النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كتاب البيوع
الملك اللازم للمشتري، ومن ضَرُورته لزوم الملك له ليمكنه إثباته لغيره. ولو عرض بعضه
على البيع سقط خياره عند أبى يوسف، وعند محمد: لا يسقط والصَّحيح قول أبي يوسف؛
لأن سُقُوط الخيار ولُزُوم البيع بالعرض؛ لكون العرض دلالة الإجازة والرضا، ودلالة الإجَازَة
دون صريح الإجازة، ثم لو صرح بالإجازة في البعض، لم يجز ولم يسقط خِيَاره لما فيه من
تفريق الصَّفقة على البائع قبل التمام، فلأن لا يسقط بدلالة الإجَازَة أولى.
وكذا لو وهبه سلم أو لم يسلم، لأن الثابت بالهبة لا يعود إليه إلا بقرينة القضاء أو
الرضا، فكان الإقدام عليها دلالة قصد إثبات الملك اللازم/ فيقتضي لزوم الملك للواهب؛ ١١٥٨/٣
وكذا إذا رهنه وسلم أو آجره؛ لأن كل واحد منهما عقد لازم في نفسه، والثَّابت بهما حق لازمٌ
للغير؛ وكذا إذا كاتبه لأنَّ الكتابة عقد لازم في جانب المكاتب والثابت بها حقٌّ لازم في حقه؛
وكذا إذا بَاعَه أو وهبه وسلم؛ وكذا إذا أعتقه أو دبره أو استولده؛ لأن هذه التصرُّفات لازمة،
والثابت بها ملك لازم أو حق لازم، فالإقدام عليها يكون إجَازَة والتزاماً للعقد دلالة.
[ولو باع بشرط الخيار للمشتري يسقط خياره](١) ولو باع بشرط الخيار لنفسه لا يسْقُط
خياره في رواية، وفي رواية: يسقط وهي الصحيحة؛ لأن البيع بشرط الخيار لا يكون أدنى من
العرض على البيع، بل فوقه، ثم العرض على البيع يسقط الخيار، فهذا أولى.
وكذا لو أخرج بَعْضه عن ملكه يسقط خياره عن الباقي ولزم البيع فيه؛ لأن رد الباقي
تفريق الصفقة على البَائِع قبل التَّمام؛ لأن خيار الرُّؤية يمنع تمام الصفقة؛ لأنه يمنع تَمَام
الرضا؛ وكذا إذا انتقص المعقود عليه بفعله، والله عز وجل أعلم.
وأما الضروري فهو كل ما يسْقُط به الخيار، ويلزم البَيْع من غير صنعه؛ نحو موت
المشتري عندنا، خلافاً للشافعى - رحمه الله -، والمسألة قد مرت في خيار الشرط، وكذا
إجارة أحد الشريكين(٢) فيما اشْتَرياه ولم يرياه دون صاحبه عند أبي حنيفة، وقد ذكرنا المسْأَلة
في خِيّار العيب.
وكذا إذا هلك بَعْضُه أو انتقص؛ بأن تعيب بآفة سماوية أو بفعل أجنبي أو بفعل البائع
عند أبي حنيفة ومحمَّد - رحمها الله -، أو ازداد في يد المشتري زيادة منفصلة أو متصلة،
متولّدة أو غير متولّدة على التَّفصيل والاتفاق والاختلاف الذي ذكرنا في خيار الشرط والعيب.
والأصل أن كل ما يبطل خيار الشّرط والعيب، يبطل خيار الرؤية، إلا أن خيار الشرط
(١) سقط في ط .
(٢) في ط: الشركين.

٣٦٢
كتاب البيوع
والعيب يسقط بصريح الإسقاط، وخيار الرُّؤية لا يسقط بصريح الإسقاط، لا قبل الرؤية ولا
بعدها .
أما قبلها فلما ذكرنا فيما تقدم أنه لا خيار قبل الرُّؤية؛ لأن أوان ثُبُوت الخيار هو أوان
الرُّؤية، فقبل الرؤية لا خِيَار، وإسقاط الشّيء قبل ثبوته وثبوت سببه محالٌ، وأما بعد الرؤية
فلأن الخيار ما ثبت باشتراط العاقدين؛ لأن ركن العقد مُطْلَق عن الشرط نصًّا ودلالة، وإنما
يثبت شرعاً لحكمة فيه، فكان ثابتاً حقاً لله تعالى.
وأما خيار الشرط والعيب فثَبَت باشتراط العَاقِدين، أما خيار الشرط فظاهر؛ لأنه
منصوص عليه في العقد؛ وأما خيار العَيْب فلأن السلامة مشروطة في العقد دلالة، والثابت
بدلالة النص كالثابت بصَرِيح النص، فكان ثابتاً حقاً للعبد، وما ثبت حقاً للعبد يحتمل السُّقوط
بإسقاطه مقصوداً؛ لأن الإنسان يملك التصرُّف في حق نَفْسه مقصوداً استيفاء وإسقاطاً.
فأما ما ثبت حقاً لله تعالى فالعَبْد لا يملك التصرُّف فيه إسقاطاً مقصوداً؛ لأنه لا يملك
التصرف في حق غيره مقصوداً، لكنه يتحمل السُّقوط بطريق الضرورة؛ بأن يتصرف في حقّ
نفسه مقصوداً، ويتضمّن ذلك سقوط حق الشرع، فيسقط حق الشرع في ضمن التصرُّف في
حق نفسه؛ كما إذا أجاز المشتري البيع ورضي به بعد الرؤية نصاً أو دلالة، بمباشرة تصرُّف
يدل على الرضا والإجازة؛ لأنه وإن ثبت حقاً للشّرع لكن الشّرع أثبته نظراً للعبد، حتى إذا رآه
وصلح له أجازه وإن لم يصلُح له رده؛ إذ الخيار هو التخيير بين الفسخ والإجازة، فكان
المشتري بالإجازة والرِّضا متصرفاً في حق نفسه مقصوداً.
ثم من ضرورة الإجازة لزوم العَقْد، ومن ضرورة لزوم العقد سقوط الخيار، فكان سقوط
الخيار من طَرِيق الضَّرورة بالإسقاط(١) مقصوداً، ويجوز أن يثبت الشيء بطريق الضرورة.
وإن كان لا يثبت مقصوداً؛ كالوكيل بالبيع إذا عَزَله الموكل ولم يعلم به - فإنه لا ينعزل،
ولو باع الموكل نفسه ينْعَزل الوكيل، كذا هنا.
١٥٨/٣ ب
ولو باع بشرط الخيار قبل الرؤية، أو عَرَضه على البيع أو/ وهبه ولم يسلم، أو كان
للمشتري دار فبيعت دار بجنبها، فأخذها بالشفعة - فهو على خياره؛ لأن هذه التصرفات دلالة
الرِّضا، وهذا الخيار قبل الرُّؤية لا يسقط بصريح الرضا فبدلالة الرضا أولى ألاَّ يسقط، وإنما
يسقط بتعذّر الفَسْخ بأن أعتق أو دبر أو باع أو آجر أو رهن وسلم.
(١) في ط: لا بالإسقاط.

