النص المفهرس

صفحات 1-20

تَرَائُ الضَنَّائِهِ
في ترتيب الشرائح
تأكیف
الإِمَا مَ عَلَاءِ الدِّين أَيْ بَكَرْ بن مَسْعُود
الكَاسَاني لحَنفي
المتوفى سنة ٥٨٧ هـ
تَمِيق وَتَعَلِق
الشيخ عَادل أحمد عبد الموجود
الشيخ عَلى محمّد معوض
الجزء السّاربع
يَحَتَوَي على الكتب التَّالية:
تتمة كتاب البيوع ~ الكفَالة - الحَوَالة
الوكالة - الصُلِح - الشركة
منشورات
محمد عَلى بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

منشوراتْ حَّد ◌َعَليُ بيضوت
دار الكتب العلمية.
جميع الحقوق محفوظة
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً
Exclusive rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be translated,
reproduced, distributed in any form or by any means,
or stored in a data base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle ou morale
d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur
cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production
écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée
de l'éditeur.
الطبعة الثانية
٢٠٠٣ م - ١٤٢٤ هـ
دار الكتب العلمية.
بَيرُوت - لبْنَان
رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت
الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية
هاتف وفاكس: ٨٠٤٨١٠/١١/١٢/١٣ (٥ ٩٦١+)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Raml Al-Zarif, Bohtory Str., Melkart Bldg. 1st Floor
Head office
Aramoun - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg.
Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13
P.O.Box: 11-9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kutub Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Raml Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, 1er Étage
Administration général
Aramoun - Imm. Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13
P.P: 11-9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-0417-9
90000>
9 782745 104175
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

بِسْـرَّهِالرَّنِ الرَّحِ
(بقية كتاب البيوع - شرائط الصحة)
ومنها الخلو عن الشّروط الفاسدة (١)، وهي أنواع : - منها: شرط في وجوده وغرر؛ نحو
ما إذا اشترى ناقة على أنها حامل؛ لأن المشروط لا يحتمل الوجود والعدم، ولا يمكن الوقوف
عليه للحال؛ لأن عظم البطن والتحرّك يحتمل أن يكون لعارض داءٍ أو غيره، فكان في وجوده
غرر فيوجب فساد البيع؛ لما روي عن رسول اللهِ وَّرِ (أَنَّهُ نَّهَى عَنْ بَيْعٍ وَغَرَرٍ))(٢)، والمنهي عنه
(١) والشرط الفاسد: هي زيادة ما لا يقتضيه العقد ولا يلائمه.
(٢) أخرجه مسلم (١١٥٣/٣) كتاب البيوع: باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر حديث (١٥١٣/٤)
وأبو داود (٢٥٤/٣) كتاب البيوع: باب في بيع الغرر حديث (٣٣٧٦) والترمذي (٥٣٢/٣) كتاب البيوع:
باب ما جاء في كراهية بيع الغرر حديث (١٢٣٠) والنسائي (٢٦٢/٧) كتاب البيوع: باب بيع الحصاة،
وابن ماجه (٧٣٩/٢) كتاب التجارات: باب النهي عن بيع الحصاة حديث (٢١٩٤) وأحمد (٣٧٦/٢،
٤٣٦، ٤٣٩) والدارمي (٢٥١/٢) كتاب البيوع: باب النهي عن بيع الغرر، (٢٥٤/٢) كتاب البيوع: باب
في بيع الحصاة، وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٥٩٠) والدارقطني (١٦.١٥/٣) كتاب البيوع رقم
(٤٧) والبيهقي (٢٦٦/٥) كتاب البيوع: باب من قال لا يجوز بيع العين الغائبة والبغوي في ((شرح
السنة)). (٤/ ٢٩٧ . بتحقيقنا) كلهم من طريق عبيد الله عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: نهى
رسول الله وَلقر عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال البغوي: هذا حديث صحيح.
وللحديث شواهد من حديث ابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وسعيد بن المسيب مرسلاً وسهل بن
سعد الساعدي.
. حديث ابن عمر.
أخرجه ابن حبان (١١٥ - موارد) والبيهقي (٣٣٨/٥) كتاب البيوع، كلاهما من طريق المعتمر عن أبيه عن
نافع عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ◌َّر عن بيع الغرر.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (٦/٣) وإسناده حسن صحيح وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٩٤/٧) من
طريق معاوية عن سفيان عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر به. وقال أبو نعيم: تفرد به معاوية
عن سفيان.
وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٦ / ٣٦٥ - ٣٦٦) من طريق إسحاق بن حاتم العلاف ثنا يحيى بن سليم
عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر به.
حديث ابن عباس
٣
=

٤
كتاب البيوع
فاسدٌ، وروى الحسن بن زيادٍ، عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما - أن البيع بهذا الشَّرط جائز؛
لأن كونها حاملاً بمنزلة شرط كون العبد كاتباً أو خياطاً ونحو ذلك، وذا جائز، فكذا هذا(١).
أخرجه ابن ماجه (٧٣٩/٢) كتاب التجارات: باب النهي عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر حديث (٢١٩٥)
=
وأحمد (٣٠٢/١) والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٧/ ٣) كلهم من طريق أيوب بن عتبة عن يحيى بن أبي
كثير عن عطاء عن ابن عباس قال نهى رسول الله وَّر عن بيع الغرر.
ومن طريق أيوب أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٥٤/١١) رقم (١١٣٤١).
وقال البوصيري في ((الزوائد» (١٧١/٢): هذا إسناد ضعيف لضعف أيوب بن عتبة قاضي اليمامي.
وللحديث طريق آخر عن ابن عباس.
أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٥٤/١١) رقم (١١٦٥٥) من طريق النضر أبي عمر عن عكرمة عن ابن
عباس أن النبي وَّ نهى عن بيع الغرر.
قال الهيثمي في ((المجمع)) (٨٣/٤): رواه الطبراني في الكبير وفيه النضر أبو عمر وهو متروك.
- حديث أنس بن مالك.
أخرجه أبو يعلى (١٥٤/٥ - ١٥٥) رقم (٢٧٦٧) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن عن
أنس قال: قال رسول الله وَله: ((لا تلامسوا ولا تناجشوا ولا تبايعوا الغرر ولا يبيعن حاضر لباد)).
وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٨١/٤) وقال: رواه أبو يعلى وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو
ضعيف وذكره الحافظ في ((المطالب العالية)) (٣٩٩/١) رقم (١٣٣٧) وعزاه لأبي يعلى.
- حديث سهل بن سعد.
أخرجه الطبراني في «الأوسط)) كما في («مجمع الزوائد» (٨٣/٤) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح
خلا إسماعيل بن أبي الحكم الثقفي وثقه أبو حاتم ولم يتكلم فيه أحد.
مرسل سعيد بن المسيب.
أخرجه مالك (٦٦٤/٢) كتاب البيوع: باب بيع الغرر حديث (٧٥) والبيهقي (٣٣٨/٥) كتاب البيوع،
والبغوي في ((شرح السنة)» (٢٩٧/٤ - بتحقيقنا) من طريق أبي حازم بن دينار عن سعيد بن المسيب أن
رسول الله ◌َّ نهى عن بيع الغرر.
قال البيهقي : هذا مرسل.
وقال البغوي: هكذا رواه مالك مرسلاً وقد صح موصولاً.
(١) والشروط عند الإمام الشافعي: فالذي يؤخذ من كتب المذهب المختلفة، أن الشرط الواقع في العقد
ينقسم إلى الأنواع الآتية :
النوع الأول - الشرط الذي يقتضيه العقد وهو ما يكون الملتزم به حكماً من أحكام العقد وأثر من آثاره،
وحكم هذا النوع؛ أن لا يضير العقد ذكره، ولا ينقض إهماله، لثبوت موجبه ومقتضاه في الحالتين،
وذلك كاشتراط المشتري في عقد البيع أن ينتفع بالعين المشتراه كيف شاء، وأن يتصرف فيها بجميع ما
يملكه من التصدقات من بيع، وإجارة، وهبة، ورهن، وقف وغير ذلك؛ فإن هذه الأمور تثبت للمشتري
بمقتضى عقد البيع سواء شرطها في العقد أم لا .
ومثال ذلك أيضاً: اشتراط المرتهن في عقد الرهن، أن يكون مقدماً في الاستيفاء من العين المرهونة على
سائر الغرماء؛ واشتراط الشركاء في عقد الشركة، تقسيم الربح الناتج منها بنسبة يملكه كل واحد منهم =

