النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كتاب الكفارات عنهم) ومن التابعين عطاء وغيره: لكل مسكين مد من حنطة (١)، وبه أخذ مالك والشافعي (رحمهما الله)، والترجيح لقول سيدنا عمر، وسيدنا علي، وسيدتنا عائشة (رضوان الله عليهم) لقوله (تعالى عزَّ اسمه): ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] والمد ليس من الأَوسط، بل أوسط طعام الأَهل يزيد على المد في الغالب، ولأن هذه صدقة مقدرة بقوت مسكين ليوم، فلا تنقص عن نصف صاع كصدقة الفطر والأذى، فإِن أعطى عشرة مساكين كل مسكين مدًّا من حنطة، فعليه أن عيد عليهم مدًا مدًا، فإن لم يقدر عليهم استقبل الطعام؛ لأن المقدار أَن لكلِّ مسكين في التمليك مدًا، فلا يجوز أقل من ذلك، ويجوز في التمليك الدقيق والسويق؛ ويعتبر فيه تمام الكيل، ولا يعتبر فيه القيمة كالحنطة؛ لأنه حنطة، إِلاَّ أنه فرقت أجزاؤها بالطحن وهذا التفريق تقريب إلى المقصود منها، فلا تعتبر فيه القيمة ويعتبر في تمليك النصوص عليه تمام الكيل، ولا يقوم البعض مقام بعضٍ باعتبار القيمة، إذا كان أقل من كيله، حتى لو أعطى نصف صاع من تمر تبلغ قيمته قيمة نصف صاع من حنطة - لا يجوز، لأنه منصوصٌ عليه، فيقع عن نفسه لا عن غيره، فأما الأرز والذرة والجاورس(٢)، فلا يقوم مقام الحنطة والشعير في الكيل؛ لأَنّه غيرُ منصوصٍ عليه، وإِنما جوازه باعتبار القيمة، فتعتبر قيمته كالدراهم والدنانير، وهذا عند أصحابنا (رحمهم الله)، وعند الشافعي (رحمه الله) لا يجوز إِلاَّ إِذا عين المنصوص عليه، ولا يجوز دفع القيم والأبدال كما في الزكاة، وعندنا يجوز. وجه قوله: أَنَّ الله (تعالى) أمر بالإِطعام بقوله (جل شأنه): ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] فالقول بجواز أداء القيمة يكون تغييراً لحكم النص، وهذا لا يجوز. ولنا: ما ذكرنا أَن إِطعام المسكين اسم لفعل يتمكن المسكين به من التطعم في متعارف اللغة لما ذكرنا فيما تقدم، وهذا تحصيل بتمليك القيمة، فكان تمليك القيمة من الفقير إِطعاماً له، فيتناول النص وجواز التمليك من حيث هو تمكين، لا من حيث هو تمليك؛ على ما مر أَن الإِطعام إِن كان اسماً للتمليك فجوازه معلولٌ بدفع الحاجة وهو المسألة، عرفنا ذلك بإشارة النصّ وضربٍ من الاستنباط على ما بينا، والقيمة في دفع الحاجة مثل الطعام، فورود الشرع بجواز الطعام يكون وروداً بجواز القيمة، بل أولى؛ لأن تمليك الثمن أقرب إلى قضاء حاجة المسكين من تمليك عين الطعام، لأن به يتوصل إِلى ما يختاره من الغذاء الذي اعتاد الاغتذاء به، فكان أقرب إلى قضاء حاجته، فكان أولى بالجواز؛ ولما ذكرنا أن التكفير بالإطعام يحمل مكروه الطبع بازاء ما نال من الشهوة، وذلك المعنى يحصل بدفع القيمة؛ ولأنَّ الكفارة جعلت (١) أخرجه عبد الرزاق كما في ((كنز العمال)) (٤٦٥٥٥) عن ابن عمر وزيد بن ثابت. (٢) الجاورس: حَبّ. ترتيب القاموس المحيط (جرس). ٣٨٢ كتاب الكفارات حقًّا للمسكين، فمتى أخرج من عليه الطعام إلى المستحق بدله وقبله المستحق عن طوع، فقد استبدل حقه به فيجب القول بجواز هذا الاستبدال بمنزلة التناول في سائر الحقوق. وأما المقدار في طعام الإباحة فأكلتان مشبعتان، غداء وعشاء، وهذا قول عامة العلماء؛ وعن ابن سيرين، وجابر بن زيد، ومكحول، وطاوس، والشعبي؛ أنه يطعمهم أكلة وحدة، وقال الحسن: وجبة واحدة. والصحيحُ قول العامة؛ لأَن الله (عزَّ وجلَّ) عرف هذا الإطعام بإطعام الأَهل بقوله (تعالى): ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وذلك أكلتان مشبعتان غداء وعشاء، كذا هذا؛ ولأَّن الله (جلَّ شأنه) ذكر الأوسط، والأوسطُ ماله حاشيتان متساويتان، وأقل عدد له حاشيتان متساويتان ثلاثة، وذلك يحتمل أنواعاً ثلاثة : أحدها: الوسط في صفات المأكول من الجودة والردءاة . والثاني: الوسط من حيث المقدار من السرف والقتر. والثالث: الوسط من حيث أحوال الأَكل من مرة ومرتين وثلاث مرات في يوم واحدٍ، ولم يثبت بدليل عقلي ولا بسمعي تعيين بعض هذه الأنواع، فيحمل على الوسط من الكل احتياطاً ليخرج عن عهدة الفرض بيقين، وهو أكلتان في يوم بين الجيد والرديء، والسرف والقتر، ولأَن أَقلَّ الأكل في يوم مرة واحدة، وهو المسمى بالوجبة، وهو في وقت الزوال إِلى زوال يوم الثاني منه، والأكثر ثلاث مرات، غداء وعشاء، وفي نصف اليوم والوسط مرتان غداء وعشاء، وهو الأكل المعتاد في الدنيا وفي الآخرة أيضاً، قال الله (سبحانه وتعالى) في أهل الجنة: ﴿وَلَهَمُ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] فيحمل مطلق الإِطعام على المتعارف. وكذلك إِذا غدَّاهم وسحرهم، أو عشاهم وسحرهم، أو غداهم غداءين، أو عشاهم عشاءين، أو سحرهم سحورين؛ لأنهما أكلتان مقصودتان، فإِذا غداهم في يومين أو عشاهم في يومين، كان كأكلتين في يوم واحدٍ معنى إِلاَّ أن الشرط أن يكون ذلك في عددٍ واحدٍ حتى لو غدى عدداً وعشى عدداً آخرٌ لم يجزه؛ لأنه لم يوجد في حق كل مسكين أكلتان، ولهذا لم يجز مثله في التمليك؛ بأن فرق حصة مسكين على مسكينين، فكذا في التمكين، وسواء كان الطعام مأدوماً أو غير مأدم، حتى لو غداهم وعشاهم خبزاً بلا إِدام أجزأه؛ لقول الله (تبارك وتعالى): ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] مطلقاً من غير فصلٍ بين المأدوم وغيره، (١) تقدم تخريجه. ٣٨٣ كتاب الكفارات وقد أطعم؛ ولأن الله (عزَّ شأنه) عرَّف الإِطعام على وجه الإِباحة بإطعام الأهل، وذلك قد يكون مأدوماً وقد يكون غير مأدومٍ؛ فكذا هذا. وكذلك لو أطعم خبزاً لشعير، أو سويقاً أو تمراً، أجزأه؛ لأن ذلك قد يؤكل وحده في طعام الأهل، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه قال: إذا أطعم مسكيناً واحداً غداء وعشاءً، أجزأه من إِطعام مساكين، وإِن لم يأكل إِلا رغيفاً واحداً؛ لأن المعتبر هو الكفاية، والكفاية قد تحصلُ برغيف واحدَ، فلا يعتبر القلة والكثرة، فإِن ملكه الخبز بأن أعطاه أربعة أرغفة، فإِن كان يعدل ذلك قيمة نصف صاع من حنطة أجزأه، وإِن لم يعدل لم يجزه؛ لأن الخبز غير منصوص عليه، فكان جوازه باعتبار القيمة. وقال أبو يوسف (رحمه الله): لو غدى عشرة مساكين في يوم ثم أعطاهم مدَّا مدًّا أجزأه؛ لأنه جمع بين التمليك والتمكين، وكل واحدٍ منهما جائزٌ حَالَ الانفراد؛ كذا حال الاجتماع، ولأن الغداء مقدرٌ بنصف كفاية المسكين، والمدُّ مقدرٌ بنصف كفايته فقد حصلت له كفاية يوم فيجوز، فإنْ أعطى غيرهم مدًّا مدًا لم يجز؛ لأنه فرق طعام العشرة على عشرين، فلم يحصل لكلِّ واحدٍ منهم مقدار كفايته، ولو غداهم وأعطى قيمة العشاء فلوساً أو دراهم أجزأه عندنا؛ خلافاً للشافعي (رحمه الله)؛ لأن القيمةَ في الكفارة تقومُ مقامَ المنصوصِ عليه عندنا، وعنده لا تقوم. وأما الذي يرجع إلى المحل المنصرف إليه الطعام، فمنها: أن يكون فقيراً، فلا يجوز إِطعام الغني عن الكفارة تمليكاً وإِباحة؛ لأن الله (تبارك وتعالى) أمر بإطعام عشرة مساكين بقوله (سبحانه): ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] ولو