النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كتاب البيوع
ولو حدث من المَبِيع زيادة؛ كالولد والثمرة والصوف واللبن والعقر - لم يبعه مرابحة
حتى يبين؛ لأن الزيادة المتولّدة من المَبِيع مبيعة عندنا حتى تمنع الرد بالعيب، وإِن لم يكن لها
حصة من الثَّمن للحال فهذا حبس بعض المبيع وباع الباقي، فلا يجوز من غير بيان.
وكذا لو هلك بفعله أجنبي، ووجب الأَزْش؛ لأنه صار مبيعاً مقصوداً يقابله الثمن، ثم
المبيع بيعاً غير مقصود لم يبعه مرابحةً من غير بيان، فالمبيع / مقصوداً أولى؛ ولو هلك بآفة ١١٥/٣ب
سماوية، له أن يبيعه مرابحة من غير بيان؛ لأنه إن هلك طرف من أطْرَافه بآفة سماوية، باعه
مرابحةً من غير بيان على ما مر؛ فالولد أولى لأنه ملحق بالطّرف.
ولو استغل الولد أو (١) الأرض، جاز له أن يبيعه مرابحة من غير بيان؛ لأن الزيادة التي
لبست بمتولدة من المبيع لا تكون مبيعة بالإِجْمَاع؛ ولهذا لا يمنع الرد بالعيب، فلم يكن ببيع
الدار أو الأرض حابساً جزءاً من المبيع، فكان له أن يبيعه مرابحة من غير بيان.
وكذلك لو كان المشتري جاريةً ثيباً فوطئها، جاز له أن يبيعها مرابحة من غير بيان؛ فإن
الوطء استيفاء المنفعة حقيقة، والمنفعة ليست بجُزْء لها حقيقة، فاستيفاؤها لا يوجب نقصاناً فى
الذات، إلا أنه ألحق بالجزء عند عدم الملك إِظهاراً لخطر الأبضاع، ولا حاجة إلى ذلك في
الملك، فبقيت منفعة(٢) حقيقة، ووطء الثيب إنما منع الرد بالعيب عندنا، لا لأنه إثْلاَف جزء
من العين، بل لمعنى آخر نذكره في موضعه؛ ولو كانت الجارية بكراً فافتضها المشْتَري - لم
يبعها مرابحة حتى يبين؛ لأن الافتضاض إزالة العذرة وهي عُضْو (٣) منها، فكان إتلافاً لجزئها،
فأشبه إتلاف سائر الأجزاء؛ ولو أتلف منها جزءًا آخر، لكان لا يَبِيعُها مرابحة حتى يبين. كذا
هذا .
ولو اشترى شيئاً نسيئة، لم يبعه مرابحة حتى يبين؛ لأن للأجَل شبهة المبيع، وإن لم
يكن مبيعاً حقيقة؛ لأنه مرغوب فيه، ألا ترى أن الثّمن قد يزاد لمكان الأجل، فكان له شبهة أن
يقابله شيء من الثَّمن، فيصير كأنه اشْتَرى شيئين ثم باع أحدهما مرابحةً على ثمن الكل؛ لأن
الشُّبهة ملحقة بالحَقِيقة في هذا الباب، فيجب التحرُّز عنها بالبيان.
ولو اشترى من إِنْسَان شيئاً بدين له عليه - له أن يبيعه مرابحة من غير بيان؛ ولو أخذ شيئاً
صلحاً من دين له على إنْسَان، لا يبيعه مرابحة حتى يبين.
ووجه الفرق: أن مبنى الصلح على الحطّ والإِغماض والتجوز بدون الحق، فلا بد من
(١) في ط: و.
(٣) في أ: جزء.
(٢) في ط: مبيعة.

١٨٢
کتاب البيوع
البيان؛ ليعلم المشتري أنه سَامَحَ أم لا، فيقع التحرز عن التهمة ومبنى الشراء على المضايقة(١)
والمماكسة، فلا حاجة إِلى البيان.
وفرق آخر: أن في الشراء لا تتصور الخيانة؛ لأن الشراء لا يقع بذلك الدين بعينه بل
بمثله، وهو أن يجب على المشتري مثل ما في ذمة المديون فيلتقيان قِصاصاً لعدم الفائدة؛
والدليل على أنه كذلك: أنه لو اشترى ثم تصادقاً على أنه لم يكن عليه دين - لم يبطل الشراء،
ولو وقع الشراء بذلك الدين بعينه لبَطَل الشراء؛ وإذا لم يقع الشراء بذلك الدين بعينه، لا
تتصور (٢) الخيانة، كما إِذا اشترى منه ثوباً بعشرة دَرَاهم ابتداء، بخلاف الصُّلح فإنه يقع بما في
الذّمةِ على البدل المذكور.
ألا ترى أنهما لو تصادقا بعد عقد الصلح على أنه لم يكن عليه دين يبطل الصلح،
فاحتمل تهمة المسامحة والتجوز بدون الحق، فوجب التحرز عن ذلك بالبيان.
ولو اشترى ثوباً بعشرة دراهم ورقمه اثني عشر، فباعه مرابحة على الرقم من غير بيان -
جاز إِذا كان الرقم معلوماً والربح معلوماً، ولا يكون خيانةً؛ لأنه صادق، لكن لا يقول:
اشتریته بکذا؛ لأنه یکون كاذباً فيه .
وروي عن أبي يوسف أن المشتري إذا كان لا يعلم عَادَة التُّجار، وعنده أن الرقم هو
الثمن - لم يبعه مرابحةٌ على ذلك من غير بيان.
وكذلك لو ورث مالاً فرقمه ثم بَاعَه مرابحة على رقمه - يجوز لما قلنا، ولو اشترى شيئاً
ثم باعه بربح، ثم اشتراه فأراد أن يبيعَه مرابحة - فإنه يطرح كل ربح كان قبل ذلك، فيبيعه
مرابحة على ما يبقى من رأسٍ المال بعد الطّرح؛ فإن لم يبق منه شيء بأن استغرق الرّبح الثمن
- لم يبعه مرابحةً؛ وهذا عند أبي حنيفة.
وأما عند أبي يوسف ومحمد: يبيعه مرابحةً على الثمن الأخير من غير بيان، ولا عبرة
بالعُقُود المتقدمة ربح فيها أو خسر.
وبيان ذلك: إِذا اشترى ثوباً بعشرة فباعه بخمسة عشر، ثم اشتراه بعشرة - فإنه يبيعه
مرابَحَة على خمسة عنده، وعندهما: على عشرة، ولو باعه بعشرين ثم اشتراه بعشرة - لم يبعه
مرابحة أصلاً، وعندهما: يبيعه مرابحةً على عشرة.
وجه قولهما: أن العقود المتقدّمة لا عبرة بها؛ لأنها ذَهَبت وتلاشت بنفسها وحكمها،
(١) في أ: المطابقة.
(٢) في ط: تتقدر.

١٨٣
كتاب البيوع
فأما العَقْد الأخير فحكمه قائم وهو / الملك، فكان هذا المعتبر، فيبيعه مرابحة على الثّمن ١١١٦/٣
الأخير.
ولأبي حنيفة - عليه الرحمة -: أن الشِّراء الأخير كما أوجب ملك الثَّوب، فقد أكد الربح
وهو خمسة؛ لأنه كان يحتمل البطلان بالرد بالعَيْب أو بغيره من أسباب الفسخ؛ فإذا اشترى،
فقد خرج عن احتمال البُطْلان فتأكد، وللتأكد شبهة الإثبات فكان مشترياً للثّوب وخمسة الربح
بعشرة من وجه، فكان فيه شبهة أنه اشترى شيئين ثم باع أحدهما مرابحةً على ثمن الكُلُّ، وذا
لا يجُوز من غير بيان، لأن الشبهة في هذا الباب لها حكم الحقيقة.
ألا ترى أنه لو اشْتَرى ثوباً بعشرة نسيئةً، ثم أراد أن يبيعه مرابحة على عشرة نقد - لم
يبعه مرابحةً من غير بيان احتراز عن الشُّبهة؛ لأن للأجل شبهة أن يقابله الثمن على ما مر،
فوجب التحرز عنه بالبيان؛ كذا هذا، فإذا باعه بعشرين ثم اشتراه بعشرة، صار كأنه باع (١) ثوباً
وعشرة بعشرة، فيكون العشرة بالعشرة، ويبقى الثوب خالياً عن العوض في عقد المعَاوَضة،
فيتمكن فيه شبهة الربا، فلم يبعه مرابحة، والله سُبْحَانه وتعالى أعلم.
ولو اشْتَرى ممَّن لا تجوز شهادته له؛ كالوالدين والمؤْلُودين والزَّوج والزوجة - لم يجز له
أن يبيعه مُرَابحةً، حتی یبین عِنْد أبي حنيفة .
وقال أبو يوسف ومحمَّد: له ذلك من غير بيان؛ ولو اشترى من مكاتبه أو عبده المأذون
وعليه دين أو لا دين عليه - لم يبعه مُرَابحة من غير بيان بالإجماع. وجه قولهما: أنه لا خلل
في الشراء الأول؛ لأن ملك كل واحدٍ منهما ممتاز عن ملك صاحبه منفصل عنه، فصح الشراء
الأول فلا يجب البيان؛ كما إذا اشترى من الأجنبي.
ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أن تُهْمة المُسَامَحَة في الشراء الأول قائمة؛ لأن الناس في
العادات لا يمَاكِسُون في الشراء من هؤلاء، فكانت التهمة وهي الشراء بزيادة الثمن قائمةٌ، فلا
بدَّ من البيان كما في المكاتب والمأذون؛ ولأن للشراء من هؤلاء شبهة عدم الصّحة؛ لأن كل
واحد منهما يبيع بمال صاحِبِه عادة؛ ولهذا لا تقبل شهادة أحدهما لصاحِبِه لكونها شهادة لنفسه
من وجه، فكان مال كل واحد منهما بعد البيع والشراء قائماً معنى، فكان لهذا الشِّراء شبهة
عدم الصحّة. والشُّبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة، فتؤثر في المُرَابَحَة، كما في المكاتب
والعَبْد المأذون.
ولو اشْتَرى سِلْعة من رجل بألف درهم، ثم اشترى منه من لا تقبل شهادته له بألف درهم
(١) في ط: اشترى.

