النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كتاب البيوع
بالتعيين، والدراهم والدنانير لا تتعين في عقود المعَاوَضَات، فلم تكن مبيحة، فلا يجوز السَّلم
فيها، وهل يجوز السّلم في التبر والنقرة والمصوغ، فعلى رواية كتاب ((الصَّرف)): لا يجوز؛
لأنه جعلها بمنزلة الدراهم والدنانير المضروبة.
وعلى رواية كتاب ((المضاربة)): يجوز؛ لأنه جعلها بمنزلة العروض، حيث لم يجوز
المضاربة بها، فتتعين بالتَّعيين، فكانت مبيعة فيجوز السَّلم فيها .
وعلى هذا أيضاً يخرج السلم في الفُلُوس عدداً؛ إنه جائز عند أبي حنيفة - رحمه الله -
وأبي يوسف؛ لأن الفلوس مما تتعين بالتَّعيين في الجملة عندهما، حتى جوز بيع فلس بفلس
بأعيانهما، وعند محمد: لا يجوز السَّلم فيها كما لا يجوز في الدراهم والدنانير، لأنها أثمان
عنده، ولهذا لم يجُز بيع واحد منها باثنين بأعيانهما، ويجوز السَّلم في القماقم والأواني
الصفرية التي تباع عدداً؛ لأنها تتعين بالتَّعيين فكانت مبيعة، وإِن كانت تباع وزناً لا يجوز السَّلم
فيها ما لم يعرف وزنها؛ لأنها مجهولة القَدْر والله عز وجل أعلم.
ومنها أن يكون مؤجلاً عندنا حتى لا يجوز السلم في الحال.
وعند الشافعي: هذا (١) ليس بشَرْط، وسلم الحال جائز(٢).
(١) في أ: الأجل.
(٢) اتفقت كلمة الفقهاء على اشتراط الأجل في المسلم فيه إذا كان غير موجود عند العقد ولم يكن مقدوراً
علی تسليمه فيه.
واختلفوا فيما إذا كان المسلم فيه موجوداً عند العقد مقدوراً على تسليمه بأن يقول رب السلم للمسلم إليه
أسلمت إليك عشرين جنيهاً مصرياً في عشرين إردباً من الذرة الشامية على أن تسلمها لي الآن.
قالت الأئمة الثلاثة والظاهرية والزيدية يشترط لصحة السلم أن تكون السلعة فيه مؤجلة بحيث لو كان حالاً
فإنه لا يكون سلماً.
وقال الشافعية بجواز السلم الحال كالصورة السابقة فالمدار عندهم في تحقق السلم الحال هو أن يبيع
شخص لآخر سلعة موصوفة في ذمته وصفاً يرفع الجهالة الفاحشة عنها ويسلمها له في المجلس.
استدل الجمهور على اشتراط الأجل في السلم بالسنة والمعقول السنة: ما أخرجه الأئمة الستة عن أبي
المنهال قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: قدم رسول الله وَّر المدينة وهم يسلفون في الثمار
السنة والسنتين والثلاث فقال رسول الله وَّر: من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى
أجل معلوم.
وطريق الاستدلال به من وجوه.
أ - أن الرسول و ﴿ قد أوجب مراعاة القدر في السلم بهذا النص. فمراعاة الأجل تكون واجبة أيضاً فيه
كالقدر لأن الأمر منصب فيهما بعبارة واحدة فلا تصح التفرقة بينهما إذن.
ب - أن الرسول و # بقوله هذا قد شرع السلم موصوفاً بصفة ((بوجه خاص ومنه التأجيل)) فلا يوجد السلم =

١٤٢
كتاب البيوع
بدون تلك الصفة لأن المشروع بصفة لا يوجد بدونها وذلك كالصلاة شرعت بوضوء فلا توجد بدونه.
=
وكمن قال من دخل داري فليدخل غاض البصر لا يجوز له أن يدخلها إلا وهو كذلك.
حـ ـ أن الحديث يفيد اشتراط الأجل من حيث المغايرة بين قرائنه إذ لو كان المراد منه أن يكون الأجل
معلوماً إذا كان مؤجلاً لكان يقول وأجل معلوم كما قال في كيل معلوم فقوله: إلى أجل معناه: وليكن إلى
أجل معلوم فدل هذا على وجوب اشتراط الأجل هنا.
د - أن حذف الواو في قوله ويثير: إلى أجل معلوم جعل الأجل متعلقاً بكل من السلم في المكيل والسلم
في الموزون فليس هو مخيراً فيه كما كان مخيراً في الكلية والوزنية وذلك دليل على لزومه مطلقاً.
المعقول: وقد استدل الجمهور بالمعقول على اشتراط الأجل في السلم فقالوا:
أولاً: السلم لغة بمعنى السلف وهو تعجيل أحد البدلين مع تأخير الآخر ولهذا اختص باسم لا يشاركه فيه
غيره من أنواع البيوع فلو جاز حالاً لما كان هناك وجه لاختصاصه باسم السلم إذ تصبح التسمية غير
مطابقة .
ثانياً: أن السلم شرع رخصة دفعاً لحاجة المفاليس الذين يحتاجون إلى نفقة عاجلة. ويقدرون على البدل
بقدرة آجلة وللاسترباح بالنسبة لأرباب الأموال ولا بد للرخصة من محل يصلح لأن تتحقق وتوجد فيه
والسلم الحال لا يصلح لأن يكون محلاً لهذا الترخيص الذي قد منّ الله به على عباده وذلك لأن المسلم
إليه فيه قادر على تسليم المعقود عليه. وإذن فليس به من حاجة يراد دفعها بالترخيص له في السلم وإذ لا
حاجة لم يكن هناك وجه للمشروعية.
واستدل الإمام الشافعي رضي الله عنه على عدم اشتراط الأجل بالكتاب والسنة والمعقول.
الكتاب: قال الله تعالى ﴿وأحل الله البيع﴾ وهو عام يشمل كل أفراد البيع مطلقاً من غير اشتراط التأجيل
في أحدها ما لم يخرج بيع بدليل خاص فيدخل فيه السلم الحال إذ لا دليل على خروجه.
السنة: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله وَّخر ((من أسلم فليسلم في كيل
معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) ووجه الدلالة فيه أن معنى الحديث من أسلم في مكيل فليسلم في
مكيل معلوم أو في موزون فليسلم في موزون معلوم أو إلى أجل فليكن إلى أجل معلوم فالمراد بالحديث
الأخبار بالقيد وهو المعلومية لهذه الأشياء مع ملاحظة تقييد الشيء بقولنا مكيل أو موزون وعلى هذا فليس
في الحديث ما يوجب الأجل وإنما أوجب العلم به إذا وجد فالإيجاب راجع إلى الوصف وهو المعلومية
دون الموصوف وهو الأجل وإنما كان المراد من الحديث هذا لأنه لو أريد به حصر المشروعية في
المؤجل لكان أمراً بحصر السلم في المكيل والموزون فقط لا يتعداهما إلى غيرهما لأن النسق في الفصول
الثلاثة واحد فما يجري على أحدها يجري على الآخر وهذا باطل لأنا نقول بجواز السلم في كل ما يضبط
من مزروع ومعدود باتفاق بيننا وبينكم.
المعقول: واستدل الإمام الشافعي رضي الله عنه بالمعقول فقال:
أولاً: إن الأجل شرع في البيوعات الحاضرة مخيراً فيه للترفيه عن المحتاج وليس شرطاً فيها فالسلم
كذلك مشروع فيه الأجل ترفيها لا شرطاً لأن الكل معاوضة مال بمال.
ثانياً: المقتضى لاشتراط الأجل في السلم هو السعي في تحصيل المسلم فيه للقدرة على تسليمه والإقدام
على العقد دليل عليها إذ الشأن أن العاقل لا يلتزم شيئاً لا يقدر على تسليمه حفظاً لكرامته وصيانة لمركزه =

١٤٣
كتاب البيوع
فكان ظاهر الأمر يفيدنا أنه أقدم على هذا العقد وهو قادر على تسليمه. وذلك كاف في جواز العقد إذ
=
الأحكام تناط بالظواهر وعلى هذا فلا داعي إذاً للأجل فلا يشترط.
على أنه لو لم يكن قادراً على التسليم فقد ثبتت قدرته بما دخل في يده من رأس المال بواسطة التحصيل
به ولذا أوجبنا تسليم رأس المال على رب السلم قبل قبضه المسلم فيه.
ومجمل هذا أن المقتضي لاشتراط الأجل هو السعي في تحصيل المسلم فيه ليقدر على تسليمه والقرض
أنه قادر فاشتراطه إذاً يكون بلا مقتضى. هكذا يسوق الحنفية هذا الاستدلال للشافعية في كتبهم وأرى أن
الشافعية في غنى عنه باشتراطهم في السلم الحال وجود المسلم فيه وقت العقد فتكون القدرة على التسليم
محققة فلا داعي إلى الخلف الذي يقوم مقامها وهو الأجل إذ شرط صحة الخلفية تعذر الأصل والأصل
هنا موجود وهو القدرة.
ثالثاً: اتفقت كلمة الفقهاء على جواز السلم مؤجلاً فليجز حالاً بالأولى لأنه أنفى للغرر هكذا يسوق
الشافعية هذا الدلیل وبيانه:
أن السلم المؤجل يعتريه احتمال تحقق القدرة على التسليم واحتمال حصول التسليم بالفعل أما السلم
الحال فلم يكن فيه إلا احتمال حصول التسليم فقط لأن الفرض أن القدرة محققة وما فيه احتمال واحد
يكون أبعد وأنفى للغرر عما فيه احتمالان وعلى هذا فجواز السلم الحال يكون بطريق الأولى.
وبالنظر في أدلة كل من الفريقين أستطيع الخلوص إلى ما يأتي:
أولاً: أن كلاً من الفريقين قد استدل بما رواه ابن عباس رضي الله عنهما ((من أسلم» ووجهه بتوجيه يصلح
لأن ينتج مدعاه وإذن تجب الموازنة بين هاتين الوجهتين. وبالتأمل أرى أن توجيه الإمام الشافعي رضي الله
عنه قد احتيج فيه إلى تقدير حيث أصبح معنى الحديث: من أسلم في مكيل فليكن في مكيل معلوم ومن
أسلم في موزون فليكن في موزون معلوم ومن أسلم إلى أجل فليكن إلى أجل معلوم وأما توجيه الجمهور
فهو خال عن هذا التقدير وقد قالوا إن ما لا يحتاج إلى تقدير أولى مما يحتاج.
على أن وجهة الجمهور تتبادر إلى الذهن عند سماع الحديث فكان هذا مرجحاً قوياً لأن يكون الحديث
واضح الدلالة في جانب الجمهور.
وربما يرجح هذا ما روي عن الصحابة رضي الله عنهم من الآثار مثل ما رواه البخاري وعبد الرزاق عن
أبي سعيد الخدري أنه قال: السلم بما يقوم به السعر ربا ولكن السلف في كيل معلوم إلى أجل ومثل ما
رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا تسلف إلى العطاء ولا إلى الحصاد واضرب
أجلاً .
ثانياً: أما استدلال الإمام الشافعي رضي الله عنه بعموم الآية ﴿وأحل الله البيع﴾ فغير مسلم له لأنه استدلال
بعام قد أخرج منه أفراد كثيرة فأصبحت دلالته على فرد بعينه ظنية حتى إذا ما وجد ما يصلح لتخصيصه
خص به وقد سبق أن الحديث مفيد لما ذهب إليه الجمهور وبذلك يصلح لأن يكون مخصصاً للآية.
وأما قياسه السلم على بيوع الأعيان فقياس مع الفارق وبيان من وجهين.
أ - أن البيع موضوع للمكايسة فكان المناسب لها أن يكون معجلاً وأما السلم فموضوع للرفق فكان
المناسب له أن یکون مؤجلاً.
ب - أن التعجيل ينافي موضوع السلم وبه يبطل مدلول الاسم والتأجيل لا ينافي موضوع البيع ولا يبطل به =

