النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب البيوع
الملك فيه، فلا يصير به قابضاً؛ وكذا لو أقر عليه بالدين فالقياس أن يصير قابضاً؛ لأن الدين
عيب حتى يرد به، وفي الاسْتِخسَان لا يصير قابضاً؛ لأنه تعييب حكمي، وأنه لا يوجب
النقصان فلا يكون قبضاً .
ولو وطئها الزوج في يد البائع، صار المشْتَري قابضاً؛ لأن الوطء إثبات اليد على
الموطوءة، وأنه حصل من الزوج بتَسْلِيط المشتري، فكان من حيث إنه إثبات اليد مضافاً إلى
المشتري، فكان قابضاً من المشتري.
ولو أعار المشتري المبيع للبايع أو أودعه أو آجره، لم يكن شيء من ذلك قبضاً، لأن
هذه التصرُّفات لم تصح من المشتري؛ لأن يد الحبس بطريق الأصالة ثابتة البايع، فلا يتصور
إِثْبَات يد النيابة له بهذه التَّصرفات، فلم تصحّ والتحقت بالعدم، ولو أعاره أو أودعه أجنبياً صار
قابضاً؛ لأن الإِعَارَة والإيداع إياه صحيح، فققد أثبت يد النيابة لغيره فَصَار قابضاً.
ولو أرسل المشتري العبد المبيع إلى حاجة صار قابضاً؛ لأن إرساله في الحاجة استعمال
له، بدليل أنه صار [راضياً به] (١)، واستعماله إياه إثبات يده عليه وهو معنى القبض.
ولو جنى أجنبي على المبيع، فاختار المشتري اتباع الجاني بالضمان - كان اختياره بمنزلة
القبض عند أبي يوسف، وعند محمّد: لا يكون حتى لو نوى الضمان على الجاني بأن مات
مفلساً، كان التوي على المشتري، ولا يبطل البَيْعُ عند أبي يوسف ويتقرر عليه الثمن، وعند
محمد: يبطل البيع والتوي على البائع، ويسقط الثمن عن المشتري.
وكذا لو استبدل المشتري الضمان ليأخذ/ مكانه من الجاني شيئاً آخر، جاز عند أبي ١٢٨/٣ ب
يوسف، وعند محمد: لا يجوز؛ لأن هذا تصرُّف في المعقود عليه قبل القبض، لأن القيمة
قائمة مقام العَيْن المستهلكة، والتصرُّف في المعقود عليه قبل القبض لا يجوز، لا من البائع ولا
من غيره.
وكذا المبيع إذا كان مصوغاً من فضة اشتراها بدينار، فاستهلك المصوغ أجنبي قبل
القبض، فاختار المشتري أن يتبع الجاني بالضَّمان، ونقد الدينار البائع فافترقا قبل قبض ضمان
المستهلك - لا يبطل الصَّرف بينهما عند أبي يوسف؛ لأن اختياره تَضمين المستهلك بمنزلة
القبض عنده، وعند محمد يبطُل الصرف لعدم القبض.
وجه قول محمد: أن الضَّمان حكم العَيْن، لأنَّ قيمة العين قائمة مقامها؛ ولهذا بقي
(١) في أ: غاصباً له.
بدائع الصنائع ج٧ - م١٦

٢٤٢
کتاب البيوع
العقد على القيمة بعد استهلاك العين، ثم العين لو كانت قائمة فهلكت قبل القبض كان الهَلاك
على البائع ويبْطُل البيع ويسقط الثمن عن المشتري، فكذا القيمة ولأبي يوسف: أن جناية
الأجنبي حَصَلت بإذن المشْتَري وأمره دلالة، فيصير قابضاً كما لو فعل بنفسه.
وبيان ذلك: أن اختيار المشتري اتباع الجاني بالضَّمان تمليك من المضْمُون؛ لأن
المضمونات تملك باختيار الضمان مستنداً إلى وقت سبب الضَّمان، فيصير كأن الجناية حصلت
بأمر المشتري فيصير قابضاً؛ لأن فعل الأجنبي بأمرِ المشتري بمنزلة فعل المشتري بنفسه.
ولو أمر المشتري البائع أن يَعْمل في المبيع عملاً؛ فإن كان عملاً لا ينقصه كالقصارة والغسل
بأجر أو بغير أجر، لا يَصِير قابضاً؛ لأن التصرف الذي لا يوجب نقصان المحل مما يملكه البائع
باليد الثابتة؛ كما إذا نَقَّله من مكان إلى مكان، فكان الأمر به استيفاء لملك اليد، فلا يصير به قابضاً
وتجب الأجرة على المشتري إِن كان بأجر؛ لأن الإجارة قد صحت؛ لأن العمل على البَائِع ليس
بوَاجِب، فجاز أن تقابله الأجرة، وإِن كان عملاً ینقصه یصیر قابضاً؛ لأن تنقصه إتلاف جزء منه،
وقد حَصَل بأمره فكان مضافاً إليه كأنه فعله بنفسه، والله عز وجل أعلم.
وعلى هذا يخرج ما إذا أَسْلَمَ في كر حنطة، فلما حل الأجل أمر رب السلم المسلم إليه
أن يكيله في غرائر (١) المسلم إِليه، أو دفع إليه غرائره وأمره أن يكيله فيها ففعل - أنه إِن كان
ربّ السلم حاضراً يصير قابضاً بالتخلية، وإن كان غائباً لا يصير قابضاً؛ لأن الحنطة التي يكيلها
المُسلم إليه ملكه لا ملك رب السلم؛ لأن حقه في الدين لا في العين، فلم يصح أمر المشتري
إياه بكيلها، فلم يصر وكيلاً له فلا تصير يده يد رب السلم، سواء كانت الغرائر للمسلم إليه أو
لرب السلم؛ لأن يد رب السلم عن الغرائر قد زالت، فإذا كال فيها الحِنْطة لم تصر في يد ربّ
السلم فلا يصير قابضاً؛ وكذا لو استقرض من رجل كراً، ودفع إليه غرائره ليكيله فيها ففعل
وهو غائب - لا يصير قابضاً؛ لأن القرض لا يملك قبل القبض، فكان الكُر على ملك
المقرض، فلم يصح أمر المستقرض إياه بكيله، فلا يصير وكيلاً له، فلا تصير يده يد
المستقرض كما في السلم.
ولو اشترى من إنسان كراً بعينه وَدفع غرائره، وأمره بأن يكيل فيها ففعل - صار قابضاً،
سواء كان المشتري حاضراً أو غائباً؛ لأن المعقود عليه معين وقد ملكه المشتري بنفس العقد،
فصح أمر المشتري؛ لأنه تناول عيناً هو ملکه فصحَّ أمره، وصار البائع وکیلاً له وصارت یده ید
المشْتَري؛ وكذلك الطّحن إذا طحنه المسلم إليه بأمر رب السلم، لم يصر قابضاً.
(١) غرائر: واحدها: غرارة؛ وهي الجوالق.

٢٤٣
کتاب البيوع
ولو طحنه البائع بأمر المشتري صار قابضاً؛ لأن الطَّحن بمنزلة الكيل في الغرائر، ولو
استعار المشتري من البائع غرائره وأمره بأن يكيله فيها ففعل؛ فإن كان المشتري حاضراً يصير
قابضاً بالتخلي بالإجماع؛ وإن كان غائباً لا يصير قابضاً عند محمد ما لم يسلم الغرائر إليه،
سواء كانت الغرائر بغير عينها أو بعينها. وقال أبو يوسف: إن كانت بعينها، صار المشتري
قابضاً بنفس الكيل فيها؛ وإن كانت بغير عينها بأن قال: أعرني غرارة وكل فيها، ولا يصير
قابضاً.
وجه قول محمد: أن الغرائر عارية في الوَجْهَين جميعاً ولم يقبضها، والعارية لا حكم لها
بدون القَبْض، فبقيت في يَدِ البائع، فَبَقِي ما فيها في يد البائع أيضاً، فلا يصير [في يد المشتري
قابضاً إلا بتسليم الغرائر إليه].
ولأبي يوسف: الفَرْق بين حالة التعيين وعدم/ التعيين؛ وهو أن الغرائر إذا كانت معينة ١١٢٩/٣
مشاراً إليها، فإن لم يمكن تَضْحِيح التَّعیین من حيث كونه استعارة يمكن تصحيحه من حيث
إقامتها مقام يده، وإِذا لم تكن متعينة فلا وجه للإعارة بوجه، وقول محمد أظهَر والله عز وجل
أعلم.
ولو اشترى كراً بعينه، وله على البائع كُر دين، فأعْطَاه جوالقاً وقال له: كلهما فيه ففعل -
صار قابضاً لهما، سواء كان المبيع أولاً أو الدين، وهذا قول أبي يوسف. وقال محمد: إن
كان المبيع أولاً، يصير قَابِضاً لهما كما قال أبو يوسف؛ وإِن كان الدين أولاً، لم يصر قابضاً
للدين، وكان قابضاً للعين وكانا شركين فيه.
وجه قول محمد: أن نفس الكيل في الدّين ليس بقبض لما ذكرنا، فإذا بدأ بكيله لم يصر
المشتري قابضاً له، فإذا كاله بعده فقد خلط ملك المشْتَري بملك نفسه، فيشتركان في
المخلوط، ونفس الكيل في العين قبض، فإذا بدأ بكيله صار المشتري قابضاً له، ثم إذا كان
الدين بعده فقد اسْتَهلك العين بالخلط، فقام ذلك الدين مقام العين فصار قابضاً له.
وجه قول أبي يوسف: أن البائع خلط ملك المشْتَري بملك نفسه في الحال بأمر
المشتري، فكان مضافاً إلى المشتري، والخلط من أسْبَاب التملُّك في الجملة، فيملك المشتري
الذّين بالخَلْط، وقد جعله في غرائره بأمره فَصَار قابضاً له، والله عز وجل أعلم.
ولو باع قطناً في فِرَاش أو حِنْطَة في سنبل، وسلم كذلك؛ فإن أمكن المشتري قبض
القطن أو الحنطة من غير فتق الفراش أو دق السنبل - سار قابضاً له؛ لحصول معنى القبض وهو
التخلي والتمكن من التصرُّف؛ وإِن لم يمكنه إلا بالفتق والدق، لم يصر قابضاً له؛ لأنه لا
يملك الفتق أو الدق؛ لأنه تصرُّف في ملك البائع وهو لا يملك التصرف في ملكه، فلم يحصل