١٨٤
کتاب البيوع
وخمسمائة - فإنه يبيعه مرابحة على أقل الثمنين وذلك ألف، ولا يبيعه مرابحة على ألف
وخمسمائة إلا ببيان عند أبي حنيفة، وعندهما: يبيعه مرَابَحة على ألف وخمسمائة من غير
بیان؛ لما ذكرنا.
وأجمعوا على أنه لو اشترى عبداً بخمسمائة، فباعه من المكَاتِب المديون أو لا دين عليه
بألف - أنه لا يبيعه مرابحة على أكثر الثمنين.
وكذا لو اشترى المكاتب أو المأذون عبداً بخمسمائة، فباعه من المَوْلَى بألف لما قلنا.
ولو اشترى من مضاربه أو اشترى مضاربه منه - فإنه يبيعه مرابحة على أقل الثَّمنين، وحصة
المضارب من الربح إِن كَانَ فيه ربح، وإِن لم يكن رِبْح يبيعه مرابحة على أقل الثّمنين.
بيان ذلك: إذا دفع ألفاً مضاربةً، فاشترى رب المال عبداً بخمسمائة، فباعه من المضارب
بألفٍ - فإن المضارب يبيعه مرابَحَةً على خمسمائة؛ لأن جَوَاز بيع رب المال من المضارب،
والمضارب من رب المال ليس بمَقْطُوع به، بل هو محل الاجتهاد؛ فإن عند زفر لا يجوز وهو
القياس، لأنه بيع مَال نفسه على نفسه، والشِّراء من الإِنْسَان بماله، إلا أنا استحسنا الجواز
بالاجتهاد مع احتمال الخطأ، فكان شبهة عدم الجَوَاز قائمة، فتلحق بالِحَقِيقة في المنع من
المرابحة من غير بيان؛ ولأنه يحتمل أن رب المال باعه من المضارب بأكثر من قيمته، لكن
سَاهَله المضارب؛ لأنه ما اشتراه بمال نفسه بل بمَال رب المال، فتمكنت التهمة في هذا البيع،
فلا يبيعه مرابحة بأوفر الثمنين إلا ببيّان.
ولو اشترى المضارب عبداً بألف، فباعه من رب المال بألف ومائتين - فإن لرب المال
بيعه مرابحة على ألف ومائة إِن كانت المضاربة بالنصف؛ لأن المائتين ربح وهي بينهما، إلا أن
١١٦/٣ ب حصّة رب المال فيها شُبهة وتهمة على ما ذكرنا/ فيطرح ذلك القدر من بيع المرابحة، وأما
حصة المضارب فلا شبهة فيها ولا تهمة؛ إذ لا حق فيها لرب المال فيبيعه مرابحةً على ألف
ومائة .
وكذلك لو اشترى رب المال عبداً بألف، فباعه من المضارب بمائة - باعه المضارب
مرابحة على مائة .
وكذلك لو اشترى المضَارِب بألف، فباعه من ربّ المالِ بمائة - باعه رب المال مرابحة
على مائة وهي أقل الثمنين؛ لأنه لا تُهمة في الأَقَّل، وفي الأكثر تهمة على ما بينا.
ولو اشترى رب المال بخمسمائة، فباعه من المضَارِب بألف ومائة - باعه المضارب
مرَابَحةً على خمسمائة وخمسين؛ لأنَّ الخمسمائة أقَل الثمنين والخمسون قدر حصّة المضَارِب
من الرّبح فتضم إلى الخمسمائة، والله عز وجل أعلم.

١٨٥
كتاب البيوع
فصل [في حكم الخيانة]
وأما حكم الخيانة إذا ظَهَرت فنقول بالله التوفيق: إِذا ظهرت الخِيَانة في المرابحة لا
يخلو: إِما أن ظهرت في صفة الثمن، وإما أن ظهرت في قَدْره، فإن ظهرت في صفة الثمن بأن
اشترى شيئاً بنسيئة، ثم باعه مرابحة على الثَّمن الأول، ولم يبين أنه اشتراه نسيئة(١) أو باعه
تولية ولم يبين، ثم علم المشتري - فله الخيار بالإجماع إِن شاء أخذه وإِن شاء رده؛ لأن
المرابحة عقد بني على الأمانة؛ لأن المشتري اعتمد [على](٢) البائع وائتمنه في الخبر عن الثمن
الأول، فكانت الأمانة مطْلُوبة في هذا العقد، فكانت صيانته عن الخيانة مشروطة دلالة، ففواتها
يوجب الخيار كفوات السلامة عن العيب.
وكذا لو صالح من دين ألف له على إِنْسَان على عبد، ثم باعه مرابحة على الألف، ولم
يبين للمشتري أنه كان بدل الصّلح - فله الخِيَار لما قلنا؛ وإن ظهرت الخيانة في قدر الثَّمن في
المرابحة والتولية بأن قال: اشْتَريت بعشرة وبعتك بربح ده يازده، أو قال: اشتريت بعشرة
ووليتك بما توليت، ثم تبين أنه كان اشتراه بتسعة - فقد اختلف في حكمه:
قال أبو حنيفة - عليه الرحمة -: المشتري بالخِيَار في المرابحة؛ إن شاء أخذه بجميع
الثمن وإن شاء ترك، وفي التولية لا خيار له، لكن يحطّ قدر الخيانة ويلزم العقد بالثمن الباقي.
وقال أبو يوسف: لا خيار له، ولكن يحط قدر الخِيَانة فيهما جميعاً، وذلك درهم في
التولية ودرهم في المرَابَحة وحصة من الربح، وهو جُزْء من عشرة أجزاء من درهم.
وقال محمد - رحمه الله -: له الخيار فيهما جميعاً؛ إن شَاء أخذه بجميع الثَّمن وإن شاء
رده على البائع .
وجه قول محمد - رحمه الله -: أن المشتري لم يرض بلزوم العَقْد إلا بالقدر المسمى من
الثمن، فلا يَلْزَم بدونه، ويثبت له الخِيَار لفوات السَّلامة عن الخيانة، كما يثبت الخيار بفوات
السَّلامة عن العَيْب إِذا وجد المبيع مَعِيباً.
وجه قول أبي يوسف - رحمه الله -: أن الثمن الأول أصل في بيع المرابحة والتولية؛ فإذا
ظهرت الخيانة، تبين أن تسمية قدر الخيانة لم تصحّ، فلغت تسميته وبقي العقد لازماً بالثمن
الباقي .
(١) في ط: بنسيئة.
(٢) سقط من ط .

١٨٦
كتاب البيوع
ولأبي حنيفة: الفَرْق بين المرابحة والتَّولية، وهو أن الخِيَانة في المرابحة لا توجب
خروج العقد عن كونه مرابحة؛ لأن المرابحة بيع بالثمن الأول وزيادة ربح، وهذا قائم بعد
الخيانة؛ لأن بعض الثمن رأس مال وبعْضَه ربح، فلم يخرج العقد عن كونه مرابحةٌ، وإنما
أوجب تغييراً في قدر الثّمن، وهذا يوجب خللاً في الرضا، فيثبت الخيار كما إِذا ظهرت الخيانة
في صفة الثمن؛ بأن ظهر أن الثمن كان نسيئة، ونحو ذلك على ما ذكرنا بخلاف التَّولية؛ لأن
الخِيَانة فيها تخرج العقد عن كونه تولية؛ لأن التولية بيع بالثّمن الأول من غير زيادة ولا
نقصان، وقد ظهر النُّقصان في الثّمن الأول؛ فلو أثبتنا الخيار، لأخْرَ جناه عن كونه تولية
وجعلناه مرابحة، وهذا إِنْشَاء عقد آخر لم يتراضيا عليه وهذا لا يجوز، فحططنا قَدْر الخِيَانة
وألزمنا العقد بالثّمن الباقي، والله سبحانه وتعالى أعلم.
هذا إِذا كان المَبِيع عند ظهور الخيانة بمحلِ الفسخ، فأما إذا لم يكن؛ بأن هلك أو
حدث به ما يمنع الفسخ - بطل خياره ولزمه جَميع الثمن؛ لأنه إِذا لم يكن بمحل الفسخ لم
يكن في ثبوت الخيار فائدة، فَيَسْقُط كما في خيار الشرط وخيار الرؤية، والله سبحانه وتعالى
أعلم.
فصل [في الإشراك]
وأما الإشراك(١) فحكمه حكم الثَّولية لا أنه تولية حقيقة، لكنه تولية بعض المبيع ببعض
الثمن، وقد ذكرنا ما يتعلق بالنَّولية من الشَّرائط والأحكام، والذي يختص بالإِشراك بيان القدر
١١٧/٣أ الذي/ تثبت فيه الشّركة فنقول وبالله التوفيق: المشتري لا يخلو: إِما أن يكون لواحد، وإما أن
يَكُون لاثنين أو أكثر؛ فإِن كان لواحدٍ فأشرك فيه غيره فلا يخُلُو: إِما أَن يشركه في قَدْر معلوم
كالنّصف والثلث والربع ونحو ذلك، وإما أن أطْلق الشركة؛ فإِن أشركه في قدر معلوم، فله
ذلك القدر لا شك فيه؛ لأن حكم التصرُّف فيه يثبت في قَدْر ما أضيف إليه هو الأصل؛ فإن
أطلق الشركة بأن قال: أشركتك في هذا الكُر، فله نصف الكر؛ كما لو قال: أشركتك في
نصف الكر؛ لأن الشّركة المطلَقة تَقْتَضي المساواة، فتقتضي أن يكون نصيب الرجل مثل
نَصِیبه.
ولو أشرك رَجُلاً في نصفه فلم يقبضه حتى هلك نصفه - فالرجل بالخيار؛ إن شاء أخذ
نصف ما بقي وهو ربع الكر وإن شاء تَرَك؛ لأنه كان له نصف شائع من ذلك، فما هلك هلك
على الشركة، وما بقي بقي على الشّركة، وله الخيار إِذا كان قبل القبض؛ لأن الصفقة قد
(١) وهو بيع بعض ما اشترى بحصته بما اشتراه به.