١٤٤
كتاب البيوع
وجه قوله: إن الأجل شرع نظراً للمسلم إليه تمكيناً له من الاكْتِساب فلا يكون لازماً كما
في بيع العين.
ولنا: ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - رَّهِ - أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ أَسْلَمَ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ،
إِلَىْ أَجَلٍ مَعْلُوم)) أوجب - عليه الصلاة والسلام - مراعاة الأجل في السلم كما أوجب مراعاة
القدر فيه، فبدلٌ على كونه شرطاً فيه كالقدر؛ ولأن السلم حالاً يفضي إلى المنازعة؛ لأن السلم
بيع المفاليس، فالظاهر أن يكون المسلم إِليه عاجزاً عن تسليم المسلم فيه، وربّ السلم يطالب
بالتسليم، فيتنازعان على وجه تقع الحاجة إلى الفسخ، وفيه إلحاق الضرر برب السلم؛ لأنه
مدلول الاسم فلذا صحت مخالفة قاعدة البيع في المكايسة بالتأجيل ولم تصح مخالفة قاعدة السلم في
=
الرفق بالتعجيل.
وأما قياسه الأولوي القائل الغرر في الحال أقل منه في المؤجل فليجز بالأولى - وهو عمدتهم في هذا
البحث - فيمكن دفعه بأن الشارع لما جوز السلم دفعاً لحاجة المفاليس وهي مبطنة ناطه بأمر ظاهر منضبط
ذلك الأمر هو الأجل ولم ينظر فيه بعد ذلك إلى الغرر فلا يلتفت فيه حينئذ إلى قلة الغرر أو كثرته وإنما
ينظر إلى تحقق المناط الذي ناط به الشارع شرعية السلم كما هو المطرد في قواعد الشريعة كالسفر لما
جعله الشارع مناط القصر لأنه مظنة المشقة لم يبيح القصر بدونه وإن وجدت المشقة حتى ولو فاقت مشقة
السفر وأبيح مع السفر ولو لم تكن المشقة فيه محققة.
وحيث كان مناط الجواز هو الأجل فإذا وجد فقد شرع العقد وإلا فلا وعلى هذا فلا يلزم من جوازه
مؤجلاً جوازه حالاً فضلاً عن كون جواز الحال أولوياً.
ذلك ما ناقش به الحنفية قياس الشافعية الأولوي هذا وقد أعجب صاحب تهذيب الفروق في مناقشته لهذا
القياس مما جعله ينعكس على الشافعية فقال:
إن الأولوية فرع الشركة والرفق الذي يحصل بالتأجيل لا يحصل بالحلول فكيف يقول بطريق الأولى.
على أنا لو سلمنا حصول الرفق بالحلول أيضاً لا نسلم عدم الغرر مع الحلول بل الحلول في السلم غرر
لأنه إن كان فهو قادر على بيعه معيناً حالاً فعدوله إلى السلم قصد للغرر وإن لم يكن عنده فالأجل يعينه
على تحصيله والحلول يمنع ذلك ويعين الغرر وهذا هو الغالب لأن ثمن المعين أكثر فلو كان عنده لعينه
لتحصيل فضل الثمن فيندرج الثمن الحال في الغرر فيمتنع قوله إن جوازه بطريق الأولى.
وهذا الكلام في القياس عزيز. فإن الشافعية يظنون بهذا القياس أنه قطعي وأنه يقتضي الجواز بطريق
الأولى ويحكون هذه العبارة عن الشافعي رضي الله عنه فقد ظهر بهذا البحث انعكاسه عليهم وظهر أنه
غرر لا أنه أنفى للغرر بل أوجد للغرر.
ومن هذه المناقشات يمكن أن أخلص إلى القول بأن مذهب الجمهور أولى بالرجحان لما سبق من أن
السنة أقرب ما يكون إلى جانبهم فتصلح أن تكون مخصصة لعموم قول الله تعالى ﴿وأحل الله البيع﴾.
وقد أبان ابن العربي سرًّا من أسرار التشريع يرجح قول الجمهور فقال: ((السلم الحال عقد باطل لأنه ليس
بيع عين ولا دين وليس لهما ثالث والنبي ◌َّر قد جعل الدين مؤجلاً والعين حاضراً فأما شيء حال في
الذمة أبداً بعقد معاملة فليس له أصل في الشريع ويذهب معه سبب السلم والسّمة وحكمته.
ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض، مغني المحتاج ١٠٥/٢ شرح الترمذي ٥٠/٦.

١٤٥
کتاب البيوع
سلم رأس المال إلى المسلم إِليه وصرفه في حاجته، فلا يصل إلى المسلم فيه ولا إِلى رأس
المال، فشرط الأجل حتى لا يملك المطالبة إلا بعد حل الأجل، وعند ذلك يقدر على التسليم
ظاهراً، فلا يؤدي إلى المنازعة المفضية إلى الفسخ والإضرار برب السلم، ولأنه عقد لم يشرع
إلا رخصَة؛ لكونه بيع ما ليس عند الإنسان، لِمَا رُوِيَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ - بِّهــ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ
عِنْدَ الإِنْسَانَ، وَرَخَّصَ فِي السَّلَم)) فهذا الحديث يدل على أن بيع ما ليس عند الإِنسان لم يشرع
إِلا رخصة، وأن [بيع](١) السلم بيع ما ليس عند الإِنسان أيضاً على ما ذكرنا من قبل.
والرُّخصة في عرف الشرع اسم لما يغير عن الأمر الأصلي بعارض عذر إِلى تخفيف
ويسر (٢)؛ كرخصة تناول الميتة وشرب الخمر بالإكراه والمخمصة ونحو ذلك، فالترخُّص في
السلم هو تغيير الحكم الأصلي؛ وهو حرمة بيع ما ليس عند الإِنسان إِلى الحل بعارض عذر
العَدَم ضرورة الإِفلاس، فحالة الوجود والقدرة لا يلحقها اسم قدرة الرّخصة، فيبقى الحكم فيها
على العزيمة الأصلية، فكانت حرمة السَّلم الحال على هذا التقرير مستفادة من النَّص، كأن
ينبغي ألاَّ يجوز السلم من القادر على تسليم المسلم فيه للحال، إلا أنه صار مخصوصاً عن
النهي العام، فألحق بالعاجز/ عن التسليم للحال على اعتبار الأصل وإلحاق النادر بالعدم في ١١٠٩/٣
أحكام الشّرع، والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.
ومنها: أن يكون مؤجّلاً بأجل معلوم(٣)، فإن كان مجهولاً فالسلم فاسد، سواء كانت
(١) سقط من ط .
(٢) ينظر: الكلام على الرخصة من: الإحكام للآمدي ١١٧/١، المستصفى ٧٣/١، حاشية البناني على جمع
الجوامع ١٧٢/١، شرح العضد ٦/٤، شرح الكوكب المنير ٤٢٣/١، تيسير التحرير ٢٢٨/٢، فواتح
الرحموت ١١٣/١.
(٣) قد اتفق العلماء على أن السلم إذا كان مؤجلاً فليكن إلى أجل معلوم إذ قد وصف الله تعالى ونبيه وَيه
الأجل بذلك فكان أمراً لزاماً وبالاستقراء لم نجد في اشتراط معلومية الأجل خلافاً فكان هذا إجماعاً
ونظراً لاختلاف الثمن باختلاف الأجل وجب بيانه دفعاً لما عساه يحصل من المنازعة على أن الأجل هو
الوقت الذي يجب فيه تسليم المعقود عليه فوجب أن يكون معلوماً درءاً لما قد يحصل من المنازعة أيضاً
التي تنشأ من اختلاف رغبة المتعاقدين.
مقداره لما أمر الله تعالى ورسوله وَلقر بمعلومية الأجل ولم ينصا على تعيين مقداره اختلف العلماء فيه.
فمن قائل أقله أربعون يوماً نظرا إلى أن هذا أقل ما تنبت فيه ثمرة كالشعير مثلاً وهذا قول المنصور بالله من
فقهاء الزيدية .
ومن قائل أقله شهر لأن الأجل إنما شرع في السلم تيسيراً على المسلم إليه ليتمكن من الاكتساب في مدته
والشهر مدة معتبرة يمكن فيها الاكتساب فيتحقق به معنى الترفيه فأما ما دون الشهر فيعتبر في حد القلة
فكان في حكم الحلول ولأن الشهر أدنى الآجل وأقصى العاجل وهذا مشهور مذهب الحنفية المروي عن
الإمام محمد وعليه الفتوى عندهم.
=
بدائع الصنائع ج٧ - م١٠