٢٤٤
كتاب البيوع
التمكن والتخلي فلا يصير قابضاً. ولو باع الثمرة على الشجرة وسلم كذلك، صار قابضاً؛ لأنه
يمكنه الجذاذ من غير تصرّف في ملك البائع، فحصل التخلي بتسليم الشجر، فكان قبضاً،
بخلاف بيع القطن في الفِرَاش والحنطة في السُّنبل؛ ولهذا قالوا: إن أجرة الجذاذ على المشتري
وأجرة الفتق والدق على البائع إذا كان المشْتَري لا يمكنه القبض إلا به؛ لأنه صار قابضاً للثمن
بتسليم الشجر، فكان الجاذّ عاملاً للمشْتَري، فكانت الأُخْرة عليه، ولم يحصل القَبْض بتَسْليم
الفِراش والسنبل، فكان الفتق والدق على البائع مما يتحقق به التسليم، فكانت أجْرَته عليه.
هذا إذا كان المبيع في يد البائع وقت البيع؛ فأما إذا كان في يد المشتري فهل يصير
قابضاً للمبيع(١) بنفس العقد أم يحتاج فيه إلى تجديد القَبْض؟ فالأصل فيه أن الموجود وقت
العقد إن كان مثل المستحق بالعقد، ينوب منابه؛ وإن لم يكن مثله؛ فإن كان أقوى من
المستحق ناب عنه، وإن كان دُونه لا ينُوب؛ لأنه إذا كان مثله أمكن تحقيق التناوب؛ لأن
المتماثلين غير أن ينوب كل واحد منهما مناب صاحبه ويسد مسده، وإن كان أقوى منه يوجد
فيه المستحق وزيادة، وإن كان دونه لا يوجد فيه إلا بعض المستحقّ فلا ينُوب عن کله.
وبيان ذلك في مسائل، وجملة الكلام فيها: أن يد المشتري قبل الشراء إما أن كانت يد
ضمان، وإما أن كانت يد أمانة؛ فإن كانت ید ضمان، فإما أن كانت يد ضمان بنفسه وإما أن كانت ید
ضمان بغيره؛ فإن كانت يد ضمان بنفسه كيد الغاصب] يصير المشتري قابضاً للمَبِيع بنفس العقد،
ولا يحتاج إلى تجديد القبض، سواء كان المبيع حاضراً أو غائباً؛ لأن المغضوب مضْمُون بنفسه،
والمبيع بعد القبض مضمون بنفسه، فتجانس القبضَان فَنَاب أحدهما عن الآخر؛ لأن التجانس
يقتضي التشابه، والمُتَشابهان ينوُب كل واحد منهما مناب صاحبه ويسد مسده، سواء كان المبيع
حاضراً أو غائباً؛ لأن يد الغَاصِب فى الحالين يد ضمان، وإن كانت يده يد ضمان لغيره كيد الرهن،
بأن باع الراهن المزْهُون من المرتَهن فإنه لا يصير قابضاً، إلا أن يكون الرَّهن حاضراً أو يذهب إلى
حَيْث الرهن ويتمكن من قبضه؛ لأن المرهون ليس بمَضْمون بِنَفْسه بل بغيره وهو الدين والمبيع
مضمون بنفسه فلم يتَجَانس القبضان فلم يتشابها، فلا ينوب أحدهما عن الآخر؛ ولأن الرهن أمانة
في الحقيقة فكان قَبْضه قبض أمانة، وإنما يسقط الدين بهلاكه لمعنى آخر، لا لكونه مَضْموناً على ما
عرف، وإذا كان أمانة فقبض الأمانة لا ينوب عن قبض الضمان؛ كقبض العَارِية والوديعة .
وإن كانت يد المشْتَري يد أمانة كيد الوديعة/ والعارية، لا يصير قابضاً إلا أن يكون
بحضرته، أو يذهب إلى حيث يتمكّن من قبضه بالتخلي؛ لأن يد الأمانة ليست من جنس يد
الضمان، فلا يَتَناوبان والله عز وجل أعلم.
١٢٩/٣ ب
(١) في ط: للبيع.

٢٤٥
كتاب البيوع
ولو اختلف البائع والمشتري في قَبْض المبيع، فقال البائع: قبضته، وقال المشتري: لم
أقبضه - فالقول قول المشتري؛ لأن البائع يدَّعي عليه وجود القبض وتقرر الثمن وهو ينكر؛
ولأن عدم القبض أصل والوجود عَارِض، فكان المشتري متمسكاً بالأصل والبائع يدعي أمراً
عارضاً، فكان الظَّاهر شاهداً للمشتري، فكان القول قوله مع یمینه.
وكذا إذا قبض بعضه واختلفا في قدر المقبوض، فالقول قول المشْتَري لما قلنا. ولو
اختلفا في قبض الثمن، فالقول قول البائع؛ لما قلنا في قبض المبيع والله أعلم.
ولو اخْتَلفا فقال البائع للمشْتَري: قطعت يده فصرت قابضاً، وقال المشتري للبائع: أنت
قطعت يده وانفسخ البيع فيه - لم يقبل قول كلٌّ واحدٍ منهما على صاحبه، ويجعل كأن يده
ذهبت بآفة سماوية؛ لتعارض الدعوتين وانعدام دليل الترجيح لأحدهما، فلا يكون قول أحدهما
بالقبول على صَاحِبه أولى من قول الآخر؛ فلا يقبل، ويجعل كأنها ذهبت بآفة سماوية، ويخير
المشتري لتغير المبيع قبل القبض؛ فإن شاء أخذ الباقي بجميع الثمن، وإن شاء ردّه على البائع؛
فإن اختار الأخذ، يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه ويأخذ، كذا ذكر القدوري -
رحمه الله - في شرحه .
أما تحليف البائع فلا إشْكَال فيه؛ لأن المشتري يدَّعي عليه سقوط بعض الثمن وهو ينكر
فيحلف؛ لأنه إذا حلف لا يسْقُط عن المشْتَري شيء من الثمن، فكان تحليفه مفيداً.
وأما تحليف المشتري فمشكل؛ لأنه لا يفيد شيئاً؛ لأنه يأخذه بعد الحلف بكل الثمن،
وهذا فيما إذا اختار المشتري الرد على البائع؛ لأنه لا يخلِف البائع بل يحلف المشتري وحده؛
لأن تحليف البائع لا يفيده شيئاً حيث يردّه عليه. وكذلك لو كان المبيع مما يكال أو يوزن
فَذَهب بعضه فاختلفا، فقال البائع للمشتري: أنت أكلت، وقال المشتري للبائع: مثل ذلك - أنه
لا يقبل قول واحد منهما على صاحبه، ويجعل كأنه ذَهَب بعضه بآفة سماوية لما قلنا، ويخير
المشتري لتفرق الصفقة، إلا أن هناك إِن اختار الأخذ أخذ الباقي بما بقي من الثمن؛ لأن القدر
في المَكِيل والموزُون معقود عليه، فكان له حصة من الثمن، والأطراف من الحيوان جارية
مجرى الأوصاف، فلا يقابلها الثّمن إلا إذا صارت مقصودة بالقبض أو بالجناية على ما بينا فيما
تقدم.
وذكر القدوري - رحمه الله - ههنا أيضاً أنه يحلف كل واحدٍ منهما على دعوى صاحبه
ويأخذ، ولا إشكال ههنا في تحليف المشتري؛ لأن التَّحليف مُفِيد في حقه؛ لأن البائع يدَّعي
عليه كل الثَّمن وهو ينكر، فيندفع عنه لزوم كل الثمن بالحلف فكان مفيداً، وأما تحليف البائع
ففيه إشكال؛ لأن المشْتَري يدعي عليه سقوط بعض الثمن، وذا حاصل له من غير تحليفه، فلم
يكن تحليفه مُفِيداً في حقه فينبغي ألاَّ يحلف؛ وإن اختار الرّد على البائع حلف المشْتَري وحده

