاذ هذا التصرف، فلا تجوز كفالة العبد، محجوراً كان أو
مأذوناً له في التجارة؛ لأنها تبرع، والعبد لا يملكه بدون إذن مولاه، ولكنها تنعقد حتى يؤاخذ
به بعد العتاق؛ لأن امتناع النفاذ ما كان لانعدام الأهلية، بل لحق المولى، وقد زال؛ بخلاف
الصبي؛ لأنها غير منعقدة منه لعدم الأهلية، فلا تحتمل النفاذ بالبلوغ.
ولو أَذن له المولى بالكفالة، فإِن كان عليه دين لم يجز؛ لأن إِذنه بالتبرع لم يصح، وإِن
لم يكن عليه دين جازت كفالته، وتباع رقبته في الكفالة بالدين، إلا أن يفديه المولى، ولا
تجوز كفالة المكاتب من الأجنبي؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم على لسان صاحب
الشرع - عليه الصّلاة والسلام -، سواء أذن له المولى أو لم يأذن؛ لأن إِذن المولى لم يصح في
حقه، وصح في حق القن، ولكنه ينعقد حتى يطالب به بعد العتاق.
ولو كفل المكاتب أو المأذون عن المولى جاز؛ لأنهما يملكان التبرع عليه وأما صحة
بدن الكفيل فليس بشرط لصحة الكفالة، فتصح كفالة المريض، لكن من الثلث لأنها تبرع.

٣٩٦
كتاب الكفالة
وأما الذي يرجع إلى الأصل فنوعان:
أحدهما: أن يكون قادراً على تسليم المكفول به، إِما بنفسه وإما بنائبه، عند أبي حنيفة،
فلا تصح الكفالة بالدين عن ميت مفلس عنده، وعند أبي يوسف ومحمد: تصح.
وجه قولهما أن الموت لا ينافي بقاء الدين؛ لأنه مال حكمي، فلا يفتقر بقاؤه إلى
القدرة، ولهذا بقي إِذا مات مليًّا حتى تصح الكفالة به، وكذا بقيت الكفالة بعد موته مفلساً،
وإِذا مات عن كفيل تصح الكفالة عنه بالدين، فكذا يصح الإِبراء عنه والتبرع.
وجه قول أبي حنيفة: أن الدين عبارة عن الفعل، والميت عاجز عن الفعل، فكانت هذه
كفالة بدين ساقط، فلا تصبح كما كفل على إِنسان بدين ولا دين عليه إذا مات مليًّا، فهو قادر
بنائبه؛ وكذا إذا مات عن كفيل؛ لأنه قائم مقامه في قضاء دينه.
وَأَمَّا الإِبراء والتبرع فَهُمَا في الحقيقةِ إِبراء عن المؤاخذة بسبب المماطلة في قضاء الدين
والتبرع؛ بتخليصٍ الميتِ عن المؤاخذة بسبب التقصير بواسطة إِرضاء الخصم بهبةٍ هذا القدر
منه، فإما أن يكون إِبراء عن الدين وتبرعاً بقضائه حقيقة، فلا على ما عرف في الخلافيات.
والثاني: أن يكون معلوماً بأن كفل ما على فلان، فأما إِذا قال على أحد من الناس، أو
بعين، أو بنفس، أو بفعل؛ فلا يجوز؛ لأن المضمون عليه مجهول؛ ولأن الكفالة جوازها
بالعرف، والكفالة على هذا الوجه غير معروفة، فأما حرية الأصيل وعقله وبلوغه، فليست
بشرط لجواز الكفالة؛ لأن الكفالة بمضمون ما على الأصل مقدور الاستيفاء من الكفيل، وقد
وجد .
أما العبد فلأن الدين واجب عليه، ويطالب به في الجملة، فأشبه الكفالة بالدين المؤجل،
وأما الصبي والمجنون فلأن الدين في ذمتهما، والولي مطالب به في الحال، ويطالبان أيضاً في
الجملة وهو ما بعد البلوغ والإِفاقة، فتجوز الكفالة عن العبد وإِن كان محجوراً، وعن الصبي
والمجنون، إِلا أن الكفيل لا يملك الرجوع عليهم بما أدى، وَإِن كانت الكفالة بإذنهم؛ لما
نذكر في موضعه، إِن شاء الله تعالى.
