النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب التضحية
تعينت الشاة لوجوب التضحية بها؛ بدليل أنه لا تقوم التضحية بغيرها مقامها، وإذا تعينت
لوجوب التضحية بها بتعيينه لا يجوز له الرجوع في جزء منها، وفي الثاني لم تتعين / ٢٩٧/١ ب
للوجوب، بل الواجب في ذمته، وإِنما يسقط بها ما في ذمته بدليل أن غيرها يقوم مقامها،
فكانت جائزة الذبح لا واجبة الذبح.
والجواب على نحو ما ذكرنا فيما تقدم؛ أن المشتراة للأضحية متعينة للقربة إِلى أن يقام
غيرها مقامها، فلا يحل الانتفاع بها ما دامت متعينة، ولهذا لا يحل له لحمها إذا ذبحها قبل
وقتها .
فإن كان في ضرعها لبنّ وهو يخاف عليها إِن لم يحلبها، نضح ضرعها بالماء البارد حتى
يتقلص اللبن، لأنه لا سبيل إلى الحلب، ولا وجه لابقائها كذلك؛ لأنه يخاف عليها الهلاك،
فيتضرر به، فتعين نضح الضرع بالماء البارد لينقطع اللبن، فيندفع الضرر، فإِن حلب تصدق
باللبن، لأنه جزء من شاة متعينة للقربة ما أقيمت فيها القربة، فكان الواجب هو التصدق به،
كما لو ذبحت قبل الوقت [وإِن شربه](١) فعليه أن يتصدق بمثله؛ لأنه من ذوات الأمثال، وإِن
تصدق بقيمته جاز؛ لأن القيمة تقوم مقام العين .
وكذلك الجواب في الصوف والشعر والوبر، ويكره له بيعها لما قلنا، ولو باع جاز في
قول أبي حنيفة ومحمد (عليهما الرحمة)؛ لأنه بيع مال مملوك منتفع به مقدور التسليم وغير
ذلك من الشرائط فيجوز.
وعند أبي يوسف (رحمه الله) لا يجوز؛ لما روي عنه أنه بمنزلة الوقف ولا يجوز بيع
الوقت، ثم إذا جاز بيعها على أصلهما فعليه مكانها مثلها أو أرفع منها فيضحي بها، فإن فعل
ذلك فليس عليه شيء آخر.
وإِن اشترى دونها فعليه أن يتصدق بفضل ما بين القيمتين، ولا ينظر إلى الثمن، وإِنما
ينظر إلى القيمة، حتى لو باع الأولى بأقل من قيمتها واشترى الثانية بأكثر من قيمتها، وثمن
الثانية أكثر من ثمن الأولى، يجب عليه أن يتصدق بفضل قيمة الأولى، فإن ولدت الأضحية
ولداً يذبح ولدها مع الأم، كذا ذكر في الأصل، وقال أيضاً وإِن باعه يتصدق بثمنه؛ لأن الأم
تعينت للأضحية، والولدُ يحدث على وصف الأم في الصفات الشرعية، فيسري إلى الولد
كالرق والحرية .
ومن المشايخ من، قال: هذا في الأضحية الموجبة بالنذر [أو ما هو في معنى النذر] (٢)؛
(١) سقط من ط .
(٢) سقط من ط .
بدائع الصنائع ج٦ - م٢١

٣٢٢
كتاب التضحية
كالفقير إذا اشترى شاة للأضحية، فأما الموسر إذا اشترى شاة للأضحية فولدت لا يتبعها
ولدها؛ لأَّن في الأول تعين الوجوب فيسري إِلى الولد، وفي الثاني لم يتعين لأنه لا تجوز
التضحية بغيرها؛ فكذا ولدها.
وذكر القدوري (رحمه الله) وقال: كان أصحابنا يقولُون: يجب ذبح الولد، ولو
تصدق به جاز؛ لأن الحق لم يسر إليه، ولكنه متعلق به، فكان كجلالها وخطامها فإن
ذبحه تصدق بقيمته، وَإِن باعه تصدق بثمنه ولا يبيعه ولا يأكله، وقال بعضهم لا ينبغي له
أن يذبحه، وقال بعضُهم أنه بالخيار إن شاء ذبحه أيام النحر وأكل منه كالأَمِّ، وَإِنْ شاء
تصدق به، فإن أمسك الولد حتى مضت أيام النحر تصدق به؛ لأنه فات ذبحه، فصار
كالشاة المنذورة.
وذكر في المنتقى إِذا وضعت الأضحية فذبح الولد يوم النحر قبل الأُم، أجزأه، فَإِنْ
تَصَدَّقَ به يوم الأضحى قبل أن يعلم، فعليه أن يتصدق بقيمته.
قال القدوري (رحمه الله): وهذا على أصل محمد (عليه الرحمة) أن الصغار تدخل في
الهدايا ويجب ذبحها، ولو ولدت الأضحية تعلق بولدها من الحكم ما يتعلق بها، فصار كما لو
فات بمضي الأيام، ويكره له ركوبُ الأضحية واستعمالها والحمل عليها، فإن فعل فلا شيءَ
عليه، إِلا أن يكون نقصها ذلك، فعليه أن يتصدق بنقصانها.
ولو آجرها صاحبها ليحمل عليها، قال بعضُ المشايخ: يَنْبَغِي أن يغرم ما نقصها الحملُ،
فإنه ذكر في المنتقى في رجل أهدى ناقةً، ثم آجرها، ثم حمل عليها، فإن صاحبها يغرم ما
نقصها ذلك، ويتصدق بالکراء؛ کذا ههنا .
وأما الذي هو في حال التضحية، فبعضُها يرجع إلى نفس التضحية، وبعضها يرجع إلى
من عليه التضحية، وبعضها يرجع إلى الأضحية، وبعضها يرجع إلى وقت التضحية، وبعضُها
يرجع إلى آلة التضحية .
أما الذي يرجع إلى نفس التضحية فما ذكرنا في ((كتاب الذبائح)) وهو أن المستحب هو
الذبح في الشاة والبقر والنحر في الإبل، ويكره القلب من ذلك وقطع العروق الأربعة كلها،
والتذفيف في ذلك وأن يكون الذبح من الحلقوم لا من القفا.
وأما الذي يرجع إلى من عليه التضحية، فالأفضل أن يذبح بنفسه إِن قدر عليه؛ لأنه
قربة، فمباشرتها بنفسه أفضل من توليتها غيره؛ كسائر القربات.
والدليل عليه ما روي أن رسول الله وال ساق مائة بدنة فنحر منها نيّفاً وستين بيده الشريفة

٣٢٣
كتاب التضحية
(عليه الصلاة والسلام) ثم أعطى المدية(١) سيدنا عليًّا (رضي الله عنه) فنحر الباقين(٢)، وهذا
إذا كان الرجل يحسن الذبح ويقدر عليه، فأما إذا لم يحسن فتوليته غيره فيه أولى.
وقد روي عن أبي حنيفة (رضي الله عنه) أنه قال: نحرتُ بدنة قائمةٌ معقولةً فلم أشق
عليها، فكدت أهلك ناساً؛ لأنها نفرت فاعتقدت / أن لا أنحرها إِلاَّ باركة معقولة، وأولي من ٢٩٨/١ أ
هو أقدر على ذلك مني.
وفي حديث أنس (رضي الله عنه) أَنَّ النبي (عليه الصلاة والسلام) ضحى بكبشين أملحين
أقرنين، قال أنس: فرأيتُ النبيَّ (عليه الصلاة والسلام) واضعاً قدمه على صفاحهما، أي: على
جوانب عنقهما. وهو يذبحهما بيده (عليه الصلاة والسلام) مستقبل القبلة فذبح الأول، فقال:
(بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبِرُ اللَّهُمَّ هُذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ آلِ مُحَمَّدٍ))، ثم ذبح الآخر، وقال (عليه
الصلاة والسلام): ((اللَّهُمَّ هُذَا عَمَّنْ شَهِدَ لَكَ بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لِي بِالْبَلاَغِ»(٣).
(١) في أ: الحربة.
(٢) أخرجه البخاري (٥٥٧/٣) كتاب الحج: باب يتصدق بجلال البدن حديث (١٧١٨) ومسلم (٢/ ٩٥٤)
كتاب الحج: باب في الصدقة بلحوم الهدي حديث (٣٤٨/ ١٣٦٧) وأبو داود (١٧٦٩) وابن ماجه
(٣٠٩٩) والدارمي (٣٩٩/١) وابن الجارود في ((المنتقى)) (٤٨٢) وابن خزيمة (٢٩٥/٤) والبيهقي (٩/
٢٩٤).
(٣) أخرجه أحمد (١١٥/٣) والبخاري (١٨/١٠) كتاب الأضاحي، باب من ذبح الأضاحي بيده حديث
(٥٥٥٨) ومسلم (١٥٥٦/٣ - ١٥٥٧) كتاب الأضاحي، باب استحباب الضحية وذبحها مباشرة حديث
(١٧، ١٩٦٦/١٨) وأبو داود (٢٣٠/٣) كتاب الضحايا باب ما يستحب من الضحايا، حديث (٢٧٩٤)
والترمذي (٨٤/٤) كتاب الأضاحي، باب ما جاء في الأضحية بكبشين حديث (١٤٩٤) والنسائي (٧)
٢٢٠) كتاب الضحايا، باب الكبش. وابن ماجه (١٠٤٣/٢) كتاب الأضاحي، باب أضاحي
رسول الله وَّر حديث (٣١٢٠). والدارمي (٢/ ٧٥) كتاب الأضاحي، باب السنة في الأضحية والطيالسي
(٢٢٩/١ - منحة) رقم (١١٠٦) وابن الجارود رقم (٩٠٢) وأبو يعلى (٢٥٨/٥) رقم (٢٨٧٧)
وعبد الرزاق (٣٧٩/٤) رقم (٨١٢٩) وابن خزيمة (٢٨٦/٤) رقم (٢٨٩٥) والبغوي في ((شرح السنة))
(٦١٧/٢ - بتحقيقنا) من طرق عن قتادة عن أنس أن النبي وَلّ ضحى بكبشين أملحين أقرنين فرأيته واضعاً
قدميه على صفاحهما يسمي ويكبر فذبحهما بيده ..... وقال الترمذي: حسن صحيح.
وأخرجه البخاري (١٢/١٠) كتاب الأضاحي، باب أضحية النبي ◌َّلتر بكبشين أقرنين حديث (٥٥٥٤)
وأحمد (٢٦٨/٣) وأبو داود (١٠٤/٢) كتاب الضحايا، باب ما يستحب من الضحايا حديث (٢٧٩٣)
والنسائي (٢٢٠/٧) كتاب الضحايا، باب الكبش والبيهقي (٢٧٢/٩ - ٢٧٣) كتاب الضحايا، باب ما
يستحب أن يضحى به من الغنم وأبو يعلى (١٨٨/٥) رقم (٢٨٠٦) من طرق عن أيوب عن أبي قلابة عن
أنس به.
وأخرجه البخاري (١١/١٠ - ١٢) كتاب الأضاحي، باب أضحية النبي وَله بكبشين أقرنين حديث
(٥٥٥٣) وأحمد (٢٨١/٣) والنسائي (٢١٩/٧) كتاب الضحايا: باب الكبش والدار قطني (٢٨٥/٤) رقم =