كتاب البيوع
في رأس المال، أو ألاَّ يتصرف أحدهم في مال الشركة تصرفاً يعود بالضرر على باقي الشركاء؛ كالبيع
=
بغير فاحش، والسفر لغير حاجة وغير ذلك؛ فهذه كلها أحكام تثبت بمقتضى عقد الرهن، والشركة سواء
نص عليها أم لا، فاشتراطها وعدم اشتراطها سواء.
والنوع الثاني - الشرط الذي لا يقتضيه العقد - ولكن في اشتراط مصلحة تعود على العقد أو العاقدين أو
أحدهما - كاشتراط الأشهاد على البيع أو الاجارة، أو الرهن ونحوها، أو اشتراط كتابتها في صك؛ فإن
ذلك فيه توكيد لنفس العقد، وضمان من الجحود والأنكار، وهي مصلحة للعقد أو للعاقد، ومن هذا
النوع أيضاً: اشتراط الرهن، والكفيل بالثمن، أو المبيع الذي قد أجل تسليمه؛ فإن ذلك شرط مؤكد لما
يجب بالعقد، وهو تسليم المبيع والثمن.
ومثال ذلك أيضاً، اشتراط صفات يرغب فيها في العين المعقود عليها، كاشتراط البائع أن تكون الأرض
صالحة للزراعة، أو ألا تكون مرهونة، أو أن تكون الدابة حلوباً، أو حاملاً؛ على الأصح في المذهب،
وكاشتراط الرجل في النكاح أن تكون المرأة شابة، أو جميلة، أو بكراً، ونحو ذلك من الأوصاف التي
يرغب فيها عادة .
وحكم هذا النوع، أن يتقيد العقدين ويثبت فيه، ويكون لصاحب الشرط الخيار في فسخ العقد عند قوات
المشروط؛ لأن الرضا بالعقد إنما كان لأجل تحقق المشروط فيه، فإذا انتفى ذلك المشروط زال الرضا
بالعقد، فيكون له الخيار بين: نسخ العقد، وبين إمضائه، دفعاً للضرر الذي قد يلحقه من لزوم العقد
حينئذ .
والنوع الثالث: الشرط الذي يخالف مقتضى العقد، ولم يرد الشرع بجوازه؛ وكان فيه منفعة مقصودة
للشارط في عرف الناس وعادتهم.
وأثر هذا النوع، أن يبطل العقد الذي يشترط فيه، ويجعله كأن لم يكن، سواء أكان من عقود
المفاوضات، كالنكاح، والبيع، والإجارة؛ أم كان من عقود التبرعات كالهبة، والقرض، والرهن،
والكفالة، ونحوها.
والوجه في ذلك: أن هذا الشرط لما خالف مقتضى العقد كان باطلاً؛ للأدلة الكثيرة الدالة على ذلك مثل
((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل))، وغيره مما تقدم في المبحث الأول؛ وإذا بطل الشرط،
والقرض - أن فيه منفعة مقصودة للشارط - وجب أن يبطل العقد أيضاً، لفوات الرقابة حينئذ من الشارط؛
لأنه لم يرضى بالعقد إلا بتحقق ما شرط فيه؛ فإذا لغا الشرط وبطل، فات رضاه بالعقد، والرضى شرط
في صحة العقود جميعها.
وبناء على هذا: حكموا بفساد النكاح وبطلانه؛ إذا اشترط فيه أحد الزوجين الخيار لنفسه، أو لغيره مدة
معلومة، لمخالفة هذا الشرط لمقتضى النكاح، وحكمه؛ وهو اللزوم.
وحكموا أيضاً؛ بفساد عقد البيع؛ إذا اشترط البائع أو المشتري فيه شرطاً يخالف حكمه، كأن يشترط
البائع فيه على المشتري ألا يتصرف في العين المبيعة بالبيع، أو الرهن، أو الهبة، أو أنه إذا أراد بيعها،
فالبائع أحق بها بنفس الثمن؛ أو يشرط المشتري على البائع أن يحمل له السلعة إلى مكان معين، أو أن
يرجع عليه بالخسارة التي تلحقه من البيع .
وقالوا: ببطلان عقد القرض وفساده؛ إذا اشترط فيه المقرض على المستقر من أن يرد عليه أجود مما =

٦
كتاب البيوع
أخذ، كان يقرض إردباً من القمح البلدي على أن يرد عليه إردباً من القمح الهندي ((مثلاً)). وقالوا: أيضاً
بفساد الرهن، إذا اشترط فيه الراهن على المرتهن ألا يبيع العين المرهونة عند حلول الدين أصلاً، أو حتى
يمضي شهر بعد حلول، أو اشترط فيه ضمان العين المرهونة عند الهلاك، أو أن يكون المرتهن وغيره من
الغرماء في الاستيفاء من العين سواء؛ لأن هذه الشروط كلها مخالفة لمقتضى عقد الرهن. وحكمه: إذ
مقتضاه أن المرتهن يملك بيع العين المرهونة عند حلول الدين؛ وأن يقدم في الاستيفاء منها على سائر
الغرماء، وأن العين في يده أمانة لا تضمن إلا بما تضمن به الأمانات، فيكون اشتراكها مفسداً لعقد
الرهن؛ وملغياً لحكمه.
وقالوا كذلك: ببطلان عقد الشركة؛ إذا اشترط فيه شرط يخالف حكمه، كاتفاق الشركاء على توزيع
الأرباح أو الخسارة، على وجه لا يتناسب مع ما يملكه كل منهم من رأس المال؛ كأن يتفقوا على أن
يكون لواحد منهم الربع من الربح، وهو يملك خمس رأس المال، وأن يكون على واحد منهم الثلث في
الخسارة، وهو يملك الربع من رأس المال.
ومثل ذلك؛ ما لو شرط أخبر الشركاء أن يكون له مبلغ معين من الربح كمائة ((مثلاً))؛ فإنه شرط يخالف
مقتضى عقد الشركة، إذ مقتضاه الاشتراك في الربح الناتج من التجارة، فقد لا تربح الشركة إلا هذا
المقدار الذي اشترطه أحد الشركاء؛ فإذا أخذه عملاً بموجب الشرط لم يوجد الاشتراك في الربح، الذي
هو موجب عقد الشركة ومقتضاه، فاشتراط مبطل للعقد.
وقرروا كذلك، بطلان عقد القراض بكل شرط يخالف مقتضاه، وحكمه، كاشتراط رب المال على العامل
بقاء رأس المال في يده، أو أن يشترك معه في أعمال التجارة، أو أن تكون لديه يد ضمان لا يد أمانة؛
فهذا كله مخالف لمقتضى العقد؛ لأن مقتضاه تسليم المال إلى العامل واستقلاله بالتجارة، وانتفاء الضمان
عنه، إلا إذا حصل منه تعد أو تفريط في الحفظ؛ وهكذا سائر العقود التي يشترط فيها ما يخالف
مقتضاها .
والنوع الرابع - الشرط الذي يخالف مقتضى العقد، ولكن لا يتضمن منفعة تقصد في عرف الناس
وعادتهم.
وحكم هذا النوع، أن لا أثر له في العقد أصلاً؛ بل يلغو وحده ويبقى العقد صحيحاً، وذلك لأن لما خلا
عن الفائدة، فلا يترتب على إلقائه فوات الرضا بالعقد ممن اشترط، حتى يجب الحكم بفساده، كما هو
الحال في صورة الشرط المفسد.
ومثلوا لهذا النوع: باشتراط المرأة في عقد النكاح أن يؤكلها الرجل طعاماً معيناً، أو يلبسها نوعاً معيناً من
الثياب، وباشتراط البائع على المشتري، أو الراهن على المرتهن أن يطعم المبيع، أو المرهون طعاماً
معيناً، أو أن ينتفع بالمبيع على نحو خاص، وما أشبه ذلك من الشروط التي ليس فيها منفعة تقصد في
العرف والعادة.
هذه خلاصة أقسام الشرط، وأثر كل قسم منها في العقد عند الشافعية، أما أقسامه وآثاره عند المالكية
فنذكرها فيما يلي:
القسم الأول - الشرط الصحيح، وهو ما يكون موجبه حكماً من أحكام العقد، وأثراً من آثاره، أو لا يكون
موجبه ذلك، ولكن لا يخالف مقتضى العقد، ولا ينافي حكمه. فهو نوعان:
=

