النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ كتاب التضحية الواجب المطلق فخاف على جاره اعتقاد الفرضية لو ضحى، فصان اعتقاده بترك الأضحية، فلا يكون حجة مع الاحتمال، أو يحمل على ما قلنا، توفيقاً بين الدلائل صيانةً لها عن التناقض. والاستدلال بالمسافر غير سديدٍ، لأن فيه ضرورة لا توجد في حق المقيم على ما نذكر في بيان الشرائط، إِن شاء الله (تعالى، عزَّ شأنه). ولو نذرِ أن يضحي بشاة وذلك في أيام النحر، وهو موسرٌ، فعليه أن يضحي بشاتين عندنا، شاة لأجل النذر، وشاة بإيجاب الشرع ابتداء، إِلا إِذا عنى به الإِخبار عن الواجب عليه بإيجاب الشرع ابتداء، فلا يلزمه إلا التضحية بشاة واحدة، ومن المشايخ من قال: لا يلزمه إِلاَّ التضحية بشاة واحدة؛ لأن هذه الصيغة حقيقتها للإخبار، فيكون إِخباراً عما وجب عليه إِيجاب الشرع، فلا يلزمه التضحية بأخرى. ولنا أن هذه الصيغة في عرف الشرع جعلت إنشاء؛ كصيغة الطلاق والعتاق، لكنها تحتمل الإِخبار فيصدق في حكم بينه وبين رَبِّه (عزَّ شأنه)، ولو قال ذلك قبل أيام النحر يلزمه التضحية بشاتين، بلا خلافٍ؛ لأن الصيغة لا تحتمل الإِخبار عن الواجب، إِذ لا وجوب قبل الوقت والإِخبار عن الواجب، ولا واجب يكون كذباً، فتعين الإِنشاء مراداً بها. وكذلك لو قال ذلك وهو معسر، ثم أيسر في أيام النحر، فعليه أن يضحي بشاتين؛ لأنه لم يكن وقت النذر أضحية واجبة عليه، فلا يحتمل الإِخبار، فيحتمل على الحقيقة الشرعية، وهو الإِنشاء، فوجب عليه أضحية بنذره، وأخرى بإيجاب الشرع ابتداء لوجود شرط الوجوب وهو الغنى. وأما التطوع: فأضحية المسافر والفقير الذي لم يوجد منه النذر بالتضحية ولا الشراء للأضحية، لانعدام سبب الوجوب وشرطه. فصل [في شرائط الوجوب] وأما شرائط الوجوب: فأَما في النوعين الأولين، فشرائط أهلية النذر وقد ذكرناها في ((کتاب النذر)). وأما [من] (١) النوع الثالث. فمنها: الإِسلام، فلا تجب على الكافر؛ لأنها قربة، والكافر ليس من أهل القرب، ولا يشترط وجود الإِسلام في جميع الوقت من أوله إلى آخره، حتى لو كان كافراً في أولِ الوقت، ثم أسلم في آخره - تجب عليه؛ لأن وقت الوجوب يفضل عن أداء الواجب، فيكفي في وجوبها بقاء جزء من الوقت كالصلاة. (١) سقط من ط . ٢٨٢ كتاب التضحية ومنها: الحرية فلا تجب على العبد، وإن كان مأذوناً في التجارة أو مكاتباً، لأنه حق مالي متعلق بملك المال، [والعبد لا يملك المال] (١) ولهذا لا تجب عليه زكاة ولا صدقة الفطر ولا يشترط أن يكون حُرًّا من أول الوقت إِلى آخره، بل يكتفي بالحرية في آخر جزء من ١٢٩٠/١ الوقت، حتى لو أعتق في آخر الوقت وملك نصاباً، تجب عليه / الأضحية لما قلنا في شرط الإِسلام. ومنها: الإقامة، فلا تجب على المسافر لأنها لا تتأدى بكلِّ مال، ولا في كل زمان، بل بحيوان مخصوص في وقت مخصوص، والمسافر لا يظفر به في كل مكان في وقت الأضحية، فلو أوجبنا عليه لاحتاج إِلى حمله مع نفسه، وفيه من الحرج ما لا يخفى، أو احتاج إِلى ترك السفر وفيه ضرر فدعت الضرورة إِلى امتناع الوجوب؛ بخلاف الزكاة؛ لأن الزكاة لا يتعلق وجوبها بوقت مخصوص، بل جميع العمر وقتها، فكان جميع الأوقات وقتاً لأدائها، فإِن لم يكن في يد شيء للحال يؤديها إذا وصل إلى المال، وَكَذَا تتأدى بكلُ مال، فإيجابها عليه لا يوقعه في الحرج، وكذلك صدقة الفطر؛ لأنها تجب وجوباً موسعاً؛ كالزكاة، وهو الصحيح، وعند بعضهم، إن كانت تتوقف بيوم الفطر؛ لكنها تتأدى بكل مال، فلا يكون في الوجوب عليه حرج. وذكر في ((الأصل)) وقال: ولا تجب الأضحية على الحاج، وأراد بالحاج المسافر، فأما أهل مكة فتجب عليهم الأضحية وإِن حجوا لما روى نافع، عن ابن سيدنا عمر (رضي الله عنهما) أنه كان يخلف لمن لم يحج من أهله أثمان الضحايا ليضحوا عنه تطوعاً، ويحتمل أنه ليضحوا عن أنفسهم لا عنه، فلا يثبت الوجوب مع الاحتمال، ولا تشترط الإقامة في جميع الوقت حتى لو كان مسافراً في أول الوقت، ثم أقام في آخره، تجب عليه لما بينا في شرط الحرية والإسلام. ولو كان مقيماً في أول الوقت ثم سافر في آخره، لا تجب عليه لما ذكرنا، هذا إذا سافر قبل أن يشتري أضحية، فإِن اشترى شاة للأضحية ثم سافر، ذكر في ((المنتقى)) أن له بيعها ولا يضحي بها، وهكذا روي عن محمدٍ (رحمه الله) أنه يبيعها، من المشايخ من فَصَّلَ بين الموسر والمعسر، فقال: إِن كان موسراً، فالجواب كذلك لأنه ما أوجب بهذا الشراء [والنية](٢) شيئاً على نفسه، وإنما قصد به إسقاط الواجب عن نفسه، فإذا سافر تبين أنه لا وجوب عليه، فكان له أن يبيعها؛ كما لو شرع في العبادة على ظن أنها عليه ثم تبين أنها ليست عليه؛ أنه لا يلزمه الإتمام، وإِن كان معسراً ينبغي أن تجب عليه ولا تسقط عنه بالسفر؛ لأن هذا إيجاب من الفقير (١) سقط من ط . (٢) سقط من ط. ٢٨٣ كتاب التضحية بمنزلة النذر، فلا يسقط بالسفر؛ كما لو شرع في التطوع أنه يلزمه الإتمام والقضاء بالإفساد؛ كذا ههنا، وإِن سافر بعد دخول الوقت، قالوا: ينبغي أن يكون الجواب كذلك لما ذكرنا. ومنها: الغنى لما روي عن رسول الله وَّل أنه قال: ((مَنْ وَجَدَ سِعَةٌ فَلْيُضَحِّ))(١) شرط (عليه الصلاة والسلام) السعة وهي الغنى، ولأنا أوجبناها بمطلق المال. ومن الجائز أن يستغرق الواجب جميع ماله فيؤدي إلى الحرج، فلا بد من اعتبار الغنى، وهو أن یکون في ملکه مائتا درهم أو عشرون ديناراً، أو شيء تبلغ قيمته ذلك سوى مسكنه وما يتأثث به وكسوته وخادمه وفرسه وسلاحه وَمَالاً يستغنى عنه، وهو نصاب صدقة الفطر، وقد ذكرناه وما يتصل به من المسائل في صدقة الفطر. ولو كان عليه دَيْنٌ بحيث لو صرف إليه بعض نصابه لا ينقص نصابه، لا تجب؛ لأن الدين يمنع وجوب الزكاة، فلأن يمنع وجوب الأضحية أولى؛ لأن الزكاة فرض والأضحية واجبة، والفرض فوق الواجب، وكذا لو كان له مال غائب لا يصل إليه في أيام النحر؛ لأنه فقير وقت غيبة المال حتى تحل له الصدقة؛ بخلاف الزكاة؛ فإنها تجب عليه؛ لأن جميع العمر وقت الزكاة وهذه قربة موقتة فيعتبر الغنى في وقتها، ولا يشترط أن يكون غنيًّا في جميع الوقت، حتى لو كان فقيراً في أول الوقت، ثم أيسر في آخره يجب عليه لما ذكرنا، ولو كان له مائتا درهم فحال عليها الحول، فزكاها بخمسة دراهم، ثم حضرت أيام النحر وماله مائة وخمسة وتسعون لا رواية فيه. وذكر الزعفراني أنه تجب عليه الأَضحية، لأَنَّ النّصَابَ وإِن انتقص لكنه انتقص بالصرف إلى جهة هي قربة فيجعل قائماً تقديراً حتى لو صرف خمسة منها إلى النفقة لا تجب؛ لانعدام الصرف إلى جهة القربة (٢)، فكان النصاب ناقصاً حقيقة وتقديراً، فلا يجب. ولو اشترى الموسر شاة للأضحية فضاعت حتى انتقص نصابه وصار فقيراً، فجاءت أيام النحر، فليس عليه أن يشتري شاة أخرى؛ لأن النصاب ناقص وقت الوجوب، فلم يوجد شرط الوجوب وهو الغنى، فلو أنه وجدها وهو معسر وذلك في أيام النحر، فليس عليه أن يضحي بها؛ لأنه معسر وقت الوجوب، ولو ضاعت ثم اشترى أخرى وهو موسرٌ فضحى بها، ثم وجد الأولى وهو معسر، لم يكن عليه أن يتصدق بشيء لما قلنا. وجميع ما ذكرنا من الشروط يستوي فيها الرجل والمرأة؛ لأن الدلائل لا