١٤٦
كتاب البيوع
الجهالة متفاحشة أو متقاربة؛ لأن كل ذلك يفضي إلى المنازعة، وأنها مفسدة للعقد؛ لجهالة
القدر وغيرها على ما ذكرنا.
وأما مقدار الأجل فلم يذكر في الأصل، وذكر الكرخي: أن تقدير الأجل إِلى العاقدين
حتی لو قدرا نصف يوم - جاز.
وقال بعض مشايخنا (١): أقله ثلاثة أيام قياساً على خيار الشرط، وهذا القياس غير سديد؛
لأن أقل مدة الخيار ليس بمقدّر، والثلاث أكثر المدة على أصل أبي حنيفة، فلا يستقيم القِيَاس.
وروي عن محمد؛ أنه قدر بالشّهر وهو الصحيح؛ لأن الأجل إِنما شرط في السلم ترفيهاً
وتيسيراً على المسلم إِليه ليتمكن من الاكتساب في المدة والشهر مدة معتبرة، يمكن فيها من
الاكتساب فيتحقق معنى الترفيه، فأما ما دونه ففي حد القلّة، فكان له حكم الحلول، والله عز
وجل أعلم.
ومن قائل بالتفصيل بين ما يقضي ببلد العقد وبين ما يقضي بغيره. فقالوا في الأول أقله خمسة عشر يوماً
أو ما قاربها لأنه أقل ما يمكن أن يختلف فيه الأسواق حتى يتمكن المسلم إليه من تحصيل المسلم فيه.
وقالوا في الثاني أقله يومان لأن هذه المدة توجب اختلاف الأسواق عادة بين البلدين وهذا قول المالكية.
ومن قائل أقله ثلاثة أيام لأنها مدة يجوز فيها خيار الشرط ومعتبرة في كثير من التأجيلات وأنها آخر حدّ
القلة ويتعلق بها إباحة رخص السفر وهذا قول الإمام الطحاوي وهو رواية عن محمد.
ومن قائل أقله أكثر من نصف يوم لأن المعجل ما كان مقبوضاً في المجلس والمؤجل ما يتأخر قبضه عن
المجلس ولا يبقى المجلس بينهما عادة أكثر من نصف يوم وهذا قول أبي بكر الرازي وبعض أصحاب
زفر.
ومن قائل أقله مدة يتصور تحصيله فيها لأنه إنما اعتبر التأجيل لأن المسلم فيه معدوم في الأصل لكون
السلم إنما ثبت رخصة في حق المفاليس ليحصل ويسلم وهذا متحقق بأقل مدة يتصور تحصيله فيها وهو
راوية عن الكرخي.
وقد روي عنه أيضاً أن أقله أقل مدة ينظر فيها إلى مقدار المسلم فيه وإلى عرف الناس في تأجيل مثله لأن
من الأشياء ما لا يمكن تحصيله في شهر فيؤدي التقدير به إلى عدم حصول المقصود من الأجل وهو
القدرة على التحصيل ولذا يترك التحديد إلى عرف الناس واصطلاحاتهم دفعاً للمنازعة وتحصيلاً
للمقصود.
وبالنظر في هذه التوجيهات لهذه الأقوال يرى أنها خالية من الاستدلال بالنصوص وإنما هي كلها
استنباطات عقلية يمكن أن ينظر فيها إذ ليس وجه أولى من وجه آخر وبالرجوع إلى قواعد الشريعة يرى أن
كل موطن لم يرد فيه تحديد من الشارع متروك إلى عرف الناس وعاداتهم يجرون فيه على مقتضى عرفهم
وهو يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والجهات فكل ما سمي في العرف أجلاً كان معتبراً في صحة
السلم.
ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض.
(١) في أ: أصحابنا.

١٤٧
کتاب البيوع
ولو مات المسلم إليه قبل الأجل، حل الدين؛ وكذلك كل دين مؤجل سواه إذا مات مَنْ
علیه الدین.
والأَصلُ في هذا: أنَّ موتَ مَنْ عليه الدَّينِ يُبْطِلُ الأَجَل، وموت مَنْ له الدين لا يبطل؛
لأن الأَجل حق المديون لا حق صاحب الدَّين، فتعتبر حياته وموته في الأجل وبطلانه، والله
عز وجل أعلم.
ومنها بيان مكان إيفائه(١) إِذا كان له حمل ومؤنة عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف
(١) كثيراً ما يكون المسلم فيه ((البيع)) من الأشياء التي تحتاج إلى مؤنة في النقل ولهذا بينت الشريعة الإسلامية
في أحكام معاملاتها ما لكل من المتبايعين من حقوق وما عليه من واجبات دفعاً للمنازعة فهل يقين المكان
الذي يستوفي فيه المسلم فيه من شروط عقد السلم بحيث إذا لم يبين في العقد كان فاسداً في ذلك
اختلفت انظار العلماء ومن ثم يجيب التعرض بالتفصيل لشيء مما قالوه في هذا الموضوع فأقول:
المسلم فيه إما أن يكون من الأشياء التي لا تتطلب مؤنة انتقال وأجرة حمل كما لو كان قليلاً من المسك
أو الزعفران وما أشبههما وهنا اتفقت آراء الفقهاء على أنه لا يحتاج إلى تعيين مكان الإيفاء فيه إلا أن
علماء الحنفية قد اختلفت الروايات عنهم في التخريج في أي مكان يجب تسليمه.
فروي عن الإمام أنه يوفيه حيث يشاء سواء بيننا مكان الإيفاء أم لم يبينا نظرا إلى أن مالية هذه الأشياء لا
تختلف باختلاف الأماكن فتعيين المكان فيها غير مفيد فيكون لاغياً.
ورواية أخرى فصلت بين ما إذا بيّن مكان الإيفاء وإذا لم يبيّن فإن لم يبين تعين موضع العقد لتسليمه لأنه
موضع الالتزام.
وأما إن بيّن المكان تعين ما بيناه لأن تعيين المكان قد يفيد الحفظ من خطر الطريق فيجب العمل به حفظاً
للأموال من الضياع.
وهذه الرواية توافق ما عليه المالكية والشافعية والحنابلة.
هذا وإن كان المسلم فيه مما له حمل ومؤنة فقد اختلفت أنظار الفقهاء في اشتراط فيه آراء الأئمة تعيين
مكان الإيفاء .
فقال الإمام أبو حنيفة يشترط لصحة عقد السلم ذكر مكان الإيفاء ((التسليم)) وبه قال الثوري وهو أظهر
قولي الشافعي.
وقال الإمامان أبو يوسف ومحمد لا يشترط تعيين مكان للإيفاء وإنما إن عينا مكان للتسليم عمل به وإلا
وجب تسليمه في محل العقد وبه قال المالكية وهو رواية عند الشافعية والحنابلة.
وروى القاضي وأبو الخطاب عن أحمد أنه ذكر مكاناً للإيفاء فقد العقد سواء شرط مكان العقد أو غيره
واختار هذه الرواية أبو بكر منهم وهو قول ابن حزم من الظاهرية .
استدل الإمام أبو حنيفة على اشتراط تعيين مكان الإيفاء بالآتي:
إنما يتعين مكان العقد موضعاً للتسليم إذا كان العقد موجباً له في الحال كما في البيع المطلق. ولكن نظراً
لمشروعية الأجل في السلم لم يكن عقد السلم من العقود التي توجب التسليم في الحال فلا يتعين موضعه
إذن للتسليم وإذا لم يتعين موضع العقد وجهل مكان الإيفاء أدى ذلك إلى المنازعة لتفاوت الأغراض فيما
يراد من الأمكنة في ذلك لأن هذا يطلب التسليم في المكان القريب له وذاك يطلب في غيره فمنعاً =

١٤٨
كتاب البيوع
للمنازعة التي تنشأ عن جهالة موضع التسليم يشترط لصحة العقد تعيين مكان للإيفاء.
=
واستدل الصاحبان ومن وافقهم على عدم الاشتراط بما يأتي:
أولاً: بما رواه الستة أن رسول الله ﴿ قال: من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل
معلوم وبما رواه ابن ماجه أن النبي ◌َّ قال لليهودي الذي أسلم إليه وأراد نخلاً معيناً: أما من حائط بنى
فلان فلا ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى ووجه الدلالة بهذين الحديثين أن الأول كان النبي ◌َّ بصدد
بيان الشروط التي تصحح عقد السلم ولم يذكره شرطاً فدل هذا على أنه ليس بشرط. وكذا في الحديث
الثاني.
ثانياً: تسليم المبيع في مكان عقد البيع المطلق متعين فكذا تسليم المسلم فيه في مكان عقد السلم المتعين
لصدور سبب الالتزام في كل منهما وهو العقد.
ثالثاً: الاتفاق على وجوب تسليم رأس المال في مجلس العقد فكذا يجب تسليم السلم فيه في موضع
العقد لأن كلا من البدلين قد أوجب العقد تسليمه فتجب المساواة بينهما.
رابعاً: الاتفاق على أن المقترض والغاصب والمتلف يجب عليه أن يسلم ما اقترضه وما اغتصبه وما أتلفه
في المكان الذي وقع فيه هذا الفعل لصدور سببه فيه فيلحق بهذه الأمور المسلم فيه. فيجب تسليمه في
المكان الذي عقد فيه لحصول سببه فيه أيضاً.
واستدل ابن حزم ومن معه على أن اشتراط المكان في عقد السلم مفسد له بما يأتي:
أولاً: بقوله وي لتر: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وهذا شرط ليس في كتاب الله فيكون باطلاً ومتى
اقترن العقد بشرط فهو باطل.
ثانياً: أنه شرط لا يقتضيه العقد لأن العقد يقتضي الإيفاء في مكانه والشرط المخالف لمقتضى العقد باطل
فيفسد به العقد هذا إذا اشترط غير مكان العقد أما إذا اشترط فيبطل لما يأتي وهو.
ثالثاً: أن اشتراط مكان خاص يوجب غرراً لأنه ربما تعذر تسليمه في ذلك المكان فيكون باطلاً.
رابعاً: إن تعيين مكيال بعينه مفسد سلم فكذلك تعيين موضع معين لتسليمه فيه لأنه في كل غررا.
ويمكن أن يناقش دليل الإمام بأن النزاع إنما ينشأ عند عدم تعيين المكان إذا لم يكن هناك عرف خاص
بالتسليم في مكان العقد أما إذا جرى العرف بتعيين مكان العقد فإن ذلك يكون كافياً لحسم النزاع ورفع
المشاحة التي قد تنشأ من عدم ذكر المكان.
ويمكن مناقشة أدلة الصاحبين من جانب الإمام بما يأتي:
أولاً: عدم ذكره في الحديثين لا يدل على عدم الاشتراط إذ لم يستفرقا كل الشروط لأن من الشروط
المتفق عليها خلوه من خيار الشرط ولم يذكراه.
ثانياً: قولكم كل عقد أوجب التسليم تعين مكانه للإيفاء ممنوع بل إنما يتعين مكان العقد للإيفاء إذا ما كان
العقد موجباً للتسليم في الحال كما في بيوع الأعيان وليس عقد السلم كذلك إذ لم يكن موجباً للتسليم في
الحال فافترق الفرع عن أصله فبطل الإلحاق.
على أنا لو سلمنا أن الموجب للتسليم وجد في مكان العقد فلا يستلزم الموجب في مكان أن يوجد أثره
في ذلك المكان إذ لا ملازمة في ذلك لأنه يجوز أن يوجد في مكان وأثره الإيجاب مطلقاً فلا تثبت هذه
الملازمة إلا سمعاً ولا دليل عليها فيجب نفيها.
ثالثاً: قياسكم المسلم فيه على رأس المال قياس مع الفارق لأن رأس المال بدل يجب تعجيله وقبضه في =

