النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ كتاب البيوع كما في سائر الشهادات، فإِن لم يقم للمشْتَري حجة على إثبات العيب للحال في هذه العيوب الأربعة، هل يستحلف البائع؟ لم يذكر في الأصل. وذكر في ((الجامع)) أنه يستحلف في قول أبي يوسف ومحمد، وسكَتَ عن قول أبي حنيفة عن المشايخ من قال: يسْتَحلف بلا خلاف بينهم، والتنصيص على قولهما لا يدل على أن أبا حنيفة مخالفهما، ومنهم من قال: المسألة على الاختلاف ذكرت في النوادر، وذكر الطَّحاوي أيضاً: أن عند أبي حنيفة لا يسْتَحلف، وعندهما يستحلف. وجه قولهما: أن المشتري يدعي حق الرد، ولا يمكنه الردّ بإثبات العيب عند نفسه، وطريق الإِثْبَات البينة أو نكول البائع، فإذا لم تَقُم له بينة يستحلف لينكل البائع، فيثبت العَيْب عند نفسه؛ ولهذا يستحلف عند عدم البينة على إثبات العيب عند البائع كذا هذا. ولأبي حنيفة: أن الاسْتِخلاف يكون عقيب الدعوى على البائع، ولا دعوى له على البائع إلا بعد ثبوت العَيْب عند نفسه، ولم يثبت فلم تثبت دعواه على البائع، فلا يستحلف. وقولهما: له طريق الإثبات وهو النُّكول، قلنا: النكول [يكون](١) بعد الاستحلاف وانعدام الدعوى [على البائع](٢) يمنع الاستخلاف، لأن استخلاف البائع في هذه العيوب على العلم لا على البتات بالله ما يعلم أن هذا العبد أبق عند المشتري، ولا سَرَق ولا بال على الفراش ولا جُنَّ، ويحلف على البتات؛ لأنه حلف على غير فعله. ومن حلف على غير فعله يحلف على العلم؛ لأنه لا علم له بما ليس بفعله، ومن حلف على فعل نفسه، يحلف على البتات أصله خبر المثنوي، فإن حلف لم يثبت العيب عند المشتري، وإن نكل يثبت عنده فيحتاج إلى الإثبات عنده. وإذا أراد إثبات العيب عند البائع، فينظر إن كان العَيْب مما لا يحتمل الحدوث أصلاً؛ كالأصبع الزائدة ونحوها أو لا يحتمل حدوث مثله في مثل تلك المدّة كالسن الشاغية ونحوها ثبت كونه عند البائع بثبوت كونه عند المشْتَري، لأنه إذا لم يحتمل الحدوث أو لا يحتمل حدوث مثله في مثل تلك المدة - فقد تيقنا بكونه عند البائع، وإن كان مما يحتمل حدوث مِثْله من مثل تلك المدَّة لا يكتفي بثبوت كونه عند المشتري، بل يحتاج المشتري إلى إثبات كونه عند البَائِع؛ لأنه إذا احتمل حدُوث مِثْله في مثل تلك المدَّة احتلم أنه لم يكن عند البائع، وحدث عند المشْتَري، فلا يثبت حق الرد بالاحتمال، فلا بدَّ من إثباته عند البائع بالبينة، وهي (١) سقط في ط. (٢) سقط في ط. بدائع الصنائع ج٧ - ٢١٢ ٣٢٢ کتاب البيوع ١٤٨/٣ ب شهادة رجلين أو رجل/ وامرأتين طبيبتين كانا أو غير طبيبتين، وإنما شرط العدد في هذه الشهادة؛ لأنها شهادة يقضي بها على الخصم، فكان العَدَد فيها شرطاً كسائر الشهادة التي يقضي بها على الخصوم. وروي عن أبي يوسف: أن فيما لا يطّلع عليه إلا النِّساء يرد بثبوته عند المشتري، ولا يحتاج إلى الإثبات عند البائع، والمشهور من مذهب أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -: أنه لا يكتفي الثبُّوت عند المشتري، بل لا بدَّ من إثباته عند البائع [بالبينة](١) وهو الصحيح؛ لأن قول النِّساء في هذا الباب حجة ضرورة، والضرورة في القبول في حق ثبوته عند المشتري؛ لتوجه (٢) الخصومة وليس من ضرورة ثبوته عند البائع؛ لاحتمال الحدوث فيقبل قولهما في حق توجّه الخصومة [لا في] (٣) حق الرد على البائع، وإذا كان الثُّبُوت عند البائع فيما يَحْدُث مثله شرطاً: لثبوت حق الرد فيقول القاضي: هل كان هذا العَيْب عندك؟ فإن قال: نعم رد عليه إلا أن يدَّعي الرضا أو الإبراء، وإن قال: لا، كان القول قوله إلا أن يقيم المشتري البينة؛ لأن المشْتَري يدعي عليه حق الرد وهو ينكر، فإن أقام المشتري البينة على ذلك رده على البَائِع إلا أن يدَّعي البائع الدفع [بدعوى الرضا](٤) أو الإبراء ويقيم البينة على ذلك، فتندفع دعوى المشْتَرِي، وإن لم يكن له بينة، فطلب يمين المشتري حلفه القاضي بالله سبحانه وتعالى مَا رَضِي بهذا العيب ولا أبرأه عنه، ولا عرضه على البَيْع منذ رآه، وإن لم يَدْع الدفع بالرضا والإبراء؛ فإن القاضي يقضي يفسخ العقد، ولا يسْتَحلف المشْتَرِي على الرضا والإبراء والعرض على البيع عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: لا يفسخ ما لم يسْتَحلفه بالله تعالى ما رضي بهذا العَيْب ولا أبرأه عنه، ولا عرضه على البيع بعدما علم به من العَيْب. وجه قول أبي يوسف: أن القَاضِي لو قضى بالفسخ قبل الاستحلاف، فمن الجائز أن يدعي البائع على المشْتَري بالدَّفع بدعوى الرضا والإبراء بعد القضاء بالفسخ، ويقيم البينة عليه فيفسخ قضاؤه، فكان الاستحلاف قبل الفسخ فيه صيانة للقضاء عن النقض، وأنه وَاجِب. وجه قولهما: أن البائع إذا لم يطلب يمين المشتري، فتحليف القَاضِي من غير طلب الخصم إنشاء الخُصُومة، والقاضي نصب لقطع الخصومة لا لإنشائها. وقول أبي يوسف: أن في هذا صِيَانة قضاء القاضي عن الفسخ، فنقول: الصيانة حاصلة بدونه؛ لأن الظاهر أن البائع لم يعلم بوجود الرِّضا من المشتري؛ إذ لو علم لادعى الدفع (١) سقط في ط. (٢) في أ: ليس لتوجه. (٣) في ط: لأن. (٤) سقط في ط. ٣٢٣ كتاب البيوع بدعوى [الرضا] (١) ولما سكت عن دعوى الدفع عند قِيَام البينة - دلَّ أنه لم يظهر له الرضا من المشتري، فلا يدَّعي الدفع بعد ذلك. وإن لم يقم المشتري بينة على إثبات العَيْبِ عند البائع، وطلب المشتري يمينه - فيما سوى العيوب الأربعة يستحلف على البَتَات بالله تعالى: لقد بعته وسلمته وما به هذا العيب، وإنما يجمع بين البيع والتسليم في الاسْتِحلاف؛ لأن الاقتصار على البيع يوجب بطلان حق المشْتَري في بعض الأخوال؛ لجواز أن يحدث العيب بعد البيع قبل التسليم، فيبطل حقه، فكان الاختِيَاط هو الجمع بينهما. ومنهم من قال: لا اختِياط في هذا؛ لأنه لو اسْتَحلف على هذا الوجه، فمن الجائز حدوث العيب بعد البيع قبل التسليم، فيكون البائع صادقاً في يمينه؛ لأن شرط حنثه وجود العيب عند البيع. والتسليم جميعاً، فلا يحنث بوجوده فى أحدهما، فيبطل حق المشتري، فكان الاختِياط في هذا الاسْتِخلاف على حاصِل الدعوى بالله عز وجل ما له حق الرد بهذا الغَيْب الذي ذكره. ومنهم من قال: يستحلف بالله تعالى لقد سلمته. وما به هذا العَيْب الذي يدعي وهو صحيحٌ؛ لأنه يدخل فيه الموجود عند البيع، والحادث قبل التَّسْليم وإنما لم يستَخلف على البَتَات؛ لأنه استخلف على فعل نفسه، وهو البيع والتسليم بصفة السلامة. ثم إذا حلف فإن