النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
كتاب البيوع
الرقبة واليد جميعاً؛ لأن به يقع الأمْنُ عن غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه، وغررُ الانفساخ
ههنا ثابت، فلم يكن الملك مطلقاً؛ فلم يجُز.
ولو أوصى به لرجل قبل القبض، ثم مات - جازت الوصية؛ لأن الوصيّة أخت الميراث؛
ولو مات قبل القبض، صار ذلك ميراثاً لورثته؛ كذا الوصية، ولو قال المشتري للبائع: بِعْهُ
لي، لم يكن نقضاً بالإجماع؛ وإِن باعه، لم يجُز بيعه، ولو قال: بِعْهُ لِنَفْسك، كان نقضاً
بالإِجْمَاعِ،، ولو قال: بِعْهُ مطلقاً، كان نقضاً عند أبي حنيفة ومحمد؛ وعند أبي يوسف لا
یکون نقضاً.
وجه قوله: أن إطلاق الأمر بالبيع ينصرف إلى البيع للآمر لا المأمور؛ لأَن الملك له لا
للمأمور، فصار كأنه قال له: بِعْهُ لي،، ولو نص عليه لا يكون نقضاً للبيع؛ لأنه أمره ببيع
فاسدٍ؛ فكذا هذا.
ولهما: أن مطلق الأمر بالبيع يحمل على بيع صحيح يصحُ؛ ولو حملناه على البيع
للآمر، لما صحَّ؛ لأنه يكون أمراً ببيع مَنْ لا يملكَ بنفسه، فلا يصحُ، فيحمل على البيع
لنَّفْسه؛ كأنه نصَّ عليه فقال: بعه لنفسكَ، ولا يتحقَّق البيع لنفسه إلا بعد انفساخ البيع الأَوَّل،
فيتضمن الأمر بالبيع لنفسه انفساخ البَيْع الأول، فينفسخ مقتضى الأمر، كما في قول الرجل
لغيره: أعْتِق عبدك عني على ألف درهم، ولو قال المشتري للبائع: أعتِقْه، فأعتقه البائع -
فإعتاقه جائزٌ عن نفسه عند أبي حنيفة؛ وعند أبي يوسف: إِعتاقه باطل.
وجه قول أبي يوسف: أن مطلق الأمر بالإِعتاق ينْصَرف إِلى الإِعتاق عن الأمر لا عن
نفسه؛ لأَنَّ الملك للآمِرِ والإعتاق/ عنه بمنزلة القبض، والبائع لا يصلُح نائباً عن المشتري في ٩٠/٣ب
القَبْض عنه، فلا يصلُح نائباً عنه في الإِعتاق. ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أن الأمر بالإعتاق
يحمل على وجه يصِحُ، ولو حمل على الإِعتاق عن الأمر، لم يصحَّ؛ لما ذكرتم، فيحمل على
الإِعتاق عن نَفْسِه، فإذا أعتق؛ يقع عنه.
وأما بيع مشتري العقار قبل القَبْض ـ فجائز عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحساناً، وعند
محمد وزفر والشّافعي - رحمهم الله -: لا يجوز قياساً.
واحتجُوا بعُموم النَّهي الذي روينا؛ ولأن القُدرة على القَبْض عند العقد شرطُ صحّة
العقد؛ لما ذكرنا، ولا قدرة إلا بتسليم الثَّمن، وفيه غرر،، ولهما: عمومات البَيَاعَات من
الكتاب العزيز من غير تخصيص، ولا يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الوَاحِد عندنا، أو
نحمله على المنْقُول توفيقاً بين الدَّلائل؛ صيانة لها عن التَّناقض؛ ولأن الأصْلَ في ركن البيع -
إذا صَدَر من الأهل في المحل - هو الصِّحَة، والامتناع لعارض الغرر؛ وهو غرر انفساخ العقد

٤٢
کتاب البيوع
بهلاك المعقُود عليه، ولا يتوهّم هلاك العقار، فلا يتقرّر الغرر، فبقي بيعه على حكم الأصل.
وكما لا يجوز بيع المشْتَري المنقول قبل القَبْض - لا يجوز بيع الأجرة المنقولة قبل القَبْض إذا
كانت عيناً، وبدل الصَّلح المنقول إذا كان عيناً.
والأضْلُ: أنَّ كُلَّ عِوَض ملك بعقد يَنْفَسِخُ فيه العَقْد بهلاكه قبل القَبْض لا يجوز التَّصرف
فيه؛ كالمبيع، والأجرة، وبدل الصلح إذا كان منقولاً معيناً، وكل عوض ملك بعقد، لا ينفسخ
العقد فيه بهلاكه قبل القبض - يجوز التصرّف فيه؛ كالمهر، وبدل الخلع، وبدل العتق، وبدل
الصلح عن دم العمد، وفقه(١) هذا الأصل ما ذكرنا؛ أن الأصل هو الصِّحة في التَّصرُّف الصَّادر
من الأهل، المضاف إلى المحلّ، والفساد بعارض غرر الانفساخ، ولا يتوهّم ذلك في هذه
التصرُّفات، لأَنَها لا تحتمل الفسخ، فكان القول بجواز هذه التصرُّفات عملاً بالأَصل، وأنه
واجب؛ وكذلك الميراث يجوز التصرُّف فيه قبل القَبْض؛ لأن معنى الغرر لا يتقرَّر فيه؛ ولأن
الوارث خلف الميت في ملك المورُوث، وخلف الشيء قائِمٌ مقامه؛ كأنه هو، فكأَن المورث
قائم، ولو کان قائماً لجاز تصرُّفه فيه؛ كذا الوارث.
وكذلك الموصَى بِه؛ بأن أوصَى إِلى إِنسان بشيء، ثم مات الموصِي - فللمُوصَى له أن
يتصرَّف قبل القبض؛ لأن الوصية أخت الميراث، ويجوز التصرُّف في الميراث قبل القبض،
فكذا في الموصى به، وهل يجُوز بيع المقْسُوم بعد القسمة قبل القبض؟ يُنْظر إِن كان ما وقع
عليه القسمة مما يجبر عليه الشُّركاء، إذا طلبها واحدٌ منهم، جاز لواحد منهم أن يبيع نَصِيبه بعد
القِسْمة قبل القَبْض، سواءً كان منقولاً أو غير منقولٍ؛ لأن القسمة في مثله إفراز.
وإن كان مما لا يجبر عليه الشُّركاء عند طلب واحدٍ منهم؛ كالأشياء المختلفة، والرقيق
على قول أبي حنيفة - لا يجوز بيعه قبل القَبْضٍ إِن كان منقولاً، وإِن كان عقاراً فعلى الاختلاف
الذي ذكرنا؛ لأن قسمة هذه الأشياء فيها معنى المبادلة، فتُشْبه البيع، والله عز اسمه أعلم.
وأما بيع الدَّين قبل القبض، فنقول ـ وبالله التوفيق -: الدَّيون أنواع: منها ما لا يجوز بيعه
قبل القَبْض، ومنها ما يجوز؛ أما الذي لا يجوز بيعه قبل القَبْض: فنحو رأس مال السَّلم؛
لعموم النهي؛ ولأن قبضه في المجلس شَرط، وبالبيع يفُوت القبض حقيقة، وكذا المسلّم فيه،
لأنه مبيع لم يقْبض؛ وكذا لو باع رأس مال السَّلم بعد الإقالة قبل القَبْض لا يجُوز استحساناً،
والقياس أن يجوز؛ وهو قول زفر.
وجه القياس أن عقد السَّلم ارتفع الإقالة؛ لأنها فسخ، وفسخ العقد رفْعُه من الأصل،
(١) في أ: ووجه.

٤٣
کتاب البيوع
وجعله كأنه لم يكن؛ وإذا ارتفع العقد مِنَ الأصل، عاد رأس المال إِلى قديم ملك ربِّ
المال(١)، فكان محلاً للاستبدال كما كان قبل السَّلم؛ ولهذا يجب قبض رأس المال بعد الإقالة
في مجلس الإِقالة.
وجه الاستحسان: عموم النَّهي الذي روينا إِلا من حيث خصَّ بدليل، وفي الباب نصّ
خاص؛ وهو ما رَوَى أَبُو سَعيدِ الخُذْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أَنَّهُ قَالَ
لِرَبِّ السَّلَم: ((لاَ تَأْخُذْ إِلاَّ سَلَمَكَ أَوْ رَأْسَ مَالِكَ))(٢) وفي روايةَ: ((خُذْ سَلَمَكَ أَوْ رَأْسَ مَالِكَ))
نهي النبي - عليه الصلاة والسلام - ربَّ السَّلم عن الأَخذ عاماً، واستثنى أخذ السَّلم أو رأس
المال، فبقي أخذ ما وراءهما على أصل النَّهي.
وكذا إذا انفسخ السلم بعد صحَّته/ لمعنى عارض؛ نحو ذمّي أسلم إلى ذمي عشرة دراهم ٣/ ١٩١
في خمر ثم أسلما، أو أسلم أحدهما قبل قَبْض الخمر، حتى بَطَل السلم، ووجب على المسلّم
إِليه رد رأس المال - لا يجوز لربِّ السلم الاستبدال؛ استحساناً لما روينا.
ولو كان السَّلم فاسداً من الأصل؛ ووجب على المسلّم إِليه رد رأس المال لفساد السلم -
يجوز الاستبدال؛ لأنَّ السلم إِذا كان فاسداً في الأصل لا يكون له حُكْم السَّلم، فكان رأس مال
السَّلم بمنزلة الدُّيون من القرض، وثمن المبيع، وضمان الغَصْب والاستهلاك.
وأما بدل الصّرف، فلا يجوز بيعه قبل القَبْض في الابتداء، وهو حال بقاء العَقْد، ويجوز
في الانتهاء وهو ما بعد الإِقالة، بخلاف رأس مال السَّلم؛ فإِنه لا يجوز بَيْعه في الحالين.
(١) في أ: السلم.
(٢) أخرجه أبو داود (٧٦٣/٢) كتاب البيوع، باب: ((السلف لا يحول))، حديث (٣٤٦٨) وابن ماجه (٢/
٧٦٦) كتاب التجارات، باب: من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره، حديث (٢٢٨٣).
والدارقطني (٤٥/٣) كتاب البيوع، حديث (١٨٧) كلهم من طريق عطية بن سعد - هو العوفي - عن أبي
سعيد الخدري - رضي الله عنه، أن رسول الله - رَّيه - قال: ((من أسلم في شيء، فلا يصرفه في غيره).
وإسناده ضعيف من أجل عطية بن سعد العوفي فهو ضعيف.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٥١/٤): رواه الترمذي في علله الكبير، وقال: لا أعرفه مرفوعاً إلا من
هذا الوجه، وهو حديث حسن ورواه ابن ماجه أيضاً عن عطية عن النبي - وَطير مرسلاً ولم يذكر فيه سعداً،
وأخرجه الدارقطني في سننه عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، وعلي بن الحسين الدرهمي قالا: أنا أبو بدر
به باللفظ المذكور، ثم قال: اللفظ للدرهمي، وقال إبراهيم بن سعيد: فلا يأخذ إلا ما أسلم فيه أو رأس
ماله .
قال عبد الحق في أحكامه: وعطية العوفي لا يحتج به، وإن كان جلة قد رووا عنه.
وقال في التنقيح: وعطية العوفي ضعفه أحمد وغيره والترمذي يحسن حديثه.
وقال ابن عدي: هو مع ضعفه يكتب حديثه. اهـ من نصب الراية.

