النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ كتاب البيوع وسواء علم الرسول رجوع المرسل أو لم يعلم به، بخلاف ما إذا وَكَّلَ إِنساناً ثم عزله بغير علمه، لا يصح عزلُه، لأن الرسول يحكي كلام المرسل وينقله إلى المرسل إليه، فكان سفيراً ومعبراً محضاً (١)، فلم يشترط علم الرسول بذلك؛ فأما الوكيل فإنما يتصرف عن تفويض الموكل إليه، فشرط علمه بالعزل صيانةً له عن التعزير؛ وعلى ما نذكره في كتاب الوكالة. وكذا هذا في الإِجارة والكتابة إِن اتحاد المجلس شرط للانعقاد، ولا يتوقف أحد الشطرين من أحد العاقدين على وجود الشطر الآخر إِذا كان غائباً؛ لأن كل واحد منهما عقد معاوضة إِلاَّ إِذا كان عن الغائب قابلٌ، أو بالرسالة أو بالكتابة كما في البيع. وأما في النكاح فهل يتوقف بأن يقول رَجُلٌ للشهود: اشْهَدُوا إني قد تَزَوَّجْتُ فلانةً بكذا، وبلغها فأجازت، أو قالتِ امرأةٌ: اشهدوا أني [قد] (٢) زَوَّجْتُ نفسي من فلانٍ بكذا، فبلغه، فأجاز، عند أبي حنيفة ومحمد لا يتوقف أيضاً إلا إذا كان عن الغائب قابل، وعند أبي يوسف يتوقف، وإِن لم يقبل عنه أحد. وكذا الفضولي من الجانبين؛ بأن قال: زَوَّجْتُ فلانةً من فلان، وهما غائبان فبلغهما فأجازا، لم يجز عندهما، وعند أبي يوسف يجوز، وهذه مسألة ((كتاب النكاح))، والفضولي من الجانبين في باب البيع إذا بلغهما فأجازا، لم يجز بالإِجماع، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. وأما الشطر في ((باب الخلع)) فمن جانب الزوج يتوقف بالإِجماع؛ حتى لو قال: خالعتُ امرأتي [فلانة](٣) الغائبة على كذا، فبلغها الخبر، فقبلت، جاز. وأما من جانب المرأة فلا يتوقف بالإِجماع حتى لو قالت: اختلعت من زوجي فلان الغائب على كذا، فبلغه الخبر فأجاز، لم يجز. ووجه الفرق أن الخلع في جانب الزوج يمين، لأنه تعليق الطلاق بقبول المال فكان يميناً، ولهذا لا يملك الرجوع عنه وتصحُّ فيه الإِضافة إلى الوقت والتعليقُ بالشرط بأنْ يقولَ الزوج خالعتك غداً، وإِن قدم فلان فقد خالعتك على كذا، وإذا كان يميناً فغيبة المرأة لا تمنع صحة اليمين؛ كما في التعليق بدخول الدار وغير ذلك. وأمَّا من جانب المرأة فهو معاوضة، ولهذا لا يصح تعليقه بالشرط من جانبها، ولا تصح إضافته إلى وقت وتملك الرجوع قبل إجازة الزوج، وإِذا كان معاوضة، فالشطر في المعاوضات لا يتوقف كما في البيع وغيره. (١) في أ: مخلصاً. (٣) سقط من ط. (٢) سقط من ط. ٥٤٢ كتاب البيوع وكذا الشطر في إِعتاق العبيد على مالٍ من جانب المولى يتوقف إذا كان العبد غائباً، ومن جانب العبد لا يتوقف إِذا كان المولى غائباً؛ لأنه من جانبه تعليق العتق بالشرط، ومن جانب العبد معاوضة . والأصل أن في كل موضع لا يتوقف الشطر على ما وراء المجلس يصح الرجوع عنه، ولا يصح تعليقه بالشرط وإضافته إلى الوقت كما في البيع والإِجارة والكتابة، وفي كُلِّ موضعٍ يتوقف الشطر على ما وراء المجلس لا يصحُّ الرجوع عنه، ويصحُّ تعليقه بالشرط وإضافته إلىّ الوقت؛ كما في الخلع من جانب الزوج والإِعتاق على مال من جانب المولى، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. فصل [فيما يرجع إلى المعقود عليه] وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه فأنواع: منها أن يكون موجوداً، فلا ينعقد بيع المعدوم وماله خطر العدم؛ كبيع نتاج النتاج؛ بأن قال: بعتُ وَلَدَ ولَدِ هذه الناقة؛ وكذا بيع الحمل؛ لأنه إِن باع الولد فهو بيع المعدوم، وَإِن باع الحمل فله خطر المعدوم(١)، وكذا بيع اللبن في الضرع، لأنه له خطر لاحتمال انتفاخ الضرع؛ وكذا بيع الثمر والزرع قبل ظهوره؛ لأنهما معدوم، وإن كان بعد الطلوع جاز، وَإِن كان قبل بدو صلاحهما إذا لم يشترط الترك. ومن مشايخنا مَنْ قال: لا يجوز إِلاَّ إذا صار بحال ينتفع به بوجه من الوجوه، فإن كان بحيث لا ينتفع به أصلاً لا ينعقد. واحتجُّوا بما روي عن النبي ◌ََّ أنه نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَارِ قَبْلَ بُدُوْ صَلاَحِهَا))(٢) ولأنه إذا لم / يبدو صلاحها لم تكن منتفعاً بها، فلا تكون مالاً،َ فلا يجوز بيعها، وهذا خلاف الرواية؛ فإن محمداً ذكر في ((كتاب الزكاة) في ((باب العشر)) أنه لو باع الثمار في أول ما تطلع وتركها بأمر البائع حتى أدركت، فالعشر على المشتري، ولو لم يجز بيعها حين ما طلعت لما وجب عشرها على المشتري. ٦٧/٣ ١ (١) في أ: العدم. (٢) أخرجه البخاري (٣٩٤/٤) كتاب البيوع: باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها حديث (٢١٩٤) ومسلم (١١٦٥/٣) كتاب البيوع: باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها حديث (١٥٣٤/٤٩) وأبو داود (٢٥٢/٣) كتاب البيوع: باب في بيع الثمار حتى يبدو صلاحها حديث (٣٣٦٧) والنسائي (٢٦٢/٧ - ٢٦٣) كتاب البيوع: باب بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه وأحمد (٥٦/٢، ٧٧) من حديث ابن عمر. ٥٤٣ كتاب البيوع والدليل على جواز بيعه ما روي عن النبي وَّ أنه قال: ((مَنْ بَاعَ نَخْلاً مُؤَبَّرَةً فَثَمَرَتُهُ لِلْبَائِع إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهَا المُبْتَاعُ))(١)، جعل الثمرة للمشتري بالشرط من غير فصل بين ما إذا بدا صلاحُهَا أَو لا، دَلَّ أنها محل البيع كيف ما كان، والمعنى فيه، وهو أنه باع ثمرة موجودة وهي بعرض أن تصير منتفعاً بها في الثاني، وَإِن لم يكن منتفعاً بها في الحال، فيجوز بيعها كبيع جرو الكلب على أصلنا، وبيع المهر والجحش والأرض السبخة، والنهي محمول على بيع الثمار مدركة قبل إِدراكها، بأن باعها ثمراً وهي بسر، أو باعها عنباً وهي حصرم، دليل صحة هذا التأويل قوله (عليه السلام) في سياق الحديث: ((أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ صَاحِبِهِ))(٢) ولفظه المنع تقتضي أن لا يكون ما وقع عليه البيع موجوداً؛ لأن المنع منع الوجود، وما يوجد من الزرع بعضه بعد بعض كالبطيخ والباذنجان، فيجوز بيع ما ظهر منه، ولا يجوز بيع ما لم يظهر، وهذا قول عامة العلماء (رضي الله عنهم). وقال مالك (رحمه الله): إِذا ظَهَرَ فيه الخارج الأول يجوز بيعه؛ لأن فيه ضرورة لأَنَّه لا يظهر الكل دفعة واحدة، بل على التعاقب بعضها بعد بعض، فلو لم يجز بيع الكل عند ظهور البعض لوقع الناس في الحرج. وَلَنَا أن ما لم يظهر منه معدومٌ، فلا يحتمل البيع، ودعوى الضرورة والحرج ممنوعةٌ، فإِنه يمكنه أن يبيع الأصل بما فيه من الثمر، وما يحدث منه بعد ذلك يكون [على](٣) ملك المشتري . وقد روي أن رسول الله وََّ نَّهَى عَنْ بَيْعِ الحبلِ وحَبلِ الحبلِ(٤)، وروي: ((حبلِ الحبلة)) (١) تقدم. (٢) تقدم. (٣) سقط من ط . (٤) أخرجه مالك (٦٥٣/٢ - ٦٥٤) كتاب