كان له مالٌ وعليه دَيْنٌ له مطالبٌ من جهة العباد يجوز إِطعامه؛ لأنه فقير بدليل أنه يجوز إعطاء الزكاة إِياه، فالكفارة أولى. ومنها: أن يكون ممن يستوفي الطعام، وهذا في إطعام الإِباحة، حتى لو غدَّى عشرة مساكين وعشاهم، وفيهم صبي أو فوق ذلك لم يجز، وعليه إطعام مسكين واحد؛ لقوله (جلَّ جلاله): ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وذلك ليس من أوسط ما يطعم، حتى لو كان مراهقاً جاز؛ لأن المراهق يستوفي الطعام فيحصل الإطعام من أوسط ما يطعم. ومنها: ألا يكون مملوكه؛ لأَن الصرف إليه صرف إلى نفسه، فلم يجز. ومنها: ألا يكون من الوالدين والمولودين، فلا يجوز إِطعامهم تمليكاً وإِباحةً، لأَن المنافع بينهم متصلة فكان الصرف إِليهم صرفاً إِلى نفسه من وجه، ولهذا لم يجز صرف الزكاة إليهم، ولا تقبل شهادة البعض للبعض، ولما ذكرنا أن الواجب بحق التكفير لما اقترف من الذنب بما أعطى نَفْسَهُ مُنَاهَا وَأَوْصَلَهَا إِلَى هَوَاهَا بغير إِذن من الآذن، وهو الله (سبحانه جلَّت ٣٨٤ كتاب الكفارات عظمتُهُ) ففرض عليهم الخروج عن المعصية بما تتألم به النفس وينفر عنه الطبع، ليذيق نفسه المرارة بمقابلة إعطائها من الشهوة، وهذا المعنى لا يحصل بإطعام هؤلاء؛ لأن النفس لا تتألم به، بل تميل إليه لما جعل الله (سبحانه) بحيث لا تحتمل نزول البلاء والشدة بهم، وبحيث يجتهد كل في دفع الحاجة عنهم مثل الدفع عن نفسه. ولو أطعم أخاه أو أخته وهو فقير جاز؛ لأَن: هذا المعنى لا يوجد في الأَخ والأُخت، فدخل تحت عموم قوله (تعالى): ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] ولو أطعم ولده أو غنيًّا على ظن أنه أجنبيٍّ أو فقيرٌ، ثم تبين أجزأه في قولِ أبي حنيفة ومحمدٍ، وعند أبي يوسف لا يجوز، وهو على الاختلاف الذي ذكرنا، وقد مَرَّ الكلام فيه. ومنها: ألا يكون هاشميًّا؛ لأن الله (تبارك وتعالى) كَرِهَ لهم غسالة أيدي الناس وعوضهم بخمس الخمس من الغنيمة، ولو دفع إليه على ظن أنه ليس بهاشميٍّ ثم ظهر أنه هاشميٍّ، فهو على الاختلاف. ومنها: ألا يكون زوجاً أو زوجةً له؛ لأَن ما شرع له الكفارة هو تألمُ الطبع ونفاره بالبذل والإخراج لا يوجد بين الزوجين، لما يوجد البذل بينهما شهوة وطبيعة، ويكونَ التناكح لمثله في العرف والشرع على ما رويٍ: ((تُنْكَحُ المَرْأةُ لِمَالِهَا وَجَمَالِهَا)) وعلى ما وضع النكاح للمودة والمحبة، ولا يتحقق ذلك، إِلاّ بالبذل ودفع الشحِّ، ولهذا لا تقبل شهادة أحدهما للآخر؛ لأن أحدهما ينتفع بمال صاحبه فتتمكن التهمة في الشهادة. ومنها: ألا يكون حربيًّا وإِن كان مستأمناً؛ لأَن الله (تعالى عزَّ شأنه) نهانا عن البر بهم والإِحسان إليهم؛ بقوله (تعالى): ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] ولأنَّ في الدفع إلى الحربي إعانة له على الحراب مع المسلمين، وقد قال الله (سبحانه وتعالى): ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْم وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ويجوز إعطاء فقراء أهل الذمة من الكفارات والنذور وغير ذلك، إِلاَّ الزكاة في قول أبي حنيفة ومحمد (رحمهما الله)، وقال أبو يوسف (رحمه الله): لا يجوز إِلاَّ النذور والتطوع ودم المتعة. وجه قوله أَن هذه صدقة وجبت بإيجاب الله (عزَّ شأنه) فلا يجوز صرفها إلى الكافر كالزكاة بخلاف النذر؛ لأنه وجب بإيجاب العبد، والتطوع ليس بواجب أصلاً، والتصدق بلحم المتعة غير واجبٍ، لأن معنى القربة في الإراقة. ولهما عموم قوله (تعالى): ﴿فَكَفَارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] من غير فصل بين المؤمن والكافر إِلاَّ أنه خص منه الحربي بما تلونا فبقي الذمي على عموم النص، فكان ينبغي أن يجوز صرف الزكاة إليه إلاَّ أن الزكاة خصت بقول النبي وَلّ لمعاذ حين بعثه إلى ٣٨٥ كتاب الكفارات اليمن: (خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِمْ))(١). أمر (عليه السلام) برد الزكاة إلى من أمر بالأخذ من أغنيائهم، والمأخوذ منه المسلمون؛ فكذا المردود عليهم. وروي عن النبي (عليه الصلاة والسلام) قال: ((أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ الصَّدَقَّةَ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِمْ))(٢). (١) تقدم تخريجه في كتاب الزكاة. (٢) لا نعلم خلافاً بين العلماء في أن المكفّر بالإطعام يخرج عن عهدة الكفارة بإطعام عشرة مساكين، لكل مسكين ما وجب له، كما لا نعلم خلافاً بينهم أيضاً في أنه لا يخرج عن عهدة الكفارة بدفعه ما وجب عليه من الطعام لمسكين واحد في يوم واحد دفعة واحدة؛ لأن ذلك لا يسمى إطعام عشرة مساكين، لا حقيقة ولا حكماً، فهو مخالفٌ لظاهر الآية. وليس في السُّنة ما يؤيده. وإنما الخلاف بينهم في دفع ما وجب عليه من الطعام لمسكين واحد في عشرة أيام، أو في يوم واحد على دفعات متفرقة على سبيل التمليك. فجمهور العلماء، ومنهم الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبه، ذهبوا إلى أن ذلك لا يجوز، ولا يخرج به المكفِّر عن العهدة، ولا بد من إعطاء تسعة مساكين آخرين لكل واحدٍ منهم ما وجب له، فعدد العشرة عندهم معتبر. ومنهم من ذهب إلى أن ذلك جائز، ومسقط للعهدة، وهو الإمام أبو حنيفة وأصحابه، والإمام أحمد - في رواية -، غير أن الحنفية يجيزون دفعها لمسكين واحد في أيام متعددة من غير خلاف بينهم، وأما دفعها له في يوم واحد على دفعات على سبيل التمليك ــ فذلك محل خلاف بينهم والمشهور في المذهب عَدَمُ الجواز. واستدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَاكِينَ﴾ وذلك بظاهره يفيدُ وجوب دفعها لهذا العدد المعين، ولم يوجد من السنة ما يدفع هذا الظاهر، فدفعها لما دون هذا العدد المعين مخالفٌ لظاهر الآية من غير موجب، فلا يكون موجباً للامتثال. واستدل الحنفية بأن المقصود من الإطعام سد خلة المحتاج، وحاجة المسكين الواحد تتجدَّد بتجدد الأيام، فالدفع في الأيام المتعددة، كالدفع إلى غيره في اليوم الواحد، إذا كان الغير متعدداً. وقالوا: إن الآية ليس مراداً منها ظاهرها، بل المرادُ إطعام العشرة حقيقة أو حكماً؛ لأن تقدير الآية هكذا: ((أو إطعام طعام عشرة مساكين))، فالمعتبر طعامُ العشرة، سواء دفع للعشرة، أو دفع لمسكينٍ واحد في عشرة أيام؛ لأن مقصود الشرع - وهو سد خلة المحتاج ـ متحقق بكلا الأمرين، ويرد على الحنفية بأن تأويل الآية بالتأويل المذكور تأويلٌ بعيد، لا دليل عليه، فهو غير مقبول، لأنه يوجب تقديراً في الآية من غير حاجة إليه، والأصل عدم التقدير. والقول بأن حاجة المسكين الواحد في الأيام المختلفة؛ كحاجة المساكين المتعددة - قياس في مقابلة النص على خلافه، فيكون باطلاً، ولم لا يجوز أن يكون الشارع قد قصد إلى تعدد المساكين، واختلافهم؛ لما في ذلك من حصول البركة بالجماعة، وشمول المنفعة لهم، وفي ذلك جمع للقلوب على المحبة والدُّعَاءِ. من هذا كله، يتبين لنا أن وجهة الجمهور أقوى وأسلم؛ فيكون رأيهم