وكذا لا يشترط حضرته، فتجوز الكفالة عن غائب أو محبوس؛ لأن الحاجة إلى الكفالة
في الغالب في مثل هذه الأحوال، فكانت الكفالة فيهما أجوز ما يكون، وأما الذي يرجع إِلى
المكفول له فأنواعٌ :
منها: أن يكون معلوماً حتى إِذا كفل لأحد من الناس لا تجوز؛ لأن المكفول له إِذا كان
مجهولاً لا يحصل ما شرع له الكفالة، وهو التوثق.

٣٩٧
كتاب الكفالة
ومنها: أن يكون في مجلس العقد، وأنه شرط الانعقاد عند أبي حنيفة ومحمد إِذا لم
يقبل عنه حاضر في المجلس حتى إِن من كفل لغائب عن المجلس، فبلغه الخبر فأجاز، لا
تجوز عندهما إِذا لم يقبل عنه حاضر.
وعن أبي يوسف روايتان، وظاهر إِطلاق محمد في الأصل أنها جائزة على قوله الآخر،
يدل على أن المجلس عنده ليس بشرط أصلاً، لا شرط النفاذ ولا شرط الانعقاد؛ لأن محمداً
ربما يطلق الجواز على النافذ، فأما الموقوف فنسميه باطلاً إلا أن يجيز، وهذا الإِطلاق
صحيح؛ لأَن الجائز هو النافذ في اللغة، يُقال: جاز السهم إذا نفذ.
وجه قول أبي يوسف الآخر ما ذكرنا في صدر الكتاب؛ أن معنى هذا العقد لغة وشرعاً
وهو الضم والالتزام يتم بإيجاب الكفيل، فكان إيجابه كل العقد، والدليل عليه مسألة المريض.
وجه قولهما ما ذكرنا أن فيه معنى التمليك، والتمليك لا يقوم إِلا بالإِيجاب والقبول،
فكان الإيجاب وحده شرط العقد، فلا يقف على غائب عن المجلس، كالبيع، مع ما أنا نعمل
بالشبهين جميعاً، فنقول لشبه الالتزام يحتمل الجهالة والتعليق بالشرط والإِضافة إِلى الوقت،
ولشبه التمليك لا يقف على غائب عن المجلس اعتباراً للشبهين بقدر الإمكان.
وأما مسألة المريض، فقد قال بعضُ مشايخنا: أن جواز الضمان هناك بطريق الإيصاء
بالقضاء عنه بعد موته، لا بطريق الكفالة، ويكون قوله: اضمنوا عني، إِيصاء منه إليهم بالقضاءُ
عنه، حتى لو مات ولم يترك شيئاً لا يلزم الورثة شيء، فعلى هذا لا يلزم، وبعضهم أجازوه
على سبيل الكفالة.
ووجهه ما أشار إليه أبو حنيفة عليه الرحمة في الأصل، وقال هو بمنزله المعبر عن
غرمائه، وشرح هذه الإِشارة - والله، عزَّ وجلَّ، أعلم - أن المريض مرض الموت يتعلق الدين
بماله، ويصير بمنزلة الأجنبي عنه، حتى لا ينفذ منه التصرف المبطل لحق الغريم.
ولو قال أجنبي للورثة: اضمنوا لغرماء فلان عنه، فقالوا: ضمنا، يكتفي به؛ فكذا
المريض، والله - عَزَّ وجلَّ - أعلم.
ومنها: وهو تفريع على مذهبهما أن يكون عاقلاً، فلا يصح قبول المجنون والصبي الذي
لا يعقل؛ لأنهما ليسا من أهل القبول، ولا يجوز قبول وليهما عنهما؛ لأن القبول يعتبر ممن
وقع له الإِيجاب، ومن وقع له الإيجاب ليس من أهل القبول، ومن قبل لم يقع الإيجاب له فلا
يعتبر قبوله.