٤٤
كتاب البيوع
ووجه الفرق: أن القياس جواز الاستبدال بعد الإقالة في النّاس جميعاً؛ لما ذكرنا أن
الإقالة فسخ، وفسخ العقد رفعه من الأَصْل؛ كأن لم يكُن؛ ولو لم يكن العقد، لجاز
الاستبدال، فكذا إِذا رفع وألحق بالعدم، فكان ينبغي أن يجوز الاستبدال فيهما جميعاً إِلا أن
الحرمة في باب السَّلم ثبتت نصاً، بخلاف القياس، وهو ما روينا، والنصّ ورد في السّلم فبقي
جواز الاستبدال بعد الإقالة في الصّرف على الأصل.
وكذا الثّياب الموصوفة في الذمة المؤجلة لا يجوز بَيْعها قبل القبض؛ للنهي، سواء كان
ثبوتها في الذِّمة بعقد السلم أو غيره؛ لأن الثياب كما تثبت في الذّمة مؤجلة بطريق السَّلم،
تثبت ديناً في الذّمة مؤجلة لا بطريق السَّلم؛ بأن باع عبداً بثوب موصوفٍ في الذّمة مؤجل، فإنه
يجوز بيعه، ولا يكون جَوَازه بطريق السَّلم؛ بدليل أن قبض العبد ليس بشرط، وقبض رأس
مال السلم شرطُ جوازِ السُّلم.
وكذا إِذا أجر داره بثوبٍ موصوفٍ في الذّمة مؤجل - جازت الإِجازة ولا يكون سلماً؛
وكذا لو ادَّعى عيناً في يد رجل، فصالحه من دعواه عى ثوبٍ موصوفٍ في الذمة مؤجّل - جاز
الصُّلح، ولا يكون هذا سلماً؛ ولا يجوز الاستبدال به كما لا يجوز بالمسلم فيه، وإِن لم يكن
ثبوته بعقد السَّلم، فهذه جملة الدُّيون التي لا يجوز بيعها قبل القَبْض، وما سواها من ثمن
المبيع والقرض وقيمة المغْصوب والمستهلك ونحوها، فيجوز بيعها ممَّن عليه قبل القَبْض.
وقال الشَّافعي - رحمه الله -: ثمن المبيع إِذا كان عيناً، لا يجُوز بيعه قبل القَبْض قولاً
واحداً، وإِن كان ديناً، لا يجُوز في أحد قوليه أيضاً؛ بناءً على أن الثمن والمثمَّن عنده من
الأسماء المترادفة يَقَعان على مسمَّى واحد، فكان كل واحدٍ منهما مبيعاً فكان بيع المبيع قبل
القَبْض؛ وكذا النَّهي عن بيعٍ ما لم يقبض عام لا يفصل بين المبيع والثمن.
وأما على أصلنا، والثّمن من الأسماء المتباينة في الأَصل يَقَعان على معنيين مُتَباينين،
على ما نذكُره - إن شاء الله تعالى - في موضعِه، ولا حجَّة له في عموم النَّهي؛ لأن بيع ثمن
المَبِيع ممَّن عليه صار مخصوصاً بحديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - على ما نذكره.
وأما بيع هذه الديون مِنْ غيرِ مَنْ عليه، والشّراء بها مِنْ غَيرٍ مَنْ عليه - فينظر إن أضاف
البيع والشّراء إلى الدَّين، لم يجز؛ بأن يقول لغيره: بِعْت منك الدَّين الذي فِي ذِّمة فلان بكذا،
أو يقول: اشتريت منك هذا الشّيء بالدّين الذي [لي](١) في ذمَّة فلان؛ لأَنَّ ما في ذمَّة فلان
غير مقدُور التَّسليم في حقُّه، والقدرة على التَّسليم شرط انعقاد العَقْد على ما مر، بخلاف البيع
(١) سقط من ط .

٤٥
كتاب البيوع
والشّراء بالدّين ممن عليه الدين؛ لأنَّ ما في ذمته مسلّم له، وإِن لم يضف العقد إِلى الدَّين
الذي علیه، جاز.
ولو اشترى شيئاً بثمن دين ولم يضف العقد إِلى الدّين حتى جاز، ثم أحال البائع على
غريمِه بديْنه الذي له عليه - جازت الحوالة، سواءٌ كان الدَّين الذي أحيل به ديناً، يجوز بيعه قبل
القَبْض أو لا يجُوز؛ كالسلم ونحوه.
وذكر الطَّحاوي - رحمه الله -: أنه لا تجُوز الحوالة بدينٍ لا يجوز بيعه قبل القبض، وهذا
غير سديد؛ لأنَّ هذا توكيلٌ بقبض الدَّين؛ فإِن المحال له يصير بمنْزِلة الوكيل للمحيل بقبض
دينه من المختَال له، والتَّوكيل بقبض الدَّين جائز، أيّ دين كان، ويكون قبض وكيله كقَبْض
مو کله .
ولوِ باع هذا الدَّين ممَّن عليه الدين، جاز؛ بأن اشترى منه شيئاً بعينه بدينه الذي له في
ذمَّته؛ لأنه باع ما هو مقدور التَّسليم عند الشِّراء؛ لأَن ذمته في يده، بخلاف الأول؛ وكذا إِذا
صالح معه من دينه على شيء بعينه، جاز الصُّلح، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومنها: أن يكون البَدَل منْطُوقاً به في أحد نوعي المبَادَلة، وهي المبادلة القولية،
فإن كان مسكُوتاً عنه، فالبيع فساد؛ بأن قال: بغت/ منك هذا العَبْد، وسكت عن ذكر ٩١/٣ب
الثمن، فقال المشتري: اشتريت؛ لما ذكرنا أن البيع في اللّغة: مبادلة شيء مرغوب
بشيء مرغوب، وفي الشرع: مبادلة المَالِ بالمَالِ، فإِذا لم يكن البدل منطوقاً به، ولا بيع
بدون البَدَل؛ إِذ هو مبادلة كان بدله قيمته، فكان هذا بيع العبد بقِيمَته، وأنه فاسد؛
وهكذا السَّبيلُ في البياعات الفاسدة، أنها تكون بيعاً بقيمة المبيع، على ما نذكر في
موضِعِه .
هذا إذا سكت عن ذكر الثَّمن، فأما إِذا نفاه صريحاً؛ بأن قال: بعتُك هذا العبد بغير ثمن
أو بلا ثَمَن، فقال المشْتَري: اشتريت، اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: هذا والسُّكوت عن
الثَّمن سواء، والبيع فاسد، وقال بعضهم: البيع باطلٌ.
وجه قول الأوَّلين: أن قوله: ((بلا ثمن)) باطل؛ لأَن البيع عقد مبادلة، فكان ذكره ذكراً
للبدل، فإذا قال: بغير ثمن، فقد نفى ما أثبته، فبطل قوله: ((بلا ثمن)) وبقي قوله: ((بعت
مسكوتاً عن ذكر الثَّمن)) فكأنه باع وسكت عن ذكر الثَّمن.
وجه قول الآخرين: أن عند السُّكوت عن ذكر الثّمن يصير البدل مذكوراً بطريق الدَّلالة،
فإذا نص على نفي الثَّمن، بطلت الدّلالة، فلم يكن هذا بيعاً أصلاً، والله سبحانه وتعالى أعلم.

