النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
كتاب الاستحسان
والنكتة الثانية وهي نكتةُ الشيخ أبي منصور أَن السدى (١) إِذا كان حريراً واللحمة(٢) غير
حريرٍ يَصِيرُ السدى مستوراً باللحمة، فأشبه الحشو (٣)، وهذه النكتة تقتضي أَنْ لا يباح لبس
العتابّي؛ لأَن سداه ظاهرٌ غير مستور.
والصحيحُ هو النكتة الأُولى؛ لأَن رواية الإِباحة في لبس مطلق ثوبٍ سداه حرير ولحمته
غير حرير منصوصةٌ، فتجري على إِطلاقها، فلا تناسبها إلا النكتة الأولى، ولو جعل حشو
القباء حريراً أو قزاً لا يكره؛ لأنه مستور بالظهارة، فلم يحصل معنى التزين والتنعم.
ألا ترى (٤) أن لابس هذا الثوب لا يسمى لابس الحرير والقز، ولو جعل الحرير بطانة
يكره؛ لأنه لابس الحرير حقيقةً؛ وكذا معنى التنعم حاصل للتزين بالحرير ولطفه، هذا إذا كان
الحرير كثيراً، فإن كان قليلاً كأعلام الثياب والعمائم؛ قدر أربعة أصابع فما دونها، لا يكره؛
وكذا العلم المنسوخ بالذهب؛ لأنه تابع والعبرة للمتبوع.
أَلاَ تَرَى أن لابسه لا يسمى لابس الحرير والذهب، وكذا جرت العادة بتعمم العمائم
ولبس الثياب المعلمة بهذا القدر في سائر الأعصار من غير نكيرِ فيكون إِجماعاً؛ وكذا الثوب
والقلنسوة الذي جعل على أطرافها حريرٌ، لا يكره إذا كان قدر أربعة أصابع فما دونها؛ لما
قلنا .
ورُوِيَ أَنَّ النبيَّ نَّهَ لبس فروةً وعلى أطرافها حريرٌ.
وعن محمدٍ أَنه لا يسغ ذلك في القلنسوة، وإِن كان أقل من أربعة أصابع، وإِنا رخص
أبو حنيفة (رضي الله عنه) إذا كان في عرض الثوب.
وذكر في نوادر هشام عن محمدٍ (رحمه الله) أنه يكره تكة الديباج والإِبريسم؛ لأنه
استعمال الحرير مقصوداً لا بطريق التبعية فيكره، وإِن قل بخلاف العلم ونحوه، هذا الذي
ذكرنا حُكْمُ لبس الحرير.
فأما حكم التوسُّد به والجلوس والنوم عليه - فغيرُ مكروهٍ عند أبي حنيفة (عليه الرحمة).
وعند أبي يوسف ومحمدٍ : مكروه.
لهما: إطلاق التحريم الذي روينا من غير فصل بين اللبس وغيره؛ ولأن معنى التزين
والتنعم كما يحصل باللبس يحصل بالتوسدِ والجلوسِ والنوم.
(١) السَّدَى: هو ما يمد طولاً في النسيج. الواحدة: سداة المعجم الوسيط (سدى).
(٢) اللحمة: خيوط النسج العرضية يلحم بها السَّدَى المعجم الوسيط (لحم).
(٣) في ب: الخز.
(٤) في ط: یری.

٥٢٢
کتاب الاستحسان
ولأبي حنيفة ما روي أنه كان على بساط عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) مرفقة من
حرير.
وروي أن أنساً (رضي الله عنه) حضر وليمةً، فجلس على وسادةِ حريرٍ عليها طيورٌ، فدل
فعلُهُ (رضي الله عنه) على رخصة الجلوس على الحريرِ وعلى الوسادة الصغيرة التي عليها
صورةٌ، وبه تبين أن المراد من التحريم في الحديث تحريم اللبس، فيكون فعلُ الصحابي مبيناً
لقولِ النبيِّ ◌َّ لا مخالفاً له.
والقياس باللبس غير سديدٍ؛ لأن التزين بهذه الجهات دون التزين باللبس؛ لأنه استعمالٌ
فيه إهانة المستعمل؛ بخلاف اللبس فيبطل الاستدلال به.
وأما المرأةُ فيحل لها لبس الحرير المصمت والديباج والقز؛ لأن النبي ◌ّ أحل هذا
للإناثِ؛ بقوله (عليه الصلاة والسلام): ((حِلِّ لإِنَائِهَا)).
ومنها: الذهب، لأن النبيَّ (عليه الصلاة والسلام) جمع بين الذهب وبين الحرير في
التحريم على الذكور؛ بقوله (عليه الصلاة والسلام): ((هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي))(١) فيكرِهِ
للرجل التزين بالذهب كالتختم ونحوه ولا يكره للمرأة؛ لقوله (عليه الصلاة والسلام): ((حِلّ
لِإِنَائِهَا))(٢) .
وروي عن النعمان بن بشير (رضي الله عنه) أنه قال: اتخذتُ خاتماً من ذهب فدخلت
على سيدنا رسولِ اللهِ وَّ فقال: ((مَا لَكَ اتَّخَذْتَ حُلِيَّ أَهْلِ الجَنَّةِ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَهَا))؟ فرميت
ذلك، واتخذت خاتماً من حديد، فدخلت عليه فقال: ((مَا لَكَ انَّخَذْتَ حُلِيَّ أَهْلِ النَّارِ))؟
فاتخذتُ خاتماً مِن نحاسٍ، فدخلت عليه فقال: إِنِي أَجِدُ منك ريح الأصنام، فقلَتُ كيف
أصنعُ يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال (عليه الصلاة والسلام): ((أَّخِذْهُ مِنَ الوَرِقِ، وَلاَ تَزِدْ عَلَى
المِثْقَالِ))(٣) .
والأصل أن استعمال الذهب فيما يرجع إلى التزين مكروه في حق الرجل دون المرأة لما
قلنا، واستعماله فيما ترجع منفعته إلى البدن مكروة في حق الرجل والمرأة جميعاً، حتى يكره
الأكل والشرب والادهان والتطيب من مجامرٍ الذهب للرجل والمرأة؛ لقول النبي (عليه الصلاة
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) ذكره الهندي في ((كنز العمال)) (١٧٢٩٣) عن بريدة وعزاه لابن أبي شيبة وذكره أيضاً برقم (١٧٤٠٥) من
حديث علي وعزاه للمخلص في حديثه.

٥٢٣
كتاب الاستحسان
والسلام): ((إِنَّ الَّذِي يَشْرَبُ مِنْ آنِيَةِ الفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ)» (١) ومعد، مٌ أن
الذهب أشد حرمة من الفضة.
ألا ترى(٢) أنه رخص (عليه الصلاة والسلام) التختم بالفضة للرجال ولا رخصة في
الذهب أصلاً، فكان النص الوارد في الفضة وارداً في الذهب دلالة من طريق الأولى؛ كتحريم
التأفيف مع تحريم الضرب والشتم؛ وكذلك الاكتحال بمكحلة الذهب أو بميل من ذهب مكروه
للرجل والمرأة جميعاً؛ لأن منفعته عائدة إلى البدن، فأشبه الأكل والشرب.
(١) أخرجه مالك (٩٢٤/٢) كتاب صفة النبي ولو باب النهي عن الشراب في آنية الفضة حديث (١١)
والبخاري (٩٨/١٠) كتاب الأشربة: باب آنية الفضة حديث (٥٦٣٤) ومسلم (١٦٣٥/٣) كتاب اللباس
والزينة: باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة حديث (١)، وابن ماجه (١١٣٠٢) كتاب الأشربة:
باب الشرب في آنية الفضة حديث (٣٤١٣) والدارمي (١٢١/٢) كتاب الأشربة: باب الشرب في
المفضض، وأحمد (٣٠١/٦، ٣٠٢، ٣٠٤، ٣٠٦) والطيالسي (١٦٠١) كلهم من طريق نافع عن زيد بن
عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أم سلمة أن رسول الله وَالر قال: الذي
شرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم.
وللحديث شواهد من حديث عائشة وابن عباس وابن عمر.
حديث عائشة :
أخرجه ابن ماجه (٢/ ١١٣٠) كتاب الأشربة: باب الشرب في آنية الفضة حديث (٣٤١٥) وأحمد (٦/
٩٨) من طريق نافع عن امرأة ابن عمر عن عائشة عن رسول الله وَ لير قال: ((من شرب في إناء فضة فكأنما
يجرجر في بطنه نار جهنم)).
قال البوصيري في ((الزوائد» (١١٠/٣): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
حديث ابن عباس :
أخرجه أبو يعلى (١٠١/٥ - ١٠٢) رقم (٢٧١١) من طريق محمد بن يحيى ثنا سليم بن مسلم المكي ثنا
نصر بن عربي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلجر: ((إن الذي يشرب في آنية الذهب
والفضة إنما يجرجر في بطنه ناراً) وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٥ - ٨٠): رواه أبو يعلى والطبراني في
الثلاثة وفيه محمد بن يحيى بن أبي سحينة وثقه أبو حاتم وابن حبان وغيرهما وفيه كلام لا يضر وبقية
رجاله ثقات.
قلت: ومحمد بن يحيى ليس في إسناد الطبراني فقد أخرجه في ((الصغير)) (١١٥/١) من طريق محمد بن
بحر ثنا سليم بن مسلم به. وقال: تفرد به محمد بن بحر. قلت: وفيه نظر فقد رواه محمد بن يحيى
أيضاً كما تقدم.
حديث ابن عمر :
أخرجه الطبراني في ((الصغير)) (٢٠٤/١) من طريق العلاء بن برد بن سنان عن أبيه عن نافع عن ابن عمر
قال: قال رسول الله وَله: ((من شرب في إناء من ذهب أو إناء من فضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم)).
قال الطبراني: لم يروه عن برد إلا ابنه العلاء.
(٢) في ط: يرى.