البيوع: باب ما لا يجوز من بيع الحيوان حديث (٦٢) والبخاري (٣٥٦/٤) كتاب البيوع: باب بيع الغرر وحبل الحبلة حديث (٢١٤٣) ومسلم (١١٥٣/٣ - ١١٥٤) كتاب البيوع: باب تحريم بيع حبل الحبلة حديث (٥، ١٥١٤/٦) والترمذي (٥٣١/٣) كتاب البيوع: باب ما جاء في بيع حبل الحبلة حديث (١٢٢٩). وأحمد (٦٣/٢، ١٠٨) وأبو داود (٢٧٥/٢) كتاب البيوع: باب في بيع الغرر حديث (٣٨٨٠) والنسائي (٢٩٤/٧) كتاب البيوع: باب تفسير ذلك وأبو يعلى (١٩١/١٠) رقم (٥٨٢١) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥٢/٦) والبيهقي (٣٤٠/٥) كتاب البيوع باب النهي عن بيع حبل الحبلة والبغوي في ((شرح السنة)) (٤ / - بتحقيقنا) من طريق نافع عن ابن عمر أن النبي ◌َّ نهى عن بيع حبل الحبلة. وقال الترمذي: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح. وزاد البخاري («وكان بيعاً يتبايعه أهل الجاهلية كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في = ٥٤٤ کتاب البيوع = بطنها)» وهذا من كلام نافع. وللحديث طريق آخر عن ابن عمر . أخرجه أحمد (١١/٢) والحميدي (٣٠٣/٢) رقم (٦٨٩) والنسائي (٧/ ٢٩٣) كتاب البيوع: باب بيع الحبلة وابن ماجه (٧٤٠/٢) كتاب التجارات: باب النهي عن شراء ما في بطون الأنعام وضروعها حديث (٢١٩٧) من طريق سفيان حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر به. وأخرجه أبو يعلى (٢٢/١٠) رقم (٥٦٥٣) من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن سعيد بن جبير ونافع عن ابن عمر. وفي الباب عن أبي سعيد الخدري وابن عباس. حديث أبي سعيد: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣١/٦) وأحمد (٤٢/٣) وابن ماجه (٧٤٠/٢) كتاب التجارات: باب النهي عن شراء ما في بطون الأنعام وضروعها حديث (٢١٩٦) وأبو يعلى (٣٤٥/٢) رقم (١٠٩٣) والدار قطني (٣/ ١٥) كتاب البيوع رقم (٤٤) والبيهقي (٣٣٨/٥) كتاب البيوع: باب النهي عن بيع الغرر وإسحاق بن راهويه والبزار في ((مسنديهما)) كما في ((نصب الراية)) (١٥/٤) كلهم من طريق محمد بن إبراهيم الباهلي عن محمد بن زيد العبدي عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري ((أن النبي وَّ نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع وعن بيع ما في ضروعها وعن شراء العبد وهو آبق وعن شراء المغانم حتى تقسم وعن شراء الصدقات حتى تقبض وعن ضربة الغائص)). وهذا إسناد ضعيف جداً محمد بن إبراهيم مجهول. ومحمد بن زيد ضعفه الدارقطني انظر ((الضعفاء والمتروكين)) للدار قطني (٤٧٠). وقال البيهقي: إسناد غير قوي. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٥/٤). ورواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) إلا أنه لم يذكر في إسناده محمد بن إبراهيم ومن جهة عبد الرزاق ذكره عبد الحق في ((أحكامه)) وقال: إسناد لا يحتج به وشهر مختلف فيه ويحيى بن العلاء الرازي شيخ عبد الرزاق ضعيف وهو يروي عن جهضم به. وقال ابن القطان: وسند الدارقطني يبين أن سند عبد الرزاق منقطع. اهـ. والحديث ذكره ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٣٧٣/١) رقم (١١٠٨) وقال: سألت أبي عن حديث رواه حاتم بن إسماعيل عن جهضم بن عبد الله اليمامي عن محمد بن إبراهيم الباهلي عن محمد بن زيد عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد أن النبي ون لل نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع وعن ما في ضروعها إلا بكيل وعن شراء العبد الآبق وعن شراء المغانم حتى تقسم وعن شراء الصدقات حتى تقبض وعن ضربة الغائص قلت لأبي من محمد هذا، قال هو محمد بن إبراهيم شيخ مجهول. حديث ابن عباس : أخرجه البزار (٨٧/٢ - كشف) رقم (١٢٦٨) والطبراني في ((الكبير)) كما في ((نصب الراية)) (١٠/٤) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي اوَلية نهى عن الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة. = ٥٤٥ كتاب البيوع وهو بمعنى الأول، وإِنما زيادة الهاء للتأكيد والمبالغة، وروي: ((حبل الحبلة)) بحفظ الهاء(١) من الكلمة الأخيرة، والحبلة هي الحبلى، فكان نهياً عن بيع ولد الحبلى. وَرَوِي عنه (عليه الصلاة والسلام) أنه نَّهَى عَنْ بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَبَيْعِ عَسْبِ الفَخْلِ(٢) قال البزار: لا نعلمه عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد. وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٤/ ١٠٧) = وقال: رواه الطبراني في الكبير والبزار وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وثقه أحمد وضعفه جمهور الأئمة. (١) في أ: التاء. (٢) النهي عن عسب الفحل. أخرجه أحمد (١٤/٢) والبخاري (٤/ ٤٦١)، كتاب الإجارة، باب عسب الفحل حديث (٢٢٨٤) وأبو داود (٧١١/٣ - ٧١٢) كتاب البيوع والإجارات، باب في عسب الفحل حديث (٣٤٢٩) والترمذي (٥٧٢/٣) كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية عسب الفحل، حديث (١٢٧٣) والنسائي (٧/ ٣١٠) كتاب البيوع باب ضراب الجمل، والحاكم (٤٢/٢) كتاب البيوع، باب النهي عن عسب الفحل، وابن الجارود (٥٨٢) والبيهقي (٣٣٩/٥) كتاب البيوع، باب النهي عن عسب الفحل من حديث ابن عمر ((أن النبي ◌َّي نهى عن عسب الفحل)). وقال الترمذي حسن صحيح. وفي الباب عن جماعة من الصحابة. وهم أبو هريرة وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب والبراء بن عازب وأبو سعيد الخدري. حديث أبي هريرة: أخرجه النسائي (٣١١/٧) كتاب البيوع: باب ضراب الجمل وابن ماجه (٧٣٠/٢) كتاب التجارات: باب النهي عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن وعسب الفحل حديث (٢١٦٠) والدارمي (٢٧٢/٢) كتاب البيوع: باب في النهي عن عسب الفحل، من طريق محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله وَّر عن ثمن الكلب وعسب الفحل. وأخرجه أحمد (٥٠/٢) وأبو يعلى (٢٥٧/١١) رقم (٦٣٧١) من طريق عطاء بن أبي هريرة قال: نهى رسول الله وَّر عن عسب الفحل. وأخرجه أحمد (٢٩٩/٢) والنسائي (٣١١/٧) كتاب البيوع: باب ضرار الجمل، من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن المغيرة قال: سمعت ابن أبي نعم قال: سمعت أبا هريرة يقول نهى رسول الله عن كسب الحجام وعن ثمن الكلب وعن عسب الفحل. حديث أنس بن مالك: أخرجه الترمذي (٥٧٣/٣) كتاب البيوع: باب ما جاء في كراهية عسب الفحل حديث (١٢٧٤) والنسائي (٣١٠/٧) كتاب البيوع: باب ضراب الفحل والبيهقي (٣٣٩/٥) كتاب البيوع: باب النهي عن عسب الفحل والطبراني في ((الصغير)) (٩٥/٢) من طريق يحيى بن آدم ثنا إبراهيم بن حميد عن هشام بن عروة عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أنس