٤٦
کتاب البيوع
ومنها: الخلو عن الرِّبا (١)، وإن شئت قلت: ومنها المماثلة بين البَدَلين في أموال الرِّبا،
حتى لو انتفت فالبيع فاسد، لأنَّه بيع ربا، والبيع الذي فيه ربا فاسدٌ؛ لأن الربا حرامٌ بنصٌّ
الكتاب الكريم(٢)؛ قال الله عز وجل: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [سورة البقرة، ٢٧٥] والكلام في مسائل الرِّبا
في الأصل في ثلاثة مواضع:
(١) قال صاحب. (المصبَاح)): الربا، الفَضْلُ والزيادة، وهو مقصور عن الأَشْهَرِ، ويثنَّى فيقال: رَبوان بالواو
على الأصل، وقد يقال: رَبَيّان على التخفيف، وينسب إليه على لفظه، فيقال: رَبِيٍّ. قال: أبو عبيد
وغيره.
وزاد المطرزي فقال: الفتح في النسبة خطأ .
ورَبًا الشيء يَرْبُو إذا زاد ونما، وأربى الرَّجُلُ بالألف دخل في الرِّبَا، وأربى على الخمسين زاد عليها)).
وفي ((اللسان)): ربا الشيء يَرْبُو رُبُوًّا ورِبَاءً: زاد ونما، وأربيته: نميته.
وفي التنزيل العزيز: ﴿ويزي الصدقات﴾ ومنه أخذ الربا الحرام. وأَزبى الرَّجُل في الربا: يربي، وقد تكرر
ذكره في الحديث. والأصل فيه الزيادة من ربا المال إذا زاد وارتفع، والاسم: الربا مقصور، وأربى الرجل
على الخمسين ونحوها زاد. وفي حديث الأنصار يوم ((أحد)»: لَئِنْ أَصبنا مِنْهُمْ يَوْماً مِثلَ هَذَا لَنرِبِيَنَّ
عَلَيْهِمْ. أي: لنزيدنَّ ولنضاعفنَّ. وفي حديث الصدقة ((وتَرْبُو فِي كَفُ الرَّحْمَنِ، حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ
الجبل)) ورَبَا السَّوِيقَ ونحوه رَبُوًّا: صَبَّ عليه الماء فانتفخ، وقوله عز وجل في صفة الأرض: ﴿اهْتَزَّتْ
وَرَبَتْ﴾: قيل: معناه عظمت وانتفخت.
وقرىء: ((وربأت))؛ فمن قرأ: ((وربت)) فهو ربا يربو إذا زاد على أيِّ الجهات زاد.
ومن قرأ: ((وربأت)) بالهمز فمعناه: ارتفعت، وسابَّ فلان فلاناً، فأربا عليه في السّباب إذا زاد عليه.
وقوله عز وجل ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةٌ رَابيةً﴾ أي: أخذة تزيد.
انظر: الصحاح ٢٣٥٠/٦ والمغرب ١٨٢، المصباح المنير ٣٣٣/١ والمطلع: (٢٣٩).
واصطلاحاً :
عرفه الحنفيةُ بأنه: فَضْلُ مَالٍ خالٍ عن عِوَضٍ، شرط لأحد العاقدين في معاوضة مَالٍ بمال.
وعرفه الشّافعيةُ بأنه: عَقْدٌ على عِوَضٍ مخصوص، غير معلوم التماثُل في معيار حالة العقد، أي: مع
تأخير في البَدَلَيْن أو أحدهما.
وعرفه المالكيةُ بأنه: عقد معاوضة على نقد أو طعام مخصوص بجنسه، مع التفاضل، أو مع التأخير.
وعرفه الحنابلة بأنه: الزِّيَادَةُ في أشياء مخصوصة.
وقد قَسَّمَ الفقهاء الرِّبًا إلى قسمين، وزاد الشافعية قسماً ثالثاً:
١ - رِبَا الفَضْل: وهو البيع مع زيادة أحد العوضين عن الآخر.
٢ - ربا النِّسَاء: وهو البيع لأجل، أو تأخير أحد العوضين عن الآخر.
٣ - ربا اليد: وهو البيع مع تأخير قبضهما، أو قبض أحدهما.
انظر: شرح فتح القدير ٣/٧، تبيين الحقائق شرح كنز الحقائق ١٤/ تحفة الفقهاء للسمرقندي ٣١/٢،
مغني المحتاج ٢١/٢، فتح الوهاب، بشرح منهج الطلاب ١٦١/١، المغني ١٢٢/٤. مجمع الأنهر ٢/
٨٣، كشاف القناع ٢٥١/٣.
(٢) الربا حرام كله قليلة وكثيره، وهو من الكبائر بل من أكبرها حتى قيل: إنه لم يحل في شريعة قط، وربما =

٤٧
كتاب البيوع
استؤنس لهذا بقول الله تعالى: في حق اليهود ﴿فَبِظُلْم مِنَ الَّذِيْنَ هَادُوا حَرّمْنَا عَلَيْهِمُ طَيْبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
=
وَبِصَدْهِمْ عَنْ سَبِيْلِ اللهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ .
الدليل عليه: والدليل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكِتَاب فقول الله تعالى: ﴿الَّذِيْنَ يَأْكُلُونَ
الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّ كَمَا يَقُوْمُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبِا وَأَحَلَّ
الله البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوعِظَةٌ مِنْ رَبِهِ فَانْتَهَى فَلَه مَا سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَضْحَابُ
النَّارِ هُمْ فِيْهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللهِ الرِّبا ويُربي الصَّدَقَاتِ وَالله لاَ يُحِبُّ كُلّ كَفَّارٍ أَثِيم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هم يَحْزَنُونَ يَا أَيُّهَا
الَّذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإِن لَمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ الله وَرَسُولِهِ
وإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَّمُونَ﴾. وإليك تفسيرها بإيجاز مع بيان وجه الدلالة.
معنى قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُونَ الرِّبًا﴾ أي: يتعاملون به، فالمراد بالأكل الأخذ، وإنما عبر به، لأن الأكل
أظهر مقاصده؛ فيكون المعنى: الذين يُربون، ((والتخيط)) الضرب على غير استواء، ((والمس)) الجنون،
((والمحق)) الاستئصال والهلاك، وقيل المراد به ذهاب البركة، ووجه الدلالة واضح مما يأتي.
أولاً - صريح قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾؛ فَإِنَّهُ إخبار منه تعالى بأن الربا محرم عنده، فإذا كان هذا الخبر
مراداً به النهي عنه. كان أبلغ في الدلالة على التحريم من صريح النهي.
ثانياً - ما اقترن به هذا من الوعيد الشديد، فقد ذكرت الآيات عقوبات خمساً لآكل الربا هي:
١ - التخبط عند قيامهم في الدنيا، أو في الآخرة، كالذي يتخبطه الشيطان من المس، أما في الدنيا فيظهر
ذلك في سيرهم المختل، فيسلكون سبيل المجانين بسبب ما عندهم من الشره بجمع المال؛ فلا يكاد
يشك من يراهم في أنّ عندهم خبلاً؛ فبهذا قال بعض المفسرين: وأما في الآخرة فقد قيل: تنتفخ بطنه
يوم القيامة بحيث لا تحمله قدماه وكلما رام النهوض سقط، فيكون بمنزلة الذي أصابه مس من الشيطان،
فيصير كالمصروع.
٢ - الخلود في النار، وذلك لا يكون إلا عن كبيرة من الكبائر تقرب من الكفر حتى كأنها الكفر بذاته،
وفي ذلك من التهويل ما لا يخفى.
٣ - المحق قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ الله الرِّبَا﴾ والمراد به الهلاك، والاستئصال، أو ذهاب البركة،
والاستمتاع، كما تقدم حتى لا ينتفع به هو وولده من بعده، بحيث لو فرض أنه أنفقه في أوجه الخير،
كان مردوداً عليه، فلا يعود عليه بثواب، ولا لذة، وعلى الجملة، فالربا وإن كثر فإلى قُلّ يصير.
٤ - الكفر. يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقوله: ﴿والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِم﴾؛ فَإِن
فيهما إشارة إلى أن المصر عليه عرضة؛ لأنه يطبع على قلبه حتى يسلب الإيمان رأس النعم، ومصدر
الخير .
٥ - الحرب. قال تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ الله وَرَسُولِهِ﴾، وفي هذا إعلام بأن جريمة الربا من أعظم
الجرائم التي تستوجب محاربة الله ورسوله.
فعن ابن عباس: ((يُقَالُ يَوْمَ القِيَامَةِ لِلمُرَابِيِ خُذّ سِلاَحَكَ لِلحَزْبِ)) ويروى أَنَّ ثَقَيْفاً حِيْنَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَات
قالوا لا قبل لنا بحرب الله - عز وجل - وتركوا الربا؛ هذا فضلاً عما أشار إليه قوله تعالى: ﴿لا تظلمون
ولا تظلمون﴾ من تسجيل الظلم على من تقاضى أكثر مما أعطى، وأما السنة فما روي عن البخاري، =

٤٨
كتاب البيوع
ومسلم. أن رسول الله وَّه - قال: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ. قِيْلَ: يَا رَسُولَ الله وَمَا هِيَ؟ قال: الشّرْكُ
=
بالله، والسِّحرُ، وقِثْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إلاَّ بالحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُّ مَالِ الْيَتِيم، وَالتَّلِي يَوْمَ الزَّحْفِ،
وَقَذْفُ المُحَصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ)) وما رويا أيضاً عن النبي - وَّ - أنه ليس آكل الربا، وموكله،
وشاهديه، وكاتبه، فعده من الموبقات المحبطات للعمل التي أمر باجتنابها يجعله من الكبائر، كما أنه لعن
فاعله، والمعاون عليه بكتابة، أو شهادة فيه، من تفظيع جريمته ما هو كفيل بعده قربانه.
وأما الإجماع؛ فقد أجمعت الأمة سلفاً وخلفاً على أن الربا محرم، ولم يوجد مخالف لهذا الإجماع.
ويرى بعض الفقهاء؛ أن تحريم الربا من الأمور التعبدية أي: تعبدنا الشارع به، ولم تظهر لنا حكمته، وإن
كان في الواقع لا يخلو عن حكمة غير أننا لم نطلع عليها، وما علينا إلا أن نمتثل أمر الشارع ونهيه.
ولكن من ينظر في الشريعة الإسلامية نظرة فحص وتأمل، يرى من الواضح؛ أنها قد امتازت بمميزات
خلقية وعمرانية، تجلت في التشريعات المختلفة، من ذلك؛ ما هو ملموس في تحريمها الخمر والميسر
حفظاً للعقول، وصيانة للأموال، وضناً بالإنسان عن العبث الذي لا يناسب العقلاء، وكذلك؛ ما يشاهد
في إباحة السلم من حكمة رائعة، إذ يعود على المعوزين بتفريج كربتهم مع صون حق رب المال في
الاسترباح المشروع؛ وعلى هذا النمط جاء تحريمها الربا على الآخذ، والمعطي رفعاً لما يجره التعامل به
من الشحناء، والبغضاء، واستئصال المعروف، والتعاون من النفوس، وحلول الأنانية، والشرهُ مكانهما،
إذ من لا يعطي إلا بالزيادة يقتطع نفسه من المجتمع الإنساني اقتطاعاً؛ ويسلب إنسانيته، ويلحق
بالحيوانات الضارية التي، لا تحب أن يشاركها في فريستها حيوان آخر.
هذا فضلاً عما يسببه الربا من العطلة، وعدم الميل للعمل، والانصراف عن الزراعة، والصناعة، والركون
إلى استقلال إخوانه المسلمين، وغبنهم غيناً قهرياً لا مبرر له.
ويحسن هنا أن نسوق عبارة الدهلوي في كتابه ((حجة الله البالغة)) حيث يقول: ((وسر التحريم أن الله تعالى
يكره الرفاهية البالغة كالحرير، والارتفاقات المحوجة إلى الإمعان في طلب الدنيا كآنية الذهب، والفضة،
وحلي غير مقطع من الذهب كالسوار، والخلخال، والطوق، والتدقيق في المعيشة، والتعمق فيها؛ لأن
ذلك مرد لهم في أسفل السافلين، وصارف لأفكارهم إلى ألوان مظلمة، وحقيقة الرفاهية طلب الجيد من
كل ارتفاق، والإعراض عن رؤيته.
كما نذكر عبارة الفخر الرازي حيث يقول: قد ذكروا في سبب تحريم الربا وجوهاً:
الوجه الأول - أن الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض؛ لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو
نسيئة يحصل له زيادة درهم من غير عوض، ومال الإنسان من متعلق حاجته وله حرمة عظيمة قال - الهرم
-: ((حُرّمَةُ مَالِ المسلم كَحرّمَةِ دَمِّهِ))؛ فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرّما.
فإن قيل: لم لا يجوزَ، أن يكون بقاء رأس المال في يده مدة مديدة عوضاً عن الدرهم الزائد، وذلك لأن
رأس المال لو بقي في يده هذه المدة؛ لكان يمكن المالك أن يتجر فيه، ويستفيد بسبب تلك التجارة
ربحاً، فلما تركه في يد الدين، وانتفع المدين به، لم يبعد أن يدفع إلى رب المال ذلك الدرهم الزائد
عوضاً عن انتفاعه بماله.
قلنا: إن هذا الانتفاع الذي ذكرتم أمر موهوم قد يحصل، وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد أمر متيقن
فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع ضرر.
=