٧
كتاب البيوع
٠٠
النوع الأول - الشرط الذي يكون موجبه حكماً من أحكام العقد ومثاله، اشتراط المرأة، أو وليها في عقد
=
النكاح أن ينفق عليها الزوج، وأن يكسوها، أو يقسم لها، واشتراط المشتري على البائع أن يسلمه
السلعة، أو أن يردها عليه إذا كان بها عيب ينقص قيمتها، وكاشتراط المرتهن أن يكون له الحق في بيع
المرهون، إذا عجز الراهن عن وفاء الدين الذي رهن به، أو أن يكون مقدماً على سائر الغرماء في استيفاء
حقه، وحكم هذا النوع لزومه في العقد، اشترط فيه أم ترك اشتراطه؛ فالتصريح به، وعدم التصريح
سیان .
والنوع الثاني - الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد، وحكمه كاشتراط تأجيل الثمن في البيع إلى أجل
معين، وكاشتراط الرهن، أو الكفيل به، أو بالمهر في النكاح، أو بالأجرة في الإجارة، وكاشتراط البائع
الانتفاع بالمبيع مدة يتسامح فيها عادة، وقد ضبطها علماء المالكية في الدار بشهر على قول؛ وبستة أشهر
على قول آخر، وفي الدابة بثلاثة أيام، أو بالوصول إلى مكان قريب.
وأثر هذا النوع في العقد، تقييده به، والقضاء به على من التزمه، إذا استثنينا اشتراط المرأة على الرجل
مالها فيه منفعة مقصودة، كألا ينقلها من بلدها، أو دارها، أو ألا يتزوج عليها؛ فإن المشهور في
المذهب، هو استحباب الوفاء بها فقط بحيث لا يقضي على الزوج بموجبها، ولا يكون للمرأة الحق في
فسخ النكاح، أو الرجوع بما أسقطته من مهرها في العقد عند انتفائها، وعدم الوفاء بها.
والقسم الثاني - الشرط الفاسد، وهو أيضاً نوعان: نوع يفسد العقد ويبطله، ونوع لا يفسد العقد ولا
يبطله، بل يبطل هو وحده ويبقى العقد صحيحاً يستتبع حكمه وأثره.
أما النوع الأول - فهو كل شرط ينافي مقتضى العقد، أو يخل بشرط من الشروط المعتبرة في صحته
شرعاً، ومثاله في عقد النكاح: اشتراط الرجل ألا ينفق على المرأة، أو ألا يقسم لها، أو ألا ترتد منه، أو
أنه بالخيار في فسخ النكاح في مدة معلومة، أو أنه إن لم يأت بالمهر في وقت كذا، فلا نكاح بينهما،
ونحو ذلك، ومثاله في عقد البيع، اشتراط ما يؤدي إلى الجهاد، والغرر في المبيع، أو الثمن، أو في
العقد كشرط مشاورة شخص بعيد، أو شرط الخيار إلى مدة مجهولة، أو شرط تأجيل الثمن إلى أجل
مجهول، أو شرط زيادة شيء مجهول في الثمن أو في المثمون، وكشرط البالغ أن يسلفه المشتري مقداراً
معيناً من ماله أو بالعكس، ومن أمثلته أيضاً، اشتراط البائع على المشتري ألا ينتفع بالعين المبيعة، أو ألا
يتصرف فيها ببيع، أو هبة، أو غير ذلك؛ فإنها شروط مفسدة لعقد البيع، لما فيها من المنافاة لمقتضاه،
وهو إطلاق الحرية للمشتري في الانتفاع بالمبيع والتصرف فيه بما شاء. ومثاله في عقد الهبة، اشتراط
الواهب على الموهوب له ألا يقيض العين الموهوبة، فإنه شرط مخالف لمقتضى العقد، فيفسده، ومثاله
في القرض، اشتراط المقرض على من أقرضته أن يرد عليه أحسن مما أخذ، وما أشبه ذلك من كل شرط
يتضمن انتفاع المقرض من عقد القرض؛ فإن شرط فاسد مفسد للعقد لمخالفته لقضيته، وهي انتفاع
المقترض لا المقرض، والواجب في هذه الحالة أن يرد المقترض عين ما اقترض إن كان قائماً، ومثله،
أو قيمته إن كان فائتا، على المشهور في المذهب، ومثال هذا النوع: في عقد القراض، اشتراط رب
المال على العامل أن يكون المال في يده، أو أن يراجعه في الحساب، أو أن يجعل عليه أميناً، أو أن
يكون ضامناً لمال القراض؛ فهذه كلها شروط مفسدة للعقد توجب فسخه؛ فإن فات الفسخ بعمل العامل
كان الربح كله لرب المال، ووجب للعامل أجر مثله في بعض الصور، وقراض مثله في البعض الآخر،
وتفصيل ذلك في كتب المذهب. ومثال ذلك في عقد الراهن، اشتراط الراهن على المرتهن بقاء العين =

٨
كتاب البيوع
المرهونة تحت يده، أو ألا تباع في الدين عند حلوله، أو إذا مضت مدة معينة خرجت من الرهن؛ فهذه
=
شروط مفسدة لعقد الرهن لمخالفتها لمقتضاه وحكمه، فلو مات الراهن، وأفلس تساوى المرتهن مع غيره
من الدائنين في الاستيفاء من المرهون، وقد ذكروا من أمثلته في الوقف، اشتراط الواقف أن تكون له
نظارة الوقف، أو أن يقسم الربع على الذكور من أولاده دون الإناث.
هذا هو الشرط المفسد - عند المالكية وتلك أمثلته، ومنها يتبين لنا أنهم يقولون بفساد العقود كلها بهذا
النوع من الشروط، ولا يفرقون بين نوع ونوع - كما فعل الحنفية - إلا أنهم يحكمون في بعض هذه
الشروط بصحة العقد، إذا أسقطها الشارط، وتنازل عنها من ذلك ما يأتي:
اشتراط السلعة في عقد البيع، سواء أكان من البائع، أم من المشتري؛ فإن هذا الشرط يفسد عقد البيع:
لإخلاله بالثمن؛ لأن الثمن يكثر إذا كان السلف من البائع، ويقل إذا كان من المشتري وذلك إخلال به،
ولكن المشهور في المذهب أن هذا الفساد يزول بإسقاط الشارط للسلف وتركه إياه، ما لم تفت السلعة
بمفوت من المفوتات المقررة في المذهب، فإن فاتت السلعة وجب رد السلف لصاحبه، واستحق البائع
الأقل من الثمن ومن القيمة يوم القبض، إن كان السلف من جهته، واستحق الأكثر من الثمن والقيمة يوم
القبض، إن كان السلف من جهة المشتري.
اشتراط البائع على المشتري ما يستلزم التضييق عليه في السلعة التي اشتراها؛ كأن يشرط عليه ألا يبيعها،
أو ألا يهبها ونحو ذلك؛ فإن المشهور في المذهب - كما قال ابن رشد في المقدمات - أن البيع يفسخ ما
دام البائع متمسكاً بشرطه؛ فإن ترك الشرط صح البيع وهذا ما لم تفت السلعة، فإن فاتت وجب الأكثر من
الثمن والقيمة يوم القبض.
اشتراط الواهب على الموهوب له ألا يبيع العين الموهوبة، أو ألا يهبها؛ فإن ذلك يبطل عقد الهبة،
وكذلك الصدقة - على ما هو الظاهر من قول مالك في رواية عيسى من كتاب الصدقات والهبات - ولكن
إذا أسقط الواهب شرطه صحت الهبة.
وهنا نتساءل عن السبب الداعي عنه للتفرقة بين بعض الشروط والبعض الآخر، فلا نجد في كتب المذهب
التي بين أيدينا ما يوضح لنا ذلك؛ ولعل وجهتهم في تلك التفرقة أنهم يرون أن الفساد الذي يتضمن
الشرط، بعضه أقوى من بعض، فما كان الفساد فيه قوياً، فلا سبيل إلى إصلاح العقد بإسقاطه، وما كان
الفساد فيه ضعيفاً، كان هناك سبيل إلى تصحيح العقد بإسقاط ذلك الشرط، ولكن ما هو الحد الفاصل
بين الفساد القوي والضعيف؟ ذلك ما لم أعلمه، ولم أقف عليه بعد.
وأما النوع الثاني من الشرط الفاسد، وهو الذي لا يؤثر في العقد ببطلانه ولا غيره، فلم يذكر المالكية له
ضابطاً كغيره من الأنواع الأخرى، وإنما ذكروا له أمثلة في بعض العقود، وإليك بعضها.
اشتراط البائع على المشتري إنه إن لم يأت بالثمن إلى ثلاثة أيام أو نحوها، فلا بيع بينهما، فهذا الشرط
عندهم فاسد، ولكن لا أثر له في عقد البيع. (نقل ذلك ابن رشد في المقدمات وعليه اقتصر خليل في
المختصر).
اشتراط البائع على المشتري في بيع الثمار، ألا يكون له الحق في المطالبة بترك جزء من الثمن، إذا
أصاب الثمار شيء من الآفات الزراعية، فإن هذا الشرط فاسد؛ ولكنه لا يؤثر في عقد البيع بشيء بل يلغو
وحده ويبقى العقد صحيحاً - ذكر ذلك ابن رشد في المقدمات والشيخ خليل في المختصر.
ما لو اشترط المرتهن على الراهن انتفاء الضمان في الأعيان التي يغلب عليها كالعقارات، فإن شرطه باطل =

