النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ كتاب البيوع وروي أنه - عليه الصّلاة والسلام - وَهَبَ مِنْ سيدنا عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - غُلاَمَيْنِ صَغِيْرَيْنِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ - بِّهِ - عَنْهُمَا؟ فَقَالَ: ((بِعْتُ أَحَدَهُمَا، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَم -: بِعْهُمَا أَوْ رُدَ) (١) والأمر بالجمع بينهما في البيع أو رد البيع فيهما - دليلٌ على كراهة التفريقَ؛ ولأن التفريق بين الصغير والكبير نوع إضرار بهما؛ لأن الصَّغير ينتفع بشفقة الكبير ويسكن إِليه، والكبير يستأنس بالصغير، وذا يفوت بالتَّفريق فيلحقهما الوَحْشَة، فكان التفريق إضراراً بهما بإلْحَاق الوَخْشة، وكذا بين الصَّغيرين؛ لأنهما يأتلفان ويسكن قلب أحَدِهما بصاحبه، فكان التَّفريق بينهما إِيحاشا بهما فكره؛ ولأن الصبا من أسْبَاب الرحمة قَالَ ـ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَم -: ((مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيَرَنَا وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، فَلَيْسَ مِنَّ))(٢) وفي التَّفريق ترك الرحمة فكان مكروهاً. ثم الكلام في كراهة التفريق في مَوَاضِع: في بيان شرائط الكراهة، وفي بيان ما يحصل به التفريق، وفي بيان صِفَة ما يحصل به التفريق إنه جائز أم لا . أما شرائط الكراهة: فمنها صغر أحدهما، وهو أن يكون أحَدُهما صغيراً أو يكونا = والحاكم (٢/ ٥٥). كلاهما من طريق عبد الله بن عمرو بن حسان عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن مكحول عن نافع بن محمود بن الربيع عن أبيه عن عبادة بن الصامت. فذكره بنحوه. قال الحاكم حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بأن عبد الله بن عمرو بن حسان كذاب. قال الحافظ في ((التلخيص)) (٣٧/٣): وفي سنده عندهما عبد الله بن عمرو الواقعي، وهو ضعيف، رماه علي بن المديني بالكذب، وتفرد به عن سعيد بن عبد العزيز، قاله الدارقطني، وفي صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع في الحديث الطويل الذي أوله: خرجنا مع أبي بكر مغزونا فزارة. الحديث وفيه: وفيهم امرأة، ومعها ابنة لها من أحسن العرب فنقلني أبو بكر ابنتها، فيستدل به على جواز التفريق، وبوب عليه أبو داود: باب التفريق بين المدركات . (١) أخرجه الدارقطني (٦٦/٣)، في كتاب البيوع، حديث (٢٥٠) وأحمد (٩٧/١ - ٩٨، ١٢٦ - ١٢٧) والحاكم (٢/ ٥٤). والبيهقي (١٢٧/٩) كتاب السير، باب: من قال: ((لا يفرق بين الأخوين في البيع)). كلهم من طريق الحكم بن عتبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي به مرفوعاً قال الحاكم: هذا حديث غريب صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٢٦/٤): ورواية شعبة لا عيب بها وهي أولى ما اعتمد في هذا الباب. - ورواية شعبة عند الدارقطني والحاكم ورواية عند أحمد عن الحكم بالإسناد السابق لكن الحكم قال عنه الحافظ ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس. (٢) تقدم تخريجه . ٢٠٢ كتاب البيوع صغيرين؛ فإن كانا كبيرين، لا يكره التَّفريق بينهما لما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام. أنه قال: ((لاَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِمُ السَّبِيُ وَالتَّقْرِيقُ، حَتَّى يَبْلُغَ الغُلامُ وَتَحِيضَ الجَارِيَةُ)). مد - عليه الصلاة والسلام - النهي عن التفريق إلى غاية البلوغ، فدل على اختصاص الكراهة بحالة الصغر وزوالها بعد البُلُوغ؛ ولأن الكراهة معلولة بالإضرار بزوال الاستئناس والشفقة وترك الرحم، وكل ذلك يخْتَص بحالة الصغر. ومنها الرَّحم وهو القرابة؛ فإن كانا أجنبيين لم يكره التَّفريق بينهما. ١١٨/٣ ب ومنها المحرمية وهو أن يكونا ذوي رحم/ محرم؛ بأن كان بينهما قَرَابة محرمة للنكاح، فلا يكره التفريق بين ابني العم ونحو ذلك؛ لأن القرابة (١) المحرمة للنكاح محرمة القطع مفترضة الوصل، فكانت منشأ الشفقة والأنس بخلاف سائر القرابات؛ وكذا المحرمية بدون الرحم لا تحرم التفريق كحُرمة الرّضاع والمصاهرة؛ لانعدام معنى الشفقة والأنس، لعدم دليلهما وهو القَرَابة . ومنها: أن يكون مالكهما واحد بأي سَبَب مَلَكَهما؛ بشراء أو هبة أو ميراث أو صدقة أو وصية، حتى لو كان أحدهما في ملكه والآخر في ملك ولده الصغير - فلا بأس أن يبيع أحدهما دون الآخر، وكذا لَوْ كان له ولدان صغيران أحد المملوكين في ملك أحدهما والآخر في مِلْك الآخر - لا بأس للأب أن يبيع أحدهما؛ لأن الكراهة في التفريق أن يكونا في ملك واحد وإِذ لم يجمعهما ملك مالك واحد - لا يقع البيع تفريقاً؛ لأنهما كانا متَفَرقين قبل البيع، وكذا إِذا كان أحدهما في ملكه والآخر في ملك مكاتبه؛ لأنهما لم يجْتَمِعا في ملك شخص واحد؛ لأن المكاتب فيما يرجع إلى الكسب ملحق بالأخرَار، فاختلف المالك. وإِن كان أحدهما في ملكه والآخر في ملك عبده المأذُون؛ فإن كان عليه دين مستغرق، فلا بأس للمولى أن يبيع العَبْد الذي عنده. فأما على أصل أبي حنيفة فظاهر؛ لأن المولى لا يَمْلك كسب [عبده](٢) المأذون المديون، فلم يوجد بالاجتماع في ملك مالك واحد، وعندهما: وإن كان يَمْلكه لكنه ملك تعلق به حق الغرماء، فکان کالأجنبي عنه فلم يوجد الاجتماع معنی؛ وإِن لم یکن علیه دین، يكره للمولى أن يبيع أحدهما؛ لوجود الاجتماع في ملك شخص واحد. ولو كان أحَدُهما في ملكه والآخر في ملك مُضَاربة - فلا بأس بالتفريق؛ لأن مال المضَارِب وإِن لم يكن ملك (١) في ط: القربة. (٢) سقط من ط . ٢٠٣ كتاب البيوع المضارب لكن له حَقّ قوي فيه، حتى جاز بيع المضارب من رب المال، وبيع رب المال من المضارب استِخسَاناً، فكان رب المال بمنزلة الأجنبي، فلم يوجد الاجتماع في ملك رجل واحد . وعلى هذا يخرج ما إذا باع جارية كَبِيرة على أنه بالخيار فيها ثلاثة أيام، ثم ملك ولدها الصغير في مدة الخيار - أنه يكره إيجاب البَيْع في الجَارِية بالإِجازة أو بالترك حتى تمضي المدَّة، بل يفسخ البيع حتى لا يخصُل التفريق؛ لأن خيار البائع يمنع زوال السَّلعة عن ملكه، فكانت الجارية على ملكه؛ فإذا ملك ولدها الصغير، فقد اجتمعا في ملك شَخْص واحد، فكانت الإِجازة تفريقاً فيكره؛ ولو باع الجارية على أن المشتري بالخِيَار ثلاثة أيام، ثم ملك البائع ولدها الصغير في المدة - فلا بأس للمشتري أن يجيز البيع أو يفسخ؛ لأن الجَارِية خرجت عن ملك البائع بلا خلاف؛ لأن خيار المشتري لا يمنع خروج السَّلعة عن ملك البائع بلا خلاف بين أصحابنا، وإِنما الخلاف في دخولها في ملك المشْتَري، فلم يجتمع المملوكان في ملك شخص واحد، فلم تكن الإِجازة تفريقاً. ولو كان الخيار للمشتري، ولها ابن عند المشتري - لا تكره الإِجَازَة بلا إِشكال؛ لأن الإِجازة لا تكون تفريقاً بل تَكُون جمعاً. وأما الفسخ فكَذَلك لا يكره أيضاً. أما على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - فلا يشكل أيضاً؛ لأن الجارية لم تدخل في ملك المشْتَري؛ لأن خيار المشتري يمنع دخول السَّلعة في مِلْكه على أصله، فلم يقع الفسخ تَفْريقاً؛ لانعدام الاجتماعي في ملكه. وأما عندهما: فالجارية وإن دخلت