بن مالك أن رجلاً من كلاب سأل النبي وَّة عن عسب الفحل فنهاه فقال: يا رسول الله إنا نطرق الفحل فنكرم فرخص له في الكرامة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن حميد عن هشام بن عروة. وللحديث طريق آخر : أخرجه أحمد (١٤٥/٣) وأبو يعلى (٢٨٠/٦) رقم (٣٥٩٢) من طريق ابن لهيعة ثنا يزيد بن أبي حبيب = بدائع الصنائع ج٦ - م٣٥ ٥٤٦ كتاب البيوع لأن عَسْبَ الفحل ضرابُهُ، وهو عند العقد معدوم، وقد روي أن رسول الله وَلَ نَهَى عَنْ عَسْبِ الفحلِ، ولا يمكن حمل النهي على نفس العسب، وهو الضراب؛ لأن ذلك جائز بالإعارة، فيحمل على البيع والإِجارة، إلا أنه حذف ذلك وأَضمره فيه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وغير ذلك، ولا يجوز بيع الدقيق في الحنطة، والزيت في الزيتون، والدهن في السمسم، والعصير في العنب، والسمن في اللبن. ويجوز بيع الحنطة وسائر الحبوب في سنابلها، لأن بيع الدقيق في الحنطة، والزيت في الزيتون، ونحو ذلك بيعُ المعدوم؛ لأنه لا دقيق في الحنطة، ولا زيت في الزيتون؛ لأن الحنطةَ اسم للمركب، والدقيقَ اسمٌ للمتفرق، فلا دقيق في حال كونه حنطة، ولا زيت حال كونه زيتوناً، فكان هذا بيع المعدوم، فلا ينعقد؛ بخلاف بيع الحنطة في سنبلها؛ لأن ما في السنبل حنطة، إذ هي اسم للمركب(١) وهي في سنبلها على تركيبها، فكان بيع الموجود حتى لو باع تبن الحنطة في سنبلها دون الحنطة لا ينعقد؛ لأنه لا يصير تبناً إلاَّ بالعلاج وهو الدق، فلم يَكُنْ تبناً قبله، فكان بيع المعدوم فلا ينعقد، وبخلاف بيع الجذع في السقف والآجر في الحائط وذراع من كرباس أو ديباج، أنه ينعقد حتى لو نزع وقطع وسلم إلى المشتري، يجبر على الأخذ، وههنا لا ينعقد أصلاً حتى لو طحن أو عصر وسلم، لا يجبر المشتري على القبول؛ وعقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول الله وَلقر نهى أن يبيع الرجل فحله فرسته وسنده = ضعيف لضعف ابن لهيعة. حديث علي بن أبي طالب: ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٤/ ٩٠) عنه أن النبي ◌َّ نهى عن كل ذي ناب من السبع وعن كل ذي مخلب من الطير وعن ثمن الميتة وعن لحم الحمر الأهلية وعن مهر البغي وعن عسب الفحل وعن مياثر الأرجوان وقال الهيثمي: رواه عبد الله بن أحمد ورجاله ثقات. حديث البراء بن عازب: ذكره أيضاً الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٩٠/٤) عنه عن النبي ◌َّر أنه نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وكسب الحجام وحلوان الكاهن وعسب الفحل وكان للبراء تيس يطرقه من طلبه ولا يمنعه أحداً ولا يعطي أجر الفحل. قال الهيثمي: رواه الطبراني في ((الكبير)) وفيه يحيى بن عباد الحرشي ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات . له شاهد أيضاً من حديث جابر بلفظ نهى وَلّ عن طرق الفحل أخرجه مسلم (١١٩٧/٣) كتاب المساقاة: باب تحريم بيع فضل الماء حديث (١٥٦٥/٣٥) والنسائي (٧/ ٣١٠) كتاب البيوع: باب ضراب الجمل وأبو يعلى (٣٤٨/٣) رقم (١٨١٦) من طريق أبي الزبير عن جابر واللفظ لأبي يعلى. ولفظ مسلم: نهى عن ضراب الجمل. (١) في أ: المتركب. ٥٤٧ كتاب البيوع لأن عدم النفاذ هناك ليس لخلل في الركن، ولا في العاقد والمعقود عليه، بل لمضرة تلحق العاقد بالنزع والقطع، فإِذا نزع وقطع فقد زال المانع، فنفذ، أما ههنا فالمعقود عليه معدومٌ حَالَةَ العقدِ، ولا يتصور انعقاد العقد بدونه، فلم ينعقد أصلاً، فلا يحتمل النفاذ، فهو الفرق. وكذا بيع البزر في البطيخ الصحيح؛ لأنّه بمنزلة الزيت في الزيتون وبيع النوى في التمر، وكذلك بيع اللحم في الشاة الحية؛ لأنها إِنما تصير لحماً بالذبح والسلخ؛ فكان بيع المعدوم فلا ينعقد . وكذا بيع الشحم الذي فيها وأَليتها وأكارعها ورأسها؛ لما قلنا؛ وكذا بيع / البحير (١) في ٠٦٧/٣ السمسم؛ لأنه إِنما يصير بحيرا بعد العصر. وعلى هذا يخرج ما إِذا قال: بعتُك هذا الياقوت بكذا، فإذا هو زجاج، أو قال: بعتُك هذا الفص على أنه ياقوتٌ بكذا، فإذا هو زجاج، أو قال: بعتك هذا الثوب الهروي بكذا، فإِذا هو مروي، أو قال: بعتُك هذا الثوب على أنه مروي، فإِذا هو هروي - لا ينعقد البيع في هذه المواضع؛ لأن المبيع معدومٌ. والأَصلُ في هذا أن الإِشارة مع التسمية إذا اجتمعتا في باب البيع فيما يصلح محل البيع، ينظر إِن كان المشار إليه من خلاف جنس المسمى، فالعبرةُ للتسمية ويتعلق العقد بالمسمى، وَإِن كان من جنسه لكن يخالفه في الصفة، فإِن تفاحش التفاوت بينهما، فالعبرةُ للتسمية أيضاً عندنا، ويلحقان بمختلفي الجنس، وَإِن قل التفاوت، فالعبرةُ للمشار إليه، ويتعلق العقد به. وإذا عرف هذا فنقول الياقوت مع الزجاج جنسان مختلفان؛ وكذا الهروي مع المروي نوعان مختلفان، فيتعلق العقد فيه بالمسمى وهو معدومٌ، فيبطل ولا ينعقد، ولو قال: بعتُك هذا العبد، فإِذا هو جارية، لا ينعقد عند أصحابنا الثلاثة (رحمهم الله)، وعند زفر (رحمه الله) يجوزُ. وجه قوله أن المسمى ههنا من جنس المشار إليه، أعني: العبد والجارية، وَإِنما يختلفان في صفة الذكورة والأنوثة، وهذا لا يمنع تعلق العقد بالمشار إليه؛ كما إِذا قال: بعتُك هذه الشاة على أنها نعجة، فإذا هي كبشٌ. ولنا أنهما جنسان مختلفان في المعنى لاختلاف جنس المنفعة المطلوبة اختلافاً فاحشاً، فالتحقا بمختلفي الجنس حقيقةً؛ بخلاف النعجة مع الكبش لأنهما اتفاقا جنساً ذاتاً ومعنى، أَما ذاتاً فظاهرٌ، لأن اسم الشاة يتناولها . (١) في أ: التجير. ٥٤٨ كتاب البيوع وأَمَّا معنى فلأن المطلوب مِنْ كُلِّ واحدٍ منهما منفعة الأكل، فتجانسا ذاتاً ومنفعةٌ، فتعلق العقد بالمشار إليه، وهو موجود محل للبيع، فجاز بيعه، ولكن المشتري بالخيار؛ لأَنّه فاتته صفة مرغوبة، فأوجب ذلك خللاً في الرضا، فيثبت له الخيار، وكذا لو باع داراً على أن بناءها آجر، فإِذا هو لَبِنْ، لا ينعقد لأنهما يتفاوتان في المنفعة تفاوتاً فاحشاً، فكانا كالجنسين المختلفين. وكذا لو باع ثوباً على أنه مصبوغٌ بعصفر، فإذا هو مصبوٌ بزعفران، لا ينعقد؛ لأَن العصفر مع الزعفران يختلفان في اللون اختلافاً فاحشاً. وكذا لو باع حنطة في جولق، فإِذا هو دقيق أو شرط الدقيق، فإذا هو خبز لا ينعقد؛ لأن الحنطة مع الدقيق جنسان مختلفان؛ وكذا الدقيق مع الخبز. ألا ترى أَن من غصب من آخر حنطة وطحنها ينقطعُ حق الملك(١)، دَلَّ أنها تصير بالطحن شيئاً آخر، فكان بيع المعدوم فلا ينعقد، وإِن قال: بعتُك هذه الشاة على أنها ميتة، فإذا هي ذكية، جاز بالإِجماع، لأَن الميتةَ ليستْ بمحلٌ للبيع، فلغت التسمية وبقيت الإِشارة إلى الذكية، ولو قال: بعتُك هذا الثوب القز، فإذا هو ملحم، ينظر إِن كان سداه من القز ولحمته من غيره لا