٣٢٤
كتاب التضحية
(٥٢) من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس به.
=
وأخرجه أحمد (١٧٨/٣) والنسائي (٢١٩/٧ - ٢٢٠) من طريق ثابت البناني عن أنس به.
وفي الباب عن عائشة وجابر وأبي طلحة وأبي سعيد الخدري.
- حديث عائشة :
أخرجه أحمد (٧٨/٦) ومسلم (١٥٥٧/٣) كتاب الأضاحي: باب استحباب الضحية وذبحها مباشرة
حديث (١٩/ ١٩٦٧) وأبو داود (١٠٣/٢ - ١٠٤) كتاب الضحايا: باب ما يستحب من الضحايا والبيهقي
(٢٧٢/٩) كتاب الضحايا: باب ما يستحب أن يضحى به من الغنم من طريق عروة بن الزبير عنها.
حديث جابر:
أخرجه أبو داود (١٠٨/٢) كتاب الضحايا: باب في الشاه يضحى بها عن جماعة حديث (٢٨١٠)
والترمذي (٨٥/٤) كتاب الأضاحي: باب (٢٢) رقم (١٥٢١) والدار قطني (٢٨٥/٤) والحاكم (٢٢٩/٤)
والبيهقي (٢٤٦/٩) كتاب الضحايا: باب الأضحية سنة من طريق يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو بن
أبي عمرو عن المطلب عن جابر به.
وقال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه ..... والمطلب بن حنطب يقال إنه لم يسمع من جابر.
أما الحاكم فقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
۔ حديث آخر:
أخرجه أبو يعلى (٣٢٧/٣) رقم (١٧٩٢) والبيهقي (٢٦٨/٩) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن
عبد الرحمن بن جابر عن جابر بن عبد الله قال: إن رسول الله وَلّ أتى بكبشين أقرنين أملحين عظيمين
موجوعين فأضجع أحدهما وقال: بسم الله والله أكبر اللهم عن محمد وآل محمد ثم أضجع الآخر فقال:
بسم الله والله أكبر عن محمد وأمته من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ». وذكره الهيثمي في
((المجمع)) (٤/ ٢٥) وقال: رواه أبو يعلى وإسناده حسن.
وأخرجه أحمد (٣٩١/٦ - ٣٩٢) من طريق عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن علي بن
الحسين عن أبي رافع به وأخرجه ابن ماجه (١٠٤٣/٢ - ١٠٤٤) كتاب الأضاحي: باب أضاحي
رسول الله رَر (٣١٢٢) وأحمد (٢٢٠/٦) والحاكم (٢٢٧/٤ - ٢٢٨) من طريق سفيان الثوري عن
عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي سلمة عن عائشة أو عن أبي هريرة به.
قال البوصيري في ((الزوائد» (٤٩/٣): هذا إسناد حسن عبد الله بن محمد مختلف فيه.
- حديث آخر عن جابر:
أخرجه أبو داود (٩٥/٣) كتاب الضحايا: باب ما يستحب من الضحايا حديث (٢٧٩٥) وابن ماجه (٢/
١٠٤٣) كتاب الأضاحي: باب أضاحي رسول الله وَ ◌ّ رقم (٣١٢١) والدارمي (٧٥/٢) كتاب الأضاحي،
باب السنة في الأضحية من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عياش الزرقي عن جابر
قال: ضحى رسول الله وَ﴾ يوم عيد بكبشين .....
- حديث أبي طلحة:
أخرجه أبو يعلى (١١/٣ - ١٢) رقم (١٤١٧) من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبي طلحة
أن النبي ◌َّليّ ضحى بكبشين أملحين فقال: عند الذبح الأول عن محمد وآل محمد وقال عند الذبح الثاني =

٣٢٥
كتاب التضحية
ويستحب أن يكون الذابح حال الذبح متوجهاً إلى القبلة لما رويا، وإذا لم يذبح بنفسه
يستحب له أن يأمر مسلماً، فإن أمر كتابيًّا يكره لما قلنا (١)، ويستحب أن يحضر الذبح لما روي
عن سيدنا علي (رضي الله عنه) أنَّ النبي (عليه السلام) قال لسيدتنا فاطمة (رضي الله عنها):
(يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، قُومِي فَاشْهَدِي ضَحِيَّتِكِ(٢)؛ فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأَوَّلٍ قَطْرَةٍ تُقْطُرُ مِنْ دَمِهَا،
مَغْفِرَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ، أَمَا إِنَّهُ يُجَاءُ بِدَمِهَا وَلَحْمِهَا فَيُوضَعُ فِي مِيزَانِكِ وَسَبْعُونَ ضِعْفاً»، فقال أبو
سعيد الخدري (رضي الله عنه): يا نبي الله، هذا لآلٍ محمد خَاصَّةً فإنهم أهل لما خصوا به
من الخير، أم لآل محمد [خاصة](٣) وللمسلمين عامَّةً؟ فقال: ((هُذَا لآلِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً
وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً))(٤)
.
وفي حديث عمران بن الحُصَين (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله وَّ: (يَا فَاطِمَةُ،
عمن آمن بي وصدق من أمتي. وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢٥/٤) وقال: رواه أبو يعلى
=
والطبراني في الكبير والأوسط من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن جده ولم يدركه وبقية
رجاله رجال الصحيح.
- حديث أبي سعيد الخدري:
أخرجه أبو داود (٩٥/٣) كتاب الضحايا: باب ما يستحب من الضحايا (٢٧٩٦) والترمذي (٤ /٧٢) كتاب
الأضاحي: باب ما يستحب من الأضاحي (١٤٩٦) والنسائي (٢٢١/٧) كتاب الضحايا: باب الكبش وابن
ماجه (١٠٤٦/٢) كتاب الأضاحي: باب ما يستحب من الأضاحي (٣١٢٨) عنه قال: ضحى
رسول الله ◌َلاير بكبش أقرن فحيل .....
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(١) في أ: بينا.
(٢) في أ: أضحيتك.
(٣) سقط من ط .
(٤) أخرجه الحاكم (٢٢٢/٤) كتاب الأضاحي، والبزار (٥٩/٢ - كشف) رقم (١٢٠٢) من طريق عمرو بن
قيس عن عطية العوفي عن أبي سعيد مرفوعاً.
وقال البزار: لا نعلم له طريقاً عن أبي سعيد أحسن من هذا وعمرو بن قيس كان من عباد أهل الكوفة
وأفاضلهم ممن یجمع أحاديثه وكلامه.
وسكت عنه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: عطية واه. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٤/ ٢٠) وقال: رواه
البزار وفيه عطية بن قيس وفيه كلام كثير وقد وثق.
وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٣٨/٢ - ٣٩): فسمعت أبي يقول هذا حديث منكر.
وللحديث شاهد من حديث عمران بن حصين.
أخرجه الحاكم (٢٢٢/٤) من طريق أبي حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن عمران بن حصين مرفوعاً.
وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وتعقبه الذهبي فقال: بل أبو حمزة ضعيف جداً وإسماعيل ليس بذاك.