حلف برىء ولا يرد عليه، وإن نكل يرد عليه ويفسخ العقد إلا إذا ادعى البائع على المشتري الرضا بالعيب أو الإبراء عنه، أو العرض على البيع بعد العلم به، ويقيم [عليه](٢) البينة فيبرأ ولا يرد عليه، وإن لم يكن/ له بينة وطلب تحليف المشتري يحلف عليه، ١١٤٨/٣ وإن لم يطلب يَفْسخ العقد ولا يحلفه عند أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأبي يوسف على ما تقدم . وأما في العيوب الأربعة ففي الثّلاثة منها، وهي الأباق والسرقة والبول في الفراش - يستحلف بالله تعالى ما أبق عندك منذ بلغ مبلغ الرِّجال، وفي الجنون: بالله عز وجل ما جن عندك قط، وإنما اختلفت هذه العُيُوب في كيفية الاستحلاف؛ لما ذكرنا فيما تقدم أن اتحاد الحالة في العيوب الثَّلاثة شرط ثبوت حق الرد، وليس بشرط في الجنون، بل هو عيبٌ لازم أبداً . (١) سقط في ط . (٢) سقط في ط. ٣٢٤ كتاب البيوع وأما كيفية الرد والفسخ بالعيب بعد ثُبُوته، فالمبيع لا يخلو إما أن يكون في يد البائع أو في يد المشْتَري؛ فإن كان في يد البائع، ينفسخ البيع بقول المشتري: رددت، ولا يحتاج إلى قضاء القاضي، ولا إلى التراضي بالإجماع، وإن كان في يد المشتري، لا ينفسخ إلا بقَضَاء القاضي أو بالتَّراضي عندنا. وعند الشافعي - رحمه الله - ينْفَسخ بقوله: رددت من غير الحاجة إلى القضاء ولا إلى رضا البائع. وأجمعوا على أن الردّ بخيار الشّرط يصح من غير قضاء ولا رضاء، وكذلك الرد بخيار الرؤية متصلاً بلا خلاف بين أصحابنا. وجه قول الشافعي - رحمه الله -: أن هذا نوع فَسْخ، فلا تفتقر صحته إلى القضاء ولا إلى الرضا؛ كالفسخ بخيار الشرط بالإجماع وبخيار الرُّؤية على أصلكم؛ ولهذا لم يفتقر إليه قبل القبض وكذا بعده. ولنا: أن الصفقة تمت بالقبض وأحد العاقدين لا ينْفَرِد بفسخ الصفقة بعد تمامها كالإقالة؛ وهذا لأن الفسخ يكون على حَسَب العقد؛ لأنه يرفع العقد ثم العقد لا ينعقد بأحد العَاقِدين، فلا ينفسخ بأحدهما من غير رضا الآخر ومن غير قضاء القاضي، بخلاف ما قبل القَبْض؛ لأن الصفقة قبل القبض ليست بتامة بل تمامها بالقبض، فكان [القبض](١) بمنزلة القبول كأنه لم يستردّ، بخلاف الرد بخيار الشرط؛ لأن الصفقة غير منعقدة في حق الحكم مع بقاء الخِيَار، فكان الردّ في معنى الدفع والامتناع من القبول، وبخلاف الرد بخيار الرؤية؛ لأن عدم الرؤية منع تمام الصفقة؛ لأنه أوجب خللاً في الرّضا، فكان الرد كالدفع، أما ههنا إذ الصفقة قد تمت بالقبض، فلا تحتمل الانفساح بنفس الرد من غير قرينة القضاء أو الرضا، والله عز وجل أعلم. وأما بيان من تلزمه الخُصُومة في العيب فنقول وبالله التَّوفيق: الخصومة في العيب(٢) تلزم البائع، سواء كان حكم العقد له أو لغيره، بعد أن كان من أهل أن تلزمه الخصومة، إلا القاضي أو أمينه، كالوَكْيل والمضارب والشَّريك والمكاتب والمأذون والأب والوصي؛ لأن الخُصُومة في العيب من حقوق العقد وحقوق العقد في هذا الباب راجعة إلى العاقد إذا كان أهلاً؛ فإن لم يكن بأن كان صبيًّا أو محجوراً أو عبداً محجوراً، فالخصومة لا تلزمه، وإنما تلزم الموكل على ما ذكرنا في كتاب الوَكَالة. (١) سقط في ط . (٢) في ط: البيع. ٣٢٥ کتاب البيوع وأما القاضي أو أمينه فالخُصُومة لا تلزمه، لأن الولاية للقَاضِي إنما ثبتت شرعاً نظراً لمن وقع له العقد، فلو لزمه العُهْدة لامتنع عن النظر خوفاً من لزوم العهدة، فكان القاضي في هذا الباب بمنزلة الرسول فيه، والوَكِيل في باب النكاح وما يلزم الوكيل من العهدة يرجع بها على الموكّل والكاتب والمأذون لا يرجعان على المولى؛ لأن الوكيل يتصرف للموكل نيابة عنه، وتصرُّف النائب کتصرف المنوب عنه. وأما المكاتب والمأذون فإنما يتصرفان بطريق الأصَالة لأنفسهما، لا بطريق النيابة عن المولى لما عرف أن الإذن فك الحجر وإزّالَة المانع، فإذا زال الحجر بالإذن، فالعبد يتصرَّف بمالكية نفسه، فكان عاقداً لنفسه لا لمولاه، والذي يقع للمولى هو حكم التصرُّف لا غير، وإذا كان عاقداً لنفسه كانت العُهْدة عليه؛ ولو رد المبيع على الوَكِيل هل له أن يرده على موكله؟ فهذا لا يخْلُو من ثلاثة أوجه: إما أن يرده عليه ببينة قامت على العَيْب، وإما أن يرده عليه بنكوله، وإما أن يرده عليه بإقراره بالعيب. فإن رده عليه/ ببينة قامت على العيب يردّه على الموكل؛ لأن البينة حجة مطلقة وهو ١١٤٩/٣ نائب عنه فيلزم الموكل، وإن رده عليه بنكوله فكَذَلك؛ لأن نكوله مضاف إلى الموكل لكونه مضطراً ملجأ إليه. ألا ترى أنه لا يَمْلِكه في الخصومة وإنما جاء هذا الاضطرار من ناحية الموكل؛ لأنه هو الذي أوقعه فيه، فكان مضافاً إليه . وإن رده عليه بإقراره بالعيب ينظر إن كان عيباً لا يحدث مثله - يرد على الموكل؛ لأنه علم بثبوته عند البيع بيقين. وأما إن كان عيباً يحدث مثله لا يرد على الموكل حتى يقيم البينة؛ فإن كان رد عليه بقضاء القَاضِي بإقراره لا يرد؛ لأن إقرار المقر يلزمه دون غيره، لأنه حجة قاصرة، فكان حجة في حقه خاصة لا في حق موكله؛ وإن ردّ عليه بغير قضاء لزم الوكيل خاصة، سواء كان العيب يحدث مثله أو لا يحدث مثله؛ لأن الرد بغير قَضَاء وإن كان فسخاً في حق العاقدين - فهو بيع جديد في حق غيرهما، فلا يملك الردّ على الموكل كما لو اشتراه. فأما المضارب والشريك فبقبولهما يَلْزم رب المال والشّريك الآخر؛ لأن حكم شركتهما تلزمهما بخلاف الوَكِيل والله عز وجل أعلم. وأما بيان ما يمنع الردّ بالعيب ويسقط به الخيار بعد ثُبُوته، ويلزم البيع وما لا يسْقُط ولا يلزم، فنقول وبالله تعالى التوفيق: الرد [بالعيب] (١) يمتنع بأسباب: منها الرضا بالعيب بعد (١) سقط في ط . ٣٢٦ كتاب البيوع العِلْم به؛ لأن حق الرد لفوات السلامة المشروطة في العقد دلالة، ولما رضي بالعيب بعد العلم به ـ دل أنه ما شرط السلامة ولأنه ثبت نظراً للمشتري دفعاً للضَّرر عنه، فإذا رضي بالعَيْب فلم ينظر لنفسه ورضي بالضرر. ثم الرضا نوعان: صريح وما هو في معنى الصَّريح، ودلالة: أما الأول فنحو قوله: رضيت بالعَيْب أو أجزت هذا البيع أو أوجبته وما يجري هذا المجرى. وأما الثاني: فهو أن يوجد من المشْتَرِي بعد العلم بالعيب تصرُّف في المبيع يدل على الرضا بالعيب، نحو ما إذا كان ثوباً فصَبَغَه أو قطعه، أو سويقا فلته بسمن، أو أرضاً فبنى عليها، أو حنطة فطَحَنها، أو لحماً فشواه ونحو ذلك، أو تصرّف تصرُّفاً أخرجه عن ملكه، وهو عالم بالعَيْب أو ليس بعالم، أو باعه المشْتَري أو وهبه وسلمه، أو أعتقه أو