أرجح. بدائع الصنائع ج٦ - م٢٥ = ٣٨٦ کتاب الكفارات ووجه الاستدلال ما ذكرنا، ولأن الكفارة وجبت لدفع المسكنة، والمسكنة موجودة في الكفرة، فيجوز صرف الصدقة إليهم، كما يجوز صرفها إلى المسلم، بل أولى؛ لأن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم إلى الإسلام ويحملهم عليه، ولما ذكرنا أَن الكفارات وجبت بما اختار من إِعطاء النفس شهوتها فيما لا يحل له، فتكون كفارتها بكف النفس عن شهوتها فيما يحل واتفقت كلمة الفقهاء على أن من وجبت عليه كفارة اليمين وأراد أن يكفر بالإطعام، فأعطى عشرة مساكين = القدر الواجب لكل منهم مملكاً ذلك لهم أجزأه ذلك وسقطت عنه الكفارة، ولكنهم اختلفوا فيما إذا لم يعطهم ذلك على سبيل التمليك وإنما أباحه لهم بأن غدًّاهم أو عشّاهم أو جمع بين الأمرين. فذهب الشافعي وأحمد في الرواية المشهورة عنهم إلى أنه لا يكفيه ذلك ولا استنفدوا في أكلهم أكثر مما وجب لهم، ولا بد من تمليكهم مقدار ما وجب لهم. وذهب الإمام مالك. والإمام أبو حنيفة وأصحابه إلى أن التمليك ليس بشرط، بل يكفي إباحة الطعام لهم. فلو غداهم وعشاهم كفاه ذلك، ولا يطالب بشيء بعد هذا. وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل. واستدل الشافعي وأحمد في مشهور مذهبه. أولاً : أن الإطعام في الكفارة مال وجب بالشرع فيجب فيه التمليك كما وجب في الزكاة. ثانياً: أن التمليك يعطي للمسكين فرصة للتصرف فيما ملك أوسع من فرصة الأكل. فقد يكون محتاجاً للتصرف بالطعام في حاجة أخرى غير ناحية الأكل، كبيعه والانتفاع بثمنه، أو دفعه عوضاً عما اقترضه، أو غير ذلك، فوجب المصير إلى ما هو أنفع وأشمل. ووجهة أبي حنيفة ومن ذهب مذهبه أن الله تعالى إنما أوجب إطعام عشرة مساكين من أوسط ما نطعم الأهل، ولم يتعرض إلى اشتراط التمليك لا بنفي ولا بإثبات، والإطعام كما يصدق على التمليك يصدق على التمكين منه، ومنه قوله وَّير ((أفشوا السلام، وأطعموا الطعام)) فوجب القول بكل منهما لعدم ما يدل على واحد منهما بخصوصه، وأجابوا عن وجهة الشافعي ومن معه بأن قياس الإطعام في الكفارة على الزكاة قياس مع الفارق. لأن الزكاة ورد فيها ما يدل على التمليك وهو دخول اللام المفيدة للتمليك على بعض الأصناف الثمانية في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ..... ﴾ الآية فاقتضى أن العلة في التمليك في الزكاة هو وجود ما يدل على التمليك فيها لا مطلق كونها ما لا وجب بالشرع وتلك العلة قاصرة على الزكاة. والقول بأن التمليك يعطي للمسكين فرصة أوسع الخ. لا يوجب تعينه بخصوصه، وإنما يقتضي أن يكون المكفر بالخيار بين التمليك والإباحة يفصل ما يراه مصلحة للمسكين. على أن الشارع لم ينظر إلى تلك الأشياء التي تنظرون إليها، وإنما نظر إلى الإطعام لأنه من الأمور الضرورية التي يحفظ بها البدن وتصان بها النفس وذلك متحقق بالإباحة والتمليك. ونحن إذا نظرنا إلى أن حالة الفقراء والمساكين تختلف تبعاً لاختلاف أخلاقهم وعاداتهم وأن منهم الصالح والطالح، وأن كثيراً منهم يتصرف فيما يعطى له في أوجه هي إلى الفساد أقرب منها إلى المصلحة والمنفعة رأينا أن ترك الأمر إلى ما يراه المكفر أولى وأحسن فإن شاء ملَّك المساكين الطعام إن رآهم صالحين يتصرفون تصرفاً حسناً، وإن شاء جمعهم وغدًّاهم وعشاهم وحفظ عليهم حياتهم إن كانوا بخلاف ذلك وهذا مما يتمشى مع رأي الحنفية والمالكية فكان هو الأولى بالاختيار. ينظر: الكفارات لشيخنا حسن علي حسنين الكاشف، والشرح الكبير (١١٧/٢، ١١٨) وابن قدامة (٦٠٠/٨، ٦٠٤)، وفتح (٣٤٨/٣). ٣٨٧ كتاب الكفارات له، وبذل ما كان في طبعه منعه، وهذا المعنى يحصل بالصرف إلى الكافر؛ بخلاف الزكاة لأنها ما وجبت بحق التكفير، بل بحق الشكر. أَلاَ ترى أنها تجب بلا كسب من جهة العبد، وحق الشكر الإنفاق في طاعة المنعم والمصرف إلى المؤمن إِنفاق على من يصرفه إلى طاعة الله (جل شأنه) فيخرج مخرج المعونة على الطاعة، فيحصل معنى الشكر على الكمال، والكافر لا يصرفه إلى طاعة الله (عزَّ شأنه) فلا يتحقق معنى الشكر على التمام، فأما الكفارات فما عرف وجوبها شكراً، بل تكفيراً لإعطاء النفس شهوتها بإِخراج ما في شهوتها المنع؛ وهذا المعنى في الصرف إلى الكافر موجود على الكمال والتمام، لذلك افترقا، وهل يشترط عدد المساكين صورة في الإِطعام تمليكاً وإباحةً؟ . قال أصحابنا: ليس بشرطٍ، وقال الشافعي (رحمه الله): شرطٌ حتى لو دفع طعام عشرة مساكين، وذلك خمسة أصوع إلى مسكين واحد في عشرة أيام كل يوم نصف صاعٍ، أو غدى مسكيناً واحداً أو عشاه عشرةً أيام أجزأ عندنا، وعنده لا يجزيه إلا عن واحدٍ. واحتج بظاهر قوله (جل شأنه): ﴿فَكَفَارَّتُهُ إِطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] نص على عدد العشرة، فلا يجوز الاقتصار على ما دونه كسائر الأعداد المذكورة في القرآن العظيم؛ كقوله (عزَّ شأنه): ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةٌ﴾ [النور: ٤] وقوله (جلَّ شأنه): ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] ونحو ذلك. والدليل عليه: أنه لو دفع طعام عشرة مساكين إلى مسكين واحدٍ دفعة واحدة في يوم واحدٍ لا يجوز. ولنا أن في النص إطعام عشرة مساكين، وإِطعامُ عشرة مساكين قد يكون بأن يطعم عشرة مساكين، وقد يكون بأن يكفي عشرة مساكين، سواء أطعم عشرة مساكين أو لا، فإِذا أطعم مسكيناً واحد عشرةَ أيامَ قدر ما يكفي عشرة مساكين، فقد وجد إطعام عشرة مساكين، فخرج عن العهدة؛ على أن معنى إِطعام مساكين إِن كان هو بأن يطعم عشرة مساكين، لكن إِطعام عشرة مساكين على هذا التفسير قد يكون صورة ومعنى بأنْ يطعم عشرة من المساكين عدداً في يوم واحد، أو في عشرة أيام، وقد يكون معنى لا صورة، وهو أن يطعم مسكيناً واحدةً في عشرة أيام، لأن الإِطعام لدفع الجوعة وسد المسكنة، وله كل يوم جوعة ومسكنة على حدة؛ لأنَّ الجوعَ يتجدد والمسكنة تحدثُ في كلٌ يوم ودفع عشر جوعات عن مسكين واحد في عشرة أيام في معنى دفع عشر جوعات عن عشرة مساكين في يومٍ واحدٍ، أو في عشرة أيامٍ، فكان هذا إطعام عشرة مساكين معنى، فيجوز. ٣٨٨ كتاب الكفارات ونظير هذا ما روي في الاستنجاء بثلاثة أحجار، ثم لو استنجى بالمدر أو بحجر له ثلاثة أحرف جاز؛ لحصول المقصود منه وهو التطهير؛ كذا هذا. ولأن ما وجبت له هذه الكفارة يقتضي سقوط اعتبار عدد المساكين، وهو ما ذكرنا من إِذاقة النفس مرارة الدفع وإزالة الملك؛ لابتغاء وجه الله (سبحانه وتعالى) لتكفير ما أتبعها هواها وأوصلها إِلى مُنَاهَا؛ كما خالف الله (عزَّ وجلَّ) في فعله بترك الوفاء بعهدِ اللَّهِ (سبحانه وتعالى)؛ وهذا المعنى في بذل هذا القدر من المال تمليكاً وإِباحةً لا في مراعاة عدد المساكين صورة؛ بخلاف ذكر العدد في باب الحد والعدة؛ لأن اشتراط العدد هناك ثبت نصًّا غير معقول المعنى، فلا يحتمل التعدية وههنا معقول على ما بَيْنًا. وبخلاف الشهادات حيث لا تجوز إقامة الواحد فيها في يومين أو في دفعتين مقام شهادة شاهدين؛ لأن هناك المعنى