٣٢٦
كتاب التضحية
قُومِي فَاشْهَدِي أُضْحِيَتَكِ، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمْلَتِيهِ، وَقُولِي: إِنَّ
صَلاَئِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ))(١) وان يدعو فيقول: اللهم
[هذا] (٢) منك، ولك [إن](٣) صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له،
وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، لما روينا، وأن يقول ذلك قبل التسمية أو بعدها، لما روي
عن جابر (رضي الله عنه) قال: ضخَّى رسولُ اللهِ وَلَهُ بكبشين فقال حين وجههما: ((وَجَّهْتُ
وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً مُسْلِماً، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ،
بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرْ)) (٤).
وروي عن الحسن بن المعتمر(٥) الكناني قال: خرجتُ مع سيدنا علي بن أبي طالب
(رضي الله عنه) يوم ((الأضحى)) إِلى عيد، فلما صلى قال: يا قنبر أذِن مني أحد الكبشين،
فأخذ بيده فأضجعه، ثم قال: وجهتُ وجهي للذي فطرَ السموات والأرض حنيفاً، وما أنا من
المشركين، إِن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رَبِّ العالمين، لا شريك له وبذلك أمرتُ
وأنا من المسلمين، بسم اللَّهِ اللَّهُمَّ منك وَلَكَ، بسم الله، والله أكبرُ، اللَّهُمَّ تقبل من عليٍّ،
فذبحه، ثم دعا بالثاني ففعل به مثل ذلك.
ويستحب أن يجرد التسمية عن(٦) الدعاء، فلا يخلط معها دعاء، وإِنما يدعو قبل التسمية
أو بعدها، ويكره حالة التسمية.
وأما الذي يرجع إلى الأضحية: فالمستحب أن يكون أسمنها وأحسنها وأعظمها؛ لأنها
مطية الآخرة، قال (عليه الصلاة والسلام): ((عَظّمُوا ضَحَايَاكُمْ فَإِنَّهَا عَلَى الصَّرَاطِ مَطَايَاكُمْ))(٧)
ومهما كانت المطية أعظم وأسمن كانت على الجواز على الصراط أقْدَرُ.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) سقط من ط .
(٣) سقط من ط.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) في ط: المعتم.
(٦) في أ: عند.
(٧) ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١) وقال: لم أره، وسبقه إليه في الوسيط، وسبقهما في
النهاية، وقال معناه: إنها تكون مراكب المضحين، وقيل: إنها تسهل الجواز على الصراط، قال ابن
الصلاح: هذا الحديث غير معروف ولا ثابت فيما علمناه، انتهى. وقد أشار ابن العربي إليه في شرح
الترمذي بقوله: ليس في فضل الأضحية حديث صحيح.
ومنها قوله: ((إنها مطاياكم إلى الجنة)). قلت: أخرجه صاحب مسند الفردوس من طريق ابن المبارك، عن
يحيى بن عبيد الله بن موهب، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه: ((استفرهوا ضحاياكم، فإنها مطاياكم على
الصراط)). ويحيى ضعيف جداً.

٣٢٧
كتاب التضحية
وأفضل الشاء أن يكون كبشاً أملح أقرن موجواً؛ لما روى جابر (رضي الله عنه) أن
رسولَ اللهِ وَ له ضحى بكبشين أملحين أقرنين موجوأين عظيمين سمينين(١)، والأقرن: العظيم
القرن، والأملح الأبيض، وروي (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((دَمُ الْعَفْرَاءِ يَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ
مِثْلَ دَمِ السودَاوِينَ، وَإِنْ أَحْسَنَ اللَّوْنِ (٢) عِنْدَ اللَّهِ البَيَاضُ [وَإِن](٣) وَاللَّهَ خَلَقَ الجَنَّةَ بَيْضَاءَ))(٤)،
والموَجوء قيل هو: مدقوق الخصيتين، وقيل هو الخصي؛ كذا روي عن أبي حنيفة
(رحمه الله)؛ فإنه روي عنه أنه سئل عن التضحية بالخصي، فقال: ما زاد في لحمه أنفع مما
ذهب من خصیتیه .
وأما الذي يرجع إلى وقت التضحية: فالمستحب هو اليوم الأول من أيام النحر؛ لما
روينا عن جماعة من الصحابة (رضي الله عنهم) أنهم قالوا: أيام النحر ثلاثة: أولها أفضلُها؛
ولأنه مسارعة إلى الخير، وقد مدح الله (جلَّ شأنه) المسارعين إلى الخيرات السابقين لها؛
بقوله (عزَّ شأنه): ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] وقال (عزَّ
شأنه): ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] أي: إلى سبب المغفرة؛ ولأن الله
(جلَّ شأنه) أضاف عبادة في هذه الأيام بلحوم القرابين، فكانت التضحية في أول الوقت من
باب سرعة الإِجابة إلى ضيافة الله (جلَّ شأنه).
والمستحب أن تكون بالنهار، ويكره أن تكون بالليل؛ لما ذكرنا في ((كتاب الذبائح))
((والصيود)»، وأفضل وقت(٥) التضحية لأهل السواد ما بعد طلوع الشمس؛ لأن عنده يتكامل
آثار أول النهار، والله (عزَّ وجلّ) أعلم.
(١) تقدم تخريجه قريباً.
(٢) في أ: الذي.
(٣) سقط من ط.
(٤) أخرجه أحمد (٤١٧/٢) والحاكم (٢٢٧/٤) والبيهقي (٢٧٣/٩) من طريق أبي ثفال عن رباح بن عبد
الرحمن عند أبي هريرة مرفوعاً وسكت عنه الحاكم والذهبي وأبو ثفال ورباح كلاهما قال فيه الحافظ
مقبول: يعني عند المتابعة وإلا فلينان كما نص على ذلك الحافظ في مقدمة التقريب وذكره الهيثمي في
(«مجمع الزوائد» (٢١/٤) وقال: رواه أحمد وفيه أبو ثفال، قال البخاري فيه نظر ا. هـ.
وللحديث شاهد من حديث كبيرة بنت سفيان بنحوه.
أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٦/٢٥) رقم (٩) وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١٢٢/٧) وللحديث
شاهداً أيضاً من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١١٢٠١) من طريق حمزة النصيبي عن
عمرو بن دينار عنه ابن عباس مرفوعاً.
وحمزة النصيبي. كان يضع الحديث وينظر ((التلخيص)) (٢٥٩/٤).
(٥) في ط: وأفضل من وقت.

٣٢٨
كتاب التضحية
وأما الذي يرجع إلى آلة التضحية فما ذكرنا في ((كتاب الذبائح))، وهو أن تكون آلة الذبح
حادة من الحديد.
/ ٢٩٨ ب
وأما الذي هو بعد الذبح فالمستحب أن / يتربص بعد الذبح قدر ما يبرد ويسكن من
جميع أعضائه. وتزول الحياة عن جميع جسده، ويكره أن ينفع ويسلخ قبل أن يبرد؛ لما ذكرنا
في ((كتاب الذبائح)).
ولصاحب الأضحية أن، يأكل من أضحيته؛ لقوله (تعالى): ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨]
ولأَّنه ضيف الله (جلَّ شأنه) في هذه الأيام كغيره، فله أن يأكل من ضيافةِ الله (عزَّ شأنه)،
وجملة الكلام فيه أن الدماء أنواع ثلاثة: نوعٌ يجوز لصاحبه أنْ يأكل منه بالإِجماع، ونوع لا
يجوزُ له أن يأكل منه بالإِجماع، ونوع اختلف فيه.
فالأول دم الأضحية، نقلاً كان أو واجباً، منذوراً كان أو واجباً مبتدأ.
والثاني: دَمُ الإِحصارِ، وجزاءُ الصيدِ، ودمُ الكفارةِ الواجبة بسبب الجناية على الإِحرام،
كحلق الرأس ولبس المخيط والجماع بعد الوقوف بعرفة وغير ذلك من الجنايات، وَدَمُ النذرِ
بالذبح.
والثالث: دَمُ المتعة والقران، فعندنا يؤكل، وعند الشافعي (رحمه الله) لا يؤكل، وهي
من مسائل المناسك، ثم كل دم يجوز له أن يأكل منه لا يجب عليه أن يتصدق به بعد الذبح،
إذ لو وجب عليه التصدق لما جاز له أن يأكل منه، وَكُلُّ دم لا يجوز له أن يأكل منه يجب عليه
أن يتصدق به بعد الذبح، إذ لو لم يجب لأَدَّى إلى التسييّب، ولو هلك اللحم بعد الذبح لا
ضمان عليه في النوعين جميعاً.
أما في النوع الأول فظاهر، وأما في الثاني فلأنه هلك من (١) غير صنعة، فلا يكون
مضموناً عليه، وإن استهلكه بعد الذبح إِن كان من النوع الثاني يغرم قيمته؛ لأنه أتلف مالاً
متعيناً للتصدق به فيغرم قيمته ويتصدق بها، وإِن كان من النوع الأول لا يغرم شيئاً، ولو باعه
نفذ بيعه، سواء كان من النوع الأول أو الثاني، فعليه أن يتصدق بثمنه.
ويستحب له أن يأكل من أضحيته؛ لقوله (تعالى عزَّ شأنه): ﴿فَكُلُّوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ
الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].
وروي عن النبي (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((إِذَا ضَحَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ مِنْ أُضْحِيَتِهِ
(١) في ط: عن.

