النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ کتاب النذر النذر وجد مطلقاً عن الوقت، والحكم يثبت على وفق السبب، فيجب عليه أن يصوم شهراً من عمره غير عين، وخيار التعيين إليه إلى أن يغلب على ظنه الفوات لو لم يصم فيضيق الوقت حينئذٍ . وكذا حكم الاعتكاف المضاف إلى وقت مبهم؛ بأن قال: لله عليَّ أن أعتكف شهراً ولا نية له، وهذا بخلاف اليمين بالكلام؛ بأن قال: والله لا أكلم فلاناً شهراً، أنه يتعين الشهر الذي يلي اليمين . وكذا الإجارة بأن آجر داره أو عبده شهراً، فإنه يتعين الشهر الذي يلي العقد؛ لأَنّه أضاف النذر إلى شهر منكر، والصرف إلى الشهر الذي يلي النذر يعين المنكر، ولا يجوز تعيين المنكر إلا بدليلٍ هو الأصل؛ وقد قام دليل التعيين في باب اليمين والإِجارة؛ لأن غرض الحالف منع نفسه عن الكلام، والإِنسانُ إِنما يَمْنَعُ نفسه عن الكلام مع غيره لإِهانته والاستخفاف به لداع يدعوه إلى ذلك الحال، والإِجارة تنعقد للحاجة إلى الانتفاع بالمستأجر، والحاجة قائمة عقيب العقد، فيتعين الزمان المتعقب للعقد لثبوت حكم الإِجارة، ويجوز تعيين المبهم عند قيام الدليل المعين، ولو نوى شهراً معيناً صحت نيته؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه، وفيه تشديد عليه، ثم في النذر المضاف إلى وقت مبهم إذا عين شهراً للصوم فهو بالخيار إن شاء تابع وإِن شاء فرق؛ بخلاف الاعتكاف أنه إذا عَيَّنٌّ شهراً للاعتكاف فلا بد وأن يعتكف متتابعاً في النهار والليالي جميعاً؛ لأن الإِيجاب في النوعين حصل مطلقاً عن صفة التتابع، إِلاَّ أن في ذات الاعتكاف ما يوجب التتابع وهو كونه لبثاً على الدوام، فكان مبناه على الاتصال، والليالي والنهر قابلة لذلك، فلا بد من التتابع، ومبني الصوم ليس على التتابع بل على التفريق لما بين كل يومين ما لا يصلح له وهو الليل فبقي له الخيار، وَإِن أضيف إلى وقت معين بأن قال: لله عليَّ أصوم غداً؛ يجب عليه صوم الغد وجوباً مضيقاً، ليس له رخصة التأخير من غير عذرٍ. وكذا إِذا قال: لله عليَّ صوم رجب، فلم يصم فيما سبق من الشهور على رجب حتى هجم رجب، لا يجوز له التأخير من غير عذرٍ؛ لأنه إذا لم يصم قبله حتى جاء رجب تعين رجب لوجوب الصوم فيه التضييق، فلا يباح له التأخير. ولو صام رجب وأفطر منه يوماً لا يلزمه الاستقبال، ولكنه يقضي ذلك اليوم من شهر آخر، بخلاف ما إذا قال: لله عليَّ أَن أصوم شهراً متتابعاً، أو قال: أصوم شهراً، ونوى التتابع، فأفطر يوماً، أنه يستقبل لأن هناك أوجب على نفسه صوماً موصوفاً بصفة التتابع، وصح الإيجاب؛ لأن صفة التتابع زيادة قربة لما يلحقه بمراعاتها من زيادة مشقة، وهي صفة معتبرة شرعاً، ورد الشرع بها في كفارة القتل والظهار والإفطار واليمين عندنا، فيصح التزامه بالنذر فيلزمه كما التزم، فإِذا ترك فلم يأت بالملتزم فيستقبل كما في صوم كفارة الظهار والقتل. ٣٦٢ کتاب النذر فأما ههنا فما أوجب على نفسه صوماً متتابعاً، وإِنما وَجَب عليه التتابع لضرورة تجاور الأيام؛ لأن أيام الشهر متجاورة، فكانت متتابعة، فلا يلزمه إِلاَّ قضاء ما أفطر، كما لو أفطر يوماً من رمضان لا يلزمه إِلاَّ قضاؤه، وَإِن كان صوم شهر رمضان متتابعاً لما قلنا؛ كذا هذا. ولأَنا لو ألزمناه الاستقبال لوقع أكثر الصوم في غير ما أضيف إليه النذر، ولو أتم وقضى يوماً لكان مؤدياً أكثر الصوم في الوقت المعين، فكان هذا أولى. ولو أفطر رجب كله، قضى في شهر آخر؛ لأنه فوت الواجب عن وقته فصار ديناً عليه، والدين مقضى على لسان رسولِ الله وَلّ، ولهذا وجب قضاء رمضان إذا فات عن وقته؛ ولأَن الوجوب عند النذر بإيجاب الله (عزَّ شأنه) فيعتبر بالإيجاب المبتدأ وما أوجبه الله (تعالى عزَّ شأنه) على عباده ابتداء لا يسقط عنه إِلاَّ بالأداء أو بالقضاء؛ كذا هذا، والله (تعالى عزَّ شأنه) أعلم. كِتَابُ الكَفَّارَاتِ(١) الكلام في الكفارات في مواضع: في بيان أنواعها؛ وفي بيان وجوب كلِّ نوع، وفي بيان كيفية وجوبه، وفي بيان شرط وجوبه، وفي بيان شرط جوازه. (١) الكفارات جمع مفردة كفارة، وهي في الأصل صفة مبالغة كعلامة. ثم غلب استعمالها اسما فيما يستر الذنب ويمحوه، وهذه المادة في اللغة تنبىء عن الستر لأنها مأخوذة من الكفر ((بفتح الكاف)) ومعناه الستر ومنه سمي الليل كافراً، لأنه يستر الشيء بظلمته قال الشاعر: في ليلة كفر النجوم غمامها وسمي الزارع كافراً لأنه يستر البذر بالتراب، وسميت الأشياء المصطلح عليها في الشريعة ((كفارات)) لأنها تستر الذنب وتمحو أثره. تعريفها شرعاً: هي في اصطلاح الفقهاء. اسم لأشياء مخصوصة طلبها الشارع عند ارتكاب مخالفات معينة . وقد عرفها الرحماني من الشافعية فقال: هي مال أو صوم وجب بسبب كحلف أو قتل أو ظهار. واعترض هذا التعريف بأنه غير جامع وغير مانع. أما كونه غير جامع، فلأنه لم تذكر فيه كفارة إفساد الصوم مع أنها من الكفارات ويدفع هذا الاعتراض بأن الكاف للتمثيل وليست للاستقصاء وإلا لما ورد الاعتراض بعدم المنع . وأما كونه غير مانع، فلأنه يشمل الفدية التي هي مال أو صوم وجب عوضاً عن المفدي من غير إثم غالباً كفدية الحلق مع أنها مغايرة للكفارة؛ لأن الغالب في سببها الإثم. ولما رأى بعضهم أن هذا التعريف قد ورد عليه ما ورد من الاعتراض. وهو عدم الجمع والمنع وعرفها بعضهم بتعريف آخر فقال: هي مال أو صوم وجب بسبب من حلف أو قتل أو ظهار أو جماع نهار رمضان عمداً فهذا التعريف وإن كان مانعاً لأنه لا يشمل الفدية كالتعريف السابق، لأن ((من)) في قوله: ((من حلف الخ)) بيانية، والأسباب المذكورة غير الفدية. إلا أن الاعتراض بعدم الجمع لا يزال قائماً من جهة المذاهب الأخرى، لأنه بين فيه أن السبب هو الجماع العمد في نهار رمضان وهو جزئي السبب عند غير الشافعية ويمكن أن يجاب بأن هذا التعريف للشافعية وهم لا يعتبرون غير الجماع العمد سبباً للكفارة، فيكون التعريف جامعاً مانعاً على رأيهم. والناظر في أسباب الكفارات وأنواعها في المذاهب المختلفة لا يسعه إلا أن يعرفها بالتعريف الجامع المانع الذي ذكرته أولاً وهو أن الكفارة اسم لأشياء مخصوصة وهي ((المال أو الصوم)) طلبها الشارع عند ارتكاب مخالفات معينة وهي في الصوم الجماع العمد وما ألحق به عند الشافعية، أو الجماع وما ألحق به عند الحنابلة، أو الجماع العمد في أحد السبيلين، أو ما يصلح البدن أكلاً أو شرباً أو تداوياً عرفاً عند الحنفية، = ٣٦٣ ٣٦٤ كتاب الكفارات أو الجماع العمد وما ألحق به ومثله استدعاء المني، أو تناول ما يصلح البدن أو لا يصلحه، أو قطع النية نهاراً عند المالكية، أو كل ما تعمد الفطر به عند غيرهم، وهذا التعريف هو الذي تميل إليه النفس لسلامته من الاعتراضات التي وردت على غيره. والناظر في التشريع الإسلامي يجد أن المعاصي ثلاثة أنواع نوع يوجب الحد كالزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر. ونوع يوجب الكفارة مثل الحنث في اليمين والظهار مع العود وإفساد صوم رمضان عمداً، ونوع لا يوجب حداً ولا كفارة، وإنما يوجب تعزيراً من الحاكم وذلك كثير، كضرب الغير للأذى، والقبلة للأجنبية، والنظر إليها بشهوة، وغير ذلك مما لم يشرع فيه حد ولا كفارة مقدرة. ومقتضى هذا التقسيم الذي يثبت التباين في العقوبة بين الأنواع الثلاثة أن الكفارة مغايرة للحق مباينة له، كما أنها مباينة للتعزير ومغايرة له، وهذا شيء لا يتأتى فيه خلاف بين العلماء، ولا ثمرة للخلاف فيه إن وجد، وإنما الخلاف الذي وجد بينهم وله ثمرته هو: هل الحدود كفارات لما أقيمت فيه من الذنوب؟ فمن أقيم عليه الحد في معصية شرع فيها الحد لم يعذب عليها في الآخرة - أوليست كفارات لها؟ فيعذب في الدنيا عليها ولا يغنيه ذلك عن عذاب الآخرة. وذهب الجمهور من العلماء ومنهم الشافعية والظاهرية إلى أن عذاب الدنيا مسقط لعذاب الآخرة، وذهب آخرون إلى أنه لا يسقطه إلا إذا انضم إليه توبة خالصة، وبه جزم بعض التابعين، وعليه الحنفية والمعتزلة، وبعض المفسرين كالبغوي. وتوقف آخرون فقالوا: لا ندري أعذاب الدنيا مسقط لعذاب الآخرة أم غير مسقط له . استدل الفريق الأول بما روي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن رسول الله وَلغير أنه قال وحوله عصابة من أصحابه: بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا بيهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله. ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه. فبايعناه على ذلك. وجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي ◌ّلتر ذكر فيما ذكر من المعاصي الزنا والسرقة وهما من الذنوب التي شرع فيها حد معلوم في الدنيا وأخبر أن من ارتكب ذنباً من الذنوب التي ذكرها في الحديث وعوقب عليها في الدنيا كان العقاب كفارة لذنبه وهذا صريح في أن عذاب الدنيا مسقط لعذاب الآخرة مطلقاً تاب أو لم يتب. لأن الحديث لا ذكر للتوبة فيه ويؤيد هذا ما روي عن علي كرم الله وجهه من حديث المبايعة وفيه من أصاب ذنباً فعوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة. واستدل الفريق الثاني بما ورد من الآيات القرآنية مشتملاً على الوعيد بالعذاب الأخروي على ارتكاب تلك المعاصي. مثل قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿والذين لا يدعون مع الله آلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾ وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيما﴾ وقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ . = ٣٦٥ كتاب الكفارات .. ووجه الدلالة من هذه الآيات: ظاهر فإن الله سبحانه وتعالى قد أوجب في تلك المعاصي حدوداً مقدرة في الدنيا ومع ذلك فقد أخبر بأن فاعلها سيعاقب في الآخرة ما لم يتب توبة خالصة. بل إن بعض الآيات يفيد أنه معذب سواء تاب أم لم يتب مثل قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ... ) الآية. ولكن هذا الظاهر غير معمول به عند جمهور العلماء لأن التوبة من الذنب نافعه لقوله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيما﴾ وقوله عز وجل: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى﴾. وأما أصحاب الرأي الثالث فقد استندوا فيما ذهبوا إليه إلى أن الأدلة في هذا الباب متعارضة ولم يوجد ما يرجح أحد الرأيين على الآخر، فوجب التوقف، وحجتهم في ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله وسلم أنه قال: ((ما أدري أتبع كان لعيناً أم لا وما أدري ذو القرنين كان نبياً أم لا وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا)) وهو حديث صحيح على شرط الشيخين، وهو صريح في أن النبي ◌َّ ما كان يعلم أن الحدود كفارات لأهلها أم لا. فغيره بغير أولى في هذا الباب بعدم العلم، فيجب عليه عدم الحكم بشيء معين وأن يتوقف. ونحن إذا نظرنا إلى أن حديث عبادة بن الصامت لم ينفرد بسماعه من الرسول و # بل تابعه عليه كثير من الصحابة رضوان الله عليهم كابن عمر، وعلي وابن مسعود، والحسن بن علي، وعائشة، وأن هؤلاء جميعاً قد أخبروا بما يفيد أن الرسول ◌َ * قال: ((من أقيم عليه حد في الدنيا فهو كفارة له)) وذلك يقضي بأن الرسول ◌َ* قد علم عن ربه عز وجل أن الحدود كفارات لذنوبها وعلمه بذلك لا يتنافى مع قوله ◌َالخير في حديث أبي هريرة: ((ما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا)) لإمكان الجمع بينهما بحمل حديث أبي هريرة على أنه متقدم على حديث عبادة. وأما قول القاضي عياض ومن تبعه أن حديث عبادة متقدم على حديث أبي هريرة لأن إسلام أبي هريرة رضي الله عنه كان بعد الهجرة بسبع سنين، والمبايعة المذكورة كانت ليلة العقبة بمنى قبل الهجرة ((فغير مسلم)) لأن حديث أبي هريرة لم يصرح فيه بالسماع من الرسول وَّر مباشرة فيحتمل أن يكون أبو هريرة قد سمعه عمن سمعه من النبي ◌َّر في مبدأ التشريع قبل أن يحصل له العلم بذلك ويخبر به. وكون هذه المبايعة كانت ليلة العقبة بمنى غير صحيح لما ذكر في البخاري في كتاب الحدود أن تلك المبايعة الواردة في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه كانت بعد فتح مكة، وبعد أن نزلت آية الممتحنة التي وردت في مبايعة النساء بعد الحديبية، لأن النبي وَ له قد قرأ الآية بتمامها في تلك المبايعة وعنده في تفسير الممتحنة من هذا الوجه قال: ((قرأ علينا آية النساء)» وعند مسلم من طريق معمر عن الزهري قال: ((فتلى علينا آية النساء قال: ﴿ألا يشركن .... ) الآية وعند الطبراني من هذا الحديث قال: ((بايعنا رسول الله وَّر على ما بايع عليه النساء يوم الفتح)) فهذه الرواية أوضح دليل على أن هذه المبايعة كانت بعد فتح مكة وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدة، فكل هذا يدل على أن الجمع المتقدم صحيح، وأن الحدود كفارات وبذلك يضعف استناد الواقفين إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وإذا نظرنا إلى أن أكثر الآيات القرآنية المفيدة للوعيد بالعذاب الأخروي على تلك الجرائم التي شرعت فيها الحدود قد أعقب هذا الوعيد بالتوبة، وأن الآيات التي لا ذكر للتوبة فيها ينبغي أن تقيد بها دفعاً للتعارض بين الأدلة، وحملا للمطلق على المقيد وأن حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وإن لم تذكر فيه التوبة صراحة إلا أن ذلك لا يقتضي عدم اعتبارها في محو الذنب، لأن المؤمن شأنه التوبة عند = ٣٦٦ كتاب الكفارات أما الأول: فالكفاراتُ المعهودة في الشرع خمسة أنواع: كفارةُ اليمين، وكفارةُ الحلق، وكفارةُ القتل، وكفارةُ الظهار، وكفارة الإفطار. والكلُّ واجبة إِلاَّ أن أربعة منها عرف وجوبها بالكتاب