٣٦٣
كتاب البيوع
أما الإعتاق والتدبير، فلأنَّ كل واحدٍ منهما وقع صحيحاً لمصادفته محلاً مملوكاً، وكل
واحد منهما تصرف لازم لا يحتمل النقض والفسْخ، فتعذر فسخ البيع لتعذر فسخهما.
وأما البيع والإجارة والرهن؛ فلأنها تصرُّفات لازمة أوجب بها ملكاً لازماً أو حقاً لازماً
للغير، على وجه لا يملك الاسْتِرداد، فتعذر الفسخ وتعذر فسخ العقد يوجب لزومه؛ لأن
الفسْخ إذا تعذر لم يكن في بقاء العقد فائدة فيسقط ضرورة. ولو باع أو رهن أو آجر ثم ردّ
عليه بعيب بقَضَاء القاضي، أو افتك الرهن أو انقضت مدة الإجارة لا يَعُود الخيار؛ كذا رُوِي
عن أبي يوسف؛ لأن خيار الرؤية بعدما سقط لا يعود إلا بسَبَب جديد بخلاف خيار العَيْب،
وعلى هذا إذا كاتبه أو وهبه وسلمه أو باعه بشَرط الخيار للمشْتَري قبل الرؤية - يلزم البيع لأن
هذه عقود لازمة أوْجَبت حقوقاً لازمة.
أما الكتابة فلأنها عقد لازمٌ في حق المكاتب، حتى لا يملك الفسخ من غير رضا
المكاتب، وكذا البيع بشَرْط الخيار للمشتري لأنه لازم في جانب البائع. وأما الهبة؛ فلأن
الملك الثابت بها ملك لا يحتمل العود إليه إلا بقضاء أو رضا، فكان في معنى اللازم، وإذا
تعذر الفسخ بسبب هذه التصرُّفات، وتعذُّر الفسخ يوجب اللُّزوم ويسقط الخيار ضَرُورة عدم
الفائدة، بخلاف ما إذا باع بشرط الخيار لنفسه؛ لأنه ليس بتصرف لازم في حقّه، وكذا الهبة
من غير تَسْليم والعرض على البيع، والله عز وجل أعلم.
ثم ما ذكرنا من سُقُوط الخيار ولزوم البيع برضا المشتري إذا رأى كل المبيع فرضي به،
فأما إذا رأى بعضه دون بعض فهل يسْقُط خياره؟ فتَفْصيل الكلام فيه على النحو الذي ذكرنا
فيما إذا رأى بعض المبيع دون بَعْض وقت الشراء، فكل ما يمنع ثبوت الخِيَار هناك يسقط بعد
ثُبوته ههنا، وما لا فلا، وفيما وَرَاء ذلك لا يختلفان، والله عز وجل أعلم.
وعلى ذلك يخرج ما إذا اشترى مغيباً في الأرض؛ كالجزر والبصل والثوم والسلق والفجل
ونحوها من المغيبات في الأرض، فقلع بعْضَه ورضي بالمقلوع - أنه لا يسقط خياره عند أبي
حنيفة، حتى إنه إذا قلع الباقي كان على خِيَاره، إن شاء رد الكل وإن شاء أمْسَك الكل.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قلع شيئاً مما يستدلّ به على الباقي، ورضي به المشتري
فهو لازم. وجه قولهما: أنه إذا قلع ما يستدل به على الباقي كان رؤية بعضه كرؤية كله، فكأنه
قلع الكل ورضي به؛ كما إذا اشْتَرى صبرة فرأى ظاهرها يسقط خياره، كذا هذا.
وجه قول أبي حنيفة: أن هذه المغيبات مما تختلف بالصغر والكبر والجودة والرَّداء اختلافاً
فاحشاً، فرؤية البَغْض منها لا تفيد العِلْم بحال البقية، فأشبه الثياب وسائر العدديات المتفاوتة،
ولو قطع المشْتَري الكل بغير إذن البائع سقط خياره؛ لأنه نقص المعقود عليه بالقلع؛ لأنه كان

٣٦٤
كتاب البيوع
ينْمُو في الأرض ويزيد ولا يتسارع إليه الفساد وبعد القلع لا ينمو ويتَسَارع إليه الفساد، وانتقاص
المعقود عليه في يد المشتري بغير صنعه يسْقُط الخيار ويلزم البيع، فبصنعه أولى.
وكذا إذا قلع بَعْضَه بغير إذنه؛ لأنه نقص بعض المبيع، وانتقاص بعض المبيع بنفسه يمنع
رد البَاقِي فبصنعه أولى.
وإنٍ قلع كله بإذن البائع أو بعضه، أو قلع الباقي بنفسه - لم يذكر الكرخي هذا الفصل
وينبغي ألاَّ يختلف الجَوَاب فيه على قياس قول أبي حنيفة ومحمد؛ كما في البيع بشرط الخيار
للمشتري إذا انتقص المَبِيع بفعل البائع - أنه يسقط خيار المشتري عندهما، وهو قول أبي
يوسف الأول، وفي قوله الآخر: لا يسقط.
١١٥٩/٣
وروى/ بشر عن أبي يوسف: أن المشتري إذا قلع البعض بإذن البائع، أو قلع البائع بعضه
- أنه ينظر إن كان المعيب مما يباع بالكيل أو الوزن بعد القلع، فقلع قدر ما يدخل تحت الكيل
أو الوزن ورضي به - يلزم البيع ويسقط خياره؛ لأن الرضا ببعض المكيل بعد رُؤيته رضا
بالكلُّ؛ لأن رؤية بعضه تعرف حال الباقي، إلا إذا كان المقلوع قليلاً لا يدخل تحت الكيل،
فلا يسْقُط خياره [بقلعه](١) لأن قلعه والترك بنزلة واحدة، فكأنه لم يقلع منه شيئاً.
وإن كان ما يباع عدداً كالسلق والفجل ونحوها، فَقَلع بعضاً منه - فهو على خياره؛ لأن
رؤية البعض منه لا تُفِيد العلم بحال الباقي؛ للتفاوت الفاحش بين الصغير والكبير من هذا
الجِنْس، فلا يحصل المقْصُود برؤية البعض، فيبقى على خياره. وقال أبو يوسف: إذا اختلف
البائع والمشْتَري في القلع، فقال المشتري: إني أخاف إن قلعته لا يصلح لي ولا أقدر على
الرد، وقال البائع: إني أخاف إن قلعته لا ترضى به، فمن تطوّع منهما بالقَلْع جاز؛ وإن تشاحا
على ذلك، فسخ القاضي العقد بينهما؛ لأنهما إذا تشاحا فلا سَبِيل إلى الإجبار؛ لما في الإجبار
من الإضرار فتعذر التسليم، فلم يكن في بقاء العقد فائدة فيفسخ، والله عز وجل أعلم. هذا
الذي ذكرنا بيان ما يسقط به الخيار بعد ثبوته في حَقِّ البصير، فأما الأعمى إذا اشترى شيئاً
وثبت له الخيار - فإن خِيَاره يَسْقط بما ذكرنا من الأسباب المسقطة، لكن بَعْدَ ما وجد منه ما
يقُوم مقام الرؤية، وهو الجس فيما يجس والذوق فيما يذاق والشمّ فيما يشم والوصف فيما
يوصف، كالدار والعقار والثمار على رؤوس الأشجار ونحوها إذا كان المؤْصُوف على ما
وصف، وكان ذلك في حقه بمنزلة الرؤية في حق البصير.
وروي عن الحسن بن زياد أنه قال: يَوكل بَصِير بالرؤية، وتكون رؤية الوكيل قائمة مقام
رؤيته .
(١) سقط في ط.

٣٦٥
كتاب البيوع
وروى هشام عن محمد: أنه يقوم من المبيع في مَوْضع لو كان بصيراً لرآه، ثم يوصف
له؛ لأن هذا أقصى ما يمكن؛ ولو وصف له فرضي به ثم أبصر، لا يعود الخيار، لأن الوصف
في حقه كالخلف عن الرُّؤية لعجزه عن الأصل [وهو الرؤية](١) والقدرة على الأصل بعد
حصول المقصود بالخلف لا يبطل حُكم الخلف؛ كمن صلى بطَهَارة التيمم ثم قدر على الماء
ونحو ذلك.
ولو اشترى البَصِير شيئاً لم يره، حتى ثبت له الخِيَار ثم عمي - فهذا والأعمى عند
الشراء سواء؛ لأنه ثبت له خِيَار الرؤية وهو أعمى، فكانت رؤيته رؤية العميان وهي ما ذكرنا،
والله عز وجل أعلم.
وأما بيان ما ينْفَسِخ به العقد، فالكلام في هذا الفصل في موضعين: أحدهما: في بيان ما
ينفسخ به العَقْد، والثاني: في بيان شرائط صحّة الفسخ.
أما الأول فما ينفسخ به العقد نَوْعان: اختياري، وضروري.
فالاختيار هو أن يقول: فَسَخت العقد أو نقضته أو رددته وما يجري هذا المجرى،
والضروري: أن يهلك المبيع قبل القَبْض.
وأما شرائط صحته: فمنها قيام الخِيَار؛ لأن الخِيَار إذا سقط لزم العَقْد، والعقد اللازم لا
يحتمل الفسخ.
ومنها ألاَّ يتضمّن تفريق الصفقة على البائع، وإن تضمن بأن ردّ بعض المبيع دون البعض
لم يصحّ؛ وكذا إذا رد البعض وأجاز(٢) البيع في البعض - لم يجز، سواء كان قبل قبض
المعقود عليه أو بعده؛ لأن خِيَار الرؤية يمنع تمام الصفقة، فكان هذا تفريق الصفقة على البائع
قبل تمامها، وأنه باطل.
ومنها علم البائع بالفسخ عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: ليس بشَرْط، وقد
ذكرنا دلائل المسألة في خيار الشرط.
وأما قضاء القاضي أو التَّراضي فليس بشرط لصحّة الفسخ بخيار الرؤية؛ كما لا يشترط
لصحة الفسخ بخيار الشرط، فيصح من غير قَضَاء ولا رضا قبل القبض، وبعده بخلاف خيار
العيب، وقد ذكرنا الفرق فيما تقدَّم، والله عز وجل أعلم.
(١) سقط في ط .
(٢) في أ: واختار.

