النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب البيوع
أو قال: بعت منك هذه الحِنْطَة على أنها قَفيز بقفيزي شَعِير ووصفهما - أن البيع جائز؛ لأنه
جعل العَيْن منهما مبيعاً والدين المؤْصُوف في الذمة ثمناً بإدخال حرف الباء عليه، فيجوز لكن
قبض الدين منهما قبل الافتراق بشرط؛ لأن من شرط جواز البيع أن يكون الافتراق فيه عن عين
بعين، وذلك يقبض الدين منهما؛ لأن الدين لا يتعين إلا بالقَبْض.
ولو قبض الدين منهما، ثم افْتَرقا عن المَجْلس قبل قبض العين - جاز، لأنهما افترقا عن
عين بعين، ولو قال: اشتريت منك قفيز حنطة ووصفها بهذا القفيز من الحطنة، أو قال اشتريت
منك قفيزي شعير ووصفهما بهذه الحنطة على أنها قفيز - لا يجوز، وإن أحضر الموصوف في
المجلس؛ لأنه جَعَل الموصوف منهما مبيعاً والآخر ثمناً بقرينة حَرْف الباء، فيكون بائعاً ما ليس
عنده، وبيع ما ليس عند الإنسان لا يكون إلا بطريق السَّلم، ولا سبيل إلى تجويزه سلماً؛ لأن
إسلام المكيل في المكيل لا يجوز.
ولو تبايعا مكيلاً موصوفاً بمكيل موصوف، أو موزوناً موصوفاً بموزون موصوف مما
يتعين بالتعيين، بأن قال: بغْت منك قفيز حنطة ووصفها بقفيز حنطة ووصفها، أو بقفيزي شعير
ووصفهما، أو قال: بعت منك من سكر ووصفه بمن(١) سكر ووصفه، وليس عِنْدَهما شيء من
ذلك، ثم استقرضا وتقابضا ثم افترقا - لا يجوز البيع؛ لأن الذي صحبه منهما حَرْف الباء يكون
ثمناً والآخر مبيعاً، فيكون بائعاً ما ليس عنده، فلا يجوز إِلا سَلَماً، والسلم في مثله لا يجوز
لأنه إسلام المكيل في المكيل وإسلام الموزُون الذي يتعين في الموزون الذي يتعين، وكل
ذلك لا يجُوز، والله عز وجل أعلم.
وعلى هذا يخرج الشّراء بالدين ممن عليه الدَّين شيئاً بعينه أو بغير عينه قبضه أو لم
يقبضه .
وجملة الكَلام فيه: أن الدين لا يخلو من أن يكون دراهم أو دنانير أو فلوساً أو مكيلاً أو
موزوناً أو قيمة المسْتَهلِك؛ فإِن كان دراهم أو دنانير فاشترى به شيئاً بعينه - جاز الشراء وقبض
المشتري ليس بشَرْط؛ لأنه يكون افترقا عن عين بدين، وأنه جائز فيما لا يتضمَّن ربا النّساء ولا
يتضمن ههنا؛ وكذلك إن كان الدين مكيلاً أو موزوناً أو قيمة المستهلك لما قلنا.
ولو اشترى بدينه وهو دراهم شيئاً بغير عينه؛ بأن اشترى بها ديناراً أو فلوساً أو هو
فلوس، فاشترى بها دراهم أو دنانير أو فلوساً - جاز الشراء، لكن يشترط قبض المشتري في
المجلس، حتى لا يَخْصُل الافتراق عن/ دين بدين؛ لأن المشتري لا يتعين إلا بالقبض.
(١) المَنُّ: معيار قديم كان يكال به أو يوزن، قدره إذ ذاك رطلان بغداديان، والرطل عندهم اثنتا عشرة أوقية
بأواقيهم. المعجم الوسيط (منن)
١٢٢/٣ ب

٢٢٢
كتاب البيوع
ولو كان دينه دراهم أو دنانير أو فلوساً، فاشترى بها مكيلاً موصوفاً أو موزوناً موصوفاً أو
ثياباً موصوفة مؤجلة - لم يجز الشراء؛ لأن الدَّراهم والدنانير أثمان على كل حال؛ وكذا
الفلوس عند المقابلة بخلاف جنسها، فلم تكن مَبِيعة فكان الآخر مبيعاً [فيكون](١) بائعاً مَا لَيْس
عند الإنْسَان، ولا يجوز بيع ما ليس عند الإنسان إلا بطريق السلم، ولا سَبِيل إلى تجويزه
بطريق السلم؛ لأن رأس المال دينٍ بخلاف الفصل الأول؛ لأن كل واحدٍ منهما ثمناً، فكان
مشترياً بثمن ليس عنده، وأنه جائز لكن لا بد من التَّسلیم کیلا یکون الافتراق عن دین بدين.
وإن كان الدين مكيلاً أو موزوناً، فباعه بدراهم أو بدَنَانير أو بفلوس أو اشترى هذه
الأشياء بدينه - جاز؛ لأن الدَّراهم والدنانير أثمان على كل حال وكذا الفلوس عند مقابلتها
بخلاف جنسها، فكان مَنْ عليه الدين مشترياً بثمن ليس عنده، وذلك جائز لكن يشْتَرط القَّبْض
في المجلس؛ لئلا يؤدي إلى الافتراق عن دَیْن بدین.
ولو اشترى بالدَّين الذي هو مكيل أو سوزون مكيلاً أو موزوناً من خلاف جنسه - ينظر:
إِن جَعَل الدين منهما مبيعاً والآخر ثمناً؛ بأن أدخل فيه حرف الباء، وإن كان بغير عينه جاز لأنه
يكون مشترياً بثَمَن ليس عنده، إلا أن القبض في المجلس شرط، فلا يكون افتراقاً عن دين
بدين، وإن جَعَل الدين منهما ثمناً؛ بأن أدخل حرف الباء فيه والآخر مبيعاً لم يجز الشراء، وإن
أحضر في المجلس لأنه بائع ما ليس عنده، وبَيْع ما ليس عند الإنْسَان لا يجوز إلا بطريق
السلم، وإذا كان رأس المال ديناً لا يجُوز السلم.
وإن كان الدين قيمة المسْتَهلك؛ فإن كان المسْتَهلك ممَّا له مثل، فهذا والأول سواء؛
لأن الواجب باستهلاكه مثله، فإذا اشترى به شيئاً من خلاف جنسه فحكمه ما ذكرنا، وإن كان
مما لا مثل له فاشترى به شيئاً بعينه، جاز وقبض المشتري ليس بشَرْط، لأَن الواجب باستهلاكه
القيمة، والقيمة دراهم أو دنانير، فصار مشترياً بدين الدّراهم والدنانير شيئاً بعينه فيجُوز، ولا
يشترط قبض المشتري؛ لأنه يحصل الافتراق عن عين بدين ولا بَأْسَ به فيما لا يتضمن ربا
النساء، ولو اشترى به شيئاً بغير عينه من المَكِيل أو الموزون ينظر: إِن جعل ما عليه مبيعاً وهذا
ثمناً؛ بأن أذخّل عليه حرف الباء - يجوز الشراء؛ لأنه اشترى بثمن ليس عنده فيجوز، لكن لا
بدَّ من القبض في المجلس، وإن جعل ما عليه ثمناً بأن صحبه حرف الباء لا يجوز، وإِن أخضر
في المجلس؛ لأنه باع ما ليس عند الإنسان، فلا يجوز إلا بطريق السلم ولا سَبِيل إليه؛ لأن
رأس ماله دين، ولو وقع الصلح عن المستهلك على الدَّراهم أو الدنانير، وقضى به الحاكم (٢) .
(١) سقط من ط.
(٢) في أ: القاضي.