تفصل بينهما. (١) تقدم تخريجه وينظر الباب السابق. (٢) في ط: القرابة. ٢٨٤ كتاب التضحية ٢٩٠/١ ب وأما البلوغُ والعقلُ، فليسا من شرائط الوجوب في قول أبي / حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد وزفر: هما من شرائط الوجوب حتى تجب الأضحية في مال الصبي والمجنون إذا كانا موسرين عند أبي حنيفة وأبي يوسف (رحمهما الله)، حتى لو ضحى الأب أو الصبي من مالهما لا يضمن عندهما. وعن محمد وزفر (رحمهما الله): يضمن، وهو على الاختلاف الذي ذكرنا في صدقة الفطر والحجج(١) ذكرت هنالك. وَمِنَ المتأخرين مَنْ قال: لا خلاف بينهم في الأضحية أنها لا تجب في مالهما؛ لأَن القربة في الأُضحية هي إِراقة الدم وأنها إتلاف، ولا سبيل إلى إِتلاف مال الصغير والتصدق باللحم تطوع، ولا يجوز ذلك في مال الصغير، والصغير في العادة لا يقدر على أن يأكل جميع اللحم، ولا يجوز بيعه، ولا سبيل للوجوب رأساً. والصحيح أنه على الاختلاف، وتجب الأضحية عن أبي حنيفة وأبي يوسف (رحمهما الله) ولا يتصدق باللحم لما قلنا، لكن يأكل منها الصغير ويدخر له قدر حاجته ويبتاع بالباقي ما ينتفع بعينه، كابتياع البالغ بجلد الأضحية ما ينتفع بعينه. والذي يُجَنُّ ويفيق يعتبر حاله في الجنون والإِفاقة، فإن كان مجنوناً في أيام النحر فهو على الاختلاف، وَإِنْ كان مفيقاً يجب بلا خلاف. وقيل أن حكمه حكم الصحيح كيفٍ ما كان، ومن بلغ من الصغار في أيام النحر وهو موسر يجب عليه بإجماع بين أصحابنا، لأن الأهلية من الحر في آخر الوقت لا في أوله، كما لا يشترط إِسلامه وحريته وإقامته في أول الوقت لما بينا. ولا يجب على الرجل أن يضحي عن عبده ولا عن ولده الكبير فوفي وجوبها عليه من ماله لولده الصغير روايتان، كذا ذكره القدوري (رحمه الله). وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) أنها تجب في ظاهر الرواية، ولكن الأفضل أن يفعل ذلك، وأطلق الطحاوي (رحمه الله) ما يدل على الوجوب، فإِنه قال؛ ويجب على الرجل أَنْ يُضَحِّي عن أولاده الصغار. وجه رواية الوجوب أن ولد الرجل جزؤه، فإذا وجب عليه أن يضحي عن نفسه؛ فكذا عن ولده، ولهذا وجب عليه أن يؤدي عنه صدقة الفطر؛ ولأن له على ولده الصغير ولاية كامله، فيجب كصدقة الفطر بخلاف الكبير، فإِنه لا ولاية له عليه . (١) في ط: والحج. ٢٨٥ كتاب التضحية وجه ظاهر الرواية: أَنَّ الأصْلَ أَلاَّ يجب على الإنسان شيء على غيره، خصوصاً في القربات؛ لقول الله (تعالى): ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّ مَاَ سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وقوله (جلَّ شأنه): ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ولهذا لم يجب عليه عن عبده وعن ولده الكبير إلا أن صدقة الفطر خصت عن النصوص، فبقيت الأُضحية على عمومها، ولأَن سبب الوجوب هناك رأس يمونه ويلي عليه، وقد وجد في الولد الصغير وليس السبب الرأس ههنا. ألا ترى أنه يجب بدونه؛ وكذا لا يجب بسبب العبد، وأما الوجوب عليه من ماله لولد ولده إذا كان أبوه ميتاً فقد روى الحسن عن أبي حنيفة (رحمه الله) أن يضحي عنه. قال القدوري (رحمه الله): ويجب أن يكون هذا على روايتين؛ كما قالوا في صدقة الفطر، وقد مر وجه الروايتين في صدقة الفطر؛ وأما المصر فليس بشرط الوجوب، فتجب على المقيمين في الأمصار والقرى والبوادي، لأن دلائل الوجوب لا توجب الفعل(١) والله أعلم. فصل [في وقت الوجوب] وأما وقت الوجوب فأيام النحر، فلا تجب قبل دخول الوقت؛ لأَن الواجبات المؤقتة لا تجب قبل أوقاتها؛ كالصلاة والصوم ونحوهما، وأيام النحر ثلاثة : يومُ الأَضحى؛ وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، والحادي عشر، والثاني عشر؛ وذلك بعد طلوع الفجرِ من اليوم الأول إلى غروب الشمس من الثاني عشر. وقال الشافعي (رحمه الله تعالى) أيام النحر أربعة أيام: العاشر من ذي الحجة، والحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر (٢) (١) في ط: الفصل. (٢) قال ابن قدامة في المغني الكلام في وقت الذبح في ثلاثة أشياء؛ أوله، وآخره، وعموم وقته أو خصوصه. أما أوله، فظاهر كلام الخرقي أنه إذا مضى من نهار يوم العيد قدر تحل فيه الصلاة، وقدر الصلاة والخطبتين تامتين في أخف ما يكون، فقد دخل وقت الذبح، ولا يعتبر نفس الصلاة، لا فرق في هذا بين أهل المصر وغيرهم. وهذا مذهب الشافعي، وابن المنذر. وظاهر كلام أحمد، أن من شرط جواز التضحية في حق أهل المصر صلاة الإمام وخُطْبَتُه. وروي نحو هذا عن الحسن، والأوزاعي، ومالك، وأبي حنيفة، وإسحاق؛ لما روى جندب بن عبد الله البجلي، أن النبي ◌ِِّ قال: ((مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى)). وعن البراء، قال: قال رسول اللهِّهِ: ((مَنْ صَلَّى صَلاَّتُنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النَّسُكَ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى)). متفق عليه. وفي لفظ قال: ((إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنا فِي يَوْمِنَا هُذَا الصَّلاَةُ، ثُمَّ الذَّبْحُ، فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ، فَتِلْكَ شاءُ لَخْمٍ قَدَّمَهَا لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ = .. ٢٨٦ كتاب التضحية النُّسُكِ فِي شَيْءٍ)). فظاهر هذا اعتبار نفس الصلاة. وقال عطاء: وقتها إذا طلعت الشمس؛ لأنها عبادة = يتعلق آخرها بالوقت، فتعلق أولها بالوقت، كالصيام. وهذا وجه قول الخرقي ومن وافقه. والصحيح، إن شاء الله تعالى، أن وقتها في الموضع الذي يصلى فيه بعد الصلاة؛ لظاهر الخبر، والعمل بظاهره أولى. فأما غير أهل الأمصار والقرى، فأول وقتها في حقهم قدر الصلاة والخطبة بعد حل الصلاة؛ لأنه لا صلاة في حقهم تعتبر، فوجب الاعتبار بقدرها. وقال أبو حنيفة: أول وقتها في حقهم إذا طلع الفجر الثاني ؛ لأنه من يوم النحر، فكان وقتها منه كسائر اليوم. ولنا، أنها عبادة وقتها في حق أهل الأمصار بعد إشراق الشمس، فلا تتقدم وقتها في حق غيرهم، كصلاة العيد. وما ذكروه يبطل بأهل المصر، فإن لم يصل الإمام في المصر، لم يجز الذبح حتى تزول الشمس، لأنها حينئذٍ تسقط، فكأنه قد صلى، وسواء ترك الصلاة عمداً أو غير عمد، لعذر أو غيره. فأما الذبح في اليوم الثاني، فيجوز في أول النهار؛ لأن الصلاة فيه غير واجبة، ولأن الوقت قد دخل في اليوم الأول، وهذا من أثنائه، فلا تعتبر فيه صلاة ولا غيرها. وإن صلى الإمام في المصلى، واستخلف من صلى في المسجد، فمتى صلوا في أحد الموضعين جاز الذبح؛ لوجود الصلاة التي يسقط بها الفرض عن سائر الناس. فإن ذبح بعد الصلاة قبل الخطبة، أجزأ، في ظاهر كلام أحمد؛ لأن النبي ◌َّر علق المنع على فعل الصلاة، فلا يتعلق بغيره، ولأن الخطبة غير واجبة. وهذا قول الثوري. الثاني، آخر الوقت، وآخره آخر اليوم الثاني من أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة؛ يوم النحر، ويومان بعده. وهذا قول عمر، وعليّ، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس. قال أحمد: أيام النحر ثلاثة، عن غير واحد من أصحاب رسول الله وَّر. وفي رواية، قال: خمسة من أصحاب رسول الله وَلتر. ولم يذكر أنساً. وهو قول مالك، والثوري، وأبي حنيفة. وروي عن علي، آخره آخر أيام التشريق. وهو مذهب الشافعي، وقول عطاء، والحسن؛ لأنه روي عن جبير بن مطعم، أن النبي بَ ﴿ قال: ((أَيَّامُ مِنَّى كُلُّها مَنْحَرٌ)). ولأنها أيام تكبير وإفطار، فكانت محلاً للنحر كالأولين. وقال ابن سيرين: لا تجوز إلا في يوم النحر خاصة؛ لأنها وظيفة عيد، فلا تجوز إلا في يوم واحد، كأداء الفطرة يوم الفطر. وقال سعيد بن جبير، وجابر بن زيد، كقول ابن سيرين في أهل الأمصار، وقولنا في أهل منى. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار: تجوز التضحية إلى هلال المحرم. وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: كان الرجل من المسلمين يشتري أضحية، فيسمنها حتى يكون آخر ذي الحجة، فيضحي بها. رواه الإمام أحمد، بإسناده. وقال: هذا الحديث عجيب. وقال: أيام الأضحى التي أجمع عليها ثلاثة أيام. ولنا، أن النبي ◌َّ نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث. ولا يجوز الذبح في وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه، ولأن اليوم الرابع لا يجب الرمي فيه، فلم تجز التضحية فيه، كالذي بعده، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم إلا رواية عن علي، وقد روى عنه مثل مذهبنا، وحديثهم إنما هو: ((ومِنَّى كُلُّهَا مَنْحَرٌ)). ليس فيه ذكر الأيام، والتكبير أعم من الذبح، وكذلك الإفطار، بدليل أول يوم النحر، ويوم عرفة يوم تكبير، ولا يجوز الذبح فيه. الثالث، في زمن الذبح، وهو النهار دون الليل. نص عليه أحمد، في رواية الأثرم. وهو قول مالك. وروي عن عطاء ما يدل عليه. وحكي عن أحمد، رواية أخرى، أن الذبح يجوز ليلاً. وهو اختيار أصحابنا المتأخرين، وقول الشافعي، وإسحاق، وأبي حنيفة، وأصحابه؛ لأن الليل زمن يصح فيه الرمي، فأشبه النهار. ووجه قول الخرقي قول الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مُنْ = ٢٨٧ كتاب التضحية والصحيحُ قولنا؛ لما روي عن سيدنا عمر، وسيدنا علي، وابن عباس، وابن سيدنا عمر، وأنس بن مالك (رضي الله عنهم) أنهم قالوا: أيام النحر ثلاثة أولها أفضلها(١)، والظاهر أنهم سمعوا ذلك من رسول الله وَلهر لأن أوقات العبادات والقربات لا تعرف إلا بالسمع، فإذا طلع الفجر من اليوم الأول فقد دخل وقت الوجوب، فتجب عند استجماع شرائط الوجوب. ثم لجواز الأداء بعد ذلك شرائط أخر نذكرها في موضعها، إن شاء الله تعالى، فإن وجدت يجوز، وإلا فلا؛ كما لا تجب الصلاة بدخول وقتها، ثم إِن وجدت شرائط جواز أدائها جازت، وإِلاَّ فلا، والله تعالى أعلم. فصل [في كيفية الوجوب] وأما كيفية الوجوب فأنواع: منها أنها تجب في وقتها وجوباً (٢) موسعاً(٣)، ومعناه أنها بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾. وروي عن النبي ◌َّة، أنه نهى عن الذبح بالليل. ولأنه ليل يوم يجوز الذبح فيه، فأشبه ليلة يوم النحر، ولأن الليل تتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب، فلا يفرق طرياً، فيفوت بعض المقصود؛ ولهذا قالوا: يكره الذبح فيه. فعلى هذا، إن ذبح ليلاً لم يجزئه عن الواجب، وإن كانت تطوعاً فذبحها، كانت شاة لحم، ولم تكن أضحية، فإن فرقها، حصلت القربة بتفريقها، دون ذبحها. ينظر: المغني (٣٨٤/١٣ - ٣٨٧). (١) ذكره المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (٢٢٣/٥) رقم (١٢٦٧٦) وعزاه لابن أبي الدنيا. (٢) في ط: جواباً. (٣) الفعل الذي تعلق به الوجوب قد لا يكون له وقت محدد من الشارع بحيث يكون معلوم البداية والنهاية كالزكاة ويسمى واجباً غير مؤقت وقد يكون له وقت محدد أي معلوم البداية والنهاية ويسمى لذلك واجباً مؤقتاً، أي ذا وقت معين، وهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون وقته مساوياً لفعله لا يزيد عليه ولا ينص عنه كصوم رمضان ويسمى واجباً مضيقاً ثانيها: أن يكون الوقت ناقصاً عن الفعل بحيث لا يمكن إيقاعه بتمامه فيه فإن أريد الإتيان بجميع الفعل في ذلك الوقت الذي لا يسعه كان ذلك من باب التكليف بالمحال، يمنعه من لا يجوز التكليف به، وإن أريد الشروع فيه والتكميل خارجة جاز التكليف به كوجوب الصلاة على من زال عذره وقد بقي من وقتها ما يسع ركعة، كحائض تطهر. وصبي يبلغ ومجنون يفيق ولم يبق من الوقت إلا ما يسع ركعة، والفعل حينئذٍ يكون أداء في اصطلاح الفقهاء قضاء عند الأصوليين بخلاف ما لو زال العذر وقد بقي من الوقت ما لا يسع ركعة فإن الفعل حينئذٍ يكون قضاء عند الجميع . ثالثها: أن يكون الوقت زائداً على الفعل، ويسمى لذلك بالواجب الموسع. وللعلماء فيه خمسة مذاهب. منها مذهبان متفقان على الاعتراف بالواجب الموسع ووجهتهما في ذلك أن الوجوب متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء الوقت وأي جزء من هذه الأجزاء صالح لأن يتعلق به الوجوب، كما أنه متعلق بالقدر المشترك بين الأفراد في الواجب المخير وكل فرد صالح لأن يتعلق به الوجوب: فأجزاء الزمان في = ٢٨٨ كتاب التضحية تجب في جملة الوقت غير عين كوجوب الصلاة في وقتها، ففي أي وقت ضحى من عليه الواجب. كان مؤدياً للواجب، سواء كان في أول الوقت أو وسطه أو آخره كالصلاة. والأصلُ أن ما وجب في جزء من الوقت غير عين يتعين الجزء الذي أدى فيه الوجوب أو /٢٩١ أ آخر الوقت كما في الصلاة، وهو الصحيح من الأقاويل على ما عرف في ((أصول / الفقه)). وعلى هذا يخرج ما إذا لم يكن أهلاً للوجوب في أول الوقت، ثم صار أهلاً في آخره؛ بأن كان كافراً أو عبداً أو فقيراً أو مسافر في أول الوقت ثم أسلم، أو أعتق، أو أيسر، أو أقام في آخره - أنه يجب عليه، ولو كان أهلاً في أوله ثم لم يبق أهلاً في آخره بان ارتدَّ أو أعسر أو سافر في آخره، لا يجب عليه. الواجب الموسع كالأفراد في الواجب المخير، كل منها صالح لأن يتعلق به الوجوب. = وبعد أن اتفقا على الاعتراف بالواجب الموسع اختلفا فيما وراء ذلك على رأيين: الأول: وهو للجمهور أن الوجوب يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت سواء كان أولاً أو آخراً من غير شرط لعزم، أو تعيين لبعض الأجزاء. الثاني: وهو لجماعة من المتكلمين منهم القاضي أبو بكر وموافقوه، أن الوجوب يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت، لكن لا يجوز تركه في الجزء السابق إلا بشرط العزم على الفعل في الجزء اللاحق إلى أن يبقى من الوقت ما يسع الصلاة فيتعين فعلها حينئذٍ. أما الثلاثة الباقية فمتفقة على إنكار الواجب الموسع، ووجهوا ذلك بأن الوجوب يقتضي المنع من الترك، والتوسعة تقتضي جواز الترك، والجمع بينهما محال. ومع اتفاقهم على ذلك اختلفوا فيما بينهم على ثلاثة آراء: الأول: أن الوجوب يختص بأول الوقت فإن فعله في آخره كان قضاء مع عدم الإثم فقد نقل القاضي أبو بكر الإجماع على نفي الإثم حيث قالوا أنه قضاء سد مسد الأداء، ونقل الشافعي هذا القول عن المتكلمين، ونسب خطأ لبعض الشافعية لأن هذا القول غير معروف في مذهبهم، وزعم البعض أنه قضاء مع الإثم. الثاني: وهو معزو لبعض