٣٢٩
كتاب التضحية
وَيُطْعِمْ مِنْهُ غَيْرَهُ))(١) وروي عن سيدنا علي (رضي الله عنه) أنه قال لغلامه «قنبر)) حین ضحى
بالكبشين: ((يا قنبر))، خُذْ لي مِنْ كُلِّ واحدٍ منهما بضعة وتصدَّق بهما بجلودهما وبرؤوسهما
وبأكارعهما، والأفضل أن يتصدق بالثلث ويتخذ الثلث ضيافة لأقاربه وأصدقائه ويدخر الثلث؛
لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، وقوله (عزَّ شأنه): ﴿فَكُلُوا مِنْهَا
وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].
وقول النبي (عليه الصلاة والسلام): ((كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِي، فَكُلُوا مِنْهَا
وَاذَّخِرُوا))(٢) فثبت بمجموع الكتاب العزيز والسنة أن المستحب ما قلَنا؛ ولأنه يوم ضيافة الله
(١) أخرجه أحمد (٣٩١/٢) وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٨/٤) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال
الصحيح. وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٤١/٢ - ٤٢) سألت أبي عن حديث رواه شاذان الأسود بن
عامر عن حسن بن صالح عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي وَّ قال: إذا ضحى أحدكم
فليأكل من أضحيته قيل لأبي زرعة وقد رواه بعض الناس بهذا عن الحسن بن صالح فقال عن ابن أبي
ليلى عن عطاء أن النبي ◌َّر مرسل قال أبي هذا الصحيح. اهـ.
(٢) أخرجه مالك (٤٨٤/٢) كتاب الضحايا: باب ادخار لحوم الأضاحي حديث (٧) ومن طريقه مسلم (٣/
١٥٦) كتاب الأضاحي: باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام
وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء حديث (١٩٧١/٢٨) وأبو داود (١٠٨/٢ - ١٠٩) كتاب الأضاحي:
باب في حبس لحوم الأضاحي رقم (٢٨١٢) والنسائي (٢٣٥/٧) كتاب الأضاحي: باب الادخار من
الأضاحي (٤٤٣١) وأحمد (٥١/٦) والبيهقي (٢٩٣/٩) عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت
عبد الرحمن عن عائشة قالت: دفَّ أهل أبيات من أهل البادية حضره الأضحى زمان رسول الله وَله
فقال: ((ادخروا ثلاثاً ثم تصدقوا بما بقي)). فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون
الأسقية من ضحاياهم ويحملون منها الوذك. فقال: ((وما ذاك)) قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد
ثلاث. فقال: ((إنما نهيتكم من أجل الدافة، فكلوا وادخروا وتصدقوا)).
وأخرجه الدارمي (٧٩/٢) كتاب الأضاحي: باب في لحوم الأضاحي من طريق محمد بن إسحاق عن
عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة بنحوه. وأخرجه البخاري (٢٦/١٠) كتاب الأضاحي: باب ما
يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها حديث (٥٥٧٠) والبيهقي (٢٩٣/٩) من طريق يحيى بن سعيد
عن عمرة عن عائشة قالت: الضحية كنا نملح منه فنقدم به إلى النبي ◌َّه بالمدينة فقال: لا تأكلوا إلا ثلاثة
أيام وليست بعزيمة ولكن أراد أن نطعم منه.
وأخرجه البخاري في كتاب الأطعمة: باب ما كان السلف يدخرون في بيوتهم (٥٤٢٣) وأحمد (٦/ ١٢٧
- ١٢٨) والنسائي (٧/ ٢٣٥ - ٢٣٦) كتاب الأضاحي: باب الإدخار من الأضاحي (٤٤٣٣) والبيهقي (١٩
٢٩٢) من طريق عبد الرحمن بن عابس عن أبيه قال: قلت لعائشة: أنهى النبي ◌َّر أن تؤكل لحوم
الأضاحي فوق ثلاث قالت: ما فعله إلا في عام جاع الناس فيه فأراد أن يطعم الغني الفقير وإن كنا لنرفع
الكُراع فنأكله بعد خمسة عشرة قيل: ما اضطركم إليه: فضحكت قالت: ما شبع آل محمد نَ ◌ّر من خبز بر
مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله .
وأخرجه الترمذي (٧٩/٤) كتاب الأضاحي: باب في الرخصة في أكلها بعد ثلاث (١٥١١) عن عابس بن =

٣٣٠
كتاب التضحية
ربيعة قال: لت لأم المؤمنين: أكان رسول الله وَ﴿ ينهى عن لحوم الأضاحي؟ قالت: لا ولكن قلَّ من
=
كان يضحي من الناس فأحب أن يطعم من لم يكن يضحي فلقد كنا نرفع الكراع فنأكله بعد عشرة أيام.
وقال الترمذي: هذا حديث صحيح وأم المؤمنين هي عائشة زوج النبي ◌َّر وقد روي عنها هذا الحديث
من غير وجه. وفي الباب عن جماعة من الصحابة وهم أبو سعيد الخدري وسلمة بن الأكوع وجابر
وثوبان وبريدة.
حديث أبي سعيد الخدري:
أخرجه البخاري (٢٦/١٠) كتاب الأضاحي: باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها حديث
(٥٥٦٨) والنسائي (٢٣٣/٧) كتاب الأضاحي: باب (٢٦) من طريق يحيى بن سعيد عن القاسم بن
محمد عن ابن خباب أن أبا سعيد الخدري قدم من سفر فقدم إليه أهله لحماً من لحوم الأضاحي فقال: ما
أنا بآكله حتى أسأل فانطلق إلى أخيه لأمه قتادة بن النعمان وكان بدرياً فسأله عن ذلك فقال: إنه قد حدث
بعدك أمر نقضاً لما كانوا نهوا عنه من أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام.
وأخرجه مسلم (١٥٦٢/٣) كتاب الأضاحي: باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد
ثلاث وبيان نسخه (١٩٧٣/٣٣) وأحمد (٨٥/٣) وأبو يعلى (٤١١/٢) رقم (١١٩٦) من طريق أبي نضرة
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله: يا أهل المدينة لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث
فشكوا إلى رسول الله وَ # أن لهم عيالاً وحشماً وخدماً فقال: كلوا وأطعموا وادخروا.
- وللحديث طريق آخر عن أبي سعيد:
أخرجه أحمد (٢٣/٣) والنسائي (٢٣٤/٧) كتاب الأضاحي: باب (٢٦) والطحاوي في ((شرح معاني
الآثار)) (١٨٦/٤ - ١٨٧) وأبو يعلى (٢٨١/٢) رقم (٩٩٧) من طريق سعد بن إسحاق قال: حدثتني
زينب بنت كعب عن أبي سعيد أن رسول الله ◌ّ* نهى عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام ثم رخص أن
نأكل وندخر قال: فقدم قتادة بن النعمان أخو أبي سعيد فقدموا إليه قديد الأضحى فقال: كأن هذا من
قديد الأضحى قالوا: نعم. قال: أليس قد نهى عنه رسول الله وَّر قال أبو سعيد: بلى إنه قد حدث فيه
أمر كان نهانا عنه أن نحبسه فوق ثلاثة أيام ورخص لنا أن نأكل وندخر.
- حديث سلمة بن الأكوع:
أخرجه البخاري (٢٦/١٠) كتاب الأضاحي: باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها حديث
(٥٥٦٩) ومسلم (١٥٦٣/٣) كتاب الأضاحي: باب بيان النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث وبيان
نسخه حديث (١٩٧٤/٣٤) عنه قال: قال رسول الله وَلهر: من ضحى منكم فلا يصبحن في بيته بعد ثالثة
شيئاً فلما كان في العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا عام أول فقال: لا إن ذاك عام كان
الناس فيه بجهد فأردت أن يفشوا فيهم.
۔ حديث جابر:
أخرجه البخاري (٢٦/١٠) كتاب الأضاحي: باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها حديث
(٥٥٦٧) ومسلم (١٥٦٢/٣) كتاب الأضاحي: باب بيان النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث وبيان
نسخه حديث (٣٠، ١٩٧٢/٣١) وأحمد (٣١٧/٣، ٣٧٨) والدارمي (٨٠/٢) كتاب الضحايا: باب في
لحوم الأضاحي والبيهقي (٢٩١/٩) من طريق عطاء عن جابر قال: كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث
منى فأرخص لنا رسول الله وَّ ر أن نتزود منها ونأكل منها.
=