٢٢٣
کتاب البيوع
جاز ولا يكون القبض شرطاً؛ لأن هذا ليس شِراء بالدين بل هو نفس حقه ولو صَالَح على
دراهم أو دنانير أكثر من قيمة المسْتَهلك، جاز الصلح عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف
ومحمد: يجوز بقدر القيمة، والفضل على القيمة باطل، وهي من مَسَائل الغصب نذكرها إن
شاء الله تعالى.
ولو تبايعا عيناً بفلوس بأعيانها؛ بأن قال: بعت منك هذا الثوب أو هذه الحنطة بهذه
الفلوس، جاز ولا يتعين، وإِن عينت بالإشارة إليها حتى كان المشتري أن يمسكها ويرد مثلها.
ولو هَلَكت قبل القبض لا يبطل البيع؛ لأنها وإِن لم تكن في الوضع ثمناً، فقد صارت
ثمناً بإصلاح الناس، ومن شأن الثمن ألاَّ يتعين بالتعيين.
وكذا إذا تبايعا دِرْهَماً بعينه أو ديناراً بعينه بفلوس بأعيانها، فإنها لا تتعين أيضاً كما لا
تتعيَّن الدراهم والدنانير لما قلنا؛ إلا أن القبض في المجلس ههنا شرط بقاء العقد على الصِّحة
حتى لو افترقا من غير تقابض أصلاً يبطل العقد؛ لحصول الافتراق عن دين بدين، ولو لم
يوجد القَبْض إلا من أحد الجانبين دون الآخر، فافترقا - مضى العقد على الصحة؛ لأن
المقْبُوض صار عيناً بالقَبْض، فكان افتراقاً عن عين بدين وأنه جائز إذا لم يتضمَّن ربا بالنّساء
ولم يتضمن ههنا؛ لانعدام القدر المتفق والجِنْس؛ وكذا إذا تبايعا فلساً بعينه بفلس بعينه،
فالفلسان لا يتعينان وإن عينا/ إلا أن القَبْض في المجلس شرط حتى يبطل بترك التقابض في ١١٢٣/٣
المجلس؛ لکون افتراقاً عن دین بدیْن .
ولو قبض أحد البَدَلين في المجلس، فافْتَرَقا قبل قبض الآخر - ذكر الكرخي: أنه لا يبطل
العقد؛ لأن اشتراط القبض من الجانبين من خَصَائص الصرف، وهذا ليس بصرف، فيكتفي فيه
بالقبض من أحد الجانبين؛ لأن به يخرج عن كونه افتراقاً عن دين بدين.
وذكر في بعض شروح مُخْتَصر الطحاوي - رحمه الله -: أنه يبطل لا يكونه صرفاً، بل
لتمكن ربا النساء فيه؛ لوجود أحد وصفى علة ربا الفَضْل وهو الجنس وهو الصحيح، ولو
تبايعا فلوساً بدراهم على أن كل واحدٍ منهما بالخيار وتقابضا وافترقا - بطل البيع؛ لأن الخيار
يمنع انْعِقاد العقد في حق الحكم، فيمنع صحة التقابض، فيحصل الافتراق لا عن قَبض أصلاً
فيبطُل البيع، ولو كان الخيار لأحدهما فكذلك عند أبي حنيفة، وعندهما: يجوز بناءً على أن
شَرْط الخيار يعمل في الجانبين جميعاً عنده، وينعدم القبض من الجانبين، وعندهما: لا يَعْمَل
إلا من جانب واحد، فينعدم القبض من أحد الجَانِبين، وهذا لا يَمْنع جواز العقد والأصل
المحفوظ أن العقد في حقِّ القَبْض على مراتب.
منها ما يشترط فيه التقابض وهو القَبْض من الجانبين وهو الصرف، ومنها ما لا يشترط

٢٢٤
كتاب البيوع
فيه القبض أصلاً؛ كبيع العَيْن بالعين مما سوى الذهب والفضة، وبيع العين بالعين مما لا
يتضمن ربا لانساء؛ كبيع الحِنْطّة بالدراهم ونحوها، ومنها مما يشترط فيه القبض من أحد
الجانبين؛ كبيع الدراهم بالفلوس، وبيع العين بالدين مما يتضمن ربا النساء كبيع المكيل
بالمكِيل والموزُون بالموزون إذا كان الدين منهما ثمناً، ربيع الدين بالعين وهو السلم؛ ولو
تبايعا فلساً بعينه بفلسين بأعيانهما، جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ويتعين كل واحدٍ منهما
حتى لو هلك أحدهما قبل القبض بطل العقد، وكذا إِذا رد بالعَيْب أو استحق.
ولو أراد أحدهما أن يدفع مثله لَيْس له ذلك، وعند محمد: يتعين، ولا يجوز البيع، وقد
ذكرنا المسألة مع دلائلها فيما تقدم.
ولو تبايعا فلساً بغير عينه بفلسين بغير أعيانهما، أو عين أحدهما ولم يعين الآخر - لا
يجوز في الرواية المشهورة عنهم، وعن أبي يوسف: أنه يجُوز، والصحيح جواب ظاهر
الرواية؛ لأن الفلس في هذه الحالة لا يخلو من أن يكون من العروض أو من الأثمان؛ فإِن كان
من العروض، فالتعيين في العروض شرط الجواز ولم يوجد.
وإِن كان الأثمان فالمساواة فيها شرط الجواز ولم يوجّد؛ ولأن تجويز هذا البيع يؤدي
إِلى ربح ما لم يضمن؛ لأن مشْتَري الفلسين يقبضهما، وينقد أحدهما ويبقى الآخر عن غير
ضمان، فيكون رِبْح ما لم يضمن وأنه منهي.
ولو تبايعا فلساً بفلسين وشرطا الخِيَار، ينبغي أن يجوز على قولهما؛ لأن الفلوس في
هذه الحالة كالعروض، وعندهما لا يشترط فيها، فلم يكن الخيار مانعاً، والله عز وجل أعلم.
ولو اشترى شيئاً بفلوس كَاسِدة في موضع لا تنفق؛ فإن كانت بأعيانها جاز، وإن لم تكن
معينة لم يجز؛ لأنها في ذلك المَوضع عروض، والتعيين شرط الجواز في بيع العروض.
ومنها: أن للبائع حق حبس المبيع حتى يقبض الثمن إذا كان الثمن حالاً، وليس
للمشتري أن يمتنع من تسليم الثمن إلى البائع حتى يَقْبض المبيع إِذا كان المبيع حاضراً؛ لأن
البيع عقد معاوضة، والمساواة في المعاوضات مَطْلوبة المتعاوضين عادة، وحق المشتري في
المبيع قد تعين بالتَّعيين في العقد، وحق البائع في الثمن لم يتعين بالعقد؛ لأن الثمن في الذمة
فلا يتعين بالتَّعيين إِلا بالقبض، فيسلم الثمن أولاً ليتعين فتتحقق المساواة.
وإِن كان المبيع غائباً عن حضرتهما، فللمُشْتَري أن يمتنع عن التسليم حتى يحضر
المبيع؛ لأن تقديم تسليم الثمن لتتحقق المسَاوَاة، وإِذا كان المبيع غائباً لا تتحقق المساواة
بالتقديم، بل يتقدَّم حق البائع ويتأخر حق المشتري؛ حيث يكون الثمن بالقبض عيناً مشاراً إليه

٢٢٥
كتاب البيوع
والمبيع لا؛ ولأن من الجائز أن المبيع قد هلك وسقط الثمن عن المشتري، فلا يؤمَر بالتسليم
إلا بعد [إحضار](١) المبيع، سواء كان المبيع في ذلك المصر أو في موضع آخر؛ بحيث/ ١٢٣/٣ب
تلحقه المؤنة بالإحضار.
فرق بين هذا وبين الرهن؛ فإن الراهن إذا امتنع من قَضَاء الدين لإحضار الرهن ينظر في
ذلك: إن كان الرهن في ذلك المصر بحيث لا يلحق المرتهن مؤنة في الإحضار، يؤمر
بإحضاره أولا كما في البيع؛ لجواز أن الرَّهن قد هلك وسقط الدين عن المرتهن بقدره، وإِن
كان في مَوْضع يلحقه المؤنة في الإِحضار لا يؤمر المرتهن بالإحضار أولاً، بل يؤمر الراهن
بقضاء الدَّين أولاً إن كان مقراً أن الرهن قائم ليس بهالك، وإِن ادعى أنه هالك، وقال
المرْتَهن: هو قائم - فالقول قول المرتهن مع يمينه، فإذا حلف يؤمر بقَضَاء الدين.
ووجه الفرق بينهما: أن البيع عقد معاوضة، ومبنى المعَاوَضة على المساواة، ولا تتحقق
المساواة إلا بالإِحضار على ما مر، بخلاف الرهن فإنه عقد لَيْس بمعاوضة، بل هو عقد أمانة
بمنزلة عقد الوديعة؛ كأن المرهون أمانة في يد المرتهن إلا أنه إذا هلك يسقط الدين عن الراهن
لا لكونه مضموناً، بل لمعنى آخر على ما عرف، وإِذا لم يكن معاوضة لم يكن الدين عوضاً
عن الرهن، فلا يَلْزم تحقيق المساواة بينهما بإحضار الرهن، إِذا كان بحيث تلحقه المؤنة
بالإِحْضَار.
ولو تبايعا عيناً بعين سلما معاً؛ لما ذَكَرنا أن المساواة في عقد المعاوضة مطلوبة
للمتعاوضين عادة، وتحقيق المساواة ههنا في التسليم معاً؛ ولأن تسليم المبيع مستحق، وليس
أحدهما بتقديم التَّسليم أولى من الآخر؛ لأن كل واحد منهما مبيع فيسلمان معاً.
وكذا لو تبايعا ديناً بدين سلماً معاً، تحقيقاً للمُسَاواة التي هي مقتضى المعاوضات
المطلقة، ولاستواء كل واحد منهما في اسْتِحقَاق التسليم، بخلاف ما إِذا تبايعا عيناً بدين؛ لأن
الدين لا يَصِير عيناً إلا بالقَبْض، فلا تتحقق المساواة إلا بتسليمه أولاً على ما بينا والله عز وجل
أعلم.
ومنها أن هلاك المبيع قبل القبض يوجب انفساخ البيع.
وجملة الكَلام فيه: أن المبيع لا يخلو إما أن يكون أصلاً وإما أن يكون تبعاً، وهو
الزوائد المتولّدة من المبيع؛ فإن كان أصلاً فلا يخلو إما أن هلك كله وإما أن هلك بعضه، ولا
يخلو إما أن هلك قبل القَبْض وإما أن هلك بعده، وكل ذلك لا يخلو إما أن هلك بآفة
(١) سقط من ط .
بدائع الصنائع ج٧ - م١٥