٥٢٤
كتاب البيوع
وأما الإناء المضبب(١) بالذهب، فلا بأس بالأَكل والشرب فيه عند أبي حنيفة (رضي الله
عنه)، وهو قول محمد ذكره في ((الموطأ))، وعند أبي يوسف: يُكْرَهُ.
وجه قول أبي يوسف أن استعمال الذهب حرامٌ بالنص، وقد حصل باستعمال الإِناء فيكره،
وجه قولهما أَنَّ هذا القدر من الذهب الذي عليه هو تابعٌ له، والعبرة للمتبوع دون التابع، كالثوب
المعلم والجبة المكفوفة بالحرير، وعلى هذا الخلاف الجلوس على السرير المضبب والكرسي
والسرج واللجام والركاب والنفر المضببة؛ وكذا المصحف المضبب على هذا الخلاف؛ وكذا
حلقة المرأة إذا كانت من الذهب ولبس ثوب فيه كتابة بذهب على هذا الاختلاف.
وأما السيفُ المضببُ والسكين فلا بأس به بالإجماع، وكذلك المنطقة المضبية لورود
الآثار بالرخصة بذلك في السلاح، ولا بأس بشدُ الفص بمسمار الذهب، لأنه تبعٌ للفص،
والعبرةُ للأصل(٢) دون التبع؛ كالعلم للثوب ونحوه.
وأما شد السن المتحرك بالذهب، فقد ذكر الكرخي (رحمه الله) أنه يجوز ولم يذكر
خلافاً، وذكر في الجامع الصغير أنه يكره عند أبي حنيفة، وعند محمد (رحمهما الله) لا يكره،
ولو شدها بالفضة لا يكره بالإجماع، وكذا لو جذع أنفه فاتخذ أنفاً من ذهب لا يكره بالاتفاق؛
لأن الأنف ينتن بالفضة، فلا بد من اتخاذه من ذهب، فكان فيه ضرورة فسقط اعتبار حرمته.
وقد روي أن عرفجةَ أصيبَ أنفُهُ يَوْمَ الكلابِ، فاتخذ أنفاً من وَرِقٍ، فأنتن، فأمره سيدنا
رسولُ الله ◌َّيهِ أَنْ يتخذ أنفاً من ذهب، وبهذا الحديث يحتج محمد على ما ذكر في الجامع؛
لجواز تضبيب السن بالذهب، ولأنه يباح له أن يشده بالفضة فكذا بالذهب، لأنهما في حرمة
الاستعمال على السواء؛ ولأنه تبع للسن، والتبعُ حُكْمُهُ حُكْمُ الأَصلِ، وهذا يوافق أصل أبي
حنيفة (رضي الله عنه).
وحجة ما ذكر أبو حنيفة (رضي الله عنه) في الجامع إطلاق التحريم من غير فصل، ولا
يرخص مباشرة المحرم إِلاَّ لضرورة، وهي تندفع بالأدنى وهو الفضة، فبقي الذهب على أصل
التحريم، والاستدلال بالفضة غير سديدٍ لتفاوت بين الحرمتين على ما مَرَّ.
ولو سقط سِتُّهُ يكره أَنْ يأخذ سن ميت فيشدها مكان الأُولى بالإجماع وكذا يكره أن يعيد
تلك السن الساقطة [إلى](٣) مَكَانِها عند أبي حنيفة ومحمد (رحمهما الله)، ولكن يأخذ سِنَّ شاةٍ
ذكية فيشدها مَكَانَهَا .
(١) المضبب: المُلْبَسُ ضَبَّة من ذهب.
(٢) في ب: للمتبوع.
(٣) سقط من ط .

٥٢٥
كتاب البيوع
وقال أبو يوسف (رحمه الله): لا بأس بسنّةٍ، ويكره سن غيره، قال: ولا يشبه سنة سن
ميت، استحسنُ ذلك، وبينهما عندي فصل، ولكن لم يحضرني.
ووجه الفصل له من وجھین:
أحدهما: أن سن نفسه جزء منفصل للحال عنه، لكنه يحتمل أن يصير متصلاً في الثاني؛
بأن يلتئم فيشتد بنفسه فيعود إلى حالته الأولى، وإعادةُ جزء منفصلٍ إِلى مكانه ليلتئم جائزٌ كما
إذا قطع شيء من عضوه فأعاده إلى مكانه، فأما سن غيره فلا يحتمل ذلك.
والثاني: إن استعمال جزء منفصل عن غيره من بني آدم إِهانة بذلك الغير، والآدمي
بجميع أجزائه مكرمٌ، ولا إِهانة في استعمال جزء نفسه في الإعادة إلى مكانه.
وجه قولهما أَنَّ السنَّ من الآدمي جزء منه، فإذا انفصل استحق الدفن ككله، والإِعادةُ
صرفٌ له عن جهة الاستحقاق، فلا تجوز، وهذا لا يوجب الفصل بين سنة وسن وغيره.
ومنها: الفضة، لأن النص الوارد بتحريم الذهب على الرجالِ يكون وارداً بتحريم الفضة،
دلالةً، فيكره للرجال استعمالها في جميع ما يكره استعمال الذهب فيه إلا التختم به إِذا ضرب
على صيغة ما يلبسه الرجال، ولا يزيد على المثقال؛ لما روينا من حديث النعمان بن بشير
(رضي الله عنهما)؛ وكذا المنطقة وحلية السيف والسكين من الفضة لما مر؛ وما لا يكره
استعمال الذهب فيه لا يكره استعمال الفضة من طريق الأولى؛ لأنها أخف حرمة من الذهب،
وقد ذكرنا جميع ذلك على الاتفاق والاختلاف فلا نعيده.
وأما التختم بما سوى الذهب والفضة من الحديد والنحاس والصفر، فمكروه للرجال
والنساء جميعاً، لأنه زي أهل النار لما روينا من الحديث.
وأما الأواني المموهة بماء الذهب والفضة الذي لا يخلص منه شيء، فلا بأس بالانتفاع
به في الأكل والشرب؛ وغير ذلك؛ بالإِجماع؛ وكذا لا بأس بالانتفاع بالسرج والركاب
والسلاح والسرير والسقف المموه، لأن التمويه ليس بشيء، ألا يرى أنه لا يخلص والله
(سبحانه وتعالى) أعلمُ بالصواب .