٣٦٦
کتاب البيوع
وأما البيع الفاسد فهو كل بيع فاته شَرْط من شرائط الصحة، وقد ذكرنا شرائط الصحة في
مواضعها .
١٥٩/٣ ب
وأما حكمه: فالكَلام في حكمه يقع في ثلاث مواضع: / أحدها في بيان أضل الحكم،
والثاني في بيان صِفَته، والثالث في بيان شرائطه. أما أصل الحُكْم فهو ثُبُوت الملك في الجملة
عندنا .
وقال الشافعي - رحمه الله -: لا حكم للبيع الفاسد، فالبيع عنده قِسْمان: جائز وباطل لا
ثالث لهما، والفاسد والباطل سواء، وعندنا: الفاسد قسم آخر وراء الجائز والبَاطِل، وهذا على
مثال ما يقول في أقسام المشروعات أن الفَرْض والواجب سواء، وعندنا: هما قسمان حقيقة
على ما عرف في أصُول الفقه وجه قوله: أن هذا بيع منهي عنه، فلا يفيد الملك قياساً على بيع
الخمر والخنزير والميتة والدّم، ودلالة الوصف ما روي عن رسول الله وَلهو أنه قال: ((لاَ تَبِيعُوا
الدَّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلاَ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ))(١)
وروي أنه عليه الصلاة والسلام: (نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ))(٢).
(١) أخرجه أحمد (١٠٩/٢)
قال: ((حدثنا حسين بن محمد ثنا خلف بن خليفة عن أبي جناب عن أبيه عن ابن عمر ... فذكره وفيه
قصة .
وهذا إسناد ضعيف؛ من أجل أبو جناب، وهو يحيى بن أبي حية ضعفوه لكثرة تدليسه ((التقريب))
(٧٥٨٧) وأبوه لا يعرف ((التقريب)) (٨١٢٩).
والحديث ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١١٦/٤)، وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه أبو جناب
وهو ثقة لکنه یدلس.
وذكره أيضاً الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤٨/٤)، وقال: أخرجه الطبراني أيضاً عن محمد بن دينار الطاحي
ثنا يونس بن عبيد عن زياد بن جبير عن ابن عمر نحوه سواء. قال البيهقي في ((المعرفة)): ومحمد بن دينار
هذا ضعفه من معين، وقال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث، فقال: إنما يروى عن زياد بن
جبير عن النبي - ◌َالرُ - مرسلاً. اهـ.
قلت لصدر الحديث ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين)) شاهد صحيح: أخرجه مسلم
(١٣/٦) كتاب المساقاة، باب: الربا، حديث (١٥٨٥/٧٨ - النووي):
والبيهقي (٢٧٨/٥) كتاب البيوع، باب: ((تحريم التفاضل في الجنس الواحد مما يجري فيه الربا مع
تحريم النساء)).
والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٣٩٣/٣).
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٦٦/٤) وابن عبد البر في التمهيد (٢٤٥/٢).
(٢) تقدم.

٣٦٧
كتاب البيوع
وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال لعتاب بن أسيد حين بعثه إلى مكة: ((انْهَهُمْ عَنْ
أَرْبَعٍ: عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضُوا، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنُوا، وعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، وعَنْ بَنِعٍ
وَسَلَّفٍ))(١) .
وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: ((لاَ تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إِلاَّ سَوَاءَ بِسَوَاءٍ))(٢)
ونحو ذلك، والمنهي عنه يكون حراماً، والحرام لا يصلح سبباً لثبوت الملك؛ لأن الملك
نعمة، والحَرَام لا يصلح سبباً لاستحقاق النعمة؛ ولهذا بطل بيع الخمر والخنزير والميتة والدَّم
فكذا هذا.
ولنا: أن هذا بيع مَشْروع فيفيد الملك في الجملة استدلالاً بسائر البياعات المشروعة،
والدَّليل على أنه بيع أن البيع في اللُّغة مبادلة شيء مرغُوب بشيءٍ مرغوب، مالاً كان أو غير
مال؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوا الصَّلاَلَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] سمي مبادلة
الضلالة بالهُدَى اشتراء وتجارة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَّا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]
والتّجارة مبادلة المال بالمال، قال الله عز شأنه: ﴿إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ
بِأَنَّ لَهُمْ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] سمى سبحانه وتعالى مبادلة الأنفس والأموال بالجنة اشتراء وبيعاً،
حيث قال تعالى في آخر الآية: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] وفي عرف
الشّرع هو مبادلة مال متقوم بمال متقوم، وقد وجد فكان بيعاً.
والدليل على أنه مشروع: النُّصوص العامة المطْلَقة في باب البيع من نحو قوله تعالى عز
وجل: ﴿وَأَحلَّ الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧] وقوله عز شأنه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ونحو ذلك مما ورد من
النصوص في هذا الباب عاماً مطلقاً؛ فمن ادَّعى التخصيص والتقييد، فعليه الدليل.
ولنا: الاستدلال بدلالة الإجْمَاع أيضاً؛ وهو أنا أجمعنا على أن البيع الخالي عن الشروط
الفَاسِدة مشروع ومفيد للملك، وقران هذه الشّروط بالبيع ذكراً لم يصح، فالْتَحَقَ ذكرها بالعدم
إذ الموجود الملحق بالعَدَم شرعاً، والعدم الأصلي سواء، وإذا ألحق بالعدم في نفس البيع خالياً
عن المفسد، والبيع الخالي عن المفسد مشروع ومفيد للملك بالإجماع، وهذا استِذلال قوي.
وأما النهي فالجواب عن التعلُّق به: أن هذا نهى عن غير البيع لا عن عينه؛ لوجوه ثلاثة:
أحدهما: أن شرعيَّة أصل البيع حقيقته(٣) ثبت معقول المعنى، وهو أنه سبب لثبوت
(١) تقدم.
(٣) في ط: وجنسه.
(٢) تقدم.

٣٦٨
كتاب البيوع
الاختصاص، واندفاع المنَازَعة وأنه سبب بقاء العالم إلى حين؛ إذ لا قوام للبشر إلا بالأكل
والشّرب والسكنى واللّباس، ولا سَبِيل إلى استبقاء النّفس بذلك إلا بالاختصاص به واندفاع
المنازعة، وذلك سبب الاختصاص واندفاع المنازعة وهو البيع.
ولا يجوز ورود الشّرع عما عرف حسنه أو حسن أصله بالعقل؛ لأنه يؤدي إلى التناقض؛
ولهذا لم يجز النهي عن الإيمان بالله عز وجل وشكر النعم وأصل العبادات؛ لثبوت حسنها
بالعقل، فيحمل النهي المضَاف إلى البيع على غيره ضرورة.
والثاني: إن سلم جواز ورود النهي عن البيع في الجملة، لكن حمله على الغَيْرِ ههنا
أوْلَى من وجهين :
أحدهما: أنه عمل بالدَّلائل بقدر الإمكان.
والثاني: أن في الحمل على البيع نسخ المشروعية، وفي الحَمْل على غيره ترك العمل
بحقيقة الكلام والحمل على المجاز، ولا شك أن الحمل على المجَاز أولى من الحَمْل على
١٦٠/٣أ التناسخ؛ لأن/ الحمل على المجاز من باب نسخ الكلام، ونسخ المشروعيَّة نسخ الحكم،
والحكم هو المقصود والكلام وسيلة، ونسخ الوسيلة أولى من نَسْخ المقصود والله عز وجل
أعلم.
وأما صفة هذا الحكم فنقول: له صِفَات: منها أنه ملك غير لازم، بل هو مستحق
الفسخ، فيقع الكلام في هذه الصِّفة في مواضع: في بيان أن الثابت بهذا البيع مستحق الفسخ،
وفي بيان من يَمْلك الفَسْخ، وفي بيان ما يكون فسخاً، وفي بيان شرط صحة الفسخ، وفي بيان
ما يَبْطل به حق الفسخ بعد ثبوته.
أما بيان أن الثابت بهذا البيع أوجب الفسخ؛ فهو أن البَيْع وإن كان مشروعاً في ذاته،
فالفساد مقترن به ذكراً، ودفع الفساد واجب ولا يمكن إلا بِفَسْخ العقد، فيستحق فسخه لكن
لغيره لا لعينه، حتى لو أمكن دفع الفساد بدون فسخ البيع لا يفسخ؛ كما إذا كان الفساد لجَهَالة
الأجل فأسْقَطاه يسقط، ويبقى البيع مشروعاً كما كان؛ ولأن اشْتِراط الرِّبا وشرط الخيار
مجهول، وإدخال الآجال المجهولة في البيع ونحو ذلك مَعْصية، والزجر عن المعصية واجب،
واستحقاق الفسخ يصلح زاجراً عن المعصية، لأنه إذا علم أن يفسخ، فالظاهر أنه يمْتَنع عن
المباشرة .
وأما بيان من يملك الفسخ فنقول وبالله التوفيق: الفساد لا يخلو إما أن يكون راجعاً إلى
البدل؛ بأن باع بالخمر والخنزير، وإما أن لم يكن راجعاً إليه؛ كالبيع بشرط منفعة زائِدة لأحد
العاقدين أو إلى أجل مجهول، والحال لا يخلو: إما أن كان قبل القَبْضٍ، وإما أن كان بعده؛