٢٢٦
كتاب البيوع
سماوية، وإما أن هلك بفعل البائع أو بفعل المشتري أو بفعل أجنبي؛ فإن هلك كله قبل
القبض، بآفة سماوية، انفسخ البيع؛ لأنه لو بقي أوجب مطالبة المشتري بالثّمن.
وإِذا طالبه بالثمن فهو يطالبه بتَسْليم المبيع، وأنه عاجز عن التسليم فتمتنع المطالبة أصلاً،
فلم يكن في بقاء البيع فائدة فينفسخ، وإِذا انْفَسخ البيع سقط الثمن عن المشتري؛ لأن انفساخ
البيع ارتفاعه من الأصل كأن لم يكن.
وكذا إذا هلك بفعل المبيع؛ بأن كان حَيّواناً فقتل نفسه؛ لأن فعله على نفسه هدر، فكأنه
هلك بآفة سماوية؛ وكذا إذا هلك بفعل البائع يبطل البيع ويسقط الثَّمن عن المشْتَري عندنا.
وقال الشافعي - رحمه الله -: لا يَبْطُل وعلى البائع ضمان القيمة أو المثل.
وجه قوله: أنه أتلف مالاً مملوكاً للغير بغير إذنه، فيَجِب عليه ضمان المثل أو القيمة كما
لو أتلفه بعد القبض، ولا فرق سوى أن المَبِيع قبل القبض في يده، وهذا لا يمنع وجوب
الضَّمان كالمرتهن إذا أتْلَف المرهون في يده.
ولنا: أن المبيع في يد البَائِع مضْمُون بأحد الضمانين وهو الثمن، ألا ترى لو هلك في
يده سقط الثّمن عن المشتري، فلا يكون مضموناً بضمان آخر؛ إذ المحل الواحد لا يقبل
الضمانين بخلاف الرهن، فإن المضْمُون بالرهن على المرتهن معنى المرهون لا عينه، بل عينه
أمانة حتى كان كفنه ونفقته على الرَّاهن، والمضمون بالإتلاف عينه، فإيجاب ضمان القيمة لا
يؤدي إلى كون المحلّ الواحد مضموناً بضمانين؛ لاختلاف محل الضمان بخلاف البيع، وسواء
كان البَيْع باتا أو بشرط الخيار؛ لأن المبيع في يد البائع مضمون بالثمن في الحالين، فيمْنَع كونه
مضموناً بضمان آخر.
وإِن هلك بفعل المشتري لا ينفسخ البيع وعليه الثمن؛ لأنه بالإتلاف صار قابضاً كل
المبيع؛ لأنه لا يمكنه إتلافه إلا بعد إِثْبَات يده عله وهو معنى القبض، فيتقرر عليه الثمن،
وسواء كان البيع باتا أو بشَرْط الخيار للمشتري؛ لأن خيار المشتري لا يمنع زوال البيع عن
ملك البائع بلا خِلاَف، فلا يمنع صحة القبض فلا يمنع تقرر الثمن.
وإن كان البيع بشرط الخيار للبائع أو كان البيع فاسداً - فعليه ضمان مثله إن كان مما له
١١٢٤/٣ مثل، وإِن كان مما لا مثل له فعليه قيمته/؛ لأن خِيَار البائع يمنع زوال السلعة عن ملكه بلا
خلاف، فكان المبيع على حُكْم ملك البائع وملكه مضمون بالمثل أو القيمة.
وكذا المبيع بيعاً فاسداً مضمُون بالمثل أو القيمة، وإِن هلك بفعل أجنبي فعليه ضمانه لا
شك فيه؛ لأنه أتْلَف مالاً مملوكاً لغيره بغير إذنه ولا يد له عليه، فيكون مضموناً عليه بالمثل أو
القِيمَة، والمشتري بالخيار إن شاء فسخ البيع فيعود المبيع إلى ملك البائع، فيتبع الجاني فيضمنه

٢٢٧
كتاب البيوع
مثله إن كان من ذوات الأمثال، وقيمته إِن لم يكن من ذوات الأمثال؛ وإِن شاء اخْتَار البيع،
فاتبع الجاني بالضمان واتبعه البائع بالثمن؛ لأن المبيع قد تعين في ضَمَان البائع؛ لأنه كان عيناً
فصار قيمة وتعين المبيع في ضمان البائع يوجِبُ الخيار.
ثم إِن اختار الفسخ وفسخ واتبع البائع الجَانِي بالضمان وضمنه - ينظر: إِن كان الضمان
من جنس الثمن وفيه فضل على الثمن، لا يطيب له الفَضْل، لأن الفضل ربح ما لم يملك
لزوال المبيع عن ملكه بنفس البيع، وربح ما لم يضْمَن لا يطيب؛ لنهي النبي - مََّ - ((عَنْ رِبْحِ
مَا لَمْ يَضْمَنْ)) ولما فيه من شُبْهَة الربا، فربح ما لم يملك(١) أولى، وإِن كان الضمان من خلافَ
جنس الثمن، طاب الفضل؛ لأن الربا لا يتحقق عند اختلاف الجنس؛ وإِن اختار البيع واتبع
الجاني بالضمان وضمنه، فإن كان الضمان من جِئْس الثمن، لا يطيب له الفضل؛ لأنه ربح ما
لم يضمن في حقه لا ربح ما لم يملك؛ لأَن المَبِيع ملکه؛ وإِن كان من خلاف جنسه طاب
الفضل له لما قلنا. ولو كان المشتري عبداً فقتله أجنبي قبل القَبْض؛ فإن كان القتل خطأً، لا
ينفسخ البيع وللمشتري خيار الفسخ والبيع لما قلنا، إلا أن ههنا إذا اختار الفَسْخ وفسخ البيع
اتبع البائع عاقلة القاتل، فأخذ قيمته في ثلاث سنين، وإِن اخْتَار البيع (٢) اتبع العاقلة بقيمته في
ثلاث سنين .
ولو كان القتل عمداً، اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:
قال أبو حنيفة - عليه الرحمة -: إن المشْتّري بالخيار إن شاء فسخ البيع، وللبائع أن
يقتص القاتل بعبده؛ وإن شاء اختَار البيع، وله أن يقتص القاتل بعبده وعليه جَمِيع الثمن.
وقال أبو يوسُف - رحمه الله -: المشْتَري بالخيار إن شاء فسخ البيع، ويعود المبيع إلى
ملك البائع وليس للبائع أن يقتص، ولكنه يأخذ من مال القاتل القيمة في ثلاث سنين، وإِن شَاءً
اخْتَار البيع، وللمشتري أن يقتص (٣) وعليه جميع الثمن. وقال محمد: لا قصاص على القَاتِل
بحال، والمشتري بالخيار إن شاء فسخ البيع، والبائع يأخذ القيمة من القاتل في ثلاث سِنِين،
وإِن شاء اختار البيع، واتبع القاتل بالقيمة في ثلاث سنين.
وجه قول محمد - رحمه الله -: أن العبد لم يكن على مِلْك البائع وقت القتل، بل كان
على ملك المشتري، فلم ينعقد السبب موجباً القصاص للبائع وملك المشْتَري لم يكن مستقراً،
بل كان محتملاً للعود إِلى ملك البائع بالفَسْخ، فلا تَثْبُت ولاية الاقتصاص لأحدهما.
(١) في ط: يضمن.
(٢) في ط: المبيع.
(٣) في أ: يقبض.