في ملكه لكن الفَسْخ حقه، فالإِجبار على الإجازة إنْطَال لحقه، وهذا لا يجوز، فكان له أن يفسخ والله أعلم. ومنها: أن يملكهما على الكمال؛ فإن ملك من كل واحد منهما شقصاً منه، لم يكره أن يبيع نَصِيبه من أحدهما دون الآخر؛ لأن البيع ههنا لا يقع تفريقاً مطلقاً؛ لحصول التفريق قبله من وجه، فلا يدْخُل تحت النَّهي عن التفريق على الإطلاق. ومنها: أن يكون كل واحدٍ منهما محلّاً للبيع عند البَيْع؛ فإن خرج أحدهما عن محلية البيع بالتَّدبير أو الاسْتيلاد - فلا بأس من بَيْع الآخر وإن كان فيه تفريق؛ لأنه تعذر عليه بيعهما جميعاً؛ فلو منع عن بَيْع الآخر، لتضرر به المالك، وكراهة التفريق شرعاً لدفع ضرر زائد، فلا يجوز دفعه بإلحاق ضرر فوقه بالمالك. ومنها: ألاَّ يتعلق بأحدهما حق، فإِن تعلق بأن لحق أحدهما/ دين؛ بأن استهلك مال ١١١٩/٣ ٠٠ ٢٠٤ كتاب البيوع إنسان أو جنى جناية على بني آدم، أو اشتراهما رجلٌ فوجد بأحدهما عيباً - لم يكره التفريق، بل يباع بالدَّين ويدفع بالجناية ويرد بالعيب؛ لأن في المنع من التفريق دفع ضرر زائد بضَرر أقوى منه، وهو إبطال الحق، وهذا لا يجوز. وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله -: أنه إذا جنى أحدهما، يستحب للمالك أن يفدي؛ لما فيه من مراعاة الحقين ودفع الضَّرر من الجانبين، وأنه حسن عقلاً وشرعاً. وروي عن أبي يوسف: أنه إِذا اشتراهما رجل فوجد بأحدهما عيباً - يردهما جميعاً أو يمسكهما، وليس له أن يرد المعيب خاصة؛ لأنَّ رده خاصة تفريق وأنه إِضرار، فصار كما إذا اشترى مصراعي باب أو زَوْجي خف أو نعل، ثم وجد بأحدهما عيباً - أنه ليس له أن يرد المعيب خَاصَّة؛ لكونه إضراراً بالبائع خاصة، كذا هذا. ومنها: أن يكون مالكهما مسلماً؛ فإن كان كافراً لا يكره التَّفريق، وسواء كان المالك حراً أو مكاتباً أو مأذوناً، عليه دين أو لا دين عليه، صغيراً أو كبيراً، وسواء كان المملوكان مسْلِمين أو كَافِرين، أو أحدهما مسلماً والآخر كافراً؛ لأن ما ذكرنا من الدَّلائل الموجبة لكراهة التفريق من النصوص والمعقول - لا يوجب الفصل. ولو دخل حربي دار الإِسْلاَم بأمان ومعه عبدان صغيران، أو أحدهما صغيراً والآخر كبير، وهما ذوا رحم محرم، أو اشتراهما في دار الإِسلام من صاحبه الذي دخل معه بأمان، فأراد أن يبيع أحَدَهما - فلا بأس للمسلم أن يشتريه؛ ولو اشتراهما من مسلم في دار الإِسلام أو ذمّي أو حربي دخل بأمان من ولاية أخرى لا من ولايته - يكره للمسلم أن يشتري أحدَهما. ووجه الفرق: أن الضرورة دفعت الكَرَاهة في الفصل الأول؛ لأنه لو لم يشتر لأدخلهما في دار الحرب، فيصير عوناً لهم على المسْلِمين، وهذه الضرورة تنْعَدم في [هذا الفصل](١)؛ لأنه يجبر على بيعهما، ولا يمكن من إلحاقهما بدار الحَرب فلم تتحقّق الضرورة. ومنها: ألاَّ يرضيا بالتَّفريق، فإِن رضيا لا يكره؛ بأن كان الصبي مراهقاً ورضي بالبيع ورضيت أمه فبيع برضاهما؛ لأن كراهة التفريق لمكان الضَّرر؛ فإذا رضيا به، علم أنه لا ضَرر فلا يكره، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا إذا اجتمع مع الصَّغير في ملكِ شخص واحد قریب واحد هو ذو رحم محرم منه، فأما إذا كان معه عدد من الأقَارب كل واحدٍ ذو رحم محرم من الصغير، فلا يخلو إما أن كانا (١) في أ: الفصل الثاني. ٢٠٥ كتاب البيوع أبوين أو غيرهما من ذَوِي الأَرحام؛ فإِن كانا أبوين يكره التفريق بينه وبين أحدهما بلا خلاف، وإِن كانا ممن سواهما من ذوي الرحم المحرم، فأما إِن كان أحدهما أقْرب من الصَّغير والآخر أبعد منه، وأما إِن كانا في القرب منه على السواء؛ فإِن كان أحدهما أقرب لا بأس بالتَّفريق بين الصغير وبين الأبْعَد منهما؛ لأن شفقة الأقرب تغني عن شفقة الأبعد، فلم يكن التفريق إضراراً بالصَّغير، سواء اتَّفقت قرابة الكبيرين كالأب مع الجد والأم مع الجدّة أو الخَالة أو الخال، أو اختلفت كالأم مع العمة أو العم. وروي عن أبي يوسف: أنه يكره التَّفريق بينه وبين أحدهما كيفما كان؛ لأن كل واحد منهما له شفقة على الصغير، وتزول بالتَّفريق وإِن كان الكَبيران في القرب من الصغير شرعاً، سواء ينظر إِن اتفقت جهة قرابتهما كالعمتين والخَالتين والآخرين لأب وأم أو لأب أو لأم، فالقياس أن يكره التَّفريق بين الصغيرين وبين أحدهما؛ وكذا روي عن أبي يوسف، وفي الاسْتِخِسَان لا يكره إِذا بقي مع الصغير قريب واحد؛ لأن لكل واحدٍ منهما شَفَقة على حدة على الصغير، فلا تقوم شفقة أحدهما مقام الآخر؛ وكذا قد يخْتَص أحدهما بزيادة شفقة ليست في الآخر، فكان التفريق إضراراً بتفويت شفقته من حيث الأصل أو من حَيْث القدر، فيكره. وجه الاستِخسَان: أن كراهة التفريق للإضرار بالصغير بتفويت النظر، وعند اتحاد جهة القرابة والتَّساوي في القرب من الصَّغير، كان معنى النظر حاصلاً [ببقاء أحدهما](١)، بخلاف ما إِذا اختلفت الجهة؛ لأن عند اختلاف جهة القَرابة تختلف الشفقة، فيحصل من كل واحد منهما ما لا يحصل بالآخر، فكان التفريق إضراراً؛ وكذلك لو ملك ستّة أخوة أو ستة أخوات، / ثلاثة ١١٩/٣ب منهم كبار وثلاثة صغار - لا بأس ببيع كل صغير مع كل كَبِير لما قلنا . ولو كان مع الصغير أبوان حكماً بأن ادعياه [رجلان](٢) حتى ثبت نَسَبه منهما، ثم اجتمعوا في ملك شخص واحد - فالقياس ألاَّ يكره بيع أحدهما لاتُّحاد جهة القرابة، وهي قرابة الأبوة كالعمين والخالين ونحو ذلك. وفي الاستحسان يكره؛ لأن أباه أحدهما حَقِيقة، فكان الثابت قرابة أحدهما حقيقة، إلا أنا حكمنا بثبات نَسَبه منهما؛ لاستوائهما في الدعوة، ولكن الأب في الحقيقة أحدهما؛ فلو باع أحدهما لاختَمل أنه باع الأب، فيتحقق التفريق، بخلاف ما إذا كان للصغير أب وأم حيث يكره بيع أحدهما؛ لأن قرابة كل واحد منهما متحققة، فكان البيع تفريقاً بين الصغير وبين أحَدٍ أبويه بيقين، فيكره. (١) في أ: تبعاً لأحدهما. (٢) سقط من ط . ٢٠٦ كتاب البيوع وإن اخْتَلَفَت جهة قرابة الكبيرين كالعمة مع الخَالة والعَمَّ مع الخال والأخ لأب مع الأخ لأم وما أشبه ذلك - يكره التفريق؛ لأن من يدلي بقرابة الأب إلى الصغير يقوم مُقام الأب، والذي يدلي إِليه بقرابة الأم يقوم مقام الأم، فصار كما لو كان مع الصَّغير أباً وأماً. ولو كان كذلك يكره التَّفريق؛ كذا هذا ولو أن امرأة سبيت وفي حجرها بنت صغيرة، وقعتا في سهم رجل واحدٍ، والمرأة تزعم أنها بنتها - يكره التفريق بينهما؛ وإن كان لا يثبت نسبها بمجرَّد دعواها في سائر الأحكام؛ لأن الأخبار في كراهة التفريق وردت في حق السَّبايا، ولا يظهر كون الصغير ولد المسبية إلا بقولها، فيدل على قبول قولها في حق كراهة التفريق؛ ولأن هذا من باب الديانة، وقول المرأة الواحدة في الديانات مقبول، خُصُوصاً فيما يسلك فيه طريق الاختياط. ولو كبرت الصغيرة في يد السابي، وقد كان وطئ الكبيرة ولم يعلم من المرأة المسبية إرضاع الصغيرة - لا ينبغي له أن يقرب البنت، وإن لم يثبت نسبها منها لدعوتها؛ لاحتمال أنها بنتها من النسب أو الرضاع، فلا يقربها احتياطاً، ولكن لا يمنع من قرباتها في الحُكْم؛ لأن قول المرأة الواحدة في حُقُوق العباد غير مقبول، وإِن لم تكن الصغيرة في حجرها وقت السبي، فلا بأس بالتفريق والجمع بينهما في الوطء؛ لأنه إذا لم