١٨٧
كتاب البيوع
تفرقت عليه؛ وكذلك لو باع رجُلاً نصف الكر ثم هلك نصفه قبل القبض؛ لما قلنا.
ولو كان مكان الهلاك استحقَّاق؛ بأن استحق نِصْف الكر ـ فههنا يختلف حكم الشركة
والبيع، فيكون النصف الباقي المشْتَري خاصةً في البيع، وفي الشركة يكون بينهما، وإِنما كان
كذلك؛ لأن البيع أضيف إلى نِصْف شائع وتعذّر تنفيذه في النصف المستحق؛ لانعدام الملك،
وأمكن تنفيذه في نصف المملوك فيجب تنفيذه فيه، وكذلك في الشركة إلا أن تنفيذه في
النصف المملوك يقتضي المساواة بينهما في ذلك النصف؛ وذلك بأن يكون نصفه للرَّجُل
ونصفه له.
ولو اشترى عبداً فقال له رجل: أشركني في هذا العَبْد، فقال: قد أشركتك، ثم قال له
رجل آخر مثل ذلك فأشركه فيه؛ إِن كان الثَّاني علم بمشاركة الأول، فله الربع وللمشتري الربع
والنّصف للأول؛ وإن كان لم يعلم بمُشَاركته، فالنصف له والنصف للأول ولا شيء للمشتري؛
لأنه إذا علم الثاني بمُشَاركة الأول فلم يطلب الشركة منه إلا في نَصِيبه خاصة، والشركة في
نصيبه يَقْضي المساواة بين النصيبين، وهي أن يكون لكلِّ واحدٍ منهما الربع.
وإذا لم يعلم بالشركة فقوله: أشركني طلب الشّركة في الكُلّ، والإِشراك في الكل أن
يكون نصفه له، والأول قد استحق النّصف بالمشاركة، فيستحق الثاني النصف الباقي تحقيقاً
للشركة المقتضية للمساواة .
ولو قال لرجل: اشتر جارية فلان بيني وبينك، فقال المَأْمُور: نعم، ثم لقيه غيره فقال له
مثل ما قَالَ الأول، فقال المأمور: نعم، ثم اشترى الجارية - فالجارية بين الآمرين ولا شيء
منها للمأمور؛ لأن الأول وكله بشراء نصف الجارية، وبقبول الوكالة الثانية لا يخرج عن كونه
وكيلاً للأول؛ لأنه لا يمكن إِخراج نفسه عن الوكالة من غير مخضَر من الموكّل، فبقي وكيلاً له
بشراء النصف؛ فإذا قبل الوكالة من الثّاني صار وكيلاً في شراء النّصف الآخر؛ فإذا اشترى
الجارية، فقد اشتراها لموكليه فكانت بينهما.
ولو لقيه ثالث فقال له مثل ما قال الأوَّلان، فقال: نعم ثم اشتراها - كانت الجارية
للأولين ولا شيء للثالث، لأنه قد بقي وكيلاً للأولين؛ إِذ لا يملك إِخراج نفسه عن وكالتهما
حال غيبتهما، فلم يصحَّ قبوله الوكالة من الثالث.
شريكان شركة عنان في الرقيق، أمر أحدهما صَاحِبه أن يشتري عبد فلان بينه وبين
المأمور، ثم أمره أجنبي(١) بمِثْل ذلك فاشتراه - فالنصف للأجنبي والنصف للشريكين؛ لأن كل
(١) في ط: آخر.

١٨٨
کتاب البيوع
واحد من الشَّريكين يملك شراء الرقيق بعقد الشركة من غير أمر، فكان الأمر سفهاً فلم يصحّ،
وصح من الأجنبي فاستحقَّ النصف، واستحقاق النصف تقضية الشَّركة، والله عز وجل أعلم.
هذا إِذا كان المشتري لواحد فأشركه؛ فإن كان لاثنين فلا يخلو: إما أن يكون أشرك
أحدهما رجُلاً، وإما أن أشركاه جميعاً؛ فإن أشركه أحدهما فإما أن أشركه في نصيبه خاصةً؛
بأن قال: أشركتك في نصيبي، وإما أن أشركه في نصفه؛ بأن قال: أشركتك في نصفي، وإِما
أن أشْركَه مطلقاً؛ بأن قال: أشركتك في هذا العبد، وإما أن أشركه في نصيبه ونصيب صاحبه،
وإما أن أشركه في نصفه؛ بأن قال: أشركتك في نصف هذا العبد؛ فإن أشركه في نصيبه
١١٧/٣ ب خاصَّة، فله/ النّصف من نصيبه؛ لأن الشركة المطلقة في نصيبه تقتضي أن يكون نصيبه فيه مثل
نصيبه؛ لأنها تقتضي المساواة؛ وكذا لو أشركه في نصفه لأن الشّركة المطلقة في نصفه تقتضي
المساواة فيه، وإِن أشركه مطلقاً فإن أجاز شريكه فله النّصف كاملاً والنصف لهما؛ وإن لم
يجز، فالربع له لما ذكرنا أن الشركة المطلقة تقْتَضي المساواة، فتقتضي أن يكون نصيبه وحده
مثل نصيبهما جميعاً، إلا أنه إذا لم يجز تَعذَّر تنفيذ الإِشراك في نصيبه فينفذ في نصیب صاحبه،
فيكون له الرُّبع، وإذا أجاز أمكن إجراء الشّركة على إطلاقها، وهي بإطلاقها تقتضي المساواة؛
وذلك في أن يكون له النّصف ولكل واحد منهما الربع؛ وإن أشركه في نَصِيبه ونصيب صاحبه
فكذلك في ظاهر الرواية؛ أنه إن أجاز صاحبه، فله النّصف والنصف الآخر لهما؛ وإن لم
يجز، فله الربع.
وروي عن أبي يوسف في النوادر: أنه إِن أجاز كان بينهما أثلاثاً؛ وإن أبى أن يجيز، كان
له ثلث ما في يد الذي أشركه، وهو سُدْس الكل.
وجه هذه الرواية: أن إِشراك أحدهما وإجازة الآخر بمنزلة إِشراكهما معاً؛ لأن الإجازة
تستند إلى حال العقد، فكأنهما أشركاه معاً؛ ولأن الإِجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة، فصار
كأن العاقد أشرك بوكالة صاحبه.
وجه ظاهر الرواية: أن الإشراك والإجازة تثبت على التعاقب لوجود الإِشراك، والإِجازة
على التعاقب والحكم يثبت على وَفْق العلة، فصار كما لو أشرك كل واحدٍ منهما على
التَّعاقب .
قوله: الإِجازة تستند إلى حالة العقد، قلنا: نعم لكن الثَّابت بطريق الاستناد يثبت للحال
ثم يسْتَند، فكان حكم الإِجازة متأخراً عن حُكْم الإِشراك ثبوتاً؛ وإِن أشركه في نصف العبد
فأجاز شريكه، فله نصف ما في يد هذا ونصف ما في يد الآخر؛ وإِن لم يجز، فله نصف ما
في يد الذي أشركه لما قلنا .

١٨٩
كتاب البيوع
هذا إِذا أشركه أحدُهما، فأما إذا أشركاه جميعاً فلا يخلو: إِما أن أشركاه معاً، وإِما أن
أَشركاه على التعاقب؛ فإن أشْرَكَاه معاً فالقِيَاس أن يكون له النصف كاملاً ولكل واحد منهما
الربع، وفي الاستحسان يكون بينهم أَثلاثاً، وإِن أشركاه على التعاقب مطلقاً ولم يبينا قدر
الشركة، أو شركاه في نَصيبهما بأن قال كل واحد منهما: أشركتك في نصيبي ولم يبيّن في كم
أشركَه - وللأولين النصف.
وجه القياس: أنه لما أشركه كل واحدٍ منهما، فقد استحقَّ نصف نصيبه، فكان النصف له
والنّصف لهما جميعاً؛ كما لو أشركاه على التعاقب.
وجه الاستحسان وهو الفرق بين حالة الاجتماع والافتراق: أن الإشراك المطلق من كل
واحد منهما إياه في زمان واحد - يقتضي المساواة في أنصباء الكُلِّ، وهو أن يكون نصيب كل
واحدٍ منهم مِثْل نصيب الآخر في أن يكون المشتري بينهم أثلاثاً، بخلاف الإشراك على
التعاقب؛ لأن الإِشراك في أحدهما مطلقاً في زمان يقتضي أن يكون نصيبه مثل نصيبه؛ وكذلك
الإِشراك الآخر في الزمان الثاني، فيجتمع له ربعان وهو النّصف لكلّ واحد منهما الربع، والله
أعلم .
فصل [في بيان المواضعة]
وأما المواضعة: فهي بيع بمِثْل ثمن الأول مع نقصان شيء معلوم منه، ويعتبر لها من
الشَّرائط والأحكام ما يعتبر المرابحة، وقد ذكرنا ذلك كله، والأصل في معرفة مقدار الثمن في
المواضعة أن يضمَّ قدر الوَضِيعة إِلى رأس المال ثم يطرح منه، فما بقي بعد الطّرح فهو الثمن.
مثاله: إِذا قال: اشتريت هذا بعشرة وبعتك بوضيعة ده يازده، فإذا أردت أن تعرف الثمن
أنه كم هو؟ فسبيلك أن تجعل كل درهم من العشرة التي هي رأس المال أحَد عَشر جزءاً،
فيكون الكل أحد عشر، اطرح منها درهماً يكون الثمن تسعة دَرَاهم وجزءاً من أحد عشر جُزْء
من درهم، وعلى هَذَا القياس تجري مسائل الموَاضَعة، والله الموفق للصواب.
فصل [في شرائط لزوم البيع]
وأما شرائط لزوم البيع بعد انعقاده ونَفَاذه وصحته - فواحد، وهو أن يكون خالياً عن
خيارات أربعة: خيار الثَّعيين وخيار الشرط وخيار العيب وخيار الرؤية، فلا يلزم مع أحد هذه
الخيارات، وهذا عندنا.
وقال الشافعي - رحمه الله -: افتراق العاقدين/ مع الخلو عن الخِيَارين وهو خيار الشرط ١١٨/٣أ
وخيار العيب شَرْط أيضاً.