٢٢٨
كتاب البيوع
وجه قول أبي يوسف: أنه لا سَبِيل إلى إثبات ولاية الاقتصاص للبائع لما قاله محمد،
وهو أن القتل صادف محلاً ليس بمَمْلوك للبائع عند القتل، فأما الملك فثابت للمشتري وقت
القتل، وقد لزم وتقرَّر باختيار المشتري(١)، فتثبت له ولاية الاستيفاء،، ولأبي حنيفة
- رضي الله عنه -: أنه أمكن القَوْل بثبوت ولاية الاستيفاء لهما على اعتبار اختيار الفسخ،
وعلى اعتبار اختيار البيع.
أما على اعتبار اختيار البيع؛ فلما قاله أبو يوسُف، وأما على اعتبار اختيار الفسخ؛ فلأن
فسخ العقد رفعه من الأصل وجعله كأن لم يكن، فتبين أن الجِنَاية وردت على ملك البائع
فتثبت له ولاية الاقتصاص.
وهذا إذا هلك المبيع كله قبل القبض، فأما إذا هَلَك كله بعد القبض فإن هلك بآفة
سماوية أو بفعل المبيع أو بفعل المشتري - لا ينفسخ البيع، والهلاك على المشتري وعليه
الثمن؛ لأن البيع تقرر بقبض المبيع فتقرر الثَّمن، وكذلك إن هلك بفعل أجنبي لما قلنا،
١٢٤/٣ ب ويرجع المشتري على الأجنبي بضَمَانه/، ويطيب له الفَضْل؛ لأن هذا الفضل ربح ما قد
ضمن .
وإِن هلك بفعل البائع ينظر إِن كان المشتري قَبْضه بإذن البائع أو بغير إذنه، لكن الثمن
منقود أو مؤجل، فاستهلاكه واسْتِهْلاك الأجنبي سواء، وإِن كان قبضه بغير إذن البائع صار
مسترداً للبيع بالاستهلاك، فحصل الاستهلاك في ضمانه، فيوجب بطلان البيع وسقوط الثمن؛
كما لو اسْتَهلك وهو في يده والله عز وجل أعلم. هذا إذا هلك كل المبيع قبل القَبْض أو بَعْده،
فأما إذا هلك بعضه فإن كان قبل القبض وهلك بآفة سماوية، ينظر: إن كان النُّقصان نقصان
قدر بأن كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً - ينفسخ العقد بقدر الهَالك، وتَسْقط حصته من الثمن؛
لأن كل قدر من المقدرات مقعود عليه، فيقابله شيء من الثّمن، وهلاك كل المعقود عليه
يوجب انفساخ البيع في الكل وسقوط كل الثمن، فهلاك بعضه يوجب انْفِساخ البيع وسقوط
الثمن بقدره، والمشتري بالخِيَار في الباقي: إِن شاء أخَذَه بحصته من الثمن، وإِن شاء ترك؛
لأن الصفقة قد تفرقت عليه.
وإِن كان النقصان نقصان وصف؛ وهو كل ما يدخل في البيع من غير تسمية كالشجر
والبناء في الأرض وأطراف الحيوان والجَوْدة في المَكِيل والموزون - لا ينفسخ البيع أصلاً، ولا
يسقط عن المشتري شيء من الثَّمن؛ لأن الأوصاف لا حصَّة لها من الثَّمن إلا إذا ورد عليها
(١) في أ: البيع.

٢٢٩
كتاب البيوع
القبض أو الجناية؛ لأنها تصير مقصودة بالقبض والجناية، فالمشْتَري بالخيار إِن شَاءَ أخذه
بجميع الثَّمن، وإِن شاء ترك لتعيب المبيع قبل القبض.
وإِن هلك بفعل المبيع بأن جرح نفسه لا ينفسخ البيع، ولا يسْقُط عن المشتري شيء من
الثمن؛ لأن جنايته على نفسه هدر، فصار كما لو هلك بعضه بآفة سماوية وهلاك بعضه نقصان
الوصف، والأوصاف لا تقابل بالثمن، فلا يسْقُط شيء من الثمن، ولكن المشتري بالخيار إِن
شاء أخذه بجميع الثمن، وإِن شاء ترك لتغير المبيع؛ ولو كان المشتري حيوانين سوى بني آدم،
فقتل أحدهما صَاحِب قبل القبض تسقط حصته من الثمن، والمشتري بالخيار إن شاء أخذ
الباقي بحصته من الثمن وإِن شاء ترك؛ لأن فعل العجماء جبار؛ فكأنه اشترى حَيَوانين ثم مات
أحدهما قبل القبض حَتْفَ أنفه .
ولو كان المشْتَري عبدين فقتل أحدهما صاحبه قبل القبض، أو كانت جارية فولدت قبل
القَبْض، فكبر الولد ثم قتل أحدهما صاحبه قبل القبض - فالمشتري بالخيار: إِن شاء فَسْخ البيع
في الباقي وبطلت الجناية؛ لأن الفسخ إعادة إلى ملك البائع، فتبين أن القَتْل حصل في ملك
البائع، فبطل؛ وإن شاء أخذ القاتل منهما بجميع الثمن، ولا يسقط عن المشتري شيء من
الثمن؛ لأنه لو أخذه بحصته من الثمن لصار آخذاً بجميع الثَّمن في الانتهاء، فيخير في الانْتِداء
قصراً للمسافة إن شاء أخذ الحي منهما بجميع الثمن، وإن شاء ترك.
بيان ذلك: أنه لو أخذ القاتل منهما بحصته من الثَّمن لا ينْفَسخ البيع في المقتول،
وانفساخ البيع ارتفاعه من الأصل وعوده إلى ملك البائع، فتبين أن عبد المشتري قتل عبد
البائع، فيخاطب بالدفع أو بالفداء، وأيهما فعل قام مقام المقتول، فيحيا المقتول معنى فيأخذه
ببقية الثمن، فصار في أخذ الباقي منهما بحصَّته من الثمن في الحال آخذاً بجميع الثمن في
المآل، فخيرناه في الابتداء للأخذ بجميع الثمن والفسخ هذا.
وإن هلك بفعل البائع يبطل البيع بِقَدْره، ويسقط عن المشتري حصة الهالك من الثمن
وهو قدر النقصان اعتباراً للبعض بالكُلّ، سواء كان النقصان نقصان قيمة أو نقصان وصف؛ لأن
الأوصاف لها حصَّة من الثمن عند ورود الجناية عليها؛ لأنها تصير أصلاً بالفعل فتقابل بالثمن
والمشْتَري بالخيار في الباقي إن شاء أخذه بحصته من الثمن، وإن شاء ترك لتفرق الصَّفقة عليه.
ولو اختار المشتري الأخذ فلم يقبضه حتى مَاتَ من تلك الجِنَاية أو من غيرها - مات
على البائع ويسقط الثمن عن المشتري؛ لأن المبيع إنما يذْخُل في ضمان المشتري بالقبض ولم
يوجد؛ فإن/ قبضه المشتري فمات من جِنَاية البائع أو غيرها، سقطت عن المشتري حصة جناية ١١٢٥/٣
البائع، ولزمه ما بقي من الثمن.

٢٣٠
كتاب البيوع
أما إِذا مات من الجناية، فلأن قبض الباقي وجد من المشْتَري فتقرر قبضه، فتقرر عليه
ثمنه .
وكذا إِذا مات من جناية البائع؛ لأن المشتري قَبْض الباقي حقيقة، وقبض المبيع يوجب
تقرر الثمن في الأصل، إلا إذا وَجَد من البائع ما ينقصه فيصير مسترداً، والسراية ليست فعله
حقيقة، وإنما هي صنع الله تعالى، يعني مصنوعة، فبقي المقبوض على حكم قَبضَ المشتري
فتقرر عليه ثمنه؛ ولأن قبض المشتري بمنزلة إنشاء العقد فيه؛ لأن للقَبْض شبهاً بالعقد وإِنشاء
الشراء قاطع للسراية؛ كما لو اشتراه منه بعد جنايته وقبضه، ثم سَرَت إِلى النفس ومات؛
فكذلك القبض، والله عز وجل أعلم.
وإذا هلك بفعل المشتري لا يبطل البَيْع ولا يسقط عنه شيء من الثمن؛ لأنه صار قابضاً
للكل بإتلاف البعض، أو لا يتمكن من إِثْلاَف البعض إلا بإثبات اليد على الكل، وهو تفسير
القبض، أو صار قابضاً قَدْر المتلف بالإتلاف والباقي بالتعييب فتقرر عليه كل الثمن.
ولو مات في يَدِ البائع بعد جناية المشتري ينظر: إِن مَاتَ من تلك الجناية مات على
المشْتَري وعليه الثمن؛ لأنه لما مات من جنايته، تبين أن فعله السابق وقع إتلافاً للكل، فتقرَّر
عليه كل الثمن، سواء منعه البائع بعد جناية المشتري أو لم يمنعه؛ لأن منع البائع بعد وُجود
الإتلاف من المشتري هدر.
وإِن مات من غير الجِنَاية؛ فإن كان البائع لم يمنعه، مات من مال المشتري أيضاً، وعليه
كل الثمن لما ذكرنا أنه بالجناية صَارَ قابضاً لكل المبيع، ولم يوجد ما ينقض قبضه فبقي حكم
ذلك القبض؛ وإِن كان منعه لزم المشْتَري حصّة ما استهلك وسقط عنه ثمن ما بقي؛ لأن البائع
لما منع فقد نقض قبض المشْتَري في قدر القائم، فصار مسترداً إياه؛ فإذا هلك فقد هلك في
ضمانه فيهلك علیه .
ولو جنى عليه البائع، ثم جنى عليه المشْتَري - سقط عن المشتري حصة جناية البائع لما
قلنا، ولزمه ثمن ما بقي، لأنه صَارَ قابضاً للباقي بجنايته، فتقرر عليه ثمنه؛ لأن جنايته دليل الرضا
بتعييب البائع؛ فإن ابتدأ المشْتَري بالجناية ثم جنى البائع قبل قبض الثمن؛ فإن برأ العبد من
الجنايتين، فالمشْتَري بالخيار إن شاء أخذه وسقطت عنه حصّة جناية البائع من الثمن، وإن شاء
ترك؛ لأن المشتري [وإن] (١) صار قابضاً بالجناية، لكن الجِنَاية فيه قبض بغير إذن البائع والثمن
غير منقود، فلما جنى عليه البائع فقد استرد ذلك القدر، فحصلت جنايته تعييباً للمبيع، وحدوث
(١) سقط من ط .