٩
كتاب البيوع
في نفسه، وعقد الرهن يصح مع اشتراطه، حتى يضمن المرتهن العين ويكون مقدماً في الاستيفاء على
=
غيره من الدائنين. (نقل ذلك اللخمي عن مالك وابن القاسم).
ما لو شرط رب الوديعة ضمانها على المودع عند الهلاك، فإن شرطه باطل، وضمانها من صاحبها، صرح
بذلك الشيخ خليل في المختصر.
ما لو شرط الواقف أن تكون عمارة الموقوف على المستحقين في الوقف، أو ألا يبدأ من غلته بإصلاح
الوقف ونفقته؛ فإن ذلك شرط باطل لا يعمل به، والوقف صحيح لازم. هذا تفصيل موجز لأقسام
الشرط، وأثره في العقود عند المالكية؛ وأما أقسامه وأثره عند الحنابلة - فكما يأتي:
الشروط الواقعة في العقود - على ما يؤخذ من كتب المذهب كالمغني، وكشاف القناع - قسمان: القسم
الأول - الشروط الصحيحة وهي أنواع:
النوع الأول - الشروط التي يقتضيها العقد، كاشتراط التقابض في البيع، واشتراط تسليم المرأة إلى الرجل
في النكاح، وتمكينه من الاستمتاع بها، وكاشتراط رب الأرض، أو الشجر على العامل في المزارعة، أو
المساقاة؛ ما فيه صلاح الزرع أو الثمر وزيادة نموه كالسقي، والحرث، وقطع الحشيش الذي يضره،
وإصلاح الحفر التي يجتمع فيها الماء على أصول النخل والشجر. وهذا النوع لا تأثير له فيما يشترط فيه
من العقود بل وجوده وعدم وجوده سواء؛ لأنه لم يزد على كونه بياناً، وتوكيد المقتضي العقد، وحكمه.
والنوع الثاني - الشروط التي لا يقتضيها العقد، ولكن فيها مصلحة للعقد أو العاقد؛ كاشتراط البائع على
المشتري تقديم رهن، أو كفيل بالثمن المؤجل، أو أن يحضر له شاهدين يشهدان على العقد، وكاشتراط
المشتري صفة مقصودة في المبيع، ككون الدابة حلوباً أو حاملاً ونحو ذلك، واشتراط الزوج في عقد
النكاح أن تكون بكراً، أو جميلة، أو نسيبة، أو خالية من العيوب التي لا توجب فسخ النكاح كالعمى،
والخرس، والعرج، ونحوه.
وحكم هذا النوع تفيد العقد بموجبه، ولزوم الوفاء به ممن اشترط عليه، وامتلاك الشارط فسخ العقد عند
فوات ما شرط.
والنوع الثالث - الشروط التي ليست من مقتضى العقد، ولا من مصلحته ألا أنها لا تنافي مقتضى العقد
وحكمه، الذي وضع العقد لإفادته في جميع صوره.
وحكم هذا النوع، الذي تقدم في تقيد العقد بموجبه، وثبوت الخيار للشارط في فسخ العقد، أو إمضائه
عند فوات ما شرط؛ فلو شرطت المرأة في عقد النكاح ألا ينقلها الرجل من دارها، أو بلدها، أو ألا
يتزوج عليها، وما أشبه ذلك من كل شرط يتضمن منفعة للمرأة، ولا تمنع المقصود من النكاح، كان
لازماً في العقد حتى لا يملك الرجل نقلها من دارها، أو بلدها، أو التزوج عليها؛ فإن خالف ما شرط
على نفسه كان للمرأة الحق في فسخ النكاح، وذلك لما رواه الأثرم بإسناده أن رجلاً تزوج امرأة، وشرط
دارها ثم أراد نقلها فخاصموه إلى عمر - رضي الله تعالى عنه - فقال: لها شرطها فقال الرجل: إذا
يطلقننا. فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط.
ولو شرط البائع على المشتري الانتفاع بالمبيع مدة معلومة؛ كأن يسكن الدار سنة، أو يركب الدابة إلى
مكان معين، أو يلبس الثوب شهراً، لزم هذا الشرط، ووجب على المشتري تمكين البائع من الانتفاع
بالمبيع؛ كما شرط، حتى لو تلفت العين بفعل المشتري او تفريطه قبل استيفاء المنفعة المشروطة، كان
ضامناً لأجرة تلك المنفعة، لأنه يكون بعمله هذا مفوتاً للمنفعة على مستحقها، وهو البائع فيلزم بضمانها، =

١٠
كتاب البيوع
ولو اشترى جاريةً على أنها حامل(١) رواية فيه عن أصحابنا، واختلف المشايخ فيه : -
قال بعضهم: لا يجوز البيع قياساً على البهائم، وإليه أشار محمّد - رحمه الله - في البيوع؛ فإنه
قال: لو باع وتبرَّأ من حملها جاز البيع، وليس هذا/ كالشَّرط، وظاهر قوله وليس هذا
كالشرط، يشير إلى أن شرط الخيار فيه مفسد. وقال بعضهم: يجوز؛ لأن الحبل في الجواري
كما لو فوت منفعة العين المؤجرة على من استأجرها.
=
وكذلك لو شرط المشتري على البائع عملاً معيناً في المبيع، كأنه يحصد له الزرع، أو يخيط له الثوب،
أو يحمل له الطعام إلى منزله؛ فإن البائع يلزمه ذلك العمل وفاء بما شرط على نفسه، فلو تعذر ذلك
بهلاك السلعة، أو موت البائع، كان للمشتري الرجوع بأجرة المثل، كما لو فسخت الإجارة لفوات
محلها، وكان الأجر مقبوضاً، فإنه يجب الرجوع على المؤجر بقيمة المنفعة.
والقسم الثاني - الشروط الفاسدة، وهي نوعان: نوع يفسد العقد ويبطله رواية واحدة في المذهب، ونوع
يفسده في رواية، ولا يفسده في أخرى، وهي المنصوصة عند الإمام ((أحمد)» في باب البيع بشرط فاسد
كما قال القاضي.
أما النوع الأول - فهي - على ما يؤخذ من أمثلتهم ومسائلهم - الشروط التي ورد عن الشارع النهي عن
العقد لأجلها، أو كان فيها إلغاء للمقصود من العقد، وما وضع لإفادته ومثال ذلك، ما لو شرط أحد
العاقدين في البيع على صاحبه عقد آخر؛ كأن يبيع له عينا بشرط أن يسلفه جزءاً من ماله، أو يزوجه ابنته،
أو يؤجر له داره، ونحو ذلك؛ فإن ذلك يفسد عقد البيع ويبطله، ينهى الرسول ◌َّر عنه، فقد روي عنه -
وَلجر - أنه نهى عن صفقتين في صفقة، وعن بيع وسلف والنهي يدل على فساد المنهي عنه وبطلانه. ومثاله
أيضاً: ما لو شرط البائع على المشتري ألا يملك العين المبيعة، فإن شرط فاسد يفسد البيع به، لما فيه من
إلغاء المقصود منه، ونفى موجبه وهو الملك، وذلك لغو باطل - ومثل ذلك ما لو اشترط في عقد النكاح
أن يحلها الرجل لزوجها الأول، أو أن يزوجه موليته بشرط أن يزوجه الآخر ابنته على أن يكون يضع
إحداهما في مقابل يضع الأخرى، أو يشرط فيه ما يوجب تأقيته بوقت معين، فإن ذلك يفسد عقد النكاح
ويبطله، لما صح من نهيه - رَّلر - عن نكاح المحلل، وعن الشغار والمتعة.
ومن هذا القبيل أيضاً اشتراط أحد الشركاء أن يكون له من الربح مقدار معين كعشرة، أو عشرين مثلاً،
لإفضاء هذا الشرط إلى إلغاء المقصود من العقد، وهو الاشتراك في الربح، فقد لا تربح الشركة إلا ذلك
القدر، فلو اختص به الشارط لم يحصل الاشتراك المقصود من عقد الشركة.
أما النوع الثاني - فهي الشروط التي تنافي مقتضى العقد ولا تلغي المقصود منه، كاشتراط البائع على
المشتري ألا يبيع العين التي اشتراها، أو ألا يهبها، أو ألا ينتفع بها، ونحو ذلك، من كل ما يوجب
التضييق على المشتري في العين المبيعة .
وكاشتراط رب المال على العامل في المضاربة شرطاً ليس من مقتضى العقد، ولا من مصلحته؛ كأن
يشرط عليه أن يعطيه قرضاً، أو أن يخدمه في شيء يعينه، أو أن يلبسه ثوبه، أو يسكنه داره، أو أن يضمن
ما في يده من رأس المال؛ فهذه الشروط وأمثالها شروط فاسدة، يفسد بها العقد في رواية، ولا يفسد في
رواية أخرى.
ينظر: نظرية الشروط لشيخنا زكي الدين شعبان، كشاف القناع ٥٢/٣، ٥٣، المغني ٢٨٦/٤.
(١) في ط: ألا.

١١
كتاب البيوع.
عيبٌ، بدليل أنه لو اشترى جاريةً، فوجدها حاملاً، له أن يردّها، فكان ذكر الحبل في الجواري
إبراء عن هذا العيب، بخلاف البهائم؛ لأن الحبل فيها زيادة.
ألا ترى أنه لو اشترى بهميةٌ، فوجدها حاملاً، ليس له حق الردِّ، فكان ذكر الحبل فيها
شرطاً في وجوده غرر فيفسد البيع، وبعضهم فصَّل فيه تفصيلاً، فقال: إِن اشتراها ليتخذها
ظئراً، فالبيع فاسد؛ لأنه شرط زيادة في وجودها خطر، وهي مجهولة أيضاً، فأشبه اشتراط
الحبل في بيع الناقة، وإِن لم يرد بالشراء ذلك، جاز البيع؛ لأن ذكره يكون إبراء عن هذا العيب
على ما بيَّنا.
ولو اشترى ناقةً، وهي حامل، على أنها تضع حملها إِلى شهر أو شهرين فالبيعُ فاسد،
لأَن في وجود هذا الشرط غرراً؛ وكذا لو اشترى بقرة على أنها تحلب كذا كذا رطلاً؛ لما قلنا،
ولو اشترى بقرة على أنها حلوبة، لم يذكر هذا في ظاهر الرواية، وروى الحسن في ((المجرد)»
عن أبي حنيقة - رحمه الله - أنه يجوز، وهو قياس روايته في شرط الحبل.
ووجهه: أن شرط كونها حلوبة، شرط زيادة صفة، فأشبه شرط الطَّبخ والخبز في
الجواري، وروى ابن سَمَاعة في ((نوادره)). عن محمد - رحمهما الله - أنه لا يجوز، وهو
اختيار الكرخي - رحمه الله -.
ووجهه: أن هذا شرط زيادة، فيجري في وجودها غَرَر، وهو مجهولٌ، وهو اللَّبن، فلا
يصلح شرطاً في البيع، وكونها حلوبة إن كان صفة لها لكنها لا توصف به، إلا بوجود اللبن،
وفي وجوده غرر وجهالة على ما ذكرنا، فيوجب فساد البيع، ولو اشترى بقرةً على أنها لَبُون،
ذكر الطّحاوي: أن هذا الشَّرط لا يفسد البيع، والجواب فيه كالجواب في الحلوبة، والله
سبحانه وتعالى أعلم.
ولو اشترى قمريَّة(١) على أنها تصوت، أو طيراً على أنه يجيء من مكان بعيد، أو كبشاً
على أنه نطاح، أو ديكاً على أنه مقاتل فالبيع فاسدٌ عند أبي حنيفة - رحمه الله - وهو إِحدى
الروايتين عن محمد - رحمه الله -؛ لأنه شرط فيه غرر، والوقوف عليه غير ممكن؛ لأنه لا
يحتمل الجبر عليه، فصار كشرط الحبل؛ ولأن هذه صفات يتلهَّى بها عادة، والتلهِّي محظور،
فكان هذا شرطاً محظوراً، فيوجب فساد البيع.
وروي عن محمَّد - رحمه الله -: أنه إذا باع قمرية على أنها تصوّت، فإذا صوتت جاز
البيع، لأنها لما صوَّتت؛ علم أنها مصوتة، فلم يتحقق غرر العدم، وعلى هذه الرواية قالوا في
المحرم: إِذا قتل قمرية مصوتة، أنه يضمن قيمتها مصوّتة.
(١) قمرية: ضرب من الحمام مطوق حسن الصوت المعجم الوسيط (قمر).