٣٣١
كتاب التضحية
(عزَّ وجلَّ) بلحوم القرابين فيندب [إلى](١) اشراك الكل فيها، ويطعم الفقير والغني جميعاً؛
لكون الكل أضياف الله (تعالى عزَّ شأنه) في هذه الأيام، وله أن يهبه منهما جميعاً.
ولو تصدق بالكل جاز، ولو حبس الكل لنفسه جاز، لأَن القربة في الإِراقة.
وأما التصدق باللحم فتطوعٌ، وله أن يدخل الكل لنفسه فوق ثلاثة أيام، لأن النهي عن
ذلك كان في ابتداء الإِسلام، ثم نسخ بما روي عن النبي (عليه السلام) أنه قال: ((إِنِّي كُنْتُ
نَهَيْتُكُمْ عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ، أَلاَ فَامْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ))(٢) .
وروي أنه (عليه الصلاة والسلام) قال: ((إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لأَجْلِ الرأفَةِ دُونَ حَضْرَةِ الأَضْحَى، إِلاَّ
أَنَّ إِطْعَامَهَا وَالتَّصَدُّقِ [بها](٣) أَفْضَلُ (٤)، إِلاَّ أَنْ يَكُونُ الرَّجُلُ ذَا عِيَالٍ وغير موسع الحال، فإن
وفي رواية من هذا الوجه: كنا نتزود لحوم الهدي على عهد رسول الله وَطقه إلى المدينة.
=
وأخرجه مالك (٤٨٤/٢) كتاب الضحايا: باب إدخار لحوم الأضاحي حديث (٦) ومن طريقه مسلم (٣/
١٥٦٢) كتاب الأضاحي: باب بيان النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث وبيان نسخه (٢٩/ ١٩٧٢)
والنسائي (٢٣٣/٧) كتاب الأضاحي باب (٢٦) وأحمد / ٣٨٨/٣) والبيهقي (٢٩١/٩) عن أبي الزبير عن
جابر عن النبي ◌َّر أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم قال بعد: ((كلوا وتزودوا وادخروا)).
۔ حديث ثوبان:
أخرجه مسلم (١٥٦٣/٣) كتاب الأضاحي: باب بيان النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث وبيان نسخه
حديث (١٩٧٥/٣٥) وأحمد (١٧٧/٥) وأبو داود في حديث رقم (٢٨١٤) والنسائي في الكبرى (٤٥٨/٢)
والبيهقي (٢٩١/٩) من طريق معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن ثوبان قال: ذبح
رسول الله وَي ضحيته ثم قال: يا ثوبان أصلح لحم هذه فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة .
وأخرجه مسلم (٣٦/ ١٩٧٥) والدارمي (٧٩/٢) كتاب الأضاحي: باب في لحوم الأضاحي من طريق
عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن ثوبان مولى رسول الله وَّر قال: قال لي رسول الله وَّ في
حجة الوداع: ((أصلح هذا اللحم فلم يزل يأكل منه حتى بلغ المدينة)).
- حديث بريدة:
أخرجه مسلم (١٥٦٣/٣ - ١٥٦٤) كتاب الأضاحي: باب بيان النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث
وبيان نسخه (١٩٧٧/٣٧) والنسائي (٢٣٤/٧ - ٢٣٥) كتاب الأضاحي: باب (٢٦) والترمذي (٧٩/٤)
كتاب الأضاحي: باب ما جاء في الرخصة في أكلها بعد ثلاث حديث (١٥١٠) من طريق ابن بريدة عن
أبيه قال: قال رسول الله وَّر: ((كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليتسع ذوو الطول على من لا
طول له فكلوا ما بدا لكم وأطعموا وادخروا)).
وقال الترمذي: حسن صحيح.
(١) سقط من ط.
(٢) ينظر الحديث السابق.
(٣) سقط من ط .
(٤) تقدم وينظر الحديث السابق.

٣٣٢
كتاب التضحية
الأفضل له حينئذٍ أن يدعه لعياله ويوسع به عليهم؛ لأن حاجته وحاجة عياله مقدمة على حاجة غيره .
قال النبي (عليه الصلاة والسلام): ((ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِغَيْرِكَ))(١).
ولا يحل بيعُ: جلدَها، وشَخْمُها، ولحمُها، وأطرافها، ورأسها، وصوفها، وشعرَها،
ووبرها، ولبنها الذي يحلبه منها بعد ذبحها - بشيءٍ لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك عينه من
الدراهم والدنانير والمأكولات والمشروبات، ولا أن يعطي أجر الجزار والذابح منها، لما رُوِيّ
عَنْ رسولِ الله وََّ أنه قال: ((مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَتِهِ، فَلاَ أُضْحِيَةً لَهُ))(٢).
وروي أن النبيَّ (عليه الصلاة والسلام) قال لعليِّ (رضي الله عنه): ((تَصَدَّقْ بِحلالِهَا(٣)
وَخَطَامِهَا، وَلاَ تُعْطِي أَجْرَ الجَزَّارِ مِنْهَا)). وروي عن سيدنا عليٍّ (كرم الله وجهه) أنه قال: ((إذا
ضحيتم فلا تبيعوا لحومَ ضحاياكم، ولا جلودها، وكلوا منها وتمتعوا))(٤)، ولأنها من
ضيافة الله (عزَّ شأنه) التي أضاف بها عباده، وليس للضيف أن يبيع من طعام الضيافة شيئاً، فإن
باع شيئاً من ذلك [مما ذكرنا](٥) نفذ عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا ينفذ؛ لما
ذكرنا فيما قبل الذبح ويتصدق بثمنه؛ لأن القربة ذهبت عنه فيتصدق به، ولأنه استفاده بسبب
محظور وهو البيع، فلا يخلو عن خبث، فكان سبيله التصدق، وله أن ينتفع بجلد أضحيته في
بيته بأن يجعله سقاء أو فروا أو غير ذلك، لما روي عن سيدتنا عائشة (رضي الله عنها) أنها
اتخذت من جلدِ أضحيتها سقاء.
ولأنه يجوز الانتفاع بلحمها؛ فكذا بجلدها.
ولَهُ / أن يبيعَ هذه الأشياء بما يمكنُ الانتفاع به مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ من متاع البیت کالجراب
والمنخل، لأَن البدلَ الذي يمكن الانتفاعُ به مع بقاءِ عَيْنِهِ يقومُ مقام المبدل، فَكان المبدل قائماً
معنّى، فكان الانتفاعُ به كالانتفاعِ بعينِ الجلدِ، بخلاف البيع بالدراهم والدنانير؛ لأن ذلك مما
لا يُمْكِنُ الانتفاعُ به مع بقاءِ عَيْنَهِ، فلا يقوم مقام الجلد، فلا يكون الجلد قائماً معنًى، والله
(تعالى عزَّ شأنه) أعلم(٦) .
/ ١٢٩٩
(١) تقدم في كتاب الزكاة.
(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٩٠) والبيهقي (٢٩٤/٩) وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٣) في أ: بلجامها.
(٤)
تقدم تخريجه .
(٥) سقط من ط .
(٦) في أ: تم كتاب الأضحية والله أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وكان الفراغ من كتابته صبيحة
يوم الثلاثاء مستهلاً سفر الخير سنة خمس وستين وتسعمائة على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه.
إسماعيل بن محمد بن أبي الفتح الدنوشري الشافعي غفر الله له ولوالديه ولمن نظر فيه ودعا له بالمغفرة
ولسائر المسلمين آمين. آمين. ويتلوه في المجلد الثاني كتاب النكاح.

كِتَابُ النَّذْرِ (١)
الكلام في هذا الكتاب في الأصل في ثلاثة مواضع: في بيان ركن النذر، وفي بيان
شرائط الركن، وفي بيان حكم النذر.
أما الأول: فركن النذر: هو الصيغة الدالة عليه، وهو قوله: لله (عزَّ شأنه) عليّ كذا، أو
عليّ كذا، أو هذا هدي، أو صدقة، أو مالي صدقة، أو ما أملك صدقة ونحو ذلك.
فصل [في شرائط ركن النذر]
وأما شرائط الركن فأنواع: بعضُها يتعلق بالناذر، وبعضُها يتعلق بالمنذور به، وبعضُها
يتعلق بنفس الركن.
أما الذي يتعلق بالناذر فشرائط الأهلية، منها العقل، ومنها البلوغ، فلا يصح نذر
المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن حكم النذر وجوب المنذور به، وهما ليسا من أهل
الوجوب، وكذا الصبي العاقل؛ لأنه ليس من أهل وجوب الشرائع.
ألا ترى أنه لا يجب عليهما شيء من الشرائع بإيجاب الشرع ابتداءً، فكذا بالنذر، إذ
الوجوب عند وجود الصيغة من الأهل في المجل بإيجاب الله (تعالى) لا بإيجاب العبد، إذ
ليس للعبد ولاية الإِيجاب، وإِنما الصيغة علم على إيجاب الله (تعالى).
ومنها: الإسلام، فلا يصح نذر الكافر حتى لو نذر ثم أسلم لا يلزمه الوفاء به، وهو
(١) وهو - بذال معجمة ساكنة وحكي فتحها - لغة: الوعد بخير أو شر، وشرعاً: الوعد بخير خاصة، قاله
الروياني والماوردي وقال غيرهما: التزام قربة لم تتعين.
والأصل فيه آيات، كقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] وأخبار كخبر البخاري: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ
يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلاَ يَعْصِهِ)) وفي كونه قربة أو مكروهاً خلاف، والذي رجحه
ابن الرفعة أنه قربة في نذر التبرر. دون غيره، وهذا أولى ما قيل فيه. ينظر: الاقناع (٥٩٥/٢، ٥٩٦)
: في شراف (٣٣٩/٢)، والاختيار (٧٦/٤) والكافي (٤٥٤/١) وأنيس الفقهاء (٣٠١).
٣٣٣