٢٤٦
كتاب البيوع
دون البائع لما قلنا؛ فإن أقام أحدهما البينة قبلت بينته؛ لأنها قامت على أمر جائز الوجود، وإن
أقاما البينة فالبينة بينة البائع؛ لأنها مثبتة، ألا ترى أنها توجب دخول السلعة في ضمان
المشتري، وتقرر الثمن عليه، وبينة المشْتَري نافية فالمثبتة أولى، والله عز وجل أعلم.
ومنها: ثبوت حقّ الحبس للمَبِيع لاستيفاء الثمن وهذا عندنا.
وقال الشافعي - رحمه الله - في قول: يسلمان معاً، وفي قول: يسلم المبيع أولاً ثم
يسلم الثمن؛ أما قوله الأول فبناء على أصله الذي ذكرنا فيما تقدم، وهو أن الثَّمن والمبيع من
الأسماء المترادفة عنده، ويتعين كل واحد منهما بالتعيين، فكان كلُّ ثمن مبيعاً، وكل مبيعاً
ثمناً.
وأما قوله الثاني وهو أن في تقديم تسليم المبيع صيانة العقد عن الانفساخ بهلاك المبيع،
وليس ذلك في تقديم تَسْلِيم الثمن؛ لأنه لو هلك المبيع قبل القبض ينفسخ العقد وإِن قبض
الثمن، فكان تقديم تسليم المَبِيع أولى صِيَانة للعقد عن الانفساخ ما أمكن.
ولنا: قوله - عليه الصّلاة والسلام -: ((الدَّيْنُ مَقْضِيٍّ)) (١) وصف - عليه الصّلاة والسلام -
الدين بكونه مقضياً عاماً أو مطلقاً؛ فلو تأخّر تَسْليم الثمن عن تسليم المبيع، لم يكن هذا
٣/ ١٣٠أ الدَّين/ مقضياً وهذا خلاف النَّص.
وروي عن النَّبي - عليه الصّلاة والسلام - أنه قال: ((ثَلاَثٌ لاَ يُؤَخَّزْنَ: الجَنَازَةُ إِذَا
حَضَرَتْ، وَالْأَيُّمُ إِذَا وَجَدَتْ لَهَا كُفْوْاً، والدَّيْنُ إِذَا وَجَدتَّ مَا يَقْضِيهِ»(٢) وتقديم تَسْليم المبيع
تأخير الدين، وأنه منفي بظاهر النص؛ ولأن المعاوضات مبناها على المساواة عادة وحقيقة،
ولا تتحقَّق المسَاوَاة إلا بتقديم تسليم الثمن؛ لأن المبيع متعين قبل التسليم، والثمن لا يتعين
إلا بالتسليم على أصلنا، فلا بد من تسليمه أولاً تحقيقاً للمساواة.
(١) أخرجه أبو داود (٨٢٤/٣) كتاب البيوع والإجارات: باب في تضمن العارية حديث (٣٥٦٥) والترمذي
(٥٦٥/٣) كتاب البيوع: باب العارية مؤداه حديث (١٢٦٥) وابن ماجة (٨٠٤/٢) كتاب الصدقات: باب
الكفالة حديث (٢٤٠٥) وأحمد (٢٦٧/٥) والطيالسي (١١٢٦) وعبد الرزاق (١٧٣/٨) رقم (١٤٧٦٧)
وابن أبي شيبة (٧/ ٢٠٠) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (١٠٢٣) والدارقطني (٤١/٣) كتاب البيوع
حديث (١٦٦) وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٢٨١/٢) والبيهقي (٨٨/٦) كتاب العارية: باب العارية
مؤداه والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٦٤/١) والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٦٩/٤ - بتحقيقنا) كلهم من
طريق إسماعيل بن عياش ئنا شرحبيل بن مسلم قال: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله (ص 84* يقول
في خطبة الوداع: العارية مؤداه والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم.
وقال الترمذي: حديث حسن.
(٢) تقدم.

٢٤٧
كتاب البيوع
وقوله: فيما قلتَ صِيّانة للعقد عن الانفساخ بهلاك المبيع، قلنا: هلاكه قبل تسليم الثمن
نادر، والنادر ملحق بالعَدَم، فيلزم اعتبار معنى لمساواة [في ذلك](١) ثم الكلام في هذا الحكم
في موضعين :
أحدهما: في بيان شرط ثبوت هذا الحُكُم، والثاني: في بيان ما يَبْطُل به بعد ثبوته أما
شرط ثبوته فشيئان :
أحدهما: أن يكون أحد البدلين عيناً والآخر ديناً؛ فإن كانا عينين أو دينين، فلا يثبت حق
الحبس، بل يسلمان معاً لما ذكرنا فيما تقدم.
والثاني: أن يكون الثَّمن حالاً، فإن كان مؤجلاً لا يثبت حق الحبس؛ لأن ولاية الحبس
تَثْبت حقاً للبائع لطلبة المسَاوَاة عادة لما بينا، ولما باع بثمن مؤجل فقد أسقط حق نفسه فبطلت
الولاية .
ولو كان الثّمن مؤجَّلاً في العقد فلم يقبض المشْتَري المبيع، حتى حل الأجل - فله أن
يقبضه قبل نقد الثمن، وليس للبائع حق الحَبْس؛ لأنه أسقط حق نفسه بالتأجيل، والسَّاقط
متلاشي فلا يحتمل العود، وكذلك لو طرأ الأجل على العقد بأن أخر الثّمن بعد العقد، فلم
يقبض المبيع(٢) حتى حل الأجل - له أن يقبضه قبل نقد الثمن ولا يملك البائع حبسه لما قلنا.
ولو باع بثمن مؤجّل، فلم يقبض المشتري حتى حل الأجل هل له أجل آخر في
المستقبل؟ ينظر إن ذَكَرا أجلاً مطلقاً؛ بأن ذكرا سنة مطلقة غير معينة - فله أجل آخر هو سنة
أخرى من حين يقبض المَبِيع عند أبي حنيفة،، وعند أبي يوسف ومحمد: الثّمن حال وليس له
أجل آخر.
وإن ذكرا أجلاً بعينه؛ بأن باعه إلى رمضان، فلم يقبضه المشتري حتى مضى رمضان -
صار الثمن حالاً بالإجماع.
وجه قولهما: أن السَّنة المطلقة تنصرف إلى سنة تعقب العقد بلا فصل، فإذا مضت انتهى
الأجل، كما لو عين الأجل نصاً، ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أن الأصل في الثمن شرع نظراً
للمشتري لينتفع بالمبيع في الحال مع تأخير المُطَالبة بالثمن، ولن يحصل هذا الغَرَض له إلا
وأن يكون اعتبار الأجل من وَقْت قبض المبيع فكان هذا تأجيلاً من هذا الوقت دلالة؛ بخلاف
ما إذا عين الأجل؛ لأنه نص على تعينه، فوجب اعتبار المنْصُوص عليه إذ لا دلالة مع النص
بخلافها .
(١) سقط من ط .
(٢) في ط: البائع.