العزيز، وواحدةٌ منها عرف وجوبها بالسنة . أمَّا الأربعة التي عرف وجوبها بالكتاب العزيز: فكفارةُ اليمين، وكفارةُ الحلق، وكفارةٌ القتل، وكفارةُ الظهار؛ قال الله (تعالى عزَّ شأنه) في كفارة اليمين: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنِ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَخْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] والكفارة في عرف الشرع اسم للواجب. وقال (جلَّ شأنه) في كفارة الحلق: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذَىَ مِنْ رَأْسِهِ فَفِذْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك. وقال (تعالى) في كفارة القتل: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] إِلى قوله (تعالى): ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم عَدُوٌّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقُ فِديَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَیْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢] أي: فعليه تحرير رقبة مؤمنة، وعليه ذلك، وعليه صوم شهرين متتابعين؛ لأن صيغته وإِن كانت صيغة الخبر، لكن لو حمل على الخبر لأَدَّى إِلى الخلف في خبر من لا يحتمل خبره الخلف، فيحمل على الإيجاب، والأمر بصيغة الخبر كثير النظير في القرآن؛ قال الله (تعالى): ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: ليرضعن، وقال (عزَّ شأنه): ﴿وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: ليتربصن، ونحو ذلك. وقال الله (تعالى) في كفارة الظهار: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبِةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسًا﴾ [المجادلة: ٣] إلى قوله (تعالى): ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَیْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلٍ أَنْ يَتَمَاسًّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتَّيْنَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: ٤] أي فعليهم ذلك لما قلنا . وَأَمَّا كفارة الإفطار، فلا ذكر لها في الكتاب العزيز، وإِنما عرف وجوبها بالسنة، وهو ما حصول المعصية والندم عليها بعد حصولها، ولذلك تركها الرسول وَ# لأن المعتبر شأناً كالمذكور لفظاً. = إذا نظرنا إلى كل ما تقدم رأينا أن الجمع بين الأدلة ممكن على هذا الوجه المتقدم، وبذلك يزول التعارض بينها ويترجح القول بأن الحدود كفارات لذنوبها إذا انضم إليها توبة. ينظر: الكفارات لشيخنا حسن الكاشف، والمحلى لابن حزم (١٢٤/١١)، والزيلعي (١٦٣/٣). ٣٦٧ كتاب الكفارات رُوِيَ أنَّ أعرابياً جاء إلى رسول الله وَلِّ وقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ وأهلكتُ، فقال له رسولُ اللهِ وَلِّ: ((مَاذَا صَنَعْتَ؟)) فقال: وَاقَعْتُ امرأتي في شهرِ رمضان متعمّداً، فقال النبيُّ وَّهِ: ((أَعْتِقْ رَقَبَةً)، قال: ليس عندي ما أعتقُ، فقال له وََّ: ((صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ))، قال: لا أستطيع، فقال له (عليه الصلاة والسلام): ((أطْعِمْ سِتِينَ مِسْكِينا)) فقالَ: لاَ أَجِدُ مَا أُطْعِمُ، فأمر رسول الله وَرَ بعرقٍ فيه خمسة عشر صاعاً من تمرٍ، فقال: ((خُذْهَا وَفَرَّقْهَا عَلَى المَسَاكِينَ))، فقال: أَعَلى أهلِ بيتٍ أحوج مِنِّي، والله ما بِين لاَبَتِي المدينة أحدٌ أحوج منّيٍ وٍمِنْ عيالي، فقال له النبيُّ (عليه الصلاة والسلام): ((كُلْهَا وَأَطْعِمْ عِيَالَكَ تُجْزِيكَ وَلاَ تُجْزِي أَحَداً بَعْدَكَ))(١) . وفي بعض الروايات أن الأعرابي لما قال ذلك تَبَسَّمَ رسولُ الله وَّهِ حتى بدت نواجذُهُ، ثم قال (عليه الصلاة والسلام): ((كُلْهَا وَأَطْعِمْ عِيَالَكَ تُجْزِيكَ وَلاَ تُجْزِي أَحَداً بَعْدَكَ)) فقد أمر (عليه الصلاة والسلام) بالإِعتاق، ثم بالصوم، ثم بالإِطعام، ومطلق الأمر محمول على الوجوب، والله (عزَّ شأنه) أعلم. فصل في كيفية الوجوب وأما بيان كيفية وجوب هذه الأنواع فلوجوبها كيفيتان: إحداهما: أن بعضَها واجب على التعيين مطلقاً، وبعضها على التخيير مطلقاً، وبعضها على التخيير في حالٍ والتعيين في حالٍ. أما الأول: فكفارة القتل والظهار والإفطار، لأن الواجب في كفارة القتل التحرير على التعيين؛ لقوله (عزَّ شأنه): ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٣] إلى قوله (جلَّ شأنه): ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] والواجب في كفارة الظهار والإفطار ما هو الواجب في كفارة القتل وزيادة الإطعام إذا لم يستطع الصيام؛ لقوله (عزَّ شأنه): ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: ٤] وكذا الواجب في كفارة الإفطار؛ لما روينا من الحدیث. وأما الثاني: فكفارة الحلق؛ لقوله (عزَّ شأنه): ﴿فَفِذْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وأما الثالث: فهو كفارة اليمين؛ لأن الواجب فيها أحد الأشياء الثلاثة، باختياره فعلاً غير عين، وخيار التعيين إلى الحالف يعين أحد الأشياء الثلاثة باختياره فعلاً، وهذا مذهب أهل (١) تقدم تخريجه في الصيام. ٣٦٨ كتاب الكفارات السنة والجماعة في الأمر بأحد الأشياء أنه يكون أمراً بواحدٍ منها غير عين وللمأمور خيار التعيين . وقالت المعتزلة: يكون أمراً بالكلِّ على سبيلِ البدلِ، وهذا الاختلاف بناءً على أصل مخلف بيننا وبينهم معروف يذكر في أصول الفقه، والصحيحُ قولنا؛ لأن كلمة: (أو) إِذا دَخَلَتْ بين أفراد يراد بها واحد منها لا الكل في الإِخبار والإِيجاب جميعاً، يقال: جاءني زيد أو عمرو، ويراد به مجيء أحدهما، ويقول الرجل لآخر: بع هذا أو هذا، ويكون توكيلاً ببيع أحدهما، فالقولُ بوجوب الكل يكون عدولاً عن مقتضى اللغة، ولدلائل أخر عرفت في أصول الفقه. فإن لم يجد شيئاً من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام على التعيين؛ لقوله (عزَّ شأنه): ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. والثانية: أن الكفارات كلها واجبة على التراخي، هو الصحيح من مذهب أصحابنا في الأمر المطلق عن الوقت حتى لا يأثم بالتأخير عن أول أوقات الإِمكان، ويكون مؤدياً لا قاضياً، ومعنى الوجوب على التراخي، هو: أن يجب في جزء من عمره غير عين، وإنما يتعين بتعيينه فعلاً أو في آخر عمره؛ بأن أخره إِلى وقت يغلب على ظنه أنه لو لم يؤد فيه لفات؛ فإذا أَدَّى فقد أدى الواجب، وإِن لم يؤد حتى مات أَثِمَ لتضييق الوجوب عليه في آخر العمر، وَهَلْ يؤخذ من تركته؟ ينظر إِن كان لم يوص لا يؤخذ ويسقط في حق أحكام الدنيا عندنا كالزكاة والنذر. ولو تبرع عنه ورثته، جاز عنه في الإطعام والكسوة، وأطعموا في كفارة اليمين عشرة مساكين أو كسوتهم، وفي كفارة الظهار والإِفطار أطعموا ستين مسكيناً، ولا يجبرون عليه، ولا يجوز أن يعتقوا عنه، لأن التبرع بالإِعتاق عن الغير لا يصح، ولا أن يصوموا عنه؛ لأنه عبادةٌ بدنيةٌ محضةٌ، فلا تجري فيه النيابة . وقد روي عن النبي (عليه السلام) أنه قال: ((لاَ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلاَ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ))(١) وإن كان أوصى بذلك يؤخذ من ثلث ماله فيطعم الوصي في كفارة اليمين عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة؛ لأنه لمَّا أوْصَى، فقد بقي ملكه في ثلث ماله، وفي كفارة القتل والظهار والإفطار تحرير رقبة إِن بلغ ثلث ماله قيمة الرقبة، وإِن لم يبلغ أطعم ستين مسكيناً في كفارة الظهارة والإِفطار، ولا يجب الصوم فيها وإِن أوصى؛ لأن الصوم نفسه لا يحتمل النيابة، ولا يجوز الفداء عنه بالطعام؛ لأنه في نفسه بدلٌ، والبدلُ لا يكون له بدل. (١) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢/ ٤٦٣) وقال: غريب مرفوعاً وروي مرفوعاً على ابن عباس وابن عمر. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في ((الدراية)) (٢٨٣/١): لم أجده مرفوعاً وأخرجه عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر موقوفاً بهذا وزاد: ولكن إن كنت فاعلاً تصدقت عنه. ٣٦٩ کتاب الكفارات ولو أوصى أَنْ يطعم عنه عشرة مساكين عن كفارة يمينه، ثم مات فغدى الوصي عشرة؛ ثم ماتوا يستأنف فيغدي ويعشي غيرهم؛ لأنه لا سبيل إلى تفريق الغداء والعشاء على شخصين لما نذكر، ولا يضمن الوصي شيئاً؛ لأنه غير متعدٍ، إذ لا صنع له في الموت. ولو قال: أطعموا عَنِّي عشرة مساكين غداء وعشاءً، ولم يسم كفارة، فغدوا عشرة ثم ماتوا يعشوا عشرة غيرهم؛ لأنه لم يأمر بذلك على وجه الكفارة؛ ألا ترى أنه لم يسم كفارةً فكان سببه النذر فجاز التفريق، والله (تعالى عزَّ شأنه) أعلم. فصل في شروط الوجوب وأما شرائط وجوب كل نوع فكلُّ ما هو شرط انعقاد سبب وجوب هذه الكفارة من اليمين والظهار والإِفطار والقتل فهو شرطُ وجوبها، لأن الشروط كلها شروط العلل عندنا، وقد ذكرنا ذلك في ((كتاب الأيمان)) و((الظهار))، و((الصوم))، و(«الجنايات))، ومن شرائط وجوبها القدرة على أداء الواجب(١)، وهذا شرط معقول لاستحالة وجوب فعل بدون القدرة عليه، غير (١) اتفقت كلمة الفقهاء على اعتبار القدرة على أداء ما وجب في الكفارة شرطاً لوجوبها على المكفر؛ لأن شرط التكليف القدرة، فلا يتوجه الوجوب على العاجز عنها؛ لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ واختلفوا في وقت اعتبار هذه القدرة. هل هو وقت الأداء، أو وقت الوجوب، أو ليس أحدهما بخصوصه، وإنما المعتبر أغلظ الأمرين منهما، فقالت الشافعية، والمالكية، في قول لهما والحنابلة في الراجح من مذهبهم، والظاهرية: إن العبرة بالقدرة وقت الوجوب. وقالت الحنفية، والشافعية - في المشهور عندهم - والمالكية في المشهور عندهم أيضاً: إن العبرة بالقدرة وقت الأداء . وعن الشافعي في قول، وأحمد في رواية: أن العبرة بأغلظ الأمرين. وجهة الرأي الأول أن الكفارة إنما شُرعت لطهارة النفس مما علق بها من الذنوب، فكانت شبيهة بالحد من هذه الناحية، والعبرة في الحدود بوقت الوجوب لا وقت الأداء؛ فتكون الكفارة كذلك. ووجهة الرأي الثاني أن المغلَّب في الكفارات هي جهة العبادة؛ ولذلك افتقرت إلى النية، والعبرة في العبادات بوقت أدائها لا بوقت وجوبها، فيكون الوقت المعتبر في القدرة في الكفارة هو وقت الأداء. ووجهة الرأي الثالث: أن الكفارة حق يجب بوجود المال، فيعتبر فيه أغلظ الأحوال كالحج. وبالنظر في وجهة كل نجد أن الراجح هو قول من يقول: إن العبرة في القدرة وقت الأداء؛ لأن الكفارة المغلَّب فيها معنى العبادة، والحدود المغلَّب فيها جهة العقوبة فافترقا؛ كما أن هناك فرقاً بين الحج وبين الكفارة؛ لأن الحج يجب على الفور عند اليسار والاستطاعة، بحيث إذا أخره الموسر المستطيع كان آئماً، وعسره بعد ذلك لا يسقط الحج عنه، ولا كذلك الكفارة، فإنها غير واجبة على الفور، والخصال فيها متنوعة، فإذا أيسر ببعضها وقت الوجوب، وعجز عنه وقت الأداء لا يطالب بما عجز عنه، وإنما يجزيه عنه غيره من الخصال الباقية. ويؤيد ذلك حديث أوس بن الصامت الذي ظاهر من امرأته، فإن النبي وَلقر سأله عن الخصال كلّها الواحدة = بدائع الصنائع ج٦ - م٢٤ ٣٧٠ كتاب الكفارات أن الواجب إذا كان معيناً تشترط القدرة على أدائه عيناً؛ كما في كفارة القتل والظهار والإفطار، فلا يجب التحرير فيها إِلاَّ إذا كان واجداً للرقبة، وهو أن يكون له فضلُ مالٍ على كفايته يؤخذ تلو الأخرى، وثبت له عجزه عنها، فأعطاه عرقاً من التمر، وأمره أن يتصدَّق به، فلو كان العبرة بالقدرة = وقت الوجوب لما طالبه و # بالكفارة؛ لأنه كان وقت الوجوب عاجزاً عنها، فلما سأله والل عن الخصال بعد عجزه عنها علم أن العبرة بوقت الأداء دون غيره، ولو كان أحدهما واجباً لبيَّنه الرسول وَلِّ، وإلا كان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز، خصوصاً من الرسول وَلتر. وتظهر ثمرة هذا الخلاف فيمن عجز عن العتق وقت الوجوب، وأيسر به في وقت الأداء بعد الشروع في الخصلة الثانية؛ كما في كفارة الظهار، أو القتل، أو إفساد الصوم. فالشافعية، والحنابلة، وبعض الفقهاء؛ كالأوزاعي، والليث بن سعد يقولون: إن يَسَارَهُ بالعتق بعد الشروع في الصوم لا عبرة به، فإن استمر في الصوم أجزأه، وإن قطعه، وكفّر بالعتق سقطت عنه الكفارة، فهو حينئذٍ بالخيار بين أن يتم الصوم، أو يقطعه ويرجع للعتق. والحنفية، وجماعة من الفقهاء، كابن سيرين، والثوري يقولون: يجب الرجوع من الصوم إلى العتق فإن استمر في صومه لم يجزئه عن الكفارة. وقالت المالكية: إن أيسر بالعتق في اليوم الأول. من الصوم. وجب الرجوع إليه، ولا يجزيه الصوم عن الكفارة، وإن أيسر في غير اليوم الأول، وقبل الرابع، كان بالخيار بين أن يستمر في الصوم، أو يرجع عنه إلى العتق، أما إن أيسر في اليوم الرابع - وما بعده - فالواجبُ عليه الاستمرار في الصوم، وتسقط به الكفارة، ولا يلزمه قطعه. وجهة أصحاب الرأي الأول؛ أنه لم يقدر على العتق إلا بعد تلبسه بالصيام، فلا يبطل بهذه القدرة؛ كما لو استمر العجز إلى تمامه. ووجهة أصحاب الرأي الثاني أنه قدر على الأصل قبل أداء فرضه بالبدل، فلزمه العود إليه كالمتيمم يجد الماء قبل الصلاة، أو في أثنائها على الخلاف في ذلك. ووجهة أصحاب الرأي الثالث: أنه وجد الرقبة قبل تحقق الصوم، لأن صوم هذا اليوم لا يتحقق إلا بغروب شمسه، فما لم تغرب كان بعرضية البطلان. وأما وجوب إتمام صوم هذا اليوم؛ فللنهي عن قطع العبادة. قال تعالى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. وأما وجهتهم في اليوم