٤٩
كتاب البيوع
الوجه الثاني - ما قاله بعضهم: من أن الله تعالى حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس عن الاشتغال
=
بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدرهم، إذا تمكن بوساطة عقد الربا من تحصيل درهم زائد نقداً كان أو
نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب، والتجارة، والصناعات الشاقة،
وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات، والحرف،
والصناعات، والعمارات.
الوجه الثالث - ما قيل إن السبب في تحريم عقد الربا، أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من
القرض؛ لأن الربا إذا حرم طابت النفوس بقرض الدرهم، واسترجاع مثله، ولو حل الربا لكانت حاجة
المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين؛ فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة، والمعروف، والإحسان.
الوجه الرابع - أن الغالب أن يكون المقرض غنياً والمستقرض فقيراً؛ فالقول بتجويز عقد الربا تمكين للغني
من أن يأخذ من الفقير الضعيف مالاً زائداً، وذلك غير جائز برحمة الرحيم.
ومما يبين حكمة تحريم الربا لمضارّة بالمجتمع الإنساني، وآثاره السيئة في العمران، ما نقله صاحب
المنار في تفسيره عن الشيخ محمد عبده. حيث قال:
قال الأستاذ الإمام في الدرس ما مثاله: يقول كثير من الناس الذين تعلموا وتربوا تربية عصرية، وأخذوا
الشهادات من المدارس، بل ومنهم أكبر من هؤلاء «إن المسلمين منوا بالفقر، وذهبت أموالهم إلى أيدي
الأجانب؛ وفقدوا الثروة، والقوة بسبب تحريم الربا؛ فإنهم لاحتياجهم للأموال يأخذونها بالربا من
الأجانب، ومن كان غنياً منهم لا يعطي بالربا، فمال الفقير يذهب ومال الغني لا ينمو، ويجعلون هذه
المسألة أهم المسائل الاجتماعية، والعمرانية عند المسلمين، يعنون أنه ما جنى على المسلمين إلا دينهم
((قال: وهذه أوهام لم تقل عن اختيار، فإن المسلمين في هذه الأيام، لا يحكمون الدين في شيء من
أعمالهم، ومكاسبهم، ولو حكموه في هذه المسألة لما استدانوا بالربا، وجعلوا أموالهم غنائم لغيرهم؛
فإن سلمنا أنهم تركوا أكل الربا لأجل الدين، فهل يقول المشتبهون: إنهم تركوا الصناعة، والتجارة،
والزراعة لأجل الدين؟ ألم تسبقنا جميع الأمم إلى إتقان ذلك؟ فلماذا لم نتقن سائر أعمال الكسب لنعوض
منها على أنفسنا ما فاتنا من كسب الربا المحرم علينا؟ وديننا يدعونا إلى أن نسبق الأمم في إتقان كل
شيء، الحق أن المسلمين في الأغلب، قد نبذوا الدين ظهرياً، فلم يبق عندهم منه إلا تقاليد، وعادات،
أخذوها بالوراثة عن آبائهم، ومعاشريهم؛ فمن يدعي أن الدين عائق لهم عن الترقي؛ فقد عكس القضية،
وأضاف إلى جهالاتهم شراً منها؛ وإنما يجيء هذا من عدم البصيرة والتأمل في حال الأمة من بدايتها إلى
ما انتهت إليه، ولو عرفت الأمة نفسها لعرفت ماضيها كما تعرف حاضرها، ولكن جهلها بنفسها، وعدم
قراءة ماضيها هو الذي أوقعها فيما هي فيه من البلاء العظيم؛ فهي لا تدري من أين أخذت، ولا كيف
سقطت بعد ما ارتفعت.
أقول: يعني أنها ارتفعت بالدين، وسقطت بتركه مع الجهل بالسبب، وأفضى بها الجهل إلى أن صارت
تجعله علة الرقي والارتفاع، هي عين العلة، والسقوط، والانحطاط، ومن ذلك استدانةً أفرادنا،
وحكوماتنا من الأجانب بالربا؛ فإنها أضاعت قوتنا وملكنا، وكان الدين لو اتبعناه عاصماً منها، فنحن
ننسى مثل هذه الفائدة الكبرى للدين في الموضوع نفسه، ونذكر من سيئات الدين أنه حرم الربا، ولو لم
يحرمه لجاز أن يكسب بعض أغنيائنا أكثر مما يكسبون الآن، وقد أشار الأستاذ إلى هذا المعنى فقال: ((إن
أثر الربا فينا لا يمكننا أن نزيله بمئات من السنين، ولو أننا حافظنا على أمر الدين فيه لكنا بقينا لأنفسنا، =
بدائع الصنائع ج٧ - ٤٣

٥٠
كتاب البيوع
=
فتأمل قوله: بقينا لأنفسنا.
وقال في تفسير: ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إنما البَيْعُ مثلُ الرِّبَا الخ)). ما مثاله: مسألة الربا مسألة كبيرة، اتفقت فيها
الأديان، ولكن اختلفت فيها الأمم. فاليهود: كانوا يرابون مع غيرهم، والنصارى يرابي بعضهم بعضاً،
ويرابون سائر الناس. وقد كان المسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة زمناً طويلة ثم قلدوا غيرهم،
ومنذ نصف قرن فشت المرابات بينهم في أكثر الأقطار، وكانوا قبل ذلك يأكلون الربا بالحيلة التي يسمونها
شرعية، وقد أباحها بعض الفقهاء في استثمار مال اليتيم، وطالب العلم المنقطع، ومنها مسألة السبحة
المشهورة؛ وهي أن يتفق الدائن مع المدين على أن يعطيه مائة إلى سنة بمائة وعشر مثلاً فيعطيه المائة
نقداً، ويبيعه سبحة بعشرة في الذمة، فيشتريها ثم يهديها إليه. على أن الذين يأكلون الربا من المسلمين لا
يزالون قليلين جداً، ولكن الذين يوكلونه غيرهم كثيرون جداً، حتى لا تكاد تجد مُتَمَوّلاً في هذه البلاد
سالماً من الاستدانة بالربا إلا قليلاً، والسبب في ذلك تقليد حكامهم في هذه السنة، بل كثيراً ما كان حكام
هذه البلاد، يلزمون الرعية بها إلزاماً؛ لأداء ما يفرضونه عليهم من الضرائب، والمصادرات، ومن هنا نرى
أن الأديان لم يمكنها أن تقوم ميل جماهير الناس إلى أكل الربا، حتى كأنه ضرورة يضطرون إليها، ومن
حجتهم عليها أن البيع مثل الربا، فكما يجوز أن يبيع الإنسان السلعة التي من ثمنها عشرة دراهم بعشرين
درهماً بسيئة، يجوز له أن يعطي المحتاج العشرة دراهم على أن يرد إليه بعد سنة عشرين درهماً؛ لأن
السبب في كل من الزيادتين الأجل؛ هكذا يحتج الناس في أنفسهم كما يحتج الحكومات، بأنها لو لم
تأخذ المال بالربا لاضطرت إلى تعطيل مصالحها، أو خراب أرضها.
والله تعالى قد أجاب عن دعوى مماثلة البيع بالربا، بجواب ليس على طريقة أجوبة الخطباء المؤثرين، ولا
على طريقة أقيسة الفلاسفة والمنطقيين؛ ولكنه على سنة هداية الدين، وهو أن الله أجل البيع وحرم الربا،
وقد جعل أكثر المفسرين هذا الجواب من قبيل إبطال القياس بالنص أي: أنكم تقيسون في الدين، والله
تعالى لا يجيز هذا القياس، ولكن المعهود في القرآن مقارعة الحجة بالحجة، وقد كان الناس في زمن
التنزيل يفهمون معنى الحجة في رد القرآن بذلك القول، إذ لم يكن عندهم من الاسطلاحات الفقهية
المسلمة، ما هي أصل عندهم في المسائل لا يفهمون الآيات إلا به؛ ولا ينظرون إليها إلا لتحويلها إليه
وتطبيقها على آرائهم، ومذاهبهم فيه.
والمعنى الصحيح: أن زعمهم مساوات الربا للبيع في مصلحة التعامل بين الناس، إنما يصح إذا أبيح
للناس أن يكونوا في تعاملهم، كالذئاب كل واحد ينتظر الفرصة التي تمكنه من افتراس الآخر، وأکله؛
ولكن هاهنا إله رحيم يضع لعباده من الأحكام ما يريبهم على التراحم، والعطف؛ وأن يكون كل منهم
عوناً للآخر لا سيما عند شدة الحاجة إليه. ولذلك حرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة إخوانهم،
وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه بأكل الغني الواجد مال الفقير الفاقد؛ فهذا وجه للتباين بين الربا
والبيع يقتضي فساد القياس.
وهناك وجه آخر: وهو أن الله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشهم أن يكون استفادة كل واحد من
الآخر بعمل، ولم يجعل لأحد منهم حقاً على الآخر بغير عمل؛ لأنه باطل لا مقابل له، وبهذه السنة أحل
البيع؛ لأن فيه عوضاً يقابل عوضاً، وحرم الربا؛ لأنه زيادة لا مقابل لها، والمعنى أن قياسكم فاسد؛ لأن
في البيع من الفائدة ما يقتضي حله، وفي الربا في المفسدة ما يقضي تحريمه. ذلك أن البيع يلاحظه فيه
دائماً انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعاً حقيقياً، لأن من يشتري قمحاً مثلاً؛ فإنما يشتريه ليأكله، أو لیبذره، = =