٢٤٨
کتاب البيوع
ولو كان في البيع خيار الشَّرط لهما أو لأحدهما والأجل مُطْلَق، فابتداء الأجل من حين
وجوب العقد وهو وقت سقوط الخِيَار لا من حين وجوده؛ لأن تأجيل الثمن هو تأخيره عن
وقت وجوبه، ووقت وجُوبه هو وقت [وجوب] (١) العقد ((وانبرامه لا قبله؛ إذ لا وجوب للثمن
قبله والله عز وجل أعلم.
وأما بيان ما يبطل به حق الحبس بعد ثُبُوته، وما لا يَبْطُل فنقول وبالله التوفيق: إذا أخر
الثمن بعد العقد بَطَّل حق الحبس؛ لأنه أخر حقّ نفسه في قبض الثمن، فلا يتأخر حق المشتري
في قبض المبيع، وكذا المشْتَري إذا نقد الثمن كله أو أبرأه البائع عن كله - بطل حق الحبس؛
لأن حق الحَبْس لاستيفاء الثمن، واستيفاء الثمن ولا ثمن محال، ولو نقد الثمن كله إلا درهماً
كان له حق حبس المبيع جميعه لاستيفاء الباقي؛ لأن المبيع في استحقَّاق الحبس بالثمن لا
يتجزأ، فكان كل المبيع محبوساً بكل جزء من أجزاء الثّمن.
وكذلك لو باع شيئين صَفْقة واحدة وسمى لكل واحد منهما ثمناً، فنقد المشْتَري حصة
أحدهما، كان للبائع حبسهما حتى يقبض حصة(٢) الآخر لما قلنا؛ ولأن قَبْض أحدهما دون
الآخر تفريق الصفقة الواحدة في حق القبض، والمشتري لا يملك تَقْريق الصَّفقة الوَاحِدة في
حق القبول، بأن يقبل الإيجاب في أحَدِهما دون الآخر، فلا يملك التَّفريق في حق القبض
أيضاً؛ لأن للقَبْض شبهاً بالعقد.
وكذلك لو أبرأه من حِصَّة/ أحدهما، فله حبس الكلِّ لاستيفاء الباقي لما ذكرنا؛ وكذلك
لو باع من اثنين فنقد أحدهما حصته - كان له حق حَبْس المبيع حتى يقبض ما على الآخر.
١٣٠/٣ ب
وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - في النّوادر: أنه إذا نقد أحدهما نصفْ الثمن يأخذ
نِصْف المبيع .
ووجهه: أن الوَاجِب على كل واحد منهما نصف الثَّمن؛ فإذا أدى النصف، فقد أدى ما
وجب عليه، فلا معنى لتوقُّف حقه في قبض المَبِيع على أداء صاحبه؛ ولأنه لو توقف وصاحبه
مختار في الأداء قد يؤدي، وقد لا يؤدِّي فيفوت حقه أصلاً ورأساً وهذا لا يجوز؛ ولهذا جعل
التَّخلية والتخلي تسليماً وقبضاً في الشرع على ما ذكرنا فيما تقدم.
وجه ظاهر الرواية على نحو ما ذكرنا: أن المَبِيع في حق الاستحقاق لحبس الثمن لا
يحتمل التجزي، فكان استحقَّاق بعضه استحقاق كله، وما ذكرنا أن الصفقة واحدة، فلا تحتمل
(١) سقط من ط.
(٢) في ط: حق.

٢٤٩
كتاب البيوع
التَّفريق في البعض(١) كما لا تَخْتَمله في القبول؛ فإن غاب أحدهما، لم يجبر الآخر على تَسْليم
كل الثمن؛ لأن الواجب على كل واحد منهما نصف الثمن لا كله، فلا يؤاخذ بِتَسْليم كله؛ فإن
اختار الحاضر ذلك ونقد كل الثمن وقبض المبيع (٢)، هل يكون متبرعاً فيما تقدم أم لا؟ اختلف
فیه :
قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله -: لا يكون متبرعاً فيما نقد، وله أن يحبِسَه عن
الشِّريك الغائب حتى يستوفي ما نقد عنه، وقال أبو يوسُف - رحمه الله -: هو متبرع في
حصته .
وجه قوله ظاهر؛ لأنه قَضى دين غيره بغير أمره، فكان متبرعاً كما في سائر الديون،
ولهما: أنه قضى دين صَاحِبه بأمره دلالة، فلا يكون متبرعاً؛ كما لو قضاه بأمره نصاً؛ ودلالة
ذلك أنه لما غاب قبل نَقْد الثمن، مع علمه أن صاحبه استحق قبض نصيبه من المبيع بتسليم
حصَّته من الثمن، ولا يمكنه الوصول إليه إلا بتسليم كل الثمن، كان إذناً له بتسليم حصّته من
الثمن، فكان قاضياً دينه بأمره دلالة، فلم يكن متطوعاً وصار هذا كمن أعار ماله إنساناً ليرهنه
بدينه، فرهن ثم افتكه الغير من مال نفسه لا يكون متبرعاً، ويرجع على الراهن؛ لأن الرَّاهن لما
علم أنه علق مال الغير بدينه ولا يزول العلوق إلا بانفكاكه، فكان إذناً له بالفِكَاك دلالة كذا
هذا، وله حق حبس العبد إلى أن يسْتَوفي ما نقد عنه، كما لو نقد بأمره نصّاً؛ ولو أدى جميع
الثمن وقبض العبد، ثم هلك في يده قبل الحبس - يرجع على شَرِيكه بنصف الثمن؛ لأنه أدَّى
عنه بأمره دلالة على ما ذكرنا، والله عز وجل أعلم.
والرهن بالثّمن والكفالة به لاَ يبْطُلان حق الحبس؛ لأنهما لا يسقطان الثمن عن ذمة
المشْتَري ولا حق المطالبة به، فكانت الحاجة إلى تعيينه بالقبض قائمة فيبقى حق الحَبْس
لاستيفائه، وأما الحوالة بالثمن فهل تبطل حق الحبس؟ قال أبو يوسف تبطل سواء كانت
الحوالة من المشْتَري؛ بأن أحال المشتري البائع بالثمن على إنسان وقبل المحال عليه الحوالة،
أو من البائع بأن أحال البَائِع غريماً له على المشتري.
وقال محمد: إن كانت الحوالة من المشْتَري لا تبطل، وللبائع أن يحبس المبيع حتى
يستوفي الثمن من المحال عليه؛ وإن كانت من البائع، فإن كانت مطلقة لا تبطل أيضاً وإن
كانت مقيدة بما عليه تبطل؛ فأبو يوسف أراد بقاء الحبس على بقاء الدين في ذمة المشتري،
وذمته برئت من دين المحيل بالحَوَالة، فيبطل حق الحبس؛ ومحمد اعتبر بقاء حق المطالبة
البقاء حق الحبس، وحق المطّالَبة لم يبطل بحوالة المشتري.
(١) في أ: القبض.
(٢) في أ: العبد.

٢٥٠
کتاب البيوع
ألا ترى أن له أن يطالب المحال عليه، فلم يَبْطُل حق الحبس وبطلت حَوَالة البائع إذا
كانت مقيدة بما على المحال عليه، فبطل حقّ الحبس.
والصحيح اعتبار محمد؛ لأن حق الحبس في الشرع يدور مع حق المطالبة بالثمن لا مع
قيام الثَّمن في ذاته؛ بدليل أن الثمن إذا كان مؤجِّلاً لا يثبت حق الحَبْس، والثمن في ذمة
المشْتَري قائم، وإنما سقطت المطالبة ــ دل أن حق الحَبْس يتبع حق المطالبة بالثمن لا قِيَام
الثمن في ذاته، وحق المطالبة في حوالة المشتري وحوالة البائع إذا كانت مطلقة، فكان حق
الحبس ثابتاً، وفي حوالة البائع إذا كانت مقيدة ينقطع، فلم يَنْقَطع حق الحَبْس.
١١٣١/٣
وعلى/ هذا الخلاف: إذا أحال الرَّاهن المرتهن بدينه على رجل، أو أحال المرتهن
غريماً له بدينه على الراهن حوالة مطلقة أو مقيّدة - أنه يبطل حق المرتهن في حق حبس الرهن
عند أبي يوسف، وعند محمد: لا يَبْطُل في حوالة الرهن. وكذا في حوالة المرتهن إذا كانت
مطلقة، وإن كانت مقيّدة تبطل.
ولو أعار البائع المبيع للمشتري أو أودعه [إياه] (١) بطل حق الحَبْس حتى لا يملك
استرداده في ظاهر الرواية.
وروي عن أبي يوسف: أنه لا يبطل وللبائع أن يسترده.
وجه هذه الرواية: أن عقد الإِعَارة والإيداع ليس بعقد لازم، فكان له ولاية الاسترداد
كالمرتهن إذا أعار الرَّهن من الرَّاهن، أو أودعه إياه - له أن يسترده لما قلنا؛ كذا هذا.
وجه ظاهر الرواية: أن الإِعَارة والإيداع أمانة في يد المشتري، وهو لا يصلح نائباً عن
البائع في اليد؛ لأنه أصل في الملك فكان أصلاً في اليد، فإذا وقعت العارية أو الوديعة في
يده، وقعت بجهة الأصالة وهى يد الملك، ويد الملك يد لازمة، فلا يملك إبطالها بالاستِزْدَاد
وبخلاف الرَّهن؛ فإن المرتهن في اليد الثابتة بعقد الرهن بمنزلة المالك(٢) فيمكن تَحْقِيق معنى
الإنابة، ويد النيابة لا تكون لازمة فملك الاسترداد.
ولو قبض المشْتَري المبيع بإذن البائع؛ بطل حق الحَبْس، حتى لا يملك الاسترداد؛ لأنه
أبطل حقه بالإذن بالقبض، ولو قبض بغير إذنه لم يَبْطُل وله أن يسترده؛ لأن حق الإنسان لا
يجوز إبطاله عليه من غير رضاه.
ولو كان المشْتَري تصرف فيه، نظر في ذلك: إن كان تصرُّفاً يحتمل الفسخ كالبيع والهبة
(١) سقط من ط .
(٢) في ط: الملك.