٣٦٩
كتاب البيوع
فإن كان قبل القبض فكل واحد من العاقدين يملك الفَسْخ من غير رضا الآخر كيفما كان
الفساد؛ لأن البيع الفاسد لا يفيد الملك قبل القَبْض، فكان الفَسْخ قبل القبض بمنزلة الامتناع
عن القبول والإيجاب، فيملكه كل واحد منهما كالفَسْخ بخيار شرط العَاقِدين.
وإن كان بعد القبض؛ فإن كان الفساد راجعاً إلى البدل، فالجواب فيه وفيما قبل القبض
سواء؛ لأن الفسَاد الرَّاجع إلى البدل فَسَاد في صلب العقد.
ألا ترى أنه لا يمكن تَصْحيحه، لحذف(١) هذا المفسد لما أنه لا قوام للعقد إلا بالبدلين،
فكان الفساد قوياً، فيؤثر في صُلْب العقد بسلب اللّزوم عنه، فيظهر عدم اللزوم في حقُّهما
جميعاً، ولو لم يكن راجعاً إلى البدل، فقد ذكر الإمام الأسبيجابي (٢) في شرحه مختصر
الطحاوي: أن ولاية الفسخ لصاحب الشرط لا لصاحبه ولم يحك خلافاً؛ لأن الفساد الذي لا
يرجع إلى البَدَل لا يكون قوياً؛ لكونه محتملاً للحَذْف والإسقاط، فيظهر في حقِّ صَاحب
الشَّرط لا غير، ويؤثر في سلب اللزوم في حقه لا في حقّ صاحبه.
وذكر الكرخي الاختلاف في المسألة: فقال في قَوْل أبي حنيفة وأبي يوسف
- رحمهما الله -: يملك كل واحد منهما الفَسْخ، وعلى قَوْل محمد - رحمه الله -: حق الفسخ
لمن شرط له المنفعة لا غير.
وجه قوله على نحو ما ذكرنا: أن من له شَرْط المنفعة قادر على تصحيح العقد بحذف
المفسد وإسقاطه، فلو فسخ الآخر لأبطل حقّه عليه، وهذا لا يجوز.
وجه قولهما: أن العقد في نفسه غير لازم لما فيه من الفَسَاد، بل هو مستحق الفسخ في
نفسه رفعاً للفساد، وقوله: المفسد ممكن الحذف فنعم، لكنه إلى أن يخذف فهو قائم، وقيامه
يمنع لزوم العقد، وبه تبين أن الفَسْخ من صاحبه ليس بإيْطَال لحق صاحب الشرط؛ لأن إبطال
الحق قبل ثبوته مُحَال.
وأما بيان ما يكون فسخاً لهذا العَقْد ففسخه بطريقين: قول وفعل، فالقول هو أن يقول:
من يملك الفَسْخ فسخت أو نقضت أو رددت ونحو ذلك، فينفسخ بنفس الفسخ ولا يحتاج إلى
فَضَاء القاضي وَلا إِلى رضا البائع، سواء كان قبل القبض أو بعده؛ لأن هذ البيع إنما استحقَّ
الفسخ حقاً لله عز وجل، لما في الفسخ من رفع الفساد، ورفع الفساد حق الله تعالى على
الخُلُوص، فيظهر في حق الكل، فكان فسخاً في حق الناس كافة، فلا تقف صحّته على القضاء
ولا على الرضا.
(١) في ط: بخلاف.
(٢) في أ: الاستيجابي.
بدائع الصنائع ج٧ - م٢٤

٣٧٠
كتاب البيوع
١٦٠/٣ ب
والفعل هو أن يردّ المبيع على بائعه على أي وجهٍ/، ما رده ببيع أو هبة أو صدقة أو
إعادة أو إيداع؛ بأن باعه منه أو وهبه أو تصدق عليه أو أعاره منه أو أودعه إياه - يبرأ المشتري
عن الضمان؛ لأن يستحقّ الردّ على البائع، فعلى أي وجه ما رده يقع عن جِهَة الاستِخْقَّاق
بمنزلة رد العارِية والوديعة - أنه يكون فسخاً [للعارية] (١) والوَدِيعة بأي طريق كان الرد لما قلنا
كذا هذا.
وكذا لو باعه المشتري من وكيل البائع وسَلَّمه إليه؛ لأن حكم البيع يقع لموكّله وهو
البائع، فكأنه باعه للبائع، ولو باعه المشْتَري من عبد بائعه وهو مأذون له في التّجارة، فإِن لم
يكن عليه دين كان فسخاً للبيع، ولا يبرأ عن المشْتَري ضمانه حتى يصل إلى البائع؛ لأنه إذا لم
يكن عليه دينٌ فحكم تصرفه وقع للمولى، فكان بيعاً من المولى، وإن كان عليه دين لا يكون
فسخا للبيع ويتقرر الضمان على المشتري؛ لأنه إذا كان عليه دين فحكم تصرُّفه لا يقع للمولى؛
فلم يكن ذلك بيعاً من المولى، فصار كما إذا باعه من أجنبي.
ولو اشترى من عبد مأذون لإنسان شيئاً منه شراء فاسداً وقبضه، ثم إنه باعه من مولاه،
فإن لم يكن عليه دين كان فسخاً للبيع؛ لأنه يكون مشْتَرياً من المولى كأنه اشتراه من مولاه ثم
باعه منه؛ فإن كان عليه دين، لم يكن فَسْخاً؛ لأنه يكون مشترياً منه لا من مولاه، فكأنه اشترى
من أجْنَبي وباعه من مولاه؛ ولو باعه من المشتري من مضارب البائع لم يكن فسخاً للبيع،
وتقرر الضمان على المشتري، بخلاف ما إِذَا بَاعَه من وكِيلٍ بائعه بالشراء - أنه يكون فسخاً.
ووجه الفرق: أن الوكيل بالشّراء يتصرف لموكله [لا](٢) لنفسه، ألا ترى أن حكم تصرفه
يقع لموكله لا له، فنزل منزلة البيع من الموكّل وذلك فسخ، فأما المضارب فمتصرف لنفسه،
ألا ترى أن الربح مشترك بينهما، فكان بمَنْزلة الأجنبي، ولو كان البائع وكيلاً لغيره بالشراء،
فاشتري المشتري شراء فاسداً لموكله - لم يكن فسخاً للبيع؛ لأن حكم الشراء يقع لموكّله لا
له، ووجَبَ عليه الثمن، وللمشتري وتقرر على المشتري ضمان القيمة، ويلتقيان قصاصاً لعدم
الفائدة في الاستيفاء، ويترادان الفضل إن كان في أحَدِهما فضل، والله عز وجل أعلم.
وأما شرط صحة الفَسْخ فهو أن يكون الفسْخ بمحضر من صاحبه، ذكره الكرخي، ولم
يذكر الاختلاف فيه، وذكر القاضي الإمام الأسبيجابي(٣) - رحمه الله - في شرحه مختصر
الطحاوي: أن هذا شرط عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: ليس بشرط وجعله على
الاخْتِلاف في خيار الشرط والرؤية، وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم.
(١) سقط في ط.
(٣) في أ: الاستيجابي.
(٢) سقط في ط.