الذي يحصل بالعدد لا يحصل بالواحد، وهو انتفاء التهمة ومنفعة التصديق ونفاذ القول على ما نذكره في كتاب الشهادات، إِن شاء الله (تعالى). وههنا معنى التكفير ودفع الحاجة وسد المسكنة لا يختلف لما بينا. وأما إذا دفع طعام عشرة مساكين إلى مسكين واحدٍ في يوم واحدٍ دفعةً واحدة أو دفعات، فلا رواية فيه، واختلف مشايخنا: قال بعضهم يجوز، وقال عامة مشايخنا: لا يجوز إلاَّ عن واحد؛ لأن ظاهر النص يقتضي الجواز على الوجه الذي بينا، إِلاَّ أنه مخصوصٌ في حق يوم واحد لدليل كما صار مخصوصاً في حق بعض المساكين من الوالدين والمولودين ونحوهم، فيجب العمل به فيما وراء المخصوص؛ ولما ذكرنا أن الأصلَ فى الطعام هو طعامُ الإباحة؛ إذ هو المتعارف في اللغة وهو التغذية والتعشية لدفع الجوع وإزالة المسكنة، وفي الحال دفع عشر جوعات، وهذا في واحد في حق مسكين واحد لا يكون، فلا بد من تفريق الدفع على الأيام. ويجوز أن يختلف حكم التفريق المجتمع؛ كما في رمي الجمار أنه إذا رمى بالحصا متفرقاً جاز، ولو رمى مجتمعاً دفعة واحدة لا يجوز إِلاَّ عن واحدة، ووجد في مسألتنا فجاز. وكذلك لو غدى رجلاً واحداً عشرين يوماً أو عشى رجلاً واحداً في رمضان عشرين يوماً أجزأه عندنا؛ لما ذكرنا، وعند الشافعي: لا يجوز؛ لأن عدد المساكين عنده شرط ولم يوجد، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. وأما الكسوة فالكلام فيها في ثلاثة مواضع: في بيان قدرها، وفي بيان صفتها، وفي بيان مصرفها . أما الأولُ: فأدنى الكسوة ثوبٌ واحدٌ جامعٌ لكل مسكين، قميص، أو رداء، أو كساء، أو ملحفة، أو جبة، أو قباء، أو إزار كبير، وهو الذي يستر البدن؛ لأن الله (تعالى) ذكر ٣٨٩ كتاب الكفارات الكسوة ولم يذكر فيه التقدير، فكلما يسمى لابسه مكتسباً يجزي، وما لا فلا، وَلاَبِسُ ما ذكرنا يسمى مكتسباً، فيجزي عن الكفارة، ولا تجزي القلنسوة والخفان والنعلان، لأن لابسهما لا يسمى مكتسياً إِذا لم يكن عليه ثوب، ولا هي تسمى كسوة في العرف. وأما السراويل والعمامة فقد اختلفت الروايات فيها، روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة (رحمهم الله) أنه إذا أعطى مسكيناً قباء أو كساء أو سراويل أو عمامة سابغة يجوز، وروي عن أبي يوسف أنه لا تجزي السراويل والعمامة، وهو رواية عن محمد في الإملاء. وروى هشام (رضي الله عنه) أَنَّ السراويل تجزيه، وهذا لا يوجب اختلاف الرواية في العمامة، لأن في رواية الحسن شرط في العمامة أَنْ تَكُونَ سابغة، فتحمل رواية عدم الجواز فيها على ما إذا لم تكن سابغة، وهي أن لا تكفي تقميص واحد. وأما السراويل فوجه رواية الجواز تجوزُ فيه الصلاة، فيجزي عن الكفارة كالقميص، ووجه رواية عدم الجواز وهي التي صَحَّحَها القدوري (رحمه الله) أن لابس السراويل لا يسمى مكتسياً عرفاً وعادةً، بل يسمى عرياناً، فلا يدخل تحت مطلق الكسوة. وذكر الطحاوي أنه إذا كسا امرأةً فإنه يزيد فيه الخمار، وهذا اعتبار جواز الصلاة في الكسوة على ما روي عن محمدٍ؛ لأن رأسها عورة لا تجوز صلاتها مع انكشافه، ولو أعطى كل مسكين نصف ثوب لم يجزه من الكسوة، ولكنه يجزي من الطعام عندنا إذا كان يساوي نصف صاعٍ من حنطةٍ . أما عدم جوازه من الكسوة؛ فلأن الواجب هو الكسوة، ونصف ثوب لا يسمى كسوة لا يجوز أن تعتبر قيمته عن كسوة رديئة؛ لأن الشيء لا يكون بدلاً عن نفسه. وأما جوازه عن الطعام إذا بلغ قيمته نصف صاع؛ فلأن القيمة تجوز بدلاً عن الكسوة عندنا؛ كما تجوز بدلاً عنِ الطعام، والوجه فيه على نحو ما ذكرنا في الطعام، وهل تشترط نية البدلية؟ قال أبو يوسف: تُشْتَرَطُ ولا تجزي الكسوة عن الطعام إِلاَّ بالنية، قال محمدٌ: لا تشترط، ونيةُ التكفيرِ كافيةٌ. وجه قول محمدٍ أن الواجب عليه ليس إِلاَّ التكفير، فيستدعي نية التكفير، وقد وجدت فيجزيه؛ كما لو أعطى المساكين دراهم بنية الكفارة، وهي لا تبلغ قيمة الكسوة وتبلغ قيمة الطعام جازت الطعام، ولو كانت لا تبلغ قيمة الطعام وتبلغ قيمة الكسوة جازت عن الكسوة من غير نيةِ البدلية؛ كذا هذا. وجه قول أبي يوسف أَنَّ المؤدي يحتمل الجواز عن نفسه؛ لأنه يمكن تكميله بضم الباقي ٣٩٠ كتاب الكفارات إليه، فلا يصير بدلاً إِلا بجعله بدلاً؛ وذلك بالنية، بخلاف الدراهم؛ لأن لا جواز لها عن نفسها؛ لأنها غيرُ منصوصٍ عليها، فكانت متعينة للبدلية فلا حاجة إلى التعيين. وكذلك لو كسا كل مسكين قلنسوة أو خفين أو نعلين، لم يجزه في الكسوة وأجزأه في الطعام إذا كان يساويه في القيمة عند أصحابنا لما قلنا، وكذا لو أعطى عشرة مساكين ثوباً واحداً بينهم كثير القيمة، نصيب كل مسكين منهم أكثر من قيمة ثوب، لم يجزه في الكسوة، وأجزأه في الطعام، لما ذكرنا أن الكسوة منصوصٌ عليها، فلا تكون بدلاً عن نفسها، وتصلح بدلاً عن غيرها؛ كما لو أعطى كل مسكين ربع صاع من حنطةٍ، وذلك يساوي صاعاً من تمر؛ أنه لا يجزي عن الطعام، وإِن كان مد من حنطة يسّاوي ثوباً يجزي عن الكسوة؛ لأن الطعام يجوز أن يكون قيمة عن الثوب، ولا يجوز أن يكون قيمة عن الطعام؛ لأن الطعام كله شيء واحد، لأن المقصود منه واحدة، فلا يجوز بعضه عن بعض بخلاف الطعام مع الكسوة؛ لأنهما متغايران ذاتاً ومقصوداً، فجاز أن يقوم أحدُهما مقام الآخر. وكذا لو أعطى عشرة مساكين دابة أو عبداً، وقيمته تبلغ عشرة أثوابٍ، جاز في الكسوة، وإِن لم تبلغ قيمته عشرة أثواب، وبلغت قيمة الطعام، أجزأه عنه عندنا؛ لأن دفع البدل في باب الكفارة جائزٌ عندنا . قال أبو يوسف: لَوْ أَنَّ رَجُلاً عليه كفارة يمين، فأعطى عشرة مساكين: مسكيناً نصف صاع من حنطة، ومسكيناً صاعاً من شعير، ومسكيناً ثوباً، وغدى مسكيناً وعشاه - لم يجزه ذلك حتى يكمل عشرة من أحد النوعين، لأن الله (تبارك وتعالى) جعل الكفارة أحد الأنواع الثلاثة من الإطعام أو الكسوةِ أو التحرير؛ بقوله (تبارك وتعالى): ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] إلى قوله (تعالى): ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] و((أو)) تتناول أحدها فلا تجوز الجمع بينها؛ لأنه يكون نوعاً رابعاً، وهذا لا يجوز، لكنه إذا اختار الطعام جاز له أن يعطي مسكيناً حنطة، ومسكيناً شعيراً ومسكيناً تمراً؛ لأن اسم الطعام يتناول الكل. ولو أعطى نصف صاع من تمر جيد يساوي نصف صاع من بر لم يجز إِلاَّ عن نفسه بقدره؛ لأن التمر منصوص عليه في الإطعام كالبر، فلا يجزي أحدهما عن الآخر؛ كما لا يجوز الثمن عن التمر، ويجزي التمر عن الكسوة؛ لأن المقصود من كلِّ واحدٍ منهما غير المقصود من الآخر، فجاز إِخراج أحدهما عن الآخر بالقيمة، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. وأما صفة الكسوة فهي أَنَّها لا تجوز إلاَّ على سبيل التمليك؛ بخلاف الإطعام عندنا؛ لأن الكسوة لدفع حاجة الحر والبرد، وهذه الحاجة لا تندفع إِلَّ بتمليك؛ لأنه لا ينقطع حقَّه إلا به، فأمَّا الإِطعام فلدفع حاجة الجوع، وذلك يحصل بالطعم؛ لأنَّ حقه ينقطع به، ويجوز أداء ٣٩١ کتاب الكفارات القيمة عن الكسوة؛ كما