٥١
كتاب البيوع
أو ليبيعه، وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعاً حقيقياً ((وأقول: والثمن في هذا مقابل للمبيع مقابلة مرضية
=
للبائع، والمشتري باختيارهما؛ وأما الربا، وهو عبارة عن إعطاء الدراهم، والمثليات، وأخذها مضاعفة
في وقت آخر، فما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا مقابل له من عين، ولا عمل)، ((وأقول: وهي لا
تعطي بالرضا، والاختيار، بل بالكره، والاضطرار)).
وثم وجه ثالث - لتحريم الربا من دون البيع؛ وهو أن النقدين إنما وضعنا؛ ليكونا ميزاناً لتقدير قيم الأشياء
التي ينتفع بها الناس في معايشهم، فإذا تحول هذا وصار النقد مقصوداً بالاستغلال؛ فإن هذا يؤدي إلى
انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس، وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استقلال المال
بالمال؛ فينمو المال ويربو عندهم، ويخزن في الصناديق والبيوع المالية المعروفة ((بالبنوك)) ويبخس
العاملون في أعمالهم، لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه وبذلك يهلك الفقراء.
ولو وقفت الناس في استغلال المال عند حد الضرورة؛ لما كان فيه مثل هذه المضرات، ولكن أهواء
الناس ليس لها حد تقف عنده بنفسها، أي: فلا بد لها من الوازع الذي يوقفها بالإقناع، أو الإلزام؛ لذلك
حرم الله الربا؛ وهو لا يشرع للناس الأحكام بحسب أهوائهم، وشهواتهم كأصحاب القوانين؛ ولكن
بحسب المصلحة الحقيقية العامة الشاملة.
وأما واضعوا القوانين، فإنهم يضعون للناس الأحكام، بحسب حالتهم الحاضرة، التي يرونها موافقة لما
يسمونه الرأي العام من غير نظر وفي عواقبها، ولا في أثرها في تربية الفضائل، والبعد عن الرذائل، وإننا
نرى البلاد التي أحلت قوانينها الربا قد عفت فيها رسوم الدين، وقلّ فيها التعاطف، والتراحم، وحلت
القسوة محل الرحمة، حتى إن الفقير فيها ليموت جوعاً، ولا يجد من يجود عليه بما يسد رقعه، فمنيت
من جراء ذلك بمصائب أعظمها ما يسمونه المسألة الاجتماعية وهي مسألة تألب الفعلة، والعمال على
أصحاب الأموال واغتصابهم المرة بعد المرة؛ لترك العمل وتعطيل المعامل والمصانع؛ لأن أصحابها لا
يقدرون عملهم قدرة، بل يعطونهم أقل مما يستحقون، وهم يتوقعون من عاقبة ذلك انقلاباً كبيراً في
العالم؛ ولذلك قام كثير من فلاسفتهم، وعلمائهم يكتبون الرسائل، والأسفار في تلافي شر هذه المسألة،
وقد صرح كثير منهم بأنه لا علاج لهذا الداء إلا رجوع الناس إلى ما دعاهم إليه الدين.
وقد ألّف تولستوي الفيلسوف الروسي كتاباً سماه ((ما العمل))، وفيه أمور يضطرب لفظاعتها القارىء، وقد
قال في آخره: ((إن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق؛ ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار («الجنيه))
عن أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يوماً ما)). قال - رحمه الله - تعالى: ((وهذه بلادنا قد ضعف
التعاطف والتراحم فيها، وقل الإسعاد والتعاون منذ فشا فيها الربا، وإنني لأعي وأدرك ما مر بي منذ
أربعين سنة، كنت أرى الرجل يطلب من الآخر فرضاً، فيأخذه صاحب المال إلى بيته، ويوصد الباب عليه
معه، ويعطيه ما طلب بعد أن يستوثقه منه باليمين، أنه لا يحدث الناس بأنه اقترض منه، لأنه يستحي أن
يكون في نظرهم متفضلاً عليه ((قال)) رأيت هذا من كثيرين في بلاد متعددة، ورأيت من وفاء من يقترض،
أنه يغني المقرض عن المطالبة بالمحاكمة، ثم بعد خمس وعشرين سنة رأيت بعض هؤلاء المحسنين لا
يعطي ولده قرضاً طلبه إلا بسند وشهود؛ فسألته أما أنت الذي كنت تعطي الغرباء ما يطلبون، والباب
مقفل، وتقسم عليهم، أو تحلفهم ألا يذكروا ذلك. قال: نعم. قلت: فما بالك تستوثق من ولدك ولا
تأمنه على مالك إلا بسند وشهود، وما علمت عليه من سوء؟ قال: لا أعرف سبب ذلك إلا أنني لا أجد =

ـة
٥٢
كتاب البيوع
أحدها: في بيان الرِّبا في عرف الشّرع أنه ما هو؟
والثاني: في بيان علَّته أنها ما هي؟
والثالث: في بيان شرط جريان الرِّبا.
أمَّا الأَوَّلُ: فالربا في عرف الشَّرع نوعان: ربا الفَضْل، وربا النِّسَاءِ (١).
الثقة التي كنت أعرفها في نفسي، قلت: وأخبرني أن هذا الذي سأله عن ذلك هو والده - رحمهما الله -
=
تعالی اه)).
ينظر الربا لشيخنا سليمان محمد.
(١) لا خلاف بين العلماء في أن الربا يكون في البيع، أو السلم، أو القرض. غير أن جمهور الصحابة
والتابعين، وفقهاء الأمصار يرون أن الربا نوعان: أحدهما: ربا النسيئة، كبيع ذهب بفضة إلى أجل، أو
بیع أردب قمح بمثله إلى أجل كذلك.
وثانيهما: ربا الفضل، وهو ما يسمى ربا النقد كبيع أردب من البر بإردب ونصف منه يداً بيد، وخالف في
ذلك ابن عبدوس، وأسامة بن زيد من الصحابة، وكذلك ابن عمر؛ حيث قالوا: إنه لا ربا إلا في النسيئة،
فيحل عندهم أخذ درهم بدرهمين، إذا كان يداً بيد، وليس التفاضل عندهم بمحرم حينئذ.
هکذا کانوا یقولون: ثم صح عنهم أنهم رجعوا عن ذلك إلى قول الجمهور.
استدل الجمهور بالكتاب والسنة، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، ووجه الدلالة فيه: أن لفظ
الربا عام، يتناول جميع أفراد ما يصدق عليه اسم الربا فيكون الكل محرماً. وأما السنة: فما ثبت في
الصحاح من كتب السنة عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله وَلتر أنه قال: ((الذهب بالذهب مثلاً بمثل يداً
بيد، والفضل ربا، والفضة بالفضة مثلاً بمثل يداً بيد، والفضل ربا. والحنطة بالحنطة مثلاً بمثل يداً بيد،
والفضل ربا - والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد، والفضل ربا - والشعير بالشعير مثلاً بمثل يداً بيد،
والفضل ربا. والتمر بالتمر مثلاً بمثل يداً بيد، والفضل ربا» وهذا حديث مشهور، تلقاه العلماء بالقبول
والعمل به ومثله حجة في الأحكام، ومداره على أربعة من الصحابة - رضوان الله عليهم - وهم: عمر بن
الخطاب، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو سعيد الخدري مع اختلاف ألفاظهم.
ووجه الدلالة فيه: أن قوله - وَلجر - ((مثلاً بمثل)) يدل بمفهومه على أن الزيادة لا تحل، سواء أكانت حالة أو
مؤجلة، ثم تأكد هذا المعنى بتصريحه - عليه الصلاة والسلام - بقوله: ((والفضل ربا))، فصار ربا الفضل
مندرجاً تحت أنواع الربا. وقد حرم الله الربا في كتابه، فكان هذا حراماً، ومثل ذلك ما جاء في بعض
الروايات من قوله - وَل ـ: ((فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى)). وهذا نص في الموضوع.
دليل المروي عن ابن عباس، ومن معه.
استدل لهم الفخر الرازي بما يأتي : -
أولاً - بالكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهِ الْبَيْعَ﴾ ووجه الدلالة فيه: أن لفظ البيع عام، يتناول بيع
الدرهم بالدرهمين، والربا خاص بربا النسيئة، الذي كان مشهوراً في الجاهلية، والحديث عنده خبر آحاد
لا ينهض مخصصاً للآية.
ثانياً - بالسنة؛ وهي حديث أسامة عند الشيخين، وغيرهما بلفظ: ((إنما الربا في النسيئة))، وزاد مسلم عن
ابن عباس ((لاَ رِبَا فِيْمَا كَانَ يَداً بيدٍ)».
=

٥٣
کتاب البيوع
وأخرج الشيخان عن أبي المنهال ((قال: سألت زيد بن أرقم، والبراء بن عازب عن الصرف فقالا: نهى
=
رسول الله - مَليل - عن بيع الذهب بالورق دينا)). ووجه الدلالة في هذه الأحاديث:
أن الرواية الأولى - قد قصرت الربا المحرم على ربا النسيئة فقط، والرواية الثانية - نصت على نفي الربا
عما إذا كان يداً بيد. أما الرواية الثالثة - قد صرحت بأن النهي عن الربا في حالة الدين فقط؛ ويؤخذ منه
بطريق المفهوم إباحته عند المناجزة.
وقد ناقش الجمهور أدلة المنسوب إلى ابن عباس ومن معه؛ لعدة مناقشات منها :
١ - لا نسلم أن لفظ الربا في الآية خاص، بل عام أيضاً، فكما أحلت الآية كل بيع إلا ما أخرجه الدليل -
حرمت كل ربا كذلك. ولا شك أن في ربا الفضل زيادة كربا النسيئة، بل هي فيه أوضح؛ ولذا سماه النبي
- وَ - ربا بقوله: «فَمَنْ زَادَ أوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَزْبَى))، فيكون مشمولاً بالآية.
٢ - لو سلمنا أن لفظ الربا خاص بربا النسيئة، فقد ألحقت السنة المشهورة به ربا الفضل، وليس صحيحاً
كون الحديث خبر آحاد - كما يقول الرازي : - بل هو مشهور يصح الاحتجاج به في الأحكام، وتجوز
الزيادة به على الكتاب عند الحنفية.
٣ - وأما رواية مسلم عن ابن عباس فموقوفة عليه.
٤ - ورواية الشيخين عن أبي المنهال لا دلالة فيها على حل ربا الفضل، أما عند القائلين بعدم حجية
المفهوم فظاهر، وأما القائلون بحجيته فيخصصونه بحديث أبي سعيد السابق، على أن هذا في كلام
الراوي .
٥ - أجابوا عن حديث أسامة بعدة إجابات منها:
أولاً - إنه منسوخ، وهذه إجابة ضعيفة؛ لأن النسخ لا يثبت إلا بدليل تاريخي، ولم يوجد. وأقوى من
هذه الأجوبة التالية وهي:
ثانياً - أن لفظ الربا في حديث أسامة محمول على الربا الأغلظ، فليس القصر حقيقياً، بل هو إضافي، أو
ادعائي .
ثالثاً - أن مفهوم حديث أسامة عام، يشمل حل التفاضل في هذه الأصناف، وغيرهما؛ وحديث أبي سعيد
خصص هذا المفهوم فمنع بمنطوقه التفاضل في الأصناف الربوية.
وقريب من هذا ما أجاب به الشافعي - رضي الله عنه - من أن حديث أسامة مجمل، وحديث أبي سعيد،
وعبادة مبين؛ فوجب العمل بالمبيّن، وتنزيل المجمل عليه. رابعاً - وهناك تأويل آخر لحديث أسامة يجيب
به بعض الفقهاء؛ وهو أنه كان إجابة لمن سأل عن بيع الحنطة بالشعير، أو الذهب بالفضة، فنقل الراوي
الإجابة، ولم ينقل السؤال؛ إما لعدم علمه، أو لعدم اشتغاله بنقله؟
قال صاحب المبسوط: ((وتأويل حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنه - أن النبي - ◌َّرَ - سئل عن مبادلة
الحنطة بالشعير والذهب بالفضة فقال النبي - وَ الله -: ((لاَ رِبَا إِلاّ في النَّسِيئَةِ))؛ فهذا بناء على ما تقدم من
السؤال، فكأن الراوي سمع قول رسول الله - وَّل ـ ولم يسمع ما تقدم من السؤال، أو لم يشتغل بنقله)).
يتبين جلياً من الأدلة السابقة، وتوجيهها ومناقشاتها - رجحانٌ مذهب الجمهور. على أن ما نسب إلى ابن
عباس، ومن معه ثبت رجوعهم عنه، ولم يصدر ابن عباس في هذا الرأي، الذي رآه أولاً فيما ينسبه إليه
الناسبون. عن سنة عملية رآها بنفسه من رسول الله - وَلير - أو حفظها منه. بل كان اجتهاداً منه؛ ولذا لما =