٢٣١
كتاب البيوع
العيب في المبيع قبل القبض يوجِبُ الخيار؛ فإن شاء فسخ وإن شاء ترك، وعليه ثلاثة أرباع الثمن
وسقطت عنه جناية البائع من الثَّمن وهو الربع؛ لأن النصف هلك بجناية المشتري، فتقرر عليه
الثَّمن وربع منه قائم فيأخذه بثمنه أيضاً، والربع هلك بجناية البائع قبل القبض فيَسْقُط عنه ثمنه.
وإن مات العبد في يد البَائِع بعد الجنايتين؛ بأن كان المشتري قطع يده ثم قطع البائع
رجله من خلاف، ثم مات في يد البائع من الجِنَايتين - فعلى المشتري خمسة أثمان الثمن
وسقط عنه ثلاثة أثمان الثمن؛ لأن المشْتَري لما قطع يده، فقد تقرر عليه نصف الثمن؛ لأنه
صار قابضاً بالقطع، ولما قطع البائع رجله فقد استرد نصف القائم من العَبْد وهو الربع، فبقي
هناك ربع قائم من العبد، فإذا سرت الجناية فقد هلك ذلك الربع من سَرَاية الجنايتين، فينقسم
ذلك الربع بينهما نصفين، فانكسر الحساب بالأرباع، فيجعل كل سَهْم أربعة فيصير ثمانية،
فلذلك جعلنا الحِسَاب من ثمانية، فهلك بجناية المشْتَري النّصف وهو أربعة، وبسراية جنايته
سهم، فيتقرَّر عليهم ثمنه، فذلك خمسة أثمان الثمن، وهلك بجناية البائع سهمان وبسراية
جنايته سهم، فذلك ثلاثة أثمان الثمن يسقط عنه؛ لأن هلاك هذا القدر يسقط عنه، والله عز
وجل أعلم.
هذا إذا جنى المشتري أولاً ثم جَنَى البائع فبرأت الجراحة أو سرت.
فأما إذا جنى البائع أولاً ثم المشتري؛ فإن برأ العَبْد فلا خيار/ للمشتري ههنا؛ لما ذكرنا ١٢٥/٣ب
أن إقدامه على الجناية بعد جناية البائع دليل الرِّضا بتعييبه، فبطل خياره ويلزمه ثمن ما بقي؛
لأنه صار قابضاً لما بقي .
وإن مات العبد من الجنايتين، فالجواب ههنا على القلب من الجَوَاب في المسألة
المتقدمة؛ وهو أن على المشتري ثَلاثة أثمان وسقط عنه خمسة أثمان الثمن، فحكم جناية
المشتري ههنا كحكم جناية البائع هناك؛ لما ذكرنا فافهم.
ولو كان الثمن مقْبُوضاً والعَبْد في يد البائع، فجنى عليه البائع - يسقط عن المشتري
حصته من الثمن أيضاً لما ذَكَرنا؛ فإن كان المشتري جنى عليه أولاً، ثم جنى البائع - يلزم البائع
من القيمة ما يَلْزَم الأجنبي؛ لأن المشتري صار قابضاً بالجناية، ولا يملك البائع نقض القبض
والاسْتِزْدَاد ههنا؛ لأن الثمن مقبوض، فصَارت جنايته وجِنَاية الأجنبي سواء.
ولو كان البَائِع جنى أولاً ثم جنى المشْتَري، فما هلك بجناية البائع سقط حصته من
الثمن، وما هلك بسراية جنايته فعليه قيمته؛ لأنَّ ما هلك بجنايته بعد جناية المشتري تجب
قيمته على ما ذكرنا، فكذا ما هلك بسَرَاية جنايته، والله علم.
وإن هلك بفعل أجنبي فعليه ضمانه لا شَكَّ فيه، والمشْتَري بالخيار إن شاء فسخ البيع

٢٣٢
كتاب البيوع
واتبع البائع الجاني بضمان ما جنى، وإن شاء اخْتَار البيع واتبع الجاني بالضمان وعليه جميع
الثّمن، وأيهما اختار فالحُكُم فيه بعد ذلك على ما ذكرنا في إتلاف الأجنبي كل المَبيع، والله
عز وجل أعلم.
هذا إذا هَلَك بعض المبيع قبل القبض، فأما إذا هلك بعض المبيع بعد القبض؛ فإن هلك
بآفة سَمَاوية أو بفعل المبيع أو بفعل المشْتَري - فالهلاك على المشتري؛ لأن المبيع خرج عن
ضمان البائع بقَبْضٍ المشتري، فتقرر عليه الثمن؛ وكذا إذا هلك بفعل أجنبي، فالهلاك على
المشتري لما قلنا، ويرجع بالضمان على الأجنبي لا شك فيه.
وإن هلك بفعل البائع ينظر إن لم يكن له حق الاسترداد للحبس لاستيفاء الثمن، بأن كان
المشتري قبضه بإذنه، أو كان الثمن منقوداً أو مؤجلاً -- فهذا وما لو أتلفه أجنبي سواء، وقد
ذکرنا حُكمه.
وإن كان له حق الاسترداد؛ بأن كان قَبْضه بغير إذنه والثمن حال غير منقود - ينفسخ البيع
في قدر المتلف ويسقط عن المشْتَري حصته من الثمن؛ لأنه صار مسترداً لذلك القدر
بالإتلاف، فتلف ذلك القَدْر في ضمانه، فيسقط قدره من الثمن ولا يكون مسترداً؛ لأنه لم
يوجّد منه إتلاف الباقي؛ لأنه لو هلك الباقي في يد المشتري فعليه حصته من الثمن، إلا إذا
هلك الباقي من سراية جناية البائع، فيصير مسترداً ويسْقط عن المشتري جميع الثمن؛ لأن تَلَف
الباقي حصل مضافاً إلى فعله فصار مسترداً للكل، فتلف الكل في ضَمَانه فيسقط كل الثمن.
ولو اخْتَلف البائع(١) والمشتري في هَلاَك المبيع: فقال البائع: هلك بعد القبض ولي
عليك الثمن، وقال المشتري: هلك قبل القبض ولا ثمن لك علي - فالقول قول المشتري مع
يمينه؛ لأن البائع يدعي نيه القبض والثمن وهو ينكر، ولأن الظاهر شاهد للمشْتَري؛ لأن
المبيع كان في يد البائع، والظاهر بقاء ما كان على ما كان، والبائع يَدَّعي أمراً عارضاً وهو
الزوال والانتقال، فكان المشتري متمسكاً بالأصل الظاهر، فكان القَوْل قوله .
وإن أقام أحَدُهما البينة قبلت بينته؛ ولو أقاما جميعاً البينة يقضي ببينة البائع، لأنها تثبت
أمراً بخلافِ الظّاهرة، وما شرعت البيانات إلا لهذا؛ ولأنها أكثر إظهاراً؛ لأنها تظهر القبض
والثمن فكَانَت أولى بالقبول.
وكذلك لو اختلفا في الاستهلاك: فاذَّعى البائع على المشتري أنه استهلكه، وادعى
المشتري على البائع أنه استهلكه - فالقول قول المشْتَري لما قلنا؛ هذا إذا لم يكن للبينتين
تاریخ .
(١) في ط: البياع.