الثاني، والثالث، إلى ما قبل الرابع فكما تقدم في وجهة أصحاب الرأي الأول. وأما في الرابع، وما بعده فلعل وجهتهم في ذلك أن الشارع قد اعتبر الثلاثة أيام حَداً فاصلاً في الخيار في البيع، يثبت فيها الرجوع، فاعتبرت هنا كذلك حداً فاصلاً بين التخيير والوجوب؛ لأنه إذا ثبت إعساره في مدة الثلاثة أيام، فقد تحقق عجزه ووجب إتمام صومه. وبالنظر في وجهة كل، نجد أن مذهب المالكية هو الراجح بالنسبة لليوم الأول؛ لما تقدم من التعليل. كما أن الراجح مذهب الجمهور فيما بعد ذلك؛ لأن الصوم أصل كالعتق، إلا أن رتبته متأخرة عنه، ولا يجب إلا بالعجز عن العتق، وقد ثبت العجز عنه، حتى شرع في الصوم، فيساره به بعد ذلك كلا يسار. ألا ترى أن المتمتع إذا عجز عن الهدي، حتى شرع في صوم السبعة أيام - فلا يلزمه الرجوع إليه، إذا أيسر به في أثنائها، وقياسه على التيمم قياس مع الفارق، لأن التيمم بدل عن الوضوء، ولا كذلك الصوم. ينظر: الكفارات لشيخنا حسن الكاشف. = ٣٧١ كتاب الكفارات به رقبة صالحة للتكفير، فإِن لم يَكُنْ لا يجب عليه التحرير؛ لقوله (جَلَّ وعلا): ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ﴾ [النساء: ٩٢] شرط (سبحانه وتعالى) عدم وجدان الرقبة لوجوب الصوم، فلو لم يَكُنْ الوجود شرطاً لوجوب التحرير، وكان يجب عليه وجد أو لم يجد، لم يكن لشرط عدم وجدان الرقبة لوجوب الصوم معنى؛ فَدَلَّ أَنَّ عدم الوجود شرط الوجوب، فإِذا كان في ملكه رقبة صالحة للتكفير يجب عليه تحريرها، سواء كان عليه دَيْنٌ أو لم يكن؛ لأنه واجد حقيقة، فَكَذَا إذا لم يكن في ملكه عين رقبة، وله فضل مال على كفايته، يجب رقبة صالحة للتكفير؛ لأنه يكون واجداً من حيث المعنى. فأما إذا لم يكن له فضلُ مالٍ على قدر كفاية ما يتوصل به إلى الرقبة ولا في ملكه عين الرقبة، لا يجب عليه التحرير؛ لأن قدر الكفاية مستحق الصرف إلى حاجته الضرورية، والمستحق كالمصروف، فكان ملحقاً بالعدم؛ كالماء المحتاج إليه للشرب في السفر حتى يباح له التيمم، ويدخل تحت قوله (عزَّ شأنه): ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّبً﴾ [النساء: ٤٣] وإن كان موجوداً حقيقة، لكنه لما كان مستحق الصرف إلى الحاجة الضرورية ألحق بالعدم شرعاً؛ كذا هذا. وإِن كان الواجب واحداً منها كما في كفارة اليمين تشترط القدرة على أداء الواجب على الإبهام، وهو أن يكون في ملكه فضل على كفاية ما يجد به أحد الأشياء الثلاثة؛ لأَنه يكون واجداً معنى أو يكون في ملكه واحد من المنصوص عليه عيناً من عبد صالح للتكفير. أو كسوة عشرة مساكين أو إطعام عشرة مساكين؛ لأنه يكون واجداً حقيقة. وكذا لا يجب الصيام ولا الإِطعام فيما للطعام فيه مدخلٌ إِلاَّ على القادر عليها؛ لأن إيجاب الفعل على العاجز ممتنع؛ ولقوله (عز اسمه) في كفارة الظهار: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: ٤] شرط (سبحانه وتعالى) عدم استطاعة الصيام لوجوب الإطعام، فدل أن استطاعة الصوم شرط لوجوبه، ولا يجب على العبد في الأنواع كلها إِلاَّ الصوم؛ لأنه لا يقدر إِلاَّ عليه لأنه ليس من أهل ملك المال، لأنه مملوك في نفسه، فلا يملك شيئاً. ولو أعتق عنه مولاه، أو أطعم، أو كسا، لا يجوز لأنه لا يملك، وإِن ملك؛ وكذا المكاتب؛ لأنه عبدٌ ما بقي عليه درهم، وكذا المستسعى في قول أبي حنيفة (رضي الله عنه) لأَنْه بمنزلة المُكَاتَبِ . ومنها: العجز عن التحرير عيناً في الأنواع الثلاثة شرط لوجوب الصوم فيها؛ لقوله (عزَّ شأنه) في كفارة القتل والظهار: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] أي: من لم يجد رقبة، شرط (سبحانه وتعالى) عدم وجود الرقبة لوجوب الصوم، فلا يجب الصوم مع القدرة على التحرير. ٣٧٢ كتاب الكفارات وأما في كفارة اليمين فالعجز عن الأشياء الثلاثة شرطً لوجوب الصوم فيها، لقوله (تعالى): ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: فمن لم يجد واحداً منها فعليه صيام ثلاثة أيامٍ، فلا يجب الصوم مع القدرة على واحدٍ منها. وَأَمَّا العجز عن الصيام فشرطٌ لوجوب الإِطعام فيما للإِطعام فيه مدخلٌ؛ لقوله (جلَّ وعلا): ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتْنَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: ٤] أي: مَنْ لم يستطع الصيام فعليه إطعام ستين مسكيناً، فلا يجب الإطعام مع استطاعة الصيام. ثم اختلف في أَن المعتبر هو القدرة والعجز وقت الوجوب، أم وقت الأداء؟ قال أصحابنا (رحمهم الله): وقت الأداء، وقال الشافعي (رحمه الله): وقت الوجوب، حتى لو كان موسراً وقت الوجوب ثم أعسر، جاز له الصوم عندنا، وعنده: لا يجوز، ولو كان على القلب لا يجوز عندنا، وعنده: يجوز. وجه قوله أن الكفارة وجبت عقوبة، فيعتبر فيها وقت الوجوب کالحد، فإن العبد إذا زنا ثم أعتق، يقام عليه حَدَّ العبيد. والدليل على أنها وَجَبَتْ عقوبة أن سبب وجوبها الجناية من الظهار والقتل والإفطار والحنث، وتعليق الوجوب بالجناية تعليقُ الحكم بوصفٍ مناسبٍ مؤثرٍ فيحال عليه؛ وربما قالوا هذا ضمان يختلف باليسار والإِعسار، فيعتبر فيه حال الوجوب كضمان الإِعتاق. ولنا أن الكفارة عبادة لها بدلٌ ومبدلٌ، فيعتبر فيها وقت الأداء لا وقت الوجوب؛ كالصلاة بأن فاتته صلاة في الصحة فقضاها في المرض قاعداً أو بالإِيمَاءِ، أنه يجوز. والدليل على أنها عبادةٌ وأَن لها بدلاً أن الصوم بدلٌ عن التكفير بالمال، والصوم عبادةٌ، وبدلُ العبادةِ عبادةٌ؛ وكذا يشترط فيها النية، وأنها لا تشترط إِلاَّ في العبادات. وإذا ثبت أنها عبادة لها بدلٌ ومبدلٌ، فهذا يوجب أن يكون المعتبر فيها وقت الأداء لا وقت الوجوب؛ لأنه إذا أيسر قبل الشروع في الصيام أو قبل تمامه فقد قدر على المبدل قبل حصول المقصود بالبدل، فيبطل البدل، وينتقل الأمر إلى المبدل؛ كالمتيمم إذا وجد الماء قبل الشروع في الصلاة أو بعده قبل الفراغ منها عندنا؛ وكالصغيرة إذا اعتدت بشهرٍ ثم حاضت، أنه يبطل الاعتداد بالأشهرِ وينتقل الحكم إِلى الحيض، وإذا اعسر قبل التكفير بالمال فقد عجز عن المبدل قبل حصول المقصود به، وقدر على تحصيله بالبدل؛ كواجد الماء إذا لم يتوضأ حتى مضى الوقت ثم عدم الماء ووجد تراباً نظيفاً، أنه يجوز له أن يتيمم ويصلي، بل يجب عليه ذلك؛ كذا ههنا بخلاف الحدود؛ لأن الحد ليس بعبادة مقصودة، بل هو عقوبة، ولهذا لا يفتقر إلى النية. ٣٧٣ كتاب الكفارات وكذا لا بدل له، لأن حد العبيد ليس بدلاً عن حد الأحرار، بل هو أصلّ بنفسه؛ ألا ترى أنه يحد العبيد مع القدرة على حد الأحرار ولا يجوز المصير إلى البدل مع القدرة على المبدل؛ كالتراب مع الماء وغير ذلك؛ بخلاف الصلاة إذا وجبت على الإِنسان وهو مقيم ثم سافر، أو مسافر ثم أقام أنه يعتبر في قضائها وقت الوجوب، لأَن صلاة المسافر