١٤٩
كتاب البيوع
ومحمد: ليس بشرط، وعلى هذا الخلاف بيان مكان الأجرة في الإِجارات إِذا كان لها حمل
ومؤنة، وعلى هذا الخِلاف: إِذا جعل المكيل الموصوف أو الموزون المُوصُوف ثمناً في بيع
العَين - أَنه لا بد من بيان مكان التسليم عنده خلافاً لهما؛ كذا أطلقه الكرخي ولم يفصل بين ما
إذا كان مؤجلاً أو غير مؤجّل.
ومن أصحابنا من فرقوا فقالوا: إِذا كان حالاً، يتعين مكان العقد للتسليم بالإجماع.
وحاصل الاختلاف راجعٌ إِلى مكان العقد هل يتعين للإيفاء؟ عنده: لا يتعين، وعندهما:
يعين؛ لأنه إذا لم يتعين مكان العقد للإِيفاء عنده ولم يوجد منهما تعيين مكان آخر - بقي مكان
الإيفاء مجهولاً جهالة مفضية إِلى المنازعة، فيفسد العقد، ولما تعين مكان العقد للإِيفاء
عندهما، صار مكان الإِيفاء معلوماً فيصح.
وجه قولهما: أن سبب وجوب الإِيفاء هو العقد، والعقد وجد في هذا المكان، فيتعين
مكان العقد لوجُوب الإِيفاء فيه؛ كما في بيع العَيْن إِذا كان المسلم فيه شيئاً له حمل ومؤنة؛ فإنه
يتعين مكان العقد لوجوب الإيفاء فيه؛ لما قلنا كذا هذا.
ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أن العقد وجد مطلقاً عن تعيين مكان، فلا يتعيَّن مكان العقد
المجلس والمسلم فيه بدل يجب تأخيره عن المجلس.
=
رابعاً: قياسكم المسلم فيه على القرض والغضب والاستهلاك قياس مع الفارق لأن كلاً من القرض
والغصب والاستهلاك موجب للتسليم في الحال تبرئة للذمة وليس هذا حاصلاً في السلم.
ويمكن مناقشة أدلة القول بفساد العقد عند اشتراطه بما يأتي:
أولاً: يقال لابن حزم المستدل بظاهر الحديث إن الشرط في قول النبي ◌َّ: كل شرط ليس في كتاب الله
فهو باطل ليس على إطلاقه وإنما المراد به الشرط المخالف لما في كتاب الله بدليل أن الشريعة قد جاءت
باعتبار شروط كثيرة وإن لم تكن مذكورة في الكتاب ولا في السنة بعد كونها غير مصادمة لها وقد قلت بها
في مواضع كثيرة كما لو اشترط أن يكون العبد كاتباً أو حاسباً أو خطيباً مثلاً.
ثانياً: قولكم إن العقد يقتضي الإيفاء في مكانه فيكون اشتراط مكان معين شرطاً مخالفاً لمقتضى العقد
ممنوع لأن العقد لم يقتض الإيفاء في مكان معين وإنما اقتضى الإيفاء في أي مكان فاشتراط مكان خاص
بعد ذلك اشتراط موافق لمقتضى العقد فلا يكون مبطلاً له.
ثالثاً: قولكم إن اشتراط المكان فيه غرر فيمنع باطل بتعيين الزمان أي لو كان هذا مبطلاً للغرر للزم منه
البطلان عند تعیین الزمان ولا قائل به.
رابعاً: قياسكم تعيين الموضع على تعيين المكيال قياس مع الفارق لأن تعيين المكيال يؤدي إلى النزاع
لفقده وفي تعيين الموضع لا يترتب عليه هذا بل هو قاطع للتنازع فالمعنى المانع من التقدير بمكيال بعينه
هو المقتضي لصحة شرط مكان الإيفاء فكيف يصح قياس المانع على المقتضي.
ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض، مغني المحتاج ١٠٤/٢، الشرح الكبير ٢٢٢/٣، المحلى
١١٠/٩.

١٥٠
كتاب البيوع
للإِيفاء؛ والدليل على إطلاق العقد عن تَغيين مكان الحقيقة والحكم: أما الحقيقة؛ فلأنه لم
يوجد ذكر المكان في العَقْد نصاً، فالقول بتَغْيين مكان العقد شرعاً من غير تعيين العَاقِدين تقييداً
لمطلق، فلا يجوز إِلا بدلیل.
وأما الحكم: فإن العاقدين لو عينًا مكاناً آخر جاز، ولو كان تَعيين مكان العقد من
مقتضيات العَقْد شرعاً، لكان تعيين مكان آخر تغييراً لمقتضى العقد، وأنه يعتبر فيه حكم الشّرع
فينبغي ألاَّ يجوز؛ وإِذا لم يتعين مكان العقد للإِيفاء، بقي مكان الإيفاء مجهولاً جهالة مفضية
إلى المنازعة؛ لأن في الأشياء التي لها حمل ومؤنة تختلف باختلاف الأمكنة لما يلزم في
حملها من مكان إلى مكان آخر من المؤنة فيتنازعان. وأما قولهما: سبب وجوب التسليم هو
العَقْد في هذا المكان، قلنا: ليس كذلك؛ فإن العقد قائم بالعاقدين لا بالمكان، فلم يوجد
العقد في هذا المَكَان، وإِنما هذا مكان المتعاقدين على أن العَقْد ليس بسبب لوجوب التَّسليم
للحال، وإِنما يصير سبباً عند حلّ الأجل مقصوراً عليه، وعند ذلك مكان العاقدين ليس بمتحدّ
بل مختلف، فيتنازعان.
وأما المسلم فيه إذا لم يكن له حمل ومؤنة فعن أبي حنيفة فيه روايتان؛ في رواية: لا
١٠٩/٣ ب يتعين مكان العقد/ هناك أيضاً، وهو رواية كتاب ((الإِجارات)) ويوفيه في أي مكان شاءَ، وهذا
لا يوجب الفَسَاد؛ لأن الفساد ههنا لمكان الجهالة المفْضِية إِلى المنازعة؛ لاختلاف القيمة
باختلاف الأمكنة، وما لا حمل له ولا مؤنة لا تختلف قيمته باختلاف الأماكن، فلم تكن جهالة
مكان الإِيفاء مفضية إلى المنازعة. وفي رواية: يتعين مكان العقد للإِيفاء، وهو قول أبي يوسف
ومحمد، وهو رواية ((الجامع الصغير)). ورواية البيوع من الأصل.
ومن مشايخنا من أوّل هذه الرواية وقال: هي معنى قوله: يوفيه في المكان الذي أسلم
فيه إِذا لم يتنازعا؛ فإذا تنازعا يأخذه بالتسليم حيث ما لقيه، ولو شرط رب السلم التَّسليم في
بلد أو قرية، فحيث سلم إليه في ذلك الموضع فهو جائز، وليس لرب السلم أن يتخير مكاناً؛
لأن المشروط هو التَّسليم في مكان منه مطلقاً وقد وجد، وإِن سلم في غير المكان المشروط
فلربّ السلم أن يأبى، لقوله - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ((الْمَسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ)) فإن أعطاه
على ذلك أجراً لم يجز له أخذ الأجر عليه؛ لأنه لما قبض المسلم فيه فقد تعيّن ملكه في
المقبوض، فتبين أنه أخذ الأجر على نقل ملك نفسه، فلم يجز فيرد الأجر، وله أن يرد المسلم
فيه حتى يسلم في المكان المشروط؛ لأن حقه في التَّسليم فيه ولم يرض ببطلان حقه إِلا
بعوض، ولم يسلم له فبقي حقه في التّسليم في المكان المشروط، وهذا بخلاف ما إذا صالح
الشفيع من الشّفعة التي وجبت له على مال؛ أنه لا يصح الصلح ويسقط حقّه في الشّفعة وعليه
رد بدل الصّلح، وإِذا رده لا يعود حقه في الشُّفعة؛ لأنه ليس للشَّفيع حق ثابت في المحل قبل