كِتَابُ الْبُيُوعِ(١)
الكلام في هذا الكتاب في الأصل في مواضع:
(١) البيع معناه لُغَةً: مقابلة شيء بشيء، على وجه المُعَاوَضَةِ، فيدخل فيه ما لا يصحّ تملكه كاختصاص، وما
إذا لم تكن صيغة، وخرج بوجه المعاوضة رد السلام في مقابلة ابتدائه، فيطلق على مطلق المعاوضة قال
الشاعر : [البسيط]
مَا بَعْدُ مُهَجتي إلاَّ بوَضْلٍ ولا أَسلْمُهَا إلا يَدأَ بِيَدٍ
فإن وفيتم بما قلتم وفيت أنا وإن غدرتم فإن الرهن تحت يدي
ولفظه في الأصل مصدر، فلذا أفرد، وإن كان تحته أنواع، ثم صار اسماً لما فيه مقابلة، ثم هو مصدر
باع.
قال صاحب ((المختار)): ((باع الشيء يبيعه بيعاً)) و(بيعاً) شراءه، وهو شاذ، وقياسه مباعاً، و(باعه) اشتراه،
فهو من الأضداد، وفي الحديث: ((لاَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، ولاَ يَبْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ)) أي: لا
يشتر على شراء أخيه؛ لأن النَّهي وقع على المشتري لا على البائع والشيء (مَبِيع) و(مَبْيُوعَ) مثل: مَخِيط
ومَخيوط، ويقال للبائع والمشتري: (بَيِّعان) بتشديد الياء، و(أبَاع) الشيء عَرَضَهُ للبيع و(الابياع) الاشتراء،
ويقال: (بيع) الشيء على ما لم يسم فاعله بكسر الباء ومنهم من يقلب الياء واواً فيقول: (بَوْعُ) الشيء.
ينظر: لسان العرب (٢٣/٨)، الصحاح (١١٩٨/٣)، المغرب (٥٦/٦)، المصباح المنير (١١٠/١).
واضطلاحاً:
عرفه الحنفية بأنه: مُبَادَلَةُ المَالِ بالمال بالتراضي.
عرفه الشّافعية بأنه: عَقْد يتضَّمن مقابلة مال بمال بشرطه لاستفادة ملك عين، أو منفعة مؤبدة.
عرفه المالكية: بأنه دفع عوض في معوض، وبتعريف آخر: هو عقد معاوضة على غير منافع، ولا متعة
لذة.
عرفه الحنابلة بأنه: مبادلة المال بالمال تمليكاً وتملكاً.
انظر: كشف القناع (١٤٦/٣)، فتح القدير (٢٤٦/٦)، الاختيار (٣)، نهاية المحتاج (٣٧٢/٣)، مغني
المحتاج (٢/٢)، مواهب الجليل (٢٢٢/٤)، شرح الخرشي (٤/٥)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير
(٢/٣)، المغني (٥٦٠/٣).
((حكمة مشروعية البيع)) لا يخفى على المستبصر أن مشروعية البيع من أَهَم دواعي الحياة، وأسمى وسائل
العمران، وأصل سبيل الاستعمار، إذ عليه تدور رحى الحياة، وعلى قوائمه تحمل عروس الانتظامات والقوانين،
وبه تبادل المنافع بين المالكين، كيف لا ولولا البيع، وما يتعلق به من الإجارة، والقرض، والرهن ما استقام
نظام، ولا حصلت راحة بين الأنام، ولولاه ما انشق الكون، وانتظمت المعيشة الدنيوية، وسهلت طرق المرافق =
٥٢٦

٥٢٧
كتاب البيوع
في بيان ركن البيع .
الحيوية، فبالبيع ظهرت مدنية الإنسان قال حكيم: ((الإنسان مدني بالطبع)) يعني كل فرد من أفراد المجموع
=
الإنساني محتاج إلى أفراده في ضرورة تبادل منافعه، وضروريات حاجيات احتياج الكل إلى أجزائه،
والفرس إلى قوائمه، والسقف إلى حائط، فتجد الزراع مثلاً محتاجين إلى آلة بها الحرث، وهي بالضرورة
مركبة من الخشب والحديد، فتجدهم قد احتاجوا إلى الحداد والنجار، وعند ما تنظر إليهم تجدهما قد
احتاجا إلى الأكل، فيدفعان بضرورة الاحتياج إلى من احتاج إليهما أولاً، وهو الزَّارع، وعند ما تنظر نظرة
بسيطة تجد الزراع والنجار، والحداد قد انصرفوا في ستر أجسامهم إلى الحائك، وهكذا كل محتاج إلى
الآخر ((سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ بَديلاً)).
ولما كان كثير من الناس يرغب في شيء، وعن شيء، فلا يجد من يعامله اضطروا إلى الاصطلاح على
جواهر معدنية، تبقى زماناً طويلاً تكون المعاملة بها أمراً مسلماً عندهم:
ولما كان الذهب والفضة، صغيري الحجم متماثلي الأفراد، عظيمي النفع يتأتى التجمل بهما كانا نقدين
بالطبع، وغيرهما نقداً بالاصطلاح.
ثم من لطيف حكمة الباري جل شأنه أن جعل في كل مبادلة أشياء، عاقدين وعوضين وشيئاً يكون فطنة
ظاهرة، لرضا العاقدين، وشيئاً يكون قاطعاً تنازعها موجباً للعقد بالنسبة إليهما - وشرط في كل واحد من
هذه الأشياء التي بها يتحقق العقد شروطاً، وإلا كان العقد عبئاً أو مرعياً فيه فائدة ضمنية كالربا.
فإذا ما باع الإنسان، واشترى على الطريقة التي بينها الشرع الشريف، أفاد واستفاد، وأمكنه أن ينمي أمواله
التي هي زينة الحياة الدنيا، كما قال: ﴿المَالُ والْبَنُون زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
كيف وأي بيان للبيع بعد بيان الله له بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فهو من الأمور الظاهرة
فوائدها الباهرة آثارها، الساطعة أنوارها الكثيرة منافعها، فلذا أحل الله البيع وحرَّم الربا، لسدْ باب المفسدة
على العباد، وعدم أكل الشخص مال أخيه ظلماً.
لأنه كلما تأخّر الدين ربا ما عليه، وزاد، حتى يستغرق جميع ما عنده من العروض، وما يملك من
المزارع، فيستولي عليه المرابي، ويأخذه بغير حق ظلماً وطمعاً، نعم يأكل مال أخيه المسلم من غير فائدة
عادت عليه، ولا ثمرة من المال ردت إليه، ولا انتفع إلا بالخسارة، وذهاب ما عنده من العروض
والتجارة، وأنت تعلم ما دفعه إلا العوز، ولا دعاه إلا الاحتياج؛ لكن بالبيع أمكن، ويمكنه أن يتحاشى
هذا الضرر، ويتجنب البؤس ويعيش عيشة راضية؛ ولذلك أحل الله البيع وحرم الربا، وشدد النكير على
فاعليه في كتابه الأقدس فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾. وقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ
الرِّبَا ويُربِي الصَّدَقَاتِ﴾ وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِي مِن الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ
تَفْعَلُوا فَأْذِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمَوَالِكُمْ لاَّ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُون﴾ فقد شدّد
النكير على فاعليه وَهَدَّدَهُمْ بالحرب إن لم ينتهوا؛ ولذلك قال رسول الله وَّرَ: ((اثنان يُحَارِبُهُمَا اللَّهُ
وَرَسُولُهُ: آكِلُ الرِّبَا وَعَاقُّ وَالِدَيْهِ)). ثم من لطف رفق الله بالمتعاقدين أيضاً أنه جعل لهما الخيار؛ لدفع
المضرة، وسهولة المعاملة، حتى لا يجحف أحد المتعاقدين؛ إذ ربما يجد في البيع عيباً باطناً لا يتنبه له
إلا بالرؤية والإمعان والفكرة، فجعل لهما الخيار، لكي يتمكنا من التنقيب والتفتيش.
(وبالجملة): فالبيع عنوان الوفاق، ورائد الرشاد، والركن الركين الذي تنبني عليه مصالح عزيزة، تعود
على الإنسان بالخير والفضل في الدنيا والسعادة في الآخرة.

٥٢٨
كتاب البيوع
٦٤/٣ ١
وفي بيان شرائط الركن.
وفي بيان / أقسام البيع.
وفي بيان ما يكره من البياعات وما يتصل بها.
وفي بيان حكم البيع .
وفي بيان ما يرفع حكم البيع.
أما ركن البيع فهو : مبادلةُ شيءٍ مرغوب [بشيء مرغوب](١) وذلك قد يكون بالقول وقد
يكون بالفعل، أما القول فهو المسمى بالإِيجاب والقبول في عرف الفقهاء، والكلام في
الإِيجاب والقبول في موضعين:
أحدهما: في صيغة الإِيجاب والقبول.
والثاني: في صفة الإِيجاب والقبول.
أما الأول فنقول: وبالله التوفيق: الإيجاب والقبول قد يكون بصيغة الماضي وقد يكون
بصيغة الحال .
أما بصيغة الماضي فهي أن يقولَ البائع بعتُ(٢) ويقولُ المشتري اشتريتُ، فيتم الركن؛
لأن هذه الصيغة، وإن كانت للماضي وضعاً لكنها جعلت إيجاباً للحال في عرف أهل اللغة
والشرع، والعرف قاض على الوضع؛ وكذا إذا قال البائع: خُذْ هذا الشيء بكذا أو أعطيتكه
بكذا، أو هو لك بكذا، أو بذلتكه بكذا، وقال المشتري قبلتُ أو أخذتُ أو رضيتُ أو هويت
ونحو ذلك؛ فإنه يتم الركن؛ لأن كل واحد من هذه الألفاظ يؤدي معنى البيع، وهو المبادلة،
والعبرة للمعنى لا للصورة.
(١) سقط من ط.
(٢) قال ابن قتيبة وغيره يقال: بعت الشيء بمعنى بعته وبمعنى شربته. ويقال شربت بمعنى شربته وبعته وأكثر
الاستعمالات بعته إذ أزلت الملك عنه بالمعاوضة، واشتريته إذا تملكته بها قال الأزهري: العرب تقول
بعت بمعنى بعت ما كنت تملكته وبعت بمعنى اشتريت قال وكذلك شريت بالمعنيين قال وكل واحد
مبيع؛ لأن الثمن والمثمن كل منهما مبيع. وقال بعته أبيعه فهو مبيع، ومبيوع، كمخيط، ومخيوط قال
الخليل المحذوف من مبيع واد مفعول؛ لأنها زائدة فهي بالحذف أولى. قال الأخفش: المحذوف
الكلمة. قال المازني كلاهما حسن. وقول الأخفش أقيس. والابتياع الاستقراء. وبايعت وتبايعا واستبيعته
سألته أن يبيعني. وأبعت الشيء عرضة للبيع وبيع الشيء بكسر الباء وضمها، والكسر أفصح. وبوع بضم
الباء لغة فيه وأما الشراء ففيه لغتان مشهورتان (أفصحهما) المد (والثانية) القصر فمن مد كتبه بالألف، وإلا
فبالياء وجمعته أشربة وهو جمع نادر، ويقال شريت الشيء اشتريته شرياً إذا بعته وإذا اشتريت قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيْثِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ .

٥٢٩
كتاب البيوع
وأما صيغة الحال فَهِيَ أن يقول البائع للمشتري: أبيعُ منك هذا الشيء بكذا، ونوى
الإيجاب، فقال المشتري: اشتريت أو قال المشتري اشترى منك هذا الشيء بكذا، ونوى
الإِيجاب، وقال البائع [بعت، أو قال البائع:](١) أبيعه منك بكذا، وقال المشتري: اشتريه،
ونويا الإِيجاب - يتم الركن، وينعقد، وإِنما اعتبرنا النية ههنا؛ وإن كانت صيغة أفعل للحال هو
الصحيح، لأنه غلب استعمالها للاستقبال، إما حقيقة أو مجازاً، فوقعت الحاجة إلى التعيين
بالنية، ولا ينعقد بصيغة الاستفهام بالاتفاق، بأن يقول المشتري للبائع أتبيع مني هذا الشيء
بكذا أو أبعته مني بكذا، فقال البائع: بعتُ، لا ينعقد ما لم يقل المشتري اشتريتُ.
وكذا إذا قال البائع للمشتري: اشترِ مني هذا الشيء بكذا، فقال اشتريت؛ لا ينعقد ما لم
يقل البائع بعت .
وهل ينعقد بصيغة الاستقبال وهي صيغة الأمر، بأن يقول المشتري للبائع: بعد عبدك هذا
مني بكذا، فيقول البائع بعت؟ قال أصحابنا (رحمهم الله): لا ينعقد ما لم يقل المشتري
اشتريت، وكذا إِذا قال البائع للمشتري: اشترِ مني هذا الشيء بكذا، فقال [المشتري](٢)
اشتريت لا ينعقد ما لم يقلٍ، البائع بعتُ عندنا، وقال الشافعي (رحمه الله): ينعقد.
وجه قوله أن هذه الصيغة تصلح شطر العقد في الجملة، ألا ترى أن من قال لآخر تزوج
ابنتي، فقال المخاطب تزوجتُ، أو قال: زَوِّج ابنتَكَ منِّي، فقال: زوَّجتُ، ينعقد النكاح، فإذا
صلحت هذه الصيغة شطراً في النكاح، صلحت شطراً في البيع، لأن الركن في كل واحد منهما
هو الإِيجاب والقبول.
ولنا أن قوله: بع أو اشتر، طلب الإِيجاب والقبول، وطلب الإِيجاب والقبول لا يكون
إيجاباً وقبولاً، فلم يوجد إِلا أحد الشطرين، فلا يتم الركن؛ ولهذا لا ينعقد بلفظ الاستفهام؛
لكون الاستفهام سؤال الإِيجاب والقبول، لا إيجاباً وقبولاً، كذا هذا، وهذا هو القياس في
النكاح إلا أنا استحسنا في النكاح بنص خاص، وهو ما روى أبو يوسف أن بلالاً خطب إِلى
قوم من الأنصار فأبوا أن يزوجوه فقال: لولا أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لّ أمرني أنْ أخطبَ إِليكم لم
أخطَب، فقالوا له: أملكت، ولم ينقل أن بلالاً (رضي الله عنه) قال: قبلتُ، فتركنا القياس هنا
بالنص، ولا نص في البيع(٣)، فوجب العمل بالقياس، ولأن هذه الصيغة مساومة حقيقة، فلا
تكون إيجاباً وقبولاً حقيقة، بل هي طلب الإِيجاب والقبول، فلا بد للإِيجاب والقبول من لفظ
آخر يَدُلُّ عليهما، ولا يمكن حمل هذه الصيغة على المساومة في باب النكاح؛ لأن المساومة
(١) سقط من ط.
(٣) في أ: الضرع.
(٢) سقط من ط.
بدائع الصنائع ج٦ - م٣٤

٥٣٠
كتاب البيوع
لا توجد في النكاح عادة، فحملت على الإيجاب والقبول على أن الضرورة تُوجب أن يكون
قول القائل: زَوِّج ابنتك مني، شطر العقد، فلو لم تجعل شطر العقد لتضرر به الولي؛ لجواز
أن يزوج ولا يقبل المخاطب فيلحقه الشين، فجعلت شطراً لضرورة دفع الضرر عن الأولياء،
وهذا المعنى في باب البيع منعدم، فبقيت سؤالاً، فلا يتم به الركن ما لم يوجد الشطر الآخر.
وأما صفة الإيجاب والقبول: فهو أَنَّ أحدهما لا يكون لازماً قبل وجود الآخر، فأحد
الشطرين بعد وجوده لا يلزم قبل وجود الشطر الآخر، حتى إذا وجد أحد الشطرين من أحد
المتبايعين(١) فللآخر خيار القبول، وله خيار الرجوع قبل قبول الآخر، لما روي عن أبي
هريرة، عن النبيِ وََّ أنه قال: ((البَيْعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا عَنْ / بَيْعِهِمَا))(٢) والخيار الثابت
لهما قبل التفرق عن بيعهما هو خيار القبولِ وخيار الرجوع؛ ولأن أحد الشطرين لو لزم قبل
وجود الآخر لكان صاحبه مجبوراً على ذلك الشطر، وهذا لا يجوز.
وأما المبادلة بالفعل: فهي التعاطي، ويسمى هذا البيع بيع المراوضة، وهذا عندنا.
وقال الشافعي (رحمه الله): لا يجوز البيع بالتعاطي(٣)، لأن البيع في عرف الشرع كلام
إيجاب وقبول، فأما التعاطي فلم يعرف في عرف الشرع بيعاً.
(١) في أ: المتعاقدين.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (٦٧١/٢): كتاب البيوع باب بيع الخيار، الحديث (٧٩)، وأحمد (٥٦/١)،
والبخاري (٣٢٨/٤)، كتاب البيوع: باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، الحديث (٢١١١)، ومسلم (٣/
١١٦٣)، كتاب البيوع: باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، الحديث (١٥٣١/٤٣)، وأبو داود (٣/
٧٣٢ - ٧٣٥)، كتاب البيوع والإجارات: باب في خيار المتبايعين، الحديث (٣٤٥٤) و(٣٤٥٥)،
والترمذي (٥٤٧/٣)، كتاب البيوع: باب ما جاء في البيعين بالخيار ما لم يتفرقا، الحديث (١٢٤٥)،
والنسائي (٢٤٨/٧)، كتاب البيوع: باب وجوب الخيار للمتبايعين قبل افتراقهما، وابن ماجه (٧٣٦/٢)،
كتاب التجارات: باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، الحديث (٢١٨١).
والشافعي (٢/ ١٥٤) كتاب البيوع: باب في خيار المجلس رقم (٥٣١، ٥٣٤) وابن طهمان في ((مشيخته)) رقم
(١٨٠، ١٨١)، وعبد الرزاق (٥٠/٨ -٥١) والحميدي (٦٤٥) والطيالسي (٢٦٦/١ - منحة) رقم (١٣٣٨)
وأبو أمية الطرسوس في ((مسند ابن عمر)) رقم (٧٩) وأبو يعلى (١٩٢/١٠) رقم (٥٨٢٢) والطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) (٤/ ١٢) والدارقطني (٥/٣) كتاب البيوع والطبراني في ((المعجم الصغير)) (٢٧/٢) والبيهقي
(٢٦٨/٥ - ٢٦٩) وأبو نعيم في ((أخبار أصفهان)) (٢٢٠/١) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٠٤/٣ - ١٠٥)
والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٢٦/٤ - بتحقيقنا) كلهم من طريق نافع عن ابن عمر به .
(٣) ومذهب الشافعية أنه لا يصح إلا بالإيجاب والقبول ولا يصح بالمعاطاة لا في القليل ولا في الكثير. وفيه
وجه مشهور عن ابن سريج أنه يصح بالمعاطاة خرجه من مسألة الهدي إذا قلده فهل يصير بالتقليد هديا
منذوراً فيه قولان مشهوران.
الجديد: وهو الصحيح أنه لا يصير.
٦٤/٢ ب