٥٤
كتاب البيوع
أمَّا ربا الفضل: فهو زيادةُ عين مالَ شرطت في عقد البَيْع، على المعيار الشّرعي؛ وهو
الكيل أو الوزن في الجِنْس عندنا، وعند الشَّافعي: هو زيادةٌ مطلقةٌ في المطْعوم خاصَّة، عند
اتحاد الجنس خاصة.
بين له أبو سعيد الخدري خطأه في ذلك لم يقو على الدفاع عن رأيه، ولم يبين لأبي سعيد سنة حفظها
=
عن رسول الله - وَّ ر - في ذلك، بل اعترف لعمر وابنه أنهما حفظا عن رسول الله - وَليو - ما لم يحفظ.
ورجع عن رأيه، بل استغفر الله منه. وعده ذنباً أذنبه - فلا يليق بفقيه عنده مسكة من دين أن يرتب ثمرة
على رأي رجع عنه صاحبه، ولا يعده خلافاً. بل يجيب المصير إلى رأي الجمهور، فيد الله مع الجماعة.
ويحسن أن نذكر هنا نصوص بعض العلماء والمصنفين في الموضوع («قال الترمذي على حديث أبي
سعيد: العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي - نَّر - وغيرهم)) قال البيهقي في المعرفة: ((بأنه يحتمل أن
الراوي اختصره، فيكون النبي ( 98 سئل عن الربا في صنفين مختلفين ذهب بفضة أو تمر بحنطة فقال:
((إنما الربا في النسيئة)) فأداه دون مسألة السائل قال: وكبار الصحابة كلهم يقولون بربا الفضل. وعثمان بن
عفان، وعبادة بن الصامت أقدم ضحية من أسامة، وأبو هريرة، وأبو سعيد أكثر حفظاً عن النبي - وَله -
وقد وردت أحاديثهم بذلك، فالحجة فيما رواه الأكبر، والأحفظ، والأقدم أولى)).
والذي روى رجوع ابن عباس أشخاص كثيرون منهم جابر بن زيد، وابن سيرين، والحازمي في الناسخ
والمنسوخ، ومسلم، أخرج مسلم عن أبي نضره قال: ((سألت ابن عباس عن الصرف فقال: إلا يداً بيد
فقلت: نعم قال: فلا بأس فأخبرت أبا سعيد فقال: أو قال ذلك إنا سنكتب إليه فلا يفتيكموه)). وله من
وجه آخر عن أبي نضرة سألت ابن عمر، وابن عباس عن الصرف، فلم يريا به بأساً، وإني لقاعد عند أبي
سعيد فسألته عن الصرف فقال: ((ما زاد فهو ربا». فأنكرت ذلك لقولهما.
فذكر الحديث: قال فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عن الصرف فكرهه؛ وقد روى الحازمي أنه سمع
عمر بن الخطاب وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله - يوليو - بما يدل على تحريم ربا الفضل فقال حفظتهما
عن رسول الله - وَّر ما لم أحفظ. ورجع عند قوله. وروي أيضاً أنه قال: كان ذلك لأبي وهذا أبو سعيد
الخدري يحدثني عن رسول الله - ◌َّله- فتركت رأيي إلى حديث رسول الله - وَّول -: وقال في المبسوط روي
عن ابن عباس - رضي الله - تعالى عنهما أنه كان يجوّز التفاضل في هذه الأموال، ولا معتبر بهذا القول؛ فإن
الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ولم يسوغوا له هذا الاجتهاد على ما روي أن أبا سعيد الخدري - رضي الله
تعالى عنه - مشى إليه فقال: يا ابن عباس إلى متى تأكل الناس الربا أصحبت رسول الله - وَ ﴾ - ما لم نصحب؟
أسمعت منه ما لم نسمع؟ فقال: لا .. ولكن حدثني أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - وَلا -
قال: لا ربا إلا في النسيئة فقال: ((والله لا آواني وإني وإياك ظل بيت ما دمت على هذا القول.
وقال جابر بن زيد - رضي الله تعالى عنه -: ما خرج ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - من الدنيا حتى
رجع عن قوله في الصرف، والمتعة فإن لم يثبت رجوعه، فإجماع التابعين رحمهم الله بعده يرفع قوله.
قال محمد بن سيرين: ((كنا في بيت ومعنا عكرمة فقال رجل: يا عكرمة، تذكر ونحن في بيت فلانة .
ومعنا ابن عباس، فقال: إنما كنت استحللت الصرف برأيي، ثم بلغني أنه - وَلو ــ حرمه فاشهدوا أني
حرمته وبرئت منه إلى الله.
ينظر الربا لشيخنا سليمان محمد، المبسوط ١١٠/١٢ الزيلعي ٨٦/٤، الفخر الرازي ٣٥٨/٢، نيل
الأوطار ١٦٣/٥ المغني ١٢٣/٤.

٥٥
كتاب البيوع
وأما ربا النساء: فهو فضل الحلول على الأجل، وفضل العين على الدّين في المكيلين أو
الموزُونين، عند اختلاف الجِنْس، أو في غير المكيلَيْن أو الموزونَيْن عند اتحاد الجنس عندنا،
وعند الشَّافعي - رحمه الله -: هو فضل الحلول على الأجلِ في المطْعُومات والأثمان خاصّة،
والله تعالى أعلم.
وأما الثاني: وهو بيان العلَّة فنقول: الأصل المعلُول في هذا الباب بإجْمَاعِ القائسين
الحديث المشهور؛ وهو ما رَوى أبو سَعِيدِ الخُذْرِيِّ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتَ - رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا -
عن النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: ((الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلاً بِمِثْلٍ يَدأَ بِيَدٍ وَالفَضْلُ رِباً،
وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلاَ بِمِثْل يَداً بِيَدِدِ وَالفَضْلُ رِباً، وَالثَّمْرُ بِالتَّعْرِ مِثْلاً بِمِثْلَ يَداً بِيَدٍ، وَالفَضْلُ رِباً،
وَالِمِلْحُ بِالْمِلْحَ مِثْلاَ بِمِثْلٍ يَداً بِيَدٍ، وَالفَضْلُ رِبَاً، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ مِثْلاَ بِمِثْلٍ يَداً بِيَدٍ، وَالفَضْلُ
رِباً، وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثَلَا بِمِثْلٍ يَداً بِيَدٍ، وَالفَضْلُ رِبا))(١) أي: بيعوا الحِنْطةَ بالحنطة مثلاً بمثل
يداً بيد.
وروي: ((مثلٌ بمثل)) بالرفع، أي: بيع الحِنْطة بالحنطة مثل بمثلٍ يدٌ بيد - جائزٌ، فهذا
النص معلُولٌ باتفاق القائسين، غير أنَّهم اختلفوا في العلّة، قال أصحابنا: علة رِبَا الفَضْل في
الأشياء الأربعة المنصوص عليها الكَيْل مع الجنس، وفي الذَّهبِ والفضة الوزن مع الجنس، فلا
تتحقّق العلّة إِلا باجتماع الوصفين، وهما القدر والجنس؛ وعلَّ ربا النّساء هي أحد وضفي عّة
ربا الفضل.
أما الكَيْل أو الوزن المتّفق أو الجنس، وهذا عندنا، وعند الشَّافعي: علَّة ربا الفضل في
الأشياء الأربعة الطعم، وفي الذهب والفضة الثَّمنية في قول، وفي قولٍ: هما غير معلُولين؛
وعلَّة ربا النّساء ما هو علة رِبَا الفَضْلُ، وهي الطعم في المطعومات، والثمنية في الأثمان دون
الجِئْس؛ إِذ الأَصل عنده حرمة بيع المطْعُوم بجنسه(٢).
(١) أخرجه مسلم (١٢١٠/٣) كتاب المساقاة: باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً حديث (١٥٨٧/٨٠)
وأبو داود (٦٤٣/٣) كتاب البيوع: باب في الصرف حديث (٣٣٤٩) والترمذي (٥٤١/٣) كتاب البيوع:
باب ما جاء أن الحنطة بالحنطة مثلاً بمثل حديث (١٢٤٠) والنسائي (٢٧٤/٧ - ٢٧٥) كتاب البيوع: باب
بيع البر بالشعير، وابن ماجه (٧٥٧/٢) كتاب التجارات: باب الصرف (٢٢٥٤) وأحمد (٣١٤/٥)
والدارمي (٢٥٨/٢ - ٢٥٩) كتاب البيوع: باب في النهي عن الصرف والدارمي (٢٥٩/٢) كتاب البيوع:
باب في النهي عن الصرف والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٦٦/٤) وابن الجارود رقم (٦٥٠)
والدار قطني (٢٤/٣) كتاب البيوع حديث (٨٢) والبيهقي (٢٧٧/٥ - ٢٧٨).
وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) وتفصيل القول في بيان العلة نقول: مذهب الحنفية: قالوا: علة تحريم الربا في الأصناف في الحديث
السابق: الجنس مع الكيل في المكيل، أو مع الوزن في الموزون فيحرم الفضل والنساء بوجودهما معاً، =