٣٧١
کتاب البيوع
وأما بيان ما يبطل به حق الفَسْخ ويلزم البيع ويتقرر الضمان، وما لا يبطل ولا يلزم ولا
يتقرر، فنقول وبالله التوفيق: الفَسْخ في البيع الفَاسِد يبطل بصريح الإبطال والإسقاط؛ بأن
يقول: أبطلت أو أسْقَطت أو أوجبت البيع أو ألزمته؛ لأن وجوب الفسخ عنه ثبت حقًّا لله
تعالى للفساد، وما ثبت حقاً لله تعالى خالصاً لا يقدر العبد على إسقاطه مقصوداً كخيار الرؤية،
لكن قد يسقط بطريق الضرورة بأن يتصرف العبد في حق نفسه مقصوداً، فيتضمن ذلك سُقُوط
حق الله عز وجل بطريق الضرورة، أو يفوت محل الفَسْخ أو غير ذلك.
وبيان ذلك في مسائل: المشتري شراء فاسداً إذا باع المشتري أو وهبه أو تصدق به
- بطل حق الفسخ، وعلى المشتري القيمة أو المثل، لأنه تصرف في محل مملوك له فنفذ
تصرفه ولا سبيل للبائع على نقضه(١) لأنه حصل عن تسليط منه ويطيب للمشتري الثاني؛ لأنه
ملكه بعقد صحيح، بخلاف المشتري الأول؛ لأنه لا يطيب له؛ لأنه ملکه بعقد فَاسِدٍ، فرق بين
هذا وبين ما إذا دخل مسلم دار الحرب بأمان، فأخذ شيئاً من أموالهم بغير إذنهم وأخْرَجه إلى
دار الإسلام، ثم باعه - أنه يصح بيعه، لكن لا يطيب للمشتري كما لا يطيب للآخذ.
ووجه الفرق: أن عدم الطيب في المأخوذ من الحربي بغير إذنه، لكونه مأخوذاً على وجه
الغدر والخيانة، والمأخوذ على هذا الوَجْه واجب الرد على صاحبه رداً للخيانة، وبالبيع لم
يخرج عن استِخفّاق الرد على مالكه/؛ لحصوله لا بتسليط من جهته، فبقي واجب الرد كما ١١٦١/٣
كان، وهذا يمنع الطيب بخلاف البيع الفاسد؛ لأن انعدام الطيب للمشتري ههنا لقران الفساد به
ذكراً لا حقيقة، ولم يوجد ذلك في البيع الثاني، وخرج المبيع من أن يكون مستحق الرد على
البائع، لحصول البيع من المشتري بتَسْلِيطه، والله عز وجل أعلم.
ولو باعه فرد عليه بخيار شرط أو رؤية أو عيب بقَضَاء قاض، وعاد على حكم الملك
الأول عَادَ حق الفسخ؛ لأن الردّ بهذه الوجوه فسخ محض، فكان دفعاً للعقد من الأصل وجعلا
له كأن لم يكن.
ولو اشتراه ثانياً أو عاد إليه بسبب مُبْتَدأ، لا يعود الفَسْخ؛ لأن الملك اختلف لاختلاف
السبب، فكان اختلاف الملكين بمَنْزلة اختلاف العَقْدين(٢)، وَلَو أعتقه المشتري أو دبره، بطل
حق الفسخ لما قلنا؛ ولأن الإعتاق والتدبير كل واحد منهما تصرف لا يحتمل الفَسخ بعد
صحته، فيوجب بطلان حق الاسترداد والفسخ ضرورة.
وكذلك لو استولدها لما قلنا، وتصير الجارية أم ولد المشتري؛ لأن الاستيلاد قد صح
(١) في ط: بعضه.
(٢) في أ: العينين.

٣٧٢
كتاب البيوع
لحصوله في ملكه، وعلى المشتري قيمة الجَارِية؛ لتعذر الرد الاستيلاد، فصار كما لو هلكت
في يده وهل يغرم العقر؟ ذكر في البُيُوع أنه لا يغرم وفي الشرب روايتان: والصَّحيح أنه لا
يضْمن العقر؛ لأنه وطىء ملك نفسه، وقد تقرر ملكه الاستيلاد لتعذر الرد.
ولو وطئها المشتري ولم يعلقها، لا يبطل حق الفَسْخ، وللبائع أن يسترد الجارية مع
عقرها باتفاق الروايات، فرق بين هذا وبين الجَارِية الموهوبة إذا وطئها الموهوب له وأعلقها،
ثم رجع الوَاهِب في هبته، وأخذ الجارية - أن الموهوب له لا يضمن العقر.
ووجه الفرق: أن الثَّابت بالهبة ملك محلل للوطء، وبالرجوع لم يتبين أن حل الوطء لم
يكن، فكان مستمتعاً بملك نفسه، فلا عقر عليه بخلاف البيع الفاسد؛ لأن الملك الثابت به لا
يظهر في حقّ حل الوطء، فكان الوطء حراماً إلا أنه سقط عنه الحد للشبهة، فوجَبَ العقد.
وكذلك لو كاتبه؛ لأن الكتابة قد صحَّت لوجودها في الملك، ولا سبيل للبائع إلى
نقضها؛ لحصولها من المشتري بتسليط البائع، فلا يكون له حق النقض عليه، وعلى المشتري
قيمة العبد؛ فإن أدى بدل الكتابة وعتق تقرر على المشتري ضمان القيمة؛ وإن عَجَز ورد في
الرق ينظر إن كان ذلك قبل القَضَاء بالقيمة على المشتري، فللبائع أن يسترده؛ لأنه كان مستحقّ
الرد قبل الكتابة لعدم لزوم الملك، إلا أنه امتنع الرد لعارض الكتابة؛ فإن عجز ورد في الرقّ
قبل القَضَاء بالقيمة؛ فقد زال العارض والتحق بالعدم، كأنه لم يكن فعاد مستحقّ الردّ على
المشتري كما كان، وإن كان بعد ما قضى عليه بالقِيمَة لا سبيل للبَائِع على العبد؛ لأنه بالقَضَاء
بالقيمة تقرر ملك المشْتَري في العبد، ولزم من وقت وجوده فيعود إليه لازماً، والملك اللازم
لا يحتمل الفسخ، والله عز وجل أعلم.
وكذلك لو رهنه المشتري، بطل حق الفَسْخ، وولاية الاسترداد لما ذكرنا؛ ولو افتكه
المشتري، فهو على التَّفْصيل الذي ذكرنا في الكتابة؛ ولو أجره صحت الإجارة لما قلنا، ولكن
لا يَبْطُل حق الفسخ؛ لأن الإجارة وإن كانت عقداً لازماً إلا أنها تفسخ بالعذر، ولا عذر أقْوى
من رفع الفساد فتنفسخ به، وسلمت الأجرة للمشتري؛ لأن المنافع على أصلٍ أصحابنا لا تتقوّم
إلا بالعقد، والعقد وجد من المشتري فكانت الأجرة له، وهل تَطِيب له؟ ينظر إن كان قد أدى
ضمان القيمة ثم آجر، طابت الأجرة له؛ لأن الضمان بدل المضمون قائم مقامه، فكانت
الأجرة ربح ما قد ضمن .
وإن آجر ثم أدى الضَّمان لا تطيب له؛ لأنها ربح ما لم يضمن؛ ولو أوصى به، صحت
الوصية لما قلنا، ثم إن كان الموصي حيًّا بعد، فللبائع حق الاسترداد، لأن الوصية تصرف غير
لازِم حال حياة الموصي بل محتمل، وإن مات بطل حقه، لأن الثابت للموصي له ملك جدید،
١٦١/٣ب بخلاف/ الثابت للوارث بأن مات المشتري شراء فاسداً؛ لأن لا يبطل حقّ الفسخ، وللبائع أن
یسترد من ورثته.

٣٧٣
كتاب البيوع
وكذا إذا مات البائع فلورثته ولاية الاسْتِرداد؛ لأن الثابت للوارث عين ما كان للمورث،
وإنما هو خلفه قائم مقامه؛ ولهذا يرد الوَارِث بالعيب ويرد عليه، وملك المورث مضمون الرد
مستحق الفسخ، بخلاف الموصى له، فإن الثابت ملك جديد حصل بسبب جديد؛ ولهذا لم
يرد بالعيب ولا يرد عليه، وأنه لم يكن مستحق الفسخ.
ولو ازداد المبيع في يد المشْتَري؛ فإن كانت الزيادة متصلة متولدة من الأصل كالسمن
والجمال، فإنها لا تمنع الفَسْخ؛ لأن هذه الزيادة تابعة للأصل حقيقة، والأصل مضمون الرد،
فكذلك التبع كما في الغضب؛ وإن كانت غير متولّدة من الأصل، كما إذا كان المَبِيع سويقاً
فلته المشتري بعَسَل أو سمن؛ فإنها تمنع الفسخ لأنه لو فسخ: إما أن يفسخ على الأصل
وحده، وإما أن يفسخ على الأصل والزيادة جميعاً، لا سبيل إلى الأول لتعذر الفَضْل، ولا
سبيل إلى الثاني؛ لأن الزيادة لم تدخل تحت البيع لا أصلاً ولا تبعاً فلا تدخل تحت الفَسْخ.
وإن كانت منفصلة فإن كانت متولدة من الأصل كالولد واللبن والثمرة - لا تمنع الفسخ،
وللبائع أن يسترد الأصل مع الزيادة؛ لأن هذه الزيادة تابعة للأصل لكونها متولدة منه.
والأصل مضمون الرد، فكذا الزِّيادة كما في باب الغَصْب؛ وكذا لو كانت الزيادة أرشاً أو
عقراً لأن الأزش بدل جزء فائت من الأصل حقيقة كالمتولد من الأصل، والعقر بدل ما له(١)
حكم الجزء والعين، فكأنه متولّد من العين ثم في فصل الولد إذا كانت الجارية في يد
المشتري؛ فإن نقصتها الولادة وبالولد وفاء بالنقصان - بنجبر النقصان بالولد عند أصحابنا الثلاثة
خلافاً لزُفر كما في الغصب، وسنذكر المسألة في ((كتاب الغَصْب)) إن شاء الله تعالى.
وإن لم تنقضها الولادة استردّها البائع ولا شيء على البائع؛ وإن نقصتها وليس بالولد
وفاء بالنقصان، ردها مع ضمان النّقصان كما في الغصب؛ وإن هلك الولد قبل الرد، لا ضمان
على المشتري بالزيادة كما في الغصب، وعليه ضمان نقصان والولادة كما في الغصب.
ولو استهلك المشْتَري الزيادة ضمن كما في الغَصْب؛ ولو هلك المبيع والزيادة قائمة،
فللبائع أن يسترد الزيادة ويضمن قيمة المَبِيع وقت القَبْضٍ؛ لأنهما كانا مضموني الرد، إلا أنه
تعذّر استرداد المبيع؛ لفوات المحل وصَارَ مضمون القيمة، فبقي الولد على حاله مضْمُون الرد
كما كان.
وإن كانت الزيادة غير متولدة من الأصل؛ كالهبة والصَّدقة والكسب - فإنها لا تمنع الرد،
وللبائع أن يسترد الأصل مع الزيادة؛ لأن الأصل مضمون الرد، وبالرد ينفسخ العقد من
(١) في ط: حاله.