تَكُن في حجرها عند السبي، فلا دليل على كونها ولداً لها في حق الحكم، فلا يقبل قولها أصلاً. ولو ادعى رجل من السبايا صغيراً أو صَغِيرة أنه ولده قبل قوله، وثبت نسبه منه، سواء كان قبل الإحراز بدار الإسلام أو بعده، بعد أن يكون قبل القِسْمة أو قبل الدخول في ملك خاص بالبَيْع وغيره؛ لأن دعوى الرجل صحيحة، ألا ترى أنه يثبت نسبه منه، فيظهر في حَقٌ كراهة التفريق، سواء كان الولد وقت السبي في يده أو لم يكن، بخلاف دَعْوة المرأة. وكذلك لو ادعت المرأة أن الولد معها من هذا الرَّجُل وهو زوجها وصدقها - تثبت بينهما الزوجية بتصادقهما، ويثبت نَسَب الولد منهما، ويكره التفريق بين الصغير وبين أحدهما؛ لأنه ولدهما بإقرارهما. ولو ادَّعى واحد من الغانمين ولداً صغيراً من السبي أنه ولده قبل القسمة أو البيع - صحت دعوته ويكون ولده؛ ثم ينظر إِن كان معه علامة الإِسلام، كان مسلماً ولا يسترق، وإن لم يكن معه عَلامة الإِسلام، يثبت نسبه من المدعي ولكنه يسترق؛ لأن دعوته - وإِن صحَّت في حق ثبات النسب واستندت إلى وقت العلوق، لكنها لم تصحَّ ولم تستند في حق الاستِزْقاق؛ لأن فيه إبطال حق الغانمين، فلا يصدق في إِبطال حق الغير. ويجوز أن يصدق الإنسان في إقراره في حق نفسه ولا يصدق في حق غيره، إِذا تضمن إِنْطَال حق الغير؛ كمن أقر بحرية عبد إنسان ثم اشتراه - صح الشراء وعتق عليه. ٢٠٧ کتاب البيوع وكذا لو اشْتَراه ثم أقر بحريته، صح إقراره في حقه حتى يعتق عليه، ولا يصح في حق بائعه، حتى لم يكن له أن يرجع بالثمن على بائعه، ولهذا نظائر، والله عز وجل أعلم. فصل [في بيان ما يحصل به التفريق] وأما ما يحصل به التفريق: فهو الثَّمليك بالبيع؛ لأنه تنقطع به منفعة الأنس والشفقة؛ وكذا القسمة في الميراث والغنائم؛ لأن القسمة لا تخلو عن معنى التمليك، خصوصاً فيما لا مثل له فيحصل بها التَّفريق فيكره، ولا بأس أن يعتق أحدهما أو يكاتبه/ ؛ لأن الإعتاق ليس بتَمْليك، بل هو إِزالة للملك أو إنهاؤه، فلا يتحقق به التفريق؛ لأنه إذا أعتق يمكنه الاسْتِئناس بصاحبه، والإحسان إليه، فلم يكن الإعتاق تفريقاً وكذلك الكِتَابة؛ لأن المكاتب حر يداً فلا تنقطع بها منفعة الأنس ونحو ذلك، فلا يكون تفريقاً والله عز وجل أعلم. ١١٢٠/٣ ولئن كان تفريقاً فيقع الإِعتاق فرق ضرر التَّفريق، فلا يكون ضرراً معنى؛ ولو باع أحدهما نسمة (١) للعتق، يكره عند أبي حَنِيفة، وعند محمد: لا يكره. وجه قوله: أن الوفاء بالوَعْد من مكارم الأخلاق، فالظاهر من حالة المشتري إنجاز ما وعد، فيخرج التفريق من أن يكون ضرراً، لأنه يقابله نفع أعظم منه وهو العتق. وجه قول أبي حنيفة - عليه الرحمة -: أن العِثْق ليس بمشروط في البيع؛ ولو كان مشروطاً، لأوْجَبَ فساد البيع فبقي قصد الإعْتَاق، وتنفيذ هذا القصد ليس بلازم، فبقي البيع تفريقاً فيكره، حتى لو كان قال المشْتَري: إن اشتريته فهو حر ثم اشتراه، قالوا: لا يكره بالإِجْمَاع؛ لأنه يعتق بعد الشراء لا محالة، فيخرج البيع من أن يكون ضرراً. [فصل في بيان صفة البيع الذي يحصل به التفريق] وأما صفة البَيْع الذي يخصُل به التفريق أنه جائز أم لا؟ فقد اختلف العلماء فيه: فقال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله -: البيع جائز مفيد للحكم بنفسه، لكنه مكروه والبائع بالتفريق آثم. وقال أبو يوسف - رحمه الله -: البيع فاسد في الوالدين والمولودين، وفي سائر ذوي الأزخام جائز . (١) نسمة للعتق: إِخياءً له. ٢٠٨ كتاب البيوع وقال الشافعي: البيع باطل(١) في الكل. (١) الباطل من البيوع ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، والضابط فيه: أن كل ما أورث خللاً في ركنه أو حقيقته فهو مبطل له، وكذلك إن نافى حكم النهي حكمه أبطله فعقد البيع على الميتة التي ماتت حتف أنفها، والدم والحر باطل، سواء أجعلت هذه الأشياء مبيعة بأن قوبلت بالدراهم والدنانير في البيع المطلق أم جعلت مبينة من وجه وثمناً من وجه كما في بيع المقايضة، لأن مثار النهي عنها هو انتفاء حقيقة البيع من المبادلة المالية، إذ هذه الأشياء لا تعدّ مالاً. وهذه البيوع الباطلة لا تفيد حكماً ما من أحكام البيع الصحيح فلا تستعقب انتقال ملك، ولا جواز تصرف ولا انتفاع، فيجب على كل من العاقدين أن يردّ لصاحبه ما أخذه بموجب هذا العقد من عوض، فأن تصرف فيه فقد في غير ما يملك وهذا باتفاق من الفقهاء. والبيع الفاسد كل بيع نهى عنه وكان مثار النهي فيه أمراً وراء حقيقته وأركان بأن لم يكن ناشئاً من المبيع أو أحد العاقدين، ولم يكن مجاوراً منفكاً، فهو فاسد، لا باطل ولا صحيح. فيكون النهي عنه راجعاً إلى وصف لازم للعقد، أو ما هو في حكم الوصف كالثمن والزيادة بلا عوض في عقود الربا، والشروط التي لا يقتضي العقد وفيها نفع لآدمي. وجميع البيوع الفاسدة عند الحنفية تتخرج على هذا الأصل، وهذه البيوع باطلة عند الشافعي ومالك وغيرهما من الفقهاء عدا الحنفية حكمها حكم ما نهى عنه لحقيقته أو لركن من أركانه. ويرى الشافعية أن جميع البيوع التي نهى عنها للوصف اللازم باطلة كما لو رجع المنهي لذات التصرف ويسمونها فاسدة أيضاً، إذ الفساد والبطلان في العقود عندهم سواء. فإذا تعامل المتبايعان بعقد من العقود المتقدمة فتعاملهم لغو. لا يعتدّ به والعقد باطل، ومن يقبض منهما البدل بمقتضى هذا العقد يكون قابضاً له بغير وجه شرعي فيكون كالغاصب وتجري عليه أحكامه جاء في المجموع وغيره من كتبهم المعتبرة ما محصله : - من اشترى شيئاً شراء فاسداً لشرط مفسد أو لسبب آخر لم يجز له قبضه فإن قبضه لم يملكه بالقبض، سواء أعلم فساد البيع أم لا، ولا يصحّ تصرفه فيه ببيع ولا إعتاق ولا هبة ولا غيرها، ويلزمه رده إلى البائع وعليه مؤنة الرد كالمغصوب وكالمقبوض على سوم الشراء، ولا يجوز له حبسه لاسترداد الثمن، ويلزمه أجرته للمدة التي كان فيها في يده، سواء استوفى المنفعة أم تلقت تحت يده، لأنه مضمون عليه، غير مأذون في الانتفاع به، فيضمن أجرته كالمغصوب، وإن كان تعيب في يده لزمه أر من نقصه، وإن تلف لزمه ضمانه بلا خلاف، وفي القيمة من حين القبض إلى حين التلف كالمغصوب، لأنه مخاطب في كل لحظة من جهة الشرع برده. أما الزوائد الحادثة منه فيلزمه ضمانها إذا تلفت عنده سواء أكانت منفصلة كاللبن والثمرة، والولد والصوف؛ أم متصلة بأن سمنت عنده ثم هزلت، أو تعلم صنعه ثم نسيها، وسواء أتلفت العين أم ردها، فيلزمه ضمان الزيادة الفائتة عنده. وإذا أنفق على العبد أو البهيمة المقبوضين بالبيع الفاسد لم يرجع على البائع بها لأنه متبرع. ولو كان المقبوض ببيع فاسد جارية فوطئها المشتري، فإن كان الواطىء والموطوءة جاهلين، فلا حد للشبهة، ويلزمه المهر للبائع لأنه وطء شبهة وإن كانا عالمين لزمهما الحد إن كان اشتراها بميتة أو دم لأنه لا يملكها ولا يباح له وطؤها بالإجماع، فإن اشتراها بخمر أو شرط فاسد فلا حد لاختلاف العلماء في حصول الملك له: فإن أبا حنيفة رحمه الله يقول في هذه الحالة: إنه يملكها وإذا قلنا لا حدّ يجب المهر، = ٢٠٩ كتاب البيوع واحتج بما روينا من الأحاديث الواردة للنهي عن التفريق، أو ما يجري مجرى النهي، والبيع تفريق فكان منهياً، والنهي لا يصلُح سبباً لثبوت الملك كسائر البياعات التي ورد النهي عنها على أصله؛ فأبو يوسف إنما خصّ البيع في الوالدين والمولودين بالفساد؛ لورود الشرع بتغليظ الوَعيد بالتفريق فيهم، وهو ما روينا ولهما: أن قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [سورة البقرة، ٢٧٥] ونحوه من نصوص البيع يقتضي شرعية البيع على العموم والإطلاق؛ فمن ادعى التخصيص أو التقييد، فعليه الدليل. وأما الأحاديث فهي محمولة على النهي عن غير البيع وهو الإضرار، فلا يخرج البيع عن أن يكون مشروعاً كالنهي عن البيع وقت النداء؛ وإنما حملناه على غير البيع: إما حملاً لخبر الوَاحِد على موافقة الكتاب الكريم، وإما لأن النهي لا يرد عما عرف حسنه عقلاً على ما عرف(١). فإن كانت ثيباً وجب مهر ثيب، وإن كانت بكراً وجب مهر بكر وأرسن البكارة أيضاً، فإن أحبلها. فالولد = حر للشبهة، وهل عليه ولاء؟ فيه وجهالة حكاهما الدَّارمي، والصحيح منهما لا ولاء لأنه انعقد حرًّا. وإذا اشترى شيئاً شراء فاسداً فباعه لآخر فهو كالغاصب يبيع المغصوب، فإذا انتقل إلى يد الثاني وعلم حال البيع لزمه رده إلى المالك ولا يجوز رده إلى المشتري الأول. وحيث فسد العقد لشرط فاسد أو زيادة في العوض في الربويات أو لأي مفسد آخر، ثم أسقط المتعاقدان سبب الفساد، أو زال من نفسه، لم ينقلب العقد صحيحاً، وسواء أكان إسقاط المفسد في المجلس أم بعده: إذ قد وقع العقد باطلاً معدوماً شرعاً، فلم ينعقد ولم يوجد حتى ينقلب صحيحاً. وبالجملة: فالشافعية قد التزموا في تخريج الفروع الفقهية النهج الذي نهجوه في القواعد الأصولية، فبعد أن قرروا في الأصول أن النهي للذات أو للوصف يبطل التصرف الشرعي، نجد أنهم في التطبيق قد عملوا بهذه القاعدة ولم ينحرفوا عنها، فحكموا ببطلان جميع التصرفات التي رجح النهي لحقيقتها أو لوصفها. ينظر: أثر النهي في العبادات والمعاملات لشيخنا عبد المجيد فتح الله. (١) البيع المتضمن التفريق بين مملوكين صغيرين: أحدهما ذو رحم محرم من الآخر، وكذلك إذا كان أحدهما كبيراً، إذ قد توعد النبي ◌َّ من يفرِّق بين الأم وولدها بأن يفرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة كما قد أمر عليه السلام في الحديث الآخر بالادراك والإرتجاع وعدم التفريق ومثار النهي فيه ما في بيع أحدهما من قطع الاستئناس والمنع من التعاهد، وفيه ترك المرحمة على الصغار، وهو قد ينفك لجواز أن يحصل الجميع بالهبة أو بيع الآخر مثلاً فهذه البيوع التي نهى عنها، وكان سبب النهي أمراً مجاوراً للعقد منفكاً عنه صحيحة مكروهة، ولا يفيد المنهي عنها فسادها، فتثبت لها الأحكام التي تثبت للبيع الصحيح، فيجب الثمن لا القيمة، ويثبت الملك قبل القبض بالعقد وذلك لأن سبب النهي أمر خارج عن صلب العقد وعن شرائط صحته، منفك عنه فلم يؤثر في إبطاله ولا في إفساده. وعن أبي يوسف في البيع المتضمن للتفريق بين الأخوين أنه يحرم في قرابة الولاء لقوتها وضعف غيرها، وعنه أنه يحرم في جميع ذلك: لما روي من قوله عليه السلام لعليّ: أدرك أدرك، ولزيد بن حارثة: اردد، اردد؛ فإن الأمر بالادراك والرّد لا يكون إلا في البيع الفاسد. بدائع الصنائع ج٧ - م١٤ = ٢١٠ كتاب البيوع ولأبي حنيفة ومحمّد: أن ركن البيع صور من أهله مضافاً إلى محله، والنهي إنما هو لمعنى مجاور وهو = الوحشة الحاصلة بالتفريق، فكان كالبيع عند النداء، والجواب عن الحديث: أنه محمول على طلب الإقالة، أو بيع الآخر ممّن باع منه أحدهما. ويرى ((الكمال)) أن هذه البيوع فاسدة إذ يقول إن هذه الكراهات كلها تحريمية، إذ لا نعلم خلافاً في الأئم. ومقتضى النظر عندي أن يكون على أصولنا الشراء على سوم الآخر بشرطه، والحاضر للبادي في القحط والاضرار فاسداً، وتلقي الجلب إذا لبس باطلاً أو يثبت له الخيار، وهذا لأن النهي مطلقة للتحريم إلا لصارف، وهذه المعاني المذكورة سبباً للنهي تؤكد المنع لا تصرفه عنه، فأن في اعتراض الرجل على سوم الآخر بعد الركون وطيب النفس إثارةً للعداوة والبغضاء كالخمر والميسر فيحرم ذلك. وشراء ما جيء به في زمن الحاجة ليغالي على الناس ضرر عام للمسلمين وأهل الذمة فيحرم، وكذلك البيع من القادمين مع حاجة المقيمين فأنه لم يرض بالثمن المذكور إلا على تقدير كونه سعر البلد، فيجب أن يكون غير منعقد لعدم الرضا به، كقول مالك أو منعقداً ويثبت خيار الفسخ كقول الشافعي، وكون الوصف مجاوراً أو لازماً لا ينبغي ما ذكرنا، إذ الاصطلاحات لا تنفي المعاني الحقيقية المقتضية للبطلان أو الفساد، على أن معنى الفساد ليس إلا كون العقد مطلوب التفاسخ للمعصية بمباشرة المنهي عنه ويملك البدل منه بالقبض، وتأخر الملك إلى القبض ليس إلا لوجوب رفع المعصية برفعه، ويجب في هذه البياعات ذلك كله، غير أنه لما كان المنع بأخبار الآحاد الظنية سموه مكروها على اصطلاحنا. ولمّا كان الركن وهو مبادلة المال بالتراضي ثابتاً جعلته فاسداً)). فهذا من الكمال يدل على أنه لا يجب أن تلتزم القاعدة المصطلح عليها في هذا المقام من حيث نصها فقط، بل يجب أن ينظر إلى روحها وإلى حقيقة المقام أيضاً، فلا يكفي أن يكون مثار النهي أمراً مجاوراً منفكاً لكي نحكم بالصحة مع الكراهة وعدم الفساد، بل لا بد أيضاً من ألا يوجد من المعاني المثيرة ما يفيد البطلان، أو يقتضي الفساد كهذه البياعات، فينبغي ألاّ يوقف عند حرفية الاصطلاحات خاصّه. وهذا يدل على منشأ الخلافات الكثيرة بين الفقهاء بعد اتفاقهم على القاعدة الأصولية. هذا ولا يفوتني أن أنبه هنا على مسألة هامة وهي أن أكثر الكاتبين يرى أن النهي في هذه البيوع مختص بالحالة التي يتحقق فيها مثار النهي وضربوا لذلك مثلاً: البيع وقت النداء كما سيأتي فقالوا: إن تبايعا واقفين أو قاعدين في الطريق وقت الأذان للجمعه توجه النهي وكره البيع لتحقق الاخلال بالسعي الواجب، وإن تبايعا ذاهبين إلى الصلاة، أو قاعدين في المسجد فلا نهي ولا كراهة تحريم. وحقق بعضهم أن النهي في هذه البيوع عام يشمل الأحوال التي يتحقق فيها مثار النهي، والأحوال التي لا يتحقق فيها، لأن النصوص عامة ولا مخصص لها، فالنهي عن البيع عند النداء للجمعة عام يفيد حظر جميع البيوع التي تقع عنده، وإن كان سبب النهي الأمر المنفك، وهو الاخلال بالسّعي، فلا يجوز أن يقال إنه إن حصل إخلال بالسّعي : بأن تبايعا جالسين توجه النهي، وإلا فلا نهي، إذ یکون تخصيصاً بالرأي وهو لا يجوز، فالاخلال بالسّعي المعتبر حكمة حقيقية للنهي لا يلزم حصوله في كل صور النهي، أو بالأحرى هو غير منضبط ولا ظاهر، فأقيم الوقت من أول النداء إلى الصلاة مقامه فيكره كل بيع يقع مع النداء، كالسفر الذي جعل سبباً لرخصة الفطر والقصر في الصلاة، حصلت الحكمة الحقيقية وهي المشقة أو لم تحصل. ينظر: أثر النهي في العبادات والمعاملات لشيخنا عبد المجيد فتح الله. ٢١١ كتاب البيوع ومنها: البيع وقت النداء - وهو أذان الجمعة - لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [سورة الجمعة، ٩] أمر بترك البيع عند النداء نهياً عن البيع، لكن لغيره وهو ترك السعي، فكان البيع في ذاته مشروعاً جائزاً لكنه يكره؛ لأنه اتّصل به غير مشروع وهو ترك السعي. ومنها: بيع الحاضر للباد؛ وهو أن يكون لرَجُل طعام وعلف، لا يبيعهما إلا لأهل البادية بثمن غال، لما