٣٣٤
کتاب النذر
ظاهر مذهب الشافعى (رحمه الله)؛ لأنَّ كون المنذور به قربة شرط صحة النذر، وفعل الكافر
لا يوصف بكونه قربة.
وأما حرية الناذر فليست من شرائط الصحة، فيصح نذر المملوك، ثم إن كان المنذور به
من القرب الدينية كالصلاة والصوم ونحوهم، يجب عليه للحال؛ ولو كان من القرب المالية
كالإِعتاق والإطعام ونحو ذلك، يجب عليه بعد العتاق؛ لأنه ليس من أهل الملك للحال، ولو
قال: إِن اشتريت هذه الشاة فهي هدي أو إِن اشتريت هذا العبد فهو حر، فعتق، لم يلزمه حتى
يضيفه إلى ما بعد العتق في قياس قول أبي حنيفة، وقد ذكرناه في ((كتاب العتاق)).
وأما الطواعية فليست بشرط عندنا؛ خلافاً للشافعي (رحمه الله) كما في اليمين؛ وكذا
الجد والهزل، والله (عزَّ شأنه) أعلم.
وأما الذي يرجع إلى المنذور به فأنواعٌ: منها أن يكون متصور الوجود في نفسه شرعاً،
فلا يصح النذر بما لا يتصور وجوده شرعاً؛ كمن قال الله (تعالى) عليَّ أن أصوم ليلاً أو نهاراً
أكل فيه؛ وكالمرأة إذا قالت لله عليَّ أن أصوم أيام حيضي؛ لأن الليل ليس محل الصوم والأكل
مناف للصوم حقيقة، والحيض مناف له شرعاً إِذ الطهارة عن الحيض والنفاس شرط وجود
الصوم الشرعي .
ولو قالت: لله عليَّ أن أصوم غداً، فحاضت في غدٍ، أو قالت لله عليَّ أن أصوم يوم
يقدم فلان، فقدم في يوم حاضت فيه، لا شيء عليها عند محمد، وعند أبي يوسف: عليها
قضاء ذلك اليوم، وهي من مسائل الصوم.
وعلى هذا يخرج ما إِذا قال الله (تعالى) عليَّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم في
النهار - أنه إِن قدم قبل الزوال أو قبل أن تناول شيئاً من المفطرات يلزمه صومه، وَإِن قدم بعد الزوال
أو بعد ما تناول شيئاً من المفطرات لا يلزمه شيء؛ لأنه أوجب على نفسه صوم يوم موصوف بأنه
يوجد فيه قدوم فلان، ولا علم له بهذا اليوم قبل القدوم، ولا دليل العلم، ولا وجوب لهذا الصوم
بدون العلم أو دليله؛ لأن ما ثبت أداؤه على قصد المؤدي في تحصيله لا يجب أداؤه إلا بعد العلم
بوجوبه أو دليل العلم، فلم يجب الصوم ما لم يوجد اليوم الموصوف، ولا وجود إِلاَّ بالقدوم،
فصار الوجوب على هذا التخريج متعلقاً بالقدوم، ووجوب صوم يوم لم تزل فيه الشمس ولم يتناول
شيئاً من المفطرات متصور؛ كما لو أنشأ النذر فوجب عليه للحال ولا تصور له بعد التناول وبعد
الزوال؛ فلا يجب عليه شيء؛ بخلاف اليمين بأن قال: والله، لأصومنَّ الیوم الذي يقدم فيه فلاذ،
فقدم بعد ما أكل أو بعد الزوال، حَنَثَ في يمينه.
والفرق أَن في باب النذر يجب الفعل حقًّا لله (تعالى)، لأَن الوجوب بإيجاب الله (تعالى)
عند مباشرة سبب الوجوب من العبد، فصار هذا وسائر العبادات المقصودة على السواء.
وأما في باب اليمين، فالفعل في نفسه غير واجب، بل الواجب هو الامتناع عن هتك

٣٣٥
كتاب النذر
حرمة اسم الله (تعالى عزَّ شأنه) وإنما وجب الفعل لضرورة حصول البر، وحصول البر أيضاً
لضرورة الامتناع عن الهتك، فوجوبه لا يفتقر إلى العلم، فكان وجوب تحصيل البر والامتناع
ثابتاً قبل وجود دليل الوجوب، وهو القدوم، فوجب عليه البر من أول وجود هذا اليوم الذي
حلف أن يصومه، وإِن لم يكن له به علم، فإذا لم يصم بأن أكل أو امتنع من النذر حتى زالت
الشمس، حَنَثَ في يمينه لفوات البر، والله (عزَّ شأنه) أعلم.
ومنها: أن يكون قربة، فلا يصح النذر بما ليس بقربة رأساً؛ كالنذر بالمعاصي بأن يقول الله
(عزَّ شأنه) عليَّ أن أشربَ الخمر، أو أقتلَ فلاناً أو أضربه أو أشتمه ونحو ذلك؛ لقوله (عليه
الصلاة والسلام): ((لاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ (تَعَالَى)»(١) وقوله وَِّ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ
(تَعَالَى) فَلاَ يَعْصِهِ))(٢) ولأن حكم النذر وجوب المنذور به ووجوب فعل المعصية محالٌ.
(١) أخرجه أحمد (٤٢٩/٦، ٤٣٠، ٤٣٢) ومسلم (١٢٦٢/٣) كتاب النذر باب لا وفاء لنذر في معصية الله
حديث (١٦٤١/٨) وأبو داود (٦٠٩/٣ - ٦١٠ - ٦١١ - ٦١٢) كتاب الإيمان والنذور، باب في النذر
فيما لا يملك، حديث (٣٣١٦) والترمذي (٤٠/٣، ٤٢) كتاب النذور والإيمان باب أن لا نذر في معصية
حديث (١٥٦٢) وباب لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، حديث (١٥٦٦) والنسائي (١٩/٧) كتاب الأيمان
والنذور باب النذر فيما لا يملك وابن ماجه (٦٨٦/١) كتاب الكفارات، باب النذر في المعصية، حديث
(٢١٢٤) والبيهقي (٧٥/١٠) كتاب النذور، باب ما يوفى به من النذر وما لا يوفى. ولفظ الترمذي
والنسائي وابن ماجه مختصراً بذكر المرفوع من قوله وَّهـ
(٢) أخرجه مالك (٤٧٦/٢) كتاب النذور والأيمان، باب ما لا يجوز من النذور في معصية الله حديث (٨)
وأحمد (٣٦/٦، ٤١) والبخاري (٥٨١/١١) كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة حديث
(٦٦٩٦) وأبو داود (٥٩٣/٣) كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في النذر في المعصية، حديث
(٣٢٨٩) والترمذي (٤١/٣) كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء عن رسول الله وَلهو أن لا نذر في
معصية، حديث (١٥٦٤) والنسائي (٧/ ١٧) كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في المعصية، وابن ماجه
(٦٨٧/١): كتاب الكفارات، باب النذر في المعصية، حديث (٢١٢٦) وابن الجارود ص (٣١٢ - ٣١٣)
باب ما جاء في النذر. حديث (٩٣٤) والدارمي (١٨٤/٢) كتاب النذور والأيمان: باب لا نذر في
معصية الله والشافعي (٧٤/١ - ٧٥) رقم (٢٤٦) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٣٣/٣) وفي
((مشكل الآثار)) (١/ ٤٧٠) والبيهقي (٢٣١/٩) وأبو نعيم في («الحلية)) (٣٤٦/٦) والبغوي في ((شرح
السنة)) (٢٨٤/٥ - بتحقيقنا) من طرق عن طلحة بن عبد الملك الأيلي عن القاسم بن محمد عن عائشة.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح وقد رواه يحيى بن أبي كثير عن القاسم بن محمد .....
والطريق الذي أشار إليه الترمذي أخرجه أحمد (٢٠٨/٦) والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٤/١) من طريق
علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير - وعند البخاري مقرون بأيوب - عن القاسم بن محمد عن عائشة.
وأخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٣/١) وأبو يعلى (٢٧٧/٨) رقم (٤٨٦٣) من طريق أبان بن يزيد
ثنا يحيى بن أبي كثير أن محمد بن أبان حدثه عن القاسم بن محمد حدثه أن عائشة حدثته أن
رسول الله ◌َّير قال: من نذر أن يعصي الله فلا يعصه.