٢٣٣
كتاب البيوع
فأما إذا كان لهما تاريخ، وتاريخ أحدهما أسبق ـ فالأسبق أولى بالهلاك والاستهلاك
جميعاً .
هذا إذا لم يكن قبض المشتري المبيع ظاهراً؛ فأما إذا كان ظاهراً فادعيا الاستهلاك، فإن
لم يكن لهما بينة فالقول قول البائع؛ لأن الظَّاهر شاهد له؛ لأن المبيع في يد المشتري، وأيهما
أقام البينة قبلت بينته؛ وإِن أقاما جميعاً البينة، فالبينة بينة المشتري؛ لأنه هو المدعي.
ألا ترى أنه يدعي أمراً باطناً/ ليزيل به ظاهراً، وهو الاستهلاك من البائع والمبيع في ١١٢٦/٣
يده؛ وكذا المشتري لو ترك الدعوى يترك ولا يجبر عليها، والبائع لو ترك الدعوى لا يترك بل
يجبر عليها، وهذه عبارة مشَايِخِنا في تحديد المدعي والمدعى عليه، وإذا قامت بينة المشتري
ينظَر إن كان في مَوْضِع للبائع حق الاسترداد للحبس لاستيفاء الثمن، بأن كان المشتري قبضه
بعد(١) إذن البائع والثمن حال غير منقود - يسقط الثمن عن المشتري؛ لأنه بالاستهلاك صار
مستردّاً وانفسخ البيع، وإن كان في موضع ليس له حق الاسترداد للحبس؛ بأن كان المشْتَري
قبض المبيع بإذن البائع أو بغير إذنه، لكن الثمن منقود أو مؤجل - فللمُشْتَري أن يضمن البائع
قيمة المبيع؛ لأنه إذا لم يكن له حق الاسْتِرداد لم يكن بالاستهلاك مسترداً، ولا ينفسخ البيع
فلا يحصل الاستهلاك في ضمان البائع، فتلزمه القيمة كما لو استهلكه أجنبي، والله عز وجل
أعلم.
ولو اشترى بفلوس نافقةً ثم كسدت قبل القَبْض ـ انفسخ عند أبي حنيفة - رحمه الله -،
وعلى المشتري رد المبيع إن كان قائماً، وقيمته أو مثله إن كان هالكاً، وعند أبي يوسف
ومحمد - رحمهما الله -: لا يبطل البيع، والبَائع بالخِيَار إن شاء فسخ البيع وإِن شاء أخذ قيمة
الفلوس.
وجه قولهما: أن الفلوس في الذمة، وما في الذمة لا يحتمل الهَلاَك، فلا يكون الكساد
هلاكاً، بل يكون عيباً فيها فيوجب الخيار إِن شاء فَسَخَ البيع وإن شاء أخذ قيمة الفلوس؛ كما
إذا كان الثمن رطباً فانقطع قبل القبض.
ولأبي حنيفة أن الفلوس بالكساد خرجت عن كونها ثمناً؛ لأن ثمنيها ثبتت باصطلاح
الناس؛ فإِذا ترك الناس التعامل بها عدداً، فقد زال عنها صفة الثمنية، ولا بيع بلا ثمن فينفسخ
ضرورة؛ ولو لم تَكْسَد ولكنها رخصت قيمتها أو غلت، لا ينفسخ البيع بالإجماع، وعلى
المشْتَري أن ينقد مثلها عدداً، ولا يلتفت إلى القيمة ههنا؛ لأن الرخص أو الغَلاَء لا يوجب
بُطْلاَان الثمنية .
(١) في ط: بغير.

٢٣٤
كتاب البيوع
ألا ترى أن الدراهم قد ترخص وقد تَغْلو وهي على حالها أثْمَان، ثم اختلفا أبو يوسف
ومحمد فيما بينهما وفي وقت اعتبار للقيمة: فاعتبر أبو يوسف وقت العقد؛ لأنه وقت وجوب
الثمن، واعتبر محمد وقت الكَسَاد وهو آخر يوم ترك الناس التعامل بها؛ لأنه وقت العجز عن
التسليم.
ولو استقرض فلوساً نافقة وقبضها فكسدت، فعليه رد مثل ما قبض من الفلوس عدداً في
قَوْل أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي قول محمد: عليه قيمتها.
وجه قولهما: أن الواجب بقبض القرض رد مثل المقبوض، وبالكساد عجز عن رد
المثل؛ لخروجها عن رد الثمنية وصيرورتها سلعة، فيَجِب عليه قيمتها كما لو استقرض شيئاً من
ذوات الأمثال وقبضه، ثم انقطع عن أيدي الناس.
ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أن أثر الكَسَاد في بطلان الثمنية، وأنه لا يمنع جواز الرد؛
بدليل أنه لو استقرضها بعد الكَسَاد جاز، ثم اختلفا في وقت اعتبار القيمة على ما ذكرنا؛ ولو
لم تكسد ولكنها رخصت أو غلت، فعليه رد مثل ما قبض بلا خلاف؛ لما ذكرنا أن صِفَة
الثمنية باقية .
ولو اشترى بدرهم فلوساً وتَقَابَضًا وافترقا، ثم استحقت الفلوس من يده وأخذها
المستحق - لا يبطل العقد؛ لأن بالاسْتِخقَاق وإن انتقض القبض والتحق بالعدم، فيصير كأن
الافتراق حصل عن قَبْض الدراهم دون الفلوس، وهذا لا يوجب بطلان العقد، وعلى بائع
الفُلوس أن ينقد مثلها(١) .
وكذلك إن استحق بعضها وأخذ قدر المستحق لا يبطل البيع لما قلنا، وعلى بائع
الفلوس أن ينقد مثل القدر المستحق؛ وكذلك إِذا وجد المشتري الفلوس من الفلوس الكاسدة
لا يبطل البيع؛ لأن قبض أحد البدلين فيما لا يتضمن يكفي لبقاء العقد على الصحة، وقد وجد
قبض أحدهما وهو الدراهم.
ولو كان المشْتَري قبض الفلوس ولم ينقد الدراهم وافترقا، ثم استحقت الفلوس -
فالمستحق بالخيار إن شاء أجاز نقد البائع فيَجُوز العقد؛ لأن الإِجازة استندت إلى حالة العقد
فجاز النقد والعقد، ويرجع المستحق على بائع الفلوس بمثلها، وينقد المشتري بالدراهم لبائع
الفلوس، وإِن شاء لم يجُز وأخذ الفلوس وبطل العقد؛ لأنه لم لما يجز وأخذ الفلوس، فقد
١٢٦/٣ ب انتقض القبض والتَحَق بالعدم/، فتبين أن افتراقهما حصل لا عن قبض أصلاً فبطل العَقْد.
(١) في أ: ينقد مثل القدر المستحق.

٢٣٥
كتاب البيوع
وكذلك لو استحقَّ بعض الفُلُوس، فحکم البعض کحکم الکل وقد ذكرناه، ولو وجد
الفُلُوس كاسدة لا تروج بَطَل العقد؛ لأنه ظهر أنهما افترقا من غير قبض؛ وإن وَجَدها تروج في
بَعْض التِّجارة ولا تروج في البعض، أو يأخذها البعض دون البعض - فحكمها حكم الدَّراهم
الزائفة إن تجوز بها المشتري جاز؛ لأنها من جنس حقه أصلاً؛ وإن لم يتجوّز بها، فالقياس أن
يبطل العقد في المردود قلّ أو كثر، وَهُو قول زفر، وعند أبي يوسف ومحمد: إن لم يسْتَبْدل
في مجلس الرد يبطل، وإن استبدل لا يبطل، وعند أبي حنيفة: إن كان قليلاً فَاسْتَبدل لا يبطل
وإِن كان كثيراً يبطل على ما ذَكّرنا في السلم، والله عز وجل أعلم.
وأما بيان صفة الحكم فله صِفَتان :
إحداهما اللزوم حتى لا ينفرد أحد العاقدين بالفسخ، سواء كان بعد الافْتِراق عن
المجلس أو قبله عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله -: لا يلزم إلا بعد الافتراق عن المَجْلس،
وقد ذكرنا الكلام فيه من الجانبين فيما تقدم.
والثانية: الحلول وهو ثبوت الملك في البدَلَين في الحال، بخلاف البَيْع بشرط الخيار؛
لأن الخيار يمنع انعقاد العَقْد في حق الحكم، فيمنع وقوعه تمليكاً للحال، وبخلاف البَيْع
الفاسد؛ فإن ثُبُوت المِلْك فيه موقوف على القبض، فيصير تمليكاً عنده، والله عز وجل أعلم.
وأما الأحكام التي هي من التوابع للحُكُم الأصلي للبيع: فمنها وجُوب تسليم المبيع
والثمن، والكلام في هذا الحكم في مواضع:
أحدها: في بيان وجُوب تَسْليم البدلين ومَا هُو من توابع تسليمهما.
والثاني: في بيان وقت وُجُوب تسليمها.
والثالث: في تفسير التسليم والقبض.
والرابع: في بيان ما يَصِير به المشتري قابضاً للمبيع من التصرفات وما لا يصير.
أما الأول: فتسليم البدلين واجِبٌ على العَاقِدين؛ لأن العقد أوجب الملك في البدلین،
ومعلوم أن الملك ما ثبت لعينه وإنما ثَبَت وسيله إلى الانتفاع بالمملوك، ولا يتهيأ الانتفاع به
إلا بالتسليم، فكان إِيجاب المِلْك في البدلين شرعاً إيجاباً لتَسْليمهما ضرورة؛ ولأن معنى البيع
لا يحصل إلا بالتَّسليم والقبض؛ لأنه عقد مبادَلَة وهو مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب،
وحَقِيقة المبَادَلة في التسليم والقَبْض؛ لأنها أخذ بدل وإعطاء بدل، وإنما قول البَيْع والشّراء
وهو الإِيجاب والقَبُول جعل دليلاً عليهما، ولهذا كان التعاطي بيعاً عندنا على ما ذكرنا، والله
عزَّ وجل أعلم.