ليست بدلاً عن صلاة المقيم ولا صلاة المقيم بدل عن صلاة المسافر، بل صلاة كلُّ واحد منهما أصلٌ بنفسها. ألا ترى أنه يصلي أحداهما مع القدرة على الأخرى، وبخلاف ضمان الإِعتاق، لأنه ليس بعبادة؛ وكذا السعاية ليست ببدل عن الضمان على أصل أبي حنيفة (رحمه الله) لأن الشريك مخيرٌ عندهم بين التضمين والاستسعاء، ولا يخير بين البدل والمبدل في الشريعة. وأما قوله أن سبب وجوب الكفارة الجناية فممنوعٌ، بل سبب وجوبها ما هو سببُ وجوب التوبة، إِذ هي أحد نوعي التوبة، وإنما الجناية شرط كما في التوبة، هذا قول المحققين من مشايخنا . وعلى هذا يخرج ما إذا وجب عليه التحرير أو أحد الأشياء الثلاثة؛ بأن كان موسراً ثم أعسر - أنه يجزئه الصوم، ولو كان معسراً ثم أيسر لم يجزه الصوم عندنا، وعند الشافعي: لا يجزئه في الأول ويجزئه في الثاني؛ لأَن الاعتبار لوقت الأداء عندنا لا لوقت الوجوب وهو في الأَول يعتبر وقت الأداء، فوجد شرط جواز الصوم ووجوبه، وهو عدم الرقبة، فجاز، بل وجب، وفي الثاني لم يوجد الشرط فلم يجز، وعنده لما كان المعتبر وقت الوجوب فيراعى وجود الشرط للجواز وعدمه وقت الوجوب، ولم يوجد في الأول ووجد في الثاني. ولو شرع في الصوم ثم أيسر قبل تمامه، لم يجز صومه، ذكر هذا في الأصل، بلغنا ذلك عن عبد الله بن عباس وإِبراهيم لما ذكرنا أنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل فلا يعتبر البدل. والأفضل أن يتم صوم ذلك اليوم، فلو أفطر لا يلزمه القضاء عند أصحابنا الثلاثة (رحمهم الله)، وعند زفر (رحمه الله) يقضي، وأصلُ هذه المسألة في ((كتاب الصوم)) وهو مَنْ شرع في صوم على ظن أنه عليه، ثم تبين أنه ليس عليه، فالأفضل له أن يتم الصوم، ولو أفطر فهو على الاختلاف الذي ذكرنا. وعلى قياس قول الشافعي (رحمه الله) يمضي على صومه؛ لأن العبرة في باب الكفارات الوقت الوجوب عنده، ووقت الوجوب كان معسراً، ولو أيسر بعد الإِتمام جاز صومه؛ لأنه قدر المبدل بعد حصول المقصود بالبدل، فلا يبطل البدل؛ بخلاف الشيخ الفاني إذا فدى ثم قدر على الصوم، أنه تبطل الفدية ويلزمه الصوم؛ لأن الشيخ الفاني هو الذي لا ترجى له القدرة ٣٧٤ كتاب الكفارات على الصوم، فإِذا قدر تبين أنه لم يكن شيخاً فانياً، ولأن الفدية ليست ببدل مطلق؛ لأنها ليست بمثل للصوم صورة ومعنى، فكانت بدلاً ضروريًّا، وقد ارتفعت الضرورة فبطلت القدرة، فأما الصوم فبدل مطلق، فلا يبطل بالقدرة على الأصل بعد حصول المقصود به، والله (عزَّ شأنه) أعلم. فصل [في شروط الجواز] وأما شرط جواز كل نوع، فلجواز هذه الأنواع شرائط: بعضُها يعم الأنواع كلها، وبعضُها يخص البعض دون البعض. أما الذي يعم الكل: فنيةُ الكفارة حتى لا تتأدى بدون النية، والكلام في النية في موضعين : أحدهما: في بيان أن نية الكفارة شرط جوازها. والثاني: في بيان شرط صحة النية. أما الأول: فلأن مطلق الفعل يحتمل التكفير ويحتمل غيره، فلا بد من التعيين وذلك بالنية، ولهذا لا يتأدى صوم الكفارة بمطلق النية، لأن الوقت يحتمل صوم الكفارة وغيره فلا يتعين إلا بالنية؛ كصوم قضاء رمضان وصوم النذر المطلق، ولو أعتق رقبة واحدة عن كفارتين فلا شك أنه لا يجوز عنهما جميعاً؛ لأن الواجب عن كل كفارة منهما إعتاق رقبة كاملة ولم يوجد، وهل يجوز عن إحداهما، فالكفارتان الواجبتان لا يخلو: إِما إِن وجبتا بسببين من جنسين مختلفين، وإما إِن وجبتا بسببين من جنس واحد. فإن وجبتا من جنسين مختلفين كالقتل والظهار فأعتق رقبة واحدة ينوي عنهما جميعاً، لا يجوز عن إِحداهما؛ بلا خلاف بين أصحابنا وعند الشافعي (رحمه الله): يجوز. وإن وجبتا بسببين من جنس واحدٍ كظهارين أو قتلين يجوز عن إحداهما عند أصحابنا الثلاثة (رحمهم الله) استحساناً، وهو قول الشافعي (رحمه الله)، والقياس أن لا يجوز، وهو قول زفر (رحمه الله)، وهذا الاختلاف مبنيٍّ على أن نية التعيين والتوزيع هل تقع معتبرة أم تقع لغواً؟ فعند أصحابنا معتبرةٌ في الجنسين المختلفين، وعند الشافعي (رحمه الله) لغوٌ فيهما جميعاً. وَأَمَّا في الجنس الواحد فهي لغوّ عند أصحابنا الثلاثة (رضي الله عنهم)، وعند زفر معتبرة قياساً. أما الكلام مع الشافعي فوجه قوله أن الكفارات على اختلاف أسبابها جنس واحد، ونية التعيين في الجنس الواحد لغو لما ذكرنا. ٣٧٥ كتاب الكفارات وَلَنَا أَنَّ التعيين في الأجناس المختلفة محتاج إليه، وذلك بالنية، فكان نية التعيين محتاجاً إليها عند اختلاف الجنس، فصادفت النية محلها فصحت، ومتى صحت أوجبت انقسام عين رقبة واحدة على كفارتين، فيقع عن كل واحد منهما عتق نصف رقبة، فلا يجوز لا عن هذه ولا عن تلك. وأما قوله الكفارتان جنسٌ واحدٌ، فنعم، من حيث هما كفارة؛ لكنهما اختلفا سبباً وقدراً وصفة؛ أما السبب فلا شك فيه، وأما القدر فإِن الطعام يدخل في إحداهما وهي كفارة الظهار، ولا يدخل في الأخرى وهي كفارة القتل. وأما الصفة فإِن الرقبة في كفارة الظهار مطلقةٌ عن صفة الإِيمان، وفي كفارة القتل مقيدة بها، وَإِذَا اختلفا من هذه الوجود كان التعيين بالنية محتاجاً إِليه، فصادفت النية محلها فصحت فانقسم عتق رقبة بينهما، فلم يجز عن إحداهما حتى لو كانت الرقبة كافرة، وتعذر صرفها إلى الكفارة للقتل انصرفت بالكلية إِلى الظهار وجازت عنه؛ كذا قال بعض مشايخنا بما وراء النهر. ونظيره ما إذا جمع بين امرأة وابنتها أو أمها أو أختها وتزوجهما في عقدة واحدة، فإن كانتا فارغتين لا يجوز، وإن كانت إحداهما منكوحة والأخرى فارغة، يجوز نكاح الفارغة. وأما الكلام بين أصحابنا فوجه القياس في ذلك أنه أوقع عتق رقبة واحدة عن كفارتين على التوزيع والانقسام، فَيَقَعُ عن كُلِّ واحدةٍ منهما عتق نصف رقبة، فلا يجوز عن واحدة منهما؛ لأن المستحقَّ عليه عن كل واحدة منهما اعتاقُ رقبة كاملة ولم يوجد وبهذا، لم يجز عن إحداهما عند اختلاف الجنس. ولنا: أن نية التعيين لم تصادف محلها؛ لأن محلها الأجناس المختلفة؛ إِذ لا تقع الحاجة إِلى التعيين إلا عند اختلاف الجنس، فإذا اتحد الجنس لم تقع الحاجة إليها، فلغت نية التعيين وبقي أصل النية، وهي نية الكفارة، فتقع عن واحدة منهما كما في قضاء صوم رمضان إِذا كان عليه صوم يومين فصام يوماً ينوي قضاء صوم يومين، تلغو نية التعيين وبقيت نية ما عليه؛ كذا هذا؛ بخلاف ما إذا اختلف الجنس؛ لأن باختلاف الجنس تقع الحاجة إلى التعيين، فلا تلغو نية التعيين، بل تعبر ومتى اعتبرت يَقَعُ عن كلِّ جنس نصف رقبة، فلا يجوز عنه؛ كما إِذا كان عليه صوم يوم من قضاء رمضان وصوم يوم من كفارة اليمين، فنوى من الليل أن يصوم غداً عنهما، كانت نية التوزيع معتبرة حتى لا يصير صائماً عن أحدهما؛ لأن الانقسام يمنع من ذلك، والله (تعالى) أعلم. وَلَوْ أطعم ستين مسكيناً كل مسكين صاعاً عن حنطة عن ظهارين، لم يجز