٥٣١
كتاب البيوع
وذكر القدوري أن التعاطي يجوز في الأشياء الخسيسة، ولا يجوز في الأشياء النفيسة،
ورواية الجواز في الأصل مطلق عن هذا التفصيل وهي الصحيحة، لأن البيع في اللغة والشرع
اسم للمبادلة، وهي مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب، وحقيقة المبادلة بالتعاطي وهو الأخذ
والإِعطاء، وإنما قول البيع والشراء دليل عليهما.
والدليل عليه قولُه (عزَّ وجلَّ): ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]
والتجارةُ عبارة عن جعل الشيء للغير ببدل، وهو تفسير التعاطي، وقال (سبحانه وتعالى):
﴿أُوْ لَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الصَّلاَلَةِ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] أطلق
(سبحانه وتعالى) اسم التجارة على تبادل ليس فيه قول البيع.
القديم: أنه تصير ويقوم الفعل مقام القول.
=
فخرج ابن سريج من ذلك، القول وجهاً في صحة البيع.
ثم إن المتولي والغزالي، وصاحب العدة، والرافعي والجمهور نقلوا عن ابن سريج أنه تجوز في
المحقرات، وهذا مذهب أبي حنيفة، فإن جوزها في المحقرات دون الأشياء النفيسة. ونقل إمام الحرمين
هذا عن أبي حنيفة ونقل عن ابن سريج أيجوزها ولم يقيد الإمام في نقله عن ابن سريج بالمحقرات كما
قيد في نقله عن أبي حنيفة؛ ولعله أراد ذلك واكتفى بالتقيد عن أبي حنيفة. وقد أنكر الشيخ أبو عمر بن
الصلاح على الغزالي كونه حكى عن ابن سريج تجويزها في المحقرات، وقال ليست مختصة عن ابن
سريج بالمحقرات. وهذا الإنكار على الغزالي غير معقول؛ لأن المشهور عن ابن سريج التخصيص
بالمحقرات. واختار جماعات من العلماء جواز البيع بالمعاطاة فيما يعد بيعاً.
وقال مالك في كل ما عده الناس بيعاً فهو بيع. وممن اختار من العلماء أن المعاطاة فيما يعد بيعاً صحيح
صاحب الشامل والمتولي والبغوي والروياني وكان الروياني يفتي به وقال المتولي وهذا هو المختار للفتوى
وكذا قال آخرون. وهذا هو المختار لأن الله أحل البيع ولم يثبت في الشرع لفظ له فوجب الرجوع إلى
العرف فكل ما عده الناس بيعاً كان بيعاً كما في القبض والحرز وإحياء الموات وغير ذلك من الألفاظ
المطلقة فإنها كلها تحمل على العرف. ولفظة البيع مشهورة وقد اشتهرت الأحاديث بالبيع من النبي وَّ
وأصحابه ولم يثبت في شيء منها مع كثرتها اشتراط الإيجاب والقبول لا في زمنه ولا بعده.
وقد أوضح هذه المسألة المتولي فقال المعاطاة التي جرت بها العادة بأن يزيد النقد ويأخذ المتاع من غير
إيجاب ولا قبول ليست بيعاً على المشهور من مذهب الشافعية. وقال ابن سريج كل ما جرت فيه العادة
بالمعاطاة وعده العرف بيعاً فهو بيع وما لم تجر فيه العادة بالمعاطاة كالدواب، والجواري، والعقار لا
يكون بيعاً قال وهذا هو المختار للفتوى وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة المعاطاة بيع في المحقرات فأما
النفيس فلا بد فيه من الإيجاب والقبول.
ووجه المشهور القياس على النكاح فإنه لا ينعقد إلا باللفظ.
ووجه ابن سريج أن البيع كان معهود قبل ورود الشرع فورد ولم يغير حقيقته، بل علق به أحكاماً، فوجب
الرجوع فيه إلى العرف وكل ما عدده بيعاً جعلناه بيعاً، كما يرجع في إحياء الموات، والحرز، والقبض
إلى العرف.

٥٣٢
كتاب البيوع
وقال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾
[التوبة: ١١١] سمى (سبحانه وتعالى) مبادلة الجنة بالقتال في سبيل الله تعالى اشتراء وبيعاً لقوله
(تعالى) في آخر الآية: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] وإِن لم يوجد لفظ
البيع .
وإذا ثبت أن حقيقة المبادلة بالتعاطي وهو الأخذ والإعطاء، فهذا يوجد في الأشياء
الخسيسة والنفيسة جميعاً، فكان التعاطي في كل ذلك بيعاً فكان جائزاً .
فصل [في شروط الركن]
وأما شرائط الركن فلا يمكن الوصول إلى معرفتها إلاَّ بعد معرفة أقسام البياعات؛ لأن
منها ما يعم البياعات كلها، ومنها ما يخص البعضَ دون البعض، فنقول: البيع في القسمة
الأولى نقسم قسمين: قسمٌ يرجع إلى البدل، وقسمٌ يرجع إلى الحكم.
أما الذي يرجع إلى البَدَلِ: فينقسم قسمين آخرين:
أحدهما: يرجع إلى البدلین.
والآخر يرجع إلى أحدهما وهو الثمن(١).
أما الأول: فنقول البيع في حق البدلين ينقسم أربعة أقسام: بيعُ العينِ بالعينِ، وهو بيعُ
السلع بالسلعٍ، ويسمى بيع المقايضة.
وبيع العين بالدين، وهو بيع السلع بالأثمان المطلقة، وهي الدراهم والدنانير، وبيعها
بالفلوس النافقة، وبالمكيل الموصوف في الذمة، والموزون الموصوف العددي المتقارب
الموصوف .
وبيع الدين بالعين وهو السَّلَمُ.
وبيع الدين بالدين وهو بيع الثمن المطلق بالثمن المطلق، وهو الصرفُ.
فأمّا الذي يرجع إلى أحد البدلين وهو الثمن فينقسم في حق البدل - وهو الثمن - خمسة
أقسام: بيع المساومة، وهو مبادلة المبيع بأي ثمن اتفق، وبيع المرابحة وهو مبادلة المبيع بمثل
الثمن الأول وزيادة ربح، وبيع التولية، وهو المبادلة بمثل الثمن الأول من غير زيادةٍ ولا
(١) في أ: اليمين.

٥٣٣
كتاب البيوع
نقصان، وبيع الاشتراك وهو التوليه، لكن في بعض المبيع ببعض الثمن، وبيع الوضيعة وهو
المبادلة بمثل الثمن الأول مع نقصان شيء منه.
وأما القسم الذي يرجع إلى الحكم فنذكره في باب ((حكم البيع)) إن شاء الله (تعالى).
وإذا عرفت أقسام البياعات فنذكر شرائطها، وهي أنواع: بعضُها شرطُ الانعقاد، وبعضها
شرط النفاذ، وهو ما لا يثبت الحكم بدونه، وإن كان قد ينعقد التصرف بدونه، وبعضُها شرط
الصحة، وهو ما لا صحة له بدونه، وإن كان قد ينعقد وينفذ بدونه، وبعضُها شرط اللزوم وهو
ما لا يلزم البيع بدونه، وإِن كان قد ينعقد وينفذ (١) بدونه.
أما شرائط الانعقاد فأنواع: بعضُها يرجعُ إِلى العاقد، وبعضُها يرجع إلى نفس العقد،
وبعضُها يرجع إلى مكان العقد، وبعضُها يرجع إلى المعقود عليه.
أما الذي يرجع إلى العاقد فنوعان:
أحدهما: أن يكون عاقلاً، فلا ينعقد بيع المجنون والصبي الذي لا يعقل، لأن أهلية
المتصرف شرط انعقاد التصرف، والأهليةُ لا تثبت بدون العقل، فلا يثبت الانعقاد بدونه؛ فأما
البلوغ فليس بشرط لانعقاد البيع عندنا، حتى لو باع الصبي العاقل مَالَ نَفْسِهِ ينعقد عندنا؛
موقوفاً على إجازة وليّهِ، وعلى إجازة نفسه بعد البلوغ، وعند الشافعي شرط فلا تنعقد تصرفات
الصبي عنده أصلاً؛ وكذا ليس بشرط النفاذ في الجملة، حتى لو تَوَكَّلَ عن غيرُهُ بالبيع والشراء
ينفذ تصرفه، وعنده لا ينفذ، وهي مسألة ((كتاب المأذون))(٢).
وكذا الحرية ليست بشرطٍ لانعقاد البيع ولا / لنفاذه حتى ينفذ بيع العبد المأذون ٦٥/٣ أ
بالإجماع، وينعقد بيع العبد المحجور إذا باع مال مولاه؛ موقوفاً على إجازته عندنا.
وكذا الملك أو الولاية ليس بشرط لانعقاد البيع عندنا، بل هو شرط النفاذ حتى يتوقف
بيع الفضولي.
(١) في أ: ويصح.
(٢) نقول العاقد يشمل البائع والمشتري، ويعتبر فيهما لصحة البيع التكليف فلا ينعقد بعبارة الصبي والمجنون
لا لنفسهما، ولا لغيرها سواء كان الصبي مميزاً أو غير مميز وسواء باشر العقد بإذن الولي أو بدون إذن
الولي. ولا فرق بين بيع الاختيار وغيره على ظاهر المذهب. وبيع الاختيار هو الذي يمتحنه به الولي
يستبين رشده عند مناهزة الحلم. وعن بعض الأصحاب تصحيح بيع الاختبار.
وقال أبو حنيفة: إن كان مميزاً وباع واشترى بغير إذن الولي انعقد موقوفاً على إجازته وإن باع بإذن عقد
ووافقه أحمد على أنه ينعقد إذا كان بإذن.