٢٣٦
كتاب البيوع
وعلى هذا تَخْرج أجرة الكيَّال والوزَّان والعدّاد والذّراع في بيع المكيل والموزون
والمعدود والمذروع مكايلة وموازنة ومعاددة ومُذَارعة - أنها على البائع، أما أجرة الكيال
والوزان؛ فلأنها من مؤنات الكيل والوَزْن، والكيل والوزن فيما بيع مكايلة وموازنة من تمام
التسليم على ما نذكر، والتَّسليم على البائع، فكانت مؤنة التَّسليم عليه، والعدد في المعدود
الذي بيع عدداً بمنزلة الكيل، والوزن في المَكِيل والموزُون عند أبي حنيفة، فكان من تَمَام
التسليم، فكانت [مؤنته](١) على مَنْ عليه التسليم.
وعندهما: هو من بَاب تأكيد التَّسليم فكان من توابعه؛ كالذرع فيما بيع مذارعة، فكانت
مؤنته على من عليه التَّسليم وهو البائع، وكذا أجرة وزّان الثمن على المشْتَري لما قلنا.
وأما أجرة ناقد الثمن فعن محمد فيه روايتان: روى إِبراهيم بن رستم عنه أنها على
البائع؛ لأن حقه في الجيّد والنقد لتمييز حقه، فكانت مؤنته عليه. وروى ابن سماعة عنه: أن
البائع إن كان لم يَقْبض الدَّراهم فعلى المشتري؛ لأن عليه تسليم ثمن جيد، فكانت مؤنة
تسليمه عليه، ولو كان قد قَبَضها فعل البائع؛ لأنه قبض حقه ظاهراً، فإنما يطلب بالنقد إذا
أَذَّى، فكان النَّاقد عاملاً له، فكانت أجرة عمله عليه.
وأما بيان وقت الوجوب: فالوجوب على التوسع ثبت عَقِيب العَقل بلا فصل، وأما على
التضييق فإن تبايعا عيناً بعين وجب تسليمهما معاً، إذا طَالَب كل واحد منهما صاحبه بالتسليم؛
لما ذكرنا أن المساواة في عقد المعاوضة مطلوبة المتعاقدين عادة، وتحقيق التساوي ههنا في
١٢٧/٣أ التسليم معاً؛ لما ذكرنا أنه ليس أحدهما بالتقديم / أولى من الآخر، وكذلك إن تبايعا ديناً بدين
لما قلنا، وإِن تبايعا عيناً بدين يراعى فيه الترتيب عندنا، فيجب على المشْتَري تسليم الثمن أولاً
إذا طالبه البائع، ثم يجب على البائع تسليم المبيع إِذا طالبه المشْتَري؛ لأن تحقيق التساوي فيه
على ما بينا فيما تقدم.
وأما تفسير التسليم والقبض فالتَّسليم والقَبْض عندنا هو التخلية والتخلي؛ وهو أن يخلي
البائع بين المبيع وبين المشتري برفع الحَائِل بينهما، على وجه يتمكن المشتري من التصرف
فيه، فيجعل البائع مسلماً للمَبيع والمشتري قابضاً له؛ وكذا تسليم الثمن من المشتري إلى
البائع .
وقال الشافعي - رحمه الله -: القبض في الدَّار والعقار والشجر بالتخلية، وأما في الدراهم
والدنانير فتناولهما بالبراجم (٢) وفي الثّياب بالنقل؛ وكذا في الطعام إذا اشتراه مجازفة، فإذا
(١) سقط من ط .
(٢) البراجم: مفاصل الأصابع. المعجم الوسيط (برجم)

٢٣٧
کتاب البيوع
اشْتَراه مكايلة فبالكيل، وفي العبد والبهيمة بالسير من مكانه وجه قوله: أن الأصل في القَبْض
هو الأخذ بالبراجم؛ لأنه القبض حقيقة، إلا أن فيما لا يحتمل الأخذ بالبراجم أقيم النقل مقامه
فيما يحتمل النقل، وفيما لا يحتمله أقيم التَّخلية مقامه.
ولنا: أن التَّسليم في اللغة عبارة عن جعله لما خالصاً، يقال: سلم فلان لفلان أي:
خلص له وقال الله تعالى: ﴿وَرُجَلاً سَلَماً لِرَجُلٍ﴾ [سورة الزمر، ٢٩] أي سالماً خالصاً لا يشركه
فيه أحد، فتَسليم المبيع إلى المشتري هو جعل المبيع سالماً للمشتري، أي خالصاً بحيث لا
ينازعه فيه غيره، وهذا يَحْصُل بالتخلية، فكانت التخلية تسليماً من البائع والتخلي قبضاً من
المشتري؛ وكذا هذا في تَسْليم الثمن إلى البائع؛ لأن التسليم واجب، ومن عليه الواجب لا بد
وأن يكون له سبيل الخروج عن عهدة ما وجب عليه، والذي في وسعه هو التخلية ورفع
الموانع، فأما الإقباض فليس في وسعه؛ لأن القبض بالبراجم فعل اختياري للقابض، فلو تعلّق
وجوب التسليم به لتعذر عليه الوفاء بالواجب، وهذا لا يجوز.
ثم لا خلاف بين أصحابنا في أن أصل القبض يحصُل بالتخلية في سائر الأموال،
واختلفوا في أنها هل هي قَبْض تام فيها أم لا؟
وجملة الكلام فيه: أن المَبيع لا يخلُو إما أن يكون مما له مثل وإما أن يكون مما لا مثل
له؛ فإن كان مما لا مِثْل له من المذْروعات والمعدودات المتفاوتة، فالتخلية فيها قبض تام بلا
خلاف؛ حتى لو اشترى مذروعاً مذارعة أو معدوداً معاددة ووجدت التخلية - يخرج عن ضمان
البائع، ويجوز بيعه والانتفاع به قبل الذرع والعد بلا خلاف.
وإن كان مما له مثل؛ فإن بَاعَه مجازفة فكذلك؛ لأنه لا يعتبر معرفة القدر في بيع
المجازفة؛ وإِن باع مكايلة أو موَازَنةً في المَكِيل والموزون وخلي، فلا خلاف في أن المبيع
يخرج عن ضمان البائع ويدخل في ضمان المشتري، حتى لو هلك بعد التخلية قبل الكيل
والوزن يهلك(١) على المشتري؛ وكذا لا خِلاَف في أنه لا يجوز للمشْتَري بيعه والانتفاع به قبل
الکیل والوزن.
وكذا لو اكتاله المشتري أو اتزنه من بائعه، ثم باعه مكايلة أو موازنة من غيره - لم يحل
للمشتري منه أن يبيعه أو ينتفع به حتى يكيله أو يزنه، ولا يكتفي باكتيال البائع أو اتزانه من
بائعه، وإن كان ذلك بحَضْرة هذا المشتري؛ لما روي عن رسول الله - رَ جَ -: ((أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْع
الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِي فيه صَاعَان، صَاعُ البَائِعِ، وَصَاعُ المُشْتَري))، ورُوِي: ((أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ
(١) في ط: يملك.

٢٣٨
كتاب البيوع
وَالسَّلاَمِ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُكَالَ))، لكن اختلفوا في أن حرمة التصرّف قبل الكيل أو
الوزن؛ لانعدام [تمامً](١) القَبض بانعدام الكيل أو الوزن أو شرعاً غير معقول المعنى مع
حُصُول القبض بتمامه بالتخلية.
قال بعض مشايخنا: أنه تثبت شرعاً غير معقول المعنى، وقال بَعْضُهم: الحرمة لمكان
انعدام القبض على التمام بالكيل أو الوزن، وكما لا يجوز التَّصرف في المبيع المنقول بدون
قبضه أصلاً لا يجوز بدون قبضه بتمامه.
وجه قول الأولين: ما ذكرنا أن معنى التَّسلِيم والتَّسلُّم يحصل بالتَّخلية؛ لأن المشتري
يصير سالماً خالصاً للمشتري على وجه يتهيأ له تقليبه، والتصرُّف فيه على حسب مشيئته
وإرادته؛ ولهذا كانت التخلية تسليماً وقبضاً فيما لا مِثْل له وفيما له مثل إذا بيع مجازفة، ولهذا
١٢٧/٣ب يدخل المبيع في ضَمَان المشْتَري بالتخلية نفسها بلا خلاف - دل أن التخلية/ قبض، إِلا أن
حرمة التصَّرُّف مع وجود القبض بتمامه ثبت تعبداً غير معقول المعنى، والله عز وجل أعلم.
وجه قول الآخرين: تَعْليل محمد - رحمه الله - في هذه المسألة في كتاب البيوع؛ فإنه
قال: ولا يجوز للمشتري أن يتصرَّف فيه قبل الكيل؛ لأنه باعه قبل أن يَقْبضه ولم يرد به أصل
القبض؛ لأنه موجود، وإنما أراد به تمام القبض؛ والدليل على أن الكيل والوزن في المكيل
والموزون الذي بيع مُكَايَلة وموازّنَة من تمام القبض - أن القدر في المكيل والموزون معْقُود
عليه .
ألا ترى أنه لو كيل فازداد، لا تَطِيب له الزيادة بل ترد أو يفرض لها ثمن؛ ولو نقص
يطرح بحصته شيء من الثمن ولا يعرف القَدْر فيهما إلا بالكيل والوزن؛ لاحتمال الزيادة
والنقصان، فلا يتحقق قبض قدر المعقُود عليه إلا بالكيل والوزن، فكان الكَيْل والوزن فيه من
تمام القبض، ولا يجوز بيع المبيع المنقول قبل قبضه بتمامه، كما لا يجوز قبل قَبْضه أصلاً
ورأساً بخلاف المزروعات؛ لأن القدر فيها ليس معقوداً عليه، بل هو جار مجرى الوصف،
والأوصاف لا تكون معقوداً عليها؛ ولهذا سلمت الزيادة للمشتري بلا ثمن، وفي النُّقصان لا
يسْقُط عنه شيء من الثمن، فكانت التخلية فيها قبضاً تاماً، فيكتفي بها في جواز التصرُّف قبل
الذرع، بخلاف المكيلات والموزُونات على ما بيَّنا، إِلا أنه يخرج عن ضمان البائع بالتخلية
نفسها؛ لوجود القبض بأصله، والخروج عن ضمان البائع يتعلق بأصل القبض لا يوصف
الكمال، فأما جواز التصرُّف فيه فيستدعي قبضاً كاملاً؛ لورود النهي عن بيع ما لم يقبض،
والقَبْض المطلَق هو القبض الكامل، والله عز وجل أعلم.
(١) سقط من ط .