يجوز عن الطعام عندنا؛ خلافاً للشافعي (رحمه الله)، ولو دفع كسوة عشرة مساكين إلى مسكين واحد في عشرة أيام جاز عندنا. وعند الشافعي لا يجوز إِلاَّ عن مسكينٍ واحدٍ؛ كما في الإطعام. ولو أطعم خمسة مساكين على وجه الإباحة، وكسا خمسة مساكين؛ فإن أخرج ذلك على وجه المنصوص عليه لا يجوز؛ لما ذكرنا أن الله (تبارك وتعالى) أوجب أحد شيئين فلا يجمع بينهما، وإِن أخرجه على وجه القيمة، فإِن كان الطعام أرخص من الكسوة أجزأه، وإِن كانتٍ الكسوةُ أرخص من الطعام لم يجزه؛ لأن الكسوة تمليك، فجاز أن تكون بدلاً عن الطعام، ثم إِذا كانت قيمة الكسوة مثل قيمة الطعام فقد أخرج الطعام، وإِن كانت أغلى فقد أخرج قيمة الطعام وزيادة، فجاز وصار كما لو أطعم خمسة مساكين طعام الإِباحة، وأداء قيمة طعام خمسة مساكين طعام الإِباحة، وأداء قيمة طعام خمسة مساكين أو أكثر جائز عندنا؛ كذا هذا. وإِذا كَانَتْ قيمةُ الكسوةِ أرخص من قيمة الطعام لا يكون الطعام بدلاً عنه؛ لأَن طعام الإباحة ليس بتمليك، فلا يقوم مقام التمليك وهو الكسوة؛ لأن الشيء لا يقوم مقام ما هو فوقه، ولو أعطى خمسة مساكين وكسا خمسة جاز، وجعل أغلاهما ثمناً بدلاً عن أرخصهما ثمناً، أيهما كان، لأن كل واحد منهما تمليك، فجاز أن يكون أحدهما بدلاً عن الآخر. وأما مصرف الكسوة فمصرفها هو مصرف الطعام وقد ذكرناه. وأما التحرير فلجوازه عن التكفير شرائط تختص به. فمنها: ملك الرقبة حتى لو أعتق إِنسانٌ عبده عن كفارة الغير لا يجوز، وإِن أجاز ذلك الغير؛ لأن الإِعتاق وقع عنه فلا توقف على غيره؛ وكذا لو قال لغيره: أعتق عبدك عن كفارتي، فأعتق لم يجز عن كفارته وعتق العبد. ولو قال: أعتق عبد على ألف درهم عن كفارة يميني، فأعتقه أجزأه عند أصحابنا الثلاثة؛ لأن العتق يَقَعُ عن الآخر، وعند زفر (رحمه الله) لا يجزيه، لأن العتق عن المأمور. ولو قال: أَعتق عبدك عَنِّي عن كفارة يميني، ولم يذكر البدل، لم يُخْزِهِ عن الكفارة في قولِ أبي حنيفة ومحمدٍ (رحمهما الله)؛ لأن العتق يَقَعُ عن الآمِر، والمسألةُ قد مَرَّتْ في ((كتاب الولاء» فرق بين هذا وبين الكسوة والإطعام أن هناك يجزيه عن الكفارة، وإِن لم يذكر البدل، وعن الإِعتاق لا يجوز عندهما. ووجهه: أن التمليكَ بغير بدلٍ هبةٌ، ولا جواز لها بدون القبض، ولم يوجد القبض في الإِعتاق ووجد في الإطعام والكسوة؛ لأَنَّ قبض الفقير يقوم مقام قبض المكفر. ٣٩٢ كتاب الكفارات ومنها: أن تكون الرقبة كاملة للمعتق، وهو أن تكون كلها ملك المعتق، وإِن شئت قلت ومنها حصول كمال العتق للرقبة بالإعتاق؛ لأن التحرير المطلق مضافاً إلى الرقبة لا يتحقق بدونه . وعلى هذا يخرج ما إذا أعتق عبدين بينه وبين رجل أنه لا يجزئه عن الكفارة؛ لأن إِعتاق عبدين بين رجلين يوجب تفريق العتق في شخصين، فلا يحصل لكل واحد منهما عتق كامل؛ لانعدام كمال الملك له في كلِّ واحد منهما، فالواجب عليه صرف عتق كامل إلى شخص واحد، فإذا فرقه لا يجوز؛ كما لو أعطى طعام مسكين واحد إلى مسكينين؛ بخلاف شاتين بين رجلين ذكَّياهما عن نسكيهما أجزأهما؛ لأن الشركة في النسك جائزةٌ إِذا أصاب كلُّ واحد منهما مقدار شاة؛ بدليل أنه يجوز بدنة واحدة لسبعة، فكان الشرط في باب النسك أن يكون مقدار شاة، وقد وجد، وعلى هذا يخرج ما إذا أعتق عبداً بينه وبين غيره وهو موسر أو معسر أنه لا يجوز عن الكفارة عند أبي حنيفة (رضى الله عنه) لنقصان الملك والعتق؛ لأن العتق يتجزأ عنده، وعندهما إِن كان موسراً يجوز، وإِن كان معسراً لا يجوز؛ لأنه تجب السعاية على العبد إِذا كان معسراً فيكون إِعتاقاً بعوض، وإذا كان موسراً لا سعاية على العبد. ومنها: أن تكون الرقبة كاملة الرق؛ لأن المأمور به تحرير رقبة مطلقاً، والتحرير تخليصٌ عن الرق، فيقتضي كون الرقبة مرقوقة مطلقة، ونقصان الرق فوات جزء منه، فلا يكون تحريرها مطلقاً، فلا يكون آتياً بالواجب. وعلى هذا يخرج تحرير المدبر وأم الولد عن الكفارة أنه لا يجوز لنقصان رقهما؛ لثبوت الحرية من وجه أو حق الحرية بالتدبير والاستيلاد حتى امتنع تمليكها بالبيع والهبة وغيرهما. وأما تحريرُ المكاتب عن الكفارة فجائزٌ استحساناً إذا لم يؤد شيئاً من بدل الكتابة، والقياس أن لا يجوز، وهو قول زفر والشافعي (رحمهما الله) ولو كان أدَّى شيئاً من بدلِ الكتابة لا يجوز تحريره عن الكفارةِ في ظاهرِ الروايةِ. وروى الحسن عن أبي حنيفة (رضي الله عنهما) أنه يجوز، وَلَوْ عَجَزَ عن أداء بدل الكتابة، ثم أعتقه جاز بلا خلاف، سواء كان أدَّى شيئاً من بدل الكتاب أو لم يؤد. وجه القياس: أَنَّ الإعتاق إِزالة الملك، وملك المولى من المكاتب زائل، إِذ الملك عبارة عن القدرة الشرعية على التصرفات الحسية والشرعية من الاستخدام، والاستفراش، والبيع، والهبة، والإِجارة، ونحوها، وهذه القدرة زائلة عن المولى في حق المكاتب؛ فإنه لا يملك شيئاً من ذلك عليه، والدليل أنه لو قال: كلُّ مملوك لي حُرِّ لا يدخل فيه المكاتب، وكذا لو وطئت المكاتب بشبهةٍ، كان العقر لها لا للمولى، وإذا جنى على المكاتب كان الأَرش ٣٩٣ كتاب الكفارات له لا للمولى، فَدَلَّ أن ملکه زائلٌ، فلا يجوز إِعتاقه عن الكفارة، ولهذا تسلم له الأولاد والإِكساب، ولا يسلم ذلك بالإِعتاق المبتدأ، فَدَلَّ أن العتق يثبت بجهة الكتابة. ولنا لبيان أن الملك ملك المولى النصُّ ودلالةُ الإِجماع والمعقولُ. وأما النصُّ فقول النبيِ وََّ: ((المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقَىْ عَلَيْهِ دِرْهَمْ)) (١) والعبدُ المضاف إِلى العباد اسم للمملوك من بني آدم في عرف اللغة والشرع، ولهذا لو قال: كل عبد لي فهو حرِّ، دخل فيه المكاتَبُ، والله (جلَّ وعلا) أعلم. وأما دلالة الإجماع فإِنه لو أدى بدل الكتابة أو أبرأه المولى عن البدل يعتق، ولا يعتق فيما لا يملكه ابن آدم على لسان رسول الله وَله. وأما المعقول فَهُوَ أَنَّ الملك كان ثابتاً له فيه قبل العقد العارض ليس إِلاَّ لفظ الكتابة، وليس فيه ما ينبىء عن زوال الملك؛ لأن الكتابة تستعمل في الفرض والتقدير وفي الكتابة المعروفة، وشيء من ذلك لا ينبىء عن زوال الملك فيبقى الملك على ما كان قبل العقد. وأما قوله أن الملك هو القدرة الشرعية على التصرفات الحسية والشرعية وهي غير ثابتة للمولى، فممنوعٌ أن الملك هو القدرة، بل هو اختصاص الملك بالملوك، فملك العين هو اختصاص المالك بالعين، وكونه أحق بالعين من غيره، ثم قد يظهر أثره في جواز التصرفات، وقد لا يظهر مع قيامه في نفسه لقيام حق الغير في المحل حقًّا محترماً كالمرهون والمستأجر، وإنما لا يدخل في إِطلاق قوله: كل مملوك لي فهو حر، لا للخل في الملك لأَنّه لا خلل فيه كما بينا، بل لخلل في الإِضافة؛ لكونه حُرًّا يداً، فلم يدخل تحت مطلق الإِضافة حتى لو نوى يدخل وسلامة الأولاد والأكساب ممنوعة في الفرع، والرواية فيما أدى بدل الكتابة أو أبرأه عنها، كذا قال أستاذ أستاذي الشيخ الإمام فخر الإسلام علي بن محمد البزدوي، ولئن سلمنا سلامة الأَكساب والأولاد، ولكن لم