ينعقد، وإِن كان لحمته من القز، فالبيع جائزٌ؛ لأن الأصل في الثوب هو اللحمة؛ لأَنّه إِنما يصير ثوباً بها، فإذا كانت لحمته من غير القز، فقد اختلف الجنس، فكانت العبرة للتسمية، والمسمى معدوم، فلم ينعقد البيع، وإِذا كانت من القز فالجنس لم يختلف، فتعتبر الإِشارة، والمشار إليه موجودٌ، فكان محلاً للبيع إِلاَّ أنه يثبت الخيار للمشتري؛ لأَن كون السدى منه أمرٌ مرغوب فيه، وقد فات، فوجب الخيار. وكذلك إذا قال بعتُك هذا الثوب الخز بكذا، فإذا هو ملحمٌ، فهو على التفصيل إِلاَّ أن لحمته إذا كانت خزًّا وسداه من غيره حتى جاز البيع، فقد قيل أنه ينبغي أن لا يثبت الخيار للمشتري ههنا، لأَن الخز هكذا ينسج بخلاف القز. ولو باع جبَّةً على أن بطانتها وظهارتها كذا وحشوها كذا، فإن كانت الظهارة من غير ما شرط، لا ينعقد البيع، وإن كانت البطانة والحشو مما شرط، وإن كانت الظهارة مما شرط، جاز البيع، وَإِنْ كانتِ البطانة والحشو من غير ما شرط؛ لأَن الأصل هو الظهارة. أَلاَ ترى أنه ينسب الثوب إِليها ويختلف الاسم باختلافها، وإنما البطانة تجري مجرى التابع لها، وكذا الحشو فكان المعقود عليه هو الظهارة، وما سواها جارياً مجرى الوصف لها، ففواته لا يمنع الجواز، ولكنه يوجب الخيار؛ لأنه فات شيء مرغوب فيه. (١) في أ: المالك. ٥٤٩ كتاب البيوع ولو قال: بعتُك هذه الدار على أن فيها بناءً، فإذا لا بناء فيها، فالبيع / جائزٌ، والمشتري ٦٨/٣ أ بالخيار إن شاء أخذ بجميع الثمن، وإن شاء ترك، فرق بين هذا وبين ما إذا قال: بعتُك هذه الدار على أن بناءها آجر، فإذا هو لبن، أنه لا ينعقد. ووجه الفرق أَنَّ الآجر مع اللبن يتفاوتان في المنفعة تفاوتاً فاحشاً، فالتحقا بمختلفي الجنس على ما بينا فيما تقدم. ومنها: أن يكون مالاً؛ لأن البيع مبادلة المال بالمال، فلا ينعقد بيع الحرّ؛ لأنه ليس بمال، وكذا بيع أم الولد؛ لأنها حرة من وجه؛ لما روي عن رسولِ اللهِ وَ أنه قال: «أَعْتِقَهَا وَلَدَهَا))(١) . وروي عنه (عليه الصلاة والسلام) أنه قال في أم الولد: ((لاَ تُبَاعُ وَلاَ تُوهَبُ وَهِيَ حُرَّةٌ مِنَ الثُّلُثِ))(٢) نفى (عليه الصلاة والسلام) جواز بيعها مطلقاً، وسماها حرة، فلا تكون مالاً على (١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٤١) كتاب العتق: باب أمهات الأولاد حديث (٢٥١٦) والحاكم (١٩/٢) كتاب البيوع: باب بيع أمهات الأولاد والدارقطني (١٣١/٤) كتاب المكاتب حديث (٢١، ٢٢، ٢٣) وابن سعد في ((الطبقات)) (١٧٣/٨) وابن عدي في ((الكامل)) (٢٩٧/٧) والبيهقي (٣٤٦/١٠) كتاب أمهات الأولاد: باب الرجل يطأ أمته فتلد منه وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣١٢/١ - تهذيب) كلهم من طريق حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما ولدت أم إبراهيم قال رسول الله وَالقر: ((أعتقها ولدها)). وهذا إسناد ضعيف لأجل حسين بن عبد الله. قال أحمد: له أشياء منكرة، وقال ابن معين: ضعيف، وقال البخاري قال علي: تركت حديثه، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال أبو حاتم: ضعيف يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: متروك، وقال في موضع آخر: ليس بثقة. ينظر «تهذيب التهذيب)) (٣٤١/٢ - ٣٤٢). وقال الحافظ في التقريب (١/ ١٧٦): ضعيف. والحديث ذكره الحافظ البوصيري في ((الزوائد» (٢/ ٢٩٢) وقال: هذا إسناد ضعيف حسين بن عبد الله تركه علي بن المديني وأحمد بن حنبل والنسائي وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة. وقال البخاري: يقال إنه کان یتھم بالزندقة. اهـ. وللحديث طريق آخر ذكره الحافظ في ((التلخيص)» (٢١٨/٤) من طريق ابن حزم عن قاسم بن أصبغ عن محمد بن مصعب عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس به وصححه ابن حزم. قال الحافظ: وتعقب ابن القطان بأن قوله عن محمد بن مصعب، خطأ وإنما هو عن ((محمد)» وهو ابن وضاح عن مصعب وهو ابن سعيد المصيصي وفيه ضعف. (٢) أخرجه مالك (٧٧٦/٢) كتاب العتق والولاء: باب عتق أمهات الأولاد حديث (٦) عن نافع عن عبد الله بن عمر به. وأخرجه البيهقي (٣٤٢/١٠ - ٣٤٣) كتاب عتق أمهات الأولاد: باب الرجل يطأ أمته بالملك فتلد به، من طريق سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر به. = . ٥٥٠ كتاب البيوع الإطلاق؛ خصوصاً على أصل(١) أبي حنيفة (رضي الله عنه)؛ لأن الاستيلاد يوجب سقوط المالية عنده، حتى لا تضمن بالغصب والبيع الفاسد والإِعتاق، وإِنما تضمن بالقتل لا غير؛ لأن ضمان القتل ضمان الدم لا ضمان المال، والمسألة تأتي في موضعها، إن شاء الله (تعالى). ولا بيع المدبر المطلق عندنا(٢). وقال الشافعي (عليه الرحمة) بيع المدبَّرِ جَائِزٌ، واحتج بما روي عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) أَنَّ النبيَّ (عليه الصلاة والسلام) أجاز بيع المدبرِ(٣). وعن سيدتنا عائشة (رضي الله عنها) أنها دَبَّرَتْ مملوكةً لها، فغضبت عليها فباعتها؛ ولأن التدبير تعليق العتق بالموت، والمعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط، فلم يكن العتق ثابتاً أصلاً قبل الموت، فيجوز بيعه، كما إذا علق عِثْقَ عَبْدِهِ بدخولِ الدارِ ونحو ذلك، ثم باعه قبل أَنْ يدخل الدار؛ وكما في المدبَّرِ المقيد. وقال البيهقي: هكذا رواية الجماعة عن عبد الله بن دينار وغلط فيه بعض الرواة عن عبد الله بن دينار = فرفعه إلى النبي ◌َّر وهو وهم لا يحل ذكره اهـ. وقد تعقبه ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) (١٠/ ٣٤٣) فقال: أخرجه الدارقطني في ((سننه)) مرفوعاً من حديث يونس بن محمد عن عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر وذكره ابن القطان في باب الأحاديث التي ضعفها عبد الحق وعند ابن القطان أنها صحيحة أو حسنة وقال ابن القطان: عندي أن الذي يسنده ثقة خير من الذي وقفه. (١) في أ: قول. (٢) وعلة بيع المدبر عندهم وبيع المدبر وأم الولد والمكاتب باطل: للمنافاة بين استحقاق العتق وثبوت الملك بالبيع، إذ استحقاقه جهة حرية لا يدخل عليها الإبطال، وثبوت الملك يبطلها واستحقاق العتق ثابت لأم الولد بقوله عليه الصلاة والسلام: ((أعتقها ولدها)) فينتفي الآخر. وكذلك المنافاة حاصلة بين انعقاد سبب الحرية في حق المدبر المطلق وبين ثبوت الملك بالبيع لتنافي اللوازم، لأن الملك مع الحرية لا يجتمعان، فكذلك سبب الحرية والبيع وأحد المتنافيين وهو سبب الحرية ثابت في الحال فيمتنع البيع. وكذلك بين استحقاق المكاتب يداً على نفسه لازمة في حق المولى، وثبوت الملك منافاة، واستحقاقه اليد اللازمة في حق المولى ثابت لأنه لا يملك فسخ الكتابة دون رضا المكاتب فيبطل البيع. (٣) أخرجه