٥٣٤
کتاب البيوع
وعنده شرط حتى لا يتوقف أصلاً، والمسألة تأتي في موضعها.
وكذا إسلام البائع ليس بشرط لانعقاد البيع ولا لنفاذه ولا لصحته بالإجماع، فيجوز بيع
الكافر وشراؤه.
وَقَالَ الشَّافِعيُّ: إِسلام المشتري شرط جواز شراء الرقيق المسلم والمصحف، حتى لا
يجوز ذلك من الكافر.
وجه قوله أن في تملك الكافر المسلم إِذلالاً بالمسلم، وهذا لا يجوز، ولهذا يجبر على
بيعه عندكم(١).
(١) قد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة فذهب الحنابلة والمالكية في إحدى الروايتين عن أشهب إلى
القول بعدم صحة شراء الكافر له. وذهب الحنفية وابن القاسم من المالكية إلى القول بصحته. قالت
الحنفية ويجبر المشتري على بيعه. وإزالة ملكه عنه.
احتج الحنفية: بعمومات الكتاب والسنة الواردة في حل البيع من غير فصل بين مسلم وكافر. وحيث حل
الشراء للمسلم يحل للكافر بمقتضى العموم.
وأجيب: بأن تلك العمومات مخصصة في حق الكافر بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ سَبِيْلاَ﴾. واحتجوا أيضاً بأن شراء الكافر للعبد المسلم عقد صدر من أهله في محله. لأن الكافر
أهل للتصرف والعبد مال متقوم ولهذا صح للمسلم بيعه وشراؤه. وإذا كان العقد كذلك كان صحيحاً. أما
دليل أن الكافر أهل للتصرف فهو ثبوت الملك له على العبد المسلم وميراثه له وبقاء ملكه عليه حينما
يسلم. وأما دليل جبر المشتري على البيع بعد صحة الشراء فهو احتمال أن يفعل الكافر المسلم فعلاً لا
يحل له نظر للعداوة الدينية التي بينهما.
ونوقش هذا الدليل :
بأن استدلالكم على صحة البيع بصحة الإرث غير مسلم من وجهين أحدهما: أنه انتقال الملك في الإرث
قهري لئلا يبقى الشيء بلا مالك. ولا كذلك البيع فإنه اختياري إن لم يصح بقي على ملك صاحبه
الأصلي.
الثاني: أن الأرث يفيد استدامة ملك والبيع بغير ابتداءه والاستدامة أخف من الابتداء حتى صح إرث
المسلم للخمر لكونه استدامة لا شراؤه ابتداء فظهر الفرق بينهما فلا يقاس أحدهما على الآخر.
حجة الجمهور:
احتجوا أولاً: بأن في تصحيح مثل هذا البيع طريقاً لإثبات السبيل من الكافر على المسلم إذ به يتمكن من
إذلاله بالاستخدام وهو محظور شرعاً فيمتنع ما أدى إليه.
ونوقش: بكون السبيل غير حاصل بالجبر على بيعه بعد تصحيحه. وأجيب: بنفي تصحيحه مع الجبر
لعدم الفائدة فكان المنع ابتداء أولى.
واحتجوا ثانياً:
بأن المقصود من الشراء هو استدامة الملك من المشتري على العين المشتراة وعدم خروجها من ملكه إلا
برضاه ثم في تصحيح الشراء من الكافر للعبد المسلم مع جبره بعد ذلك على البيع إخلال بمقاصد =

٥٣٥
كتاب البيوع
ولنا عمومات البيع من غير فصلٍ بين بيع العبد المسلم من المسلم وبين بيعه من الكافر،
فهو على العموم إلا حيث ما خص بدليل؛ ولأن الثابت للكافر بالشراء ليس إلا الملك في
المسلم، والكافر من أهل أن يثبت الملك له على المسلم؛ أَلاَ ترى أن الكافر يرث العبد
المسلم من أبيه، وكذا إذا كان له عبد كافر فأسلم، بقي ملكه فيه وهو الحقيقة ملك مبتدأ؛ لأن
الملك عرض لا بقاء له، فَدَلَّ أَن الكافر من أهل ثبوت الملك له في المسلم.
وقوله: فيه إذلال بالمسلم، قلنا: الملك عندنا لا يظهر فيما فيه إذلال بالمسلم؛ فإنه لا
يظهر في حق الاستخدام والوطء والاستمتاع بالجارية المسلمة، وإِنما يظهر فيما لا ذُلَّ فيه من
الإِعتاق والتدبير والكتابة والبيع، وبه تبين أن الجبر على البيع ليس لدفع الذل، إِذ لا ذل على
ما بينا، ولكن لاحتمال وجوده فعل لا يحل ذلك في الإِسلام لعداوة بين المسلم والكافر.
وإذا جاز شراء الذمي العبد المسلم فيجوز إِعتاقه وتدبيره واستيلاده وكتابته؛ لأَن جواز
هذه التصرفات مبني على الملك، وقد وجد، إِلاَّ أنه إذا دبره يسعى العبد في قيمته؛ لأنه لا
سبيل إلى إبقائه على ملكه، ولا سبيل إلى الإزالة بالبيع، لأنه بيع المدبر وأنه لا يجوز، فتعينت
الإزالة بالسعاية .
وكذا إذا كانت أمة فاستولدها، فإنها تسعى في قيمتها لما قلنا، ويُوجع الذمي ضرباً لوطئه
المسلمة، لأنه حرام عليه فيستحق التعزير، وإِذا كاتبه لا يعترض عليه؛ لأنه أزال يده عنه، حتى
لو عجز ورد في الرق يجبر على بيعه.
وكذا الذمي إذا ملك شقصاً فالحكم في البعض كالحكم في الكل، ولو اشتراه مسلم من
الكافر شراءً فاسداً، فإِنه يجبر على الرد؛ لأن رد الفساد واجب حقًّا للشرع، ثم يجبر الكافر
على بيعه، والله (سبحانه وتعالى) أعلم.
النكاح. وعدم ترتب آثاره عليه فكان خليقاً بالفساد دون الصحة. ولهذا خطر عقد الزواج من المشركة
=
للمسلم لعدم ترتب آثار النكاح عليه. والبيع مثله .
ونوقش: بأن مثل هذا الشراء لم يخل عن الفائدة لو قلنا بتصحيحه مع الجبر إذ قد ظهرت بتمامه سلطة
المالك على البيع وجاز له بيعه وانتقال ملكيته إليه. وتصحيح عتقه إن أراد. ومسألة الإذلال ممنوعة مع
الجبر على البيع.
وأجيب: بأن تلك السلطة الحاصلة من مثل هذا الشراء كعدمها لقيام أمر الجبر مسلطاً عليه. ولا شك أن
الإذلال متحقق بمجرد انتقال ملكية العبد إلى الكافر لأنه حينئذٍ متمكن من استخدامه إن كان عبداً
واستفراشها إن كانت أمة .
هذه أدلة الفريقين بالنظر فيها نجد أن مذهب الجمهور هو الراجح في المسألة إذ لا معنى للتصحيح مع
الجبر على البيع فكان المنع ابتداء أولى.