رُوِيَ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ - وَه - أنه قَالَ: ((لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادِ دَعُوا النَّاسَ، يَرْزُق اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ))(١) ولو بَاعَ جاز البيع؛ لأن النهي لمعنى في غير البيع وهو الإِضرار بأهل المصر، فلا يوجِبُ فساد البيع كالبيع وقت النداء، وهذا إِذا كان ذلك يضر بأهل البلد، بأن كان أهله في قحط من الطّعام والعلف؛ فإن كانوا في خَصب وسعة، فلا بأس به لانعدام الضرر. ومنها: بيع متلقي السلع، واختلف في تفسيره: قال بعضهم: هو أن يسمع خبر قدوم قافلة بميرة(٢) عظيمة، فيتلقاهم الرَّجل ويشتري جميع ما معهم من الميرة ويدخل المصر فيبيع ما يشاء من الثمن، وهذا الشِّراء مكروه (٣) لما (١) أخرجه مسلم (١١٥٧/٣): كتاب البيوع: باب تحريم بيع الحاضر للبادي، الحديث (١٥٢٢/٢٠)، وأبو داود (٧٢١/٣): كتاب البيوع والإجارات: باب في النهي أن يبيع حاضر لباد، الحديث (٣٤٤٢)، والطيالسي ص: (٢٤١) في مسند جابر بن عبد الله رضي الله عنه، الحديث (١٧٥٢)، وأحمد (٣٠٧/٣، ٣١٢، ٣٨٦، ٣٩٢) في مسند جابر بن عبد الله رضي الله عنه، والترمذي (٥٢٦/٣): كتاب البيوع: باب ما جاء لا يبيع حاضر لباد، الحديث (١٢٢٣)، والنسائي (٢٥٦/٧): كتاب البيوع: باب بيع الحاضر للبادي، وابن ماجة (٧٣٤/٢): كتاب التجارات: باب النهي أن يبيع حاضر لباد، الحديث (٢١٧٦). وابن الجارود (٥٧٤) والحميدي (٥٣٤/٢) رقم (١٢٧٠) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١١/٤) والبيهقي (٣٤٦/٥) والبغوي في شرح السنة (٤ /٢٩٢ - بتحقيقنا) من طريق أبي الزبير عن جابر به. وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢) ميرة: طعام يجمع للسفر ونحوه المعجم الوسيط (مير) (٣) والأصل فيه هو ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ((نهى النبي وَ ﴿ أن يتلقى الجلب فأن تلقاه إنسان فابتاعه فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق)). وقد ذهب بعضهم إلى بطلان هذا البيع؛ للنهي عنه، ولكنهم محجوجون بالحديث نفسه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام - جعلهم بالخيار إذا هبطوا السوق، ولا يكون الخيار إلا في بيع صحيح. وقد اختلف في علة النهي، هل المقصود من دفع الضرر عن الجالب؛ لأن في الغالب يبيع بسعر أقل من سعر السوق أم المقصود هو دفع الضرر عن أهل البلد بحرمانهم من اشتراكهم في السلع المجلوبة؛ ولأنها تباع لهم بسعر أعلا مما لو هبط الجالبون أنفسهم السوق وتولوا بيعها؟ أم أن هذا النهي لا علة أصلاً بكل هو حكم تعبدي؟. بالأخير قال الظاهرية، فأحكام الشريعة عندهم تعبد محض لا تعلل، ولا يقاس عليها، ولذلك فهم = ٢١٢ كتاب البيوع يجعلون الخيار للجلاب. مطلقاً إذا هبطوا السوق سواء غبنوا في البيع، أو لم يغبنوا عملاً بإطلاق = الحديث. وبالثاني قال المالكية، فالمنع عندهم من التلقي مقصود منه مصلحة أهل الأسواق الذين جلسوا يبتغون فضل الله، ورحمته، ويترقبون ورود أهل البضاعات إليهم؛ ليتسابقوا في الشراء منهم. والنتيجة الحتمية لهذا الرأي أن الجالب لا حق له في فسخ البيع، إذا هبط السوق، وتبين أنه قد غبن، وهذا هو يذهب المالكية بعينه. إلا أنهم اختلفوا، هل يجبر المتلقي على إشراكه أهل السوق في السلعة دفعاً للضرر عنهم بقدر الإمكان، أم لا يجبر؛ لأن البيع قد وقع صحيحاً، ولا ينزع من أحد ملكه قهراً عنه؟ روايتان : وبمثل قول المالكية قال الحنفية، إلا أنهم يفترقون عن المالكية من جهة أن البائع لا يجبر على إشراك أهل السوق عندهم قولاً واحداً. وهذا آت من جهة أنهم راعوا مصلحة المستهلكين من أهل البلد لا مصلحة التجار والممولين، كما هو رأي المالكية . وبالأول قال الشافعية، فالمنع عندهم مقصود من مصلحة الجالب نفسه، فلو هبط السوق، وتبين أنه قد غبن في السعر ولو غبناً يسيراً، فهو بالخيار إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أمضاه بالثمن المتفق عليه، فلو لم يكن هناك غبن، فلا خيار ولا حرمة. وحجتهم على هذا أن النبي ◌ّلل جعل للجالب الخيار إذا هبط السوق، وما ذاك إلا لمعرفته بالسعر حينئذ، فلا يفسخ إلا إذا عرف أنه مغبون، وإلا لم يكن لهذا التقييد من فائدة. ويفرق بعض الشافعية بين ثبوت الخيار للبائع إذا تلقاه المشتري فاشترى منه بغبن، وبين عدم ثبوته له إذا اشترى منه المشتري بغبن في الحضر بأن المشتري في الحالة الأولى غرر بالبائع، حيث أخبره بالسعر على غير حقيقته، وهذا فرق غير وجيه، لأنه لو اشترى منه فقيه كان له الخيار، ولو لم يخبره بسعر السوق، وأيضاً لو دلس البائع على المشتري في السعر في الحضر، فقال: أعطيت في هذه السلعة كذا وكذا، فصدقه المشتري، فلا خيار له، كالبخس سواء بسواء وإذا فالتعزير غير معتبر عندهم في إثبات الخيار للمغبون، وأما الحنابلة، فالظاهر من شأنهم أنهم يجعلون المقصود من النهي عن تلقي الجلب هو مراعاة المصلحتين معاً مصلحة الجلاب، ومصلحة أهل الأمصار، فجعلوا الجالب بالخيار إذا غبن غبناً فاحشاً وحرموا التلقي إذا تضرر به أهل المصر، وهذا كما هو ظاهر. أعدل المذاهب، والنص لا يفيد سوى قصر الخيار على الجلاب، والحرمة أمر وراء ذلك. هذا ومذهب الحنفية، والمالكية القائل: أنه لا خيار للجلاب، إذا باعوا بغبن، فهبطوا السوق، وتبينوا الحقيقة مخالف لصريح النص. ومحاولة استخراج علة خاصة من النص تتنافى وثبوت الخيار لهم محاولة تهدم النص، وهي في الوقت نفسه عكس ما هو المعروف لدى جميع العلماء من أنه يؤخذ النص بعد ثبوت صحة على أن مسلم الحكم، ثم يبحث بعد ذلك عن العلة التي تتفق وحكمه. وقد ذهب قلة من العلماء إلى أن تلقى الركبان للشراء منهم غير محرم بحال محتجين بما روي عن ابن عمر رضي الله عنه - قال: ((كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ، فَتَشْتَرِيَ مِنْهُمُ الطَّعَامَ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ ◌َ ـ أَنْ نَبِيْعَهُ حَتّى يَبْلُغَ بِهِ = ٢١٣ كتاب البيوع رُوِيَ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ - وَلَهَ - أنه قَالَ ((لاَ تَتَلقَّوا السِّلَعَ حَتَّى تهبط الأَسْوَاقُ))(١) وهذا إذا كان يضر سَوقَ الطَّعَام))، حيث عبر بكنا نتلقى، وهي صيغة دالة على التكرار، والنبي عليه الصلاة والسلام مع = معرفته بهذا لم ينكره عليهم، وإنما أنكر على المشترين أن يبيعوا الطعام حيث شروه، وأوجب عليهم أن يهبطوا به السوق أولاً، وهذا أمر وراء التلقي للركبان للشراء منهم. وهذا مذهب ضعيف غاية الضعف؛ لأن النهي عن التلقي للشراء قد ثبت بأحاديث أخر أصح وأصرح على أنه لا مانع من العمل بموجب الحديثين معاً، فيكون التلقي للشراء منهم حرام ما، والبيع حيث الشراء حرام مراعاة للجانبين جانب الركبان، وجانب أهل الأمصار. والذي يظهر أن هذا الحديث يصلح متمسكاً للحنفية والمالكية في قصرهم علة النهي عن تلقي الركبان على دفع الضرر عن أهل المصر؛ لأن الرسول وَل18 نهاهم عن بيع ما شروا من الجلب، حتى يهبطوا السوق، وهذا طبعاً مقصود منه مصلحة أهل الأمصار، فيكون النهي عن تلقي الركبان للشراء منهم مقصوداً من مصلحة أهل الأمصار أيضاً. ولكنه مع ذلك متمسك ضعيف؛ لأن إثبات الخيار للركبان إذا هبطوا