٢٥١
كتاب البيوع
والرَّهن والإجارة والأمهار - فسخه واسترده؛ لأنه تعلق به حقه وإن كان تصرفاً لا يحتمل الفسخ
كالإعتاق والتدبير والاستيلاد - لا يملك الاسترداد؛ لأن الاسترداد والإعارة إلى الحبس: إما أن
كان مع نقض هذه التصرفات، وإما أن كان مع قِيَامها لا سبيل إلى الأول؛ لأن هذه التصرفات
لا تحتمل النقض، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنها إذا بقيت كَانَتْ الإِعَادة إلى الحبس حبس الجزء
من كل وجه أو من وجه دون وجه، وكل ذلك لا يجوز، فبطل حق الحَبْس أصلاً؛ ولو نقد
المشتري الثمن فوجده البائع زُيوفاً أو سُتوقاً أو مستحقاً أو وجد بعضه كذلك، فهذا لا يخلو:
إما أن يكون المشتري قبض المَبیع، وإما أن یکون لم یقبض؛ فإن کان لم یقبضه، کان له حق
الحَبْس في الفصول كلها؛ لأنه تبين أنه ما استوفى حقه؛ وإن كان قبضه المشتري، ينظر إن كان
قبضه بغير إذن البائع، فللبائع أن يسترده في الفصول كلها لما قلنا.
وكذلك إن كان المشتري تصرف في المبيع، فللبائع أن يفسخ تصرفه ويسترد المبيع إلا
إذا كان تصرفاً لا يحتمل الفسخ. فلا يفسخ، ويطالب المشتري بالثمن؛ فلو نقد المشتري الثمن
قبل أن يفسخ التصرُّف الذي يحتمل الفسخ - لا يفسخ؛ لأنه لما نقد الثمن فقد بطل حقه في
الحبس، فبطل حق الفَسْخ والاسترداد، وإِن كان قبضه بإذن البائع ينظر: إن وجده زيوفاً فردها
لا يملك اسْتِزْدَاد المبيع عند أصْحَابنا الثلاثة، وعند زفر: له أن يستردّ، وهو قول أبي يوسف
[الأول](١).
وجه قول زفر: أن البائع ما رضي بزوال حق الحَبْس إلا بوصول حقه إليه، وحقه في
الثَّمن السليم لا في المعيب؛ فإذا وَجَده معيباً فلم يسلم له حقه، فكان له أن يستردَّ المبيع حتى
يستوفي حقه؛ كالرَّاهن إذا قضى دين المرتهن وقبض الرهن، ثم إن المرتهن وجد المقبوض
زيوفاً - كان له أن يرده ويستردَّ الرهن؛ لما قلنا، كذا هذا.
ولنا: أن البائع يسلم المبيع بعد استيفاء جنس حقه، فلا يملك الاسْتِزداد بعد ما استوفى
حقه؛ ودلالة ذلك أن الزيوف جنس حقّه من حيث الأصل، وإنما الفائت صفة الجودة؛ بدليل
أنه لو تجوز به في الصَّرف والسلم جاز، ولو لم يكن من جِنْس حقه لما جاز؛ لأنه يكون
استبدالاً ببدل الصَّرف والسلم وأنه لا يجوز، وإذا كان المقبوض جنس حقه، فتسلم المبيع/ ١٣١/٣ب
بعد استيفاء جِئْس الحق - يمنع من الاسترداد بخلاف الرَّهن؛ لأن الارتهان استيفاء لحقّه من
الرهن، والافتكاك إيفاء من مال آخر؛ فإذا وجد زيوفاً تبين أنه ما استوفى حقه، فكان له ولاية
الاسترداد.
والدليل على التَّفرقة بين الرهن والبيع(٢): أنه لو أعار المبيع المشتري بطل حق الحبس،
(١) سقط من ط .
(٢) في أ: المبيع.

٢٥٢
كتاب البيوع
حتى لا يملك استرداده؛ ولو أعار المرْهُون الراهن، لا يبطل حق الحبس وله أن يسترده؛ فإن
وجده ستوقاً أو رصاصاً أو مستحقاً، وأخذ منه - له أن يسترد(١) بخلاف الزيوف؛ لأن البائع
إنما أذن للمشْتَري بالقبض على أنه استوفى حقه، وتبين أنه لم يستوف أصلاً ورأساً؛ لأن
الستوق والرّصاص ليسا من جِئْس حقه.
ألا ترى أنه لو تجوز بها في الصَّرف والسلم لا يجوز؛ وإن كان الإذن بالقبض على تقدير
استيفاء الحق، وقد تبيّن أنه لم يتسوف، فتبين أنه لم يكن إذناً له بالقبض ولا راضياً به، فكان
له ولایة الاسترداد.
ولو كان المشْتَري تصرّف فيه فلا سبيل للبائع عليه، سواء كان تصرفاً يحتمل الفسخ
كالبَيْع والرهن والإِجارة ونحوها، أو لا يكون كالإِعتاق ونحوه، بخلاف ما إذا قَبَضه بغير إذن
البائع قبل نقد الثمن وتصرف فيه تصرفاً يحتمل الفسخ - أنه يفسخ ويسترد؛ لأن هُنَاك لم يوجد
الإذن بالقبض، فكان التصرف في المبيع إبطالاً لحقه، فيرد عليه إذا كان محتملاً للرد.
وههنا وجد الإذن بالقبض، فكان تصرّف المشْتَري حاصلاً عن تسليط البائع، فنفذ وبطل
حقه في الاسترداد كالمقْبُوض على وجه البيع الفَاسِد إذا تصرف فيه المشتري - أنه يبطل حق
البائع في الفسخ، إلا أن في البيع الفاسد إذا أجر المبيع تفسخ الإجارة، وههنا لا تفسخ؛ لأن
الإِجارة تفسخ بالعذر، وقد تحقق العذر في البيع الفاسد؛ لأنه مستحقّ الفَسْخ حقاً للشرع دفعاً
للفساد، فجعل استحقاق الفسخ بسبب الفساد عذراً في فَسْخ الإجارة، ولا فساد ههنا فلا عذر
في الفسخ، فلا يفسخ.
ولو كان مكان البيع كتابة، فأدى المكاتب بدل بالكتابة فعتق، ثم وجد المولى المقبوض
زيوفاً أو مستحقاً - فالعتق مَاضٍ؛ فإن وجده ستوقاً أو رصاصاً لا يعتق؛ لما ذكرنا أن الزيوف
من جنس حقه، فصار بقبضهاً قابضاً أصل حقه، وكذا قبض الدَّراهم المستحقّة وقع صحيحاً
ظاهراً، واحتمال الإجازة بعد ظهور الاستحقاق ثابت أيضاً، والعِثْق بعد ثبوته ظاهراً لا يحتمل
الفسخ، بخلاف ما إذا وجدها ستوقاً أو رصاصاً؛ لأن ذلك ليس من جنس حقه أصلاً ورأساً
فلم يوجد، أو أبدل الكتابة فلا يعتق، يحقق الفرق بينهما إذا حلف لا يفارق غريمه حتى
يستوفي حقه، فقبض ثم وجد المقبوض بعد الافتراق زيوفاً أو مستحقاً، فرد الزيوف أو أخذ
المالك المستحقّة بر في يمينه، وإن وجده ستوقاً أو رصاصاً حنث في يمينه والله عز وجل
أعلم.
(١) في ط: يرد.