٥٦
كتاب البيوع
والنساء فقط بوجود أحدهما، والمراد بالكيل نصف الصاع فما فوق، وبالوزن ما ينسب إلى الرطل مثل
=
الحية لكن حقق العلامة الكمال بن الهمام في فتح القدير: عدم التقييد بنصف الصاع في الكيل، وبما
ينسب إلى الرطل في الوزن، وقال: لو فرضنا أن بلداً تعاملت بمكيال دون الحفنة؛ لكان ذلك المكيال
أداة للتقدير. وتقييد الشارع بنصف الصاع في الكفارات، لا يدل على إهدار غيره. والمراد بالجنس ما
اختلف اسمه الخاص، والمقصود منه كالحنطة والذرة والشعير، وعلى هذا فالمال الربوي عندهم هو كل
مكيل أو موزون اتحد جنسه، أو اختلف، وكل متحد الجنس، وإن لم يكن مكيلاً أو موزوناً.
مذهب المالكية: أما المالكية فقد عللوا الذهب والفضة بعلة واحدة قاصرة هي النقدية، أي: كونهما
جوهر الأثمان، وبقية الأصناف بالاقتيات والادخار، وعلى هذا فالمال الربوي عندهم هو الذهب والفضة،
وكل قوت مدخر؛ فأما ما يقتات، ولا يدخر، أو يدخر، ولا يقتات ففيه خلاف عندهم؛ وأما ما ليس
قوتاً، ولا مدخراً كالفاكهة فليس مالاً ربوياً عندهم. هذا بالنسبة لربا الفضل؛ وأما علة ربا النسيئة فمطلق
الطعم، ولو فاكهة.
مذهب الشافعية: علل الشافعية تحريم الربا في الذهب والفضة المنصوص عليهما في الحديث السابق بعلة
واحدة قاصرة هي: كونهما جنس الأثمان غالباً، ومنهم من يقول كونهما قيم الأشياء، جزم به الشيرازي
في التنبيه، وحكاه النووي في المجموع. ومن أصحابنا من جمع بين هذين التعبيرين، ولنا وجه ضعيف
غريب: أن تحريم الربا فيهما لعينهما، لا لعلة - حكاه المتولي وغيره. ونص الشافعي في الأم ((والذهب
والورق مباينان لكل شيء، لأنهما أثمان كل شيء، ولا يقاس عليهما شيء من الطعام ولا من غيره)»، وأما
الأصناف الأربعة المذكورة في الحديث، فعللها الجديد من مذهبنا بكونها مطعومة، والقديم تعليلها بكونها
مطعومة مكيلة، أو موزنة، والتفريع على الجديد. والمراد بالمطعوم عندنا ما يقصد لطعم الآدميين اقتياتاً،
أو تفكهاً، أو تداوياً؛ ولو لم يكن مدخراً ولا مكيلاً، وإن لم يؤكل إلا في حالة الضرورة.
وعلى هذا، فلا يجري الربا عندنا إلا في الذهب، والفضة، والمطعومات.
مذهب الحنابلة: روى عنه الإمام أحمد ثلاث روايات في تعليل الأصناف الستة أشهرها: أن علة الحرمة
في الذهب، والفضة؛ كونهما موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة؛ كونهما مكيل جنس وهذه الرواية
نقلها الجماعة عن أحمد، وقد ذكرها الخرقي وابن أبي موسى، والرواية الثانية - أن العلة في الأثمان
الثمنية وفيما عداها؛ كونه مطعوم جنس - فيختص بالمطعومات، ويخرج منه ما عداها. قال أبو بكر:
روى ذلك عنه جماعة ولم يسمهم.
والرواية الثالثة - العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلاً، أو موزوناً؛ وعلى هذا فالمال
الربوي عند الحنابلة، كل مكيل، أو موزون اتحد جنسه، أو اختلف على الرواية الأولى، أما على الرواية
الثانية فهو كجديد الشافعية: الذهب والفضة والمطعومات، وعلى الثالثة في المطعومات كالقديم عند
الشافعية، أما الذهب والفضة فكالرواية الأولى.
فائدة: هذه مذاهب الفقهاء الأربعة في التعليل وما يتبعه، وهي كما ترى منقسمة انقساماً إجمالياً إلى ما
يأتي : -
أولاً - إن العلة هي الجنس، والمعيار الشرعي في الأصناف كلها، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في
الرواية الأولى، ويروى عن النخعيّ، والزهري، والثوري، وإسحق وأصحاب الرأي.
=

٥٧
كتاب البيوع
..
ثانياً - من يرى أن العلة في الذهب، والفضة كونهما أثمان الأشياء وفي غيرهما. المطعومية؛ وهو المذهب
=
الجديد لإمامنا الشافعي ورواية عن أحمد.
ثالثاً - من علل الأصناف الأربعة بالطعم والمعيار، وهو قديم مذهب الشافعية، والرواية الثالثة عن أحمد.
رابعاً - علل الأصناف الأربعة بالاقتيات، والإدخار، والذهب، والفضة بالثمنية، كالشافعي، وهو مذهب
مالك. وبتعبير آخر يمكن به ضبط المذاهب المذكورة بحسب الأصناف؛ فيقال هكذا.
١ - الذهب والفضة: منهم من عللهما بكونهما ثمن الأشياء، وهو مذهب الشافعي، ومالك ورواية عن
أحمد؛ ومنهم من عللها بالوزن، من الجنس، وهو مذهب أبي حنيفة ومن وافقه.
٢ - بقية الأصناف: منهم من عللها بالمطعومية فقط، وهو جديد الشافعي، والرواية الثانية عن أحمد، أو
بالطعم والمعيار وهو قديم الشافعي، ورواية أخرى عن أحمد؛ ومنهم من عللها بالاقتيات، والادخار،
وهو مذهب مالك، أو بالجنس مع المعيار، وهو مذهب أبي حنيفة، ومن وافقه. وهناك مذاهب أخرى
نذكر منها ما يأتي :
١ - ابن سيرين، يرى أن العلة تقارب المنفعة في البدلين.
ب - سعيد بن جبير، يرى أن العلة كونهما جنساً.
جـ ـ وربيعة، يرى أن العلة كونهما مما تجب فيه الزكاة.
دليل الحنفية: استدلوا على مذهبهم في تعيين العلة بالجنس مع الكيل، أو الوزن بأدلة من المنقول،
والمعقول. فأما المنقول :
١ - حديث الأصناف الستة السابق، ووجه الدلالة فيه، أنه عرف الجنس بقوله: «الذَّهَبْ بالذَّهَبِ والفِضَّةُ
بالفِضَّةِ ... الخ)). ثُمَّ عرف القدر باشتراط المماثلة، وذلك أن المماثلة لا تكون إلا حيث يوجد المعيار.
٢ - إن هذا الحديث روي بزيادة في آخره تدل على دخول كل مكيل، أو موزون. تلك الزيادة هي قوله -
وَه -: ((وَكَذَلِكَ كُلّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ)) رواها مالك بن أنس، واسحق الحنظلي كما سبق؛ وهو بهذه الزيادة
تنصيص على تعدية الحكم إلى سائر الأموال المكيلة، أو الموزونة.
٣ - في حديث ابن عمرٍ - رضي الله عنه - السابق أن النبي - نََّ - قال: ((لاَ تَبِيعُوا الدُزْهَمَ بالدَزْهَمْينِ، وَلاَ
الصَّاعُ بِالصَّاعَيْنِ فإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الربا. أي الربا)»: ووجه الدلالة واضح إذ لم يرد بالصاع عينه، وإنما
أراد ما يكال به؛ وهو عام.
٤ - وفي حديث عامل خيبر: ووجه الدلالة فيه، ما جاء من قول الرسول - وَ طير - ((وكذلك الميزان)) يعني
ما يوزن بالميزان، فيتبين بهذا الدليل عموم الحكم في الأشياء الستة المنصوص عليها في الحديث،
وغيرها من الأموال المكيلة، أو الموزونة من دون فرق بين مطعوم وغيره.
وأما المعقول: فقالوا : -
- تحرم الزيادة الحاصلة في الأموال بدون مقابل، ولا تتحقق المقابلة إلا بالمماثلة؛ والمماثلة لاتثبت إلا
بالمعيار والجنس، فالمعيار يسوي الذات، والجنس يسوي المعنى.
- ليس المال قاصراً على المطعومات فحسب؛ لأن الشارع الحكيم يرمي إلى صيانة الأموال كلها عن
الضياع.
دليل الشافعية :
=