الحنفية أن الوجوب يختص بآخر الوقت، فإن فعل في أوله كان تعجيلاً. الثالث: وهو رأي الكرخي من الحنفية، أنه يختص بآخر الوقت فإن فعل أوله نظر إن أدرك الفاعل آخر الوقت وهو على صفة التكليف كان ما فعله واجباً وإن لم يكن على صفته بأن جن العاقل. أو حاضت المرأة، أو غير ذلك كان ما فعله نقلاً. وبضم هذه الآراء الثلاثة للمنكرين للواجب الموسع إلى الرأيين السابقين للمعترفين به يكون مجموع الأقوال فيه خمسة . ينظر: المحصول (٢٩٠/٢/١ - ٢٩١)، شرح تنقيح الفصول ص (١٥٠ - ١٥١)، منتهى السؤل والأصل ص (٣٥ - ٣٦)، شرح العضد (٢٤١/١)، روضة الناظر (٩٩/١)، التحصيل (٣٠٤/١ - ٣٠٦)، نهاية السول (١٦٠/١)، البحر المحيط (٢٠٨/١)، الإحكام (٩٨/١)، تيسير التحرير (١٨٨/٢)، كشف الأسرار (٢١٨/١)، أصول السرخسي (٣١/١)، فواتح الرحموت (٧٢/١). ٢٨٩ كتاب التضحية ولو ضحى في أول الوقت وهو فقير، ثم أيسر في آخر الوقت فعليه أن يعيد الأضحية عندنا، وقال بعض مشايخنا: ليس عليه الإِعادة، والصحيحُ هو الأول؛ لأنه لما أيسر في آخر الوقت تعين آخر الوقت للوجوب عليه، وتبين أن ما أداه وهو فقير كان تطوعاً، فلا ينوب عن الواجب . وما روي عن الكرخي (رحمه الله) في الصلاة المؤداة في أول الوقت أنها نفل مانع من الوجوب في آخر الوقت - فاسدٌ عُرف فسادُهُ في ((أصول الفقه)). ولو كان موسراً في جميع الوقت فلم يضح حتى مضى الوقت ثم صار فقيراً، صار قيمة شاة صالحة للأضحية ديناً في ذمته يتصدق بها متى وجدها؛ لأن الوجوب قد تأكد عليه بآخر الوقت، فلا يسقط بفقره بعد ذلك؛ كالمقيم إذا مضى عليه وقت الصلاة، ولم يصل حتى سافر - لا يسقط عنه شطر الصلاة، وكالمرأة إذا مضى عليها وقت الصلاة، وهي طاهرة، ثم حاضت - لا يسقط عنها فرض الوقت حتى يجب عليها القضاء إذا طهرت من حيضها. كذا ههنا . ولو مات الموسر في أيام النحر قبل أن يضحي - سقطت عنه الأضحية، وفي الحقيقة - لم تجب؛ لما ذكرنا أن الوجوب عند الأداء، أو في آخر الوقت؛ فإذا مات قبل الأداء - مات قبل أن تجب عليه؛ كمن مات في وقت الصلاة قبل أن يصليها أنه مات، ولا صلاة عليه. كذا ههنا . وعلى هذا تخرج رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله - أن الرجل الموسر إذا ولد له ولد في آخر أيام النحر - أنه يجب عليه أن يذبح عنه، وهي إحدى الروايتين اللتين ذكرناهما أنه كما يجب على الإنسان إذا كان موسراً أن يذبح عن نفسه - يجب عليه أن يذبح عن ولده الصغير؛ لأنه وُلِدَ وقت تأكد الوجوب؛ بخلاف صدقة الفطر أنه إذا ولد له ولد بعد طلوع الفجر من يوم الفطر - أنه لا تجب عليه صدقة فطره؛ لأن الوجوب هناك تعلق بأول اليوم؛ فلا يجب بعد مضي جزء منه. وههنا بخلافه. وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى شاة للأضحية، وهو موسر، ثم أنها ماتت، أو سرقت، أو ضلت في أيام النحر - أنه يجب عليه أن يضحي بشاة أخرى؛ لأن الوجوب في جملة الوقت، والمشتري لم يتعين للوجوب، والوقت باق، وهو من أهل الوجوب؛ فيجب إلا إذا كان عينها بالنذر؛ بأن قال الله - تعالى - عليّ أن أضحي بهذه الشاة، وهو موسر، أو معسر؛ فهلكت، أو ضاعت - أنه تسقط عنه التضحية بسبب النذر؛ لأن المنذور به معين؛ لإقامة الواجب، فيسقط الواجب؛ بهلاكه؛ كالزكاة تسقط بهلاك النصاب عندنا - غير أنه إن كان الناذر موسراً - تلزمه شاة أخرى، بإيجاب الشرع ابتداء، لا بالنذر، وإن كان معسراً، فاشترى شاة بدائع الصنائع ج ٦ - م١٩ ٢٩٠ كتاب التضحية الأضحية؛ فهلكت في أيام النحر، أو ضاعت - سقطت عنه، وليس عليه شيء آخر؛ لما ذكرنا أن الشراء من الفقير للأضحية بمنزلة النذر؛ فإذا هلكت - فقد هلك محل إقامة الواجب؛ فيسقط عنه، وليس عليه شيء آخر بإيجاب الشرع ابتداء، لفقد شرط الوجوب، وهو اليسار. ولو اشترى الموسر شاة للأضحية؛ فضلت؛ فاشترى شاة أخرى، ليضحي بها، ثم وجد الأولى في الوقت - فالأفضل أن يضحي بهما؛ فإن ضحى بالأولى - أجزأه، ولا تلزمه التضحية بالأخرى، ولا شيء عليه غير ذلك، سوا كانت قيمة الأولى أكثر من الثانية، أو أقل. والأصل فيه ما روي عن سيدتنا عائشة - رضي الله عنها -: ((أنها ساقت هدياً؛ فضاع؛ فاشترت مكانه آخر، ثم وجدت الأول؛ فنحرتهما، ثم قالت: الأول كان يجزىء عني)) فثبت الجواز بقولها والفضيلة بفعلها - رضي الله عنها - ولأن الواجب في ذمته ليس إلا التضحية بشاة واحدة، وقد ضحى. وإن ضحى بالثانية - أجزأه، وسقطت عنه الأضحية، وليس عليه أن يضحي بالأولى؛ لأن التضحية بها لم تجب بالشراء، بل كانت الأضحية واجبة في ذمته بمطلق الشاة، فإذا ضحى بالثانية - فقد أدى الواجب بها؛ بخلاف المتنقل بالأضحية إذا ضحى بالثانية - أنه يلزمه التضحية بالأولى أيضاً؛ لأنه لما اشتراها للأضحية - فقد وجب عليه التضحية بالأولى أيضاً بعينها؛ فلا يسقط بالثانية؛ بخلاف الموسر، فإنه لا يجب عليه التضحية بالشاة المشتراة بعينها، وإنما الواجب في ذمته، وقد أداه بالثانية؛ فلا تجب عليه التضحية بالأولى. وسواء كانت الثانية مثل الأولى في القيمة، أو فوقها، أو دونها - لما قلنا غير أنها إن ٢٩١/١ ب كانت دونها في القيمة / - يجب عليه أن يتصدق بفضل ما بين القيمتين، لأنه بقيت له هذه الزيادة سالمة من الأضحية؛ فصار كاللبن ونحوه، ولو لم يتصدق بشيء، ولكنه ضحى بالأولى أيضاً، وهو في أيام النحر - أجزأه، وسقطت عنه الصدقة؛ لأن الصدقة إنما تجب خَلَفاً عن فوات شيء من شاة الأضحية، فإذا أدى الأصل في وقته - وسقط عنه الخلف. وأما على قول أبي يوسف (رحمه الله) فإنه لا تجزيه التضحية إِلا بالأولى؛ لأنه يجعل الأضحية كالوقف، ولو لم يذبح الثانية حتى مضت أيام النحر ثم وجد الأولى، ذكر الحسن بن زياد في الأضاحي أن عليه أن يتصدق بأفضلهما ولا يذبح، وذكر فيها أنه قول زفر وأبي يوسف والحسن بن زياد (رحمهم الله)؛ لأنه لم يجب عليه في آخر الوقت إِلا التضحية بشاة، فإِذا خرج الوقت تحول الواجب من الإِراقة إلى التصدق بالعين. ولو اشترى شاة للأضحية وهو معسر، أو كان موسراً، فانتقص نصابه بشراء الشاة ثم ضلت، فلا شيء عليه، ولا يجب عليه شيء آخر؛ أما الموسر فلفوات شرط الوجوب وقت الوجوب، وأما المعسر فلهلاك محل إقامة الواجب، فلا يلزمه شيء آخر. ٢٩١ كتاب التضحية ومنها: أن لا يقوم غيرها مقامها حتى لو تصدق بعين الشاة أو قيمتها في الوقت، لا يجزيه عن الأضحية؛ لأن الوجوب تعلق بالإراقة، والأصل أن الوجوب إِذا تعلق بفعل معين أنه لا يقوم غيره مقامه؛ كما في الصلاة والصوم وغيرهما؛ بخلاف الزكاة، فإن الواجب أداء جزء من النصاب. ولو أدى من مال آخر جاز؛ لأن الواجب هناك ليس جزءاً من النصاب عند أصحابنا، بل الواجب مطلق المال، وقد أدى وعند بعضهم، وإِن كان الواجب أداء جزء من النصاب لكن من حيث أنه مال لا من حيث أنه جزء من النصاب؛ لأنَّ مبني وجوب الزكاة على التيسير، والتيسير في الوجوب من حيث أنه مال، لا من حيث أنه العين والصورة، وههنا الواجب في الوقت [هو](١) إراقة الدم شرعاً غير معقول المعنى، فيقتصر الوجوب على مورد الشرع؛ وبخلاف صدقة الفطر أنها تتأدى بالقيمة عندنا، لأن الواجب هناك معلولٌ بمعنى الإِغناء، قال النبيُّ ◌َله ((أَغْنُوهُمْ عَنِ المسألة فِي مِثْلِ هُذَا الْيَوْمِ))(٢) والإِغناء يحصل بأداء القيمة، والله (عزَّ شأنه) أعلم. ومنها: أنه تجزىء فيها النيابة فيجوز للإنسان أن يضحي بنفسه، وبغيره بإذنه؛ لأنها قربة تتعلق بالمال، فتجزىء فيها النيابة كأداء الزكاة وصدقة الفطر؛ ولأن كل أحد لا يقدر على مباشرة الذبح بنفسه خصوصاً النساء، فلو لم تجز الاستنابة لأدى إلى الحرج، وسواء كان المأذون مسلماً أو كتابيًّا، حتى لو أمر مسلم كتابيًّا أن يذبح أضحيته يجزيه؛ لأن الكتابي من أهل الذكاة، إلا أنه يكره؛ لأَن التضحية قربةٌ، والكافر ليس من أهل القربة لنفسه، فتركه إِنابته في إقامة القربة لغيره. وسواءٌ كان الإِذنُ نَصَّا أو دلالةً، حتى لو اشترى شاة للأضحية فجاء يوم النحر فأضجعها وشد قوائمها فجاء إِنسان وذبحها من غير أمره، أجزأه استحساناً، والقياس أنه لا يجوز، وأن يضمن الذابح قيمتها، وهو قول زفر (رحمه الله)، وقال الشافعي: يجزيه عن الأضحية ويضمن الذابح . أما الكلام مع زفر فوجه القياس أنه ذبح شاة غيره بغير أمره، فلا يجزي عن صاحبها، ويضمن الذابح كما لو غصب شاة وذبحها، وهو وجه الشافعي في وجوب الضمان على الذابح. وجه الاستحسان: أنه لما اشتراها للذبح وعينها لذلك، فإذا ذبحها غيره فقد حصل (١) سقط من ط . (٢) تقدم في زكاة الفطر. ٢٩٢ كتاب التضحية غرضه وأسقط عنه مؤنة الذبح، فالظاهر أنه رضي بذلك، فكان مأذوناً(١) فيه دلالةٌ، فلا يضمن، ويجزيه عن الأضحية؛ كما لو أذن له بذلك نصًّا، وبه تبين وهي قول الشافعي (رحمه الله) أنه يجزيه عن الأضحية ويضمن الذابح، لأن كون الذبح مأذوناً فيه يمنع وجوب الضمان؛ كما لو نص على الإِذن، وكما لو باعها بإذن صاحبها، ولو لم يرض به وأراد الضمان يقع عن المضحي، وليس للوكيل أن يضحي ما وكل بشرائه بغير أمر موكله، ذكره أبو يوسف (رحمه الله) في ((الإملاء))، فإن ضحى جاز استحساناً؛ لأنه أعانه على ذلك فوجد الإذن منه دلالة إلا أن يختار أن يضمنه فلا يجزي عنه. وعلى هذا إذا غَلَطَ رجلان فذبح كل واحد منها أضحية صاحبه عن نفسه، أنه يجزي كل واحد منهما أضحيته عنه استحساناً، ويأخذها من الذابح لما بينا أَنَّ كل واحد منهما يكون راضياً بفعل صاحبه، فيكون مأذوناً فيه دلالة، فيقع الذبح عنه ونية صاحبه تقع لغواً، حتى لو تشاخًا وأراد كل واحد منهما الضمان تقع الأضحية له وجازت عنه؛ لأنه ملكه بالضمان على ما نذكره في الشاة المغصوبة، إن شاء الله (تعالى). وذكر هشام عن أبي يوسف (رحمهما الله) / في نوادره في رجلين اشتريا أضحيتين فذبح كل منهما أضحية صاحبه غلطاً عن نفسه وأكلها - قال يجزي كل واحد منهما في قول أبي حنيفة (رحمه الله). ١٢٩٢/١ وقولنا: ويحلل كل واحد منهما صاحبه، فإِن تشاحًا ضمن كل واحد منهما لصاحبه قيمة شاته، فإن كان قد انفضت أيام النحر يتصدق بتلك القيمة، أما جواز إحلالهما؛ فلأنه يجوز لكل واحد منهما أن يطعمها لصاحبه ابتداءً قبل الأكل، فيجوز أن يحلله بعد الأكل، وله أن يضمنه لأَن مَنْ أتلف لحم الأضحية يضمن ويتصدق بالقيمة، لأن القيمة تدل عن اللحم، فصار كما لو باعه. قال: وسألتُ أبا يوسف (رحمه الله) عن البقرة إذا ذبحها سبعة في الأضحية، أيقتسمون لحمها جزافاً أو وزناً؟ قال: بل وزناً، قال(٢): قلت: فإِن اقتسموها مجازفةً، وحلل بعضهم بعضاً؟ قال: أَكْرَهُ ذلك قال: قلتُ: فما تقول في رجلٍ باع درهماً بدرهم فرجح أحدهما فحلل صاحبه الرجحان؟ قال: هذا جائزٌ؛ لأنه لا يقسم معناه أنه هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة، وهو الدرهم الصحيح. أما عدم جواز القسمة مجازفة فلأن فيها معنى التمليك، واللحم من الأموال الربوية، فلا يجوز تمليكه مجازفة كسائر الأموال الربوية . (١) في ط: مؤذناً. (٢) في أ: فإن. ٢٩٣ كتاب التضحية وأما عدم جواز التحليل فلأن الربوي لا يحتمل الحل بالتحليل، ولأنه في معنى الهبة، وهبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تصح؛ بخلاف ما إِذا رجح الوزن. ومنها: أنها تقضي إذا فاتت عن وقتها، والكلام فيه في موضعين: أحدهما: في بيان أنها مضمونة بالقضاء في الجملة. والثاني: في بيان ما تقتضي به. أما الأول: فلأن وجوبها في الوقت إِما لحق العبودية، أو لحق شكر النعمة أو لتكفير الخطايا، لأن العبادات والقربات إِنما تجب لهذه المعاني، وهذا لا يوجب الاختصاص بوقت دون وقت، فكان الأصل فيها أن تكون واجبة في جميع الأوقات وعلى الدوام بالقدر الممكن، إلا أن الأداء في السنة مرة واحدة في وقت مخصوص أقيم مقام الأداء في جميع السنة، تيسيراً على العباد، فضلاً من الله (عزَّ وجلَّ) ورحمة، كما أقيم صوم شهر في السنة مقام [صوم](١) جميع السنة، وأقيم خمس صلوات في اليوم والليلة(٢) مقام الصلاة آناء الليل وأطراف النهار، فإِذا لم يؤد في الوقت بقي الوجوب في غيره؛ لقيام المعنى الذي له وجبت في الوقت. وَأَمَّا الثاني: فنقول أنها لا تقضي بالإِراقة؛ لأن الإِراقة لا تعقل قربة، وإنما جعلت قربة بالشرع في وقت مخصوص، فاقتصر كونها قربة على الوقت المخصوص، فلا تقضي بعد خروج الوقت، ثم قضاؤها قد يكون بالتصدق بعين الشاة حية، وقد يكون بالتصدق بقيمة الشاة، فإِنْ كَانَ أوجب التضحية على نفسه بشاة بعينها فلم يضحها حتى مضت أيام النحر، بتصدق بعينها حية؛ لأن الأصل في الأموال التقرب بالتصدق بها، لا بالإِتلاف، وهو الإِراقة إلا أنه نقل إلى الإِراقة مقيداً في وقت مخصوص، حتى يحل تناول لحمه للمالك والأجنبي والغني والفقير، لكون الناس أضياف الله (عزَّ شأنه) فى هذا الوقت، فإذا مضى الوقت عاد الحكم إلى الأصل، وهو التصدق بعين الشاة، سواء كان موسراً أو معسراً، لما قلنا. وكذلك المعسر إذا اشترى شاة ليضحي بها، فلم يضح حتى مضى الوقت، لأن الشراء للأضحية من الفقير كالنذر بالتضحية، وأما الموسر إذا اشترى شاة للأضحية؛ فكذلك الجواب. ومن المشايخ من قال: هذا الجواب في المعسر؛ لأن الشاة المشتراة للأضحية من المعسر تتعين للأضحية، فأما من الموسر فلا تتعين بدليل أنه يجوز له التضحية بشاة أخرى في الوقت مع بقاء الأولى، وتسقط عنه الأضحية، والصحيح أنها تتعين من الموسر أيضاً بلا (١) سقط من ط . (٢) في ط: يوم وليلة. ٢٩٤ كتاب التضحية خلاف بين أصحابنا، فإن محمداً (رحمه الله) ذكر عَقِيبَ جواب المسألة؛ وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف (رحمهما الله) وقولُنا. ووجهه أن نية التعيين قارنت الفعل وهو الشراء، فأوجبت تعيين المشتري للأضحية إِلاَّ أن تعيينه للأُضحية لا يمنع جواز التضحية بغيرها، كتعيين النصاب لأداء الزكاة منه لا يمنع جواز الأداء بغيره وتسقط عنه الزكاة، وهذا لأن المتعين [ما] (١) لا يزاحمه غيره، فإِذا ضحى بغيره أو أدى الزكاة من غير النصاب لم يبق الأول متعيناً، فكانت الشاة متعينة للتضحية ما لم يضح بغيرها كالزكاة، وإن كان لم يوجب على نفسه ولا اشترى وهو موسر حتى مضت أيام النحر، تصدق بقيمة شاة تجوز في الأضحية، لأنه إذا لم يوجب ولم يشتر لم يتعين شيء للأُضحية، وإِنما الواجب عليه إراقة دم شاة، فإِذا مضى الوقت قبل أن يذبح ولا سبيل إلى التقرب