٣٧٤
كتاب البيوع
الأصل، فتبين أن الزّيادة حَصَلت على ملكه، إلا أنها لا تطيب له؛ لأنها لم تحدث في ضمانه،
بل في ضمان المشْتَري، فكانت في معنى ربح ما لم يُضَمن، ولو هلكت هذه الزيادة في يد
المشتري لا ضمان عليه؛ لأن المبيع بيعاً فاسداً مضمون بالقَبْض، والقبض لم يرد على الزيادة
لا أصلاً ولا تبعاً: أما أصلاً: فلانعدامها عند القبض، وأما تبعاً فلأنها ليست بتابعة حقيقة، بل
هي أصل بنفسها ملكت بسبب على حدة لا بسبب الأصل.
وإن استهلكها المشْتَري، فكذلك عند أبي حنيفة لا ضمان عليه، وعندهما: يضمن،
وأصل المسألة في الغَصْب: أنه إذا استهلك الغاصب هذه الزيادة، هل يضمن؟ عنده: لا
يضمن، وعندهما: يضْمَن، ونذكر المسألة في كتاب الغصب إن شاء الله.
ولو هلك المبيع وهذه الزيادة قائمةٌ في يد المشتري، تقرر عليه ضمان قيمة المبيع،
والزيادة للمشتري تقرّر ضمان القيمة، بخلاف المتولّد كما في الغصب والفرق بين الزيادتين
يذكر في الغَصْب إن شاء الله تعالى.
هذا إذا زاد المبيع في يد المشتري شراء فاسداً؛ فأما إذا انتقص/ في يده فإن كان النقصان بآفة
سماوية - فإنه لا يمنع الاسترداد، وللبائع أن يأخذه مع أرش النقصان؛ لأن المبيع بيعاً فاسداً يضْمَن
بالقبض (١) كالمغصوب والقبض ورد عليه بجميع أجزائه، فصار مضموناً بجميع أجزائه،
والأوْصَاف تضمن بالقبض وإن كانت لا تضْمَن بالعقد، كما في قبض المغصوب.
وكذلك إذا كان النُّقصان بفعل المبيع؛ لأن هذا والنُّقصان بآفة سماوية سواء، وإن كان
النقصان بفعل المشتري فكذلك؛ لأنه لو انتقض بغير صنعة، كان مضموناً عليه فبصنعه أولى.
وإن كان بفعل أجنبي فالبائع بالخيار: إن شاء أخذ الأزش من المشتري، والمشْتَري
يرجع به على الجاني، وإن شاء اتبع الجاني وهو لا يرجع على المشتري كما في الغصب؛ لأنه
لما أخذ قيمة النُّقصان من المشتري، فقد تقرر ملكه في ذلك الجزء من وقت البيع فيه، فتبين
أن الجِنَاية حصلت على ملك متقرر له، فيرجع عليه والأجنبي لم يَمْلك فلا يرجع.
ولو قتله أجنبي، فللبائع أن يضْمَن المشتري قيمته حالة القبض، ولا سبيل له على القاتل
ويرجع المشتري على عاقلة القاتل بقِيمَته في ثلاث سنين، فرق ههنا بين البيع وبين الغصب؛
فإنه لو قتل المغصوب في يد الغَاصِب قاتل، فالمالك بالخيار: إن شاء ضمن الغاصب قيمته
حالة الغصب، والغَاصِب يرجع على عاقلة القاتل في ثلاث سنين، وإن شاء ضمن عاقلة القَاتِل
قيمته في ثلاثة سنين، وهم لا يرجعون على الغاصب.
(١) في أ: بالقيمة .
١١٦٢/٣

٣٧٥
كتاب البيوع
ووجه الفرق: أن الأجنبي جَنَى على ملك المشْتَري؛ لأنه ملك المبيع بالقبض وتقرر
ملكه فيه بالجناية لا على ملك البائع، فلا يملك البائع تضمينه، بخلاف الغصب؛ فإن الغاصب
لا يملك المغصوب إلا بتَضْمين المغصوب منه إياه فقبله لا ملك له فيه، فكان القَتْل جناية على
مِلْك المالك، والقَبْض جِنَاية على ملكه أيضاً؛ فكان له خيار التضمين.
وإن كان النّقصان بفعل البائع لا شيء على المشْتَري، لأنه صار مسترداً بفعله؛ حتى إنه
لو هلك المبيع في يد المشتري ولم يوجد منه، حبس على البائع يهلك على البائع، وإن وجد
منه حبس ثم هلك - ينظر إن هلك من سراية جناية البائع لا ضمان على المشتري أيضاً؛ لأنه
صَارَ مستردًّا بفعله، وإن هَلَك لا من سراية جناية البائع، فعلى المشتري ضمانه، لكن يطرح
منه حصة النُّقصان بالجناية؛ لأنه استردّ ذلك القدر بجنايته.
ولو قتله البائع، لا ضَمَان على المشتري؛ لأنه استرده بالقتل؛ وكذلك لو حفر البائع بئراً
فوقع فيه ومات؛ لأن ذلك في معنى القَتْل فيصير مسترداً، والله عز وجل أعلم.
ولو كان المبيع ثوباً، فقطعه المشتري وخاطه قيمصاً أو بطنه وحشاه - بطل حق الفسخ
وتقرر عليه قيمته يوم القبض، والأصل في هذا أن المشتري إذا أحدث في المبيع صنعاً لو
أحدثه الغاصب في المغْصُوب - لا يقطع حق المالك يبطل حق الفسخ، ويتقرر حقه في ضَمَان
القيمة أو المثل، كما إذا كان المبيع قطناً فغزله أو غزلاً فنسجه، أو حنطة فطحنها، أو سمسماً
أو عنباً فعصره، أو ساحة فبنى عليها، أو شاة فذبحها وشواها أو طبخها ونحو ذلك؛ وإنما كان
كذلك؛ لأن القَبْض في البيع الفاسد كقبض الغصب، ألا ترى أن كل واحدٍ منهما مضمون الردّ
حال قيامه، ومضْمُون القيمة أو المثل حال هَلاكه، فكل ما يوجب انقطاع حق المالك هناك
يوجب انقطاع حقّ البيع للبائع ههنا.
ولو كان المبيع ثوباً فصبغه المشتري بصبغ يزيد من الأحمر والأصفر ونحوهما، ذكر
الكَزْخي: أنه ينقطع حق البائع عنه إلى القيمة .
وروي عن محمد: أن البائع بالخيار إن شاء أخذه وأعطاه ما زاد الصّبغ فيه؛ وإن شاء
ضمنه قيمته، وهو الصحيح؛ لأن القَبْض بحكم البيع الفاسد كقبض الغصب، ثم الجواب في
الغصب هكذا: أن المَالِك بالخيار إن شاء أخذ الثّوب وأعطي الغاصب ما زاد الصّبغ فيه، وإن
شاء/ ضمنه قيمته؛ فكذا هذا والله عز وجل أعلم.
١٦٢/٣ ب
ولو كان المبيع أرضاً فبنى عليها، بطل حق الفَسْخ عند أبي حنيفة، وعلى المشْتَري
ضمان قيمتها وقت القَبْض، وعندهما: لا يبطل وينقض البناء.
وجه قولهما: أن هذا القبض معتبر بقبض الغَصب، ثم هناك ينقض البِنَاء، فكذا ههنا؛