كاتبه أو دبره أو استولده، لأن الإقدام على هذه التصرُّفات مع العلم بالعَيْب دليل الرّضا بالعيب، ويكون العلم بالعيب، وكل ذلك يبطل حقّ الردّ. ولو باعه المشْتَري ثم رد عليه بعيب، فإن كان قبل القَبْض له أن يرده على بائعه، سواء كان الرد بقضاء القَاضِي أو بالتراضي بالإجماع، وإن كان بعد القبض؛ فإن كان بقَضَاء القاضي له أن يرده على بائعه بلا خلاف؛ وإن كان قبله البائع بغير قضاء، ليس له أن يردّه عندنا، وعند الشّافعي - رحمه الله -: له أن یرده. وجه قوله: أن المانع من الرد خروج السّلْعة عن ملكه، فإذا عادت إليه فقد زال المانع وصار كأنه لم يخرج؛ ولهذا إذا رد عليه بقضاء له أن يرده على بائعه، وكذا إذا رد عليه بخيار شَرْط أو بخيار رؤية على أصلكم. ولنا: أن القبول بغير قَضَاء فسخ في حق العاقدين بيع جديد في حق غيرهما، فصار كما لو عاد إليه بشراء، ولو اشْتَراه لم يملك الردّ على بائعه؛ كذا هذا والدَّليل على أن القَبُول بغير قضاء بيع جديد في حق غير العاقدين: أن معنى البيع موجود، فكان شبهة الشراء قائمة، فكان الردّ عند التّراضي بيعاً؛ لوجود معنى البيع فيه إلا أنه أعطى له حكم الفسخ في حق العاقدين فبقي بيعاً جديداً في حق غيرهما بمنزلة الشراء المبتدأ؛ ولهذا يثبت للشفيع حق الشفعة، وحق الشفعة إنما يثبت بالبيع بخلاف الرد بقضاء القاضي؛ لأنه لم يوجد فيه معنى البيع أصلاً؛ لانعدام التراضي فكان فسخاً، والفسخ رَفْع العقد من الأصل وجعله كأن لم يكن، ولهذا لم يثبت للشفيع حق الشفعة، وبخلاف ما قبل القبض، لأن الصفقة لا تمام لها قبل القبض. ألا ترى أن حدوث العيب قبل القبض كوُجُوده قبل البيع، فكان الرد قبل القبض/ في ١٤٠ ب ٣٢٧ كتاب البيوع معنى الامْتِنَاع عن القبول؛ كأن المشتري رد إيجاب البائع ولم يقبله؛ ولهذا لم يفْتَقِر الرد قبل(١) القبض إلى القاضي، وبخلاف ما إذا رد عليه بخيار شرط أو رؤية أنه يرده على بائعه، لأن معنى البَيْع لم يوجَّد في هذا الرد. ألا ترى أنه يرد على بائعه من غير رِضَاه، فكان فسخاً ورفعاً للعقد من الأصل كأنه لم يكن؛ وكذا لو وَطِىء الجارية المشتراة أو لمسها لشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة مع العلم بالعيب لما قلنا، وكذا بدون العلم بالعيب. وقال الشافعي - رحمه الله -: إن كانت الجارية بكراً فوطئها المشتري فكذلك، وأما إذا كانت ثيباً فوطئها بدون العلم بالعيب لا تمنع الرد بالعيب، وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى. ولو قبلت الجارية المشْتَرِي لشهوة، فقد مر تفصيل الكلام فيه في شرط الخيار، ولو استخدم المشتري بعد ما علم بالعَيْب - فالقياس أن يسقط خياره، وفي الاستحسان لا يسقط، وقد ذكرنا وجْه القِيَاس والاستحسان في خيار الشرط، ولو كان المشْتَري دابة فركبها بعد العلم بالعيب؛ فإن ركبها لحاجة نفسه يسقط خياره. وإن ركبها ليسقيها أو ليردّها على البائع، أو ليشتري لها علفاً . ففيه قياس واستحسان، كما في الاستخدام، وقد ذكرنا ذلك في خيار الشَّرط، ولو ركبها لينظر إلى سيرها بعد العلم بالعيب يكون رضا يسْقُط خياره؛ وفي شرط الخيار لا يسقط والفرق بينهما قد تقدم في خيار الشرط؛ وكذا لو اشترى ثوباً فلبسه بعد العلم، لينظر إلى طوله وعرضه - بطل خياره وفي خيار الشرط لا يبطل. ووجه الفرق بينهما قد ذكرناه في شَرْط الخِيَار، وإن كان المشتري داراً فسكنها بعد ما علم بالعيب أو رم منها شيئاً أو هدم يسقط خياره، وذكر في بعض شُرُوح مختصر الطَّحاوي في السكنى روايتان: والحاصل أن كل تصرف يوجد من المشتري في المشتري بعد العلم بالعيب - يدل على الرضا بالعيب، يسقط الخيار ويلزم البيع، والله عز وجل أعلم. ومنها إسقاط الخيار صَرِيحاً أو ما هو في معنى الصريح؛ نحو أن يقول المشتري: أسقطت الخيار أو أبطلته أو ألزمت البيع أو أوجبته، وما يجري هذا المجرى؛ لأن خيار العيب حقه والإنسان بسبيل من التصرُّف في حقه استيفاء وإسقاطاً. ومنها إبراء المشتري عن العيب؛ لأن الإبراء إسقاط وله ولاية الإسقاط؛ لان الخيار حقه والمحل قابل للسقوط، ألا ترى كيف احتمل السقوط بالإسقاط صريحاً فإذا أسْقَطه يسقط. (١) في أ: بعد. ٣٢٨ كتاب البيوع ومنها هَلاَك المبيع لفَوات محل الرد، ومنها نقصانه، وجملة الكلام فيه أن نقصان المبيع لا يخلو إما أن يكون قبل القبض، وإما أن يكون بعده، وكل ذلك لا يخلو إما أن يكون بآفة سَمَاوية أو بفِعْل المشتري أو بفعل البائع أو بفعل المبيع أو بفعل أجنبي، فإن كان قبل القبض بآفة سماوية أو بفعل المبيع، فهذا وما إذا لم يكن به عَيْب سواء، وقد ذكرنا حكمه في بيع البات فيما تقدم أن المشتري بالخيار. ثم إن كان النُّقصان نقصان قدر، فإِن شاء أخذ الباقي بحصَّته من الثمن، وإن شاء ترك، وإن كان نُقْصان وصف؛ فإن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء ترك لما ذكرنا هنالك. وإن كان بفعل البائع فكذلك الجَوَابَ فيه، وفيما إذا لم يكن به عَيْب سواء؛ وهو أن المشْتَري بالخيار إن شاء أخَذَه وطرح عنه قدر النُّقصان الذي حَصَل بفعل البائع من الثَّمن، وإن شاء تَرَك كما إذا لم يجد به عيباً، وإن كان بفعل المشتري لا خِيَار ويصير قابضاً بالجناية، ويتقرر عليه جميع الثَّمن إن لم يجد به عيباً كان عند البَائِع على ما ذكرنا فيما تقدَّم، وإن وجد عيباً كان عند البائع؛ فإن شاء رجع بِنُقْصان العيب، وإن شاء رضي به. وإن قال البائع: أنا آخذه مع النُّقصان، ليسٍ للمشْتَري أنه يحبسه ويرجع عليه بالنقصان، بل يردّه عليه ويسقط جميع الثمن، وسنذكر الأصل في جنس هذه المسائل في بيان ما يمنع الرجوع بنقصان العيب وما لا يمنع. هذا إذا لم يوجد من البَائِع منع المبيع لاستيفاء الثمن بعدما صار المشتري قابضاً ١٥٠/٣أ بالجناية، فأما إذا وجد منه منع بعد ذلك، ثم وجد المشتري به/ عيباً - له أن يرده على البائع ويسقط على المشْتَري جميع الثمن؛ لأنه بالمنع صار مسترداً للمبيع ناقضاً ذلك القبض، فانتقض وَجَعل كأن لم يكن له، فكان حق الرد على البائع، ويسقط عنه جميع الثمن إلا قدر ما نقص بفعله. وإن كان بفعل أجنبي، فالمشْتَري بالخيار إن شاء رضي به بجميع الثَّمن واتبع الجاني بالأرش، وإن شاء ترك ويسقط عنه جميع الثمن، واتبع البائع الجاني بالأرش، كما إذا لم يجد المشتري بها عيباً. هذا إذا حدث النقصان قبل القَبْض، ثم وجد به عيباً، فأما إذا حَدَث بعد القبض، ثم وجد به عيباً فإن حدث بآفة سَمَاوية أو بفعل المبيع أو بفعل المشتري - لم يكن له أن يردّه بالعيب عند عامة العُلَماء، وقال مالك - رحمه الله -: له أن يرده ويرد معه أرش العيب الحادث. وجه قوله: أن حق الردّ بالعيب ثبت نظراً للمشْتَري، فلو امتنع إنما يمتنع نظراً للبائع، والمشتري باستحقاق النّظر أولى من البائع؛ لأنه لم يدلس العيب والبائع قد دلس. ٣٢٩ كتاب البيوع ولنا: أن شرط الرد أن يكون المردُود عند الردّ على الصفة التي كان عليها عند القبض ولم يوجد؛ لأنه خرج عن ملك البائع معيباً بعيب واحد، ويعود على ملكه معيباً بعيبين، فانعدم شرط الردّ فلا يرد، ولو كان المبيع جاريةٌ فوطئها المشتري، ثم اطّلع على عَيْب بها؛ فإن كانت بكراً لم يردها بالإجماع، وإن كانت ثيباً فكذلك عندنا، وقال الشَّافعي - رحمه الله -: ترد. وجه قوله: أنه وجد سبب ثبوت حق الردّ مع شرطه، وما بعد السبب وشرطه إلا الحكم، أما السبب فهو العيب وقد وجد. وأما الشرط: فهو أن يكون المردُود وقت الردّ كما كان وقت القَبْض، وقد وجد؛ لأن الوطء لا يوجب نقصان العين؛ إذ هو استيفاء مَنّافع البضع فأشبه الاستخدام، بخلاف وَطَء البكر، لأن العذرة عضو منها وقد أزالها بالوَطء. ولنا: أن منافع البُضْع لها حكم الأجزاء والأعيان، بدليل أنها مضمونة بالعين وغير العين لا يضْمَن بالعين هو الأصل، وإذا قام الدليل على أن المنافع لا تضمن بالإتلاف عندنا أصلاً، فكان استيفاؤها في حكم إتلاف الأجزاء والأعيان، فانعدم شرط الرد فيمْتَنع الرد كما إذا قطع طرفاً منها، وكما في وطء البكر بخلاف الاستخدام؛ لأنه استيفاء منفعة محضة ما لها حكم الجزء والعين، ولأنه لو رد الجارية وفسخ العقد رفع من الأصل من كل وجه أو من وجه، فتبين أن الوطء صادق ملك البائع من كل وجه أو من وجه، وأنه حَرَام فكان المنع من الرد طريق الصيانة عن الحرام، وأنه واجِبٌ. وعلى هذا يخرج ما قاله أبو حنيفة - رحمه الله - فيما إذا اشْتَرى رجلان شيئاً، ثم اطلعا على عَيْب به كان عند البائع - أنه لا ينفرد أحدهما بالفسخ دون صاحبه وعند أبي يوسف ومحمد: ينفرد أحدهما بالفسخ، وعلى هذا الخلاف لو اشتريا شيئاً على أنهما بالخيار فيه ثلاثة أيام أو اشْتَريا شيئاً لم يرياه. وجه قولهما: أنه رد المشتري كما اشْتَرى فيصح؛ كما إذا اشترى عبداً على أنه بالخيار في نصفه ثلاثة أيام فرد النّصف، ودلالة الوصف أنه اشْتَرى النصف؛ لأنهما لما اشتريا العبد جملة واحدة، كان كل واحدٍ منهما مشترياً نصفه وقد رد النصف، فقد رد ما اشْتَرى كما اشتری . ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أنه لم يوجد شَرْط الرد، وثبوت حق الرد عند انعدام شرطه ممتنع. والدليل على أنه لم يوجد شَرط الردّ أن الشرط أن يكون المردود على الوصف الذي كان مقبوضاً ولم يوجد؛ لأنه قَبضه غير معیب بعيب زائد، فلو رده لرده وهو معيب بعيب زائد وهو ٣٣٠ كتاب البيوع عيب الشّركة؛ لأن الشركة في الأعيان عيب؛ لأن نصف العين لا يشْتَرى بالثّمن الذي يشتري به لو لم يكن مشتركاً، فلم يوجد ردّ ما اشترى [كما اشترى](١) فلا يصح الردّ دفعاً للضَّرر عن البائع؛ ولهذا لو أوجب البائع البيع في عَبْدٍ لاثنين فقبل أحدهما دون الآخر - لم يصح؛ لأن البائع لم يرض بزوال ملكه إلا عن الجملة، فإذا قبل أحدهما دون الآخر فقد فرق الصفقة على ١٥٠/٣ ب البائع، فلم يصح دفعاً/ للضرر عنه، كذا هذا. وكذلك لو كان النُّقصان بفعل أَجنبي أو بفعل البائع، بأن قطع يده ووجب الأرش أو كانت جارية فوطئها، ووجَبَ العقر - لم يكن له أن يرد بالعيب لما قلنا ولمعنى آخر يختص به، وهو أن النُّقصان بفعل الأجنبي أو بفعل البائع يؤخذ الأرش والعقر للمشتري وأنه زيادة؛ ولهذا يمنع الردّ بالعيب على ما نَذْكره إن شاء الله تعالى. ولو اشترى مأكولاً في جوفه كالبطيخ والجوز والقِثَّاء والخيار والرمان والبيض ونحوها، فكسره فوجَدَه فاسداً ـ فهذا في الأصل لا يخلو عن أحد وجهين: إما أن وجده كله فاسداً، وإما أن وجد البعض فاسداً والبعض صحيحاً؛ فإن وجده كله فاسداً، فإن كان مما لا ينتفع به أصلاً فالمشْتَري يرجع على البائع بجميع الثمن؛ لأنه تبين أن البيع وقع باطلاً؛ لأنه بَيْع ما ليس بمال، وبيع ما ليس بمال لا ينعقد، كما إذا اشترى عبداً ثم تبيّن أنه حر. وإن كان مما يمكن الانْتِفَاع به في الجملة ليس - له أن يرده بالعيب عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله -: له أن یردَّه. وجه قوله: أنه لما باعه منه فقد سلَّطه على الكسر، فكان الكَشْر حاصلاً بتسليط البائع فلا يمنع الردّ. ولنا: ما ذكرنا فيما تقدَّم أن شرط الرد أن يكون المردُود وقت الرد على الوصفِ الذي كان عليه وَقْتِ القَبْض، ولم يوجد؛ لأنه تعيب بعيب زائد بالكسر، فلو رد عليه لردّ معيباً بعیبین فانعدم شرط الرد. وأما قوله: البائع سلَّطه على الكَسْر فنعم، لكن بمعنى أنه مكّنه من الكسر بإثبات الملك له، فيكون هو بالكَشْر متصرّفاً في ملك نفسه لا في ملك البائع بأمره؛ ليكون ذلك منه دلالة الرضا بالكَسْر. وإن وجد بعضه فاسداً دون البَغْض ينظر إن كان الفاسد كثيراً يرجع على البائع بجميع (١) سقط في ط. ٣٣١ كتاب البيوع الثمن؛ لأنه ظَهَرَ أن البيع وقع في القدر الفاسد باطلاً؛ لأنه تبين أنه ليس بمال، وإذا بطل في ذلك القَدْر يفسد في الباقي؛ كما إذا جمع بين حر وعبد وباعهما صفقة واحدة. وإن كان قليلاً فكذلك في القِيَاس، وفي الاستِخسان صح البيع في الكل، وليس له أن يرد ولا أن يرجع فيه بشيء؛ لأن قليل الفَسَاد فيه مما لا يمكن التحرز عنه؛ إذ هذه الأشياء في العادات لا تخلو عن قليل فَسَاد، فكان فيه ضرورة فيلتحق ذلك القدر العَدَم. ومن مشايخنا من فصل تفصيلاً آخر، فقال: إذا وجد كله فاسداً فإن لم يكن لقشره قيمة، فالبيع باطل؛ لأنه تبين أن باع ما ليس بمَال، وإن كان لقشره قيمة كالرمان ونحوه فالبيع لا يبطل؛ لأنه إذا كان لقشره قيمة كان القشر مالاً، ولكن البائع بالخيار إن شاء رضي به ناقصاً وقبل قشره وردّ جميع الثمن، وإن شاء لم يقبل، لأنه تعيب بعيب زائد ورد على المشتري حصَّة المعيب جبراً لحقه، وإن وجد بعضه فاسداً فعلى هذا التفصيل أيضاً؛ لأنه إن لم يكن لقشره قيمة رجع على البائع بحصَّته من الثمن، وإن كان لقشره قيمة رجع بحصة العيب دون القشر اعتباراً للبعض بالكلِّ، إلا إذا كان الفاسِد منه قليلاً قدر ما لا يخلو مثله عن مثله، فلا يردّ ولا يرجع بشيء، والله عز وجل أعلم. ومنها الزيادة المنْفَصلة المتولّدة من المبيع بعد القبض، وجملة الكَلام في الزيادة