١٩٠
كتاب البيوع
ولقب المسألة أن خيار الْمَجْلس لَيْس بثابت عندنا، وعنده: ثابت.
احتج الشافعيُّ - رحمه الله - بقوله - عليه الصّلاة والسلام -: ((المُتَبَابِعَان بالخِيَارِ مَا لَمْ
يَفْتَرِقا)» وهذا نص في الباب؛ ولأن الإِنْسَان قد يبيع شيئاً ويشتري شيئاً، ثم يبدو له فيندم،
فيحتاج إلى التدارك بالفسخ، فكان ثُبُوت الخيار في المجلس في باب النّظر للمتعاقدين.
ولنا: ظاهر قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينِ أَمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ
تَكُونَ تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء، ٢٩] أباح الله سبحانه وتعالى الأكل بالتجارة عن
تراض مطلقاً عن قيد التّفرق عن مكان العقد، وعنده: إذا فسخ أحدهما العقد في المجلس لا
يباح الأكْل، فكان ظَاهِر النص حجة عليه؛ ولأن البيع مع العاقدين صدر مطلقاً عن شرط،
والعقد المُطْلَق يقتضي ثبوت الملك في العوضين في الحال، فالفسخ من أحد العاقدين يكون
تَصَرُّفاً في العقد الثابت بتراضيهما، أو في حكمه بالرفع والإِبطال من غير رضا الآخر، وهذا لا
يجوز؛ ولهذا لم ينفرد أحدهما بالفسخ والإِقالة بعد الافتراق كذا هذا.
وأما الحديث؛ فإن ثبت مع كونه في حَد الآحاد مخالفاً لظاهر الكتاب - فالخيار المذكور
فيه محمولٌ على خيار الرجوع والقَبُول ما داما في التبايع؛ وهو أن البائعِ إِذا قال لغيره: بعت
منك كذا، فله أن يرجع ما لم يقل المشْتَري: اشتريت، وللمشتري ألاَّ يقبل أيضاً؛ وإِذا قال
المشتري، اشتريت منك بكذا، كان له أن يرجع ما لم يقل البائع: بعت وللبائع ألاَّ يقبل أيضاً،
وهذا النَّوع من التأويل للخبر نقله محمد في ((الموطأ)) عن إِبراهيم النخعي رحمهما الله، وأنه
مُوَافق لرواية أبي حنيفة؛ لما روي عن ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما -: البيعان بالخيار ما
لم يتفرَّقا عن بيعهما، حَمَلْنَاه على هذا توفيقاً بين الدَّلائل بقدر الإمكان(١) والله تَعَالى جل شأنه
أعلم.
(١) خيار المجلس، وهو من إضافة الشيء إلى ظرفه أي الخيار الثابت ما دام مجلس العقد قائماً، والسبب فيه
هو العقد نفسه. وحكمته تدارك ما قد يكون لحق أحد العاقدين من غبن أو خديعة. ومجلس العقد هو
مكان البيع، والمراد به هنا العاقدان ما داما مجتمعين، ولو جاوزا مكان البيع فلو تفرقا بأبدانهما قيل إن
مجلس العقد قد انقضى.
ويعرف خيار المجلس بأن حق كل من العاقدين في فسخ البيع أو إمضائه بسبب العقد ما داما مجتمعين أو
لم يختر أحدهما البيع، فإذا اختار أحدهما البيع فقد لزم في حقه، ولو لم يفارق صاحبه.
وإذا فخيار المجلس ينتهي بأحد الشيئين التفرق بالأبدان، واختيار البيع.
والذي يؤخذ من هذا التعريف أن كل بيع ينعقد جائزاً فيثبت لكل من العاقدين حق فسخه استقلالاً .
وأن هذا الجواز ينتهي، ويخلفه اللزوم بأحد الشيئين المتقدمين.
وهذا هو مذهب الشافعية، والحنابلة، وجماهير الصحابة، والتابعين، وفقهاء الأمصار، وهو أيضاً مذهب =

١٩١
كتاب البيوع
..
الظاهرية فقد جعلوا لكل من العاقدين حق فسخ البيع ما دام مجلس العقد قائماً، ولكن على معنى آخر
=
غير الذي ذهب إليه الجمهور. وهذا المعنى هو أن عقد البيع لا يتم عندهم إلا بالتفرق أو التخاير فما لم
يوجد أحدهما فالعقد غير تام بل وغير صحيح فلكل منهما فسخه لذلك. بينما هو عند الجمهور عقد تام؛
ولكن متصف بصفة الجواز.
ويقابل هذا المذهب أعني مذهب الجمهور مذهب الحنفية والمالكية، وإبراهيم النخعي. فإنهم يرون أن
عقد البيع ينعقد لازماً فليس يجوز لواحد منهما ما دامت صيغة العقد تمت بالإيجاب والقبول إن يفسخ
البيع استقلالاً كما هو مذهب الأولين.
حجة الجمهور هي: السنة، والمعقول.
أما السنة -: فأولاً - ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه عن رسول الله وَ له أنه قال: ((الْمُتَبَابِعَانِ بِالْخِيَارِ ما
لَمْ يَتصّرَّفَا أَوْ يَقُوْلُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ» وهذا الحديث قد روي عن ابن عمر بروايات كثيرة نكتفي منها
بهذه الرواية - وهذا الحديث متفق عليه.
وثانياً: ما روي عن حكيم بن حزام رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله رَ له ((الْبَائِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا
فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّا بُوْرِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذِبَا وَكَتَما مُحِقَتْ بَرَكَةٌ بَيْعِهِمَا)) متفق عليه كذلك.
وثالثاً : - ما روي عن أبي الوضيء قال - غَزَوْنَا غَزْوَةً فَتَزَلْنَا مَنْزِلاً فَبَاعَ صَاحِبٍ لَنَا فَرُساً بِغُلاَمَ ثُمَّ أَقَامَا بَقِيَّةً
يَوْمِهُمَا وَلَيْلَتِهِمَا فَلَمَّا أَصْبَحَا مِنَ الْغَدِ قَامَ الرَّجُلُ إِلَى قَرْيَة يُسَرِّجُهُ فَنَدِمَ فَأَتَى الرَّجُلُ وَأَخَذَّهُ بِالْبَيْعِ فَأَتَى
الرَّجُلُ أَنْ يَذْفَعَهُ إِلَيْهِ. فَقَالَ بَيْنِي وِبَيْنَكَ أَبُو بَرْزَةُ صَاحِبُ النّبِي ◌َِّ. فَأَتَيَا أَبَا بَرْزَةَ فِي نَاحِيةِ الْعَسْكَرٍ فَقَّالاً لَهُ
هَذِهِ القصة. فقالَ: أَتَرْضَيَانِ أَنْ أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ رَسُولَ اللهِوَ. قال رسولُ اللهِ وَِّ((الْبَيْعَتَانِ بِالْخِيَارِ
مَا لَمْ يَتَصَرَّفَا)).
وما أراكما افترقتما - أخرجه أبو داود وابن ماجة مختصراً بدون القصة.
وهناك أحاديث كثيرة غير ما ذكر في معنى ما ذكرنا لم نر حاجة إلى حشدها هنا.
وجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهر حيث جعل النبي ◌َّوَ لِلْمُتبابعين الخيار في البيع بعده إلى التفرقة.
لأنهما لا يكونان متبايعين حقيقة إلا وقد وقع بينهما البيع إذ هو وصف مشتق منه، والبيع حقيقته
الإيجاب، والقبول وفي الحديث زيادة انتهاء الخيار بتخيير أحدهما صاحبه، وهي زيادة عدل ثقة فتكون
مقبولة. والمتبادر من التفرقة إنما هو التفرقة بالأبدان لا بالأقوال والتبادر من أمارات الحقيقة وفي قصة أبي
برزة ما يدل عليه لأن البيع كان قد تم بينهما.
وقد ظهر من هذه الأحاديث أن الخيار ثابت لهما بعد البيع إلى أن يتفرقا بأبدانهما أو يخير أحدهما
صاحبه. وهذا هو معنى خيار المجلس.
وأما المعقول ــ فهو أن الحاجة داعية - إلى شرع هذا الخيار لأن الإنسان قد يندفع إلى البيع تحت تأثير
رغبة ملحة أو خوف فوات فرصة فيغالي في الثمن إن كان مشترياً ويتساهل فيه إن كان بائعاً وبعد أن
يحصل له، ويرتاح باله تعاوده الفكرة فيرى غبنه فيود لو تخلص منه. فشرع خيار المجلس موفر على
العاقد هذه الرغبة، وموافق للمصلحة العامة لا سيما ومجلس العقد عهد محلا للمداولات والمشاورات
والأخذ، والرد في أمر البيع.
وحجة الحنفية والمالكية هي الكتاب والأثر والمعقول أما الكتاب - فأولاً - قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لاَ =