٢٥٣
كتاب البيوع
ولو قبض المشْتَري المبيع بإذن البائع، ثم أفلس أو مات قبل نقد الثمن أو بعد ما نقد منه
شيئاً، وعليه ديون لأناس شتى هل يكون البَائِع أحق به من سائر الغُرَماء؟ اختلف فيه.
قال أصحابنا: لا يكون له بل الغرماء كلهم أسوة فيه، فيباع ويقسم ثمنه بينهم
بالحصص .
وقال الشافعي - رحمه الله -: البائع أحقّ به، وإن لم يكن قبضه حتى أفلس أو مات؛ فإن
كان الثمن مؤجَّلاً، فهو على هذا الاخْتِلاف؛ وإن كان حالاً، فالبائع أحَقُّ به بالإجماع.
احتجَّ الشَّافِعِي بما روي عَنْ رسول الله - وََّ - أنه قال: ((إِذَا أَفْلَسَ المُشْتَرِي فَوَجَدَ البَائِعَ
مَتَاعَهُ عِنْدَهُ، فَهُوَ أَحَقْ بِهِ)) (١) وهذا نصف في الباب؛ ولأن العجز عن تَسْليم المبيع يوجب حق
الفسخ للمشتري بالإجماع؛ فإن من باع عبداً فأبق قبل القبض أو غصب، أو كانت دابّة فضلّت
- للمشتري أن يفسخ البيع، والعَجْز عن تسليم الثمن يوجب الفَسْخ للبائع أيضاً؛ لأن البيع عقد
معاوضة ومبني المعاوضات على المساواة.
ولنا: ما روي عن النبي - عليه الصّلاة والسلام - أنه قال: ((مَنْ بَاعَ بَيْعاً فَوَجَدَهُ وَقَدْ أَقْلَسَ
الرَّجُلُ فَهُوَ مَالُهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ))(٢) وهذا نص وهو عين مذهبنا؛ ولأن البائع لم يكن له حق حبس
المبيع حال كون المشْتَري حياً ملياً(٣)، فلا يكون أحق/ بثمنه بعد موته وإفلاسه؛ لأن الثَّمن ٣/ ١١٣٢
بدل المبيع قائم مقامه، واعتبار الثمن بالمبيع غير سديد؛ لأن بينهما مفَارقَة في الأحكام.
ألا ترى أن ملك المبيع شرط جواز العَقْد، وملك الثمن ليس بشرط؛ فإنه لو اشترى شيئاً
بدراهم لا يملكها جاز.
ولو باع شيئاً لا يَمْلكه لا يجوز؛ وكذا لا يجوز التصرُّف في المبيع المنقول قبل القبض،
والتصرف في الثمن قبل القبض جائز، وغير ذلك من الأحكام، فكان اعتبار الثَّمن بالمبيع على
الإِطْلاَق فاسد، والحَدِيث محمول على ما إذا قبض المبيع بغير إذن البائع، وعندنا: البائع أحق
به في هذه الحالة إلا أنه ذكر الإفلاس، وإن كان حق الاسترداد لا يتقيد به؛ لأن المليء يتمكن
من دفع الاسْتِردَاد بنقد الثمن، والمفلس لا يتمكن من ذلك، فكان ذكر الإفلاس مفيداً،
فحملناه على ما قلنا توفيقاً بين الدَّلائل، والله عز وجل الموافق.
ومنها وجوب الاسْتِبْراء في شراء الجارية، وجملة الكَلام فيه: أن الاستبراء نوعان: نوع
هو مَنْذُوب ونوع هو واجب :
(١) تقدم.
(٣) مليًّا: كثير المال.
(٢) تقدم.

٢٥٤
كتاب البيوع
أما المندوب إليه: فهو اسْتِبْراء البائع إذا وطئ جارية، وأراد أن يبيعها أو يخرجها عن
ملكه بوجه من الوُجُوه عند عامة العلماء، وقال مالك - رحمه الله -: هو واجب.
وجه قوله: أنه يحتمل شغل الرَّحم بماء البائع، فيلزمه التعرف عن ذلك بالاستبراء كما
في جانب المشتري.
ولنا: أن سبب الوجوب لم يوجد في حق البائع على ما نذكر، والاعتبار بالمشتري غير
سديد؛ لأن الوجوب عليه لصيانة مائه عن الاختلاط بماء البائع والخلط يحصل بفعل المشْتَري
لا بفعل البائع، فتجب الصيانة عليه بالاسْتِبراء لا على البائع، إلا أنه يندب إليه لتوهم اشتغال
رحمها بمائه، فيكون البيع قبل الاستبراء مباشرة شرط الاختلاط، فكان الاستبراء مستحبّاً؛ وكذا
إذا وطئ أمته أو مدبرته أو أم ولده، ثم أراد أن يزوجها من غيره - يستحب ألاَّ يفعل حتى
يستبرئها لما قلنا، وإِذا زوجها قبل الاستبراء أو بعده، فللزوج أن يطأها من غير استبراء.
وقال محمد - رحمه الله -: أحَبُّ إلي أن يسْتَبرئها بحيْضَة ولست أوجبه عليه، وكذلك
الرجل إذا رأى امرأة تزني ثم تزوجها، له أن يطَأْهًا من غير استبراء. وقال محمد: أحَبُّ إلي
ألاَّ يطأها حتى يسْتَبرئها ويعلم فراغ رحمها، والله أعلم.
وأما الاستبراء الواجب فهو استبراء المشْتَري، وكل من حدث له حل الاستمتاع بالجارية
بحدوث ملك اليمين مطلقاً، والكلام فيه في مواضع: في بيان وجوب هذا النوع من الاستبراء،
وفي بيان سبب وجوبه، وفي بيان ما يقع به من الاستبراء.
أما الأول: فالأصل فيه ما روي عن رسول الله - وَّ﴿ل أنه قال في سَبَايَا أَوْطَاسٍ: ((أَلاَ لاَ
تُوطَأُ الحَبَالِى حَتَّى يَضَعْنَ، وَلاَ الحَيَالَى حَتَّى يسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ)) والنص الوارد في الشِّبي يكون
وارداً في سائر أسباب الملك دلالة؛ ولأن الاستبراء طَلَب براءة الرحم، وأنه واجب على
المشتري؛ لأن به يقع الصيانة على الخلط، والخلط حرام. لما رُوِيَ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ - وَلّهِ - أنه
قال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلاَ يَسْقِيَنَّ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ)) والصيانة عن الحرام تكون
واجبة، ولا تقع الصِّيانة إلا بالاشَّتِبراء فيكون واجباً ضرورة، فلا يحل له وَطْؤُها قبل الاستبراء،
ولا أن يلمسها بشهوة أو ينظر إلى فرجها عن شهوة؛ لأن كل ذلك داع إلى الوَطْء، والوطء إِذا
حرم حرم بدواعيه كما في باب الظهار وغيره؛ بخلاف الحائض حيث لم تحرم الدواعي منها؛
لأن المحرم هناك ليس هو الوطء بل استعمال الأذى، والوطء حرام لغيره، وهو استعمال
الأذى، ولا يجوز ذلك في الدَّواعي فلا يجوز، والله أعلم.
وأما سبب وجوبه: فهو حُدُوث حل الاستِمْتَاعِ بحدوث ملك اليمين مطلقاً، يعني به ملك
الرقبة واليد بأي سبب حدث الملك من الشّراء والسبي والصدقة والهبة والإرث ونحوها، فلا

٢٥٥
كتاب البيوع
يجب الاستبراء على البائع؛ لانعدام السَّبب وهو حدوث الحل، ويجب على المشْتَري لوجود
سببه، سواء كان بائعه ممن يطأ أو ممن لا يطأ؛ كالمرأة والصَّبي الذي لا يعقل، وسواء كانت
الجارية بكراً أو ثيباً في ظاهر الرواية لما قلنا.
١٣٢/٣ ب
وروي عن أبي يوسف: أنه إذا علم المشْتَري أنها لم توطأ، لا يجب الاستبراء؛ لأن
الاسبتراء طَلَب براءة الرحم وفراغها عما يشغلها، ورحم البكر برية فارغة عن الشغل، فلا معنى
لطلب البراءة والفراغ.
والجواب: أن الوقوف على حقيقة الشّغل والفَرَاع متعذّر، فتعلق الحكم بالسبب الظاهر،
وهو حُدُوث حل الاستمتاع بحُدُوث ملك اليمين مطلقاً وقد وجد، ولا يجب على من حرم
عليه فرج أمته بعَارض الحيض والنّفاس والردَّة والكتابة والتزويج إذا زالت هذه العَوَارض، بأن
طهرت وأسلمت وعجزت، فطلقها الزوج قبل الدُّخول بها؛ لأن حل الاستِمْتَاع لم يحدث، بل
كان ثابتاً لكن منع منه لغيره، وقد زال بزوال العوارض؛ وكذا لم يحدث مِلْك اليمين فلم يوجد
السبب، ولا يجب بشراء جارية لا يحل فرجها يملك اليمين؛ بأن وَطِئها أبوه أو ابنه أو لمسها
بشهوة أو نظر إلى فرجها لا بشهوة، أو كان هو وطئ أمها أو ابنتها أو نَظَر إلى فرجها عن
شهوة، أو كانت مرتدة أو مجوسية ونحو ذلك من الفُرُوج التي لا تحل بملك اليمين؛ لأن
فائدة الاستبراء التمكن من الاستمتاع بعد حُصُول انعدام مانع معين منه، وهو اختلاط الماءین،
والاستبراء في هذه المواضع لا يفيد التمكّن من الاستمتاع لوجود مانع آخر؛ وهو أن المحل لا
يحتمل الحل، ولا يجب على العَبْد والمكاتب والمدبر؛ لانعدام حدوث(١) حل الاستمتاع
بملك اليمين لعدم المُلك لهم؛ قال النبي - عليهِ الصّلاة والسلام -: ((لاَ يَتَسَرَّى العَبْدُ وَلاَ يُسَرِّيه
مَوْلاَهُ، وَلاَ يَمْلِكُ العَبْدُ وَلاَ المُكَاتَبُ شَيئاً إِلاَّ الطَّلاَقِ))(٢).
ولو اشترى جارية من عبده المأذون ينظر: إن لم يكن على العَبْد دين أصلاً أو عليه دين
غير مستغرق - لا يجب عليه أن يستبرئها إذا كانت حَاضَت عند العبد ويجتزئ بتلك الحيضة؛
لأن كسب المأذون الذي لا دَيْن عليه أو عليه دين غير مستغرق ملك المولى، فقد حاضت في
ملك نفسه فيجتزي بها عن الاستبراء، وإن كان عليه دين مُسْتغرق رقبته وكسبه، يجب عليه
الاستبراء عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -: لا يجب
عليه؛ بناء على أن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون ديناً مستغرقاً عنده وعندهما
(١) في ط: حدث.
(٢) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٦٥/٤) دون لفظ: ((لا يتسرى العبد ولا يسريه مولاه)) وقال: غريب.
وقال الحافظ في ((الدراية)) (١٩٨/٢): لم أجده.