البخاري (١٦٥/٥) كتاب العتق: باب بيع المدبر حديث (٢٥٣٤) ومسلم (١٢٨٩/٣) كتاب الإيمان: باب جواز بيع المدبر حديث (٩٩٧/٥٨) وأبو داود (٢٦٤/٤) كتاب العتق: باب بيع المدبر حديث (٣٩٥٥) والنسائي (٦٩/٥ - ٧٠) كتاب الزكاة: باب أي الصدقة أفضل والترمذي (٥٢٣/٣) كتاب البيوع: باب بيع المدبر حديث (١٢١٩) وابن ماجه (٢/ ٨٤٠) كتاب العتق: باب المدبر حديث (٢٥/٣) والطيالسي (٢٤٥/١ - منحة) رقم (١٢٠٧) والحميدي (٥١٣/٢) رقم (١٢٢٢) وأبو يعلى (٣٥٧/٣ - ٣٥٨) رقم (١٨٢٥) والبيهقي (٣٠٨/١٠) كتاب المدير: باب المدبر يجوز بيعه، من طرق عن جابر أن النبي ◌َّر باع مدبراً. ٥٥١ كتاب البيوع ولنا ما روى أبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنهما) أَنَّ النبي (عليه الصلاة والسلام) ((نَهَى عَنْ بَيْعِ المُدَبَّرِ))(١) ومطلقُ النهي محمولٌ على التحريم. وروي عن عبد الله بن سيدنا عمر (رضي الله عنهما) أن النبيَّ (عليه الصلاة والسلام) قال: ((المُدَبَّرُ لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ، وَهُوَ حُرِّ مِنَ الثُّلُثِ))(٢) وهذا نَصُّ في الباب؛ ولأَنَه حُرٍّ من وجهٍ، فلا يجوز بيعه کأم الولد. (١) تقدم عن جابر بن عبد الله إجازة بيع المدبر وأنه باعه وهو في صحيح البخاري. (٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٤٠) كتاب العتق: باب المدبر حديث (٢٥١٤) والدارقطني (١٣٨/٤) كتاب المكاتب حديث (٤٩) وابن عدي في ((الكامل)) (١٨٨/٥) والبيهقي (٣١٤/١٠) كتاب المدير: باب المدبر من الثلث، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤٤٤/١١) كلهم من طريق علي بن ظبيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَطاهر: ((المدبر من الثلث)). قال ابن ماجه: سمعت عثمان يعني ابن أبي شيبة يقول هذا خطأ. وقال ابن ماجه: ليس له أصل. وقال ابن عدي في ترجمة علي بن ظبيان: الضعف على حديثه بين. والحديث ذكره ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٤٣٢/٢) رقم (٢٨٠٣) وقال: سئل أبو زرعة عن حديث رواه علي بن ظبيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَّليقول: ((المدبر من الثلث)) فقال أبو زرعة: هذا حديث باطل وامتنع من قراءته قلت: يروي خالد بن إلياس عن نافع عن ابن عمر قال: المدبر من الثلث قول ابن عمر. اهـ. وروى الخطيب في ((تاريخه)) (٤٤٤/١١) عن علي بن المديني قال: كان علي بن ظبيان حدثنا بثلاثة أحاديث مناكير كلها عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: ((المدبر من الثلث)) ......... اهـ. والحديث ذكره الحافظ البوصيري في ((الزوائد» (٢٨٩/٢) وقال: هذا إسناد ضعيف علي بن ظبيان ضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري والنسائي وأبو زرعة وابن حبان وغيرهم ..... قال المزي: رواه الشافعي عن ابن عمر موقوفاً. اهـ. أما الموقوف: فأخرجه الشافعي ومن طريقه ابن عدي في ((الكامل)) (١٨٧/٥) من طريق علي بن ظبيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: المدبر من الثلث. قال الشافعي: قال لي علي بن ظبيان: قد كنت أرفعه فقال لي بعض أصحابي: لا ترفعه وكان يحدث به مرفوعاً. وللحديث طريق آخر عن ابن عمر مرفوعاً. أخرجه الدارقطني (١٣٨/٤) كتاب المكاتب حديث (٥٠) من طريق عبيدة بن حسان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ؤلهو: ((المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من ثلث المال)). قال الدارقطني: لم يسنده غير عبيدة بن حسان وإنما هو ضعيف وإنما هو عن ابن عمر قوله. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٨٥/٣) وقال ابن القطان في ((كتابه)) عبيدة هذا قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث وأبو معاوية عمرو بن عبد الجبار الجزري راويه عنه مجهول الحال وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر من قوله وهو الصحيح لثقة حماد وضعف عبيدة. ٥٥٢ كتاب البيوع والدليل على أنه حُرٍّ من وجه الاستدلال بضرورة الإجماع، وهو أنه يعتق بعد الموت بالإجماع، والحرية لا بد لها من سبب، وليس ذلك إلا الكلام السابق، وليس هو بتحرير بعد الموت، لأن التحرير فعل اختياري، وأنه (١) لا يتحقق من الميت، فكان تحريراً من حين وجوده، فكان ينبغي أن تثبت به الحرية من كل وجه للحال إِلاَّ أنها تأخرت من وجه إلى آخر جزء من أجزاء حياته بالإجماع، ولا إجماع على التأخير من وجه، فبقيت الحرية من وجه ثابتة للحال، فلا يكون مالاً مطلقاً، فلا يجوز بيعه. وحديث جابر وسيدتنا عائشة (رضي الله عنهما) حكاية فعل يحتمل أنه أجاز (عليه الصلاة والسلام) بَيْعَ مُدَبَّرٍ مقيدٍ، أو باع مدبراً مقيداً، ويحتمل أن يكون المراد منه الإِجارة؛ لأن الإِجارة بلغة أهل المدينة تسمى بيعاً، ويحتمل أنه كان في ابتداء الإِسلام حين كان بيع المدبر مشروعاً، ثم نسخ، فلا يكون حجة مع الاحتمال. وأما المدبر المقيد فهناك لا يمكن أن يجعل الكلام السابق إيجاباً من حين وجوده؛ لأنه علق عتقه بموت موصوف بصفة، واحتمل أن يموت من ذلك المرض والسفر أو لا، فكان الحظر قائماً، فكان تعليقاً، فلم يكن إيجاباً ما دام الحظر قائماً، ومتى اتصل به الموت يظهر أنه كان تحريراً من وجه من حين وجوده؛ لكن لا يتعلق به حُكْمٌ، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. ولا بيع المكاتب لأنه حُرِّ يداً، فلا تثبت يد تصرف الغير عليه، ولا بيع معتق البعض، موسراً كان المعتق أو معسراً، عند أصحابنا الثلاثة (رضي الله عنهم)؛ لأنه بمنزلة المكاتب عند أبي حنيفة (رضي الله عنه)، وعندهما هو حر عليه دَیْنٌ. وأما عند الشافعي (رضى الله عنه) فإن كان المعتق معسراً، فلشريكه الساكت أن يبيع نصيبه بناءً على أصله أن المعتق إِن كان معسراً فالإِعتاق منجزٌ، فبقي نصيب شريكه على ملكه، فيجوز له بيعه، وكل جواب عرفته في هؤلاء فهو الجواب في الأولاد من هؤلاء؛ لأَن الولد يحدث على وصف الأم؛ ولهذا كان ولد الحرة حُرًّا، وولد الأمة رقيقاً، وكما لا ينعقد بيع المكاتب وولده المولود في الكتابة، لا ينعقد بيع ولده المشتري في الكتابة ووالدته؛ لأنهم تكاتبوا بالشراء. وأما مَن سواهم من ذوي الأرحام إذا اشتراهم، يجوز بيعهم عند أبي حنيفة (رضي الله عنه) لأنهم لم يتكاتبوا بالشراء، وعند أبي حنيفة ومحمد: لا يجوز لأنهم تكاتبوا، وهي مسألة (کتاب المكاتب)). (١) في أ: وأثر. ٥٥٣ كتاب البيوع ولا ينعقد بيع الميتة والدم؛ لأنه ليس بمالٍ، وكذلك ذبيحة المجوسي / والمرتد ٦٨/٣ ب والمشرك؛ لأنها ميتة؛ وكذا متروك التسمية عمداً عندنا؛ خلافاً للشافعي، وهي مسألة ((كتاب الذبائح». وكذا ذبيحة المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأنها في معنى الميتة؛ وكذا ما ذبح من صيد الحرم، محرماً كان الذابح أو حلالاً، وما ذبحه المحرم من الصيد، سواء كان صيد الحرم أو الحل؛ لأن ذلك ميتة. ولا ينعقد بيع صيد الحرم محرماً كان البائع أو حلالاً؛ لأنه حرام الانتفاع به شرعاً، فلم يكن مالاً، ولا بيع صيد المحرم، سواء كان صيد الحرم أو الحل؛ لأنه حرام الانتفاع به في حقه، فلا يكون مالاً في حقه، ولو وَكَّلَ محرمٌ حلالاً ببيع صيد، فباعه، فالبيع جائز عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد باطلٌ، وهو على اختلافهم في مسلم وَكَل ذميًّا ببيع خمر فباعها. وجه قولهما: أَن البائع هو الموكل معنى، لأَن حكم البيع يقع له، والمحرم ممنوعٌ من تمليك(١) الصيد وتملكه. وجه قول أبي حنيفة (رضي الله عنه) أن البائع في الحقيقة هو الوكيل؛ لأن بيعه كلامه القائم به حقيقة، ولهذا ترجع حقوق العقد إليه إِلاَّ أن المُوَكَّلَ يقوم مقامه شرعاً في نفس الحكم مع اقتصار نفس التصرف على مباشرته حقيقة، والمحرم من أهل ثبوت الملك له في الصيد حكماً لا بتملكه حقيقة؛ ألا يرى أنه يرثه، وهذا لأن المنع إنما يكون عَمَّا للعبد فيه صنع، ولا صنع له فيما يثبت حكماً، فلا يحتمل المنع. ولو باع حلالٌ حلالاً صيداً، ثم أحرم أحدهما قبل القبض يفسخ البيع، لأَنَّ الإِحرام كما يمنع البيع، والشراء، يمنع التسليم والقبض؛ لأنه عقد من وجه على ما عرف، فيلحق به في حق الحرمة احتياطاً . ولو وَكَّلَ حلالٌ حلالاً ببيع صيد فباعه، ثم أحرم الموكل قبل قبض المشتري، فعلى قياس قول أبي حنيفة (رحمه الله) جاز البيعُ. وعلى قياس قولهما يبطل، لأن الإِحرام القائم لا يمنع من جواز التوكيل عنده، فالطارىء لا يبطله، وعندهما القائم يمنع، فالطارىء يبطله، حلالان تبايعا صَيْداً في الحل وهما في الحرم، جاز عند أبي حنيفة، وعند محمد: لا يجوز. (١) في ط: عن تمليك. ٥٥٤ كتاب البيوع وجه قول محمد أن كون الحرم مأمناً يمنع من التعرض للصيد، سواء كان المتعرض في الحرم أو الحِلِّ، بعد أن كان المتعرض في الحرم، ألا ترى أنه لا يحل للحلال الذي في الحرم أَنْ يَزْمِي إلى الصيد الذي في الحل؛ كما لا يحل له أن يرمي إليه إذا كان في الحرم. وجه قول أبي حنيفة (رضي الله عنه) أن كونه في الحرم يمنع من التعرض لصيد الحل؛ لكن حسَّا لا شرعاً؛ بدليل أن الحلال في الحرم إذا أمر حلالاً آخر بذبح صيد في الحل جاز، ولو ذبح حل أكله، ومعلوم أن الأمر بالذبح في معنى التعرض للصيد فوق البيع والشراء، فلما لم يمنع من ذلك فَلأَن لا يمنع من هذا أَوْلَى، وهذا لأن المنع من التعرض إِنما كان احتراماً للحرم، فكل ما فيه ترك احترامه يجب صيانة الحرم عنه، وذلك بمباشرة سبب الإِيذاء في الحرم، ولم يوجد في البيع، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. ولا بيع لحم السبع؛ لأنه لا يباح الانتفاع به شرعاً، فلم يكن مالاً، وروي عن أبي حنيفة (رضي الله عنه) أنه يجوز بيعه إذا ذبح؛ لأنه صار طاهراً بالذبح. وأما جلد السبع والحمار والبغل، فإِن كان مدبوغاً أو مذبوحاً يجوزُ بيعِه؛ لأنه مباح الانتفاع به شرعاً؛ فكان مالاً، وَإِن لم يكن مدبوغاً ولا مذبوحاً لا ينعقد بيعه، لأنه إذا لم يدبغ ولم يذبح بقيت رطوبات الميتة فيه، فكان حكمه حكم الميتة، ولا ينعقد بيع جلد الخنزير، كيف ما كان؛ لأنه نجس العين بجميع أجزائه، وقيل إن جلده لا يحتمل الدباغ. وأَمَّا عظمُ الميتةِ، وعصبها، وشعرها، وصوفها، ووبرها، وريشها، وخفها، وظلفها، وحافرها - فيجوز بيعُها والانتفاعُ بها عندنا، وعند الشافعي (رحمه الله): لا يجوز؛ بناءً على أن هذه الأشياء طاهرة عندنا، وعنده نجسة. واحتج بقوله (سبحانه وتعالى): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وهذه من أجزاء الميتة فتكون حراماً، فلا يجوز بيعها، وقال (عليه الصلاة والسلام): ((لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ))(١) . ولنا قوله (سبحانه وتعالى): ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ إلى قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا ..... ) الآية [النحل: ٨]، أخبر (سبحانه وتعالى) أنه جعل هذه الأشياء لنا، وَمَنَّ علينا بذلك من غيرِ فصلٍ بين الذكية والميتة؛ فيدلُّ على تأكد الإباحة، ولأَن حرمة الميتة ليست لموتها، فإِن الموت موجود في السمك والجراد وهما حلالان، قال (عليه الصلاة والسلام): ((أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانٍ))(٢) بل لما فيها من الرطوبات السيالة والدماء النجسة (١) تقدم في الطهارة. (٢) تقدم. ٥٥٥ كتاب البيوع لانجمادها بالموت، ولهذا يطهر الجلد بالدباغ حتى يجوز بيعه؛ لزوال الرطوبة عنه، ولا رطوبة في هذه الأشياء، فلا تكون حراماً. ولا حجة له / في هذا الحديث؛ لأن الإِهاب اسمٌ لغير المدبوغ لغةً؛ والمراد من ٦٩/٣ أ العصب حال الرطوبة يحمل عليه؛ توفيقاً بين الدلائل. وأما عظم الخنزير وعصبه، فلا يجوز بيعه؛ لأَنّه نجس العين، وأما شعره فقد روي أنه طاهر يجوز بيعه، والصحيح أنه نجس لا يجوز بيعه؛ لأنّه جزء منه، إلا أنه رخص في استعماله للخرازين للضرورة . وأما عظم الآدمي وشعره فلا يجوز بيعه، لا لنجاسته لأنه طاهرٌ في الصحيح من الرواية، لكن احتراماً له، والابتذالُ بالبيع يشعر بالإهانة، وقد روي عن النبيِّ (عليه الصلاةَ والسلام) أنه قال: ((لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ))(١). وأما عظمُ الكلبِ وشعره [فقد اختلف المشايخ فيه] (٢) على الأصل الذي ذكرنا، وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف (رحمهما الله) أنه لا بأس ببيع عظم الفيل والانتفاع به، وقال محمد (رحمه الله): عظمُ الفيلِ نجسٌ، لا يجوز بيعُه ولا الانتفاع به، ذكره في ((العيون)). ويجوز بيع كل ذي مخلبٍ من الطير، معلَّماً كان أو غيرِ معلم، بلا خلاف، وأما بيع كل ذي ناب من السباع سوى الخنزير؛ كالكلب، والفهد، والأَسد، والنمر، والذئب، والهرة؛ ونحوها - فجائزٌ عند أصحابنا . وعند الشافعي (رحمه الله): لا يجوز(٣)، ثم عندنا لا فرق بين المعلّم وغير المعلم في رواية الأصل، فيجوز بيعه كيف ما كان. وروي عن أبي يوسف (رحمه الله) أنه لا يجوز بيع الكلب العقور، واحتج الشافعي (رحمه الله) بما روي عن النبيِّ نَّ أنه قال: ((وَمِنَ السُّخْتِ مَهْرُ البَغِيِّ، وَثَمَنُ الكَلْبِ))(٤) ولو جاز بيعُه لما كان ثمنه سحتاً؛ ولأنه نجس العين، فلا يجوز بيعه كالخنزير، إلا أنه رخص الانتفاع به بجهة الحراسة والاصطياد للحاجة والضرورة، وهذا لا يدل على جواز البيع كما في شعر الخنزير. (١) تقدم. (٢) في أ: ففيه اختلاف بين مشايخنا. (٣) مذهب الشافعي إنه لا يحل بيع الكلب أي كلب كان وبه قال الحسن وربيعة وحماد وأحمد والأوزاعي ومالك مالك بيعه لا يجوز وثمنه لا يحل ولكن على قاتله القيمة. (٤) تقدم. ٥٥٦ کتاب البيوع وَلَنَا: أَن الكلب مالٌ، فكان محلاًّ للبيع كالصقر والبازي، والدليل على أنه مالٌ أنه مُنْتَفَعْ به حقيقةً، مباح الانتفاع به شرعاً على الإطلاق، فكان مالاً، ولا شك أنه منتفعٌ به حقيقةً، والدليل على أنه مباح الانتفاع به شرعاً على الإطلاق أَن الانتفاع به بجهة الحراسة والاصطياد مطلقٌ شرعاً في الأحوال كلها، فكان محلاً للبيع؛ لأن البيع إذا صادف محلاً منتفعاً به حقيقةً مباح الانتفاع به [شرعاً](١) على الإطلاق مست الحاجة إلى شرعه، لأن شرعه يقع سبباً ووسيلةً للاختصاص القاطع للمنازعة؛ إذ الحاجة إلى قطع المنازعة فيما يباح الانتفاع به شرعاً على الإطلاق لا فيما يجوز. وأما الحديث فيحتملُ أنه كان في ابتداء الإِسلام؛ لأنهم كانوا ألفوا اقتناء الكلاب، فأمر بقتلها، ونهى عن بيعها؛ مبالغةً في الزجر، أو يحمل على هذا توفيقاً بين الدلائل. قوله أنه نجسُ العين؟ قلنا: هذا ممنوعٌ، فإنه يباح الانتفاع به شراعاً على الإطلاق اصطياداً وحراسةً، ونجس العين لا يباح الانتفاع به شراعاً إلا في حالة الضرورة؛ كالخنزير، ولا ينعقد بيع الخنزير من المسلم؛ لأنه ليس بمال في حق المسلمين، فأما أهل الذمة فلا يمنعون من بيع الخمر والخنزير، أما على قول بعض مشايخنا فلأنه مباحُ الانتفاع به شرعاً، لهم؛ كالخل وكالشاة لنا، فكان مالاً في حَقُّهم، فيجوز بيعُهُ. وروي عن سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كتب إلى عشاره بالشام أَنْ وُوهم بيعَهَا، وخذوا العشر من أثمانها، ولو لم يجز بيع الخمر منهم، لما أمرهم بتوليتهم البيع. وعن بعض مشايخنا حرمةُ الخمر والخنزير ثابتةٌ على العموم في حقِّ المسلم والكافر؛ لأن الكفار مَخَاطَبُونَ بشرائع هي حرمات، هو الصحيح من مذهب أصحابنا، فكانت الحرمة ثابتةٌ في حقهم، لكنهم لا يمنعون عن بيعها؛ لأنهم لا يعتقدون حرمتها ويتمولونها، ونحن أمرنا بترکهم وما یدینون. [ولو اشترى عصيراً فتخمر قبل القبض، للمشتري أن يفسخ البيع؛ لأن للقبض شبهاً بالعقد، فوقع العجز عن التسليم والقبض فيفسخ؛ كما إذا تعيب قبل القبض] (٢) ولو باع ذميٍّ من ذميِّ خمراً أو خنزيراً، ثم أسلما أو أسلم أحدهما قبل القبضٍ، يُفسخ البيع؛ لأنه بالإِسلام حرم البيع والشراء، فيحرم القبض والتسليم أيضاً؛ لأنه يشبه الإنشاء، أو إنشاء من وجهٍ، فيلحق به في باب الحرمات احتياطاً. (١) سقط من ط . (٢) سقط من ط . ٥٥٧ كتاب البيوع وأصله قوله (تعالى): ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] والأمر بترك ما بقي من الربا، هو النهي عن قبضته، يؤيدُهُ قوله (تعالى) في آخر الآية الشريفة: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلْكُمْ رُؤُسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وإِذا حرم القبض والتسليم لم يَكُنْ في بقاء العقد فائدة، فيبطله القاضي كمن باع عبداً فأبق قبل القبض. ولو كان إِسلامهما إو إِسلام أحدهما بعد القبض مضى / البيع، لأن الملك قد ثبت على ٦٩/٣ بـ الكمال بالعقد والقبض في حالة الكفر، وإِنما يوجد بعد الإِسلام دوام الملك، والإِسلام لا ينافي ذلك، فإِن من تخمر عصيره لا يؤمر بإبطال ملكه فيها، ولو أقرض الذي ذميًّا خمراً، ثم أسلم أحدهما، فإن أسلم المقرض سقطت الخمر ولا شيء له من قيمة الخمر على المستقرض. أما سقوط قيمة الخمر، فلأن العجز عن قبض المثل جاء من قبله، فلا شيء له، وإِن أسلم المستقرض، روي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة (رحمه الله) أنه تسقط الخمر، وليس عليه قيمة الخمر أيضاً؛ كما لو أسلم المقرض. وروى محمد وزفر وعافية بن زياد القاضي عن أبي حنيفة (رضي الله عنهم) أن عليه قيمة الخمر، وهو قول محمد (رحمه الله)، وجه هذه الرواية أن امتناع التسليم من المستقرض إنما جاء لمعنى من قبله، وهو إِسلامه، فكأنه استهلك عليه خمره، والمسلم إذا استهلك خمر الذمي یضمن قیمته. وجه رواية أبي يوسف (رحمه الله) أنه لا سبيل إلى تسليم المثل؛ لأنه يمنع منه، ولا إلى القيمة؛ لأن ذلك يوجب ملك المستقرض، والإِسلام يمنع منه، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. وأما القرد فعن أبي حنيفة (رضي الله عنه) روايتان. وجه راوية عدم الجواز أنه غير منتفع به شرعاً، فلا يكون مالاً كالخنزير. وجه رواية الجواز أنه إن لم يكن منتفعاً به بذاته يمكن الانتفاع بجلده. والصحيحُ هو الأول؛ لأنه لا يشتري للانتفاع بجلده عادةً، بل للهو به، وهو حرام، فكان هذا بيع الحرام للحرام، وأنه لا يجوز. ويجوز بيع الفيل بالإِجماع لأَنّه مُنْتَفَعْ به حقيقةً، مباح الانتفاع به شرعاً على الإطلاق، فكان مالاً. ولا ينعقد بيع الحية والعقرب وجميع هوام الأرض؛ كالوزغة، والضب، والسلحفاة، والقنفذ؛ ونحو ذلك لأنها محرمة الانتفاع بها شرعاً؛ لكونها من الخبائث، فلم تكن أموالاً، فلم يجز بيعها . ٥٥٨ کتاب البيوع وذكر في ((الفتاوى)) أنه يجوز بيع الحية التي ينتفع بها للأدوية، وهذا غير سديدٍ؛ لأَن المحرم شرعاً لا يجوز الانتفاع به للتداوي كالخمر والخنزير، وقال النبي (عليه الصلاة والسلام): (لَمْ يُجْعَلْ شِفَاؤُكُمْ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ)) (١) فلا تقع الحاجة إلى شرع البيع، ولا ينعقد بيع شيء مما يكون في البحر؛ كالضفدع والسرطان إِلا السمك، وما يجوز الانتفاع بجلده أو عظمه؛ لأن ما لا يجوز الانتفاع بجلده ولا به ولا بعظمه لا يكون مالاً، فلا يكون محلاً للبيع. وقد روي أَنَّ النبي ◌َّرَ سُئل عن الضفدع يجعل في دواء فنهى عنه، وقال: ((خَبِيئَةٌ مِنَ الخَبَائِثِ))(٢). وذكر أبو بكر الإسكاف (رحمه الله) أنه لا يجوز. وذكر في الفتاوى أنه يجوز؛ لأن الناس ينتفعون به ولا ينعقد بيع النحل إِلاَّ إِذا كان في كوارته عسل فباع الكوارة بما فيها من العسل والنحل، وروى هشام عن محمد: أنه يجوز بيعه منفرداً من غير كوارته إِذا كان مجموعاً، وهو قول الشافعي (رحمه الله)؛ لأن النحل حيوان منتفعٌ به فیجوز بيعه. ولنا: أنه ليس بمنتفع به، فلم يكن مالاً بنفسه، بل بما يحدث منه، وهو معدوم حتى لو باعه مع الكوارة وفيها عسل يجوز بيعه تبعاً للعسل، ويجوز أن لا يكون الشيء محلاً للبيع بنفسه مفرداً، ويكون محلاً للبيع مع غيره كالشرب، وأنكر الكرخي (رحمه الله) هذا، فقال إِنما يدخل فيه تبعاً إذا كان من حقوقه كما في الشرب مع الأرض، وهذا ليس من حقوقه [فلا يدخل](٣). وعلى هذا بيع دود القز لا ينعقد إِلَّ إذا كان معه قز، وروى محمد أنه يجوز بيعه مفرداً، والحجج على نحو ما ذكرنا في النحل، ولا ينعقد بيع بذر الدود عند أبي حنيفة (رحمه الله) كما لا ينعقد بيع الدود، وعندهما يجوز بيعه. (١) أخرجه أبو يعلى (٤٠٢/١٢) رقم (٦٩٦٦) والبزار كما في المجمع (٨٩/٥) وابن حبان (١٣٩٧ - موارد) والبيهقي (٥/١٠) باب النهي عن التداوي بالمسكر. من حديث أم سلمة، قالت: ((اشتكت ابنة لي فنبذت لها في كوز، فدخل النبي ◌َّ﴿ وهو يغلي، فقال: ما هذا؟ فقلت: إن ابنتي اشتكت فنبذت لها هذا. فقال: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) لفظ البيهقي. وقال الباقون: ((لم يجعل شفاءكم في حرام)) وذكره الهيثمي في المجمع (٨٩/٥) وقال: رواه أبو يعلى والبزار ورجال أبو يعلى رجال الصحيح خلا حسان بن مخارق وقد وثقه ابن حبان وقال النووي في ((المجموع (٤٣/٩): وأما حديث أم سلمة فرواه أبو يعلى الموصلي في مسنده بإسناد صحيح إلا رجلاً واحداً فإنه مستور والأصح جواز الاحتجاج برواية المستور ورواه البيهقي أيضاً. (٢) تقدم تخريجه. (٣) سقط من ط . ٥٥٩ كتاب البيوع ووجه الكلام فيه على نحو ما ذكرنا في بيع النحل والدود. ويجوز بيع السرقين(١) والبعرِ؛ لأَنَّه مباحُ الانتفاع به شرعاً على الإطلاق، فكان مالاً، ولا ينعقد بيع العذرة الخالصة؛ لأنه لا يباح الانتفاع بها بحالٍ، فلا تكون مالاً إِلاَّ إِذا كان مخلوطاً بالتراب، والترابُ غالبٌ، فيجوز بيعهُ؛ لأنه يجوز الانتفاع به. وروي عن أبي حنيفة (رضي الله عنه) أنه قال: كُلُّ شيء أفسد الحرام والغالب عليه الحلال فلا بأس ببيعه، ونبين ذلك، وما كان الغالب عليه الحرام لم يجز بيعه ولا هبته؛ كالفأرة إِذا وقعت في العجين والسمن المائع. وكذلك قال محمدٌ في الزيت إذا وقع فيه [ودكُ(٢) الميتة: أنه إِن كان الزيت غالباً يجوز بيعُهُ، وإِن كان الودك غالباً لا يجوز بيعه](٣)؛ لأن الحلال إِذا كان هو الغالب يجوز الانتفاع به استصباحاً ودبغاً على ما ذكرنا في ((كتاب الطهارات)) فكان مالاً فيجوز بيعُهُ، وإِذا كان الحرام هو الغالب لم يجز الانتفاع به بوجهٍ، فلم يكن مالاً فلا يجوز بيعه. ويجوز بيع آلات الملاهي مِنَ البربط والطبل والمزمار والدف؛ ونحو ذلك عند أبي حنيفة، لكنه يكره. وعند أبي / يوسف ومحمد لا ينعقد بيع هذه الأشياء؛ لأنها آلات معدة للتلهي بها ٣/ ٧٠ أ موضوعة للفسق والفساد، فلا تكون أموالاً فلا يجوز بيعها. ولأبي حنيفة (رحمه الله) أنه يمكن الانتفاع بها شرعاً من جهة أخرى بأن تجعل ظروفاً الأشياء ونحو ذلك من المصالح، فلا تخرج عن كونها أموالاً، وقولهما أنها آلات التلهي والفسق بها، قلنا: نعم، لكن هذا لا يوجب سقوط ماليتها؛ كالمغنيات، والقيان، وبدن الفاسق، وحياته، وماله، وهذا لأنّها كما تصلح للتلهي تَصْلُحُ لغيره على ماليتها بجهة إِطلاق الانتفاع بها، لا بجهة الحرمة، ولو كسرها إِنسانٌ ضمن عند أبي حنيفة (رحمه الله)، وعندهما: لا يضمن. وعلى هذا الخلاف بيع النرد والشطرنج، والصحيحُ قولُ أبي حنيفة (رضي الله عنه) لأَن كُلَّ واحدٍ منهما منتفعٌ به شرعاً من وجه آخر، بأن يجعل صنجات الميزان، فكان مالاً من هذا الوجه، فكان محلاً للبيع مضموناً بالإِتلاف. (١) السرقين: الزُّبْلُ. المعجم الوسيط (سرقن). (٢) ودك الميتة: ما يسيل منها. المعجم الوسيط (ودك). (٣) بدل ما بين المعكوفين في أ: فأرة. ٥٦٠ كتاب البيوع ويجوز بيعُ ما سوى الخمر من الأَشربة المحرمة؛ كالسُّكَرِ ونقيع الزبيبِ والمُنَصَّفِ؛ ونحوها عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمدٍ: لا يجوز؛ لأنه إذا حرم شربها لم تكن مالاً، فلا تكون محلاًّ للبيع كالخمر؛ ولأن ما حرم شربه لا يجوز بيعُهُ؛ لما روي عن النبي (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرَّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوها وباعُوهَا، وَإِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) إِذَا حَرَّمَ شَيْئاً حَرَّمَ بَيْعُهُ وَأَكْلُ ثَمَنِهِ))(١). (١) أخرجه البخاري (٤٢٤/٤) كتاب البيوع: باب بيع الميتة والأصنام حديث (٢٢٣٦) ومسلم (١٢٠٧/٣) كتاب المساقاة: باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام حديث (١٥٨١/٧١) وأحمد (٣/ ٣٢٤، ٣٢٦) وأبو داود (٧٥٦/٣ - ٧٥٧) كتاب البيوع: باب في ثمن الخمر والميتة حديث (٣٤٨٦) والترمذي (٥٩١/٣) كتاب البيوع: باب ما جاء في بيع جلود الميتة والأصنام حديث (١٢٩٧) والنسائي (٣٠٩/٧ - ٣١٠) كتاب البيوع: باب بيع الخنزير، وابن ماجه (٧٣٢/٢) كتاب التجارات: باب ما لا يحل بيعه حديث (٢١٦٧). وأبو يعلى (٣٩٥/٣ - ٣٩٦) رقم (١٨٧٣) وابن الجارود (٥٧٨) والبيهقي (١٢/٦) كتاب البيوع باب تحريم الخمر والميتة والخنزير والأصنام. والبغوي في ((شرح السنة)) (٢١٨/٤ - بتحقيقنا) من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي الباب عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأبو هريرة وعبد الله بن عمر ويحيى بن عباد. وأنس بن مالك. حديث عمر بن الخطاب: أخرجه البخاري (٤/ ٤٨٣) كتاب البيوع: باب لا يذاب شحم الميتة ويباع ودكه حديث (٢٢٢٣) ومسلم (١٢٠٨/٣) كتاب المساقاة): باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام حديث (١/ ١٨٥٢) والنسائي (٧/ ١٧٧) كتاب الفرع والعتيرة: باب النهي عن الانتفاع بما حرم الله عز وجل وابن ماجه (٢/ ١١٢٢) كتاب الأشربة: باب التجارة في الخمر حديث (٣٣٨٣) والدارمي (١١٥/٢) كتاب الأشربة: باب النهي عن الخمر وشرائها وأحمد (٢٥/١) والحميدي (٩/١) رقم (١٣) وعبد الرزاق (١٩٥/٨ - ١٩٦) رقم (١٤٨٥٤) وابن الجارود رقم (٥٧٧) وأبو يعلى (١٧٨/١) رقم (٢٠٠) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٢٠/٤ - ٢٢١ - بتحقيقنا) كلهم من طريق طاوس عن ابن عباس قال: بلغ عمر أن فلاناً باع خمراً فقال: قاتل الله فلاناً ألم يعلم أن رسول الله وَّر قال: ((قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها)). حديث ابن عباس : أخرجه أحمد (٢٤٧/١، ٢٩٣) وأبو داود (٣٠٢/٢) كتاب البيوع: باب في ثمن الخمر والميتة حديث (٣٤٨٨) والبيهقي (١٣/٦) كتاب البيوع: باب تحريم بيع ما يكون نجساً لا يحل أكله لهم من طريق أبي الوليد عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله وَر جالساً عند الركن قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك فقال: لعن الله اليهود ثلاثاً: ((إن الله تعالى حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه)). حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (٤٨٤/٤) كتاب البيوع: باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه حديث (٢٢٢٤) ومسلم (١٢٠٨/٣) كتاب المساقاة: باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام حديث (١٥٨٣) =