١٩٢
كتاب البيوع
تَأْكُلُوْا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُوْن تِجَارَةَ مَنْ تَرَاضَ مِنْكُمْ﴾ أباح الله تعالى الأكل من مال الغير بعد
حظره بطريق التجارة عن تراض، وهي تصدق بمجرد الإيجاب القبول ما داما ناشئين عن اختيار وإرادة
حرة غير مقيدة. ومن المعلوم أنه لو ثبت لهما الخيار بالعقد لما أبيح لهما الأكل بمجرد العقد لحق الآخر
في الفسخ قول إباحة الأكل بمجرد العقد على أنه ينعقد لازماً والتمان هي تقليب المال بالبيع والشراء.
وثانياً - قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا أَوْفُوا بِالْعُقُوْدِ﴾ وقوله تعالى ﴿وَأَوْفُوْا بِالْعَهْدِ﴾ والبيع قبل التفرق
والتخاير يصدق عليه أنه عقد وأنه عهد فيكون واجب الوفاء، ولا يكون واجب الوفاء إلا حيث كان لازماً
إذ لو كان جائزاً يجوز فسخه لم يكن واجب الوفاء.
وثالثاً - قوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوْا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ أمر الله عز شأنه بالتوثق بالشهادة على البيع بعده قبل الخيار
منعاً للتجاحد، والتناكر، وفي هذا ما يدل على أن البيع إذا صدر صدر لازماً وإلا لم يكن للتوثق بالشهادة
من فائدة لجواز فسخ البيع حينئذ.
وأما الأثر - فأولاً - قوله ،َّ﴿و ((الْمُسْلِمُوْنَ عَلَى شُرُوْطِهِمْ)) ويسلك به في الاستدلال على المطلوب مسلك
الآيات الكريمة فيقال، والعقد بمجرد الايجاب والقبول شرط يلتزمانه فيكون واجب الوفاء.
وثانياً - ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ◌َّ قال ((البيع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا
إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله)) وهذا دليل على أن صاحبه لا يملك
الفسخ إلا من جهة الاستقالة، وهي هنا قبل التفرق لأنه منهي عن التفرق قبلها. ومن المعلوم أن الاستقالة
لا تكون إلا في البيع اللازم فدل ذلك على أن البيع قبل التفرق لازم.
وثالثاً - ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه قال ((كُنَّا مَعَ النَّبِي ◌َِّ فِي سَفَرٍ فَكُنْتُ عَلَى بَكْرِ صَعْبٌ لِعُمَرِ
فَكَانَ يَغْلِيُنِي فَيَتَقَدَّمَ أَمَامَ الْقَوْمِ فَيَزْجْرَهُ عَمْرُ ويَرُدُّهُ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَزْجُرَهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ. فقال النبيِنَّ لِعُمَّرَ بعنيه.
فَقَالَ: هُوَ لَّكَ يا رسول الله. قَالَ بعنيه. فَبَاعَهُ مِنْ رسول اللهِنَّهَ. فقال النَّبِيِ وَّلَ هُوَ لَّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ)) رواه البخاري.
فهذا بيع صحيح من عَمَرٍ رضي الله عنه للنبي ◌َّ ولم يحصل بعد البيع تفرق لأن الركب كان مندفعاً سوياً
كما أنه لم يحصل اختيار وإلا لذكر وقد وهبه الرسول لابن عمر من البيع فوراً فدل صنيعه هذا على أن
البيع ينعقد لازماً لا خيار فيه وإلا لما وهبه له قبل انقضاء الخيار. لأن التصرف في المبيع أثناء الخيار غير
جائز كما هي دعواكم.
رابعاً - قالوا نهى النبي ◌ََّ عنِ بَيْعِ القَدَرِ وَمِنَ الْفَرَرِ أَنْ يَثْبُتَ لَهُمَا خِيَارٌ بَعْدَ الْبَيْع إلى التَّفَرُّق وَهُوَ غَيْرَ
مَعْلُوم مَتَى يَكُوْنُ؟ فيكون خياراً مجهول المدة فيفسد البيع كجهالة المدة في شرط الخيار.
خامسًاً - ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ((الْبَيْعُ صَفْقَةٌ أَوْ خِيَارٌ)) قسم عمر البيع قسمين بين
صفقة، وبيع خيار ومن الضرورة أن بيع الصفقة غير بيع الخيار لأن قسيمه فيكون هناك بيع فيه خيار، وبيع
لا خيار فيه هو الذي عبر عنه بالصفقة. وأنتم أيها القوم الذين أثبتم خيار المجلس أثبتموه في كل بيع فأين
هو البيع الذي لا خيار فيه والذي أشار إليه عمر رضي الله عنه.
وأما المعقول - فأولاً - قاسوا البيع على النكاح بجامع أن كلاً منهما عقد معاوضة والنكاح ينعقد لازماً فكذا.
البيع والبيع كما يحتاج إلى التروي يحتاج إليه النكاح أيضاً.
وثانياً - قالوا في جواز الفسخ من أحدهما استقلالاً بموجب الخيار جواز إبطال حق الآخر حق يده على =

١٩٣
كتاب البيوع
ملكه الذي آل إليه بمقتضى العقد من غير رضاه، وهو غير جائز شرعاً إذ لا ينزع من أحد حقه قهراً عنه.
=
هذا وقد احتج المالكية زيادة على ما تقدم بأن عمل أهل المدينة على خلاف موجب أحاديث خيار
المجلس، وهي أحاديث لا تخرج عن كونها أحاديث آحاد وعمل أهل المدينة يقدم عليها لأن الأخذ
بعملهم أثبت من الأخذ بأحاديث الآحاد إذ عملهم بمنزلة سنة عملية منقولة بطريق التواتر في بلد هي
مهبط الوحي ومنتدى أصحاب الرسول صلوات الله، وسلامه عليه، وعليهم أجمعين .
فإجماعهم على العمل بخلاف حديث لا يكون إلا وقد ثبت لديهم ما ينسخه إذا كان صريح الدلالة.
فكيف والأحاديث الدالة على ثبوت خيار المجلس تحتمل التأويل فهي إما منسوخة وإما محمولة على وجه
غير الذي تحملونها عليها. ويلاحظ بعد هذا العرض أن أدلة المثبتين قوية وسالمة عن المعارضة.
ولنبدأ أولاً بمناقشة أدلة الجمهور.
فقد اعترض عليهم [من قبل الفريق الآخر] بأن أحاديث ((الْمُتَبَابِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا)) لا تدل على
دعواكم إلا إذا كان المراد بالمتبايعين فيها من تمت بينهما عقدة البيع بالإيجاب والقبول، وهذا ما لا
تسلمه لكم بل المراد بهما المتشاغلان بالبيع المتساومان فيه. فإن دفعتم بأن الوصف حينئذ يكون مجازاً
فيهما لأنه مشتق من البيع والبيع لا يكون إلا بتمام الصيغة، والمتشاغلان لم يتم البيع بينهما بعد، ولا
يصار إلى المجاز إلا بعد تعذر إرادة الحقيقة، وهي غير متعذرة هنا قلنا في جواب هذا الدفع بل إطلاقه
على المتشاغلين هو الحقيقة، وعلى من تم بينهما البيع مجاز. أما الأول فلأن إطلاق للوصف حال
الإتصاف وهو حقيقة باتفاق وأما الثاني فلأنه إطلاق للوصف بعد انقضاء الإنصاف وهو مجاز على
المذهب المنصور. وعند إيجاب أحدهما قبل قبول الآخر يصدق عليهما أنهما متشاغلان بالبيع فليكن هذا
هو المراد من المتبايعين، ويكون الخيار الثابت لهما حينئذ هو خيار القبول. على معنى أن للقابل أن يقبل
البيع بعد إيجاب الموجب وأن يرده وأن للموجب أن ينقض إيجابه قبل قبول القابل وأن يظل متمسكاً به
حتى يقبل. فإن دفعتم دفعاً آخر بأن حمل الحديث على خيار القبول يجعله عديم الجدوى عارياً عن
الفائدة لأن كل أحد يفهم هذا المعنى الذي حملتم عليه الحديث فليست هناك حاجة إلى النص عليه ممن
نزه عن لفظ الحديث، وسقطه. قلنا في الجواب بل الفائدة ههنا محققة، وهي دفع توهم أنه إذا أوجب
أحدهما البيع فقد لزم الآخر، ولو لم يقبل بسبب التراضي الحاصل قبل الإيجاب.
وعلى ما اخترنا من أن الحديث محمول على خيار القبول يكون المراد من التفرق الذي جعل غاية للخيار هو
تفرق الأقوال لا الأبدان كما تزعمون، وليس هذا القول منا قولاً جزافاً بدون ما دليل يؤيده إسناد يعتمد عليه
بل الدليل بأيدينا قوي متين من ذلك قوله تعالى ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِيْنَ أُوْتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيْنَةُ﴾
وقوله ◌ََّ ((افْتَرَقَتْ بَنُوا إِسْرَائِيْلُ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ فِرْقَةٍ وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٍ)) إذ المراد
من التفرق فيهما التفرق في الاعتقاد، ومثل هذا فأسن في العرف واللغة، والأصل في الإطلاق هو الحقيقة
وتفرق الأقوال بأن يقول العاقد الآخر بعد إيجاب الأول لا أقبل البيع أو لا أشتري أو بأن يرجع الموجب في
إيجاب قبل قبول القابل فيبطل خيار القبول حينئذ فإن أبيتم إلا أن يكون التفرق في الحديث مراداً منه التفرق
بالأبدان سلمناه لكم، ومنعنا أن يكون هذا حجة لكم على أن عقدة البيع قد تمت بالإيجاب والقبول لأن
التفرقة بالأبدان متصور قبل القبول أيضاً بأن يذهب القابل بعد إيجاب الموجب ذهاباً دالاً على الإعراض عن
البيع، أو يفعل الموجب مثل ذلك قبل القبول فينقطع خيار القبول به أيضاً، وهو مذهبنا.
=
بدائع الصنائع ج٧ - م١٣