١٢
كتاب البيوع
ولو اشترى جاريةً على أنها مغنية، على سبيل الرغبة فيها، فالبيع فاسدٌ؛ لأن التَّغنية صفة
محظورة؛ لكونها لهواً، فشرطها في البيع يوجب فساده، ولو اشترى جارية على أنها مغنّية،
على وجه إظهار العيب، جاز البيع؛ لأن هذا بيع بشرط البراءة عن هذا العيب، فصار كما لو
باعها بشَرْط البراءة عن عيب آخر، فإن وجدها لا تغني، لا خيار له؛ لأن الغناء في الجواري
عيبٌ، فصار كما لو اشترى على أنه معيبٌ، فوجده سليماً.
ولو اشترى كلباً، أو فهداً، على أنه معلم، قال أبو يوسف: يجوز البيع، وهو إحدى
الرّوايتين عن محمد؛ لأن هذا شرطٌ يمكن الوقوف عليه، بأن يأخذ المصيد فيمسكه على
صاحبه، وذا ليس بشرط محظور؛ لأن تعليم الكلب والاصطياد به مباح، فأشبه شرط الكتابة
في العبد، والطَّخ في الجارية.
وروي عن محمد: أن البيع فاسد؛ لأنه شرط فيه غرر، إذ لا يمكن الوقوف عليه إلا
بالاصطياد، والجبر عليه غير ممكن، ولو اشترى برذوناً، على أنه هملاجٌ، فالبيع جائز؛ لأنه
شرط يمكن الوقوف عليه بالتَّسيير، فلم يكن في وجودِهِ غرر، ولا خطر أيضاً وإِن شئتَ أفردتَ
لجنس هذه المسائل شرطاً على حِدَة، وخرجتها إليه فقلت، ومنها أَلاَّ يكون المشروط
محظوراً؛ فافهم.
ومنها شرطٌ لا يقتضيه العقد، وفيه منفعةٌ للبائع، أو للمشتري، أو للمبيع، إِن كان من
بني آدم؛ كالرقيق، وليس بملائم للعقد، ولا ممَّا جرى به التَّعامل بين الناس؛ نحو ما إِذا باع
داراً، على أن يسكنها البائع شهراً، ثم يسلمها إِليه، أو أرضاً على أن يزرعها سنة؛ أو دابة على
أن يركبها شهراً، أو ثوباً على أن يلبسه أسبوعاً، أو على أن يقرضه المشتري قرضاً، أو على أن
يهب له هبة، أو يزوّج ابنته منه، أو يبيع منه كذا؛ ونحو ذلك، أو اشترى ثوباً، على أن يخيطه
١٨٤/٣ البائع قميصاً، أو حنطةً على أن يطحنها، أو ثمرةً على أن/ يجذها، أو ربطةً قائمة على الأرض
على أن يجذّها، أو شيئاً له حِمل ومُؤنة، على أن يحمله البائع إلى منزله، ونحو ذلك - فالبيع
في هذا كله فاسد؛ لأن زيادة منفعة مشروطة في البيع تكون ربا؛ لأنها زيادة لا يقابلها عِوَض
في عَقْد البيع، وهو تفسير الرِّبا، والبيع الذي فيه الرِّبا فاسدٌ، أو فيه شبهة الربا، وأنها مفسدةٌ
للبيع؛ كحقيقة الربا، على ما نقرّره إِن شاء الله تعالى.
وكذا لو باع جاريةً، على أن يدَبرها المشتري، أو على أن يَسْتَولدها، - فالبيع فاسد؛ لأنه
شرط فيه منفعةٌ للمبيع، وأنه مفسد؛ وكذا لو باعها بشَرْط أن يغْتِقَها المشتري، فالبيع فاسدٌ في
ظاهر الرواية عن أصحابنا، وروى الحسن. عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما - أنه جائزٌ، وبه
أخذ الشَّافعي - رحمه الله -.
ووجه هذه الرواية: أن شرط الاعتقاد ممَّا يلائم العقد؛ لأن الإِعتاق إنهاء الملك، وإنهاء

١٣
كتاب البيوع
الملك تقريرٌ له، فكان ملائماً، والدَّليل على أن الإعتاق إِنهاء للملك: أن البيع ثبت، مقتضى
الأَمر بالإعتاق، في قول الرجل: أعتق عبدَك عني على ألف درهم، فاعتق، حتى يقع العِثْق
عن الآمر، ولا عتق إلا بالملك، ولا ملك إِلا بالثَّمليك، فلو كانَ الإِعتاق إزالة الملك، لما
تصوّر وجود الإِعتاق مقتضاه؛ لأنه ضدّه، والشيء لا يقتضي ضده، وإِذا كان إنهاء الملك كان
تقريراً له، فكان ملائماً للعقد، فلا يوجب فساده، ولظاهر الرّواية وجهان:
أحدهما: يعمّ الكل.
والثاني: يخصّ أبا حنيفة - عليه الرحمة -، أما الأوَّل: فهو أن شرط العتق شرطٌ لا
يلائمه العقد؛ لأن العقد يقتضي الملك، والملك يقتضي إِطلاق التصرُّف في المملوك،
تحصيلاً وتركاً، وشرط الإِعتاق يقتضي الاستحقاق واللّزوم لا محالة، فلا يلائمُه بل يضادُّه.
وأما الثاني: فلأنَّ هذا الشَّرط يلائم العقد من وجْه، ولا يلائمُه من وجهٍ، وهذا يوجب
الفساد، على ما نذكر تقريره، ثم إذا باع بهذا الشَّرط فأعتقه المشتري، انقلب العَقْد جائزاً
بالإِعتاق، عند أبي حنيفة استحسَاناً، حتى يجب على المشتري الثمن، سواء أعتقه بعد القّبْض،
أو قبله، هكذا روى ابن شجاع عن أبي حنيفة - رحمهما الله -. وقال أبو يوسُف، ومحمَّد -
رحمهما الله -: لا ينقلب جائزاً، حتى تلزمه قيمة الجارية، وهو القياس، وهكذا روى أبو
يوسف عن أبي حنيفة - رحمه الله -.
ووجهه ظاهر؛ لأنَّ البيع وقع فاسداً، من حين وجوده، وبالإِعتاق لا ينعدم الفَسَاد، بل
يتقرَّر؛ لأَنّه إِنهاء للملك، وأنه تقرير، فيوجِبُ تقرُّر الفَساد للفاسد، والفاسد يفيد الملك بالقيمة
لا بالثّمن؛ ولهذا لو هلك العبد في يده قبل الإِعتاق، تلزمه القيمة.
وكذَا، لو باعه من رجُل، أو وهَبَه، فعليه قيمته؛ كذا ههنا. ولأبي حنيفة - رحمه الله -
ما ذكرنا أن شرط الإِعتاق يلائم العَقْد من وجه، ولا يلائمُه من وجْه؛ لأنه إنهاءٌ من وجه،
وإزالة من وجه، فمن حيث إنه إنهاء، كان يلائمه لأنه تقرير، لكن من حيث إنه إزالة، لا
يلائمه، لأنه تغيير مُوجب العقد، فيجب العمل بالشَّبهين، فعملنا بشبه الإزالة، فقلنا بفساد
العقد في الابتداء، وعملنا بشبه الإِنهاء، فقلنا بجوازه في الانتهاء، عملاً بالشَّبهين بقدر
الإمكان.
فإن قيل: لِمَ لا يعمل بهما على القلب ممَّا قلتم. قيل: لأَنّه لا يمكن؛ لأنَّا لم نجد
جائزاً، انقلب فاسداً في أصول الشّريعة، ووجدنا فاسِداً - انقلب جائزاً؛ كما في بيع الرّقم
ونحوه، بخلاف ما إذا باع، أو وهب؛ لأن ذلك ليس إنهاء الملك، وبخلاف ما إذا باع بشرط
التَّدبير، أو الاستيلاد فدبرها المشتري، أو استولدها - أن البيع لا ينقلب إلى الجواز؛ لأن