٢٣٩
كتاب البيوع
وأما المعدودات المتقاربة إذا بيعت عدداً لا جُزافاً، فحكمها حكم المكيلات والموزونات
عند أبي حنيفة، حتى لا يجوز بيعها إلا بَعْد العد، وعند أبي يوسف ومحمد: حكمها حكم
المزروعات فيجوز بَيْعها قبل العد.
وجه قولهما: أن العددي لَيْس من أمْوَال الربا كالذرعي (١)؛ ولهذا لم تكن المساواة فيها
شرطاً لجواز العقد؛ كما لا تشترط في المذْروعات، فكان حكمه حكم المذروع، ولأبي حنيفة
- رحمه الله -: أن القَدْر في المعْدُود معقود عليه كالقدر في المكيل والموزون.
ألا ترى أنه لو عده فوجده زائداً، لا تَطِيب الزيادة له بلا ثمن، بل يردها أو يأخذها
بثمنها، ولو وجده ناقصاً يرجع بقدر النُّقصان كما في المكيل والموزون - دل أن القدر فيه
معقود عليه، واختِمال الزيادة والنقصان في عدد المبيع ثابت، فلا بد من معرفة قدر المعقود
عليه وامتيازه من غيره، ولا يعرف قَدْره إلا بالعد فأشبه المكيل والموزون؛ ولهذا كان العَدّ فيه
بمنزلة المكيل والموزون في ضمان العدوان إلا أنه لم يجز فيه الربا؛ لأن المُسَاواة بين واحد
وواحد في العد ثبتت باصطلاح الناس، وإهدارهم التفاوت بينهما في الصِّغر والكبر، لكن ما
ثبت باصطلاح الناس جاز أن يبطل(٢) باصطلاحهم، ولما تبايعا واحداً باثنين فقد أهدرا
اصطلاح الاهدار، واعتبر الكبر لأنهما قصدا (٣) البيع الصحيح ولا صحة إلا باعتبار الكبر
وسُقوط العد، فكان أحدهما من أحد الجانبين بمقابلة الكبير من الجانب الآخر، فلا يتحقّق
الربا .
أما ههنا فلا بد من اغتِبار العد إذا بيع عدداً، وإذا اعتبر العدّ لا يجوز التصرف فيه قبل
القبض، كما في المكيل والموزون بخلاف المذروع؛ فإن القدر فيه ليس بمعقُود عليه على ما
بينا، فكانت التخلية فيه قبضاً تاماً، فكان تصرفاً في المبيع المنقول بعد القَبْض، وأنه جائز والله
عز وجل أعلم.
ولو كاله البائع أو وزنه بحَضْرة المشْتَري، كان ذلك كافياً ولا يحتاج إلى إعادة الكيل؛
لأن المقصود يحصل بكيله مرة واحدة بحضرة المشْتَري، وما روي عَنْ رَسُول اللَّهِ - رَلير -:
(أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِي فِيهِ صَاعَانِ: صَاعُ البَائِعِ وَصَاعِ المُشْتَري)) محمول على
موضع مخصوص؛ وهو ما إذا اشترى مكيلاً مكايلة فاكتاله ثَم باعه من غيره مكايلة، لم يجز
لهذا المشتري التَّصرف فيه حتى يكيله، وإن كان هو حاضراً عند اكتِيال بائعه فلا يكتفي بذلك.
وكذلك إذا أسلم إلى رجُل في حنطة، فلما/ حل الأجل اشترى المسلم إليه قدر المسلم ١١٢٨/٣
(١) في ط: كالذرع.
(٣) في ط: لأنها قصد.
(٢) في أ: يثبت.

٢٤٠
كتاب البيوع
فيه من رجل مكايلة، وأمر ربّ السلم باقتضائه - فإنه لا يجوز له التصرف فيه ما لم يكله
مرتين: مرة للمسلم إليه ومرة لنفسه بالنَّص، ولو كان مكان السلم قرض؛ بأن استقرض
المستقرض كراً من إنسان وأمر المقوض بقَبْض الكُر، فإنه يكتفي فيه بكيل واحد للمشتري
والمستقرض.
ووجه الفرق: أن الكيل والوزن فيما عقد بشرط الكيل والوزن في المكيل والموزون -
شرط جواز التصرف فيهما؛ لأنه من تمام القَبْض على ما بينا، والسلم عقد بشرط الكيل
والمسلم إليه اشترى بشرط الكيل، فلا بدَّ من أن يكيل رب السلم أولاً للمسلم إليه ليصير
قابضاً له، فجعل كأن المسلم إليه قَبْضه بنفسه من البائع ثم يكيل لنفسه من المسلم إليه، فأما
قبض بدل القرض فَلَيْس بشرط لجواز التصرف فيه؛ لأن القبض بالكيل في باب البيع لاندفاع
جَهَالة المعقود عليه بتميز حق المشتري عن حق البائع، والقَرْض يقبل نوع جهالة، فلا يشترط
له القبض؛ ولأن الاقراض إعارة عندنا فالمقْبُول من بدل القَرْض كأنه عَيْن حقه، فصار كما لو
أعَار عيناً ثم استردهما، فيصحّ قبضه بدون الكيل، وإنما يجب كيل واحد للمشتري لا غير والله
عز وجل أعلم.
وأما بيان ما يصير به المشتري قابضاً للمبيع من التصرفات، وما لا يصير به قابضاً فنقول
وبالله التوفيق: لا يخلو إما أن يكون في يد البائع، وإما أن يكون في يد المشتري؛ فإن كان في
يد البَائع فأتلفه المشْتَري، صار قابضاً له؛ لأنه صار قابضاً بالتخلية فبالإتلاف أولى؛ لأن
التخلية تَمْكِين من التصرُّف في المبيع والإتلاف تصرف فيه حقيقة، والتمكين من التصرف دون
حقيقة التصرُّف.
وكذلك لو قطع يده أو شج رأسه، وكل تصرف نقص شيئاً؛ لأنَّ هذه الأفعال في الدلالة
على التَّمكين فوق النَّخلية، ثم بالتخلية صار قابضاً فيها أولى؛ وكذلك لو فعل البائع شيئاً من
ذلك بأمر المشْتَري؛ لأن فعله بأمر المشتري بمنزلة فعل المشتري بنفسه.
ولو أعتقه المشتري يصير قابضاً؛ لأن الإغتَاق إتلاف حكماً، فيلحق بالإتلاف حقيقة؛
وكذا لو دبَّره أو استولد الجارية، أي أقر أنها أم ولد له؛ لأن التدبير أو الاستيلاد تنقيص
حكماً، فكان ملحقاً بالتَّنقيص حقيقة؛ ولو زوج المبيع بأن كان جارية أو عبداً، فالقياس أن
يصير قابضاً، وهو رواية عن أبي يوسف، وفي الاسْتِخسَان لا يصير قابضاً.
وجه القياس: أن التزوج تعييب، ألا ترى أن الزَّوجية عيب يرد بها، وإذا كانت الزوجية
عيباً كان التزوح تعييباً والتَّعييب قَبْض.
وجه الاستحسان: أنه تعييب حكماً لا حقيقةً؛ لأنه لا يوجب نقصان المحل ولا نقصان