وأما حرية المكفول له فليست بشرط؛ لأن العبد من أهل القبول.

٣٩٨
كتاب الكفالة
وأما الذي يرجع إلى المكفول به فنوعان:
(أحدهما): أن يكون المكفول به مضموناً على الأصيل، سواء كان ديناً أو عيناً أو نفساً
أو فعلاً ليس بدين ولا عين ولا نفس، عند أصحابنا، إلا أنه يشترط في الكفالة بالعين أن تكون
مضمونة بنفسها .
وجملة الكلام فيه أن المكفول به أربعة أنواع: عين، ودين، ونفس، وفعل ليس بدين
ولا عين ولا نفس؛ أما العين فنوعان: عين هي أمانة، وعين هي مضمونة؛ أما العين التي هي
أمانة فلا تصح الكفالة بها، سواء كانت أمانة غير واجبة التسليم كالودائع ومال الشركات
والمضاربات، أو كانت أمانة واجبة التسليم كالعارية والمستأجر في يد الأجير، لأنه أضاف
الكفالة إلى عينها، وعينها ليست بمضمونة، ولو كفل بتسليم المستعار والمستأجر عن المستعير
والمستأجر، جاز؛ لأنهما مضمونا التسليم عليهما، فالكفالة أضيفت إلى مضمون على
الأصیل، وهو فعل التسلیم، فصحت.
وأما العين المضمونة فنوعان: مضمون بنفسه كالمغصوب والمقبوض بالبيع الفاسد
والمقبوض على سوم الشراء، ومضمون بغيره كالمبيع قبل القبض والرهن، فتصح الكفالة
بالنوع الأول؛ لأنه كفالة بمضمون بنفسه.
أَلاَ ترى أنه يجب رد عينه حال قيامه ورد مثله، أو قيمته حال هلاكه، فيصير مضموناً
على الكفيل على هذا الوجه أيضاً، ولا تصح بالنوع الثاني؛ لأن المبيع قبل القبض مضمون
بالثمن لا بنفسه.
أَلاَ ترى أنه إذا هلك في يد البائع لا يجب عليه شيء، ولكن يسقط الثمن عن المشتري.
وكذا الرهن غير مضمون بنفسه بل بالدين؛ ألا يرى أنه إذا هلك لا يجب على المرتهن
شيء، ولكن يسقط الدين عن الراهن بقدره.
وأما الفعل فهو فعل التسليم في الجملة، فتجوز الكفالة بتسليم المبيع والرهن؛ لأن
المبيع مضمون التسليم على البائع، والرهن مضمون التسليم على المرتهن في الجملة بعد قضاء
الدين، فكان المكفول به مضموناً على الأصيل، وهو فعل التسليم، فصحت الكفالة به، لكنه
إِذا هلك لا شيء على الكفيل؛ لأنه لم يبق مضموناً على الأصيل، فلا يبقى على الكفيل.
وَلَو استأجر دَابة للحمل، فكفل رجلٍ بالحمل، فإن كانت الدابة بعينها لم تجز الكفالة
بالحمل، وإِن كانت بغير عينها جازت؛ لأَنَّ في الوجه الأول الواجب على الآجر فعل تسليم
الدابة، دون الحمل، فلم تكن الكفالة بالحمل كفالة بمضمون على الأصيل، فلم تجز.

٣٩٩
كتاب الكفالة
وفي الوجه الثاني: الواجب عليه فعل الحمل دون تسليم الدابة، فكانت الكفالة بالحمل
كفالة بفعل هو مضمون على الأصيل فجازت، وعلى هذا إِذا كفل بنفس من عليه الحق جاز
عند أصحابنا؛ لأن الكفالة بالنفس كفالة بالفعل، وهو تسليم النفس، وفعل التسليم مضمون
على الأصيل، فقد كفل بمضمون على الأصيل، فجاز؛ وكذا إِذا كفل برأسه، أو بوجهه، أو
برقبته، أو بروحه، أو بنصفه.