٥٣٦
كتاب البيوع
وكذا النطق ليس بشرط لانعقاد البيع والشراء ولا لنفاذهما وصحتهما، وفيجوز بيع
الأخرس وشراؤه إذا كانت الإِشارة مفهومة في ذلك؛ لأنه إذا كانت الإِشارة مفهومة في ذلك
قامتِ الإِشارةُ مقام عبارته(١).
هذا إِذا كان الخرس أصليًّا بأن ولد أخرس، فأما إذا كان عارضاً بأن طرأ عليه الخرس، فلا إِلاَّ
إذا دام به حتى وقع اليأس من كلامه، وصارت الإِشارة مفهومة فيلحق بالأخرس الأصلي.
والثاني: العدد في العاقد، فلا يصلح الواحد عاقداً من الجانبين في باب البيع إِلاَّ الأَب
فيما يبيع مال نفسه من ابنه الصغير بمثل قيمته، أو بما يتغابن الناس فيه عادة، أو يشتري مال
الصغير لنفسه بذلك عند أصحابنا الثلاثة استحساناً، والقياس أن لا يجوز ذلك أيضاً(٢)، وهو
قول زفر (رحمه الله).
وجه القياس أن الحقوق في باب البيع ترجع إلى العاقد، وللبيع حقوق متضادة مثل
التسليم والتسلم والمطالبة، فيؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً
ومتسلماً، طالباً ومطالباً، وهذا محالٌ، ولهذا لم يجز أن يكون الواحد وكيلاً من الجانبين في
باب البيع؛ لما ذكرنا من الاستحالة، ويصلح رسولاً من الجانبين؛ لأن الرسول لا تلزمه
الحقوق، فلا يؤدي إلى الاستحالة.
وكذا القاضي يتولى العقد من الجانبين؛ لأَنَّ الحقوقَ لا ترجع إليه، فكان بمنزلة
الرسول، وبخلاف الوكيل في باب النكاح؛ لأن الحقوق لا ترجع إليه، فكان سفيراً محضاً
بمنزلة الرسول.
وجه الاستحسان قولُه (تبارك وتعالى): ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيم إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَخْسَنُ﴾
[الأنعام: ١٥٢] فيملكه الأب، وكذا البيع والشراء بمثل قيمته، وبما يتغابن الناس فيه عادةً، قد
يكون قرباناً على وجه الأحسن بحكم الحال، والظاهر أن الأَبِ لا يفعل ذلك إِلاَّ في تلك
الحال، لكمال شفقته، فكان البيع والشراء بذلك قرباناً على وجه الأحسن.
(١) ومذهب الشافعية أن الأخرس يصح بيعه وشراؤه بلا خلاف بالإشارة المفهومة وبالكتابة بلا خلاف
للضرورة قال الأصحاب، وقالوا يصح بهما جميع عقوده ونسوخه كالطلاق والعتاق والنكاح والظهار
والرجعة والإبراء والهبة وسائر العقود والفسوخ بل قالوا إشارته المفهمة كعبارة الناطق إلا في صورتين
فيهما خلاف، وهما شهادته وإشارته بالكلام في صلاته، والأصح أنه تصح شهادته ولا تبطل صلاته، لأن
الشهادة يحتاط فيها والصلاة لا تبطل إلا بالكلام الحقيقي، وهذا مما يسأل عنه فيقال إنسان باع وهو
يصلي فيصح بيعه ولا تبطل صلاته فهذه صورة وتتصور أيضاً فيمن باع فيها بالكلام ناسياً ولم تبطل فإنه
یصح بيعه ولا تبطل صلاته.
(٢) في أ: أصلاً.

٥٣٧
كتاب البيوع
وقوله: يؤدِّي إِلى الاستحالة، قلنا /: ممنوعٌ؛ فإِنه يجعل كأن الصبي باع أو اشترى ٦٥/٣ ب
بنفسه وهو بالغ فتعدد العاقد حكماً، فلا يؤدي إلى الاستحالة.
وأما الوصي إِذا باع مال نفسه من الصغير، أو اشترى مال الصغير لنفسه، فإِن لم يكن فيه
نفع ظاهر لا يجوز بالإِجماع، وَإِن كان فيه نفع ظاهر جاز، عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند
محمد لا يجوز؛ لأَنَّ القياسَ يأبى جَوَازَه أصلاً من الأبِ والوصي جميعاً؛ لما ذكرنا من
الاستحالة، إلاَّ أن الأب لكمال شفقته جعل شخصه المتحد حقيقةً متعدداً ذاتاً ورأياً وعبارةً،
والوصي لا يساويه في الشفقة، فبقي الأمر فيه على أصل القياس.
ولأبي حنيفة وأبي يوسف (رضي الله عنهما) أَن تصرف الوصي إذا كان فيه نفع ظاهر
لليتيم قربان ماله على وجه الأحسن فيملكه بالنص.
قوله: لا يمكن إلحاق الوصي بالأب لقصور شفقته، قلنا: الوصيُّ له شبهان؛ شبه بالأب
وشبه بالوكيل، أما شبهه بالوكيل فلكونه أجنبيًّا، وشبهه بالأب لكونه مرضى الأب، فالظاهر أنه
ما رضي به إِلاَّ لوفور شفقته على الصغير، فأثبتنا له الولاية عند ظهور النفع عملاً بشبه الأب،
وقطعنا ولايته عند عدمه عملاً بشبه الوكيل؛ عملاً بالشبهين بقدر الإمكان.
فصل فيما يرجع إلى نفس العقد من الإيجاب والقبول
وأما الذي يرجع إلى نفس العقد فهو أن يكون القبول موافقاً للإِيجاب، بأن يقبل
المشتري ما أوجبه البائع وبما أوجبه، فإن خالفه بأن قبل غير ما أوجبه، أو بعض ما أوجبه، أو
بغير ما أوجبه، أو ببعض ما أوجبه - لا ينعقد من غير إيجاب مبتدأ موافق(١).
بيان هذه الجملة إذا أوجب البيع في العبد فقبل في الجارية لا ينعقد؛ وكذا إذا أوجب في
العبدين فقبل في أحدهما، بأن قال: بعتُ منك هذين العبدين بألف درهم، فقال المشتري:
(١) مذهب الشافعية: يشترط في الصيغة أيضاً موافقة القبول والإيجاب، فلو قال بعتك بألف صحاح فقال
قبلت بألف مكسرة أو عكسه أو بألف حال فقيل بمؤجل أو عكسه. أو قال بألف مؤجل إلى شهر فقبل
بمؤجل إلى شهرين أو قال بعتكه بألف دراهم فقيل بألف دنانير أو عكسه. أو قال: بألف فقال قبلت نصفه
بخمسمائة ونصفه بخمسمائة قال المتولي: يصح العقد، لأنه تصريح بمقتضى الإطلاق. وقال الرافعي :
فيه نظر وهو كما قال الرافعي، لكن لظاهر الصحة. وفي فتاوى القفال أنه لو قال بعتك بألف درهم فقال
اشتريت بألف وخمسمائة صح البيع. قال الرافعي هذا غريب وهو كما قال؛ لأن الظاهر هنا فساد البيع
لعدم الموافقة .
ويشترط أيضاً عدم التعليق، فلو قال إن مات فقد بعتك هذا بكذا لم يصح. وكذا يشترط أيضاً عدم
التأنيث، فلو قال بعتك هذا بكذا شهراً لم يصح أيضاً.