١٥١
كتاب البيوع
التميلك بالشّفعة، وإنما له حق أن يتملَّك، وهذا ليس بحق ثابت في المحل، فلا يحتمل
الاعتياض، وبطل حقه من الشفعة بإعراضه عن الطّلب بإسقاطه صريحاً، ولرب السلم حق
ثابت في التَّسليم في المكان المشروط، فإذا لم يصحّ الاعتياض(١) عنه، التحق الاعتياض
بالعدم، وبقي الحق عل ما كان؛ والذي يدلُّ على التفرقة بينهما أنه لو قال: أسقطت حقي في
الشفعة، يسقط؛ ولو قال: أسقطت حقي في التَّسليم في ذلك المكان، لا يسقط، والله عز
وجل أعلم.
فصل [في الذي يرجع إلى البدلين]
وأما الذي يرجع إلى البدلين جميعاً: فهو ألاَّ يجْمَعَهما أحد وصفي علة ربا الفضل؛
وذلك إِما الكيل وإِما الوزن وإِما الجِنْس؛ لأن أحد وصفي علة ربا الفضل هو علة ربا النساء،
فإذا اجتمع أحد هَذَين الوَصْفين في البدلين، يتحقق ربا النّساء، والعقد الذي فيه ربا فاسد،
وعلى هذا يخرج إِسْلام المكيل في المكيل أو الموزُون في الموزُون، والمَكِيل في الموزون
والموزون في المكيل، وغير المكيل والموزون بجنسهما من الثياب والعدديات المتقاربة(٢)،
وقد ذكرنا جملة ذلك، وتَفْصِيله فيما تقدَّم في مسائل ربا النساء، والله تعالى الموفق.
(١) الاعتياض: أَخْذُ العِوَضِ.
(٢) ذكر الحنفية من شروط صحة السلم شرطاً للبدلين معاً فقالوا: يشترط لصحة المسلم في البدلين معاً أنه لا
يجمعهما أحد وصفي علة ربا الفضل ولبيانه هذا أقول:
إن ربا الفضل عند الحنفية يتحقق إذا ما كان البدلان متجانسين مع اتحادهما في القدر الذي هو الكيل أو
الوزن وإذن فالوصفان في علة ربا الفضل هما اتحاد الجنس واتحاد القدر («الكيل أو الوزن)) وهما تمام علته
وبذلك يكون معنى قولهم إن لا يجمعهما أحد وصفي علة ربا الفضل أن المسلم لا يصح إذا ما وجد في
البدلين اتحاد الجنس كإسلام قمح في قمح أو اتحاد القدر كأن يكون كل من البدلين مكيلاً نحو الحنطة
في الشعير أو موزوناً كالسكر في العسل.
وقد قالوا إنه أحد هذين الوصفين يوجب حرمة النساء ((التأخير)) فهو تمام علته ومنه هذا يعلم أن الذي
يمنع من صحة السلم هو وجود ربا النسيئة فيه سواء وجد معه ربا الفضل أم لا .
ويذكر المالكية في كتبهم من شروط صحة السلم شرطاً للبدلين معاً وهو أن لا يكونا ((رأس المال والمسلم
فيه)) طعامين ولا نقدين ولا شيئاً في أكثر منه أو في أجود منه من جنسه أو أقل منه إلا أن تختلف المنفعة
في أفراد الجنس الواحد فيصير كالجنسين.
وعند النظر في عبارتهم هذه يرى أنها تشتمل على نفي خمسة أشياء أحدها: أنه لا يكونا طعامين سواء
أكانا متحدي الجنس أم لا فلا يصح إسلام إردب قمح في مثله كما لا يصح إسلام إردب قمح في إردب
قول یؤخذ بعد شهر مثلا .
ثانيها: أنه لا يكونا نقدين فلا يصح إسلام جنيه في مثله كما لا يصح إسلام جنيه في خمسة ريالات . =

١٥٢
کتاب البيوع
ثالثها: أن لا يكون رأس المال أقل منه السلم فيه إذا كان من جنسه وعليه فلا يصح إسلام ثوب في ثوبين
=
من جنسه أو قنطار من القطن في قنطارين واستثنوا من هذا ما إذا اختلفت المنفعة في أفراد الجنس الواحد
بحيث تعادل منفعة الواحد منفعة الاثنين وذلك كإسلام سيف قاطع جيد في سيفين أقل منه فإنه قالوا بجواز
هذا.
رابعها: أن لا يكون رأس المال رديئاً والمسلم فيه جيداً إذا كان من جنس واحد فلا يصح إسلام قطنية
شامية في قطنية بلدية.
خامسها: أن لا يكون رأس المال جيداً والمسلم فيه رديئاً فلا يصح إسلام ثوب جيد في ثوب رديء ولا
ثوب في ثوب.
وبمقارنة ما تحتويه عبارة الحنفية بما تحتويه عبارة المالكية يرى أن المالكية قد اشترطوا في البدلين ما
اشترطه الحنفية من وجوب أن لا يجر إسلام أحد البدلين في الآخر إلى وجود ربا النساء وذلك ما تضمنه
قولهم أن لا يكونا طعامين ولا نقدين وذلك لأن هذين النوعين أي الطعام والنقد هما كل ما يتحقق فيه
الربا عندهم.
ولكن عبارة المالكية المتقدمة لم تقتصر على وجوب السلامة من الربا فقط بل زادت أشياء أخرى هي ما
تضمنه قولهم أن لا يكون رأس المال مسلماً في شيء أكثر منه أو أجود أو أقل من جنسه فجعلوا من
شروط صحة السلم السلامة من هذه الأشياء أيضاً وقد قالوا إن في إسلام الشيء في أكثر منه أو أجود سلفاً
بزيادة لأن إسلام نحو قنطار من القطن في قنطارين أو في قنطار أجود منه من جيشه يشبه ما إذا وقع إنسان
القنطار إلى أخيه قرضاً لينتفع به إلى مدة ما باستهلاك أو غيره ثم يرده مع زيادة في المقدار أو الصفة .
ولما كانت هذه الشبهة قائمة والسلف بالزيادة محرماً قالوا بمنع السلم إذا كان يؤدي إليها سدًّا لذريعة
الفساد.
وإنما حرم الشارع الحكيم السلف بزيادة لأن الله عز وجل شرع السلف قربة للمعروف والإحسان حتى
صار أصلاً قائماً بنفسه غير البيع بحيث يكون دفع دينار لأخذ عوضه ديناراً إلى أجل إن كان على وجه
القرض كان من شأنه عادة وعرفاً المسامحة والمكارمة فلا يكون ممنوعاً وإن كان على وجه البيع كان من
شأنه عادة وعرفاً المكايسة والمغابنة فيكون ممنوعاً فإذا دخل السلف عرض انتفاع المسلف بطلت حقيقته
التي هي قصد المعروف والإحسان قربة لله تعالى وآل الأمر إلى حقيقة قصد المكايسة والمغابنة فيترتب
عليه التحريم.
أما إذا أسلم شيئاً في أقل منه أو أردأ فإنما منعوه لشبهة الضمان بجعل وذلك لأن من دفع ثوبين إلى غيره
ليرد له ذلك الغير بعد شهرين مثلاً أحدهما فكان قد دفع إليه ثوباً ليتحمل ضمان هلاكه أو نقصه إلى
الأجل ثم يأخذ في نظر ذلك الثوب الآخر الذي تسلمه مع الثوب المضمون.
ولما كان ضمان الأشياء إنما يكون بجعل الشارع وإقامتة على أسباب خاصة من الملك ونحوه ولا يستحق
الضامن في نظير ضمانه أي ثمن كان فنقل عن هذا الوضع يكون محرماً لأنه تبديل لأحكام الله تعالى فعند
اشتمال السلم إلى ما يؤدي إليه غيره صحيح على أن صحة المعارضة حكم شرعي يتوقف على دليل
شرعي ولم يدل عليه فوجب نفيه.
هذا ما زاده المالكية وعند التأمل فيه يرى أنهم يوافقون الأحناف لأنه اتحاد الجنس متحقق فيما ذكروه من
السلف بزيادة والضمان يجعل غير أنهم يختلفون في علة التحريم فالحنفية يجعلون العلة هي الربا إذا =

١٥٣
كتاب البيوع
فصل [في بيان ما يجوز من التصرف في السلم وما لا يجوز]
وأما بيان ما يجوز من التصرُّف في المسلم فيه وما لا يجُوز؛ فنقول وبالله التوفيق: لا
يجوز استبدال المسلم فيه قبل قبضه؛ بأن يأخذ ربّ السلم مكانه من غير جنسه؛ لما ذكرنا أن
المسلم فيه وإِن كان ديناً فهو مبيع، ولا يجوز بيع المبيع المنقول قبل القبض، ويجوز الإبراء
عنه(١)؛ لأن قَبْضه ليس بمستحق على رب السلم، فكان هو بالإِبراء متَصرّفاً في خالص حقه
الجنس وحده كاف في تحقق الربا عندهم وأما المالكية فإنهم يعللون بما ذكروا من السلف بزيادة أو
=
الضمان يجعل إذ لا ربا عندهم إلا في الطعام والنقد.
هذا ما ذكره الحنفية والمالكية أما الشافعية والحنابلة فلم يذكروا من شروط السلم شرطاً للبدلين معاً وإنما
ذكروا أحكام فروع هي من جزئيات هذا الأصل ويؤخذ من مجموعها أنهم يتفقون مع غيرهم في اشتراطه
ولعلهم لم ينصوا على شرطيته في السلم استغناء عنه بما قدموه في البيوع من شرطة.
وقد وقع مثل صنيع الشافعية والحنابلة لبعض المؤلفين من فقهاء الحنفية إذ إن بعضهم يذكر من شروط
صحة السلم أن يكون المسلم فيه مما يتعين بالتعيين ليخرج السلم في الأثمان التى هي الدراهم أو الدنانير
وبعض آخر لا ينصون على هذا شرط استغناء عنه بتقييد الموزونات التى يجوز السلم فيها بأن تكون غير
أثمان وعلى كل حال فهذا اختلاف منحى وعبارة في التأليف والكتابة وليس اختلافاً جوهرياً ناشئاً عن
اختلاف رأي ودلیل.
ويستنتج مما تقدم اتفاق الأئمة الأربعة على أنهم يشترطون في صحة السلم أن لا يؤدي إسلام أحد البدلين
في الآخر إلى الربا.
ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض، الشرح الكبير ٢٠١/٣، فتح القدير ٣٢٤/٥.
(١) اتفقت كلمة الفقهاء على أن لكل من المتعاقدين أن يتصرف فيما تملكه بعقد السلم بعد قبضهٍ. فللمسلم
إليه أن يتصرف في رأس المال بعد قبضه في المجلس بما شاء من التصرفات الشرعية كأن يبيعه أو يهبه أو
يتصدق به على رب السلم أو غيره كما أن لرب السلم كامل التصرف في المسلم فيه بعد قبضه لمن يريد
سواء أكان للمسلم إليه أم لغيره.
هذا في التصرف بعد القبض أما التصرف قبله فتختلف أنواع التصرفات بعضها عن بعض فبينما يجوز
بعضها يمتنع البعض الآخر فكان من المستحسن الإشارة إلى بعض التصرفات الجائزة وغيرها.
الإبراء عن أحد البدلين ومعنى الإبراء إسقاط شخص ما له من حق قبل شخص آخر كإسقاط الدائن دينه
والأصل فيه أنه يصح من غير توقف على قبول المدين.
فإذا أبرأ رب السلم المسلم إليه عن المسلم فيه صح إبراؤه من غير قبول المسلم إليه لأن هذا الإبراء لا
يترتب عليه إخلال بشرط من شروط السلم إذ ليس من شروطه قبض المسلم فيه فإسقاطه قبل قبضه لا
يكون حسداً للعقد حيث قد فرض فيه توفر شروط صحته فلا موجب للفساد إذن.
وعلى هذا لم يتوقف الإبراء على قبول من المسلم إليه لكن هذا إنما هو في ظاهر الرواية عند الحنفية
ويقابل هذه الرواية ما روى الحسن أنه لا يصح ما لم يقبل المسلم إليه ولو قبله كان فسخاً لعقد السلم.
تلك قاعدة الإبراء من حيث إنه لا يتوقف على القبول وقد جرى ظاهر الرواية على مقتضاه في الإبراء عن
المسلم فيه بينما نصوا على مخالفتها في الإبراء عن رأس المال إذا اتفق علماء الحنفية على أن المسلم إليه =