٣٣٦
کتاب النذر
وكذا النذر بالمباحات من الأكل والشرب والجماع ونحو ذلك لعدم وصف القربة؛
الاستوائهما فعلاً وتركاً؛ وكذا لو قال عليَّ طلاقُ امرأتي؛ لأن الطلاق ليس بقربةٍ، فلا يلزم
بالنذر، وهل يقع الطلاق به، فيه كلام نذكره إن شاء الله (تعالى).
ومنها: أن يكون قربة مقصودة، فلا يصح النذر بعيادة المرضى، وتشييع الجنائز،
والوضوء، والاغتسال، ودخول المسجد، ومس المصحف، والأذان، وبناء الرباطات.
والمساجد، وغير ذلك؛ وإن كانت قرباً لأنها ليست بقرب مقصودة، ويصح النذر بالصلاة،
والصوم، والحج، والعمرة، والإِحرام بهما، والعتق، والبدنة، والهدي، والاعتكاف، ونحو
ذلك؛ لأنها قرب مقصودة؛ وقد قال النبيَّ وَّرَ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ (تَعَالَى) فَلْيُطِعْهُ))(١).
وقال رَهر: ((منْ نَذَرَ وَسَمَّى، فَعَلَيْهِ وَفَاؤُهُ بِمَا سَمَّى))(٢) إِلاَّ أنه خص منه المسمى الذي
ليس بقربة أصلاً، والذي ليس بقربة مقصودة، فيجب العمل بعمومه فيما وراءه.
وَمِنْ مشايخنا من أصل في هذا أصلاً فقال: ماله أصلٌ في الفروض يصح النذر به ولا
شك أن ما سوى الاعتكاف من الصلاة والصوم وغيرهما له أصلٌ في الفروض، والاعتكافُ له
أصل أيضاً في الفروض، وهو الوقوف بعرفة وما لا أصل له في الفروض لا يصح النذر به؛
كعيادة المرضى وتشييع الجنازة ودخول المسجد ونحوها، وَعَلْلَ بأنَّ النذر إيجاب العبد فيعتبر
بإيجاب الله (تعالى).
ولو قال: لله عليَّ أن أصوم يوم النحر، أو أيام التشريق، يصح نذره عند أصحابنا
الثلاثة، ويفطر ويقضي.
وقال زفر (رحمه الله) والشافعي: لا يصح نذره، لهما أنه نذر بما هو معصية لكون
الصوم في أيام التشريق منهيًّا عنه؛ لقوله (عليه السلام): ((أَلاَ لاَ تَصُومُوا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ؛ فَإِنَّهَا
أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ))(٣) والمنهيُّ عنه يكون معصية، والنذر بالمعاصي لا يصح لما بينا.
والدليلُ عليه أَنَّ الصَّوْمَ في هذه الأيام لا يلزم بالشروع ولا يضمن بالقضاء عند الإِفساد
بأنْ أَصْبَحَ صائماً ثم أفطر.
ولنا أنه نذر بقربة مقصودة، فيصح النذر؛ كما لو نذر بالصوم في غير هذه الأيام، ودلالة
الوصف النص والمعقول.
(١) ينظر: تخريج الحديث السابق.
(٢) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٠٠/٣) وقال: غريب وفي وجوب الوفاء بالنذر أحاديث ..... اهـ.
وقد ذكرها الزيلعي وتقدم وسيأتي تخريجها في هذا الباب.
(٣) تقدم تخريجه في كتاب الصيام.

٣٣٧
كتاب النذر
أما النصُ: فقوله (عليه الصلاة والسلام) خبراً عن الله (تعالى جلَّ شَأْتُهُ): ((الصَّوْمُ لِي وَأَنَا
أَجْزِي بِهِ»(١) من غير فصلٍ.
وأما المعقول: فهو أنه سبب التقوى والشكر ومواساة الفقراء؛ لأن الصائم في زمان
الصوم يتقي الحلال، فالحرام أولى، ويعرف قدر نعم الله (تعالى جل شأنه) عليه بما تجشم من
مرارة الجوع والعطش، فيحمله ذلك على الشكر وعلى الإِحسان إلى الفقراء، لما عرف قدر
مقاساة المبتلي بالجوع والفقر، وهذه المعاني موجودة في الصوم في هذه الأيام، وأنها معان
مستحسنة عقلاً، والنهي لا يرد عما عرف حسنه عقلاً لما فيه من التناقض، فيحمل على غير
مجاور له صيانة لحجج الله (تعالى) عن التناقض؛ عملاً بالدلائل بقدر الإمكان.
وأما فصل الشروع والقضاء فممنوعٌ عند أبي يوسف ومحمد (رحمهما الله)، وعند أبي
حنيفة (عليه الرحمة): إِنما يلزم بالشروع، ولا يجب القضاء بالإِفطار؛ لأن لزوم الإِتمام في
صوم التطوع لضرورة صيانة المؤدي عن الإبطال؛ لأن إبطال العمل حرامٌ، وههنا صاحب الحق
وهو الله (تعالى جلَّتْ عظمته) رضي بإبطال حقه، فلا يحرم الإِبطال، فلا يلزم الإِتمام،
ووجوب القضاء ضرورة لزوم الإِتمام، فإِذا لم يلزم لا يجب.
ولو قال: عليَّ المشي إلى بيت الله (تعالى)، أو إلى الكعبة، أو إلى مكة، أو إلى بكة،
فعليه حجة أو عمرة ماشياً، وَإِن شاء ركب وعليه ذبح شاة لركوبه.
وجملة الكلام فيه أن المكان نوعان: مَكَانٌ يَصِحُ الدخول فيه بغير إحرام، وهو ما سوى
الحرم كمسجد المدينة، عَلَى صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومسجدٍ بيتِ المقدس وغيرِهما
من سائر المساجد والأماكن.
ومكانٌ لا يصح الدخول فيه بغير إِحرام، وهو الحرم، والحرم مشتملٌ على مكة، ومكة
على المسجد الحرام، والمسجد الحرام على الكعبة، فالناذر إما أن يسمي في النذر الكعبة، أو
بيت الله (تعالى)، أو مكة، أو بكة، أو الحرم، أو المسجد الحرام، والأفعال التي يوجبها على
نفسه شبه ألفاظ المشي والخروج والسفر والركوب والذهاب والإياب، فإن أوجب على نفسه
شيئاً من هذه الأفعال وأضافه إلى مكان يصح دخوله فيه بغير إِحرام لا يصح إِيجابه؛ لأنه
أوجب على نفسه التحول من مكان إلى مكان، وذا ليس بقربة مقصودة، ولا يصح النذر بما
ليس بقربة.
والدليل عليه ما روي أنَّ امرأة جاءت إِلى رسولِ اللَّهِ وَّ فقالت: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي
(١) تقدم تخريجه في كتاب الصيام.
بدائع الصنائع ج٦ - م٢٢

٣٣٨
كتاب النذر
نذرتُ إِن فُتحَ لك مكة أَنْ أصلي مائتي ركعة في مائة مسجد، فقال (عليه الصلاة والسلام):
((صَلِّ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ)) فلم يصحح (عليه الصلاة والسلام) نذرها بالصلاة في كل مسجد،
والندر بخلاف اليمين، فإِن اليمين تنعقد بهذه الألفاظ بأن يقول: والله، لأذهبنَّ إِلى موضع
كذا، أو لأسافرن أو غيرهما من الألفاظ؛ لأَن اليمين لا يقف انعقادها على كون المحلوف عليه
قربة، بل ينعقد على القربة وغيرها بخلاف النذر، وإِن أضاف إيجاب شيء من هذه الأفعال إِلى
المكان الذي لا يصح الدخول فيه بغير إِحرام ينظر، فإِن أضاف إيجاب ما سوى المشي إِليه لا
يصح، ولا يلزمه شيءٌ؛ لما ذكرنا أن التحول من مكان إلى مكان ليس بقربةٍ في نفسه، وإِن
أضاف إيجاب المشي إليه، فإن ذكر سوى ما ذكرنا من الأمكنة من الكعبة وبيتِ الله (تعالى)،
ومكة، وبكة، والمسجد الحرام، والحرم؛ بأن أوجب على نفسه المشي إلى الصفا والمروة،
ومسجدِ الخيف وغيرِها من المساجد التي في الحرم - لا يصح نذره بلا خلافٍ، وَإِن ذكر
الكعبة وبيت الله (عزَّ شأنه) أو مكة أو بكة، يصحّ نذره، ويلزمه حجة أو عمرة ماشيًّا، وإِن شاء
ركب وذبح لركوبه شاة، وهذا استحسان، والقياس: أن لا يصح ولا يلزمه شيء.
وجه القياس: أن من شرط صحة النذر أن يكون المنذور به قربة مقصودة، ولا قربة في
نفس المشي، وَإِنما القربة في الإِحرام، وإنه ليس بذمكور؛ ولهذا لم يصح بسائر الألفاظ سوى
لفظ المشي.
وجه الاستحسان: أَن هذا الكلام عندهم كناية عن التزام الإحرام، يستعملونه لالتزام
الإِحرام بطريق الكناية من غير أن يعقل فيه وجه الكناية بمنزلة قوله: لله عليَّ أن أضرَب بثوبي
حطيم الكعبة؛ كناية عن التزام الصدقة بإصطلاحهم، والإِحرامُ يكون بالحجة أو بالعمرة فيلزمه
أحدهما بخلاف سائر الألفاظ، فإِنها ما جرت عادتهم بالتزام الإِحرام بها، والمعتبر في الباب
عرفهم وعادتهم، ولا عرف هناك، فيلزمه ذلك ماشياً؛ لأنه التزم المشي وفيه زيادة قربة.
قال النبيُّ (عليه الصلاة والسلام): ((مَنْ حَجَّ مَاشِيًّا فَلَهُ بِكُلٌ خُطْوَةٍ حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِ
الحَرَمِ)) قيل: وما حَسَنَاتُ الحرم؟ قال (عليه الصلاة والسلام): ((وَاحِدَةٌ بِسبْعُمَائَةٍ))(١) فجاز
التزامه بالنذر كصفة التتابع في الصوم، فيمشي حتى يطوف طواف الزيارة؛ لأن بذلك يقع
الفراغ من أركان الحج، إلا أن له أن يركب ويذبح لركوبه شاة، لما روي أن أُخْتَ أبي سعيد
الخدري (رضي الله عنهما) نذرت أن تحج ماشية، فقال النبي (عليه الصلاة والسلام) لأبي
(١) أخرجه ابن خزيمة (٢٤٤/٤) رقم (٢٧٩١) والطبراني في ((الكبير)) (١٠٥/١٢) والحاكم (٤٦٠/١)
والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٣١/٤، ٧٨/١٠) من طريق عيسى بن سوادة عن إسماعيل بن أبي خالد
عن زاذان عن ابن عباس مرفوعاً. والحديث ضعفه ابن خزيمة فقال: إن صح الخبر فإن في القلب من
عيسى بن سوادة هذا.