السوق يجعلهم مقصودين من النهي أيضاً . ينظر: الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور، وينظر: مغني المحتاج ٣٧/٢، المحلى ٨/ ٤٥٠. (١) أخرجه مسلم (١١٥٧/٣): كتاب البيوع: باب تحريم تلقي الجلب، الحديث (١٥١٩/١٧)، وأحمد (٢/ ٤٨٧ - ٤٨٨)، وأبو داود (٧١٨/٣): كتاب البيوع والإجارات: باب في التلقي، الحديث (٣٤٣٧)، والترمذي (٥٢٤/٣): كتاب البيوع: باب ما جاء في كراهية تلقي البيوع، الحديث (١٢٢١)، والنسائي (٧/ ٢٥٧): كتاب البيوع: باب التلقي، وابن ماجة (٥/٢): كتاب التجارات: باب النهي عن تلقي الجلب، والبيهقي (٣٤٨/٥): كتاب البيوع: باب النهي عن تلقي السلع. وهو عند البخاري (٣٧٣/٤): كتاب البيوع: باب النهي عن تلقي الركبان، الحديث (٢١٦٢) مختصراً بلفظ: ((نهى النبي - رَ﴾ - عن التلقي، وأن يبيع حاضر لبلد)). وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي الباب عن ابن مسعود قال: نهى النبي - ◌َّر - عن تلقي البيوع)) أخرجه البخاري (٣٧٣/٤): كتاب البيوع: باب النهي عن تلقي الركبان الحديث (٢١٦٤)، ومسلم (١١٥٦/٣): كتاب البيوع: باب تحريم تلقي الجلب، الحديث (١٥١٨/١٥). وأحمد (٤٣٠/١) والترمذي (٥٢٤/٣) كتاب البيوع: باب ما جاء في كراهية تلقي البيوع حديث (١٢٢٠) وابن ماجة (٧٣٥/٢) كتاب التجارات: باب النهي عن تلقي الجلب حديث (٢١٨٠) وأبو يعلى (٤٠٧/٨ - ٤٠٨) رقم (٤٩٩٠). وعن ابن عمر ((أن رسول الله - وَّر - نهى أن تتلقى السلع حتى تبلغ الأسواق)). أخرجه البخاري (٣٧٥/٤): كتاب البيوع: باب منتهى التلقي، الحديث (٢١٦٦) و(٢١٦٧)، ومسلم (١١٥٦/٣): كتاب البيوع: باب تحريم تلقي الجلب، الحديث (١٥١٧/١٤). وأبو داود (٣٤٣٦) والنسائي (٧/ ٢٥٧) كتاب البيوع: التلقي وابن ماجة (٧٣٥/٢) كتاب التجارات: باب النهي عن تلقي الجلب حديث (٢١٧٩) وأحمد (٢٠/٢) وابن الجارود (٥٧٢) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٧/٤، ٨). ٢١٤ كتاب البيوع بأهل البلد؛ بأن كان أهله في جَذْب وقحط؛ فإن كان لا يضرهم، لا بأس. وقال بعضهم: تفسيره هو أن يتلقاهم فيشْتَري منهم بأرخص من سعر البلد وهم لا يعلمون سعر البلد، وهذا أيضاً مكروه، سواء تضرَّر به أهل البلد أم لا؛ لأنه غرهم والشراء جائز في الصورتين جميعاً؛ لأن البيع مشروع في ذاته والنهي في غيره، وهو الإضرار بالعامة ١٢٠/٣ ب على التفسير/ الأول، وتغرير أصحاب السلع على التفسير الثاني. ومنها: بيع المستام على سوم أخيه، وهو أن يُسَاوم الرجلان، فطلب البائع بسلعته ثمناً ورضي المشتري بذلك الثمن، فَجَاء مشتر آخر ودخل على سوم الأول فاشتراه بزيادة أو بذلك الثمن؛ لما رُوِيَ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ - وَرَ - أَنَّهُ قَالَ: ((لاَ يَسْتَامُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمٍ أَخِيهِ، وَلاَ يَخْطُبْ عَلَى خَطْبَةِ أَخِيهِ» (١) وروي: ((لاَ يَسُوُ الرِّجُلُ عَلَى سَوْمٍ أَخِيهِ)) والنّهي لمعنىَ في غير البيع وهو الإيذاء، فكان نفس البيع مشروعاً فيجوز شراؤه، ولكنهَ يُكْره، وهذا إذا جنح البائع للبيع بالثمن الذي طلبه المشْتَري الأول؛ فإن كان لم يجنح له، فلا بأس [للمشتري](٢) الثاني أن يشتريه؛ لأن هذا ليس اسْتِيَاماً على سوم أخيه، فلا يدخل تحت النهي، ولانعدام معنى الإيذاء أيضاً، بل هو بَيْعٍ من يزيد وأنه ليس بمكروه، لما روي أن رسول الله - وَله - بَاعَ قَدَحاً وحِلْسَاً (٣) لَهُ بِبَيْع مَن يَزِيَدُ وما كان رسول الله - وَ له - ليبيع بيعاً مكروهاً؛ وكذا في النكاح إِذا خطب رجل امرأة وركن قبلها إليه، يكره لغيره أن يخطبها؛ لما روينا: وإن لم يركن فلا بأس به. ومنها: بيع السلاح من أهل الفتنة وفي عَسَاكرهم؛ لأن بيعه منهم من باب الإعانة على الإثم والعدوان وأنه منهي، ولا يكره بيع ما يتخذ منه السلاح منهم كالحديد وغيره؛ لأنه ليس معداً للقتال فلا يتحقَّق معنى الإِعانة. ونظيره بيع الخشب الذي يضلح الاتّخاذ المزمار؛ فإنه لا يكره وإن كره بيع المزامير. وأما ما يكره مما يتصل بالبيوع: فمنها الاحتكار، وقد ذكرنا جملة الكلام فيه في باب الكراهية وإلحاقه بهذا الموضع أولى. ومنها: النجش؛ وهو أن يمدح السلعة ويطلبها بثمن ثم لا يشتريه بنفسه، ولكن ليسمع غيره فيزيد في ثمنه، وأنه مكروه لما روي عن رسول الله - وََّ -: أَنَّهُ نَهَى عَن النَّجَشِ، ولأنه احتيال للإضرار بأخيه المسلم، وهذا إذا كان المشْتَري يطلبَ السلعَةَ من صاحبها بمثل ثمنها؛ (١) تقدم. (٢) سقط من ط . (٣) الحِلْسُ: كل ما ولى ظهر الدابة تحت الرحل والقتب والسرج، وما يبسط في البيت من حصير ونحوه تحت كريم المتاع. المعجم الوسيط (حلس). ٢١٥ کتاب البيوع فأما إذا كان يطْلُبها بأقل من ثمنها، فنجش رجل سلعة حتى تبلغ إِلى ثمنها - فهذا ليس بمكْرُوه وإن كان الناجش لا يريد شراءها (١)، والله عز وجل أعلم. فصل [في حكم البيع] وأما حكم البيع فلا يمكن الوقوف عليه إلا بعد الوقوف على تسمية البياعات في حق الحكم، فنقول وبالله التوفيق : (١) النجش في اصطلاح الفقهاء: هو أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شراءها ليغر من يريد شراءها، فيشتريها بأكثر من قيمتها. وهو مأخوذ من نجش الصيد ينجشه نجشاً، إذا استثاره ليصيده، فكما أن الصائد يحتال على الصيد بعمله هذا ليقتضيه، فالناجش يحتال على المشتري، حتى يشتري السلعة بأكثر مما تستحق. فالفعل يدل لغة وشرعاً على الاحتيال، والمكر، والخداع. ومعنى خيار النجش وعلى هذا ثبوت حق فسخ البيع للمشتري في کل بيع قد غر فيه. والنجش في البيع حرام باتفاق الفقهاء إذا أدى إلى بيع السلعة بأكثر من قيمتها؛ للنهي عنه، فقد صح عن رسول الله - وَل﴾ - أنه قال ((لاَ تَنَاجَشُوْا)). والمعنى فيه أنه تغرير، وتحايل، وإيقاع الأذى بالغير. فإن لم يؤد إلى بيع السلعة بأكثر من قيمتها فهو أيضاً حرام عند الشافعية، لعموم النهي؛ ولأن المشتري يتأذى به على كل حال إذ لولا النجش لكان من الممكن أن يشتريها بأقل سعراً مما اشترى، والرسول - عليه الصلاة والسلام - يقول ((دَعُوْا النَّاسَ يَرِزُقُ الله بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ)). بينما هو حلال عند الحنفية؛ لأنه يؤدي إلى نفع مسلم - هو البائع - من غير إضرار بغيره؛ لأنه الفرض. أن المشتري اشتراها بقيمتها، أو أقل. وأكثر العلماء، على أن النجش، وإن أدى إلى بيع السلعة بأكثر من قيمتها، فهو لا يفسد البيع؛ لأن النهي راجع إلى أمر خارج عن العقد. وقليل منهم هم الذين قالوا: إن النجش يفسد البيع؛ لأن مطلق النهي عندهم يقتضي الفساد، ويروى هذا عن أحمد، وينسبه بعضهم أيضاً إلى أهل الظاهر. والذي رأيناه لابن حزم: أن البيع صحيح، وللمشتري الخيار. والذين قالوا إن البيع صحيح اختلفوا في إثبات الخيار للمشتري، إذا غبن. وكل قال بموجب مذهبه في الخيار بالغبن، فلا خيار له عند الشافعية، والحنفية، وله الخيار عند الحنابلة، وابن حزم للتضليل عليه، وقال الأولون هو المقصر. وأما المالكية، ففصلوا تفصيلاً. فقالوا: إن ثَبَتَ علم البائع بفرض الناجش، فللمشتري الخيار لسوء نية البائع، ولأنه حينئذ يكون شبيهاً بالمدلس، وإنه لم يثبت علم البائع بفرضه، فلا خيار للمشتري؛ لأنه ليس حينئذ إلا