٢٥٦
كتاب البيوع
يملكه، ولو تبايعا بيعاً صحيحاً ثم تقايلا؛ فإن كانت الإقالة قبل القبض، فالقياس أن يجب
الاسْتِبْرَاء على البائع، وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة - رحمهما الله -، وفي الاستحسان
لا يَجِبُ، وهو رواية محمد عن أبي حنيفة - رحمهما الله -، وهو قول أبي يوسف ومحمد -
رحمهما الله -.
وجه القِيَاس: أنه وجد سبب الوُجُوب في حقه، وهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث
ملك اليمين حقيقة، وإِنْكَار الحَقَائق مكابرة.
وجه الاستِخسَان: أن الإقالة (١) قبل القَبْض فسخ، والفسخ رفع من الأصل وإعادة إلى
قديم الملك كأنه لم يزل عن ملك البائع، فلم يوجد السَّبب مع ما أن الملك قبل القبض غير
متأكد، والتأكيد إثبات من وجه، فلم يتكامل الملك للمشْتَري، فلم يحدث مِلْك اليمين للبائع
على الإطلاق، فلم يتكامل السبب، وإِن كانت الإقالة بعد القَبْض يجب.
أما عند أبي يوسف: فلأن الإقالة بيع جديد، فكانت استحداثاً للملك مطلقاً وأما عند أبي
حنيفة ومحمد - رحمهما الله -: وإن كانت فَسْخاً لكن في حقّ العاقدين، فأما في حق ثالث
فبيع جديد، والاستبراء يجب حقّاً للشرع، فاعتبر حق الشرع ثالثاً في حق وجُوب الاسْتِبْراء
احتياطاً.
ولو رد الجارية بعيب أو خِيَار رؤية، يجب الاستبراء على البائع؛ لوجود السبب وهو
حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليَمِين؛ لأن خيار الرؤية وخيار العيب لا يمنع ثبوت
الملك للمشتري .
وأما الرد بخيار الشرط فينظر فيه: إن كان الخِيار للبائع، فلا يجب الاستبراء بالإجماع؛
لأن خياره لا يمنع زوال السلعة عن ملكه، فلم يوجد حُدُوث حل الاسْتِمتَاعِ بحدوث ملك
اليمين.
وإن كان الخيار للمشْتَري لا يجب الاستبراء على البَائِع عند أبي حنيفة - رحمه الله -؛
سواء كان الرد قبل القبض أو بعده، بناء على أن خيار المشتري يمنع دخول السلعة في ملكه
عند أبي حنيفة، وإذا لم تدخل في ملك المشْتَري، وإن خرجت عن ملك(٢) البائع؛ فكأنها (٣)
لم تخرج وبَقِيت على ملكه، فلم يوجد سبب الوُجُوب.
وأما عندهما: فإن كان الرّد قبل القبض، فالقِيَاس أن يجب؛ لأنها زالت/ عن ملك البائع
١١٣٣/٣
(١) سيأتي الكلام عليها مفصلاً في الفسوخ.
(٢) في أ: يد.
(٣) في ط: فلأنها.

٢٥٧
کتاب البيوع
ودخلت في ملك المشتري؛ فإذا ردت عليه، فقد وجد سبب الوُجُوب في حق البائع، وفي
الاسْتِخْسَان لا يجب؛ لأن الرّد قبل القبض فسخ محض ورفع للعقد من الأصل كأنه لم يكن؛
وإن كان بعد القَبْض يجب الاستبراء قياساً واستحساناً؛ لأنها دخلت في ملك المشتري.
وإن كان البيع(١) فاسداً، وردت الجَارِية إلى البائع، فإن كان قبل القبض فلا استبراء على
البائع؛ لأنها على ملكه فلم يحدث له الحل؛ وإن كان بعده، فعليه الاستبراء بالإجماع لوجود
السبب .
ولو أسر العدو الجارية ثم عادت إلى المالك؛ فإن كان قبل الإخرَاز بدار الحرب، فلا
استبراء على المالك؛ لانعدام السَّبب وهو حدُوث الحل بحدوث الملك؛ وإن كان بعد الإحراز
بدارهم (٢) وجب لوجود السَّبب؛ ولو أبقيت من دار الإسلام إلى دار الحرب، وأخذها الكُفَّار
ثم عادت إلى صاحبها بوجه من الوجوه - فلا استبراء عليه عند أبي حنيفة؛ لأنهم لم يمْلِكوها .
فلم يوجد السبب، وعندهما: عليه الاستبراء؛ لأنهم ملكوها لوجود السَّبب.
ولو اشترى جارية مع غيره فلا اسْتِيْراء عليهما؛ لانعدام السبب وهو حدوث الحل؛ إذ لا
تحل لأحدهما؛ ولو اشْتَرى جارية ولها زوج، فقبضها وطلقها الزوج قبل الدخول بها - فلا
استبراء على المَشْتَري؛ لأنه لم يوجد السبب وهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين
وقت الشّراء؛ لقيام فراش الزوج، وبعد زوال الفراش لم يحدث سبب حدوث الحل وهو مِلْك
الیمین .
وذكر الكرخي - رحمه الله -: أن على قول أبي يوسف يجب الاسْتِبراء على المشتري،
ومن هذا استخرجوا لإسقاط الاستبراء حيلة؛ وهي أن يزوج البائع الجارية ممن يجوز له نِكَاحها
ولم يكن تحته حرة، ونحو ذلك من الشرائط، ثم يبيعها ويسلمها إلى المشتري، ثم يطلقها
الزَّوج قبل الدُّخول بها، فتحل للمشتري من غير استبراء، وإن طلقها الزوج قبل القبض، ثم
قَبَضها المشْتَري - لا يحل له وطؤها حتى يستبرئها .
وحيلة أخرى لإسْقَاط الاسْتبراء: أن يزوّجها البائع من المشْتَري قبل الشراء، والمشتري
ممَّن يجوز له نكاحها؛ بأن لم يكن تحته حرة ونحو ذلك، ثم يشْتَريها فيفسد النكاح ويحل له
وطؤها من غير استبراء، وهذا الوجه الثاني أولى؛ لأنه يسقط عنه جميع المهر، وفي الوجه
الأول على الزَّوج المطلق نصف المهر للبائع، فيحتاج إلى إبرائه عنه.
(١) في ط: المبيع.
(٢) في ط: بدراهم.
بدائع الصنائع ج٧ - م١٧