٣٣٩
کتاب النذر
سعيد الخدري: ((إِنَّ الله (تعالى) غَنِيٍّ عَنْ تَغْذِيبِ أُخْتِكَ، مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ وَلْتُرِقْ دَماً)(١).
وما روي في بعض الروايات أن عقبة بن عامر الجهني سَأَلَ رسول الله وَّر فقال: إِن
أختي نذرِتْ أن تحجَّ البيتَ ماشيةً غير مختمرةٍ؛ فقال (عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ
تَعْذِيبِ أَخْتِكَ، فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهدِ شَاةً))(٢) وفي بعضها؛ أن أَختَ عقبةَ بْنَ عامر نذرتْ أن تمشيّ
إلى بيت الله (تعالى) حافيةً حاسرةً، فذكر ذلك عقبةٌ لرسول الله بَّر، فقال (عليه الصلاة
والسلام): ((إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) غَنِيٍّ عَنْ عَنَاءِ أُخْتِكَ، مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ شَاةً، وَتُخْرِمُ إِنْ شَاءَت
بِحِجَّةٍ، وَإِنْ شَاءَتْ بِعُمْرَةٍ)(٣) .
وروي عن سيدنا علي (رضي الله عنه) أنه قال: مَنْ جَعَلَ على نفسه الحجَّ ماشياً، حج،
وركب، وذبح لركوبه شاة، رواه في الأصل، وإنما استوى فيه لفظ الكعبة وبيت الله ومكة
وبكة؛ لأن كل واحد من هذه الألفاظ يستعمل عند استعمال الآخر، يقال: فلان مشى إلى
بيت الله، وإلى الكعبة، وإِلى مكة، وإِلى بكة، ولا يقال مشى إلى الصفا والمروة، وإِن ذكر
المسجد الحرام أو الحرم، قال أبو حنيفة (رحمه الله): لا يصح نذره ولا يلزمه شيء، وقال أبو
يوسف ومحمدٌ (رحمهما الله): يلزمه حجة أو عمرة.
وجه قولهما: أن الحرم مشتملٌ على البيت وعلى مكة، فصار كأنه قال عليَّ المشي إِلى
بيت الله وإِلی مکة.
ولأبي حنيفة (رحمه الله): أن القياس أن لا يجب شيء بإيجاب المشي المضاف إِلى
مكان ما؛ لما ذكرنا أن المشي ليس بقربة مقصودةٍ؛ إِذ هو انتقال من مكان إلى مكانٍ، فليس
في نفسه قربة، ولهذا لا يجب بسائر الألفاظ، إلا أنا أوجبنا عليه الإِحرام في لفظ المشى إلى
بيت الله، أو إلى الكعبة، أو إلى مكة، أو إِلى بكة - للعرف؛ حيث تعارفوا استعمال ذلك كناية
عن التزام الإِحرام، ولم يتعارفوا استعمال غيرها من الألفاظ.
(١) للحديث شاهد من حديث عقبة بن عامر أخرجه البخاري (٧٨/٤ - ٧٩) كتاب جزاء الصيد، باب من نذر
المشي إلى الكعبة، حديث (١٨٦٦) ومسلم (١٢٦٤/٣) كتاب النذر، باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة
حديث (١٦٤٤/١١) وأبو داود (٥٩٨/٣ - ٥٩٩) كتاب الأيمان والنذور، باب من رأى عليه كفارة إذا
كان في معصية، حديث (٣٢٩٩) والترمذي (١١٦/٤) كتاب النذور والأيمان، باب حديث (١٥٤٤)
والنسائي (١٩/٧) كتاب الأيمان والنذور، باب من نذر أن يمشي إلى بيت الله تعالى وابن ماجه (١/
٦٨٩) كتاب الكفارات، باب من نذر أن يحج ماشياً حديث (٢١٣٤) وأحمد (١٤٥/٤) والدارمي (٢/
١٨٣) كتاب النذور والأيمان، باب في كفارة النذر وابن الجارود في المنتقى ص (٣١٣)، باب ما جاء في
النذور، حديث (٩٣٧) والبيهقي (٧٨/١٠ - ٧٩) كتاب النذور، باب المشي فيما قدر عليه والركوب فيما
عجز عنه. من حديث عقبة بن عامر.
(٢) ينظر: تخريج الحديث السابق.
(٣) تقدم تخريجه.

٣٤٠
كتاب النذر
ألا ترى أنه يقال: مشى إلى مكة والكعبة وبيت الله، ولا يقال مشى إلى الحرم أو
المسجد الحرام؛ كما يقال: مشى إلى الصفا والمروة، والكناية يتبع فيها عين اللفظ لا المعنى،
بخلاف المجاز فإنه يراعى فيه المعنى اللازم المشهور في محل الحقيقة؛ لأن الكناية ثابتة
بالاصطلاح كالأسماء الموضوعة، فيتبع فيها العرف واستعمال اللفظ بخلاف المجاز، ولو قال :
عليَّ المشي إلى بيت الله، وهو ينوي مسجداً من مساجد الله سوى المسجد الحرام، لم يلزمه
شيءٌ؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه، لأن كلَّ مسجدٍ بيتُ الله (تعالى)، فصحَّتْ نيته على أن
الظاهر إِن كانت إرادة الكعبة من هذا الكلام لا غير، لكن هذ أمر بينه وبين الله (تعالى) فيكتفي
فيه باحتمال اللفظ إياه في الجملة.
ولو قال: أنا أحرم أو أنا محرم أو أهدي أو أمشي إلى البيت، فإِن نوى به الإيجاب
يكون إيجاباً؛ لأنه يذكر ويرادُ به الإِيجاب؛ كقولنا: أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله، أنه يكون توحيداً؛
وكقول الشاهد عند القاضي: (أشهد) أنه يكون شهادة، فقد نوى ما يحتمله لفظه، وإِن نوى أن
يعد من نفسه عدة ولا يوجب شيئاً، كان عدة ولا شيء عليه؛ لأن اللفظ يحتمل العدة؛ لأنه
يستعمل في العدات، وإِن لم يكن له نية فهو على الوعد، لأنه غلب استعماله فيه فعند الإطلاق
يحمل عليه .
هذا إذا لم يعلقه بالشرط، فإِن عَلَّقَهُ بالشرطِ بأن قال: إِن فعلت كذا فأنا أحرم،
فهو على الوجوه التي بَيَّنَّا أنه إن نوى الإِيجاب يكون إيجاباً، وإِن نوى الوعد يكون
وعداً لما قلنا، وَإِن لَمْ يَكُنْ له نية فهو على الإيجاب بخلاف الفصل الأول؛ لأنَّ
العدات لا تتعلق بالشروط، وَإِن الواجبات تتعلق بها، فالمعرفة إِلى الإيجاب بقرينة
التعليق بالشرط، ولم توجد القرينة في الفصل الأول، فصار الحاصل أن هذا اللفظ في
غير المعين بالشرط على الوعد إِلاَّ أن ينوي به الإِيجاب، وفي المعلق يقع على الإيجاب
إِلاَّ أن ينوي به الوعد.
ولو قال: الله (تعالى) عليَّ أن أنحر وَلَدِي، أو أذبح ولدي، يصحُّ نذره، ويلزمه الهدي،
وهو نحر البدنة أو ذبح الشاة، والأفضل هو الإِبل، ثم البقر، ثم الشاة، وإنما ينحر أو يذبح
في أيام النحر، سواء كان في الحرم أو لا، وهذا استحسان، وهو قول أبي حنيفة ومحمد
(رحمهما الله)، والقياس أن لا يصح نذره، وهو قول أبي يوسف وزفر والشافعي
(رحمهم الله).
وجه القياس: أنه نذر بما هو معصية، والنذر بالمعاصي غير صحيح، ولهذا لم يصح
بلفظ القتل.