الغبن وهو لا يوجب الخيار عندهم. ينظر: الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور. ٢١٦ كتاب البيوع البيع في حقِ الحكم لا يخلو: إما أن يكون صَحِيحاً، وإما أن يكون فاسداً، وإما أن يكون باطلاً، وإما أن يكون موقوفاً، والصحيح لا يخلو: إما أن يكون فيه خيار أو لا خيار فيه . أما البيع الصَّحيح الذي لا خيار فيه، فله أحكام لكن بعضها أصلي(١) وبعضها من التوابع؛ أما الحکم الأصلي فالكلام فيه في موضعین: في بیان أصل الحکم، وفي بیان صفته: أما الأول فهو ثبوت الملك للمشتري في المبيع، وللبائع في الثمن للحال، فلا بد من معرفة المبيع والثمن لمغرفة حكم البيع والأحكام المتعلقة بهما، فيقع الكلام في موضعين: أحدهما: في تفسير المبيع والثمن. والثّاني: في بيان الأحكام المتعلقة بهما، أما الأول فنقول ولا قوة إلا بالله تعالى. المبيع والثمن على أصل أصحابنا من الأسماء المتباينة الواقعة على معان مختلفة؛ فالمبيع في الأصل اسم لما يتعين بالتَّعيين [في البيع](٢)، والثمن في الأصل ما لا يتعين بالتعيين، وإن احتمل تغير هذا الأصل بعارض؛ بأن يكون مما(٣) لا يحتمل التَّعيين مبيعاً كالمسلم فيه وما يحتمله ثمناً، كرَأْس مال السلم إِذا كان عيناً على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وأما على أصل زفر - رحمه الله - وهو قول الشافعي - رحمه الله -: فالمبيع والثمن من الأسماء المترادفة الواقعة على مسمى واحد، وإِنما يتميز أحدهما عن الآخر في الأحكام بحرف الباء . وإذا عرف هذا فالدراهم والدَّنانير على أصل أصحابنا أثمان لا تتعيَّن في عقود المعاوضات في حق الاستحقاق وإن عينت؛ حتى لو قال، بعت منك هذا الثوب بهذه الدراهم أو بهذه الدنانير، كان للمشْتَري أن يمسك المشار إليه ويرد مثله، ولكنها تتعين في حق ضمان الجنس والنوع والصّفة والقدر، حتى يجب عليه رد مثل المشار إليه جنساً ونوعاً وقدراً وصفة، ١١٢١/٣ ولو هلك المشار إليه لا يبطل العقد، وعلى أصلهما يتعيّن حتى يستحق البائع على المشتري للدَّراهم المشار إليها؛ كما في سائر الأعيان المشار إليها؛ ولو هلك قبل القبض يَبْطُل العقد، كما لو هلك سائر الأعيان وجه قولهما: إن المبيع والثمن يستعملان استعمالاً واحداً؛ قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [سورة البقرة، ٤١] سمى سبحانه وتعالى المشْتَري وهو المبيع ثمناً، دل على أن الثمن مبيع والمبيع ثمن؛ ولهذا جاز أن يذْكُر الشراء بمعنى البيع، (١) في ط: أصل. (٣) في ط: ما. (٢) سقط من ط. ٢١٧ کتاب البيوع يقال: شريت الشيء بمعنى بعته؛ قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوَهُ بِثَمَنِ بَخْسٍ دَرَاهم﴾ [سورة يوسف، ٢٠] أي وباعوه، ولأن ثمن الشيء قيمته وقيمة الشيء ما يقوم مقامه؛ ولهذا سمى قيمة لقيامه مقام غيره، والثمن والمثمن كل واحد منهما يقوم مقام صاحبه، فكان كل واحد منهما ثمناً ومبيعاً - دل أنه لا فرق بين الثمن والمَبِيع في اللغة، والمبيع يحتمل التعين بالتعيين فكذا الثمن، إذ هو مبيع على ما بينا. ولنا: أن الثمن في اللغة اسم لما في الذمة؛ هكذا نُقِلَ عن الفراء وهو إمام في اللغة؛ ولأن أحَدَهما يسمى ثمناً والآخر مبيعاً في عرف اللغة والشرع. واختلاف الأسامي دليل اخْتِلاف المعاني في الأصل، إلا أنه يستعمل أحدهما مكان صاحبه توسعاً؛ لأن كل واحدٍ منهما يقابل صاحبه، فيطلق اسم أحدهما على الآخر لوجود معنى المقابلة، كما يسمى جزاء السَّيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتداء، فأما الحقيقة فما ذكرنا، وإذا كان الثمن اسماً لما في الذِّمة، لم يكن محتملاً للتعيين بالإِشارة، فلم يصح التعيين حقيقة في حق استحقاق العين، فجعل كِنَاية عن بيان الجنس المشار إليه ونوعه وصفته وقدره تصحيحاً؛ لتصرف العاقل بقدر الإمكان؛ ولأن التعيين غير مفيد؛ لأن كل عوض يطلب من المعين في المعاوضات يمكن استيفاؤه من مثله، فلم يكن التعيين في حق استحقاق العين مفيداً، فيلعنو في حقه، ويعتبر في بيان حق الجِنْس والنوع والصفة والقدر؛ لأن التعيين في حقه مفيد، ثم الدراهم والدنانير عندنا أثمان على كل حَالٍ أي شيء كان في مُقَابلتها، وسواء دخله حرف الباء فيهما أو فيما يقابلهما؛ لأنها لا تتعين بالتَّعيين بحال، فكانت أثماناً على كل حال. وأما ما سواهما من الأموال: فإن كان مما لا مِثْل له من العَدَديات المتفاوتة والذرعيات - فهو مبيع على كل حال؛ لأنها تتعين بالتعين، بل لا يجوز بيعها إلا عيناً، إلا الثياب الموصوفة المؤجلة سلماً، فإنها تثبت ديناً في الذِّمة مبيعة بطريق السلم استحساناً، بخلاف القياس لحاجة الناس إلى السَّلم فيها؛ وكذا الموصوف المؤجل فيها لا بطريق السلم يثبت ديناً في الذمة ثمناً استِخْسَاناً، وإن كان مما له مثل كالمكيلات والموزُونات والعدديات المتَقَاربة؛ فإن كان في مقابلة المكيل أو الموزون دراهم أو دنانير - فهو مَبِيع؛ وإن كان في مقابلته ما لا مثل له من الأعيان التي ذكرنا، فإنه ينظر: إن كان المكيل أو الموزُون معيناً فهو مبيع، وإن لم یکن معيناً یحکم فيه حرف البا، فما دخله فهو ثمن والآخر مَبِيع، وإن كان أحدهما معيناً والآخر موصوفاً، أو كان كل واحد منهما موصوفاً - فإنه يحكم فيه حرف الباء؛ فما صحبه فهو الثمن والآخر المبيع . وأما الفلوس الرائجة فإن قوبلت بخِلاَف جنسها، فهي أثْمَان؛ وكذا إن قوبلت بجنسها متساوية في العدد؛ وإن قُوبلت بجنسها متفاضلة في العدد، فهي مبيعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: هي أَثْمَان على كل حال، والله عز وجل أعلم. ٢١٨ كتاب البيوع وأما بيان ما يتعلق بهما من الأحكام: فمنها إنه لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض بالإجماع، وفي العقار اختلاف، ويجوز التصرف في الأثمان قبل القبض إلا الصَّرف والسَّلم . وقال الشافعي - رحمه الله -: إن كان الثمن عيناً، لا يجوز التصرف فيها قبل القبض، وهذا على أصله مستقيم؛ لأن الثمن والمبيع عنده من الأسماء المترادفة الواقعة على مسمى واحد، فكان كل واحد منهما مبيعاً، ولا يجوز بيع المبيع قبل القبض؛ وإن كان ديناً فله فيه قولان: في قول: لا يجوز أيضاً؛ لما روي عن النبي - عليه الصّلاة والسلام - أنه «نَهَى عَنْ بَيْعٍ مَا لَمْ يُقْبَضُ)) فيتناول العين والدين. ولنا: ما روي عن عبد الله ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما -؛ أنه قال: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَبِيعُ الإِبْلَ بِالْبَقِيعِ، ونَأْخُذْ مَكَانَ الدَّراهِم الدَّنَانير، وَمَكانَ الدَّنانيرِ الدَّراهم؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ ١٢١/٣ ب والسَّلامُ: ((لاَ بأسَ إِذا كَانَ بِسِعْرٍ / يَوْمِهِمَا وَاقْتَرَقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيءٌ))(١) وهذا نص على جواز الاستبدال من ثمن المبيع؛ ولأن قبض الدين بقبض العين؛ لأن قبض نفس الدين لا يتصور؛ لأنه عبارة عن مال حُكْمي في الذمة، أو عبارة عن الفعل، وكل ذلك لا يتصور فيه (١) أخرجه أبو داود (٦٥٠/٣ - ٦٥١): كتاب البيوع: باب في اقتضاء الذهب من الورق الحديث (٣٣٥٤)، وأحمد (١٣٩/٢)، والترمذي (٥٤٤/٣): كتاب البيوع: باب ما جاء في