٣٧٦
کتاب البيوع
ولأن البناء ينقض لحق(١) الشَّفيع بالإجماع، وحق البائع فوق حق الشفيع؛ بدليل أن الشفيع لا
يأخذ إلا بقَضَاء، والبائع يأخذ من غير قَضَاء ولا رضا، فلما نقض لحق الشَّفيع، فلحق البائع
أوْلَی .
وجه قول أبي حنيفة: أنه لو ثبت للبائع حق الاسْتِرداد، لكان لا يخلو إما أن يسترده مع
البناء أو بدون البناء، لا سبيل إلى الثاني لأنه لا يمكن، ولا سبيل إلى الأول؛ لأن البناء من
المشْتَري تصرف حصل بتسليط البائع، وأنه يمنع النقض كتصرف البيع والهبة ونحو ذلك،
بخلاف الغَصْب والشفعة؛ لأن هناك لم يوجد التسليط على البناء، وكذا لا يمنعان نقض البَيْع
والهبة .
ومنها: أن الثَّابت بالبيع الفاسد ملك مضمون بالقيمة أو بالمثل لا بالمسمى، بخلاف
البيع الصحيح؛ لأن القيمة هي الموجِب الأصلي في البَيّاعات؛ لأنَّها مثل المبيع في المالية، إلا
أنه يعدل عنها إلى المسمى إذا صحت التَّسمية، فإذا لم تصح وجب المصير إلى الموجب
الأصلي، خصوصاً إذا كان الفساد من قبل المسمى لأن التسمية إذا لم تصح لم يثبت المسمى،
فصار كأنه باع وسَكَت عن ذكر الثمن. ولو كان كذلك كان بيعاً بقيمة المبيع، لأن البيع مبادلة
بالمال، فإذا لم يذكر البدل صريحاً، صارت القيمة أو المثل مذكوراً دلالة، فكان بيعاً بقيمة
المَبِيع أو بمثله إن كان من قبيل الأمثال.
ومنها: أن هذا الملك يفيد المشتري انطلاق تصرُّف ليس فيه انْتِفاع بعين المملوك بلا
خلاف بين أصحابنا؛ كالبَيْع والهبة والصدقة والإعتاقَ والتدبير والكتابة والرهن والإجارة ونحو
ذلك، مما ليس فيه انْتِفاع بعين المبيع.
وأما التصرف الذي فيه انتفاع بعين المملوك؛ كأكل الطّعام ولبس الثوب وركوب الدابة
وسكنى الدار والاستمتاع بالجارية، فالصَّحيح أنه لا يحل؛ لأن الثابت بهذا البيع ملك خبيث،
والملك الخبيث لا يفيد إِطلاق الانتفاع لأنه واجب الرفع، وفي الانتفاع به تقرَّر له، وفيه تقرير
الفساد؛ ولهذا لم يفْسد الملك قبل القبض تحرزاً عن تقرير الفَسَاد بالتسليم على ما نَذْكُره في
موضعه إن شاء الله تعالى.
ولو كان المشتري داراً لا يثبت للشّفيع فيها حق الشُّفعة، وإن كان يفيد الملك للمشتري؛
لأن حق البائع لم ينقطع، والشفعة إنما تَجِب بانقطاع حقّ البائع لا بثبوت الملك للمشتري.
ألا ترى أن من أقر ببيع داره من فلان وفلان منكر تثبت الشفعة، وإن لم يثبت الملك
(١) في ط: بحق.

٣٧٧
كتاب البيوع
للمشْتَري لانقطاع حق البائع بإقراره، وههنا حق البائع غير منقطع فلا تَثْبُت الشفعة، حتى لو
وجد ما يوجب انقطاع حقه تجب الشفعة.
ولو بيعت دار بجنب الدار المشتراة شِرَاء فاسداً - تثبت الشفعة؛ لأنَّ هذا الشراء صحيح،
فيوجب انقطاع حق البائع فيثبت حق الشفعة، والله عز وجل أعلم. ولو وطىء الجارية المشتراة
شراءً فاسداً؛ فإن لم يعلقها فلا عقر عليه قبل الفسخ، وإن فسخ العقد فعليه العقر، وإن أعلقها
وضمن قيمة الجَارِية - ففي وجوب العقر روايتان على ما ذكرنا.
وأما شرائط فاثنان: أحدهما: القَبْض فلا يثبت الملك قبل القَبْض؛ لأنه واجب الفَسْخ
رفعاً للفساد، وفي وجوب الملك قبل القَبْض تقرر الفساد؛ لأنه إذا ثبت الملك قبل القبض
يجب على البائع تَسْليمه إلى المشتري، وفي التسليم تقرير الفساد وإيجاب رفع الفساد على
وجه فيه رفع الفَسَاد متناقض.
والثاني: أن يكون القبض بإذن البائع، فإن قبض بغير إذنه أصلاً لا يثبت الملك؛ بأن نهاه
عن القبض أو قبض بغير محضر منه من / غير إذنه؛ فإن لم ينهه ولا أذن له في القَبْضٍ ١٦٣/٣أ
صريحاً، فقبضه بحضرة البائع ذكر في الزيادات: أنه يثبت الملك، وذكر الكَرْخي في الرواية
المشهورة: أنه لا يثبت.
وجه رواية الزيادات: أنه إذا قبضه بحضرته ولم ينهه، كان ذلك إذناً منه بالقبض دلالة،
مع ما أن العقد الثابت دلالة الإذن بالقَبْض؛ لأنه تسْلِيط له على القبض فكأنه دليل الإذن
بالقبض، والإذن بالقبض قد يكون صريحاً وقد يكون دلالة؛ كما في باب الهبة إذا قبض
المؤْهُوب له بحضرة الواهب فلم ينهه - صح قبضه؛ كذا ههنا.
وجه الرواية المشهورة: أن الإذن بالقَبْض لم يوجد نصاً، ولا سبيل إلى إثباته بطريق
الدلالة؛ لما ذكرنا أن في القبض تقرير الفَسَاد، فكان الإذن بالقبض إذناً بما فيه تقرير الفساد،
فلا يمكن إثباته بطَرِيق الدلالة.
وبه تبين أن العقد الفاسد لا يقع تسليطاً على القبض؛ لوجود المانع من القبض على ما
بينا بخلاف الهبة؛ لأن هناك لا مَانِع من القبض فأمكن إثباته بطريق الدلالة ما دام المجلس
قائماً، وإنما شرط المجلس؛ لأن القَبْض في الهبة بمنزلة الركن، فيشْتَرط له المجْلس كما
يشترط للقبول، والله عز وجل أعلم.
وأما البيع الباطل: فهو كل بيع فاتَّه شرط من شَرائِط الانْعِقاد من الأهلية والمحلية وغيرهما،
وقد ذكرنا جملة ذلك في صَدْر الكتاب، ولا حكم لهذا البيع أصلاً؛ لأن الحكم للموجود ولا وجود
لهذا البيع إلا من حيث الصّورة؛ لأن التصرف الشرعي لا وجود له بدون الأهلية والمحلية شرعاً،
كما لا وجود للتصرف الحقيقي إلا من الأهل في المحل حقيقة؛ وذلك نحو بَيْع الميتة والدم

٣٧٨
کتاب البيوع
والعذرة والبول وبيع الملاقيح والمضَامِين وكل ما لَيْس بمال؛ وكذا بيع صيد الحرم والإحرام؛ لأنه
بمنزلة الميتة، وكذا بيع الحر؛ لأنه ليس بمال، وكذا بيع أم الولد والمدبر والمكاتب والمسْتَسعى؛
لأن أم الولد حرة من وجه، وكذا المدبر فلم يكن مالاً مطلقاً والمكاتب حريداً، فلم يكن مالاً على
الإطلاق، والمستسعى عند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب، وعندهما: حر عليه دين؛ وكذا بيع الخنزير
من المسلم؛ لأنه ليس بمال في حق المسلم، وكذا بيع الخمر لأنها ليست بمتقومة في حق المسلم؛
لأن الشرع أسقط تقوّمها في حق المسلمين حيث أهَانَها عليهم فيبطل ولا ينْعَقد؛ لأنه لو انْعقَد إما أن
ينعقد بالمسمى وإما أن ينعقد بالقيمة، لا سبيل إلى الأول لأن التَّسمية لم تصحَّ، ولا سبيل إلى الثاني
لأنه لا قيمة له؛ إذ التقويم يبنى عن العزّة والشَّرع أهان المسمّى على المسلم، فكيف ينعقد بقيمته
ولا قيمة له، وإذا لم ينْعَقد يبطل ضرورة.
ومن مشايخنا من فصل في بَيْع الخمر تفصيلاً، فقال: إن كان الثمن ديناً بأن باعها
بدراهم فالبيع باطل، وإِن كان عيناً بأن باعها بثَوْب ونحوه، فالبيع فاسد في حق الثوب وينعقد
بقيمة الثوب، لأن مقْصُود العاقدين ليس هو تملك الخمر وتمليكها؛ لأنها لا تصلح للتَّملك،
والتَّمليك في حق المسلم مقصود، بل تمليك الثوب وتملكه؛ لأن الثوب يصلُح مقصوداً
بالتملك والتمليك، فالتسمية إن لم تظهر في حق الخمر تظهر في حق الثوب، ولا مُقَابل له،
فيصير كأن المشتري باع الثوب ولم يذكر الثمن، فينعقد بقيمته، بخلاف ما إذا كان الثّمن ديناً؛
لأن الثمن يكون في الذمةِ، وما في الذمة لا يكون مقصوداً بنفسه، بل يكُون وسيلة إلى
المقصود، فتصير الخَمْر مقصودة بالثَّمليك والتَّملك فيبطل أصلاً.
وأما بيع [العبد](١) بالخمر والخنزير فلا يبطل، بل يفسد وينعقد بقيمة العبد؛ لأن العبد
مال متقوم.
وكذا الخمر والخنزير في حق أهل الذمَّة والخمر مال في حقنا، إلا أنه لا قيمة لها
شرعاً؛ فإذا جعل الخمر والخنزير ثمناً فقد ذكر ما هو مال، وكون الثمن مالاً في الجملة أو
١٦٣/٣ب مرغوباً فيه عند الناس، بحيث لا يؤخذ مجاناً بلا عوض يكفي/ لانعقاد العقد؛ لأن البيع مبادلة
المال بالمال أو مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوبٍ، إلا أن يكون المعقود عليه متقوماً شرط
الانعقاد، وقد وجد وكذا بيع العَبْد والمدبر وأم الولد والمكاتب والمستَسْعى؛ لأن هذه الأموال
في الجملة مرغوب فيها، فينعقد العقد بقيمة العبد؛ وكذا بيع العبد بما يرعى إبله من أرضِه من
الكلا أو بما يشرب من ماء بئره، لأن المذكور ثمناً مال متقوم إلا أنه مُبَاح غير مملوك، وكذا
هو مجهول أيضاً، فانعقد بوصف الفساد بقِيمَة المبيع.
(١) سقط في ط.