إِلا عن أحدهما في قول أبي حنيفة وأبي يوسف (رحمهما الله)، وقال محمد: يجزئه عنهما، وقال زفر: لا یجزئه عنهما. : ٣٧٦ كتاب الكفارات وكذلك لو أطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعاً عن يمينين، فهو على هذا الاختلاف، ولو كانت الكفارتان من جنسين مختلفين، جاز فيهما بالإجماع. وأما وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف (رحمهما الله) فلمَّا ذكرنا أن من أصل أصحابنا الثلاثة أن الكفارتين إذا كانتا من جنس واحدٍ لا يحتاج فيهما إلى نية التعيين، بل تلغونية التعيين ههنا ويبقى أصل النية وهو نية الكفارة، يدفع ستين صاعاً إِلى ستين مسكيناً من غير تعيين أن نصفه عن هذا ونصفه عن ذاك، ولو لم يعين لم يجز إِلاّ عن أحدهما؛ كذا هذا، إِلا أَنَّ محمداً يقولُ أن نية التعيين إِنما تبطل لأنه لا فائدة فيها، وههنا في التعيين فائدة، وهي جواز ذلك عن الكفارتين، فوجب اعتبارها، وَيَقُولُ إِطعام ستين مسكيناً يكون عن كفارة واحدة، والكفارة الواحدة منهما مجهول، ولهذا قال إذا أعتق رقبة واحدة عنهما لا يجوز عن واحدة منهما؛ بخلاف ما إذا كانت الكفارتان من جنسين؛ لأنه قد صح من أصل أصحابنا جميعاً أن نية التعيين عند اختلاف الجنس معتبرة، وإذا صح التعيين والمؤدي يصلح عنهما جميعاً وقع المؤدي عنهما، فجاز عنهما جميعاً، والله تعالى أعلم. وأما شرط جواز النية فَهُوَ أَن تكون النية مقارنة لفعل التكفير، فإِن لم تقارن الفعل رأساً أو لم تقارن فعل التكفير بأن تأخرت عنه، لم يجز؛ لأن اشتراط النية لتعيين المحتمل وإيقاعه على بعض الوجوه، ولن يتحقق ذلك إِلاَّ إذا كانت مقارنة للفعل؛ ولأن النية هي الإرادة مقارنة للفعل كالقدرة الحقيقية؛ لأن بها يصير الفعل اختيارياً. وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى أباه أو ابنه ينوي به العتق عن كفارة يمينه أو ظهاره أو إفطاره أو قتله، جزأه عندنا استحساناً، والقياس أن لا يجزيه، وهو قول زفر والشافعي (رحمهما الله). بناءً على أن شراء القريب إِعتاق عندنا، فإِذا اشتراه ناوياً عن الكفارة فقد قارنت النية الإعتاق فجاز. وعندهما العتق يثبت بالقرابة والشراء شرط، فلم تكن النية مقارنة لفعل الإِعتاق فلا يجوز . وجه القياس أن الشراء ليس بإعتاق حقيقةً ولا مجازاً، أما الحقيقة فلا شك في انتفائها؛ لأن واضع اللغة ما وضع الشراء للإِعتاق. وأما المجاز فلأن المجاز يستدعي المشابهة في المعنى اللازم المشهور في محل الحقيقة ولا مشابهة ههنا، لأن الشراءَ تملكٌ والإِعتاقَ إِزالةُ الملك، وبينهما مضادة. ولنا ما روى أبو داود في سننه بإسناد عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن رسول الله وَالد ٣٧٧ كتاب الكفارات أنه قال: ((لَنْ يَجْزِي وَلَدٌ وَالِداً إِلاَّ أَنْ يَجِدْهُ مَمْلُوكاً فَيْشَتَرِيهُ فَيَعْتِقَهُ)) (١) سماه معتقاً عَقِيب الشراء، ولا فعل منه بعد الشراء، فعلم أن الشراء وقع إعتاقاً منه، عقلنا وجه ذلك أو لم نعقل، فإِذا نوى عند الشراء الكفارة فقد اقترنت النية بفعل الإِعتاق فجاز، وقولهما الشراء ليس بإِعتاق حقيقة ممنوعٌ، بل هو إِعتاقٌ لكن حقيقة شرعية لا وضعية، والحقائق أنواع: وضعيةٌ، وشرعية، وعرفية؛ على ما عرف في أصول الفقه. وكذلك إذا وهب له أو أوصى له به فقبله، لأنه يعتق بالقبول فقارنت النية فعل الإِعتاق، وَإِن ورثه ناوياً عن الكفارة لم يجز، لأن العتق ثبت من غير صنعه رأساً، فلم يوجد قران النية الفعل فلا يجوز. وعلى هذا يخرج ما إذا قال لعبدِ الغير: إِنِ اشتريتك فأنت حر، فاشتراه ناوياً عن الكفارة لم يجز، لأن العتق عند الشراء يثبت بالكلام السابق، ولم تقارنه النية حتى لو قال إِن اشتريت فلاناً فهو حر، عن كفارة يميني أو ظهاري أو غير ذلك؛ يجزيه لقرانِ النية كلام الإِعتاق. ولو قال: إِن اشتريتُ فلاناً فهو حر عن ظهاري، ثم قال بعد ذلك ما اشتريته فهو حر عن كفارة قتلي، ثم اشتراه فهو حُرِّ عن الظهار؛ لأنه لما قال إِن اشتريته فهو حر عن كفارة قتلي، فقد أراد فسخ الأول، واليمين لا تحتمل الفسخ. وكذلك لو قال: إِن اشتريته فهو حر تطوعاً، ثم قال: إِن اشتريته فهو حُرٌّ عن ظهاري، ثم اشتراه كان تطوعاً؛ لأنه بالأول علق عتقه تطوعاً بالشراء، ثم أراد بالثاني فسخ الأول، واليمين لا يلحقها الفسخ، والله (عزَّ شأنه) أعلم. وأما الذي يخص البعض دون البعض، فأما كفارة اليمين فيبدأ بالإِطعام ثم بالكسوة ثم بالتحرير؛ لأن الله (تعالى عزَّ شأنه) بدأ بالإِطعام في كتابه الكريم، وقد قال النبيُّ (عليه الصلاة والسلام): ((ابْدَؤَوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ))(٢) فنقول لجواز الإطعام شرائط: بعضُها يرجع إلى صفةٍ الإطعام، وبعضُها يرجع إلى مقدار ما يُطْعَمُ، وبعضُها يرجع إلى محلُ المصروف إليه الطعام. أما الذي يرجعُ إلى صفة الإِطعام: فقد قال أصحابنا أنه يجوز فيه التمليك وهو طعامُ الإباحة، وهو مروي عن سيدنا علي (كرم الله وجهه) وجماعة من التابعين، مثل: محمد بن كعب، والقاسم، وسالم، والشعبي، وإبراهيم، وقتادة، ومالك، والثوري، والأوزاعي (رضي الله عنهم). (١) تقدم تخريجه في كتاب العتق. (٢) تقدم تخريجه في كتاب الحج. ٣٧٨ كتاب الكفارات وقال الحكم وسعيد بن جبير: لا يجوز إِلاَّ التمليك، وبه أخذ الشافعي (رحمه الله)، فالحاصلُ أن التمليك ليس بشرط الجواز الإطعام عندنا، بل الشرط هو التمكين، وإِنما يجوز التمليك من حيث هو تمكين لا من حيث هو تمليك. وعند الشافعي (رحمه الله) التمليك شرط الجواز لا يجوز بدونه. وجه قوله: أنَّ التكفير مفروض فلا بد وأن يكون معلوم القدر ليتمكن المكلف من الإتيان به؛ لئلاً يكون تكليف ما لا يحتمله الوسع، وطعامُ الإِباحة ليس له قدرٌ معلوم؛ وكذا يختلف باختلاف حال المسكين من الصغر والكبر والجوع والشبع؛ بحقه أن المفروض هو المقدر؛ إذ الفرض هو التقدير، يقال فرض القاضي النفقه، أي: قدر، قال الله (سبحانه وتعالى): ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي: قدرتم، فطعام الإباحة ليس بمقدر؛ ولأن المباح له يأكل على ملك المبيح فيهلك المأكول على ملكه ولا كفارة بما يهلك في ملك الكفر، وبهذا شرط التمليك في الزكاة والعشر وصدقة الفطر. ولنا أَنَّ النصَّ وَرَدَ بلفظ الإِطعام، قال الله (عزَّ شأنه): ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشْرَةٍ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] والإطعام في متعارف اللغة اسم للتمكين من المطعم لا التمليك، قال الله (عزّ شأنه): ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ [الإنسان: ٨] والمراد بالإِطعام الإِباحةُ لا التمليك. وقال النبيُّ (عليه الصلاة والسلام): ((أَفْشُوا السَّلاَمَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ) (١) والمراد