أنها لا تخلو إما أن حَدَثت قبل القبض، وإما أن حدثت بعده وكل واحدة من الزيادتين لا تخلو من أن تكون متَّصلة أو منفصلة، والمثَّصلة لا تخلو من أن تكون متولّدة من الأصل كالحسن وإجمال والكبر والسمن والسمع وانجلاء بياض إحدى العينين ونحو ذلك، أو غير متولّدة منه كالصبغ في الثَّوب والسمن أو العسل الملْتُوت بالسويق والبناء في الأرض ونحوها، وكذلك المنفصلة لا تخلو من أن تكون متولّدة من الأصل كالولد والثمرة واللبن ونحوها، أو غير متولدة من الأصل كالكَسْب والصدقة والغلة، والبيع لا يخْلُو إِما أن يكون صحيحاً أو فاسداً. أما الزيادة في البيع الفَاسِد، فحكمها نذكره في بيان حكم البيع الفَاسِد إن شاء الله تعالى. وأما في البيع الصَّحيح؛ فإن حدثت الزيادة قبل القبض، فإن كان متصلة/ متولدة من ١١٥١/٣ الأصل، فإنها لا تمنع الرد بالعَيْب، لأنَّ هذه الزيادة تابعة للأصل حقيقة لقيامها بالأصل، فكانت مبيعة تبعاً، والأصل أن ما كان تابعاً في العقد يكون تابعاً في الفسخ، لأن الفسخ رفع العَقْد فينفسخ العَقْد في الأصل بالفسخ فيه مقصوداً، وينفسخ في الزيادة تبعاً للانْفِساخ في الأصل. وإن كانت متصلة غير متولّدة من الأصل فإنها تمنع الرد بالعيب؛ لأن هذه الزيادة ليست بتابعَة بل هي أصل بنفسها . ٣٣٢ كتاب البيوع ألا ترى أنه لا يثبت حكم البيع فيها أصلاً ورأساً، فلو رد المبيع لكان لا يخلو إما أن يرده وحده بدون الزيادة، وإما أن يرده مع الزيادة لا سبيل إلى الأول؛ لأنه متعذر لتعذر الفصل، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن الزّيادة ليست بتابعة في العقد فلا تكون تابعة في الفَسْخ؛ ولأن المشتري صار قابضاً للمبيع بإحداث هذه الزيادة، فَصَار كأنها حدثت بعد القَبْض، وحدوثها بعد القبض يمنع الرد بالعيب، والله عز وجل أعلم. وإن كانت منفصلة متولّدة من الأصل لا تمنع الرد؛ فإن شاء المشتري ردهما جميعاً، وإن شاء رضي بهما بِجَمِيع الثَّمن بخلاف ما بعد القبض، عندنا: أنها تمنع الرد بالعيب، وسنذكر الفَرْق إن شاء الله تعالى، ولو لم يجد بالأضل عيباً ولكن وجد بالزيادة عيباً ليس له أن يردها؛ لأن هذه الزيادة قبل القَبْض مبيعة تبعاً، والمبيع تبعاً لا يحتمل فسخ العقد فيه مقصوداً، إلا إذا كان حُدُوث هذه الزيادة قبل القَبْض مما يوجب نقصاناً في المبيع كولد الجارية، فله خيار الرد لكن لا للزيادة بل للنُّقصان. ولو قبض الأصل والزيادة جميعاً، ثم وجد بالأصل عيباً . له أن يرده خاصة بحصته من الثمن بعد ما قسم الثمن على قدر الأصل وقت البيع، وعلى قيمة الزيادة وقت القبض، لأن الزيادة إنما تأخذ قسطاً من الثمن بالقبض، كذلك يعتبر قبضها وقت القبض. ولو لم يجد بالأضل عيباً ولكنه وجد بالزّيادة عيباً - فله أن يردّها خاصة بحصتها من الثمن؛ لأنه صار لها حصّة من الثَّمن بالقَبْض فيردها بحصتها من الثمن، فإن كانت الزيادة منفصلة من الأصل، فإنها لا تمنع الرد بالعيب، لأن هذه الزيادة ليست بمبيعة لانعدام ثبوت حكم البيع فيها، وإنما هي مملوكة بسبب على حدة أو بملك الأصل فبالرد ينفسخ العقد في الأصل، وتبقى الزيادة مملوكة بوجود سبب الملك فيه مقصوداً أو بملك الأصل لا بالبَيْع، فكانت ربحاً لا ربا لاختصاص الربا بالبيع؛ لأنه فضل مال قَصد استِخقاقه بالبيع في عرف الشرع ولم يوجد، ثم إذا رد الأصل فالزيادة تكون للمشتري بغير ثمن عند أبو حنيفة، لكنها لا تطيب له؛ لأنها حدثت على ملكه، إلا أنها رِبْح ما لم يضمن، فلا تطيب. وعند أبي يوسف ومحمد: الزيادة تَكُون للبائع لكنها لا تَطِيب له، وهذا إذا اختار المشتري الرد بالعيب؛ فإن رضي بالعَيْب واختار البيع، فالزيادة لا تطيب له بلا خلاف؛ لأنها ربح ما لم يضْمن، ونهى رسول الله - رَ﴿ - عن ذلك، ولأنها زيادة لا يقابلها عوض في عَقْد البيع، وأنه تفسير الربا. ولو قبض المشتري المبيع مع هذه الزّيادة، ثم وجد بالمبيع عيباً؛ فإن كانت الزيادة هالكة - له أن يرد المبيع خاصَّة بجميع الثَّمن بلا خلاف، وإن كانت قائمة فكذا عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: يرد معه الزّيادة. ٣٣٣ كتاب البيوع وجه قولهما: أن هذه زيادة حَدَثت(١) قبل القبض، فيردها مع الأصل، ولأبي حنيفة: أن هذه الزيادة لا تتبع الأصل في حكم العقد، فلا تتبعه على حكم الفسخ، ولو وجد بالزيادة عيباً ليس له أن يردّها، لأنه لا حصّة لهذه الزيادة من الثمن فلا تحتمل الرد بالعيب، لأنها لو ردّت لردّت بغير شيء. هذا إذا حدثت الزّيادة قبل القبض، فأما إذا حدثت بعد القبض؛ فإن كانت متصلة متولدة من الأصل، فإنها لا تمنع الردّ إن/ رضي المشْتَري بردها مع الأصل بلا خلاف؛ ١٥١/٣ب لأنها تابعة حقيقة وقت الفسخ، فبالردّ ينفسخ العَقْد في الأصل مقصوداً وينْفَسخ في الزيادة تبعاً . وإن أبى أن يرده وأراد أن يأخذ نُقْصان العيب من البائع، وأبى البائع إلا الرد مع العيب ودفع جميع الثمن، اختلف فيه: قال أبو حنيفة - رحمه الله - وأبو يوسف: للمشتري أن يأخذ نقصان العَيْب من البائع، وليس للبائع أن يأبى ذلك ويطلب الرد، ويقول: لا أغطِيك نُقْصان العيب، ولكن رد على المبيع معيباً لأدفع إليك جميع الثَّمن. وقال محمد - رحمه الله -: ليس للمشْتَري أن يرجع بالنقصان على البائع، إذا أبى ذلك، وللبائع أن يقول له: رد على المبيع حتى أرد إليك الثمن كله، ولقب المسألة أن الزيادة المتصلة المتولدة من الأصل بعد القبض، هل تَمْنع الرد بالعيب؟ إذا لم يرض صاحب الزيادة، وهو المشتري بردّ الزيادة ويريد الرُّجوع بنقصان العيب عندهما: يمنع، وعنده: لا يُمْنَع (٢). (١) في أ: حصلت. (٢) الزيادة نوعان زيادة ناشئة عن المبيع وزيادة ناشئة عن فعل المشتري بالمبيع. أما الأولى فخيل الكلام عليها إلى موضوع آثار له خيار العيب. وأما الثانية فتارة يفصل فيه مثلاً بتسبب عن زيادته ويكون من السهل انفصال هذه الزيادة بدون ما إحداث عيب به فهذه الزيادة للمشتري ولا تمنع الرد لكونه فصلها لا يحدث عيباً بالمبيع. وتارة يفعل فيه فعلاً تتسبب عنه الزيادة - في قيمة المبيع - ومع ذلك لا يمكن فصلها بدون إحداث عيب بالمبيع كأن يصيغ الثوب أو ينسج الغزل مثلاً . فهذه الزيادة هي التي تمنع الرد لأنه فصلها عن المبيع يحدث عيباً به وإبقاءها مع مشاركة البائع فيه مضرة له . هذا هو الحكم من حيث الجملة وأما تفصيل المذاهب فيه وبيان هل يجب للمشتري أرسن العيب؟ فهاك القول فيه. قالت الحنفية - الزيادة المذكورة تمنع الرد وللمشتري أرسن العيب. أما منع الرد فقد عللوه بعلتين - الأولى - أن الزيادة حق المشتري فلو ألزمناه بالرد إذا أراد البائع ذلك لكان إجباراً له على النزول عن حقه وهو غير جائز شرعاً سواء كان يعوض أو بغير عوض - والثانية - أن في الرد يلزم الربا أو شبهته أيضاً فلا يجوز = ٣٣٤ كتاب البيوع وأصل المسألة في النكاح: إذا ازداد المهر زيادة متّصلة متولدة من الأصل بعد القبض، ثم ورد الطلاق قبل الدخول - أنها هل تمنع التَّنْصيف؟ عندهما: تمنع وعليها نصف القِيمَة يوم قبضت وعنده لا تمنع، ونذكر المسألة في النكاح. وإن كانت مثَّصلة غير متولدة من الأصل تمنع الردّ بالإجماع، ويرجع بنقصان العيب لما ذكرنا أنه لو رد الأصل، فإما أن يردّه وحده، وإما أن يردّه مع الزيادة، والرد وحدَه لا يمكن، والزّيادة ليست بتابعة في العَقْد، فلا يمكن أن يجعلها تابعة في الفسخ إلا إذا تراضيًا على الرد؛ لحق الشارع كذلك. بيانه أن هذه الزيادة متصلة بالمبيع لا تنفصل وبالفسخ لا يمكن رد المبيع بدون = الزيادة لكونها لا تنفصل ولا رده مع الزيادة لأنها ليست مبيعة والفسخ لا يرد إلا على المبيع فلو ردت مع ذلك لكانت فضلاً مستحقاً في عقد معاوضة وهو الربا أو على الأقل شبهته. وفرعوا على ذلك. أنه لا يجوز للمشتري أن يرد المبيع متنازلاً عن حقه في الزيادة لأنها ليست متمحضة حقاً له. وأما وجوب أرسن العيب للمشتري مع أن منع الرد ناشىء عن فعله فقد عللوه بأنه منع الرد هنا ليس لمحض فعله بل للزيادة التي هي حق الشارع وإن كانت في الأصل ناشئة عن فعله . وبمثل قول الحنفية قالت الحنابلة في أصح الروايتين عندهم وإن كان منع الرد عندهم مراعى فيه مصلحة البائع لتضرره بالمشاركة إن ألزمناه قبول المبيع فكانت كعيب حدث عند المشتري. وإنما جاز له أن يرد مع بذل أرسن العيب الحادث لعدم المشاركة. وعلى هذا لو تنازل عن حقه في الزيادة جاز له الرد لعدم المشاركة. فاختلفوا مع الحنفية في التفريع لاختلافهم معهم من حيث التعليل وقالت المالكية - المشتري مخير بين الامساك مع المطالبة بالأرسن وبين الرد مع مشاركة البائع بمقدار الزيادة لأن منع الرد لحقه هو فله أن يمسك مع الأرسن وله أن يرد مع المشاركة . وقالت الشافعية - إن اتفقا بتراضيهما على الرد مع أخذ المشتري قيمة الزيادة أو مع تنازله عنها جاز قطعاً أو مع المشاركة بقيمة الزيادة جاز في الأصح وكذا لو اتفقا على أن يمسكه المشتري في إعطائه أرسن العيب جاز قطعاً. فإن اختلفا فأراد المشتري الامساك مع الأرسن وأراد البائع الرد مع بذل قيمة الزيادة فأيهما المجاب؟ قالت الشافعية: المجاب منهما هنا البائع لأنه الغارم في الحالين. والذي يتحصل من مذهب الشافعية أن الرد ممتنع قهراً لأنه إما مع المشاركة فيتضرر البائع وإما مع إلزام البائع بقيمة الزيادة فيكون معاوضة لا عن تراض وإما مع إلزام المشتري بالتنازل عنها فيكون إسقاطاً بالإكراه. فالرد عندهم مراعى فيه حق البائع تارة وحق المشتري تارة أخرى فجمع المتفرق في سائر المذاهب ((ملحوظة)) جعل الحنفية الزيادة المذكورة حقاً للشارع بناء على شبهة الربا التي قررناها ولم يتوافقهم غيرهم على رأيهم هذا لأن الربا الذي ورد الشرع بتحريمه إنما هو في العقود لا في المفسوخ. ينظر الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور. ٣٣٥ كتاب البيوع لأنه صار بمنزلة بيع جَدِيد، وإن كانت الزيادة متصلة(١) متولدة من الأصل، فإنها تمنع الردّ بالعَيْب عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله -: لا تمنع ويردّ الأصل بدون الزيادة؛ وكذلك هذه الزيادة تمنع الفسخ عندنا من الإقالة والرد بخيار الشّرط وخيار الرؤية. والكلام فيه مبني على أصل ذكرناه فيما تقدم، وهو أن الزيادة عندنا مبيعة تبعاً لثبوت حكم الأصل فيه تبعاً، وبالردّ بدون الزيادة ينْفَسِخ العقد في الأصل مقصوداً، وتبقى الزيادة في يد المشتري مبيعاً مقصوداً بلا ثَمَن ليستحق بالبيع، وهذا تفسير الربا في عرف الشرع بخلاف الزّيادة قبل القَبْض؛ لأنها لا ترد بدون الأصل أيضاً احترازاً عن الربا، بل تردّ مع الأصل، وردها مع الأصل لا يتضمن الربا ثم إنما لا يردّ الأصل مع الزيادة ههنا ورد هناك، أما امتناع رد الأصل بدون الزيادة، فلما قلنا أنه يؤدي إلى الربا. وأما ردّه مع الزيادة، فلأنه يؤدي إلى أن يكون الولد التَّابع بعد الرد ربح ما لم يضمن؛ لأنه ينفسخ العَقْد في الزيادة ويعود إلى البائع، ولم يصل إلى المشتري بمقابلته شيء من الثمن في الفَسْخ، لأنه لا حصة له من الثمن فكان الولد للبائع ربح ما لم يضمن؛ لأنه حصل في ضمان المشْتَري، فأما الولد قبل القبض فقد حصل في ضمان البائع، فلو انفسخ العقد فيه لا يَكُون ربح ما لم يضمن، بل ربح ما ضمن، وإن كانت منفصلة غير متولدة من الأصل - لا يَمْتَنع الرد بالعيب، ويرد الأصل على البائع، والزيادة للمشتري طيبة له؛ لما مرَّ أن هذه الزّيادة ليست بمبيعة أصلاً؛ لانعدام ثبوت حكم البيع فيها بل ملكت بسَبَب على حدة، فأمكن إثبات حكم الفسخ فيه بدون الزيادة، فيرد الأصل وينفسخ العقد فيه، وتبقى الزيادة مملوكة للمشتري بوجود سبب الملك فيها شرعاً فتطيب له. هذا إذا كانت الزّيادة قائمة في يد المشتري، فأما إذا كانت هالكة، فهلاكها لا يخلو من أن يكون بآفة سَمّاوية أو (٢) بفعل المشتري أو بفعل أجنبي، فإن كان بآفة سماوية - له أن يرد الأصل بالعيب، وتجعل الزّيادة كأنها لم تَكُن، وإن كان بفعل المشتري، فالبائع بالخيار إن شاء قبل وردّ جميع الثمن، وإن شاء لم يقبل ويرد نقصان العيب، سواء كان حدوث ذلك أوجب نُقْصاناً في الأصل أو لم يوجب نقصاناً فيه؛ لأن إتلاف الزيادة بمنزلة إتلاف جزء متَّصل بالأصل؛ لكونها متولّدة من الأصل، وذا يوجب/ الخيار للبائع، وإن كان بفعل أجنبي ليس له ١١٥٢/٣ أن يردّ؛ لأنه يجب ضمان الزيادة على الأجنبي، فيقوم الضمان مقام العين فكأن عينه قائمة، فيمتنع الرد ويرجع بنُقْصان العيب، والله عز وجل أعلم. (١) في ط: منفصلة. (٢) في ط: إن. ٣٣٦ كتاب البيوع وأما بيان ما يفسخ به العَقْد، فالكلام ههنا يقع في موضعين: أحدهما: في بیان ما ينفسخ به . والثاني: في بيان شرائط جَوَاز الفَسْخ. أما الأول فنوعان: اختياري وضَرُوري، فالاختياري نحو قوله: فسخته أو نقضته أو رددته، وما هو في معناه، والضَّروري هلاك المعقود عليه قبل القبض، وأما شرائط جواز الفَسْخ؛ فمنها سُقُوط الخيار؛ لأن البيع يلزم بسقوط الخيار فيخرج عن احتمال الفَسْخ. ومنها علم صاحبه بالفَسْخ بلا خلاف بين أصحابنا، سواء كان بعد القضاء أو قبله بخلاف خيار الشرط والرؤية، وهل يشْتَرط له القضاء أو الرضا إن كان قبل القبض لا يشترط له قضاء القاضي ولا رِضَا البائع، وإن كان بعد القبض يشترط له القَضَاء أو الرِّضا وقد ذكرنا الفرق فيما تقدم . ومنها ألاَّ يتضمن الفَسْخ تفريق الصفقة على البائع قبل التمام(١)، فإن تضمن لا يجوز إلا (١) إذا كانت الصفقة واحدة فتفرقت على المشتري بأنه تلف بعضها قبل القبض، أو ظهر أن بعضها مستحق، فهذا عيب يثبت للمشتري حق الرد، فقد لا يمكنه أن ينتفع بالصفقة على الوجه الأكمل إلا إذا كانت مجتمعة غير مفرقة. وقد يكون الباقي منها أنقض قيمة منه، إذا كان ملتئماً مع البعض التالف أو المستحق . وكما أن تفريقها على المشتري عيب يثبت له حق الرد، كذلك تفريقها على البائع بمنزلة عيب حدث عند المشتري، فيمنع منه، فيكون ليس له إلا إمساك الصفقة جميعها، أوردها كذلك، لأن العادة جرت بضم الجيد إلى الرديء ليباعا صفقة واحدة ترويجاً لسعر الرديء بسعر الجيد، فلو جوز للمشتري رد الرديء وحده لفات على البائع هذا الفرض المقصود عرفاً وعادة هذا كله متفق عليه من حيث المبدأ، وإن اختلفت المذاهب من حيث التطبيق باعتبار المعقود عليه فيما إذا كان واحداً أو متعدداً مثلياً أو متقوماً وباعتبار العيب فيما إذا كان وجه الصفقة، أي: معظمها أو لم يكن وجهها وباعتبار الجزء المستحق فيما إذا كان شائعاً أو معيناً، وهي اختلافات يطول شرحها، وكلها ترجع إلى أن تفريق الصفقة مطلقاً عيب، لأنه لا يخلو عن الضرر غالباً، كما هو مذهب الشافعية، أم ليس بعيب، حتى يتحقق هناك ضرر وجيه يستحق من أجله رفع العقد المبرم بينهما، كما هو مذهب الأئمة الثلاثة؛ وإن كانوا قيماً بينهم مختلفين في نوع هذا الضرر. فالحنابلة: يجعلون للمشتري الحق في رد المبيع وحده فيما لو تعدد المبيع، وكان غير مثلى وهو أيضاً قول في مذهب الشافعية. والحنفية: يفرقون بين تفريقها قبل تمام البيع، فيمنعونه، وبين تفريقها بعد التمام، فلا يمنعونه. والمالكية: يفرقون بين ما إذا كان المعيب وجه الصفقة، وإنه يرد الكل أو غير وجهها، فله رد المعيب وحده . وهكذا في تفضيلاً، يطول شرحها واستقصاؤها بَيْدَ أنَّ الواجب علينا هو أن تبين أن التفريق عيب يثبت هو = ٣٣٧ كتاب البيوع أن يرضى به البائع؛ لأن تفريق الصَّفقة على البائع قبل التمام إضرار به على ما نذكر، والضرر واجب الدفع ما أمكن إلا أن يرْضَى به البائع؛ لأن الضّرر المرضى به من جهة المتضرّر لا يجب دفعه . وعلى هذا يخرج ما إذا وجد المشتري المبيع معيباً، فأراد رد بعضه دون بعض قبل القبض، وجملة الكلام فيه: أن المبيع لا يخار إما أن يكون شيئاً واحداً حقيقة وتقديراً؛ كالعبد والثوب والدار والكلام والمكيل والموزون والمعْدُود المتقارب في وعاء واحد أو صبرة واحدة، وإما أن يكون أشياء متعدّدة؛ كالعَبْدين والثوبين والدابتين والمَكيل والموزون والمعدُود في وعاءين أو صبرتين، وكل شيئين ينتفع بأحدهما فيما وضع له بدون الآخر. وإما أن يكون شيئين حقيقة وشيئاً واحداً تقديراً؛ كالخفين والنعلين والمكعبين ومصراعي الباب، وكل شيء لا ينتفع بأحدهما فيما وضع له بدون الآخر، فلا يخلو إما أن يكون المشتري قبض كل المبيع، وإما أن لم يقبض شيئاً منه، وإما أن قبض البعض دون البعض، والحَادِث في المَبِيع لا يخلو إما أن يكون عيباً أو استحقاقاً، أما العَيْب فإن وجده ببعض المبيع قبل القبض لشيء منه - فالمشْتَري بالخيار إن شاء رَضِي بالكل ولَزِمه جميع الثمن، وإن شَاء ردّ الكل وليس له أن يردّ المعيب خاصة بحصته من الثمن، سواء كان المبيع شيئاً واحداً أو أشياء؛ لأن الصفقة لا تَمَام لها قبل القبض وتفريق الصفقة قبل تمامها باطل . والدليل على أن الصَّفقة لا تتم قبل القَبْض: أن الموجود قبل القبض أصل العقد والملك لا صفة التأكيد، ألا ترى أنه يحتَمل الانْفِسَاخ بهلاك المعقود عليه وهو أنه عدم التأكيد، وإذا قبض وقع الأمر عن الانْفِسَاخ بالهلاك، فكان حصول التّأكيد بالقبض، والتأكيد إثبات من وجه أوله شبهة الإثبات، وكذا ملك التَّصرف يقف على القَبْض، فيدل على نُقْصان الملك قبل القبض، ونقصان الملك دليل نقصان العقد. وكذا المشتري إذا وجد بالمَبيع عيباً ينفسخ البيع بنفس الردّ من غير الحاجة إلى قضاء القاضي، ولا إلى التراضي. الرد، وقد بيناه، وأما التفصيلات فتخيل القارئ بها على كتب المذاهب. = والمتبادر من كون الصفقة واحدة هو أن يشملها عقد واحد حقيقة وحكماً، فلو تعدد القصد حقيقة بأنه قال: بعتك هذا الشيء بكذا، فقال: قبلت، ثم قال: وبعتك هذا بكذا، فقبل أيضاً، فالمبيعان صفقتان، وإن اتحد العاقدان والاختلاف إنما هو فيما لو تعدد العقد حكماً كعقد واحد مشتمل على بيع وإجارة مثلاً، أو تعدد المبيع، وفصل الثمن باعتبار كل واحد مع أن العقد واحد أو تعدد كل من العاقدين، أو أحدهما. ينظر الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور. بدائع الصنائع ج٧ - م٢٢ ٣٣٨ كتاب البيوع ولو كانت الصفقة تامّة قبل القبض لما احتمل الانْفِساخ بنفس الرد كما بعد القبض، فيثبت بهذه الدَّلائل أن الصَّفقة ليست بتامة قبل القبض. والدليل على أنه لا يجوز تفريق الصَّفقة على البائع قبل تَمَامها - أن التفريق إضرار بالبائع، والضرر واجب الدفع ما أمكن، وبيان الضرر: أن المبيع لا يخلو إما أن يكون شيئاً واحداً، وإما أن يكون أشْيَاء حقيقة شيئاً واحداً تقديراً، والتفريق تضمن الشركة، والشركة في الأعيان عَيْب، فكان التَّفريق عيباً(١) وأنه عيب زائد لم يكن عند البائع فيتضرّر به البائع، وإن كان المَبيع أشياء فالتَّفريق يتضمن ضرراً آخر، وهو لزوم البَيْع في الجيد بثمن الرديء؛ لأن ضمن الرديء إلى الجيد والجمع بينهما في الصفقة من عادة التُّجار ترويجاً للرديء بواسطة ١٥٢/٣ ب الجيد؛ فمن الجائز/ أن يرى المشتري العَيْب بالرديء، فيرده فيلزم البيع في الجيد بثمن الرديء فيتضرر(٢) به البائع؛ فدلَّ أن في التفريق ضرراً فيجب دفعه ما أمكن؛ ولهذا لم يجز التفريق في القبول؛ بأن أضاف (٣) الإيجاب إلى جملة، فقبل المشتري في البعض دون البعض دفعاً للضَّرر عن البَائِع بلزوم حكم البيع في البعض من غير إضافة الإيجاب إليه؛ لأنه ما أوْجَب البيع إلا في الجملة، فلا يصح القبول إلا في الجملة؛ لئلا يزُول مِلْكه من غير إزالته فيتضرر به. على أن تمام الصَّفقة لما تعلّق بالقبض كان القَبْض في معنى القبول من وجه، فكان رد