٥٣٨
كتاب البيوع
قبلت في هذا العبد، وأشار إلى واحد معين، لا ينعقد؛ لأن القبول في أحدهما تفريق الصفقة
على البائع، والصفقة إذا وقعت مجتمعة من البائع لا يملك المشتري تفريقها قبل التمام، لأن من
عادة التجار ضم الرديء إلى الجيد ترويجاً للرديء بواسطة الجيد، فلو ثبت للمشتري ولاية
التفريق لقبل في الجيد دون الرديء، فيتضرر به البائع، والضرر منفيٍّ؛ ولأن غرض الترويج لا
يحصل إلا بالقبول فيهما جميعاً، فلا يكون راضياً بالقبول في أحدهما، ولأن القبول في أحدهما
يكون إعراضاً عن الجواب بمنزلة القيام عن المجلس؛ وكذا لو أوجب البيع في كل العبد فقبل
المشتري في نصفه لا ينعقد؛ لأن البائع يتضرر بالتفريق؛ لأنه يلزمه عيب الشركة، ثم إذا قبل
المشتري بعض ما أوجبه البائع، كان هذا شراء مبتدأ من البائع، فإن اتصل به الإيجاب من البائع
في المجلس، فينظر إن كان للبعض الذي قبله المشتري حصة معلومة من الثمن، جازً وإلا فلا.
بيانه إذا قال: بعتُ منك هذين الكرين بعشرين درهماً، فقبل المشتري في أحدهما
وأوجب البائع جاز؛ لأن الثمن ينقسم على المبيع باعتبار الأجزاء فيما له مِثْل، فكان بيع
الكرين بعشرين بيع كل كر بعشرة؛ لتماثل قفزان الكرين.
وكذلك إذا قال: بعتُ هذين العبدين بألف درهم، فقبل المشتري في أحدهما وبين ثمنه،
فقال البائع بعت، يجوز، فأما إذا لم يبين ثمنه لا يجوز، وإِن ابتدأ البائع الإِيجاب بخلاف
مسألة الكرين وسائر الأشياء المتماثلة؛ لما ذكرنا أن الثمن في المثليات ينقسم على المبيع
باعتبار الأجزاء، فكان حصة كل واحد معلوماً، وفيما لا مثل له، لا ينقسم الثمن على المبيع
باعتبار الأجزاء؛ لانعدام تماثل الأجزاء، وإذا لم ينقسم بقيت حصة كل واحد منهما من الثمن
مجهولة، وَجَهَالَةُ الثمن تمنع صحة البيع.
هذا إذا لم يبين البائع حصة كل واحد من العبدين، بأن قال: بعت منك هذين العبدين
بألف درهم، فأما إذا بين بأن قال: بعت منك هذين العبدين هذا بألف وهذا بخمسمائة، فقبل
المشتري في أحدهما دون الآخر، جاز البيع لانعدام تفريق الصفقة من المشتري، بل البائع هو
الذي فرق الصفة حيث سمى لكل واحد منهما ثمناً على حدة، وعلم أنه لا ضرر له فيه، ولو
كان فهو ضرر مرضي به وأنه غير مدفوع.
وكذا إِذا أوجب البيع في شيء بألف، فقبل فيه بخمسمائة لا ينعقد، وكذا لو أوجب
بجنس ثمن فقبل بجنس آخر إلاّ إذا رضي البائع به في المجلس.
وعلى هذا إِذا خاطب البائع رجلين فقال: بعتكما هذا العبد أو هذين العبدين فقبل
أحدهما دون الآخر، لا ينعقد؛ لأنه أضاف الإيجاب في العبدين / أو عبد واحد إليهما
جميعاً، فلا يصلح جواب أحدهما جواباً للإيجاب، وكذا لو خاطب المشتري رجلين، فقال:
اشتريت منكما هذا العبد بكذا، فأوجب في أحدهما، لم ينعقد لما قلنا.
٦٦/٣ ١

٥٣٩
كتاب البيوع
فضل فيما يرجع إلى مكان العقد
وأما الذي يرجع إلى مكان العقد فواحدٌ، وهو اتحاد المجلس؛ بأن كان الإيجاب
والقبول في مجلس واحد، فإن اختلف المجلس لا ينعقد، حتى لو أوجب أحدهما البيع فقام
الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس، ثم قبل، لا
ينعقد؛ لأن القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين عن الآخر في المجلس؛ لأنه كما وجد أحدهما
انعدم في الثاني من زمان وجوده، فَوُجِدَ الثاني والأولُ منعدمٌ، فلا ينتظم الركن، إلا أَنَّ اعتبار
ذلك يؤدي إلى انسداد باب البيع، فتوقف أحد الشطرين على الآخر حكماً، وجعل المجلس
جامعاً للشطرين مع تفرقهما للضرورة، وحق الضرورة يصير مقضياً (١) عند اتحاد المجلس، فإذا
اختلف لا يتوقف، وهذا عندنا، وعند الشافعي (رحمه الله) الفور مع ذلك شرط لا ينعقد الركن
بدونه .
وجه قوله ما ذكرنا أن القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين عن الآخر، والتأخر لمكان
الضرورة وأنها تندفع بالفور.
ولنا أن في ترك اعتبار الفور ضرورة؛ لأن القابل يحتاج إلى التأمل، ولو اقتصر على
الفور لا يمكنه التأمل، وعلى هذا إذا تبايعا وهما يمشيان أو يسيران على دابتين أو دابة واحدة
في محملٍ واحدٍ، فإن خرج الإيجاب والقبول منهما متصلين انعقد، وإِن كان بينهما فصلٌ
وسكوت، وإِن قَلَّ، لا ينعقد؛ لأن المجلس تبدل بالمشي والسير وإن قل.
ألا ترى أنه لو قرأ آية سجدةٍ وهو يمشي على الأرض أو يسير على دابة لا يصلي عليها
مراراً يلزمه لكل قراءة سجدة؛ وكذا لو خير امرأته وهي تمشي على الأرض أو تسير على دابة
لا يصلي عليها، فمشت أو سارت يبطل خيارُها، لتبدل المجلس، وَإِن اختارت نفسها متصلاً
بتخيير الزوج، صح اختيارها لأن المجلس لم يتبدل؛ فكذا ههنا، ولو تبايعا وهما واقفان انعقد
الاتحاد المجلس، ولو أوجب أحدهما وهما واقفان فسار الآخر قبل القبول أو سارا جميعاً، ثم
قبل، لا ينعقد؛ لأنه لما سارا وسارا فقد تبدل المجلس قبل القبول، فلم يجتمع الشطران في
مجلس واحد.
ولو وقفا فخير امرأته ثم سار الزوج وهي واقفة، فالخيار في يدها، ولو سارت هي
والزوج واقف بطل خيارها، فالعبرة لمجلسها لا لمجلس الزوج، وفي باب البيع يعتبر
مجلسهما جميعاً، لأن التخيير من قبل الزوج لازم.
(١) في ط: مقتضياً.

.'
٥٤٠
كتاب البيوع
أَلاَ ترى أنه لا يملك الرجوع عنه، فلا يبطل بالإِعراض وأحد الشطرين في باب البيع لا
يلزم قبل قبول الآخر، فاحتمل البطلان بالإِعراض.
ولو تبايعا وهما في سفينة ينعقد، سواء كانت واقفة أو جارية، خرج الشطران متصلين أو
منفصلين، بخلاف المشي على الأرض والسير على الدابة؛ لأن جريان السفينة بجريان الماء لا
بإجرائه .
أَلاَ ترى أن راكب السفينة لا يملك وقفها، فلم يكن جريانها مضافاً إليه، فلم يختلف
المجلس، فأشبه البيت؛ بخلاف المشي والسير، أما المشي فظاهر؛ لأنه فعله؛ وكذا سير الدابة
مضاف إليه.
أَلاَ ترى أنه لو سيرها سارت، ولو وقفها وقفت، فاختلف المجلس بسيرها، ولهذا لو
كرر آية السجدة في السفينة وهي جارية لا يلزمه إلا سجدة واحدة؛ كما لو كررها في بيت
واحد؛ وكذا لو خير امرأته في السفينة وهي جارية، فهي على خيارها ما لم يوجدَ منها دليل
الإعراض.
وعلى هذا إذا أوجب أحدهما البيع والآخر غائب، فبلغه فقبل، لا ينعقد؛ بأن قال: بعتُ
عبدي هذا من فلان الغائب بكذا، فبلغه فقبل، ولو قبل عنه قابِلٌ، ينعقد، والأصل في هذا أن
أحد الشطرين من أحد العاقدين في باب البيع يتوقف على الآخر في المجلس، ولا يتوقف على
الشطر الآخر من العاقد الآخر فيما وراء المجلس بالإِجماع، إِلا إذا كان عنه قابلٌ، أو كان
بالرسالة أو بالكتابة .
أما الرسالة فهي أن يرسل رسولاً إلى رجل ويقول للرسول: إني بعت عبدي هذا من
فلان الغائب بكذا، فاذهب إليه وقل له: إِن فلاناً أرسلني إليك وقال لي قل له إني قد بعت
عبدي هذا من فلان بكذا، فذهب الرسول وبلغ الرسالة، فقال المشتري في مجلسه ذلك،
قبلتُ، انعقد البيع؛ لأن الرسول سفيرٌ ومعبرٌ عن كلام المرسل ناقلٌ كلامَهُ إلى المرسل إليه،
فكأنه حضر بنفسه، فأوجب البيع وقبل الآخر في المجلس.
وأما الكتابة فهي أن يكتب الرجل إلى رجلٍ، أما بعد فقد بعت عبدي فلاناً منك / بكذا،
فبلغه الكتاب، فقال في مجلسه: اشتريتُ؛ لأَن خطاب الغائب كتابه، فكأنه حضر بنفسه
مخاطب بالإيجاب وقبل الآخر في المجلس، ولو كتب شطر العقد ثم رجع، صح رجوعُهُ؛
لأَن الكتاب لا يكون فوق الخطاب، ولو خاطب ثم رجع قبل قبول الآخر، صَحَّ رجوعُهُ،
فههنا أولى؛ وكذا لو أرسل رسولاً ثم رجع؛ لأَن الخطاب بالرسالة لا يكونُ فوق المشافهة،
وذا محتملٌ للرجوع، فههنا أولى.
٦٦/٣ ب