١٤
كتاب البيوع
التَّدبير والاستيلاد لا يوجبان إنهاء الملك بيقين؛ لاحتمال قضاء القاضي بجواز بيع المدبر،
وبجواز بيع أم الولد في الجملة، فكان ذلك شرطاً لا يلائم العقد أصلاً، فأوجب لزوم الفساد.
وكذا لو باع عبداً أو جارية، بشرط ألاّ يبيعه، وألاَّ يهبه، وألاَّ يخرجه عن ملكه - فالبيع
فاسدٌ؛ لأن هذا شرطٌ ينتفع به العبد، والجارية بالصِّيانة عن تداول الأيدي، فيكون مفسداً للبيع.
أما فيما سوى الرَّقيق، إِذا باع ثوباً على ألاَّ يبيعه المشتري، أو لا يهبه، أو دابة على ألاَّ
٨٤/٣ب يبيعها أو يهبها/ أو طعاماً على أن يأْكُلَه ولا يبيعه، ذكرَ في المزارعة ما يدل على جواز البَيْع؛
فإنه قال: لو شرط أحد المزارعين في المزارعة، على ألاَّ يبيع الآخر نصيبه، ولا يهبه،
فالمزارعة جائزة، والشرط باطل؛ وهكذا روى الحسن في ((المجرد))، عن أبي حنيفة -
رحمه الله - وفي ((الإِملاء)). عن أبي يوسف؛ أن البيع بهذا الشَّرط فاسد.
ووجهه: أنه شرطٌ لا يقتضيه العقد، ولا يلائمُهُ، ولا جرى به التَّعارف بين النَّاس،
فيكون متداً؛ كما في سائر الشَّرائط المفسدة، والصحيح ما ذكر في المزارعة. لأن هذا شرطٌ
لا منفعةٍ فيه لأَحد فلا يوجِبُ الفساد، وهذا لأنَّ فساد البيع في مثلِ هذه الشروط لتضمُّنها
الربا، وذلك بزيادة منفعة مشروطة في العَقْد، لا يقابلها عِوَض، ولم يوجد في هذا الشَّرط؛
لأنه لا منفعة فيه لأَحدٍ، إلا أنه شرط فاسدٌ في نفسه، لكنه لا يؤثر في العقد، فالعقد جائزٌ
والشّرط بَاطلٌ.
ولو باع ثوباً على أن يحرقه المشْتَري، أو داراً على أن يخْربها، فالبيع جائزٌ، والشّرط
باطل؛ لأنَّ شرط المضرَّة لا يؤثر في البيع، على ما ذكرنا، ولو باع جاريةً على ألاَّ يطأها
المشتري، ذكر ذلك في الاختلاف بين أبي يوسُف، ومحمَّد - رحمهما الله - اختلافاً، ولم يذكر
قول أبي حنيفة - عليه الرَّحمة -؛ فقال: البيع فاسدٌ، والشّرط باطلٌّ، عند أبي يوسُف؛ وعند
محمد، البيع جائزٌ، والشّرط باطل.
ولو باعها(١) بشَرْط أن يطأها، جاز البَيْع، والشّرط في قولهم جميعاً. ورُوي عن أبي
حنيفة - رحمه الله - أنَّ البيع فاسدٌ في الموضعين جميعاً.
وجه قول محمد: أن هذا شرطٌ لا منفعة فيه لأحد، فلا يؤثّر في فَسَاد البيع؛ كما لو باع
ما سوى الرَّقيق، على ألاَّ يبيع، أو لا يهب، إلا أنه نوع مضرَّة للمشتري، فكان باطلاً، والبيع
صحيحاً.
(١) في ط: باع.

١٥
كتاب البيوع
وجه قول أبي يُوسف: أن هذا شرطٌ يخالف مقتضى العقد؛ لأن حل الوطء أمر يقْتَضيه
العقد، وهذا الشَّرط ينفيه، بخلاف ما إذا باع بشّرْط أن يطأها؛ لأن ذلك شَرْط يقرر مقتضى
العقد؛ لأن إباحة الوَطْء مما يقتضيه العَقْد.
ولأبي حنيفة - رحمه الله - على ما روي عنه: أن شرط الوطء مما لا يقتضيه العَقْد أيضاً،
بل ينفيه، لأن البيع يقتضي الحل، لا الاستحقاق، وقضية الشَّرط الاستحقاق والّزوم، وهما
مِمَّا لا يقتضيه العقد، بل ينفيه.
وأما الشّرط الذي يقتضيه العقد، فلا يوجِبُ فساد؛ كما إذا اشترى بشَرْط أن يتملَّك
المبيع، أو باع بشرط أن يتملك الثمن، أو باع بشرط أن يحبس المبيع، أو اشترى على(١) أن
يسلم المبيع، أو اشترى جاريةً على أن تخدمه، أو دابّة على أن يركبها، أو ثوباً على أن يلبسه،
أو حنطة في سُنْبلها، وشرط الحَصَاد على البائع؛ ونحو ذلك، فالبيع جائز؛ لأنَّ البيع يقتضي
هذه المذْكُورات من غير شَرْط، فكان ذكرها في معرض الشّرط تقريراً لمقتضى العقد، فلا
توچبُ فساد العقد.
ولو اشترى شيئاً، بشرط أن يوفيه في منزله، فهذا لا يخلو إما أن يكون المشْتَري والبائع
بمنزلهما في المضر، وإما أن يكون أحدهما في المِصْر، والآخر خارج المصر، فإِن كان
كلاهما في المضر، فالبيع بهذا الشَّرط جائزٌ عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحساناً، إلا إذا كان
في تَضْحِيح هذا الشّرط تحقيق الربا؛ كما إذا تبايعا حنطة بحنطة، وشرط أحدَهما على صاحبه
الإِيفاء في منزله، وعند محمّد البيع بهذا الشَّرط فاسد؛ وهو القياس؛ لأنه شرط لا يقتضيه
العقد، وفيه مثْفعَة للمشتري؛ فأشبه ما إذا اشترى بشرط الحمل إلى منزله، أو بشرط الإِيفاء في
منزله، وأحدهما في المِصْر، والآخر خارج المصر.
ولهما: أن الناس تعاملوا البيع بهذا الشّرط، إذا كان المشتري في المصر فتركُوا القياس
لتعامل النّاس، ولا تعامل فيما إذا لم يكونا في المِصْر، ولا في شرط الحمل إلى المنزل،
فعملنا بالقياس فيه.
وكذلك الشّرط الذي لا يقتضيه العقد، لكنه ملائم للعقد، لا يوجب فساد العقد أيضاً؛
لأنه مقرّر لحكم العقد من حيث المعنى، مؤكد إياه، على ما نذكر إن شاء الله تعالى، فيلحق
بالشّرط الذي هو من مقتضيات العقد؛ وذلك نحو ما إذا باع على أن يعطيه المشْتَري بالثّمن
رهناً، أو كفيلاً، والرَّهن معلوم، والكفيلُ حاضر، فَقَبِلَ.
(١) في أ: بشرط.

١٦
کتاب البيوع
وجملة الكلام في البيع بشَرْط إِعطاء الرهن: أنَّ الرهن لا يخلو إما أن يكون معلوماً أو
مجهولاً، فإن كان معلوماً، فالبيع جائزٌ استحساناً، والقياس ألاَّ يجوز؛ لأن الشَّرط الذي
١٨٥/٣ يخالف/ مقتضى العقد مفسد في الأصل، وشرط الرهن والكفالة ممَّا يخالف مقتضى العقد،
فكان مفسداً إِلا أنا استحسنًا الجواز؛ لأنَّ هذا الشّرط لو كان مخالفاً مقتضى العقد صورة، فهو
موافقٌ له معنى؛ لأن الرهن بالثّمن شرع توثيقاً للثمن.
وكذا الكَفَالة؛ فإِنَّ حق البائع يتأكد بالرَّهن والكفالة، فكان كل واحد منهما مقرّراً
لمقتضى العقد معنى، فأشبه اشتراط صفة الجودة للثّمن، وأنه لا يوجب فساد العَقْد؛ فكذا
هذا، ولو قبل المشتري المبيع على هذا الشرط، ثم امتنع من تَسْليم الرهن، لا يجبر على
التَّسليم عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: يُجْبَر عليه .
وجه قوله: أن الرهن إذا شرط في البيع، فقد صار حقّاً من حقوقه، والجبر على التَّسليم
من(١) حقوق البيع، فيجبر عليه.
ولنا أن الرَّهن عقد تبرُّع في الأصل، واشتراطه في البيع لا يُخرجه عن أن يكون تبرُّعاً،
والجبر على التبرّع ليس بمشروع، فلا يجبر عليه، ولكن يقال له: إما أن تدفع الرهن أو قيمته،
أو تؤدِّي الثمن، أو يفسخ البائعَ البيع؛ لأن البائع لم يرضَ بزوال المبيع عن ملكه إِلا بوثيقة
الرَّهن، أو بقيمته؛ لأن قيمته تقوم مقامه؛ ولأن الدّين يستوفي من مالية الرهن، وهي قيمته،
وإذا أدَّى الثمن فقد حصل المقصود، فلا معنى للفَسْخ.
ولو امتنع المشتري من هذه الوجوه، فللبائع أن يفسخ البيع؛ لفوات الشرط والغرض،
وإن كان الرَّهن مجهولاً، فالبيع فاسد؛ لأَن جواز هذا الشَّرط مع أن القياس يأباه؛ لكونه ملائماً
للعقد مقرّراً لمقتضاه معنى، لحصولٍ معنى التوثُق والتأكَّد للثمن، ولا يحصل ذلك إلا
بالتَّسليم، وأنه لا يتحقّق في المجهول، ولو اتفقا على تَعيين رهن في المجلس جاز البيع؛ لأن
المانع هو جهالة الرَّهن، وقد زال، فكأنه كان معلوماً معيناً من الابتداء، لأن المجلس له حكم
حالة واحدة، وإن افترقا عن المجلس، تقرَّر الفساد.
وكذا إذا لم يتَّفقا على تعيين الرَّهن، ولكن المشتري نقد الثَّمن - جاز البيع أيضاً، لأن
المقصود من الرَّهن هو الوصول إلى الثمن، وقد حَصَل، فيسقط اعتبار الوثيقة؛ وكذلك البيع
بشرط إِعطاء الكفيل، لأنَّ الكفيل إن كان حاضراً في المجلس وقبل، جاز البيع استحساناً؛ وإن
کان غائباً، فالبيع فاسد.
(١) في ط: على.

١٧
كتاب البيوع
وكذا إِذا كان حاضراً، ولم يقبل؛ لأَن الجواز على مخالفة القياس ثَبَت لمعنى التَّوثيق،
وتوكيد الثَّمن؛ لما فيه من تقرير موجب العقد على ما بيَّنا، فإذا كان الكفيل غائباً، أو حاضراً،
ولم يقبل - لم تصحَّ الكَفَالة، فلم يحصل معنى التَّوثيق، فبقي الحكم على ما يقْتَضيه القياس.
وكذا إذا كان الكفيل مجهولاً، فالبيع فَاسدٌ، لأنَّ كفالةَ المجْهُول لا تصحُّ ولو كان الكفيلُ
معيَّناً وهو غائب، ثم حَضَر، وقَبِل الكَفَالة في المجلس - جاز البيع؛ لأنه جازت الكفالة بالقَبُول
في المجلس، وإذا حضر بعد الافتراق، تأكد الفساد، ولو شرط المشْتَري على البائع أن يحيله
بالثّمن على غريم من غرمائه أو على أن يضمن الثَّمن لغريم من غرماء البائع، فالبيع فاسد؛ لأن
شرط الحوالة والضَّمان شرط لا يقتضيه العَقْد، والشَّرط الذي لا يقتضيه العقد مفسد في
الأصل، إلا إذا كان فيه تقرير موجب العَقْد وتأكيده، والحوالة إِبراء عن الثَّمن وإسقاط له، فلم
يكن ملائماً للعقد، بخلاف الكفالة والرَّهن.
وكذلك إِن كان مما لا يقتضيه العقد، ولا يلائم العَقْد أيضاً، لكن للنَّاس فيه تعامل -
فالبيع جائز؛ كما إذا اشترى نَعْلاً، على أن يحدوه البائع، أو جراباً على أن يخرزه له خُفّاً أو
ينعل خفه، والقياس ألاَّ يجوز، وهو قول زفر - رحمه الله -.
وجه القياس: أن هذا شرط لا يقتضيه العَقْد، وفيه منفعة لأحد العاقدين، وأنه مفسد؛
كما إذا اشترى ثوباً بشرط أن يخيطه البائع له قميصاً؛ ونحو ذلك.
ولنا: أنَّ النَّاس تعاملوا هذا الشَّرط في البيع، كما تعاملوا الاستصناع، فسقط القياس
بتعامل الناس، كما سقط في الاستصناع،، ولو اشترى جارية على أنها بكراً، وطبّاخة، أو
خبازة؛ أو غلاماً على أنه كاتب أو خياط، أو باع عبداً بألف درهم على أنها صحاح، أو على
أنها جياد نقد بيت المال، أو اشترى على أنها مؤجلة - فالبيع جائز؛ لأن المشروط صفة/ ٨٥/٣ب
للمبيع، أو الثمن صفة محضة، لا يتصور انقلابها أصلاً، ولا يكون لها حصَّة من الثَّمن بحال.
ولو كان موجوداً عند العقد، يدخل فيه من غير تَسْمية، وأنها صفة مرغوب فيها، لا على
وجه التلهّي - والمشروط إِذا كان هذا سبيله، كان من مقتضيات العقد، واشتراط شرط يقتضيه
العقد لا يوجب فساد العقد؛ كما إذا اشترى بشرط التَّسليم وتملّك المبيع والانتفاع به، ونحو
ذلك، بخلاف ما إذا اشترى ناقةً على أنها حامل: أن البيع يفسد في ظاهر الرواية؛ لأن الشَّرط
هناك عين، وهو الحمل، فلا يصلحَ شرطاً، وكون الناقة حاملاً، وإن كان صفة لها، لكن لا
تحقق له إِلا بالحمل، وهو عين في وجوده غَرَر، ومع ذلك مجهول، فأوْجَبَ ذلك فساد البيع .
ويخرج على هذا أيضاً ما ذكرنا من المسائل: إِذا اشترى ناقةً على أنها تحلب كذا وكذا
رطلاً، أو على أنها حَلوبة، أو على أنها لبون. إن البيع بهذه الشروط فاسد؛ لأن المشروط في
هذه المواضع عينٌ، فلا يصلح شرطاً .
بدائع الصنائع ج٧ - ٢٢

١٨
كتاب البيوع
وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى جاريةً على أنها مغنيةً، على سبيل الرغبة فيها، لأَنَّ الغناء
جهة التلهي، فاشتراطها في البيع يوجِبُ الفساد؛ وكذا إِذا اشترى قمرية على أنها تصوّت، أو
طوطيا (١) على أنه يتكلم، أو حمامة على أنها تجيء من مكان بعيد، أو كبشاً على أنه نطاح، أو
ديكاً على أنه مقاتل؛ لأن هذه الجهات كلها جهات التلهّي، بخلاف ما إذا اشترى كلباً على أنه
معلّم، أو اشترى دابة على أنها هملاج؛ لأنه صفة لا حَظْر فيها بوجه، والله - عز شأنه -
الموفق .
ويجوز البيع بشرط البراءة عن العَيْب عندنا، سواء عمَّ العيوب كلها؛ بأن قال: بعت على
أني بريءٌ من كل عيب، أو خَصَّ بأن سمَّى جنساً من العيوب، وقال الشافعي - رحمه الله -:
إن خصَّ صحَّ، وإِن عمَّ لا يصح، وإذا لم يصحَّ الإِبراء عنده، هل يصح العقد له؟ فيه قولان:
في قول يبطل العَقْد أيضاً، وفي قولٍ يصحُّ العقد ويبطل الشَّرط، وعلى هذا الخلاف الإِبراء عن
الحقوق المجهولة، ولو شرط على أنّ بريءٌ من العيب الذي يحدث، رُوِي عن أبي يوسف -
رحمه الله - أن البيع بهذا الشَّرط فاسد(٢).
(١) طوطيا: قال الغزالي: هو الببغاء والببغاء معروف.
(٢) ومعنى البراءة من العيوب، هو أن يقول البائع للمشتري: بعتك هذه السلعة على أني بريء من كل عيب
يظهر بها، أو على ألا ترد علي بعيب مثلاً، ويقبل المشتري البيع على هذا الشرط.
وقد اختلف الفقهاء في مدى شرط البراءة من العيوب فقالت الحنفية: يصح البيع بشرط البراءة من كل
عيب، وسواء سمى العيوب، أو لم يسمها ظاهرة، أو خفية علم بها البائع وقت البيع، أو لم يعلم بها.
وقد أيدوا رأيهم هذا بأن الرد بالعيب حق المشتري وحده، وقد قيل البيع ملتزماً، إسقاط هذا الحق،
فيعمل بالتزامه. وهذا الدليل كما ترى جار في كل عيب.
وقالت الشافعية: على الراجح لديهم لو شرط البراءة من العيوب، فإن لا يبرأ إلا من عيب باطن بالحيوان
لم يعلمه، والمراد بالباطن ما لا يطلع عليه غالباً، فالشرط عندهم في براءة البائع إذا باع على البراءة
ينحصر في كل عيب خفي، إذا كان بالحيوان فقط، ويكون البائع مع ذلك غير عالم، وقت البيع؛ فإن
اختل أحد هذه الشروط فشرط البراءة غير صحيح.
وقد احتج الشافعية لمذهبهم: بأن قبول المشتري البيع على هذا الشرط إبراء للبائع من ضمان العيوب التي
قد توجد بالمبيع، وهو عنده، وهذه العيوب مجهولة للمشتري؛ لأن الفرض أنه غير عالم بها، والإبراء
من المجهول لا يصح شرعاً لأن الإبراء تمليك، وتمليك المجهول لا يصح باتفاق غاية ما هناك خرج عن
هذا الأصل صورة واحدة، وهي ما إذا كان العيب خفياً بحيوان، ولم يعلم به البائع. للدليل، وهو ما
روى مالك في الموطأ ((أنَّ ابنَ عُمَرَ - رَضِيَ الله عَنْهُ - بَاعَ غُلاَماً بثمانمائة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي
ابتاعه وهو زيد بن ثابت لعبد الله بن عمر: بالعبد داء لم تسمه لي فاختصما إلى عثمان - رضي الله تعالى
عنه - فقضى على ابن عمر أن يحلف لقد باعه وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد.
فباعه بألف وخمسمائة فدل قضاء عثمان على صحة البراءة من العيب في بيع العبد، إذا لم يعلم بعيب
البائع، وقیس بالعبد سائر الحيوان.
=