البعض وقَبْض البعض تفريقاً في القبول من وَجْه، فلا يملك إلا أن يرضى البائع برد المَعيب عليه، فيأخذه ويدفع حصته من الثمن فيجوز، ويأخذ المشتري الباقي بحصته من الثمن؛ لأن امتناع الرد كان لدفع الضَّرر عنه نظراً له، فإذا رضي به فلم ينظر لنفسه . وإن كان المشْتَري قبض بعض المبيع دون البعض، فوجد ببعضه عيباً فكذلك لا يملك رد المعيب خاصّة بحصته من الثَّمن، سواء كان المبيع شيئاً واحداً أو أشياء، وسواء وجد العَيْب بغير المقْبُوض أو بالمقبوض في ظاهر الرواية؛ لأن الصفقة لا تتم إلا بقَبْض جميع المعقُود عليه، فكان رد البعض دون البعض تفريق الصفقة قبل التمام وأنه بَاطِل. وروي عن أبي يوسف: أنه إذا وجد العَيْب بغير المقبوض فكذلك؛ فأما إذا وجد بالمقبوض، فله أن يرده خاصة بحصته من الثَّمن، فهو نظر إلى المعيب منهما أيهما كان، واعتبر الآخر به؛ فإن كان المَعِيب غير المقبوض، اعتبر الآخر غير مقبوض، فكأنهما لم يقبضا جميعاً، وإِن كان المَعِيب مقبوضاً اعتبر الآخر مقبوضاً، فكأنه قَبَضَهما جميعاً، لكن هذا الاغتِبار ليس بسديد؛ لأنه في حد التعارض؛ إذ ليس اعتبار غير المعيب بالمَعِيب في القبض، (١) في ط: عينها. (٣) في ط: أصاب. (٢) في ط: فيضرر. ٣٣٩ كتاب البيوع وعدمه أولى من اعتبار المعيب بغير المعيب في القبض، بل هذا أولى؛ لأن الأصلَ عدم القبض والعمل بالأصل عند التعارض أولى. هذا إذا كان المشتري لم يقبض شيئاً المبيع، أو قبض البعض دون البعض؛ فإن كان قبض الكل ثم وجد به عيباً، فإن كان المَبِيع شيئاً واحداً حقيقة وتقديراً، فكذلك الجواب أن المشتري إن شاء رَضِي بالكل بكل الثمن، وإن شاء رد الكل واسترد جميع الثمن، وليس له أن يرد قدر المعيب خاصة بحصته من الثمن؛ لما ذكرنا أن فيه إلزام عَيْب الشركة، وأنها عيب حادث مانع من الرد. وإن كان أشياء حقيقة شيئاً واحداً تقديراً فكذلك؛ لأن إفراد أحدهما بالرد إضرار بالبائع؛ إذ لا يُمْكِن الانتفاع بأحدهما فيما وضع له بدون الآخر، فكانا فيما وضعا له من المنفعة كَشَيء واحد، فكان المبيع شيئاً واحداً من حيث المعنى، فبالردّ تثبت الشركة من حَيْث المعنى والشّركة في الأعيان عيب، وإذا كان لا يمكن الانتفاع بأحدهما بدون صاحبه فيما وضع له - كان التفريق تعييباً، فيعود المبيع إلى البائع بعَيْب زائد حادث لم يكن عنده، وإن كان أشياء حقيقة وتقديراً، فليس له أن يرد الكل إلا عند التَّراضي، وله أن يردّ المعيب خاصة بحصَّته من الثَّمن عند أضْحَابنا الثلاثة، وعند زفر والشافعي - رحمهما الله -: ليس له ذلك، بل يردهما أو يُمسکھما . وجه قولهما: أن في التَّفريق بينهما في الرد إضراراً بالبائع؛ لما ذكرنا أن ضم الرديء إلى الجيد في البيع من عادة التّجار؛ ليروج الرديء بواسطة الجيد، وقد يكون العيب بالرديء فيرده على البَائِع، ويلزمه البيع في الجيّد بثمن الرديء، وهذا إضرار بالبائع، ولهذا امتنع الردّ قبل القَبْض فكذا هذا. ولنا: أن ما ثبت له حق الردّ وجد في أحدهما، فكان له أن يردّ أحدهما؛ وهذا لأن حق الرد إنما يثبت لفوات السَّلامة المشروطة في العقد دلالة، والثابتة مقتضى العقد على ما بينا، والسلامة فَاتَت في أحدهما فكان له رده خاصة، فلو امتنع الرد إنما يمتنع لتضمُّنه تفريق الصفقة، وتفريق الصَّفقة باطل قبل التمام لا بعده، والصَّفقة قد تمت بقَبْضهما فزال المانع. وأما قولهما: يتضرر البائع برد الرَّديء خاصة فنعم، لكن هذا ضرر مرضي به من جهته؛ لأن إقدامه على بيع المَعِيب وتدليس العيب، مع علمه أن الظاهر من حال المشتري - أنه لا يرضى بالعَيْب دلالة الرضى بالرد، بخلاف ما قبل / القبض؛ لأنه لا تمام للعقد قبل القبض، ١١٥٣/٣ فلا يكون قَبْل القَبْض دلالة الرضا بالرد، فكان الرد ضرراً غير مرضي به فيجب دفعه، وهذا بخلاف خِيَار الشرط وخيار الرؤية أن المشتري لا يملك رد البعض دون البعض، سواء قبض الكل أو لم يقبض شيئاً أو قبض البعض دون البعض، وسواء كان المعْقُود عليه شيئاً واحداً أو ٣٤٠ كتاب البيوع أشياء؛ لأن خيار الشرط والرؤية يمنع تمام الصَّفقة؛ بدليل أنه يرده بغير قضاء ولا رضا، سواء كان قبل القبض أو بعده. ولو تمت الصفقة لما احتمل الرد إلا بقَضَاء القاضي أو التراضي، دل أن هذا الخيار يمنع تمام الصفقة، ولا يجوز تَفْريق الصفقة قبل التمام وههنا بخلافه، ولو قال المشْتَري: أنا أمسك المَعِيب وآخذ النقصان - ليس له ذلك؛ لأن قوله: أمسك المَعِيب دلالة الرضا بالمعيب، وأنه يمنع الرجوع بالنقصان . وكذلك لو كان المبيع أشياء فوجَدَ بالكل عيباً، فأراد رد البعض دون البعض - أن المردود إن كان مما لو كان العَيْب به وحده، لكان له ردِ وحده كالعبدين والثوبين فله ذلك؛ لأنه إذا أمْسَك البعض فقد رضي بعيبه، فبطل حق الرد فيه، لأنه تبين أن صفة السَّلامة لم تكن مَشْرُوطة ولا مستحقة بالعقد فيه، فصار كأنه كان صحيحاً في الأصل ووجد بالآخر عيباً فيرده؛ وإن كان المردود مما لو كان العَيْب به وخدَه، لكان لا يرده كالخفين والنعلين ونحوهما - ليس له ذلك؛ لما ذكرنا أن التَّفريق بينهما تعييب. ولو اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيباً قبل القَبْض، فقبض المعيب وهو عالم بالعيب - لم يكن له أن يرد وسقط خِيَاره ولزمه العَبْدان؛ لأن قبض المعيب مع العلم بالعيب دليل الرضا، وللقبض شبه بالعَقْد فكان الرضا به عند القبض كالرضا به عند العقد. ولو رَضِي به عند العقد يسقط خياره فلزماه جميعاً كذا هذا، ولو قبض الصَّحيح منهما؛ ولو كانا معيبين فقبض أحدهما لم يسْقُط خياره؛ لأنه قبض بعض المعقود عليه، والصَّفقة لا تتم بقبض بعض المعقود عليه، وإنما تتم بقبض الكل؛ فلو لزمه العقد في المقْبُوض دون الآخر، لتفرقت الصَّفقة على البائع قبل التمام، وتفريق الصفقة قبل التَّمام باطل، ولا يمكن إسْقَاط حقّه عن غير المقبوض؛ لأنه لم يرض به، فبقي له الخيار على ما كان والله عز وجل أعلم. وأما الاستحقاق؛ فإن استحقَّ بعض المعقود عليه قبل القبض، ولم يجز المستحق بطل العقد في القدر المستحق؛ لأنَّه تبين أن ذلك القدر لم يكن ملك البائع، ولم توجد الإجازة من المالك فبطل، وللمشْتَري الخيار في الباقي إن شاء رضي به بحصته من الثمن، وإن شاء رده، سواء كان استِخْقَاق ما استحقه يوجب العيب في الباقي أو لا يوجب؟ لأنه إذا لم يرضَ المستحق فقد تفرقت الصفقة على المشتري قبل التمام، فصار (١) كعيب ظهر بالسِّلعة قبل القبض، وذلك يوجب الخيار فكذا هذا. (١) في أ: فكان.