قلتم إِن السلامة تثبت حكماً لثبوت العتق بجهة الكتابة السابقة، بل تثبت حكماً لثبوت العتق بالإعتاق الموجود في حال الكتابة، بدليل أنه يسقط عنه بدل الكتابة، وبدل الكتابة لا يسقط بثبوت العتق بجهة الكتابة بل يتقرر به . وأما إذا كان أدى بعض بدل الكتابة فأعتقه عن الكفارة، فممنوع على رواية الحسن عن أبي حنيفة (رضي الله عنه). أما التخريج على ظاهر الرواية فظاهرٌ أيضاً؛ لأنه لما أدى بعض بدل الكتابة، فقد حصل (١) تقدم. ٣٩٤ كتاب الكفارات للمولى عوضاً عن بعض رقبته، فيكون في معنى الإِعتاق بعوضٍ، وذا لا يجزىء عن التكفير؛ كذا هذا؛ والله (عزَّ وجلَّ) أعلم. وعلى هذا يخرج ما إذا أعتق نصف عبده عن كفارة، ثم أعتق النصف الآخر عنها أنه يجزئه، أما على أصل أبي يوسف ومحمدٍ (رحمهما الله) فظاهرٌ، لأن إعتاق النصف إِعتاق الكل؛ لأَن العتق لا يتجزأ فلم يتطرق إِلى الرق نقصان. وأما على أصل أبي حنيفة (رضي الله عنه) فالعتق، وإِن كان متجزئاً وحصل بإِعتاق النصف الأول، لكن النقصان حصل مصروفاً إِلى الكفارة في رق النصف الآخر لاستحقاقه حق الحرية بتخريجه إلى الإعتاق، لأنه حين ما أعتق النصف الأول كان النصف الآخر على ملكه، فأمكن صرف النقصان إلى الكفارة، فصار كأنه أعتق النصف وبعض النصف الكامل وهو ما انتقص منه، ثم أعتق البقية في المرة الثانية بخلاف ما إذا أعتق نصف عبد بينه وبين آخر وهو موسرٌ، فضمنه صاحبه نصف قيمته، ثم أعتق النصف الآخر - أنه لا يجوز عند أبى حنيفة (رضي الله عنه)؛ لأن إِعتاق النصف الأول أوجب نقصاناً في النصف الباقي، ولا يمكن أن يجعل كأنه صرف ذلك النقصان إِلى الكفارة؛ لأنه لا ملك له في ذلك النصف، فبطل قدر النقصان، ولم يقع عن الكفارة، ثم بعد أداء النصف الباقي صرفه إِلى الكفارة وهو ناقصٌ، فيصير في الحقيقة معتقاً عن الكفارة عبداً إِلاَّ قدر النقصان. وأما على أصلهما فيجوز في المسألتين؛ لأن العتق عندهما لا يتجزأ، فكان إِعتاقُ البعض إِعتاقُ الكلِّ دفعة واحدة، فلا يتمكن نقصان الرق في الرقبة، فيجوز، ولو أعتق عبداً حلال الدم جاز، لأَن حل الدم لا يوجب نقصاناً في الرق، فكان كامل الرق، وإِنما وجب عليه حق فأشبه العبد المدیون. ومنها: أن تكون كاملة الذات، وهو أن لا يكون جنس من أجناس منافع أعضائها فائتاً؛ لأنه إذا كان كذلك كانت الذات مالكة من وجه، فلا يكون الموجود تحرير رقبة مطلقة، فلا يجوز عن الكفارة . وعلى هذا يخرج ما إذا أعتق عبداً مقطوع اليدين أو الرجلين أو مقطوع يدٍ واحدةٍ ورجلٍ واحدةٍ من جانب واحدٍ، أو يابس الشق مفلوجاً أو مقعداً أو زَمِناً أو أشل اليدين أو مقطوع الإِبهامين من اليدين أو مقطوع ثلاثة أصابع من كلِّ يد سوى الإِبهامين أو أعمى أو مفقود العينين أو معتوهاً مغلوباً أو أخرس - أن لا يجوز عن الكفارة لفواتٍ جنسٍ من أجناس المنفعة، وهي منفعة البطش بقطع اليدين وشللهما وقطع الإِبهامين؛ لأن قطع الإِبهامين يذهب بقوة اليد، فكان كقطع اليدين وقطع ثلاثة أصابع من كلٌّ يدٍ؛ لأن منفعة البطش تفوت به، ومنفعة المشي بقطع الرجلين وبقطع يدٍ ورجلٍ من جانب، والزّمَانة والفلج، ومنعه النظر بالعمى وفقء العينين، ومنفعة الكلام بالخرس، ومنفعة العقل بالجنون. ٣٩٥ كتاب الكفارات ويجوز إِعتاق الأَعور ومفقود إحدى العينين، والأعشى، ومقطوع يدٍ واحدةٍ، أو رجل واحدة، ومقطوع يد ورجلٍ من خلاف، وأشل يدٍ واحدة، ومقطوع الأصبعين من كل يدٍ سوى الإِبهامين والعينين، والخصّي، والمجبوب، والخنثى، والأمة الرَّتقاء، والقرناء، وما يمنع من الجماع؛ لأن منفعة الجنس في هذه الأعضاء قائمة، ويجوز مقطوع الأذنين، لأَن منفعة السمع قائمة، وإِنما الأذن الشاخصة للزينة؛ وكذا مقطوع الأنف لأَن الفائتّ هو الجمالُ. وأما منفعة الشم فقائمة، وكذا إذا هب شعر الرأس واللحية والحاجبين، لأَن الشعر للزينة؛ وكذا مقطوع الشفتين إذا كان يقدر على الأكل؛ لأن منفعة الجنس قائمة، وإِنما عدمت الزينة ولا يجزىء ساقط الأسنان لأنه لا يقدر على الأكل ففاتت منفعة الجنس. وأما الأصم فالقياس ألا يجوز لفوات جنس المنفعة، وهي منفعة السمع، فأشبه الأعمى، ويجوز استحساناً؛ لأن أصل المنفعة لا يفوت بالصمم، وإِنما ينقص لأن ما من أصم إِلاَّ ويسمع إذا بولغ في الصياح إِلاَّ إذا كان أخرس؛ كذا قيل، فلا يفوت بالصمم أصل المنفعة؛ بل ينتقص، ونقصان منفعة الجنس لا يمنع جواز التكفير، وقيل هذا إذا كان في أُذنه وقرّ، فأما إذا كان بحال لو جهر بالصوت في أذنه لا يسمع لا يجوز. ولو أعتق جنيناً لم يجزه عن الكفارة، وإن كان ولد بعد يوم جنياته، لأن المأمور به تحرير رقبة، والجنين لا يسمى رقبة؛ ولأنه لا يبصر فأشبه الأعمى. ومنها: أن يكون الإِعتاق بغير عوض، فإِن كان بعوض لا يجوز؛ لأن الكفارة عبارة عما يكون شاقًّا على البدن، فإِذا قابله عوضٌ لا يشق عليه إخراجه عن ملكه، ولما ذكرنا أن كفارة اليمين إِنما تجب لإِذاقة النفس مرارة زوال الملك بمقابلة ما استوفت من الشهوات في غيرٍ حلّها، وهذا المعنى لا يحصل إذا كان بعوضٍ؛ لأن الزائل إِلى عوض قائم ومعنى، فلا يتحقق ما وضعت له هذه الكفارة. وَعَلَى هذا يخرج ما إذا أعتق عبده على مال عن كفارته؛ أنه لا يجوز، وَإِن أبرأه بعد ذلك عن العوض لا يجوز أيضاً؛ لأنه وقع لا عن جهة التكفير ومضى على وجه، فلا ينقلب كفارة بعد ذلك؛ كما لو أعتق بغير نية الكفارة، ثم نوى بعد العتق، ولو كان العبد بين رجلين أعتقه أحدهما وهو معسر عن كفارته لا يجزيه، لأن للشريك أن يستسعي العبد في نفسه بالإتفاق فيصير في معنى الإِعتاق بعوض، ولو كان في رقبة العبد دَيْنٌ فأعتقه المولى عن كفارته، فاختار الغرماء استسعاء العبد، أجزأه عن الكفارة؛ لأن السعاية ليست بعوض عن الرق، وإِنما هي لدين لزم العبد قبل الحرية، فيسعى وهو حر، فلا يمنع جواز الإِعتاق عن الكفارة . ٣٩٦ كتاب الكفارات وكذا لو أعتق عبداً رهناً، فسعى العبد في الدين، فإِنه يرجع على المولى ويجوز عن الكفارة؛ لأَن السعاية ليست بدل الرق؛ لأنها ما وجبت للتخريج إِلى الإِعتاق لحصول العتق بالإِعتاق السابق؛ وإنما هي لدين لزمه عن المولى؛ وإِن كان موسراً لا يجوز عند أبي حنيفة (رضي الله عنه) لنقصان الملك والرق أيضاً على ما بينا. أَلاَ ترى أنه لا يعتق إِلا نصفه عنده لتجزي العتق عنده، وعندهما لا يجوز، لأَن العتق لا يتجزأ عندهما فيتكامل، ولا يتكامل الملك فيتملك نصيب الشريك بمقتضى الإعتاق ويسار المعتق يمنع استسعاء العبد عندهما، فعرى الإِعتاق عن العوض فجاز. ولو أعتق عبداً في مرض موته عن الكفارة وليس له مال غيره، ولم يجزه عن الكفارة؛ لأنه يعتق ثلثه ويسعى في ثلثيه، فيصير بعضه ببدل وبعضه بغير بدل فلم يجز، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. ومنها: الحنث في كفارة اليمين، فلا يجوز تكفير اليمين قبل الحنث، وهو قول الشافعي (رحمه الله) في التكفير بالصوم. وأما التكفير بالمال فجائزٌ عنده، والمسألة مرت في كتاب الأَيْمَان. وأما الموت فليس بشرط في كفارة القتل حتى يجوز التكفير