والأصل فيه أنه إذا أضاف الكفالة إِلى جزء جامع كالرأس والوجه والرقبة ونحوها،
جازت؛ لأَن هذه الأجزاء يعبر بها عن جملة البدن، فكان ذكرها ذكراً للبدن؛ كما في ((باب
الطلاق)) و((العتاق)).
وكذا إِذا أضاف إلى جزء شائع كالنصف والثلث ونحوهما، جازت؛ لأَن حكم الكفالة
بالنفس وجوب تسليم النفس بثبوت ولاية المطالبة، والنفس في حق وجوب التسليم لا تتجزأ،
وذكر بعض ما لا يتجزأ شرعاً ذكر لكله؛ كما في الطلاق والعتاق، وإِذا أضافها إِلى اليد أو
الرجل ونحوهما من الأجزاء المعينة، لا تجوز؛ لأن هذه الأعضاء لا يعبر بها عن جميع البدن،
وهي في حكم الكفالة متجزئة، فلا يكون ذكرها ذكراً لجميع البدن؛ كما في الطلاق والعتاق،
ولو قال في الكفالة بالنفس هو علي؛ جاز لأن هذا صريح في التزام تسليم النفس.
وكذا إذا قال: أنا ضامنٌ لوجهه؛ لأن الوجه جزء جامع، ولو قال: أنا ضامن لمعرفته،
لا تصح؛ لأن المعرفة لا تحتمل أن تكون مضمونة على الأصيل، ولو قال للطالب: أنا ضامنٌ
لك، لم يصح لأن المضمون غير معلوم أصلاً، ثم ما ذكرنا من الكفالة بالنفس والعين والفعل
أنها صحيحة، وما ذكرنا من التفريعات عليها مذهب أصحابنا.
وقال الشافعي - رحمه الله -: أنها غَيْرُ صحيحةٍ .
وجه قوله أن الكفالة أضيفت إلى غير محلها، فلا تصح، ودلالة ذلك أن الكفالة التزام
الدين، فكان محلها الدين، فلم توجد، والتصرف المضاف إِلى غير محله باطلٌ، ولأن القدرة
على تسليم المكفول به شرط جواز الكفالة والقدرة على الإعتاق لا تتحقق.
ولنا: قوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [سورة يوسف، ٧٢] أخبر
الله - عزَّ شآتُهُ - عن الكفالة بالعين عن الأمم السالفة، ولم يغير، والحكيم إِذا حكى عن منكرٍ
غَيَّرَهُ، ولأَن هذا حكم لم يعرف له مخالفٌ من عصر الصحابة والتابعين إِلى زمن الشافعي -
رحمه الله - فَكَانَ الإِنْكَارُ خروجاً عن الإجماع، فكان باطلاً، ولما ذكرنا أن هذه الكفالة أُضيفت
إِلى مضمون على الأصيل مقدور الاستيفاء من الكفيل، فتصح أصله الكفالة بالدين.
وقوله: الكفالة التزام الدين، ممنوع؛ بل هي التزام المطالبة بمضمون على الأصيل، وقد
يكون ذلك ديناً وقد يكون عيناً، والعين مقدورة التسليم في حق الأصيل كالدين.

٤٠٠
كتاب الكفالة
عبد مقر بالرق في يد رجلٍ فأخذ منه المولى كفيلاً بنفسه، فأبق، فهو باطل؛ لأَنّه كفل
بما ليس بمضمون.
وكذا لو كفل بعد إِباقه لما قلنا؛ وكذا لو ادعى رجل على إِنسان أنه عبده، وأنكر المدعى
عليه، وزعم أنه حُرٌّ، وكفل رجل بنفسه، حتى لو أقام البينة على أنه عبده فمات المدعى عليه،
لا شيء على الأصيل لما ذكرنا، ولو كان المدعي في يد ثالث، فقال أنا ضامن لك قيمة هذا
إِن استحقيته، صحت الكفالة حتى لو أقام البينة على أنه عبده، فمات المدعى عليه، فالكفيل
ضامنٌ كل قيمته؛ لأَن بإقامة البينة تبين أنه كفل بمضمون.