١٩٤
كتاب البيوع
فإن قلتم قوله وَّهِ ((أَوْ يَقُوْلُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ)) يدل على أن الاختيار بعد البيع لأن معنى اختر: اختر
=
إمضاء البيع أو فسخه فكذلك التفرق لأنه قسيمة قلنا يتصور صدور هذا اللفظ من أحدهما قبل القبول أيضاً
بأن يقول الموجب للقابل بعد صدور الإيجاب.
اختر على معنى أتقبل البيع أم لا .
وبهذا أوضح أن الحديث مراد منه خيار القبول لا خيار المجلس الذي تدعون.
ومع هذا فلو سلمنا أنه يحتملهما معاً لكان الواجب يقضي بحمله على خيار القبول جمعاً بينه وبين الأدلة
التي ذكرنا من الكتاب والسنة والمعقول فهي جميعها متضافرة متظاهرة على أن البيع ينعقد لازماً بمجرد
تمام صيغة هذا وأما المعقول الذي ذكرتموه فأوهى من أن يقوم على قدم وساق لأن من جهة مصادم
للنصوص التي ذكرنا.
ومن جهة أخرى هما المقصدان بعدم التروي والتريث قبل البيع.
ومجلس العقد عهد كونه محلاً للتشاور قبل البيع لا بعد صدوره هذا هو خلاصة ما يرد على أدلة الجمهور
وأما الحنفية والمالكية فقد ناقشهم الجمهور نقاشاً عسيراً وقالوا لهم الصاع بصاعين وكان منهم المعتدل في
نقاشة ومنهم المتعسف الذي ركب رأسه وأرضى لها العناق كابن حزم.
أعم عمومات الكتاب والسنة التي استدل بها المانعون لخيار المجلس فأمر الظاهريين في الانفصال عنها
واضح.
وذلك أن العقد يتكون عندهم من ركنين :
الأول: الصيغة وهي الإيجاب والقبول.
الثاني: التفرق أو التغاير.
فالعقد لا يكون عقداً واجب الوفاء حتى يتم ركناه: الصيغة، والتفرق، وكذلك البيع، والتجارة لا يكونان
بيعاً وتجارة معتداً بهما شرعاً، ويترتب عليهما نقل الملك، وحل الأكل، وجواز التصرف إلا بالصيغة
والتفرق، قال ابن حزم - وهو يناقش أدلة الحنفية في صدد احتجاجهم لمذهبهم بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ
تَكُونَ تجارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ الذي أتانا بهذه الآية هو الذي من عنده تدري ما هي التجارةُ المباحةُ لنا
مما حرم علينا، وما هو التراضي الناقل للملك من التراضي الذي لا ينقل الملك، ولولاه لم نعرف شيئاً
من ذلك. وهو الذي أخبرنا أن العقد ليس بيعاً، ولا هو تجارة، ولا هو تراضياً، ولا ينقل ملكاً إلا حين
((يستضيف إليه التفرق عن موضعهما، أو التخيير، فهذا هو البيع والتجارة)).
وبمثل هذا أجاب عن احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِلْعُقُودِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾،
وَالذي حمل الظاهرية على أن يجعلوا التفرقة داخلاً في عقدة البيع، وغيره هو مثل قولُه (وَّر): ((كل بيِّعين
لا بيع بينهما حتى يتفرقا»، حيث نفى البيع قبل التفرقة، فتكون حقيقة الشرعية معدومة قبله.
وأما غير الظاهرية فهذه الآيات والأحاديث وإن كانت مطلقة، وعامة شاملة لكل عقد وبيع وتجارة، إلا
أنها مقيدة.
أو مخصصة بالأحاديث التي ذكروا الإثبات خيار المجلس، جمعاً بين الأدلة، فيكون المراد من العقود
والتجارات والبيوع - العقود والتجارات والبيوع اللازمة، ولا تكون كذلك حتى يكون التفرقة بالأبدان عن
مجلس العقد، أو اختيار البيع.
=

١٩٥
كتاب البيوع
قال المثبتون لخيار المجلس: وهذه الأحاديث التي ذكرنا ظاهرة فيه بل تكاد تكون نصوصاً قاطعة دافعة،
=
ولكنكم تعسفتم في تأويلها، وحملتموها على غير محملها؛ خروجاً بالكم عن مواضعه، فاضطررتمونا
بهذا إلى منازلتكم في معركة، الحق فيها في جانبنا واضح قوي.
والظاهر من صنيعكم أيها المانعون بأحاديث خيار المجلس هذا الصنيع، وتأويلها مثل هذا التأويل الذي
إليه تذهبون؛ أنكم لما وجدتم سندها بالغاً من الصحة مبلغاً شأوه بعيد على من رام أن يجرحه، أو يجد
فيه مغمز الغامز أردتم أن تجرحوها من جهة المتن والدراية.
فقلتم مرة: أحاديث مضطربة لروايتها بروايات مختلفة، فيها زيادة وفيها نقص، ولعمرو الله، ما سلمت
لكم هذه الدعوى؛ فإن القدر الذي به يثبت خيار المجلس - قد اتفقت عليه كل الأحاديث، وما في بعضها
من زيادة فهي زيادةٌ لا تضر.
ومرة أخرى حملتموها على غير محملها، قاطعين بذلك طوراً، وظانين طوراً آخر. ذهبتم هذا المذهب
الصعب؛ لكن توهموا عدم صلاحية هذه الأحاديث المقطوع بصمتها البالغة حد الشهرة لتقييد إطلاق
الآيات التي احتججتم بها لنفي خيار المجلس، ونحن سنبين لكم بياناً فوق بيان أنها صالحة لهذا؛ لأنها
ظاهرة إن لم تكن قاطعة في إثبات خيار المجلس، فنقول والله تعالى هو المستعان:
قولكم: إن المراد من المتبايعين في الحديث المتشاغلان بالبيع، لا من تم البيع بينهما، وإن هذا الإطلاق
إطلاق حقيقي، لأن إطلاقه للوصف حال الاتصاف، ولأنه يفهم من قول القائل - زيد وعمرو هناك
يتبايعان - أنهما يتشاوران في البيع، ويتراوضان فيه على جهة التبادر، وهي أمارة الحقيقة.
قولكم: هذا باطل مناف للعرف واللغة. أما منافاته للعرف فظاهر؛ لأن العرف يفرق بين المتبايعين، وبين
المتشاغلين بالبيع المتساومين فيه، وأما أنتم فلم تفرقوا، وجعلتم الكل شيئاً واحداً. وأما منافاته للغة،
فلأنكم تزعمون أن إطلاق المتباعين على المتشاغلين حقيقة؛ لأنه إطلاق للوصف حال الاتصاف، وهذا
منكم مغالطة ظاهرة؛ لأن هذا الوصف مشتقٌّ من البيع، والبيع حقيقة مركبة من ركنين: الايجاب،
والقبول، فما دام لم يوجد القبول لم توجد حقيقة البيع، فيكون إطلاق المتبايعين على المتساومين حينئذ
إطلاقاً للوصف قبل الاتصاف؛ وهو مجاز باتفاق.
يقول الإمام الشافعي (رضي الله عنه): ((وقد حمل بعض الناس الحديث على التفرقة في الكلام، وهذا
محال لا يجوز في اللسان إنما يكونان قبل التساوم غير متساوين، ثم يكونان متساويين قبل التبايع، ثم
يكونان بعد التساوم متبايعين» وناهيك بالشافعي حجة في اللغة، وثقة في النقل.
ثم لو سلم لكم أن إطلاق المتبايع على المتساوم حقيقة - لكان هذا اللفظ - المتبايعان - مجازاً من وجه آخر؛ لأن
الثابت قبل قبول القابل بائع واحد لا بائعان، فلو جاريناكم، وسلمنا لكم كذلك أن إطلاق هذا الوصف على من
تم بينهما البيع مجاز - لكان مجازنا خيراً من مجازكم؛ وأولى منه بأن يحمل الحديث عليه؛ لأنه مَجَازٌ مشهورٌ.
وقد حاول الكمال أن يجعل إطلاق المتبايعين على المتشاغلين بالبيع بعد صدور الإيجاب، وقبل القبول
من قبيل الاطلاق الحقيقي لا المجازي، فقال ما معناه: لأن البيع من المواضع التي تصدق الحقيقة فيها
بوجود جزء من معنى اللفظ؛ لعدم تصور اجتماع أجزائها في الوجود دفعة واحدة؛ لأن من المصادر
السيالة التي تنقضي أجزاؤها أولاً بأول، وإلا تصدق الحقيقة بوجود جزء منها لم توجد لها حقائق ألبتة،
وهذا ما يأباه العقل، واللغة، والعرف.
=