فيها بعد الجرح قبل الموت، وقد ذكرنا وجه الفرق بين الكفارتين في ((كتاب الأَيْمَان))، والله (عزَّ وجلَّ) الموفق. ويستوي في التحرير الرقبة الكبيرة والصغيرة، والذكر والأنثى؛ لإطلاق اسم الرقبة في النصوص. فإن قيل: الصغيرُ لا منافع لأعضائه فينبغي أن لا يجوز إِعتاقه عن الكفارة كالذمي، وكذا لا يجزىء إطعامه عن الكفارة فكذا إِعتاقه. فالجواب عن الأول أن أعضاء الصغير سليمة لكنها ضعيفة، وهي بعرّض أن تصير قوية، فأشبه المريض، وهذا لأن سلامة الأعراض إذا كانت ثابتة يشق عليه إِخراجه عن ملكه أكثر مما يشق عليه إِخراج فائت جنس المنفعة، وذا جائز؛ فهذا أولى. وأما إطعامه عن الكفارة فجائزٌ على طريق التمليك، وإِنما لا يجوز على سبيل الإباحة؛ لأنه لا يأكل أكلاً معتاداً، ويستوي فيه الرقبة المؤمنة والكافرة؛ وكذا في كفارة الظهار عندنا . وأما في كفارة القتل فلا يجوز فيها إِلا المؤمنة بالإجماع، وقال الشافعي (رضي الله ٣٩٧ كتاب الكفارات عنه): لا يجوز في الكفارت كلها إلا المؤمنة (١). والأَصل فيه أن النص الوارد في كفارة اليمين وكفارة الظهار مطلقٌ عن قيدٍ إِيمانِ الرقبة، والنصُ الوارد في كفارة القتل مقيدٌ بقيد الإِيمان، فَحَمَلَ الشافعي (رحمه الله) المطلقَ على المقيدِ(٢)؛ ونحن أجرينا المطلقَ على إِطلاقه، والمقيدَ على تقييده. (١) ذهب الجمهور ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد في مشهور مذهبه، والأوزاعي إلى أن عتق الرقبة الكافرة في كفارة اليمين لا يجزىء، ولا تسقط، الكفارة به وذهب الإمام أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وعطاء وأبو ثور إلى أن ذلك مجزىء، ومسقط للكفارة، وهو رواية عن الإمام أحمد. احتج الجمهور بما رواه مسلم، والنسائي، عن معاوية بن الحكم قال: كانت لي جارية فأتيت النبي وَليه فقلت علي رقبة. أفأعتقها فقال لها رسول الله وَلير: أين الله؟ فقالت في السماء فقال: من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله. فقال ◌َله: ((أعتقها فإنها مؤمنة)). ووجه الدلالة: أن النبي ◌َّلهو أخر الجواب عن السائل، حتى علم ما عليه تلك الرقبة من الإيمان أو الكفر، فلما تأكد له إيمانها أجابه روب ير بأن يعتقها، وقال له: ((فإنها مؤمنة)) فلو لم يكن وصف الإيمان له دخل في إجزاء العتق، لما كان لهذا التأخير فائدة، ومثل ذلك يجل عنه مقام الرسول وَلقر. وأيضاً فإنه عليه الصلاة والسلام علَّق عتقها على الإيمان وتعليق ذلك يدل على أن الإيمان علَّة الإجزاء، لأن تعلُّق الحكم بالمشتق مؤذن بأن مبدأ الاشتاق علة فيه. وقالوا: إن الرقبة في الآية، وإن كانت مطلقة غير مقيدة بوصف الإيمان إلا إن هذا الحديث يصلح أن يكون مقيداً حتى على الكفار غير المحاربين مستحبة، ولكن فرقا بين الصدقة المطلقة، وبين العبادات المحددة المقيدة، فتكفير الذنب إنما يرجى بما في العتق من إعانة العتيق على طاعته تعالى، حتى من قال بإجراء الكافرة لا يمكنه أن ينكر أن الاحتياط في إبراء الذمة إنما هو باعتقاء الرقبة المؤمنة، فتقديم المجمع عليه المتقين إجزاؤه أولى بالاعتبار من المظنون المختلف فيه. والكلام على تحرير الرقبة في كفارة القتل هو الكلام عليه في كفارة اليمين، إلا أن الفقهاء متفقون ههنا على أن الواجب هو عتق رقبة مؤمنة، فلا يجزىء في كفارة القتل عتق الرقبة الكافرة لأن الله تعالى اشترط في الرقبة الإيمان بقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فعتق غيرها يتنافى مع هذا الشرط، فلا يحقق المطلوب. وأما كفارة الوقوع في الصيام فحديث الوقاع الناظر فيه يجد أن الرقبة فيه لم تتقيد بوصف الإيمان، وذلك يقضي بعتق الرقبة المؤمنة والكافرة في كفارة الصوم، وبذلك قال أبو حنيفة والظاهرية، وقال مالك والشافعي وأحمد لا يجزىء إلا عتق الرقبة المؤمنة، وأما الظهار فأوجب الله سبحانه وتعالى في كفارة الظهار تحرير الرقبة وجعله أول ما يفعله المظاهر في كفارته، ولكنه لم يقيد الرقبة بالإيمان، كما قيدها به في كفارة القتل، فكان ذلك منشأ لاختلاف الفقهاء في أن وصف الإيمان معتبر في عتق الرقبة، أو غير معتبر فيها. ينظر: الكفارات لشيخنا حسن علي حسنين الكاشف. (٢) تنوعت آراء العلماء في موجب حمل المطلق على المقيد على مذاهب عدة: الأول: مذهب يرى أن موجب الحمل هو اللغة مطلقاً. الثاني: وذهب بعض علماء الشافعية إلى أن موجب الحمل هو اللغة فيما أوجبوا الحمل فيه، وهو صورة تعدد الحكم دون الحادثة . ٣٩٨ كتاب الكفارات الثالث: وذهب المحقون منهم إلى أن موجب الحمل هو القياس الصحيح. = الرابع: وذهب بعض الفقهاء إلى أن موجب الحمل هو العقل. أما الذين ذهبوا إلى أن موجب الحمل هو اللغة مطلقاً، فقد استدلوا على مذهبهم بأن حمل المطلق على المقيد أسلوب من أساليب أهل اللغة؛ لأن العرب تحذف وتثبت في كلامها اعتماداً على ما هو مثبت في الكلام، وذلك نحو ما جاء من قول قيس بن الخطيم [المنسرح]: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأَيُّ مُخْتَلِفُ فنرى أن الشاعر هنا قد حذف كلمة ((راضون)) في صدر البيت؛ لدلالة قوله في العجز ((راضٍ)) على المحذوف، فالشاعر يريد أن يقول: نحن بما عندنا راضون، فحذف خبر المبتدأ ((نحن)) واكتفى بذكر خبر المبتدأ ((أنت))؛ ليدل على خبر المبتدأ (نحن)). ومن أمثلة ذلك قول عمرو بن أحمد الباهلي [الطويل]: رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي بَرِيئاً وَمِنْ أَجْلِ الطَّرِيِّ رَمَانِي حيث حذف الشاعر هنا كلمة ((بأمر)) في عجز البيت؛ لدلالة الصدر عليه، فهو يريد أن يقول: من أجل الطوی رماني بأمر. فالمستقرىء لأساليب العرب، يلمح بوضوح أن الحذف إنما تستعمله العرب إذا دل دليل لفظي، أو غير لفظي على مراد المتكلم، والقرآن الكريم ذاخر بالشواهد والنماذج على ذلك؛ جرياً على أساليب العرب. مثال ذلك قول الله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] أي: من عمل صالحاً فعمله لنفسه، ومن أساء فإساءته على نفسه، ومن ذلك أيضاً وله عز وجل: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] أي: واللائي لم یحصن فعدتھن ثلاثة أشهر. وأما علماء الشافعية الذين ذهبوا إلى وجوب حمل المطلق على المقيد في صورة تعدد الحكم دون الحادثة، تنازعوا في موجب الحمل، فقد ذهبت طائفة منهم إلى أن موجب الحمل هو اللغة، من غير نظر إلى قياس أو دليل، وجعلوه من باب المحذوف، فإن أهل اللسان العربي يحذفون القيد في موضع؛ استناداً على دلالة ذكره في موضع آخر من الكلام، مثال ذلك في قوله عز وجل: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] أي: والحافظات لها، ومثله أيضاً قوله عز وجل: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً والذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] أي: والذاكرات الله كثيراً، فقد دل عليه ما سبق. وقد رد هنا بأن المراد بالآية الكريمة: ﴿والذاكرات الله﴾ حيث انصرف الكلام إلى ذكر الله مطلقاً، فلا يتأتى تقييده بصرفه إلى جميع أنواع الذكر؛ لأنَّ الخطاب إنما ورد في سياق المدح لهن وإرشادهن إلى ذكر الله مطلقاً بغير قيد. ومما ينبغي أن نذكره هنا أن طائفة من الفقهاء ينكرون حمل المطلق على المقيد من جهة اللغة، ودللوا على ذلك بأن إطلاق المطلق يستلزم الأمر به وإيقاعه دون غيره، فلو قلنا بتقييده باللفظ المقيد، لكان من الواجب أن يكون بين المطلق والمقيد صلة، وإلا فإن تقييده ليس بأولى من إطلاقه، وترجع الصلة بين المطلق والمقيد إلى اللفظ أو الحكم، أما صلة اللفظ فإنما تكون بالعطف أو الإضمار، وإن صلة كهذه غيره موجودة بين المطلق والمقيد، بينما الصلة التي مرجعها الحكم فهي قسمان: = ٣٩٩ كتاب الكفارات الأول: أن يتفق المطلق والمقيد في علة تقييد الحكم فيهما بالصفة، ولا علاقة لهذا بالتقييد باللفظ؛ لأنه = من باب التقييد بالقياس. الثاني: أن يكون الحكم فيهما مقيداً في كفارة، غير مقيد في كفارة أخرى مانعاً من التعبد، فإن المصلحة قد تكون بإيجاب التقييد فيهما، وقد تكون المصلحة في اختلافهما بذلك التقييد، فلو جاز لنا حمل المطلق على المقيد مع عدم جود الصلة بينهما، لجاز لنا إثبات البدل لأحدهما؛ لأن الآخر قد تحقق له البدل . وأما أهل التحقيق من الشافعية، فقد قالوا بأن موجب الحمل هو القياس الصحيح الذي يقتضي التقييد، كما في تقييد الرقبة بالمؤمنة في آيتي الظهار والقتل. قال الشيرازي: ((وإن لم يعارض المقيد مقيدٌ آخر كالرقبة في كفارة القتل، والرقبة في الظهار، قيدت بالإيمان في القتل بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنَاً خَطَأْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وأطلقت في الظهار بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسًا﴾ [المجادلة: ٣] حمل المطلق على المقيد، فمن أصحابنا من قال: يحمل من جهة اللغة، أي: بمجرد ورود اللفظ من غير حاجة إلى جامع؛ لأن القرآن من فاتحته إلى خاتمته كالكلمة الواحدة، أي: أن بعضه يفسّر بعضاً، فإذا قيدت الرقبة في كفارة القتل بالإيمان قيدت في كفارة الظهار به. وقال بعضهم: يحمل من جهة القياس - أي: قياس المطلق على المقيد بجامع بينهما وهو اتحاد الحكم - وهو الأصح. وقال أصحاب الإمام أبي حنيفة: لا يجوز حمل المطلق على المقيد؛ لأن ذلك زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، وربما قالوا: لأنه حمل منصوص، والدليل على أنه لا يحمل من جهة اللغة، أن اللفظ الوارد فيه التقييد وهو القتل، لا يتناول المطلق وهو الظهار، فلا يجوز أن يحكم فيه بحكمه من غير علة كلفظ البُرِّ؛ لما لم يتناول الأرز، لم يجز أن يحكم فيه بحكمه من غير علة، فكذلك هنا، والدليل على أنه يحمل عليه بالقياس هو أن حمل المطلق على المقيد تخصيص عموم بالقياس، فصار كتخصيص سائر العمومات. وذهب بعض العلماء إلى عدم جواز الحَمْل بالقياس، واستدلوا على فساد ذلك الحمل بحجج تثبت ما ذهبوا إليه، بينما رأى البعض أن موجب الحمل هو العقل، فالعقل عندهم هو الأصل في جواز الحمل، غير أنهم لم يسوقوا حجة تؤكد ما ذهبوا إليه، ولعل هذا الرأي هو أضعف الآراء في هذه القضية. شُرُوطُ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ: لقد اشترط من قال بحمل المطلق على المقيد عدة شروط يجدر بنا أن نذكرها كالآتي : ١ - اشترطوا أن تكون الذَّوَات ثابتةً في كل من المطلق والمقيد، وأن يختص المقيد بكونه من باب الصفات حتى يحمل المطلق عليه، أما إذا كان في أحدهما زيادة أو عدد في أصل الحكم، فلا يجوز حمل أحدهما على الآخر، على سبيل المثال إذا أوجب الشارع غسل أربعة أعضاء عند الوضوع مع إيجابه المسح على عضوين عند التيمم، فقد انعقد الإجماع على عدم جواز حمل مطلق التيمم على مقيد الوضوء، فلا يلزم المكلف مسح أربعة أعضاء بدلاً من عضوین؛ حيث إن ذلك يعني إثبات حكم جدید، وإثبات حكم جديد يختص بالذوات دون الصفات، وجواز الحمل إنما يختص بالصفات دون الذوات . = ٤٠٠ كتاب الكفارات وجه قوله: أن المطلق في معنى المجمل، والمقيد في معنى المفسر، والمجمل يحمل على المفسر ويصير النصان في معنى كنص المجمل والمفسر؛ ولهذا حمل المطلق على المقيد في باب الشهادة والزكاة وكفارة اليمين حتى شرطت العدالة لوجوب قبولِ الشهادة، والإِسامة لوجوب الزكاة، وشرط التتابع في صوم كفارة اليمين؛ كذا ههنا. ولنا وجهان: أحدهما: طريق مشايخنا بسمرقند، وهو أن حَمَل المطلق على المقيد ضربُ النصوص ومن الذين قالوا بهذا الشرط القفال الشاشي، وأبو حامد الإسفراييني، والماوردي، والروياني، والأبهري = من المالكية . ٢ - اشترطوا أيضاً أن يكون للمطلق أصل واحد فقط، وعلى سبيل المثال: اشتراط عدالة الشهود في الوصية والرجعة، مع إطلاقها في البيوع وغيرها، فالشهادة شرط في الجميع. أما إذا وقع المطلق بين قيدين متنافيين، فإن اختلف السبب لم يحمل المطلق على أحد القيدين إلا بدليل، فيحمل على ما دل عليه القياس من باب أَوْلَى، أو يحمل على ما قوى دليل حكمه، وممن ذهب إلى هذا الشرط أبو إسحاق الشيرازي، ونقل القاضي عبد الوهاب الاتفاق عليه، ونقضه الزركشي في ((البحر)). ٣ - واشترطوا أن يكون حمل المطلق على المقيد في باب الأمر، أما في باب النهي والنفي فلا يصح الحمل؛ إذ يلزم في النهي والنفي الإخلال باللفظ المطلق، فلو قال الشارع مثلاً: لا تعتق رقبة، ثم قال: لا تعتق رقبة كافرة ولا مؤمنة، لم يجزئه إعتاق واحدة منهما، وقد ذهب إلى هذا الشرط كل من الآمدي وابن الحاجب وهو الأصح، كما اعتبر ابن دقيق العيد هذا الشرط. وجعله شرطاً في بناء العام على الخاص، وذهب صاحب ((المحصول)) وصاحب ((المنهاج)) إلى التسوية بين الأمر والنهي، فإذا قال لا تعتق مكاتباً، ثم قال: لا تعتق مكاتباً كافراً - حمل الأول على الثاني، ويكون المنهي عنه هو إعتاق المكاتب الكافر، وأما الحمل عند الأصفهاني فإنه لا يقتصر على قسم من الكلام دون سائر الأقسام، بل هو جائز بإطلاق، ولعل الأصح في هذ الباب عدم جواز الحمل في النهي والنفي. ٤ - واشترطوا ألا يكون الحمل في باب الإباحة، وقد قال بهذا الشرط ابن دقيق العيد؛ لأنه ليس ثمة تعارض بین الدلیلین حينئذٍ. ٥ - أن حمل المطلق على المقيد يكون إذا تعذر الجمع بين الدليلين المطلق والمقيد، أو عندما يتعذر العمل بكل منهما في موضعه الذي جاء فيه، أما إذا أمكن الجمع بين الدليلين: المطلق والمقيد، أو العمل بكلٌ منهما في موضعه، فإن عدم الحمل أولى من الحمل؛ لأن الحمل يقتضي إلغاء العمل بأحد النصين، وإعمال النصين أولى من إهمال أحدهما، وقد قال بهذا الشرط ابن الرفعة. ٦ - ألا يرد مع المقيد أمر زائد يبينه الشارع على ما ذكره في المطلق؛ بحيث يقصد بالقيد ذلك الأمر الزائد، ويذكر من أجله، فإذا ذكر المقيد ومعه زيادة مقصودة، فإن الحمل لا يصح؛ لأن ذكر القيد حينئذٍ إنما هو لأجل ذلك الأمر الخاص. ٧ - ألا يرد دليل على عدم التقييد، فإن ورد دليل على ذلك فإن الحمل لا يصح، بل يعمل بكل واحد من الدليلين في موضعه الذي ورد فيه، أي يعمل بالمطلق حيثما ورد مطلقاً، ويعمل بالمقيد حيثما ورد مقيداً.