بالإِراقة بعد خروج الوقت لما قلنا، انتقل الواجب من الإِراقة والعين أيضاً، لعدم ٢٩٢/١ ب التعيين إلى / القيمة وهو قيمة شاة يجوز ذبحها في (٢) الأضحية. ولو صار فقيراً بعد مضي أيام النحر لا يسقط عنه التصدق بعين الشاة، أو بقيمتها؛ لأنه إذا مضى الوقت صار ذلك دَيْناً في ذمته، فلا يسقط عنه لفقره بعد ذلك، ولو وَجَبَ عليه التصدق بعين الشاة فلم يتصدق [بها](٣) ولكن ذبحها، يتصدق ويجزيه ذلك. إن لم ينقصها الذبح، وَإِن نقصها يتصدق باللحم وقيمة النقصان ولا يحل له أن يأكل منها وإِن أكل منها شيئاً غرم قيمته ويتصدق بها؛ لما يذكر في موضعه. وكذلك لو أوجب على نفسه أن يتصدق بها، لا يأكل منها إذا ذبحها بعد وقتها أو في وقتها، فهو سواءٌ. ومن وجبت عليه الأضحية فلم يضح حتى مضت أيام النحر، ثم حضرته الوفاة، فعليه أن يوصي بأن يتصدق عنه بقيمة شاة من ثلث ماله؛ لأنه لما مضى الوقت فقد وجب عليه التصدق بقيمة شاة، فيحتاج إلى تخليص نفسه عن عهدة الواجب، والوصية طريق التخليص، فيجب عليه أن يوصي كما في الزكاة والحج وغير ذلك. ولو أوصى بأن يضحي عنه ولم يسم شاة ولا بقرة ولا غير ذلك، ولم يبين الثمن أيضاً، جاز ويقع على الشاة، بخلاف ما إذا وَكَّلَ رجلاً أن يضحي عنه ولم يسم شيئاً ولا ثمناً، أنه لا يجوز . (١) سقط من ط . (٣) سقط من ط . (٢) في أ: عن. ٢٩٥ كتاب التضحية والفرق أن الوصية تحتمل من الجهالة شيئاً لا تحتمله الوكالة، فإن الوصية بالمجهول وللمجهول تصخُ، ولا تصح الوكالة. ولو أوصى بأن يشتري له شاة بعشرين درهماً، فيضحي عنه إِن مات، فمات وثلثه أقل من ذلك، فإِنه يضحي عنه بما يبلغ الثلث على قياس الحج إذا أوصى بأن يحج عنه بمائة وثلثُهُ أقلُّ من مائه، فإِنه يحج بمائة، بخلاف العتقِ إذا أوصى بأن يعتق عنه عبد بمائة وثلثُهُ أَقَلُّ أن عند أبي حنيفه (رحمه الله) تبطل الوصية، وعندهما يعتق عنه بما بقي؛ لأنه أوصى بمال مقدر فيما هو قربة، فتنفذ الوصية فيما أمكن كما في الحج. ووجه الفرق لأبي حنيفة (رحمه الله): أَنَّ مَصْرِفَ الوصية في العتق هو العبد؛ فكأنه أوصى بعبد موصوف بصفة، وهو أن يكون ثمنه مائة، فإِذا اشترى بأقل كان هذا غير ما أوصى به، فلا يجوز بخلاف الحج والأضحية، فإن المصرف ثمة هو الله (عزَّ شأنه)، فسواء كان قيمة الشاة أقل أو مثل ما أوصى به، يكون المصرف واحداً، والمقصود بالكل واحد، وهو القربة؛ وذلك حاصلٌ، فیجوز. ومنها: أن وجوبها نسخ كل دم كان قبلها من العقيقة والرجبية والعتيرة، كذا حكى أبو بكر الكيساني عن محمد (رحمه الله) أنه قال: قد كانت في الجاهلية ذبائح يذبحونها. ومنها: العقيقة كانت في الجاهلية، ثم فعلها المسلمون في أول الإسلام، فنسخها ذبح الأضحية، فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل(١). (١) العقيقة: الذبيحة التي تذبح عن المولود، وقيل: هي الطعام الذي يصنع ويدعى إليه من أجل المولود. قال أبو عبيد: الأصل في العقيقة الشعر الذي على المولود، وجمعها عقائق، ومنها قول الشاعر: أيا هند لا تنكحي بوهة عليه عقيقته أحسبا ثم إن العرب سمت الذبيحة عند حلق شعره عقيقة، على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه أو ما جاوره، ثم اشتهر ذلك حتى صار من الأسماء العرفية، وصارت الحقيقة مغمورة فيه، فلا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة. وقال ابن عبد البر: أنكر أحمد هذا التفسير، وقال: إنما العقيقة الذبح نفسه. ووجهه أن أصل العق القطع، ومنه عق والديه، إذا قطعهما. والذبح قطع الحلقوم والمريء والودجين. والعقيقة سنة في قول عامة أهل العلم؛ منهم ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وفقهاء التابعين، وأئمة الأمصار، إلا أصحاب الرأي، قالوا: ليست سنة، وهي من أمر الجاهلية. وروي عن النبي ◌َّ، أنه سئل عن العقيقة، فقال: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لاَ يُحِبُّ الْعُقُوقَ)). فكأنه كره الاسم، وقال: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ، فَلْيَفْعَلْ)). رواه مالك في ((موطئه)). وقال الحسن، وداود: هي واجبة. وروي عن بريدة، أن الناس يعرضون عليها، كما يعرضون على الصلوات الخمس؛ لما روى سمرة بن جندب، أن النبيِ وَل﴿ قال: ((كُلُّ غُلاَمَ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُسَمَّى فِيهِ، وَتُحْلَقُ رَأْسُه)). وعن أبي هريرة مثله. قال أحمدً: إسناد جيد، وروى حديث سمرة الأثرم، وأبو داود. وعن عائشة، أن = ٢٩٦ كتاب التضحية ومنها: شاة كانوا يذبحونها في رجب تدعى الرجبية، كان أهل البيت يذبحون الشاة فيأكلون ويطبخون ويطعمون، فنسخها ذبح الأضحية. ومنها: العتيرة كان الرجلُ إذا ولدت له الناقة أو الشاة ذبح أَوَّلَ وَلَدٍ تلده فأكل وأطعم. قال محمد (رحمه الله): هذا كله كان يفعل في الجاهلية فنسخه ذبح الأضحية. وقيل في تفسير العتيرة: كان الرجل من العرب إذا نذر نذراً أنه إِذا كان كذا أو بلغ شاة كذا، فعليه أن يذبح من كل عشر منها كذا في رجب، والعقيقة الذبيحة التي تذبح عز المولود يوم أسبوعه، وإنما عرفنا انتساخ هذه الدماء بما روي عن سيدتنا عائشة (رضي الله عنها) أنها قالت: نسخ صومُ رمضان كلَّ صوم كان قبله، ونسختِ الأضحيةُ كلَّ ذبح كان قبلها، ونَسَخَ غسلُ الجنابة كلَّ غسل كان قبله(١) . والظاهر أنها قالت ذلك سماعاً من رسولِ الله وَلَّ لأَن انتساخ الحكم مما لا يدرك بالاجتهاد، ومنهم مَنْ روى هذا الحديث مرفوعاً إِلى رسول اللهِ وَلَّ، وَنَسَخَتِ الزَّكَاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ كَانَتْ قَبْلَهَا، وكذا قال أهل التأويل في قوله (عزَّ شأنه): ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِّ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة: ١٣] إنَّ ما أمروا به من تقديم [الصدقة](٢) على النجوى مع رسولِ الله وَل نسخ بقوله (جلَّ شأنه) ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ . وذكر محمد (رحمه الله) في العقيقة: فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل، وهذا يشير إِلى الإباحة، فيمنع كونه سنة. رسول الله ﴿ أمرهم عن الغلام بشاتين مكافئتين، وعن الجارية بشاة. وظاهر الأمر الوجوب. ولنا، على = استحبابها هذه الأحاديث، وعن أم كرز الكعبية، قالت: سمعت رسول الله وَّهِ يقول: ((عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مُكافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ)). وفي لفظ: ((عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مِثْلاَنٍ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةً)). رواه أبو داود، وفي رواية قال: ((الْعَقِيقَةُ عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانٍ)). والإِجْمَاعُ، قال أبو الزّناد: العَقِيقَةُ من أمرِ الناسِ، كانُوا يكرهُون تَرْكَه. وقال أحمدُ: العَقِيقَّةُ سُنَّةٌ عن رسولِ اللَّهِ وَلَّ، قد عَقَّ عن الحسن والحسينِ، وفَعَلَهُ أصحابُه، وقال النَّبِيُّ وََّ: ((الْغُلاَمُ مُرْتَهَنْ بِعَقِيقَتِهِ)). وهو إسْنَادٌ جَيِّدٌ، يَزْوِيهِ أَبو هُرَيْرةَ عن النَّبِيِّ وَ. وجَعَلَها أبو حنيفةَ من أمرِ الجاهِلِيَّةِ، وذلك لِقِلَّةِ عِلْمِهِ وَمْعِرَفَتِهِ بالأَخبارِ وأَمَّا بَيانُ كونِها غيرَ واجِبَةٍ، فَدَلِيلُه ما اِحْتَجَّ بِهِ أصحابُ الرَّأْيِ مِنَ الْخَبَرِ، وَما رَووَهْ محمولٌ على تأكيدِ الاسْتِخْبابِ، جَمْعاً بينَ الأَخْبَارِ، ولأنَّها ذَبِيحَةٌ لسُرورٍ حادِثٍ، فلم تكُنْ وَاجِبَةً، كالوَلِيمَةِ والنَّقِيعَةِ. ينظر: المغني (٣٩٣/١٣ - ٣٩٥). (١) تقدم في كتاب الزكاة. (٢) سقط من ط . ٢٩٧ كتاب التضحية وذكر في ((الجامع الصغير)): ولا يعقُّ عن الغلام ولا عن الجارية، وأنه إِشارة إِلى الكراهة؛ لأن العقيقة كانت فضلاً، ومتى نُسخ الفضلُ لا يبقى إلا الكراهة؛ بخلاف الصوم والصدقة؛ فإِنهما كانا من الفرائض لا من الفضائل، فإِذا نُسخت منها الفرضية يجوزُ التنقل بهما، وقال الشافعي (رحمه الله): العقيقةُ سُنَّةٌ، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاةٌ. واحتج بما روي أَنَّ رسول الله وَلَّ ى عَقَّ عن الحسن والحسين (رضي الله عنهما) كبشاً كبشاً(١). ٢٩٣/١ ١ (١) للحديث طرق عن عكرمة عن ابن عباس: الطريق الأول: أخرجه أبو داود (٢٦١/٣ - ٢٦٢) كتاب الأضاحي، باب في العقيقة حديث (٢٨٤١) وابن الجارود رقم (٩١١، ٩١٢) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٤٥٧/١) وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١٥١/٢) وعبد الرزاق (٣٣٠/٤) رقم (٧٨٦٢) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٥١/١٠) من طريق أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله وَلغير عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً. الطريق الثاني: أخرجه النسائي (١٦٥/٧ - ١٦٦) وابن طهمان في ((مشيخته)) (ص - ١٠٩) رقم (٥٣) من طريق قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: عق رسول الله وَلقول عن الحسن والحسين بكبشين كبشين. الطريق الثالث : أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (١١٦/٧) من طريق يعلى بن عبيد عن أيوب عن سفيان عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ◌َّو عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً. قال أبو نعيم: تفرد بروايته موصولاً عن الثوري يعلى عن أيوب. وللطريق الثاني شواهد عن عبد الله بن عمرو وأنس وعائشة. حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه الحاكم (٢٣٧/٤) من طريق سوار أبي حمزة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي وَلاقه عق عن الحسن والحسين عن كل واحد منهما كبشين اثنين مثلين متكافئين. وسكت عنه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: سوار ضعيف. حديث أنس : أخرجه أبو يعلى (٣٢٣/٥ - ٣٢٤) رقم (٢٩٤٥) وفي معجم شيوخه (ص - ١٩٩) رقم (١٥٢) والبزار (٧٣/٢ - كشف) رقم (١٢٣٥) وابن حبان (١٠٦١ - موارد) وابن عدي في (الكامل)) (٢/ ٥٥٠) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٤٥٦/١) والبيهقي (٢٩٩/٩) من طريق جرير بن حازم عن قتادة عن أنس. قال: عق رسول الله وَل﴿ عن حسن وحسين بكبشين وصححه ابن حبان. وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٦٠/٤): رواه أبو يعلى والبزار باختصار ورجاله ثقات. وقال في موضع آخر (٦١/٤): رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح. حديث عائشة : أخرجه أبو يعلى (١٧/٨ - ١٨) رقم (٤٥٢١) والبزار (٧٥/٢) رقم (١٢٣٩) وابن حبان (١٠٥٦، ١٠٥٧ - موارد) والبيهقي (٣٠٣/٩ - ٣٠٤) من طريق يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: عق رسول الله وَلّر عن الحسن والحسين شاتين شاتين يوم السابع .... )). صححه ابن حبان. ٢٩٨ كتاب التضحية وإِنا نقول أنها كانت ثم نسخت بدم الأضحية بحديث سيدتنا عائشة (رضي الله عنها)، وكذا روي عن سيدنا علي (رضي الله عنه) أنه قال: نُسَخَتِ الأضحية كُلَّ دم كان قبلها(١)، والعقيقةُ كانت قبلها كالعتيرة؛ وروي أن رسول الله وَ رَ سُئلِ عن العقيقة، فقال: ((إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) لاَ يُحِبُّ العُقُوقَ مَنْ شَاءَ فَلْيَعُقَّ عَنِ الغُلاَمِ شَاتَيْنٍ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةً))(٢) وهذا ينفي كون العقيقة سنة، لأنه (عليه الصلاة والسلام) علق العقَ بالمشيئة، وهذا أمارة الإِباحة، والله (عزَّ شأنه) أعلم. فصل في محل إقامة الواجب وأما محل إقامة الواجب فهذا الفصل يشتمل على بيانٍ جنس المحل الذي يقام منه الواجب، ونوعه، وجنسه، وسنه، وقدره، وصفته. أما جنسه فهو أن يكون من الأجناس الثلاثة: الغنم، أو الإِبل، أو البقر، ويدخل في كل جنس نوعه والذكر والأنثى منه، والخصي والفحل، لإنطلاق اسم الجنس على ذلك، والمعز نوعٌ من الغنم، والجاموس نوعٌ من البقر، بدليل أنه يضم ذلك إِلى الغنم والبقر في ((باب الزكاة)). ولا يجوز في الأضاحي شيءٌ من الوحش؛ لأن وجوبها عرف بالشرع، والشرعُ لم يرد بالإِيجاب إِلاَّ في المستأنس، فإِن كان متولداً من الوحشي والأنسي، فالعبرة بالأمّ، فإِن كانت أهلية يجوز وَإِلاّ فلا، حتى أن البقرة الأهلية إِذا نزا عليها ثورٌ وحشى فولدت ولداً، فإنه يجوز أن یضحي به. (١) ذكره الهندي في ((كنز العمال)) (٨٦٠/٥) رقم (١٤٥٦٤) وعزاه إلى عبد الرزاق وابن المنذر عن علي من قوله. (٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٢، ١٩٤) وأبو داود (٢٦٢/٣) كتاب الأضاحي، باب في العقيقة، حديث (٢٨٤٢) والنسائي (١٦٢/٧ - ١٦٣) كتاب العقيقة، والطحاوي في مشكل الآثار (١ / ٤٦١ - ٤٦٢) والحاكم (٤/ ٢٣٨) كتاب الذبائح، باب عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، والبيهقي (٩/ ٣٠٠) كتاب الضحايا، باب ما يستدل به على أن العقيقة على الاختيار من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله وَلقر عن العقيقة فقال: ((لا أحب العقوق)) وكأنه كره الاسم، فقالوا: يا رسول الله إنما سألك عن أحدنا يولد له. فقال: ((من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة)). وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وأخرجه مالك (٢/ ٥٠٠) كتاب العقيقة، باب ما جاء في العقيقة حديث (١) وأحمد (٣٦٩/٥) والطحاوي في المشكل (٤٦٢/١) وعبد الرزاق (٣٣٠/٤) رقم (٧٩٦١) والبيهقي (٩/ ٣٠٠) من حديث زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه قال: سئل رسول الله وَّر عن العقيقة. فقال: لا أحب العقوق ومن ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل)). وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٦٠/٤) وقال: رواه أحمد وفيه: حل لم يسم وبقية رجاله رجال الصحيح. ٢٩٩ كتاب التضحية وإن كانت البقرة وحشية والثور أهليًّا، لم يجز؛ لأن الأصلَ في الولد الأمُّ؛ لأنه ينفصل عن الأم وهو حيوان متقوم تتعلق به الأحكام، وليس ينفصل من الأب إِلاَّ ماء مهين لا حظر له، ولا يتعلق به حكم، ولهذا يتبع الولد الأمَّ في الرق والحرية، إلا أنه يضاف إِلى الأَب في بني آدم؛ تشريفاً للولد وصيانةً له عن الضياع، وإِلاَّ فالأصل أن يكون مضافاً إِلى الأم. وقيل إِذا نزا ظبي على شاة أهلية، فإِن ولدت شاة تجوز التضحية بها، وَإِن ولدت ظبياً لا تجوز، وقيل إِن ولدت الرمكة من حمار وحشي حماراً، لا يؤكل، وإِن ولدت فرساً فحكمه حكم الفرس، وإِن ضحى بظبية وحشية ألفت أو ببقرة وحشية ألفت، لم يجز؛ لأنها وحشية في الأصل، والجوهر، فلا يبطل حكم الأصل بعارض نادر، والله (عزَّ شأنه) الموفق(١). وأما سنه فلا يجوز شيء مما ذكرنا من الإبل والبقر والغنم من الأضحية إِلا الثني من كل جنس إلا الجذع من الضأن خاصَّة إِذا كان عظيماً (٢)، لما رُوِيَ عن رسول اللهِ وَّر، أنه قال: (١) وأفضل الأضاحي البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة، ثم شرك في بدنة، ثم شرك في بقرة. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعية. وقال مالك: الأفضل الجذع من الضأن، ثم البقرة، ثم البدنة؛ لأن النبي بم قر ضحى بكبشين، ولا يفعل إلا الأفضل، ولو علم الله خيراً منه لفدى به إسحاق. ولنا، قول النبي ◌َّ في الجمعة: ((مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأَولَى، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةٌ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةٌ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشاً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً)). ولأنه ذبح يتقرب به إلى الله تعالى، فكانت البدنة فيه أفضل، كالهدي فإنه قد سلمه، ولأنها أكثر ثمناً ولحماً وأنفع، فأما التضحية بالكبش؛ فلأنه أفضل أجناس الغنم، وكذلك حصول الفداء به أفضل، والشاة أفضل من شرك في بدنة؛ لأن إراقة الدم مقصودة في الأضحية، والمنفرد يتقرب بإراقته كله. والكبش أفضل الغنم؛ لأنه أضحية النبي ◌ِّير، وهو أطيب لحماً. وذكر القاضي، أن جذع الضأن أفضل من ثني المعز؛ لذلك، ولأنه يروى عن النبي وَّه أنه قال: ((نِعْمَ الأَضْحِيَةُ الْجِذَعُ مِنَ الضَّأْنِ)». وهو حديث غريب. ويحتمل أن الثني أفضل؛ لأن النبي ◌َِّ قال: ((لاَ تَذْبَحُوا إِلَّ مُسِنَّةً، فَإِنْ عَسُرَ عَلَيْكُمْ، فَاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ)). رواه مسلم، وأبو داود، وهذا يدل على فضل الثني على الجذع؛ لكونه جعل الثني أصلاً والجذع بدلاً، لا ينتقل إليه إلا عند عدم الثني. ينظر: المغني (٣٦٦/١٣ - ٣٦٧). (٢) ولا يجزي إلا الجذع من الضأن والثني من غيره. وبهذا قال مالك، والليث، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال ابن عمر، والزهري: لا يجزىء الجذع؛ لأنه لا يجزىء من غير الضأن، فلا يجزىء منه كالحمل، وعن عطاء، والأوزاعي، يجزىء الجذع من جميع الأجناس؛ لما روى مجاشع، من سليم، قال: سمعت النبي ◌ِّله يقول: ((إِنَّ الْجَذَعَ يُوفِي مِمَّا يُوفِي مِنْهُ الثَّنِيُّ)). رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ولأنه يجزىء من بعض الأجناس، فأجزأ من جميعها، كالثني. ولنا، على أن الجذع من الضأن يجزىء، حديث مجاشع وأبي هريرة وغيرهما، وعلى أن الجَذَّعَةَ من غيرها لا تجزىء، قول النبي وَلَّ: ((لاَ تَذْبَحُوا إِلَّ مُسِنَّةً، فَإِنْ عَسُرَ عَلَيْكُمْ، فَاذْبَحُوا الْجَذَّعَ مِنَ الضَّأْنِ)). وقال أبو بردة بن نيار: عندي جذعة من المعز، أحب إلي من شاتين، فهل تجزىء عني؟ قال: ((نَعَمْ، وَلاَ تُجْزِىءُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ)). متفق عليه. وحديثهم محمول على الجذع من الضأن؛ لما ذكرنا. قال إبراهيم الحربي: إنما يجزىء الجذع من الضأن، لأنه ينزو فَيْلَقُّح، فإذا كان من المعز لم يلقح حتى يكون ثنياً. ينظر: المغني (٣٦٧/١٣ - ٣٦٨). = ٣٠٠ كتاب التضحية (ضَحُوا بِالثََّايَا إِلاَّ أَنْ يعز عَلَى أَحَدِكُمْ فَيُذْبَحُ الجَذْعَ فِي الصَّأْنِ))(١). وروي عنه (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((يُجْزِي الجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ عَمَّا يُجْزِي فِيه الثَّنِيُّ مِنَ المَعْزِ))(٢) وروي أنَّ رسولَ اللهِ وَّ خرج إلى المصلى فشم قناراً، فقال: ((مَا هَذَا؟ فقالوا: أضحيةُ أبي بردة، فقال (عليه الصلاة والسلام): تِلْكَ شَاةُ لَخم))، فجاء أبو بردة فقال: يا رسول الله، عندي عناق خير من شاتي لحم، فقال (عليه الصلاة والسلام): «تُجْزِي عَنْكَ وَلاَ تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ))(٣) . وروي عن البراء بن عازب (رضي الله عنهما) أنه قال: خطب رسولُ اللهِ وَلَو يوم عيدٍ فقال: ((إِنَّ أَوَّلَ نُسْكِكُمْ هَذَا (٤) الصَّلاَةُ، ثُمَّ الذِّبْحُ))، فقام إليه خالي أبو بردة بن نيار، فقال: يا رسول الله، كان يومنا نشتهي فيه اللحم فعجلنا فذبحنا، فقال رسولُ اللهِ وَلَه: ((فَأَبْدِلْهَا)»، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، عندي ماعزّ جذعْ، فقال: ((هِيَ لَكَ وَلَيْسَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ))(٥). وروي أن رجلاً قدم المدينة بغنم جذاع، فلم تنفق معه، فذكر ذلك لأبي هريرة (رضي الله عنه) فقال: سمعتُ رسولَ اللّهِ وَلَه يقولُ: ((نِعْمَتِ الأُضْحِيَّةُ الجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ))(٦) (١) أخرجه مسلم (١٥٥٥/٣) كتاب الأضاحي، باب سن الأضحية حديث (١٩٦٣/١٣) وأحمد (٣١٢/٣) وأبو داود (٢/٣) كتاب الضحايا، باب ما يجوز من السن في الضحايا، حديث (٢٧٩٧) والنسائي (٧) ٢١٨) كتاب الضحايا، باب المسنة والجذعة، وابن ماجه (١٠٤٩/٢) كتاب الأضاحي، باب ما تجزىء من الأضاحي حديث (٣١٤١)، وابن الجارود في المنتقى ص (٣٠٣) باب ما جاء في الضحايا، حديث (٩٠٤)، وابن خزيمة (٢٩٤/٤ - ٢٩٥) رقم (٢٩١٨) وأبو يعلى (٢١٠/٤) رقم (٢٣٢٤) والبيهقي (١٩ ٢٦٩) كتاب الضحايا: باب لا يجزىء الجذع إلا من الضأن من طريق أبي الزبير عن جابر. وللحدیث شاهد من حديث عقبة بن عامر: أخرجه النسائي (٢١٩/٧) كتاب الضحايا، باب المسنة والجذعة وابن الجارود (٩٠٥) والبيهقي (٢٧٠/٩) من طريق بكير بن عبد الله الأشج عن معاذ بن عبد الله عن عقبة بن عامر قال: ضحينا مع رسول الله وَّة بالجذع من الضأن . (٢) ينظر الحديث السابق. (٣) تقدم تخريجه. (٤) في ط: هذه. (٥) تقدم تخريجه. (٦) أخرجه الترمذي (٤/ ٨٧) كتاب الأضاحي باب ما جاء في الجذع من الضأن في الأضاحي حديث (١٤٩٩) وأحمد (٤٤٤/٢ - ٤٤٥) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٧١/٩) كلهم من طريق عثمان بن واقد عن كرام بن عبد الرحمن عن أبي كباش عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: هذا حديث غريب. وقال الحافظ في ((الفتح)) (١٢/١٠): وفي سنده ضعيف. اهـ. وقد بين هذا الضعف ابن حزم فقال في ((المحلى)) (٣٦٥/٧): عثمان بن واقد مجهول وكرام بن عبد الرحمن لا ندري من هو عن أبي كباش الذي جلب الكباش الجذعة إلى المدينة فبارت عليه .... ا. هـ. وقال البيهقي: وبلغني عن أبي عيسى الترمذي قال: قال البخاري: رواه غير عثمان بن واقد عن أبي هريرة موقوفاً. وينظر: ((علل الترمذي الكبير)) (ص ٢٤٧ - ٢٤٨) حديث (٤٤٧).