٥٨
كتاب البيوع
.....
- استدل الشافعية على مذهبهم بالمنقول والمعقول، فأما المنقول: فحديث عبادة الذي نص على الأصناف
=
الستة، ووجه الدلالة فيه؛ أنه ذكر الذهب، والفضة، والأصناف الأربعة، والذهب والفضة فيهما معنى لا
يتعدى لغيرهما، وهو كونهما ثمن الأشياء، وأما بقية الأصناف، فالمعنى الموجود فيها، وهو الطعم يوجد
في غيرها.
- ما روى معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله - وَل﴿ - يقول: ((الطَّعَامُ بالطَّعَامِ مِثْلاَ بِمِثْلٍ)) رواه
مسلم. ووجه الدلالة فيه ما قاله أصحابنا: من أن الطعام المذكور في الحديث عام، يتناول جميع ما
يسمى طعاماً.
وأما المعقول: فقالوا :
- في الذهب والفضة، أنه لو كان التحريم فيها لمعنى يتعداها إلى غيرها لم يجز إسلامهما في غيرهما؛
لأن كل شيئين جمعتهما علة واحدة في الربا لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر كالذهب والفضة. والحنطة
والشعير. فلما جاز إسلام الذهب والفضة في الموزونات، والمكيلات وغيرهما من الأموال، دل على أن
العلة فيهما بمعنى لا يتعداهما لغيرهما؛ وهو أنهما جنس الأثمان.
- ولأن الحب ما دام مطعوماً يحرم فيه الربا بمعنى إذا زرع وخرج من أن يكون مطعوماً بصيرورته نباتاً
أخضر إلى انعقاد به ثانية لم يحرم فيه الربا؛ فإذا انقسم الحب وصار مطعوماً، حرم فيه الربا؛ فدل على أن
العلة فيه؛ كونه مطعوماً.
دليل الحنابلة: علمنا أن الحنابلة لهم روايات ثلاث:
إحداها - كالحنفية، فدليل الحنفية دليلهم فيها.
ثانيها - كالجديد عند الشافعية، فالدليل للشافعية دليلهم.
ثالثها - في المطعومات كالقديم عند الشافعية ودليلها: نهى رسول الله - وَ طير -: ((أَنَّ يُبَاعَ الطَّعَامُ بالطَّعَامِ؛
إِلاَّ كَيْلاً بِكَيْل)». ووجه الدلالة فيه: أنه نص على اعتبار الكيل في الطعام فدل على أن المحرم فيه الربا هو
ما يمكن كيله من الطعام.
دليل المالكية: استدل المالكية؛ بأن حديث الأصناف الستة نص على النقدين، والأصناف الأربعة، وما
في النقدين لا يتعداهما إلى غيرهما، أما الأصناف الأربعة؛ فهي رمز للقوت وما يصلح به. رمز للأول،
بالبر والشعير والتمر. وللثاني بالملح.
أما المعقول فقالوا: إن القوت به قوام الأبدان فاقتصر عليه.
مناقشة دليل الحنفية: أجاب أصحابنا عن حديثهم بثلاثة أجوبة :
أحدها - جواب البيهقي. قال: قد قيل إنَّ قوله: ((وكذلك الميزان)) من كلام أبي سعيد الخدري موقوفاً
عليه .
ثانيها - جواب القاضي أبي الطيب وآخرين: أن ظاهر الحديث غير مراد فإن الميزان نفسه لا ربا فيه،
وأضمرتم فيه الموزون، ودعوى العموم في المضمرات لا تصح.
ثالثها - أنه يحمل الموزون على الذهب والفضة جمعاً بين الأدلة، وأما المعقول: فأجابوا عنه، بأن صيانة
الأموال بالأثمان والأبدان بالطعام فتحقق مقصود الشارع.
مناقشة الشافعية : - نوقش استدلالهم بحديث الأصناف الستة، بأنه إفراد فرد من أفراد العام بحكمه؛ وهو =

٥٩
کتاب البيوع
لا يخصصه، ويعنون بالعام كل مكيل، أو موزون؛ وهو من قبل الحنفية.
=
- استدلالهم بالحديث الثاني الذي رواه معمر فيه المناقشة السابقة.
- قال الحنفية: إن الطعام مختص بالبر، ودفعت هذه المناقشة بأنَّ الشواهد قائمة على عموم لفظ الطعام
في البر وغيره، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعِمْهُ فإِنَّه منّ﴾ والضمير عائد على الماء، وفي حديث أبي
ذر في قصة إسلامه قال: قال رسول الله - رَّه -: ((فَمَنْ كَانَ يُطَعِمَكَ)) قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلاَّ ماءُ زَمْزَمَ
فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَثِّرَتْ عكن بَطْنِي. وقال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طَعْم)) وقال الشاعر
العربي (لبيد) (الكامل):
لمعفر قهد ينازع شلوه غبساً كواسب لا يمن طعامها
والمراد بالطعام الفريسة، وفي حديث عن عائشة أنها قالت: ((مَكَثْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - وَّه ◌ِ زَمَنَاً مَا لَنَا طَعَامٌ
إِلاَّ الأسْوَدَان الماءُ والتَّمْرُ)) وقوله تعالى ﴿وطَعَامُ الَّذِيْنَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌ لَكُمْ وطَعَامَكُمْ الماءُ حِلٌ لَهُمْ﴾
والمراد حل الذبائح؛ وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلية مبدأ الاشتقاق كالسارق في وجوب القطع،
وأجاب الحنفية عن معقولهم الأول، بأن الذهب، والفضة جاز إسلامهما في غيرهما إجماعاً: فكان هذا
الاستثناء مجمعاً عليه. وعن الثاني - أن الحب الذي زرع، وصار نباتاً، لم يجر فيه الربا، لكونه لا يدخله
المعيار الشرعي، وهو الكيل أو الوزن لا لكونه غير مطعوم.
مناقشة المالكية : - ويناقش دليل المالكية، بأن الحطب يصلح به القوت، ولا يقولون بجريان الربا فيه.
- ويقال لهم في المعقول: إن الدواء به قوام البدن كالقوت.
مناقشة الحنابلة: علمنا في الاستدلال، أن دليل الحنابلة، كدليل الحنفية وجديد الشافعية وقديمهم؛ فما
ورد من المناقشات على الحنفية وجديد الشافعية يرد عليهم، أما الرواية الموافقة لقديم الشافعية فتناقش،
بأنه زیادة «إلا کیلاً بکیل» لم تثبت.
يظهر مما سبق من الأدلة، والمناقشات ما يأتي : -
أولاً - ما استدل به كل من المختلفين من المنقول، إما معارض أو محل بحث، وإلا فلو ثبت أحد تلك
النصوص على وجه الصحة بدون معارضة؛ لتعين المصير إليه.
ثانياً - أما المعقول؛ فإن الشارع يشدد في المعاملات قصد الرفع التغابن بين المتعاملين، ومحافظة على المال،
والمال شقيق الروح؛ إذ به المصالح الحيوية، وليس المال قاصراً على المطعوم بل المال كل متمول،
والتفاوت بالوصف أهدر بالنص، وهو قوله ـ رَّهـ: ((جَيِّدُهَا ورديئها سَوَاءٌ)) وبالعدد أهدر بالإجماع، فتعين
المصير إلى القول بالتفاوت بالجنس والمعيار؛ وهو رأي الحنفية، ومن يوافقهم. وذلك؛ لأننا نجد ضرورة
الحياة ليست قاصرة على المطعوم فحسب. ولو سلمنا ذلك؛ لكان غير المطعوم مكملاً للضروري، وقد تقرر
في الأصول أن مكمل الضروري يعطي حكمه، فكانت وجهة الحنفية وموافقيهم من حيث المعقول أتم، وأظن
لو أدرك إمامنا الشافعي، أو الإمام مالك وقتنا هذا؛ لا يتردد في القول بمنع التفاوت في غير المطعومات. فقد
أصبحنا نشاهد رأي العين ولمس اليد، أن المسمار، والقصدير، والحديد، والنحاس لا تقل في الأهمية عن
السكر، والزيت، فلم تفرق وزارة التموين الآن بين مطعوم وغيره. بل جمت تلك الأشياء وعدتها كلها
ضرورية، وأدخلتها تحت اسم التموين .
=

٦٠
كتاب البيوع
وأما التَّساوي في المعيار الشّرعي مع اليد، مخلص من الحُزْمة بطريق الرُّخصة، احتج
الشافعي لإثباتِ هذا الأصل بما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: ((لاَ
١٩٢/٣ تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ، إِلاَّ سَوَاءَ بِسَوَاء)) (١) هذا الأصل يدل على أن الأصل حرمة/ بيع المطْعُوم
بجنسه، وإنما الجواَز بعارض التَّساوي في المعيار الشّرعي؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - نهى
عن بيع الطّعام بالطَّعام مطلقاً، واستثنى حالة المساواة، فيدلُّ على أن الحرمة هي الأصْل في
بيع المطْعُوم بالمطعوم، من غير فصل بين القَلِيل والكثير؛ وفيه دليلٌ أيضاً على جعل الطّعم
علّة؛ لأنه أثبت الحُكْم عَقِيب اسم مشتقّ من معنىّ.
والأصل: أن الحُكْم إذا ثبت عَقِيب اسم مشتقّ من معنى، يصير موضع الاشتقاق علَّة
للحكم المذْكُور؛ كقوله تعالى جلَّ وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة،
٣٨] وقوله سبحانه وتعالى: ﴿الزَّانيَةُ وَالزَّانِي فَأَجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَائَةً جَلْدَةٍ﴾ [سورة النور، ٢]
والطّعام اسم مشتق من الطّعم، فيدلّ على كون الطعم علّة؛ ولأن العلّة اسم لوصف مؤثّر في
الحكم، ووصف الطعم مؤثّر في حرمة بيع المطْعُوم؛ والحكم متى ثبت عقيب وصف مؤثّر،
يحال إليه؛ كما في الزِّنا والسَّرقة ونحو ذلك.
وبيان تأثير الطّعم؛ أنه وصف ينبئ عن العزّة والشّرف؛ لكونه متعلّق البقاء، وهذا يشعر
بعزَّته وشرفه، فيجب إِظْهَار عزَّته وشرفه، وذلك في تحريم بيع المطْعُوم بجنسه، وتعليق جوازه
بشرطي التَّساوي في المعيار الشّرعي واليد؛ لأنَّ في تعلَّقه بشَرطين تضييق طريق إِصابته، وما
ضاق طريق إصابَتِه يعزّ وجوده، فيعِزّ إمساكه، ولا يهون في عين صاحبه، فكان الأَضْل فيه هو
الحَظْر؛ ولهذا كان الأصل في الأبضاع الحرمة والحظر، والجواز بشرطي الشَّهادة والولي
إظهاراً لشرفها؛ لكونها منشأ البشر الذين هم المقْصُودون في العالمِ، وبهم قوامِها، والأبضاع
وسيلة إلى وجود الجِنْس، والقوت وسيلة إلى بقاء الجِنْس، فكان الأصل فيها الحَظْر، والجواز
بشَرْطَين؛ ليعزّ وجودُه ولا تتيسَّر إصابته، فلا يهون إِمساكه، فكذا هذا.
قال ابن رشد في ((بداية المجتهد)» أثناء موازنته بين أدلة الحنفية، وغيرهم: ((وكذلك إذا تؤمل الأمر من
=
طريق المعنى ظهر - والله أعلم - أن علتهم أولى العلل؛ وذلك أنه يظهر من الشرع أن المقصود بتحريم
الربا إنما هو لمكان الغبن الكثير الذي فيه، وأن العدل في المعاملات إنما هو بمقاربة التساوي)) والله تعالى
أعلم.
ينظر: الربا لشيخنا سليمان محمد المجموع (٣٩٢/٩) المغني والشرح الكبير (١٢٥/٤، ١٢٦).
(١) أخرجه مسلم (١٢١٤/٣) كتاب المساقاة: باب بيع الطعام مثلاً بمثل حديث (١٥٩٢/٩٣) وأحمد (٦/
٤٠٠) والدار قطني (٢٤/٣) كتاب البيوع، والبيهقي (٢٨٣/٥) كتاب البيوع: باب جواز التفاضل في
الجنسین.