١٩
کتاب البيوع
يقول الإمام الشافعي: رضي الله عنه: ((وَلأَنَّ الْحَيَوَانَ يُفَارِقُ مَا سِوَاهُ، لأنه يغتذى بالصّحَة وَالسَّفَمِ، وَقَوُّلِ
=
طِبَاعِهِ وَقَلَّمَا يَبْرَأُ مِنْ عَيْبٍ يَظْهَرُ أَوْ يَخْفَي فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى التََّرِّي مِنَ الْعَيْبِ الْبَاطِنِ فِيهِ لأَنَّ لاَ سَبِيلَ إِلَى
مَعْرِفَتِهِ، وَتَوْقَيَف الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ)).
فعند الشافعي ليس غير الحيوان كالحيوان؛ لأن لا قبول طباعة كتحوله، وليس الظاهر كالباطن؛ لأن البائع
غير معذور في الجهل به.
وقالت المالكية على المشهور عندهم: لا ينتفع البائع بالبراءة من العيوب إلا في بيع الرقيق خاصة بشرطين
ألا يعلم بالعيب وقت البيع. وأن يكون مع ذلك قد مكث عنده مدة تكفي في العادة؛ لظهور ما قد يكون
به من العيوب، فلو باعه فور شرائه مثلاً شارطاً البراءة من العيوب، لَمْ يَصِحَّ هَذَا الشرط. وحجتهم على
ذلك هي قضية عَبْدِ اللَّهِ، وزيد المتقدمة؛ لأن موردها كان عبداً فاقتصر عليه، وبقي ما عداه على القياس،
وهو ضمانه من البائع.
وأما الحنابلة فعندهم روايتان:
أولاهما - لا يبرأ البائع إلا من كل عيب علمه المشتري دون ما جهله وثانيتهما - يبرأ من كل عيب لم
يعلمه هو وقت البيع.
أما الرواية الأولى - فهي محل وفاق، وليست تمس موضوع النزاع اللهم إلا من ناحية الإنكار له كلية،
إذ مفهوم هذه الرواية أن شرط البراءة من العيوب التي يجهلها المشتري غير صحيح مطلقاً، ولعل
حجتهم هو الجهل بالمبرأ منه وأما الرواية الثانية القائلة ببراءة البائع من كل عيب لم يعلم به وقت
البيع، فحجتهم عليها هي القصة المذكورة أيضاً ولم يروا فارقاً بين الحيوان وغيره، وليس في القصة
أكثر من أن موضوعها كان عبداً ولم يكن هذا إلا من قبيل المصادفة، فلا يصح أن نتمسك بمعناها
الضيق المحدود، بل كل ما ثبت أن في معناها، فهو من مشمولها. والذي يؤخذ من قضاء عثمان إنما
هو شرط عدم علم البائع بالعيب حين البيع إثباتاً لحسن نيته، وفراراً من الغش، والتدليس والتخايل
على أكل أموال النَّاسِ بالباطل.
ولما كان من عدا الشافعية من المالكية؛ والحنابلة تبعاً لهم في الدليل إذ الاختلاف بينهم إنما هو في مدى
ما تدل عليه قصة عبد الله بن عمرو، وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما. ولما كان محور النزاع بين
الشافعية، وبين الحنفية يدور على صحة الابراء من المجهول، وعدم صحته؛ لذا سنقصر مناقشتنا على
تحرير هذه النقطة وبيان الصواب فيها بإذن الله.
اتفق الحنفية، والشافعية على مقدمتين:
الأولى - أن التمليك لا بد فيه من العلم بالمملك، فلا يصح تمليك المجهول للغرر، لعدم القدرة على
التسليم .
والثانية - أن الإسقاط لا يشترط فيه العلم بالساقط؛ لأن الساقط يتلاشى من تلقاء نفسه؛ فليست هناك
حاجة إلى التسليم.
واختلفوا في الإبراء، هل هو تمليك أو إسقاط؟
فقالت الحنفية: هو إسقاط، لأنه لا يحتاج إلى قبول، فكان كالطلاق والعتاق، المتفق على أنهما إسقاط؛
ولذا لو طلق نساءه، أو أعتق عبيده - وهو لا يعلمهم - صح طلاقه، وعتقه، بلا خلاف.
=

٢٠
كتاب البيوع
وقالت الشافعية: هو تمليك، لأنه يرتد بالرد ولا يصح تعليقه؛ كما لو أبرأ مديونه من دينه، فقال
=
المديون: لا أقبل، أو قال: إن جاء فلان من سفره مثلاً فقد أبرأتك مما لي عليك - فإن الإبراء لا يصح
في الصورتين - وهذا أمارة أنه تمليك لا إسقاط؛ إذ الإسقاط لا يبطل بالرد، ولا بالتعليق اتفاقاً.
إذا فهمت ذلك، علمت أن الفريقين متفقان على أن الإبراء فيه آثار من التمليك، وآثار من الإسقاط،
والاختلاف بينهما في إلحاقه بأيهما تبعاً لقوة هذه الآثار وضعفها، على حسب ما يتراءى لكل منهم،
ونحن إذا ما نظرنا في الأمر نظرة فاحصة سابرة؛ فإنه يتبين لنا أن الإبراء تنازل من صاحب الحق عن حقه
لمن عليه الحق، فالإبراء إسقاط بالنسبة لصاحب الحق، تمليك بالنسبة لمن عليه الحق.
وإذاً، فلا مانع يمنع من اجتماع آثارهما فيه، وإذا ما كان بين هذه الآثار عناد وتضاد - فالحكم طبعاً إنما
هو للأقوى والأرجح منها.
وليس الإبراء في هذا كالطلاق والعتاق؛ لأن الإبراء كما بينا إسقاط حق كان يجب على المبرأ منه أداؤه،
وتوفيته لمن له الحق، ولا كذلك الطلاق والعتاق فلا جرم لم يستلزما التمليك، ولا شيئاً من آثار
التمليك .
وهنا إتماماً للفائدة نقول: لماذا غلبوا جانب الإسقاط على جانب التمليك في الإبراء، فلم يوجبوا فيه
القبول؟ لأن القبول إنما يحتاج إليه في كل تمليك يتعاكس فيه البدلان؛ لأن كلا من المتعاقدين يتنازل عن
ملكه في بدله للآخر، فاحتيج لخروجه عن ملكه إلى صريح القول، والإبراء لا يتعاكس فيه بدلان؛ لأنه
ليس فيه سوى بدل واحد هو للمبرىء، فاحتيج إلى قوله في التنازل عنه، ولم يحتج إلى قول الآخر؛ لأنه
لا بدل له يتنازل عنه في مقابل بدل صاحبه، ويكفي في دخول بدل صاحبه في ملكه ألا يرده.
ولماذا غلبوا جانب التمليك على جانب الإسقاط في الإبراء، فقالوا: إن يرتد بالرد، ويبطل بالتعليق؟
الجواب: أن الإبراء لما كان يلزمه التمليك، ولا يدخل شيء في ملك أحد قهراً عنه - ارتد بالرد، وبطل
كذلك بالتعليق؛ لأن التمليك لا يقبله؛ لما فيه من الغرر، ولأنه يشبه القمار.
بعد هذا نقول: الجهل بالمبرأ منه، هل يبطل الإبراء أم لا يبطله؟ كان مقتضى النظر أن يكون الجهل
كالتعليق، كلاهما يبطل الإبراء لما يستلزمه من التمليك.
وفي اعتقادي أن هذا نظر سطحي غير شامل؛ لأن غرر التعليق في الإبراء لا يزول، وهو تردد الملك بين
الثبوت وعدمه، بينما غرر الجهل يزول في الإبراءِ؛ لأن غرره الذي هو عدم القدرة على التسليم لا وجود
له في الإبراء؛ إذ لا حاجة إلى التسليم فيه، بل ينتقل الحق من ذمة المبرىء إلى ذمة المبرأ، فينمي من
تلقاء نفسه؛ لاتحاد الذمتين في شخص المبرأ منه. وحيث كان الأمر كذلك فالجهل بالمبرأ منه لا يبطل
الإبراء .
ولتعلم أن الجهل من حيث هو جهل لا يبطل التمليك، فكثيراً ما يدخل عقود التمليك ولا يبطلها؛ كما لو
ابتاع قدح طعام من صبرة، وإنما يبطلها من حيث إنه يفضي إلى عدم القدرة على التسليم.
وبعد الفراغ من هذا التحقق نقول: إن البائع حين باع شارطاً البراءة من كل عيب قد يكون بالمبيع، وقبل
المشتري البيع على ذلك بعد - والحال هذه - مبرئاً للبائع من العيوب التي يضمنها بمقتضى أصل العقد،
ولما كان هذا الإبراء تصرفاً صادراً من أهله في محله، لأن الرد بالعيب حقه وحده، ولم يوجد مانع يمنع
من صحته، أو نفاذه من تعليق أو رد كان صحيحاً ونافذاً شرعاً، لوجود المقتضى، وانتفاء المانع.
=