١٥٤
كتاب البيوع
لو أبرأ رب السلم عن رأس المال قبل قبضه لم يكن هذا الإبراء معتبراً إلا إذا قبله رب السلم وحينئذ يقدر
أن المتعاقدين قد تراضيا على فسخ السلم فإذا دفع المسلم إليه إلى رب السلم ما كان قد التزمه أصبح هبة
جدیدة بدون مقابل.
وأما إذا لم يقبل رب السلم إبراءه من رأس المال كله هذا الإبراء لغواً غير معتدٍّ به فيبقى رب السلم ملزماً
برأس المال والمسلم إليه ملزماً بالمسلم فيه .
والداعي إلى مخالفة قاعدة الإبراء ها هنا من حيث توقفه على القبول أن في الإبراء فسخاً للعقد فلو صح دون
قبول لكان في ذلك حكماً بأن أحد العاقدين وهو المبرىء (السلم إليه) قد استقل بفسخ العقد والقاعدة الشرعية
أن العقود إنما تنفسخ باتفاق المتعاقدين معهما فوجب أن لا يصح الإبراء دون القبول لذلك.
وهذا مما فارق السلم فيه عقد البيع حيث يجوز في البيع أن يبرىء البائع المشتري من الثمن قبل القبض من غير
توقف على قبول المشتري إذ قبض الثمن ليس شرطاً لصحة البيع ولا يجوز أن يبرىء المشتري البائع عن المبيع
قبل القبض إذا كان عيناً إذ من شرط الإبراء أن يكون عن غير عين حيث إنه إسقاط وإسقاط الأعيان لا يقبل.
والاستبدال وهو أن يأخذ أحد العاقدين في نظير ما يخصه من البدلين شيئاً من غير جنسه فأحياناً يحضر
رب السلم رأس المال مغايراً لما اشترط عليه دفعه كأنه يتعاقد الطرفان على أن يكون رأس المال ذهباً
فيحضر بدلاً عنه ورقاً أو يتفقا على أن يكون رأس المال إردباً من القمح الهندي فيحضره ثوباً مع التساوي
في القيمة فهذا لا يجوز لأن قبض رأس المال لما كان شرطاً فبالاستبدال يفوت قبضة حقيقة لأنه إنما
قبض بدله وبدل الشيء غيره.
وأحياناً يحضر المسلم إليه بدلاً عن المسلم فيه جنساً مغايراً لما اتفقا عليه كأن يكون السلم في إردب من
القمح الهندي فیأتي بثوب بدلاً عنه.
ففي هذه الحالة قد اختلفت أنظار الفقهاء في حكمها.
فجمهور الأئمة على منعها لأنه يؤدي إلى بيع الشيء قبل قبضه، وذلك منهي عنه.
وأجاز الإمام مالك رضي الله عنه أن يقضي المسلم إليه عن المسلم فيه شيئاً من غير جنسه إن كان مناجزة
وصح دفع رأس المال فيه وصح بيع المسلم فيه قبل قبضه وجاز بيعه أي المأخوذ بالمسلم فيه.
وذلك كأن يكون المسلم فيه طعاماً أو حديداً فيحضر بدلاً عنه ثوباً أو كتاباً ورأس المال ذهب أو فضة.
فذلك جائزة عنده إذا تراضيا عليه فإن لم يكن مناجزة بأن أسلم في ثوب فدفع بدله طعاماً إلى أجل لم
یجز لأنه فسخ دین في دين.
وكذلك إن لم يصح دفع رأس المال فيه كأن يكون رأس مال السلم نحاساً مسلماً في ثوب فقضى عن
الثوب نحاساً مثل رأس المال فإنه لا يجوز إذ لو جاز لأدى إلى إسلام الشيء في جنسه وهو ممنوع.
ومثل هذا أيضاً ما إذا لم يجز بيع المسلم فيه قبل قبضه بأن كان طعاماً فإن القضاء عنه بغير جنسه لا يجوز
إذ يلزم عليه بيع الشيء قبل قبضه وعن المالكية أن ما لا يجوز بيعه قبل قبضه هو الطعام من معاوضة.
ومثل ذلك ما إذا لم يصح بيع المقضى أي المأخوذ بالمسلم فيه كأن يكون رأس المال ثوباً قد دفع في
حيوان فقضى عن هذا الحيوان لحماً من جنسه لأنه يؤدي إلى الربا الممنوع.
ولقائل أن يقول إن في الاستبدال بغير الجنس مطلقاً بيع الشيء قبل قبضه وقد ثبت النهي عنه فوجب أن لا
يصح وذلك مما يرجع مذهب الجمهور.
ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض.

١٥٥
كتاب البيوع
بالإِسقاط، فله ذلك؛ بخلاف الإِبْراء عن رأسِ المَال؛ لأنه مستحقّ القَبْض حقاً للشرع، فلا
يملك إسقاطه بنفسه بالإِبراء على ما ذكرنا.
وتجوز الحَوَالة بالمسلم فيه؛ لوجود رُكْن الحوالة مع شرائطه(١)؛ وكذلك الكفالة به لما
(١) وهي نقل الدين من ذمة المدين إلى ذمة شخص آخر. وركنها الإيجاب والقبول. ومن شروطها أن تكون
بدين صحيح معلوم.
وذلك كأن يكون إبراهيم دائناً لِعَلِيٍّ بدينار على حين أن عليًّا دائن لسعيد بدينار مثله فلما أن أراد ابراهيم أن
يطالب علياً بدينه قال له اذهب فتسلمه من سعيد فإنه مدين لي بمثل دينك الذي عَلَيَّ فإذا رضي إبراهيم
بنقل دينه من ذمة علي إلى ذمة سعيد فهذا النقل هو المسمى بالحوالة وهي جائزة عند الحنفية في بدلي
السلم ممنوعة عند غيرهم.
وقد احتج فقهاء الحنفية على الجواز بما يأتي:
١ - أن تلك الحوالة قد توفر فيها ركنها من إيجاب وقبول وشرطها من كونها بدين صحيح معلوم فتكون جائزة.
٢ - لا مانع من جوازها في السلم إلا خشية فوات شرط قبض رأس المال في المجلس. وهذا المانع
منتفٍ لأن الحوالة تحقق هذا الشرط الذي يتوهم فيها أن تكون مفوتة له ويتوسل بها إلى استيفاء الحق
فتكون مؤكدة له فتجوز.
واحتج الجمهور على منعها بالنسبة لرأس مال السلم بما يأتي:
١ - أن الحوالة قد شرعت لتوثيق حق يحتمل التأخير عن المجلس. ومن شرط رأس مال السلم أن يقبض
فيه فلا يحصل بالحوالة ما شرع له عقد السلم فتخلو عن الفائدة. أو يتنافى مع شرط السلم فتمنع.
٢ - أن الحوالة موجبة لتحول الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فيكون المحال عليه لدفع رأس
مال السلم نيابة عن رب السلم حين الأداء يكون مؤدياً عن نفسه لا عن جهة رب السلم والواجب في هذا
العقد أن يتقاضى رأس ماله من جهة رب السلم فلم تجز الحوالة به وإلا كان رب السلم هو المحال عليه
وقد فرض أنه هو المحیل.
واحتجوا أيضاً على منعها بالنسبة للمسلم فيه بما يأتي:
١ - أن الحوالة بيع فيكون المسلم فيه مبيعاً ولا يجوز بيع المبيع قبل قبضه لقوله وَ ل# إذا اشتريت شيئاً فلا
تبعه حتى تقبضه إذ هو عام فيشمل بيع المسلم فيه بطريق الحوالة وغيره.
٢ - أن من شروط الحوالة أن يكون الدين الذي أحيل به ثابتاً مستقراً في الذمة وعقد السلم يحتمل أن
يعرض له الفسخ بعدم وجود المسلم فيه عند حلول أجله مثلاً فلذا لم يكن المسلم فيه ديناً ثابتاً في الذمة
فلا تجوز الحوالة به.
ولو نظر في تلك الأدلة المتقدمة لوجد أن أدلة الجمهور في منع الحوالة في بدلي السلم يمكن أن تناقش
بما يأتي:
أولاً: يرد على الأدلة المانعة من جوازها في رأس مال السلم.
١ - أن دليلهم القائل إن الحوالة قد شرعت في دين يتأخر قبضه ممنوع بأن الحوالة كالوكالة في الأداء تقبل
في الديون الحالة والمؤجلة وإذن فلا مانع أن يحيل على شخص موجود في المجلس مستعد للإيفاد وأن
قولهم: بعد الفائدة في الحوالة فيه منتفٍ إذ الفائدة محققة وهي براءة ذمة المدين من المطالبة وهي أجل ما
تقصد للشارع.
=