١٩٦
كتاب البيوع
وذلك لأن البيع - هو الإيجاب والقبولُ، ولا يتصور اجتماعهما معاً، فإذا أوجب البيع أحدهما ولم يقبل
الآخر بعد يقال: وجدت حقيقة البيع، وحيث وجدت الحقيقة صدق على كل من المتشاغلين أنه بائع
حينئذ.
نظير ذلك المخبر لا حقيقة له إلا حال النطق بالخبر؛ لأنها حال المباشرة، وأجزاؤه لا تقوم به دفعة
واحدة؛ لتصدق حقيقته حال قيام المعنى، بل على التعاقب.
((وهذا في يقيني قياس مع الفارق؛ لأن البيع مثلُ الإخبارِ الأول حقيقته ربط القبول بالإيجاب، والثاني
حقيقته ربط الخبر بالمبتدأ، والبائع مثل المخبر. فكما لا يسمى المتكلم بالمبتدأ مخبراً؛ لعدم وجود الربط
بعد كذلك لا يسمى الموجب بائعاً؛ لعدم الربط. ولكن إذا شرع في التكلم بالخبر سمي مخبراً؛ لوجود
الربط الذي هو حقيقة الإخبار. كذلك إذا شرع القابل في القبول سمي بائعاً؛ لوجود حقيقة البيع، وهي
ربط القبول بالإيجاب، وسمي الموجب أيضاً بائعاً حينئذ؛ لتنزيل كلاميهما منزلة كلام واحد.
قلنا أن نختار أن حقيقة البيع إنما هي في حال قبول القابل فقط وأن إطلاق البائع على كلّ منهما قبله وبعده
مجاز. لا يقال: إن قصور خيار القبول حينئذٍ ممكن بأن يرجع الموجب أو القابل في حال ينطق بالقبول عن
قوله، لأنا نقول مثل هذا بعيد جداً لوجازة زمن النطق بالقبول، فلا تحمل عليه أحاديث خيار المجلس.
بقي أن يقال: ما دمنا قد اخترنا أن إطلاق البائع على كلٌ منهما بعد البيع وقبله مجاز، فما المرجح، لأنه
يراد من المتبايعين في الحديث مَنْ ثم البيع بينهما، حتى يكون محمولاً على خيار المجلس؟ ولماذا لم
يكن الأمر بالعكس بأن يراد منهما من لم يتم البيع بينهما، ولكنهما يتشاغلان به، حتى يكون الحديث
محمولاً على خيار القبول؟؛ لأنا نقول: المرجح موجود؛ لأن المجاز الأول مشهور بخلاف الثاني،
والمشهور مقدم على غير المشهور، بل الصاحبان من الحنفية يقدمانه على الحقيقة غير المستعملة)).
(بقي قول الكمال: إنه يفهم بطريق التبادر من قولنا: زيد وعمرو هناك يتبايعان؛ أنهما يتشاغلان بالبيع
ويتراوضان فيه، والتبادر أمارة الحقيقة .
قلنا: ألا نسلم أن التبادر دائماً أمارة الحقيقة، وإنما هذا عند التجدد عن القرائن. فإنه قد يتبادر المعنى
المجازي لقرينة دالة عليه. والتبادر هنا نشأ عن القرينة الحالية؛ لأن حالة المباشرة التي من أجلها يطلق
لفظ البائع على كل منهما حقيقة - حالةٌ يسيرةٌ جداً هي حالةُ النطق بالقبول على ما بينا، وزمنها لا يسع
مجيء المتكلم من عند البائعين، وتكليم المخاطب بهذا القول. فبالضرورة يفهم من قوله : - هناك يتبايعان
- أنهما يتراوضان فيه)» بعد هذا التحقيق الذي تنهار له كلَّ اعتراضات الحنفية، والمالكية على الجمهور في
استدلالهم بأحاديث الخيار على أن المراد من خيار المجلس - نرجع إلى ما كنا فيه من دحض اعتراضاتهم
تفصيلاً من قبل الجمهور.
قلتم أيها المنكرون لخيار المجلس حين أوردنا عليكم أن حمل الحديث على خيار القبول يجعلُه عديم
الجدوى؛ لأن كل واحد يعرف بالعادة والعرف: إن العاقدين ما دام لم يوجد القبول هنا بالخيار؛ إن شاءا
عقدا البيع، وإن شاءا لم يعقداه، قلتم: بل الفائدة محققة، وهي دفع توهم أن القابل ملزم بالبيع بمجرد
إيجاب الموجب للرضا السَّابق.
وهذا توهم لا أصل له؛ لأن عرف الناس في المعاملة على خلافه، ولو فرض حصول هذا التوهم عند
بعض الناس فهو من قبيل النادر جداً، ولا يحصل إلا لمن جهل العرف والعادة، وإذا جهلهما فهو
بالحدیث أشد جهلاً .
=

١٩٧
کتاب البيوع
وقلتم: إن المراد بالتفرق تفرِقُ الأقوال. وضربتم لذلك الأمثال، زاعمين أنه يطلق حقيقة عليه أيضاً:
=
وكيف نسلم لكم ذلك؟ وأهل اللغة الموثوق بنقلهم ومعرفتهم باللسان يفرقون بين افترق، وتفرق -
فالأولى في الأقوال، والثانية في الأبدان.
وعلى ذلك يكون استعمال كل منهما موضع الأخرى فجازا. فإن أصررتم على أن الأصل في الاستعمال
الحقيقة - جاريناكم، ملتمسين الترجيح من دليل آخر، والدليل بحمد الله بأيدينا، سافر قوي من الحديث
نفسه، ومن عمل الصحابة وأقوالهم، بينما أنتم ليس لكم من دليل سوى الاستعمال، وهو دليل مشترك
بيننا وبينكم، بل نحن أسعد خطابه منكم.
أما دليلنا من الحديث فهو ما ورد في بعض ألفاظ الحديث المروي عن ابن عمر ((وإن تفرقا بعد أن تبايعا،
ولم يترك واحد منهما البيع - فقد وجب البيع)) ومعنى وجب ثبت ولزم، فقد رتب لزوم البيع على التفرُّق
وهو يدل على أن التفرقة بعد البيع، وأنه بالأبدان؛ لأن التفرقة قبل البيع يلزمُه عدم وجوده لا لزومه.
فكيف والحديث نفسه يصرح بأن التفرق بعد البيع، ولا يكون بعد البيع إلا ويكون بالأبدان، ودل قوله
(مَّة): ((ولم يترك واحد منهما البيع)) - على أن للعاقد فسخ البيع بعد حصوله.
وما هو صريح في أن التفرقة في الحديث مراد منه التفرق بالأبدان - ما رواه البيهقي من حديث عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده بلفظ: ((حتى يتفرقا من مكانهما)).
وأما دليلنا من عمل الصحابة وأقوالهم فهو ما وردت به بعض الروايات الصحيحة، ((وكان ابن عمر (رحمه
الله) إذا بايع رجلاً، فأراد ألا يقيله، قام فمشى هنيهة، ثم رجع)).
وكذلك ما ورد في قصة الرجلين اللذين احتكما إلى أبي برزة من قوله: ((ما أراكما افترقتما)) وكان هذا
القول من بعد تمام البيع، وهذا وحده كاف في أن يراد منه التفرق بالأبدان، فكيف وهو يعني به هذا
المعنى أيضاً؟
فإن دفعتم بأن هذا فهم لهما في الحديث، ولسنا بملزمين به - قلنا: ومن المتفق عليها بيننا أن الصحابي
أعلم الناس بما روى؛ لمشاهدته التنزيل وعلمه بالحادثة التي قيل فيها الحديث، فكيف ولم يعلم لهما
مخالف من الصحابة؟ يقول صاحب ((الفتح)) ((لا يعلم لابن عمر، ولا لأبي برزة مخالف من الصحابة)).
وتقولون في قوله (بَليّة): ((أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر)) أي: اختر قبول البيع، وهذا باطل من وجوه:
لأن التخيير قسيم التفرقة وهو بعد البيع كما بينا، فكذلك لتخيير رد، ولأن أحدهما شامل البائع والمشتري
على البدل ولا يتأتى هذا إلا في خيار المجلس بخلاف خيار القبول بأن الذي يمكن أن يصدر منه لفظ :
(اختر)) هو الموجب وحده ولأن قد ورد بعض الروايات مصرحاً في التخيير بعد البيع، نذكر منها ما روي
عن جابر (رضي الله عنه) ((أن النبي (*) خير أعرابياً بعد البيع)) رواه الترمذي وصححه، وإذا، فقد وضح
- والحمد لله - أن أحاديث الخيار محمولةٌ على خيار المجلس، بل لا تحتمل غيره، وليست كما تدَّعون
محمولة على خيار القبول. وأنها لذلك صالحةً لتقييد إطلاق الآيات التي استدللتم بها على نفي خيار
المجلس، لا سيما ودلالة العموم في هذه الآيات ظنية باتفاق؛ لأنها مقيدة بأحاديث وآيات أخر، دالة على
حرمة كثير من المعاملات. ولنرجع بعد كل هذا إلى مناقشة باقي أدلة المنكرين.
أما احتجاجهم بقوله (#): ((المسلمون على شروطهم))، فيسلك به مسلك الآيات فهو عام مخصوص
بأحاديث خيار المجلس.
=

١٩٨
كتاب البيوع
وأما احتجاجهم بحديث عمرو بن شعيب: ((البيع والمبتاع بالخيار ... الخ)) فعجب عجاب أن تجعلوه
=
دليلاً بكم وهو دليلٌ لنا عليكم؛ لأن المراد بالإقالة في الحديث إنما هو الفسخ، والدليل على هذا من
وجوه .
الأول: أنه (عليه الصلاة والسلام) أثبت لكل من البيع والمبتاع الخيار ما لم يتفرقا، ثم ذكر الاستقالة،
ومعلوم أن من له الخيار غير محتاج إليها، فدل ذلك على أن المراد بها الفسخ.
الثاني: أنه منع من مفارقة المجلس، خشية الاستقالة، وهي غير مختصة به، وإنما المختص به الفسخ،
فكان هو المراد منها .
الثالث: أن الاستقالة باتفاق لا بد فيها من رضا الطرفين، والنهي عن مفارقة المجلس؛ خشية الاستقالة
يدل على أن لصاحبه أن يقيله بدون رضاه، وهذا لا يكون إلا في الخيار، فحملت الاستقالة عليه.
وأما استدلالكم بحديث ابن عمر (رضي الله عنه): ((كنا مع النبي (مٌَّ) في سفر، فكنت على بكر صعب
لعمر ... الحديث)) فيرد عليه أنه وإن لم يحصل تفرق، فمن الجائز أن يكون النبي (مَلٌ) خير عمر،
وليس بلازم أن يذكره الراوي؛ كما أنه لم يذكر الثمن مع أنه لا بد منه، هكذا قال بعضهم، وفيما قاله
نظراً؛ لأن الثمن ركن من أركان البيع، فذكر البيع وحده متضمن لذكره، وليس كذلك التخيير.
ولأن هذه القصة لا يخلو أمرها من أن تكون قبل حديث الخيار، فيكون قد نسخها أو بعده، فيكون الخيار
معلوماً غير محتاج للنصّ عليه من الراوي.
وأفضل من هذا أن يقال: لو فرض وأن الرسول (#) لم يخير عمر، فتصرفه بالهبة بعد البيع لا يدل على
نفي خيار المجلس، لأنه أنس الرضا من عمر؛ بدليل أنه كان يود أن يهبه البكر بدون مقابل .
وأما قولكم: نهى النبي (َّ) عن بيع الغرر، ومن الغرر أن يثبت لهما خيار لا يعرفان متى ينتهي؟ -
فمردود بأنه وإن كان مجهول الأمر، لكن لكل واحد منهما أن يغير صاحبه فيختار، إما إِمضاء البيع، وإما
فسخه. فما عليه إن كان يريد إمضاءه إلا أن يمشي بضع خطوات، فينقطع الخيار، ويلزم البيع الطرفين.
فمثل هذه الجهالة اليسيرة مفتقر شرعاً؛ لأنها لا تفضي إلى نزاع، ولا توقع في ضرر لا مخرج منه، سيما
والعادة قاضية بأن مجلس العقد لا يدوم طويلاً، بل هو فترة وجيزة يتفرقان بعدها، فقول أبي حنيفة
(رحمه الله) - أرأيت لو كانا في سفينة - فهو - فضلاً عن كونه معارضة للحديث بالرأي - من الصُّور النادرة
على أن لهما مخرجاً آخر غير التفرق هو التخيير.
وعلى هذا، فخيار المجلس يفارق خيار الشرط إذا كان مجهول الأمد؛ لأنه قد يطول فيفضي إلى المضارة
والشحناء، وليس في مقدور واحد منهما أن يلزم البيع بفعله في كل حال كخيار المجلس.
هذا، وأما استدلالكم بأثر عمر (رضي الله عنه) - البيع صفقة أو خيار - فهو فضلاً عن كونه لا يعارض
الحديث؛ لأنها أحق منه بأن تتبع، ولا حجة في قول أحد مع قول رسول الله (مَال#)، وفضلاً عن أن
جماهير الصحابة على خلافه، وفضلاً عن كونه غير مروي عنه من طريق تصح، وفضلاً عن كونه روي
عنه هو نفسه ما يخالفه، فضلاً عن هذا لكن هو غير معارض للحديث، بل مؤول بما يوافقه.
فقد أوَّله ابن حزم بما يوافق مذهبه من أن البيعَ غير صحيح، حتى يكون التفرق أو التخيير، حيث أول
الصفقة بما تم من البيع بالتفرقة، والخيار بما تم منه بالتخيير. وأوَّله صاحب ((المغني)) من الحنابلة بأن
البيع نوعان: نوع شرط فيه الخيار، ونوع لم يشرط فيه وهو الصفقة، وهذا لا ينافي ثبوت خيار المجلس؛
لأنه يثبت بغير الشرط. وسماه صفقة؛ لقصر مدة الخيار فيه، فكأنه تم بمجرد التصافق.