منه (١) ورد ذلك من حديث عبد الله بن سلام، وعبد الله بن عمرو بن العاص. وعلي بن أبي طالب، وابن عباس. فأما حديث ابن سلام فرواه الترمذي (٥٦٢/٤ - ٥٦٣) في صفة القيامة، باب (٤٢)، (٢٤٨٥)، وابن ماجه (٤٢٣/١) في إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام الليل (١٣٣٤) و(١٠٨٢/٢) في الأطعمة، باب إطعام الطعام (٣٢٥١)، وأحمد (٤٥١/٥)، والدارمي (٣٤٠/١)، والحاكم (١٣/٣) و(١٦٠/٤) وابن سعد في الطبقات (٢٣٥/٤)، والبغوي في شرح السنة (٤٦٤/٢) (٩٢١)، وابن السني (٢١١) من طريق زرارة بن أوفى عنه قال: لما قدم رسول الله وَّر المدينة اقبل الناس إليه وقيل قدم رسول الله مَّر، وقدم رسول الله وَّر. قدم رسول الله وَّل فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استثبت وجه رسول الله وَ ل عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: ((أيها الناس، افشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام)) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فرواه البخاري في الأدب المفرد (٩٨١) والترمذي (٢٥٣/٣) في الأطعمة، باب ما جاء في فضل إطعام الطعام (١٨٥٥) وابن ماجه (١٢١٨/٢) في الأدب، باب إفشاء السلام (٣٦٩٤)، وأحمد (٢/ ١٧٠) وابن أبي شيبة (٦٢٤/٨) برقم (٥٧٩٠) والدارمي (١٠٩/٢)، وأبو = ٣٧٩ كتاب الكفارات الإطعام على وجه الإِباحة وهو الأمر المتعارف بين الناس، يقال: فلانٌ يطعم الطعام، أي: يدعو الناس إِلى طعامه . والدليل عليه قوله (سبحانه وتعالى): ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وإِنما يطعمون على سبيل الإِباحة دون التمليك، بل لا يخطر ببال أحد في ذلك التمليك، فدلَّ أن الإطعام هو التمكين من التطعم إلا أنه إذا ملك جاز؛ لأن تحت التمليك تمكيناً؛ لأنه إذا ملكه فقد مكنه من التطعم والأكل، فيجوز من حيث هو تمكين وكذا إشارة النص دليل على ما قلنا؛ لأنه قال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِين﴾ والمسكنة هي الحاجة، واختصاص المسكين للحاجة إِلى أكل الطعام دون تملكه تعم المسكين وغيره، فكل في إضافة الإطعام إلى المساكين إِشارة إلى أن الإطعام هو الفعل الذي يصير المسكين به متمكناً من التطعم لا التملك؛ بخلاف الزكاة وصدقة الفطر والعشر أنه لا يجوز فيه طعام الإِباحة؛ لأن الشرع هناك لم يرد بلفظ الإِطعام، وإِنما ورد بلفظ الإِيتاء والأداء، قال الله (تعالى) في الزكاة: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقال (تعالى) في العشر: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وقال النبي ◌َّه في صدقة الفطر: ((أَدُوا عَنْ كُلِّ حُرِّ وَعَبْدٍ))(١) الحديث والإِيتاء والأداء يشعران بالتمليك على أن المراد من الإطعام المذكور في النص إِن كان هو التمليك كان النص معلولاً بدفع حاجة المسكين، وهذا يقتضي جواز التمكين على طريق الإِباحة، بل أولى من وجهين : أحدهما: أنه أقربُ إِلى دفع الجوع وسدّ المسكنة من التمليك، لأنه لا يحصل معنى الدفع والسد بتمليك الحنطة إِلاَّ بعد طول المدة وإِلاَّ بعد تحمل مؤن، فكان الإطعام على طريق الإباحة أقرب إلى حصول المقصود من التمليك، فكان أحق بالجواز. نعيم في الحلية (١٣٦٠)، وابن حبان (١٣٦٠ - موارد) من طريق عطاء بن السائب عن أبيه عنه مرفوعاً = ((اعبدوا الرحمن، وأفشوا السلام، وأطعموا الطعام، تدخلوا الجنان)). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأما حديث عليّ فرواه الترمذي (٣١١/٤) في البر، باب ما جاء في قول المعروف (١٩٨٣) و(٥٨١/٤) في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة غرف الجنة (٢٥٢٧)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ١٥٦)، وأبو نعيم (٤٢٨) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عنه مرفوعاً: إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها. فقام إليه إعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى الله بالليل والناس نيام)). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن إسحاق، هذا من قبل حفظه، وهو كوفي، وعبد الرحمن بن إسحاق القرشي كوفي وهو أثبت من هذا. وأما حديث ابن عباس فرواه الخطيب في التاريخ (١٧٨/٤) بمثل حديث علي. (١) تقدم في زكاة الفطر. ٣٨٠ كتاب الكفارات والثاني: أن الكفارة جعلت مكفرة للسيئة بما أعطى نفسه من الشهوة التي لم يؤذن فيها، حيث لم يف بالعهد الذي عهد مع الله (تعالى عزَّ شأنه) فَخَرَجَ فعلُه مَخْرَجَ ناقضِ العهد ومخلف الوعد، فجعلت كفارته بما تنفر عنه الطباع وتتألم ويثقل عليها؛ ليذوق ألم إِخراج ماله المحبوب عن ملكه، فيكفر ما أعطى نفسه من الشهوة؛ لأنه من وجه أذن له فيها، ومعنى تألم الطبع فيما قلنا أكثر لأن دعاء المساكين وجمعهم على الطعام خدمتهم والقيام بين أيديهم أشدُ على الطبع من التصدق عليهم؛ لما جبل طبع الأغنياء على النفرة من الفقراء، ومن الاختلاط معهم والتواضع لهم، فكان هذا أقرب إلى تحقيق معنى التكفير، فكان تجويز التمليك تكفيراً تجويزاً لطعام الإِباحة، تكفيراً من طريق الأولى. وأما قوله إِن الكفارة مفروضة فلا بد وأن تكون معلومة القدر، فنقول: هي مقدرة بالكفارة؛ لأن الله (عزَّ شأنه) فرض هذا الإطعام وعرف المفروض بإطعام الأَهل بقوله (عزَّ شأنه): ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فلا بد وأن يكون الأهل معلوماً، والمعلوم من طعام الأَهل هو طعام الإِباحة دون التمليك، فدل على أن طعام الإِباحة معلومُ القدر، وقدره الكفارة بطعام الأَهل، فجاز أن يكون مفروضاً كطعام الأهل، فيمكنه الخروج عن عهدة الفرض. وأما قوله: إِن الطعام يهلك على ملك المكفر، فلا يقع عن التكفير، فممنوع، بل كما صار مأكولاً فقد زال ملكه عنه إِلاَّ أنه يزول لا إلى أحد، وهذا يكفي لصيرورته كفارة کالإعتاق. وأما الذي يرجع إلى مقدار ما يطعم، فالمقدار في التمليك هو نصف صاع من حنطة، أو صاع من شعير، أو صاع من تمر؛ كذا روي عن سيدنا عمر، وسيدنا علي، وسيدتنا عائشة (رضي الله تعالى عنهم). وذكر في الأصل بلغنا عن سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه قال: ليرفأ مولاه إِني أحلف على قَوْم لا أعطيهم، ثم يبدو لي فأعطيهم، فإذا أنا فعلتُ ذلك فأطعم عشرة مساكين، كل مسكين نصف صاع من حنطة، أو صاعاً من تمر. وبلغنا عن سيدنا علي (رضي الله عنه) أنه قال: في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين نصف صاع من حنطة، وبه قال جماعةً من التابعين: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وإِبراهيم، ومجاهد، والحسن، وهو قول أصحابنا (رضي الله عنهم). وروي عن ابن عباس (رضي الله عنهما) وابن سيدنا عمر، وزيد بن ثابت (رضي الله