١٥٦
كتاب البيوع
قلنا، إلا أن في الحوالة يبرأ المسلم إِليه، وفي الكَفَالة لا يبرأ، ورب السلم بالخيار إِن شاء
طَالب المسلم إِليه، وإِن شاء طَائِب الكَفيل؛ لأن الحوالة مبرِئة والكفالة ليست بمبرِئة، إِلا إِذا
كانت بشَرْط براءة المكفول عنه؛ لأنها حوالة معنى عل ما ذكرنا.
ولا يجوز لربِّ السلم الاستبدال مع الكَفِيل؛ كما لا يجوز ذلك مع المسلم إليه؛ لأنّه
كفيل بما على المسلم إليه لا بدين آخر؛ إِذ الدّين واحد وإنما تعددت(١) المطالبة بالكفالة(٢)،
وهو الصَّحيح على ما يجيء(٣) في كتاب الكَفَالة.
ويجُوز للكفيل أن يستبدل مع المسلم إِليه عند الرُّجوع، فيأخذ بدل ما أدى إلى رب
السلم؛ لأن الكفالة إِذا كانت بأمر المكفول عنه، كانت إِقرضاً واستقراضاً؛ كأن الكفيل أقرض
١١٠/٣ أ المسلم إليه، واستبدال القَرْض قبل القبض جائز ويجوز الرهن/ بالمسلم فيه؛ لأنه دين حقيقة
والرّهن بالدَّين - أيّ دين كان - جائز، والإِقالة جَائِزة في المسلم فيه كما تَجُوز في بيع العين،
لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَنْ أَقَالَ نَادِماً، أَقَالَ اللَّهُ عِثْرَتَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)» (٤) مطلقاً من غير
= ٢ - وأن قولهم: الحوالة تؤدي إلى أن لا يكون رب السلم هو المؤدي ممنوع إذ إن دافع الحق إنما يدفعه
بالأصالة عن نفسه حيث تبرأ ذمته من الدين وبالنيابة عن رب السلم حيث تبرأ ذمته أيضاً فبراءة ذمتهما معاً
دليل على أن هناك إعطاء من رب السلم استحق به أن يكون هو رب السلم.
ثانياً: أن أدلتهم في منع الحوالة بالنسبة للمسلم فيه مبناها على أن الحوالة بيع وأن المسلم فيه دين غير
مستقر في الذمة وكلاهما ممنوع فإن لفقهاء الحنفية أن يقولوا إن الحوالة نقل حق من ذمة إلى ذمة لا بيع
دين بدين وأن الدين في السلم يمائل سائر الديون فتجوز الحوالة به كما جازت في غيره.
ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض.
(١) في أ: تعذرت.
(٢) تقدم بيان على الكفالة في السلم.
(٣) في أ: ما مر.
(٤) أخرجه أحمد (٢٥٢/٢) وأبو داود (٧٣٨/٣) كتاب البيوع والإجارات: باب في فضل الإقالة حديث
(٣٤٦٠) وأبو يعلى في ((معجم شيوخه)) (ص - ٣٤٤) رقم (٣٢٦) وابن حبان (١١٠٣ - موارد) والحاكم
(٤٥/٢) والبيهقي (٢٧/٦) كتاب البيوع: باب من أقال المسلم إليه بعض السلم وفي ((شعب الإيمان))
(٣١٤/٦ _ ٣١٥) رقم (٨٣١٠) والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (١٩٦/٨) من طريق يحيى بن معين ثنا
حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجر: من أقال مسلماً
عثرته أقاله الله عثرته يوم القيامة .
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وصححه ابن حبان.
وأخرجه ابن حبان (١١٠٤ - موارد) والبيهقي (٢٧/٦) كتاب البيوع: باب من أقال المسلم إليه بعض
المال وفي ((شعب الإيمان)) (٢٦٠/٦) رقم (٨٠٧٦) والطبراني في «مكارم الأخلاق)) رقم (٦٠) وقاسم بن
أصبغ في ((مصنفه)) والبزار كما في ((المقاصد الحسنة)) (ص - ٣٩٩) رقم (١٠٦٥) من طريق اسحق بن
محمد الفروي ثنا مالك بن أنس عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: من أقال نادماً =

١٥٧
كتاب البيوع
فصل؛ ولأَن الإِقالة في بيع العَيْن إِنما شرعت نظراً للعاقدين دفعاً لحاجة الندم، واعتراض الندم
في السلم ههنا أكثر؛ لأنه بيع بأوكس الأثمان، فكان ادعى إِلى شرع الإقالة فيه، ثم جملة
الكلام في الإِقَالة(١) في المسلم أنه لا يخْلُو: إِما أن تقايلا السلم في كل المسلم فيه، وإما أن
عثرته أقاله الله عز وجل عثرته يوم القيامة.
=
وقال البزار: تفرد به اسحق عن مالك وصححه ابن حبان.
وأخرجه ابن ماجه (٧٤١/٢) كتاب التجارات: باب الإقاله حديث (٢١٩٩) من طريق مالك بن سعيد ثنا
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلير: ((من أقال مسلماً أقال الله عثرته يوم
القيامة)) .
قال البوصيري في ((الزوائد)) (١٧٣/٢): هذا إسناد صحيح على شرط مسلم. ا.هـ
وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٥/٦) والبيهقي (٢٧/٦): من طريق مالك عن سهيل بن أبي صالح عن
أبيه عن أبي هريرة به .
قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (٢ - ٣٩٩): وهي أصح من طريق مالك عن سمي بل قيل: إن تلك
خطأ .
وأخرجه الحاكم في ((علوم الحديث)) (ص - ١٨) والبيهقي (٢٧/٦) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن
محمد بن واسع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: من أقال نادماً أقاله الله نفسه يوم
القيامة وكشف عن مسلم كربة كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد ما كان العبد
في عون أخيه.
قال الحاكم: هذا إسناد من نظر فيه من غير أهل الصنعة لم يشك في صحته وليس كذلك فإن معمر بن
راشد الصنعاني ثقة مأمون ولم يسمع من محمد بن واسع ومحمد بن واسع ثقة مأمون ولم يسمع من أبي
صالح. وللحديث شواهد من حديث أبي شريح ويحيى بن أبي كثير مرسلاً.
- حديث أبي شريح.
أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((مجمع الزوائد» (١١٣/٤) عنه قال: قال رسول الله وَله: من أقال
أخاه بيعاً أقاله الله عثرته يوم القيامة)).
قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات وصححه المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٢/
٥٥٥).
۔ حدیث یحیی بن أبي کثیر.
أخرجه عبد الرزاق (٥٦/٢) رقم (٢٤٦٨) عنه مرسلاً.
تنبيه صحح حديث أبي هريرة جماعة من الأئمة والحفاظ منهم على سبيل المثال. الحاكم وابن حبان
والبيهقي وابن دقيق العيد كما في ((المقاصد)) (ص ـ ٣٩٨) والمنذري والذهبي والبوصيري وغيرهم.
(١) والإقالة رفع العقد بتراضي المتعاقدين وذلك كأن يقول رب السلم للمسلم إليه أقلني من هذا التعاقد
فيرضى المسلم إليه ويرد إليه رأس المال أو يقول السلم إليه: لرب السلم أقلني مما تعاقدنا عليه فيرضى
ويأخذ ماله فتخلو ذمة المسلم إليه من الدين.
وإنما أجازوا ذلك استناداً إلى النصوص الدالة على مشروعية الإقالة التي منها قوله وَله من أقال نادماً أقال
الله عثرته يوم القيامة .