١٩٩
كتاب البيوع
فصل [في بيان ما يكره من البياعات]
وأما بيان ما يكره من البياعات وما يتصل بها: فأما البياعات المكروهة فمنها التفريق بين
الرَّقيق(١) في البَيْع.
والأصل فيه ما روي عن رَسُولَ اللَّهِ - رَّمَ - أنه قال: ((لاَ تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا))(٢)
والتفرق بينهما تَوْلية، فكان منهياً .
والآن وقد فرغنا من مناقشة أدلة النافين من الكتاب والسنة، فما علينا إلا أن نناقش أدلتهم من المعقول.
=
فأولاً - يرد على قياسهم البيع على النكاح؛ بأنه قياس مع الفارق.
١ - لأن المال غير مقصود في النكاح لذاته، بخلاف البيع، والمال هو الذي مهد فيه المكايسة والشح.
٢ - رد البيع ينقل ملك الرقبة، والنكاح لا يبيح إلا ضرباً من الانتفاع، وملك الرقبة أقوى، فالاحتياج فيه
إلى التروي أكثر من النكاح.
٣ - ثبوت الخيار في النكاح بعد العقدة، يضع من شأن الرجل والمرأة. ويجرح شعورهما، ويجعلهما
كالسلع محلاً للأخذ والرد. وهذه فروق في نظري غير مؤثرة، ولكنا ذكرناها تبعاً للقوم.
والفرق المؤثر الصحيح في نظري هو أن عقد النكاح من العقود التي لا تدخلها الخيارات باتفاق الخصوم
أنفسهم؛ لأنها على خلاف مقتضاها؛ بدليل عدم دخول الاقالة فيها، بل فلها خلاف مقصودها؛ لأن
مقصودها الدوام والاستمرار.
فقياس البيع على النكاح باعتبار اللزوم بمجرد العقد - ليس بأدلى من قياسه عليه باعتبار عدم - صحّة
الإقالة. فما الذي رجح القياس الأول على الثاني؟ !.
وثانياً - يرد على قولهم: إن في جواز الفسخ من أحدهما استقلالاً - جواز إبطال حق الآخر بدون رضاه -
بأن ثبوت الحق إنما هو بالشرع، والشرع نفاه إلى انتهاء الخيار، كما قال الكمال وهو منكم.
هذا، وأما استدلالُ المالكية بإجماع أهل المدينة على العمل بخلاف موجب أحاديث خيار المجلس فهو
مبنيًّ على أن إجماعهم حجة؛ ولم يوافقهم عليه غيرهم، على أن الإجماع لم يسلم لهم، فهذا ابن أبي
ذئب ممن قال بمشروعية خيار المجلس، وكان يقول: يستتاب مالك، لمخالفته الحديث.
وما أدري ما هذا الإجماع، وعلماء المدينة القدامى كانوا كلهم، أو جلهم على القول بخيار المجلس؟
نذكر منهم من الصحابة: ابن عمر رأس علماء الصحابة بالمدينة، ومن التابعين ابن المسيّب كبير فقهاء
المدينة من التابعين. نقل ذلك ابن حزم عن البخاري في طائفة كبيرة من الصحابة والتابعين.
ينظر الخيارات في البيع للشيخان، محمد مندور، وينظر المحلى (٣٥٧/٨)، وفتح القدير (٨٢/٥).
(١) في ط: الرفيق.
(٢) أخرجه البيهقي (٥/٨) كتاب النفقات: باب الأم تتزوج فيسقط حقها من حضانة الولد، من طريق زيد بن
اسحاق بن جارية أن عمر بن الخطاب حين خاصم إلى أبي بكر في ابنه فقضى به أبو بكر رضي الله عنه
لأمه ثم قال: سمعت رسول الله وَله يقول: لا توله والدة عن ولدها. وضعفه الحافظ في ((التلخيص)) (٣/
١٥) وسبقه ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير)) (٦٢/٢).
وأخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٤١٨/٦) من طريق مبشر بن عبيد عن قتادة عن أنس قال: قال رسول
الله وَ له: لا توله والدة عن ولدها.
=

٢٠٠
كتاب البيوع
وروي أن النَّبيَّ - عليه الصّلاة والسلام - رَأَى أَمْرَأَةً وَالِهَةَ في السَّبِي، فَسَأَلَ عَنْ شَأْنِهَا
فَقِيْلَ: ((قَدْ بِيعَ وَلَدُهَا))، فَأَمَرَ بِالرَّدُ(١).
وقال - عليه الصّلاة والسلام -: ((مَنْ فَرَّق بَيْنَ وَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِيَّتِهِ يَوْمَ
القِيَامَةِ))(٢) وهذا خرج مخرج الوعيد.
وروي أنه قال - عليه الصّلاة والسلام -: ((لاَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِمُ السَّبْيُ وَالتَّفْرِيقُ حَتَّى يَبْلُغَ
الغُلامُ وَتَحِيضُ الجَارِيَةُ))(٣) ونهى عن التفريق في الصغر.
=
ومبشر بن عبيد.
قال أحمد: ليس بشيء يضع الحديث.
وقال البخاري منكر الحديث .
وقال ابن عدي: ومبشر بيّن الأمر في الضعف وعامة ما يرويه غير محفوظ.
وقال الدارقطني: متروك وضعفه ابن عدي وابن معين ينظر الكامل (٤١٧/٦) والتهذيب (٣٠/١٠).
قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٥/٣): وقد ذكر ابن الصلاح في مشكل الوسيط أنه يروي عن أبي سعيد
وهو غير معروف وفي ثبوته نظر كذا قال وقال في موضع آخر: إنه ثابت قلت - أي الحافظ - عزاه صاحب
مسند الفردوس للطبراني من حديث أبي سعيد وعزاه الحيلي في ((شرح التنبيه)) رزين.
(١) أخرجه الحاكم (٥١٦/٣) وسعيد بن منصور في سننه (٢٨٩/٢) كتاب الجهاد باب: تفريق السبي بين
الوالد وولده والقربات، حديث (٢٦٥٤). والبيهقي في الكبرى (١٢٦/٩) كتاب السير، باب: التفريق بين
المرأة وولدها وفي معرفة السنن والآثار (٧/ ٨٠) كتاب السير، باب: التفريق بين ذوي المحارم، من
حدیث (٥٤٧٨).
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بأنه مرسل.
وقال البيهقي : وإن كان فيه إرسال فهو مرسل حسن.
(٢) أخرجه أحمد (٤١٣/٥)، والدارمي (٢٢٧/٢ - ٢٢٨): كتاب السير: باب النهي عن التفريق بين الوالدة
وولدها، والترمذي (٥٨٠/٣): كتاب البيوع: باب في كراهية الفرق بين الأخوين، أو بين الوالدة وولدها
في البيع، حديث (١٢٨٣). والدارقطني (٦٧/٣): كتاب البيوع، حديث (٢٥٦)، والحاكم (٥٥/٢):
كتاب البيوع: باب من فرق بين والدة وولدها، والبيهقي في ((الشعب)) (١١٠٨١)، والقضاعي في مسند
((الشهاب)) (٢٨٩/١)، الحديث (٤٥٦).
والطبراني في «الكبير» (٢١٧/٤) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٣٩/٥ - بتحقيقنا) من حديث أبي أيوب
الأنصاري به .
وقال الترمذي: حسن غريب.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وللحديث شاهد من حديث حريث بن سليم العدوي.
أخرجه الدار قطني (٦٨/٣) كتاب البيوع: رقم (٢٥٧).
وفيه الواقدي وهو كذاب.
(٣) أخرجه الدار قطني (٦٨/٣) كتاب البيوع، حديث (٢٥٨).