٢٥٨
كتاب البيوع
ولو كانت الجارية في عدَّة من زوجها؛ عدة طلاق أو عدة وفاة، فاشتراها وقبضها ثم
انقضت عدتها - فلا استبراء عليه؛ لأن قِيَام العدّة بمنزلة قيام النكاح؛ ولو كانت منكوحة فطلقها
قبل الدخول بها، لم يجب الاستبراء، كذا هذا، وعلى ما ذكره الكرخي - رحمه الله - على قول
أبي يوسف: يجب الاسْتِبراء؛ فإن انقضت عدتها قبل القبض لم يعتد بذلك، ولا تحلُّ له حتى
يستبرئها بعد القبض بحيضة أخرى في ظاهر الرواية .
وروي عن أبي يوسف: أنه يعتد بذلك كما يعتدّ بالحَيْضَة قبل القبض عنده، وعلى هذا
يخرج عدم وجوب الاستبراء في النكاح؛ حتى إِن من تزوَّج جارية، فللزوج أن يطأها من غير
استبراء؛ لأن السبب لم يوجد وهو حُدُوث حل الاستمتاع بملك اليمين.
وقال محمد: أحب إلي أن يستبرئها بحيضة ولست أوجِبُها عليه.
وذكر الكرخي - رحمه الله - وقال: لا اسْتِبراء عليه في قول أبي حنيفة - رضي الله
عنه -.
وقال أبو يوسف: استبرأ بها [على] (١) الزوج استِحْسَاناً.
وجه قول أبي يوسف: أن المعنى الذي له وجب الاسْتِبْراء في ملك اليمين موجود في
ملك النكاح؛ وهو التعرف عن بَرَاءة الرحم، فوجب الاسْتِبراء في الملكين، ولأبي حنيفة: أن
جواز نِكَاحها دليل براءة رحمها شرعاً، فلا حاجة إلى التعرف بالاستبراء، وما ذكره محمد نوع
اختیاط وهو حسن.
وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى جارية فلم يقبضها، حتى حَاضَت في يد البائع حيضة - أنه
لا يجتزي بها في الاستبراء في ظاهر الرواية، حتى لو قَبَضها لا تحل له حتى يستبرئها بحيضة
أخرى؛ لأنه لم يحدث له حل الاستمتاع قبل القَبْض ولا حدث له ملك اليمين على الإطلاق
١٣٣/٣ب لانعدام اليد؛ وهذا لأن الملك قبل القَبْض غير متأكد، والتأكد إثبات من وجه/، فكان له حكم
العَدَم من وجه، فلم يجب به الاستبراء.
وروي عن أبي يوسف: أنه يجتزي بها ولا استبراء؛ لأن الحَيْضَة قبل القبض تصلح دليلاً
على فراغ رحمها، فَحَصَل المقصود من الاستبراء فيكتفي بها .
وأما بيان ما يقع به الاسْتِبراء فنقول وبالله تعالى التّوفيق: الجارية في الأصل لا يخلو: إما
إن كانت ممن تحيض وإما إن كانت ممن لا تَحِيض؛ فإن كانت ممن تحيض، فاستبراؤها
(١) سقط من ط .

٢٥٩
كتاب البيوع
بحيضة واحدة عند عامَّة العلماء وعامة الصحابة - رضي الله عنهم -، وعن معاوية - رضي الله
عنه -: أن اسْتَبرَاءها بحيضتين؛ لأن الاستبراء أخت العدة، وعدتها حيضتان، والصَّحيح قولٍ
العامة؛ لما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال في سَبَايَا أَوْطَاسِ: ((أَلاَ لاَّ تُوطَأُ
الحُبَالَى حَتَّى يَضَغْنَ، وَلاَ الحَيَالِى حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ)) والفعلة للمرة، والتقدير الشرعي يمنع
من الزيادة عليه إلا بدليل؛ ولأن ما شرع له الاستبراء وهو حصول العلم بطهارة الرحم يحصل
بحيضة واحدة، فكان ينبغي ألاَّ يشْتَرط العدد في باب العدة أيضاً، إلا أنا عرفنا ذلك نصاً
بِخِلاَف القِيَاس، فيقتصر على مورد النص.
وإن كانت ممن لا تَحِيض فلا يخلو: إما أن كانت لا تحيض لصغر أو لكبر، وإما أن
كانت لا تَحِيضُ لعلة وهي الممتد طهرها.
وأما إن كانت لا تَحِيض لحبل؛ فإن كانت لا تحيض لصغر أو لكبر، فاستبراؤها بشهر
واحد؛ لأن الأشهر أقيمت مَقَام الأقراء في حق الآيسة والصغيرة في العدة، فكذا في باب
الاستبراء .
وإن كانت لا تَحِيض لعلةٍ فقد اخْتَلفوا فيه: قال أبو حنيفة - عليه الرحمة -: لا يطؤها
حتى يعلم أنها غير حامل، ولم يوقت في ذلك وقتاً.
وقال أبو يوسف: يستبرئها بثلاثة أشهر أو أربعة أشهر.
وعن محمد روايتان: في رواية قال: يسْتبرئها بشهرين وخمسة أيام عدة الإماء وفي رواية
قال: يستبرئها بأزْبَعة أشهر وعشر مدة عدة الحرائر، وقال زفر: يستبرئها بسنتين؛ لأن الولد
الموجود في البطن لا يبقى أكثر من سنتين، فإذا مضت سنتان ولم يظهر بها حمل علم أنها غير
حامل، ويحتمل أن يكون هذا تَفْسير قول أبي حنيفة: لا يطَؤُّها حتى يعلم أنها غير حامل، وهو
اختيار الطَّحاوي، ويحتمل أن يكون ما قاله أبو يوسُف تفسيراً لقوله؛ لأنها مدة يعلم فيها أنها
ليست بحامل؛ لأن الحبل يظهر في مثل هذه المدَّة، لو (١) كان لظهور آثاره من انتفاخ البطن
وغير ذلك، فيدل عدم الظهور على براءة رحمها؛ وإن كانت لا تحيض لحبل بها، فاستبراؤها
بوضع الحمل بعد القبض؛ لأن وضع الحمل في الدلالة على فراغ رحمها فوق الحيضة، فإذا
وضعت حَمْلها حل له أن يستمتع بها فيما سوى الجماع، ما دامت في نفاسها كما في
الحائض؛ فإن وَضعت حَمْلها قبل القبض، ثم قبضها - لا يطؤها حتى يستبرئها، ولا يجتزي
بوضع الحمل قبل القَبْض. كما [لا](٢) يجتزي بالحيضة قبل القبض، وعلى قياس ما روي عن
أبي يوسف: يجتزي به كما يجتزي بالحَيْضة قبل القبض، والله عز وجل أعلم.
(١) في أ: أو.
(٢) سقط من ط .

٢٦٠
كتاب البيوع
ثم ما ذكرنا من الحكم الأصلي للتبع (١) وما يجري مجرى التوابع للحكم الأصلي - كما
يثبت في المبيع يثبت في زوائد المبيع عندنا،، وعند الشافعي - رحمه الله - لا يثبت شيء من
ذلك في الزوائد، والكلام فيه مبني على أصل؛ وهو أن زَوائد المبيع مبيعة عندنا، سواء كانت
منفصلة أو متصلة، متولدة من الأصل أو غير متولدة منه، إلا الهبة والصدقة والكسب، وعنده:
ليست بمَبِيعة أصلاً، وإنما تملك بملك الأصل لا بالبيع السابق.
وجه قول الشافعي - رحمه الله - في إِثبات هذا الأصل: أن المبيع ما أضيف إليه البيع
ولم توجد الإضافة إلى الزوائد؛ لكونها منْعَدِمة عند البيع - فلا تكون مبيعة؛ ولهذا لم يكن
الكسب مبيعاً؛ ولأن المبيع ما يُقَابِله ثمن؛ إذ البيع مقابلة المبيع بالثمن والزيادة لا يقابلها ثمن؛
لأن كل الثمن مُقَابل بالأصل، فلم تكن مبيعة كالكسب، ولهذا لم تجز الزيادة عنده في المَبِيع
والثمن.
ولنا: أن المبيع ما يثبت فيه الحكم الأصلي للبيع [بالبيع](٢) والحكم الأصلي للبيع يثبت
في الزوائد بالبيع السابق فكانت مبيعة.
وبيان ذلك: أن الحكم الأصلي للبيع هو الملك، والزوائد مَمْلُوكة بلا خلاف؛ والدَّليل
على أنها مملوكة بالبيع السابق أن البيع السَّابق أوجب المِلْك في الأصل، ومتى ثبت المِلْك في
١٣٤/٣أ الأصل ثبت في التبع، فكان ملك الزّيادة بواسطة ملك الأصل مضافاً إلى البَيْع / السابق،
فكانت الزيادة مَبِيعة، ولكن تبعاً لثُبُوات الحكم الأصلي فيها تبعاً.
وعلى هذا الأصل مسائل بيننا وبين الشّافعي - رحمه الله -: منها أن للبائع حق حبس
الزوائد لاستيفاء الثمن، كما له حق حَبْس الأصل عندنا، وعنده: ليس له أن يحبس الزوائد.
ومنها: أن البائع إذا أتلف الزيادة سَقطَت حصتها من الثمن عن المشتري عندنا؛ كما لو
أتلف جزءاً من المبيع، وعنده: لا يَسْقط شيء من الثمن وعليه ضمانها، كما لو أتلفها أجنبي،
ولا خيار للمشْتَري عند أبي حنيفة، وعندهما يثبت على ما مر؛ وكذا إذا أتلف الأرش أو العقر
قبل القَبْض عندنا؛ لأنه بدل الجزء الفائت، فكان حكمه حكم الجزء.
ولو هلكت الزيادة بآفة سماوية لا يسْقُط شيء من الثمن بالإجماع، وإن كانت مبيعة
عندنا؛ لأنها مبيعة تبعاً بمنزلة أطراف الأم لا مقصوداً، والأطراف كالأوصاف لا يقابلها شيء
من الثمن، إِلا أن تصير مقْصُودة بالفعل من القبض أو الجناية ولم يوجد، ولا خيار للمشتري؛
(١) في ط: للبيع.
(٢) سقط من ط.