صبيٍّ في يد رجلٍ يدعي أنه ابنه، وادعى رجل آخر أنه عبده، فضمن له إِنسان، فأقام المدعي
البينة وقد مات الصبي، فالكفيل ضامن؛ لما ذكرنا أنه لما قامت البينة تبين أنه كفيل بمضمون.
وعن محمدٍ فيمن ادعى على إِنسان أنه غصبه عبداً، فَقَبْلَ أن يقيم البينة قال رجل أنا
ضامنٌ بالعبد الذي يدعي، فهو ضامن حتى يأتي بالعبد فيقيم البينة عليه؛ لأنه كفل بمضمون
على الأصيل، وهو إِحضاره مجلس القاضي، فإِن هلك واستحقه ببينة، فهو ضامن لقيمته؛ لأنه
تبين أنه كفل بمضمون بعين مضمون بنفسه.
وَلَوِ ادَّعى أنه غصبه ألف درهم واستهلكها، أو عبداً ومات في يده، فقال رجلٌ خله: فأنا
ضامن المال أو لقيمة العبد، فهو ضامن، يأخذه به من ساعته، ولا يقف على إقامة البينة؛ لأَن
بقوله: أنا ضامن لقيمة العبد، أَقَرَّ بكون القيمة واجبة على الأصيل، فقد كفل بمضمون على
الأصيل، فلا يقف على البينة؛ بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك ما عرف وجوب القيمة
بإقراره، بل بإقامة البينة، فتوقف عليها.
والنوع الثاني: أَنْ يَكُونَ المكفول به مقدور الاستيفاء على الكفيل؛ ليكون العقد مفيداً،
فلا تجوز الكفالة بالحدود والقصاص؛ لتعذر الاستيفاء من الكفيل، فلا تفيد الكفالة فائدتها(١)،
وههنا شرط ثالث لكنه يخص الدين، وهو أن يكون لازماً، فلا تصح الكفالة عن المكاتب
(١) ولا تَصِحُ الكَفَالَةُ بِبَدَنِ مَن عليه حَدٍّ، سواءً كان حَقًّا لله تعالى، كحَدُ الزِّنَى والسَّرِقَةِ، أو لآدَمِيِّ، كحَدٌ
القَذْفِ والقِصَاصِ. وهذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم شُرَيْحٌ، والحَسَنُ. وبه قال إسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو
ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْيِ. وبه قال الشَّافِعِيُّ في حُدُودِ الله تعالى، واخْتَلَفَ قولُه في حُدُودِ الآدَمِيِّ، فقال في
مَوْضِعٍ: لا كَفَالَةَ فيَ حُدُودِ الْآدَمِيِّ ولا لِعَانَ. وقال في مَوْضِعٍ: تَجُوزُ الكَفَالَةُ بمَن عليه حَقُّ أَو حَدٍّ؛ لأنَّه
حَقُّ لِآدَمِيٍّ، فَصَحَّتِ الكَفَالَةُ به، كسَائِرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِينَ. ولَنّا، ما رُوِيَ عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ،
عن جَدِّه، عن النّبِيِّ وَِّ، أَنَّه قال: ((لا كَفَالَةَ في حَدِّ». ولأنَّه حَدٍّ، فلم تَصِحَ الكَفالةُ فيهَ كحُدُودِ الله
تعالى، ولأنَّ الكَفَالةَ اسْتِيثاقٌ، والحُدُودُ مَبْناها على الإِسْقاطِ والدَّرْءِ بالشُّبُهَاتِ، فلا يَدْخُلُ فيها الاسْتِيثاقُ،
ولأنَّه حَقُّ لا يَجوزُ اسْتِيفاؤُه من الكَفِيلِ إذا تَعَذَّرَ عليه إحْضَارُ المَكْفُولِ به، فلم تَصِحَّ الكَفَالَةُ بمَن هو
عليه، كَحَدُ الزُّنَى.
ينظر: المغني (٩٨/٧ - ٩٩).