الصرف، حديث (١٢٤٢)، والنسائي (٢٨٣/٧) باب أخذ الورق من الذهب، وابن ماجة (٢/ ٧٦٠): كتاب التجارات: باب اقتضاء الذهب من الورق، حديث (٢٢٦٢)، وابن حبان (١١٢٨ - موارد)، وابن الجارود ص (٢٢٠): باب ما جاء في الربا، حديث (٦٥٥)، والدارقطني (٢٣/٣ - ٢٤): كتاب البيوع: حديث (٨١). الحاكم (٢/ ٤٤): كتاب البيوع، والبيهقي (٢٨٤/٥): كتاب البيوع: باب اقتضاء الذهب من الورق، كلهم من حديث سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر به بزيادة ((ما لم تفترقا وبينكما شيء)» وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم وقال الترمذي: (لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. وروى داود بن أبي هند هذا الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عمر مرفوعاً). وقال البيهقي تفرد برفعه سماك بن حرب عن سعيد بن جبير من أصحاب ابن عمر). قال الحافظ في التلخيص (٢٦/٣): وروى البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال: سئل شعبة عن حديث سماك هذا، فقال شعبة سمعت أيوب عن نافع عن ابن عمر ولم يرفعه، ونا قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر ولم يرفعه، ونا يحيى بن أبي إسحاق عن سالم عن ابن عمر ولم يرفعه، ورفعه لنا سماك بن حرب وأنا أفرقه ا. هـ. وقد تعقب النووي في ((المجموع)) (٣٢٩/٩ - ٣٣٠) قول البيهقي فقال: وهذا لا يقدح في رفعه وقد قدمنا مرات أن الحديث إذا رواه بعضهم مرسلاً وبعضهم متصلاً وبعضهم موقوفاً وبعضهم مرفوعاً كان محكوماً بوصله ورفعه على المذهب الصحيح الذي قاله الفقهاء والأصوليون ومحققوا المحدثين من المتقدمين والمتأخرين. ٢١٩ کتاب البيوع قبضه حقيقة، فكان قبضه بقبض بدَله وهو قبض الدين، فتصير العين المقبوضة مضمونة على القابض، وفي ذمة المقبوض منه مِثْلها في المالية، فيلتقيان قصاصاً، هذا هو طريق قبض الديون؛ وهذا المعنى لا يوجِبُ الفصل بين أن يكون المقبوض من جنس ما عليه أو من خلاف جنسه؛ لأن المقاصة إنما تتحقق بالمعنى وهو المالية، والأموال كلها في معنى المَالِيَّة جنس واحد، وبه تبين أن المراد من الحديث العين لا الدين؛ لأن النهي عن بَيْع ما لم يقبض يقتضي أن يكون المَبِيع شيئاً يحتمل القبض، ونفس الدين لا يختَمل القبض على ما بينا، فلا يتناوله النهي بخِلاف السَّلم والصرف. أما الصرف: فلأن كل واحدٍ من بدلي الصرف مبيع من وجه وثمن من وجه؛ لأن البيع لا بد له من مبيع إِذ هو من الأسماء الإضافية، وليس أحدهما بجعله مبيعاً أولى من الآخر، فيجعل كل واحد منهما مبيعاً من وجه وثمناً من وجه، فمن حيث هو ثَمَن يجوز التَّصرف فيه قبل القبض كسائر الأثمان، ومن حيث هو مبيع لا يجوز، فرجحنا جانب الحُزْمَة احتياطاً. وأما المسلم فيه: فلأنه مبيع بالنص، والاستبدال بالمبيع المنقول قبل القَبْض لا يجُوز، ورأس المال ألحق بالمَبِيع العين في حق حرمة الاستبدال شرعاً، فمن ادَّعى الإلحاق في سائر الأمْوَال فعليه الدليل، وكذا يجوز التصرف في القرض قبل القبض، وذكر الطحاوي - رحمه الله -: أنه لا يجوز، وفرق بین القرض وسائر الدیون. ووجه الفرق له: أن الإقراض إعارة لا مبادلة، ألا ترى أنه لا يلزم الأجل فيه كما في العارية، ولو كان مبادلة للزم فيه الأجل؛ وكذا لا يملكه الأب والوصِيّ والمكَاتِب والمأذون؛ وهؤلاء يملكون المبادلة؛ ولأنه لو جعل مبادلة لما جاز؛ لأنه يتمكن فيه الرِّبا وهو فضل العين على الدين - دل أنه إعارة، والواجب في العارية رد العين وأنه لا يخصُل بالاستبدال. وجه ظاهر الرواية: أن الإقراض في الحقيقة مبادلة الشيء بمثله؛ فإِن الواجب على المستقرض مثل ما استقرض ديناً في ذمته لا عينه، فكان محتملاً للاستبدال كسائر الديون، ولهذا اختص جوازه بماله مثل من المَكِيلات والموزونات والعدديات المتقاربة - دل أن الواجب على المستقرض تسليم مثل ما اسْتَقرض لا تسليم عينه، إلا أنه أقيم تَسْليم المثل فيه مقام تسليم العين، كأنه انتفع بالعين مدة ثم ردها إليه، فأشبه دين الاسْتِهْلاَك وغيره، والله عز وجل أعلم. ومنها: أنه لا يجُوزُ بيع ما ليس عند البَائِع إلا السلم خاصة؛ لما رُوِيَ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - وَّ ـ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإِنْسَانِ وَرَخَّصَ في السَّلَم)) ويجوز الشراء بثمن ليس عند المشْتَري؛ لما روي أن النبي - رََّ ـ ((اشترى مِنْ يَهُودِيِّ طَعَامَاً بِثَمَنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» . وعلى هذا يخرج ما إذا قال: اشْتَريت منك هذه الحنطة بدرهم أو دينار إلى شهر، أو ٢٢٠ كتاب البيوع قال: اشتريت منك درهماً أو دينار إلى شَهْر بهذه الحنطة - أنه يجوز، لما ذكرنا أن الدراهم والدنانير أثمان على كل حال، فكان ما يقابلها مبيعاً فيكون مشترياً بثمن ليس عنده وأنه جائز. ولو قال: بعت منك قفيز حنطة بهذا الدرهم أو بهذا الدِّينار، ووصف الحنطة لكنه لم يذكر شرائط السلم، أو قال: بعت منك هذ الدَّرهم أو هذا الدينار بقفيز من حنطة، ووصفها ولم يذكر شرائط السلم - لا يجوز؛ لأن الدَّراهم والدنانير أثمان بأي شيء قوبلت، فكان ما في مقابلتها مبيعاً، فيكون بائعاً ما ليس عنده. ولا يجوز بَيْع ما ليس عند الإنسان إلا السلم خاصة، ولم يذكر شرائط السلم فلو ذكر في هذا البَيْعِ شرائط السَّلم، جاز عند أصْحَابنا الثلاثة؛ وإن لم يذكر لفظ السلم،، وعند زفر: لا يجوز ما لم يذكر لفظ السلم. والصحيح قولنا؛ لما ذكرنا أن السلم نوع بيع إلا أنه بيع اختص بشرائط، فإذا أتى بها فقد أتى بالسلم، وإن لم يتلفظ به، ولو تصارفًا ديناراً بدينار، أو عشرة دراهم بعشرة دراهم، أو ديناراً بعشرة بغير أعيانها ولَيْس عندهما شيء من ذلك، فاستقرضا في المجلس ثم تقابضا وافترقا - جاز؛ لأن الدَّراهم والدنانير أثمان عى كل حال، فكان كل واحد منهما مشترياً بثمن ليس عِنْدَه لا بائعاً، وأنه جائز إلا أنه لا بد من التقابض؛ لأنه صرف. ولو تبايعا تبراً بتبر بغير أعْيَانهما، وليس عندهما شيء من ذلك، ثم استقرضا قبل الافتراق فتقابضا، ثم افترقا - ففيه روايتان: ذكر في الصرف أنه يجوزه وجعله بمنزلة الدراهم والدنانير المضروبة، وذكر في المضاربة وَجَعَله بمنزلة العروض؛ حيث قال: لا تجوز المضاربة، فعلى هذه الرواية لا يجُوز البيع، ويحتمل أن يوفق بين الروايتين؛ بأن تحمل رواية كتاب الصَّرف على موضع يروج التبر فيه رواج الدراهم والدنانير المضروبة، ورواية كتاب المضاربة على موضع لا يروج رواجها. وعلى هذا يخرج ما إذا قال: بعت منك هذا العَبْد بكذا كر حنطة ووصفها - أنه يجوز؛ لأنه جعل الحنطة الموصوفة ثمناً، حيث أدخل فيها حَرْف الباء، فيكون الآخر مبيعاً، فكان هذا بيع العبد بحنطة موصوفة في الذِّمة فيجرز. ولو قال: اشتريت منك كذا كر حِنْطة ووصفها بهذا العبد - لا يجوز إلا بطريق السلم؛ لأنه جعل العبد ثمناً بدلالة حرف الباء، فكانت الحنطة مبيعه، فكان بائعاً ما ليس عنده - فلا يجوز إلا بشرائط السَّلم من الأجل، وبيان مكان الإيفاء وقبض رأس المال، ونحو ذلك عندنا، وعند زُفَر: لا يجوز ما لم يذكر لفظ السلم على ما مر. وعلى هذا يخرج ما إِذا قَالَ: بعت منك هذه الحِنْطَة على أنها قفيز بقفيز حنطة ووصفها،