٣٧٩
کتاب البيوع
واختلف مشايخِنا في بيع العبد بالميتة والدم: قال عامتهم: يبطل، وقال بعضهم: يفسد،
والصحيح أنه يبطل؛ لأن المسمى ثمناً ليس بمال أصلاً، وكون الثمن مالاً في الجملة شرط
الانعقاد.
وكذا اختلفوا فيما إذا قال: بعت بغير ثَمَن، قال بعضهم: يبطل، وإليه ذهب الكرخي من
أصحابنا، وقال بعضهم: يفسد ولا يبطل؛ كما إذا بَاعَ وسكت عن ذكر الثمن، وقد ذَكَرْنا وجه
كل واحد من القولين فيما تقدم.
ثم إذا باع مالاً بما ليس بمالٍ حتى بطل البيع، فقبض المشْتَري المال بإذن البائع، هل
يكون مضموناً عليه أو يكون أمانة؟ اخْتَلف المشايخ فيه: قال بعضهم: يكون أمانة؛ لأنه مال
قَبْضه بإذن صاحبه في عقد وجد صورةً لا معنى، فالتحق العقد بالعدم وبقي إذنه بالقَبْض، وقال
بعضهم: يكون مضموناً عليه، لأن المقبوض على حكم هذا البيع لا يكُون دون المقْبُوض على
سوم الشراء، وذلك مضمون فهذا أولى.
وأما البيع الموقوف فهو بيع مال الغير بغير إذن صَاحِبه وهو المسمى ببيع الفضولي، ولا
حكم له يعرف للحال؛ لاحتمال الإجازة والردّ من المالك فيتوقف في الجواب في الحال لا أن
يكون التوقف حكماً شرعياً، وقد ذكرنا حكم تصرفات الفضولي ما يبطل منها، ولا يتوقف فيما
تقدَّم، والله عز وجل أعلم.
فصل [في بيان ما يرفع حكم البيع]
وأما بيان ما يرفع حكم البيع فنقول وبالله التوفيق: حكم البيع نوعان نوع يرتفع بالفسخ،
وهو الذي يقوم برفعه أحد العَاقِدين وهو حكم كل بيع غير لازم، كالبيع الذي فيه أحد
الخِيَارات الأزبع والبيع الفاسد، ونوع لا يرتفع إلا بالإقالة وهو حُكم كل بيع لازم، وهو البيع
الصّحيح الخالي عن الخيار.
والكلام في الإقالة في مواضع: في بيان ركن الإقالة، وفي بيان ماهية الإقالة، وفي بيان
شرائط صحة الإقالة، وفي بيان حُكْم الإقالة.
أما ركنها فهو الإيجاب من أحد العاقدين والقبول من الآخر، فإذا وَجَدَ الإيجاب من
أحدهما والقبول من الآخر بلفظ يدل عليه، فقد تم الركن، لكن الكَلام في صيغة اللفظ الذي
ينعقد به الركن فنقول: لا خلاف أنه ينْعَقِد بلفظين يعبر بهما عن الماضي؛ بأن يقول أحدهما:
أقلت، والآخر: قبلت أو رَضِيت أو هويت ونحو ذلك، وهل تَنْعَقد بلفظين يعبر بأحدهما عن
المَاضِي وبالآخر عن المسْتَقبل؟ بأن قال أحدهما لضاحِبه: أقلني فيقول: أَقَلْتك، أو قال له:
جئتك لتقيلني، فقال: أقلت - فقال أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله -: ينعقد كما في

٣٨٠
كتاب البيوع
النّكاح، وقال محمد - رحمه الله -: لا يَتْعَقد إلا بلَفْظَين يعبّر بهما عن الماضِي كما في البيع.
وجه قوله: أن ركن الإقالة هو الإيجاب والقبول كركن البيع، ثم ركن البيع لا ينعقد إلا
بلفظين يعبر بهما عن المَاضِى، فكذا ركن الإقالة، ولهما: الفرق بين الإقالة وبين البَيْع وهو أن
لفظة الاستقبال للمسَاوَمة حقيقة، والمساومة في البيع معتاد، فكانت اللفظة محمولة على
حقيقتها، فلم تقع إيجاباً بخلاف الإقالة؛ لأن هناك لا يمكن حمل اللفظ على حقيقتها؛ لأن
المسَاوَمة فيها ليست بمعتادة فيحمل على الإيجاب، ولهذا حملناها على الإيجاب في النّكاح
كذا هذا.
وأما بيان ماهية الإقالة وعملتها: فقد اخْتَلف أضْحَابنا في ماهيتها: قال أبو حنيفة - عليه
١٦٤/٣أ الرحمة -: الإقالة فَسْخ في حق العاقِدَين بيع جديد في حق ثالث / سواء كان قبل القبض أو
بعده(١).
(١) والإقالة، قيل: مأخوذة من القول، فهمزتها حينئذ للسلب، أي: أزال القول السابق.
وقيل: مأخوذة من القيل، وعلى هذا فعينها ياء لا واو. ويدل له قولهم: قلت البيع - بكسر القاف - وقال
البيع قیلاً.
وأقال البيع بمعنى فسخه، وبناء على أن الهمزة للسلب يكون الفسخ لازماً للمعنى الوضعي؛ لأن إزالة
القول - وهو العقد - يلزمه رفعُ البيع.
فالإقالة مصدر أقال، واسم مصدر. قال بمعنى فسخ؛ لأنه يقال أيضاً: قال البيع إقالة .
ومعناها في الاصطلاح: رفع البيع برضا العاقدين كتقايلنا البيع، أو يقول أحدهما: أقلته، ويقبل الآخر،
وإذا، فلا بد في الإقالة من رضا العاقدين معابها، فليس لأحدهما أن يستبد بها وحده. وهي في هذا
تخالف الفسخ بالخيار، إذ لمن هو له أن يفسخ البيع إن شاء من غير توقّف على رضا صاحبه. والفرق
بينهما أن الخيار يجعل العقد غير لازم في حق من هو له.
وأما الإقالة فلا تكون إلا حيث يكون العقد لازماً لهما.
نعم تشبه الإقالة الخيار، من جهة أنهما لا يدخلان إلا عقود المعاوضات المالية اللازمة القابلة للفسخ.
ثم الإقالة جائزة شرعاً؛ لأن العقد حقهما، وآثان المترتبة عليه وقف عليهما - فلهما رفعه. بل هي مندوبة؛
لأنها غالباً لا تكون إلا تحت ضغط الحاجة، والرسول (عليه الصلاة والسلام) يقول: ((من أقال نادماً بيعته
- أقال الله عثرَتَهُ)) .
وقد اختلف في الإقالة، هل هي فسخ أو بيع؟.
فالشافعي، وابن حنبل، وأبو حنيفة على أنها فسخ. ومالك على أنها بيع، إلا في الطعام، والشفعة،
والمرابحة، وأبو يوسف على أنها بيع، فإن لم تحتمل البيع فهي فسخ، فإن لم تحتمله فهي باطلة.
ومحمد على أنها فسخ، فإن لم تحتمل الفسخ فهي بيع، فإن لم تحتمله فهي باطلة.
وجهة من قال: إنها فسخ هي أن الفسخ معناها اللغوي. والأصل مطابقة المعنى الشرعي للمعنى اللغوي،
حتى يقوم الدليل على خلافه.
فإن لم تحتمل الفسخ كانت باطلة، ولا تحمل على البيع؛ لأن البيع ضد الفسخ، واللفظ لا يحتمل ابتداء =