١٥٨
كتاب البيوع
ونظراً لأن الإقالة شرعت لمصلحة المتعاقدين دفعاً للندم وخاصة عقد السلم فإن اعتراض الندم فيه أكثر
=
لأنه بيع بأوكس الأثمان فكان أدعى إلى مشروعيتها فيه.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائز ولأن
الإقالة فسخ للعقد ورفع له من أصله وليست بيعاً.
ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا ابن حزم من الظاهرية فقد قال يقدم جوازها في السلم استناداً منه في ذلك
إلى أنها بيع ما ليس عند الإنسان وبيع ما لم يقبض وبيع فيه غرر وجهالة فيكون باطلاً .
إذ إن رب السلم إذ أقال السلم إليه من المسلم فيه فقد باعه إليه. والحال أنه لم يقبضه منه فصدق عليه أنه
باع ما ليس عنده وما لم يقبضه فضلاً عن أن المسلم فيه دين في ذمة المسلم إليه والدين قبل قبضه يكون
مجهولاً فبيعه یکون بيع المجهول ففيه غرر ولذلك كله یمنع.
ولو قال قائل إن بيع الدين ممن هو عليه ليس بيع مجهول ولا غرر فيه إذ المدين أعلم بما هو عليه من
الدين الموصوف بالصفات الرافعة الجهالة لكان ذلك أقرب إلى الصواب.
وأما كون الإقالة بيع ما ليس عند البائع أو بيع ما لم يقبض فعلى فرص تسليم أن الإقالة بيع فلتكن مستثناة
من المنع لما فيها من المكارمة على أن لمانع أن يذهب إلى الإقالة ليست بيعاً وإنما هي حل ورفع للعقد.
ولما كانت النصوص الدالة على مشروعية الإقالة عامة تشمل الإقالة في الكل والإقالة في البعض قال أكثر
القائلين بجوازها في السلم بمقتضى هذه النصوص فأجازوا الإقالة في الكل والإقالة في البعض وممن
ذهب إلى ذلك ابن عباس وعطاء وطاوس والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد.
ووجهوا ذلك بأن الإقالة معروف مندوب إليه والمعروف الذي يجوز في البيع يجوز في البعض إذ لا فارق
بين الحالتين لأن اعتراض الندم المقتضي للإقالة قائم في الحالين على السواء ولو كان رأس المال قد
هلك في يد المسلم إليه لأن ثمن والمسلم فيه مبيع وقيام الثمن ليس شرطاً لصحة الإقالة إنما الشرط قيام
المبيع وقد وجد.
وخالف في جواز الإقالة في بعض المسلم فيه من الصحابة ابن عمر ومن التابعين ابن المسيّب وابن سيرين
وسعيد بن جبير وربيعة والنخعي ومن الأئمة ابن أبي ليلى وإسحاق فقالوا: بعدم جوازها في البعض وهو
رواية عن أحمد.
مستندين في ذلك إلى أن الإقالة إذا حصلت في البعض بقي البعض الآخر بما يقابله من الثمن وبمنفعة
الجزء الذي حصلت الإقالة فيه فلم يجز كما لو اشترط ذلك في ابتداء العقد.
وللجمهور أن يردوا هذا الاحتجاج بأنه - بعد كونه تعليلاً في مقابلة النصوص الدالة على مشروعية الإقالة
مطلقاً - مدفوع بأن المنافع غير مدخول على جعلها رأس مال سلم فلم تكن مقصودة في العقد أصلاً بدليل
أنهما لو تقايلا في الكل لم يكن لرب السلم أن يطالب المسلم إليه بما اقتضى من منافع فكان ذلك برهاناً
على أنها ملغاة غير منظور إليها فلم تكن مما يقصد جعلها حينئذ جزءاً مما يقابله الباقي بعد الإقالة.
وبهذا ظهر رجحان قول الجمهور وتمشيه مع مقتضى الأدلة الشرعية.
ثم إذا جازت الإقالة فإن كان رأس مال السلم مما يتعين بالتعيين وهو قائم فعلى المسلم إليه رد عينه إلى
رب السلم. لقوله 18َّ من وجد عين ماله عز وجل فهو أحق به وإن كان هالكاً فإن كان مما له مثل فعليه
رد مثله وإلا فقيمته.
وإن كان مما لا يتعين بالتعيين ((وهو الدراهم والدنانير)) فعليه رد ومثله هالكاً وقائماً لأن قبضه وقع عن =

١٥٩
كتاب البيوع
تقايلا في بعض دون بعض؛ فإِن تقايلا في كل لمسلم فيه جازت الإقالة لما قلنا، سواء كانت
الإِقَالَة بعد حل الأجل أو قبله؛ لأن نص الإِقالة مطلق لا يفصل بين حال وحال.
وكذ جواز اعتراض الندم قائم في الحَلَين؛ وسواء كان رأس المَالِ قائماً في يد المسلم
إِليه أو هالكاً، أما إِذا كَانَ قائماً فلا شك فيه.
وكذا إِذا كان هالكاً؛ لأن رَأْسَ مال السلم ثمن، والمبيع هو المسلم فيه، وقيام الثّمن
ليس بشَرْط لصحة الإِقَالة؛ إِنما الشَّرط قيام المبيع وقد وجد، ثم إِذا جازت الإِقالة؛ فإِن كان
رأس المال مما يتعيَّن بالتَّعيين وهو قائم، فعلى المسلم إِليه رد عينه إِلى ربّ السلم، لقوله -
عليه الصلاة والسلام -: ((مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ))(١) وإِن كان هالكاً؛ فإن كان مما له
عقد صحيح فانتقل ملكه إليه وصارت ذمته مشغولة يمثله لصاحبه فإذا ما وجب رده لم يلزم إلا بالمثل لأن
=
الأثمان يقوم بعضها مقام بعض إذ لا تتعلق الأغراض بذواتها .
وكذلك إذا قبض رب السلم المسلم فيه ثم تقايلا والمقبوض قائم في يده جازت الإقالة وعلى رب السلم
رد عين ما قبض لأن المقبوض في يده بعقد السلم كان عين ما ورد عليه العقد.
ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض، المحلى ٤٥/٩، المغني للحنابلة ٣٤٣/٤.
(١) أخرجه مالك (٦٧٨/٢) كتاب البيوع: باب ما جاء في إفلاس الغريم حديث (٨٨) والبخاري (٦٢/٥)
كتاب الاستقراض: باب إذا وجد ماله عند مفلس حديث (٢٤٠٢) ومسلم (١١٩٣/٣) كتاب المساقاة:
باب من أدرك ما باعه عند المشتري حديث (١٥٥٩/٢٢) وأبو داود (٧٨٩/٣) كتاب البيوع والإجارات:
باب الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه حديث (٣٥١٩) والترمذي (٥٦٢/٣ - ٥٦٣) كتاب البيوع:
باب ما جاء إذا أفلس للرجل غريم فيجد عنده متاعه حديث (١٢٦٢) والنسائي (٧/ ٣١١ - ٣١٢) كتاب
البيوع: باب الرجل يبتاع البيع فيفلس، وابن ماجه (٢/ ٧٩٠) كتاب الأحكام: باب من وجد متاعه بعينه
عند رجل قد أفلس حديث (٢٣٦٠) وأحمد (٢٥٨/٢) والدارمي (٢٦٢/٢) كتاب البيوع: باب فيمن وجد
متاعه عند المفلس، والدارقطني (٢٩/٣) كتاب البيوع حديث (١٠٧) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم
(٦٣٠) والبيهقي (٤٤/٦) كتاب التفليس: باب المشتري يفلس بالثمن، وأبو نعيم في «الحلية» (٣٦١/٥)
والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٣٩/٤ - بتحقيقنا).
من طريق يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عمر بن عبد العزيز يحدث أنه
سمع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يحدث أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَ ليّة:
((أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به من غير)).
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال أبو نعيم: صحيح ثابت متفق عليه.
وأخرجه مسلم (١١٩٤/٣) كتاب المساقاة: باب من أدرك ما باعه عند المشتري حديث (١٥٥٩/٢٤)
والطيالسي (٢٧٥/١ - منحة) رقم (١٣٨٦) وأحمد (٤١٠/٢) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٤/
١٦٤) والبيهقي (٤٦/٦) كتاب التفليس: باب المشتري يفلس بالثمن، من طريق النضر بن أنس عن بشير
ابن نهیك عن أبي هريرة به.
=

١٦٠
كتاب البيوع
وأخرجه مسلم (١١٩٤/٣) كتاب المساقاة: باب من أدركه ما باعه عند المشتري حديث (١٥٥٩/٢٥)
=
والبيهقي (٤٦/٦) كتاب التفليس، باب المشتري يفلس بالثمن. من طريق خيثم بن عراك عن أبيه عن أبي
هريرة .
وأخرجه أبو داود (٧٩٣/٣) كتاب البيوع: باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده حديث
(٣٥٢٣) وابن ماجه (٢/ ٧٩٠) كتاب الأحكام: باب من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس حديث
(٢٣٦٠) والطيالسي (٢٧٤/١) رقم (١٣٨٥) والشافعي (١٦٣/٢) كتاب التفليس حديث (٥٦٤) وابن
الجارود رقم (٦٣٤) والحاكم (٥٠/٢ - ٥١) والبيهقي (٦ /٤٦) كتاب التفليس باب المشتري يموت مفلساً
بالثمن، كلهم من طريق ابن أبي ذئب قال ثنى أبو المعتمر بن عمرو عن ابن خلدة الزرقي قال: جئنا أبا
هريرة رضي الله عنه في صاحب لنا أفلس فقال: هذا الذي قضى فيه رسول الله وَلير: أيما رجل مات أو
أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه اللفظة
ووافقه الذهبي.
وأخرجه أبو داود (٧٩١/٣) كتاب البيوع: باب الرجل يفلس فيجد متاعه بعينه حديث (٣٥٢٢) وابن
الجارود (٦٣٢) والدار قطني (٣٠/٣) كتاب البيوع حديث (١١٠) والبيهقي (٤٦/٦) كتاب التفليس: باب
المشتري يموت مفلساً بالثمن كلهم من طريق اسماعيل بن عياش عن الزبيدي عن الزهري عن أبي بكر بن
عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال:
... وأيما امرئ هلك وعنده مال امرئ بعينه اقتضى منه شيئاً أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء.
وأخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٩٠) كتاب الأحكام: باب من وجد متاعه بعينه حديث (٢٣٥٩) وابن الجارود
(٦٣١) والدارقطني (٢٩/٣ - ٣٠) كتاب البيوع: حديث (١٠٩) والبيهقي (٦ / ٤٧) كتاب التفليس: باب
المشتري يموت مفلساً بالثمن، من طريق إسماعيل عن موسى بن عقبة عن الزهري عن أبي بكر بن عبد
الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ قال: أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها
عند رجل وقد أفلس ولم يكن قبض من ثمنها شيئاً فهي له وإن كان قبض من ثمنها شيئاً فهو أسوة
للغرماء.
وأخرجه ابن ماجه (٧٩١/٢) كتاب الأحكام: باب من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس حديث
(٢٣٦١) والدارقطني (٣٠/٣) كتاب البيوع حديث (١١١) والبيهقي (٤٨/٦) كتاب التفليس: باب
المشتري يموت مفلساً بالثمن، من طريق اليمان بن عدي ثنى الزبيدي محمد بن عبد الرحمن عن الزهري
عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ ر: أيما امرئ بعينه مات وعنده مال امرئ بعينه اقتضى
منه شيئاً أو لم يقتض فهو أسوة للغرماء.
وقد روي هذا الحديث مرسلاً أيضاً.
أخرجه مالك (٦٧٨/٢) كتاب البيوع: باب في إفلاس الغريم حديث (٨٧) وأبو داود (٧٩١/٣) كتاب
البيوع: باب في الرجل يفلس الرجل متاعه بعينه عنده حديث (٣٥٢٠) عن الزهري عن أبي بكر بن عبد
الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله وَ # قال: أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض
الذي باعه من ثمنه شيئاً فوجد متاعه بعينه فهو أحق به وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء.
وفي الباب عن سمرة بن جندب وعبد الله بن عمر
=