النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب الشفعة وأما عندهما: فقد اختلفت الروايات فيه: في رواية كتاب الشفعة من ((الأصل)) و ((الجامع)): لا شفعة له، وفي رواية كتاب ((الوصايا)»: له الشفعة، وهي من مسائل الجامع تعرف ثمة إن شاء الله تعالى. ومنها ملك الشفيع وقت الشراء في الدار التي يأخذها بالشفعة؛ لأن سبب الاستحقاق جواز الملك والسبب إنما / ينعقد سبباً عند وجود الشرط، والانعقاد أمر زائد على الوجود، ١٧٣/٣ ب فإذا لم يوجد عند البيع كيف ينعقد سبباً فلا شفعة له بدار يسكنها بالإجارة والإعارة، ولا بدار باعها قبل الشراء، ولا بدار جعلها مسجداً ولا بدار جعلها وقفاً، وقضى القاضي بجوازه أو لم والقبول يجوز أن يورث، لولا أنه مستحق على الفور، فبطلاق ميراثه بتراخي زمانه لا لاستحالة إرثه. = ثم المعنى في خيار القبول أنه لمّا لم يجز أن يستنيب المبذول له من يقبل عنه، لم ينتقل إلى وارثه، ولما جاز أن يستنيب الشفيع من يطالب عنه انتقل ذلك إلى وارثه. وأما الجواب عن قياسهم على اللّعان، فهو أن النيابة في اللعان لا تصح، وليس المنع من أخذ العوض عن الشفعة بمانع من أن يورث، كالرد بالعيب لا يجوز أخذ العوض عنه، ويجوز أن يورث. وأما الجواب عن استدلالهم بأن ملك الورثة طارىء، فهو أنهم ليسوا مالكين لأنفسهم بالطارىء من ملكهم، وإنما تنتقل إليهم ميراثاً عن ميتهم، فقاموا فيه مقامه، كمن أوصى له بابنه المملوك، فمات قبل قبوله وترك ابناً آخر، فقبل الوصية بأخيه بعد موت أبيه، عتق عليه، وإن كان الأخ لا يعتق على أخيه؛ لأنه قبلها نيابة عن أبيه. وأمَّا الجواب عن استدلالهم بأن الحقوق الموروثة ردُّ عفو المريض عنها كالدِّيون، فهو أن أصحابنا قد اختلفوا في ذلك، فبعضهم يجعل للوارث إبطال عفوه، فعلى هذا الاعتراض. وقال الأكثرون - وهو الصحيح -: إن عفوه ماض، ولا اعتراض عليه للوارث؛ لأنهم إنما يعترضون عليه فيما استقر عليه ملكه من الأملاك، ولم يستقر هاهنا ملك، وإنما هو سبب يقضي إلى الملك، فصار كقبض الهبة الذي تملك به لو رده المريض، لا اعتراض للورثة عليه، وإن جاز أن يقوموا في القبض مقامه . . ... وأمّا الجواب عن استدلالهم بأن ما كان موروثاً صار لبيت المال عند عدم الورثة إلى آخره، فهو أن لأصحابنا فیہ وجھین: أحدهما: أنه موروث لبيت المال، ويستحق الإمام أخذه بالشفعة لكافة المسلمين، إذا رأى ذلك مصلحة. والثاني: لا شفعة؛ لأنها إنما تجب لرفع الضرر، ولا ضرر بخلاف الوارث الذي يختص بالتصرف، فيلحقه الضرر، فيستحق الشفعة. ((فَضْلٌ)) فإذا ثبت صحة ميراث الشفعة على ما ذكرنا، لم يخل أن يكون موت الشفيع قبل البيع أو بعده، فإن كان قبل البيع، فالشفعة إنما حدثت على ملك الورثة، ولم يكن للمورث فيها حق، لتقدم موته على البيع، وتكون بين جميع من ملك ميراث الحصة، وفيها قولان: أحدهما: أنها بينهم على عدد رؤوسهم، على ما حكاه المزني عن الشافعي. والثاني: أنها مقسطة بينهم على قدر مواريثهم، فعلى هذا لو عفا أحد الورثة كان لمن بقي ولو واحداً، أن = ١٢٢ كتاب الشفعة يقض على قول من يجيز الوقف؛ لأنه زال ملكه عنها لا إلى أحد، ومنها ظهور ملكه للمشتري عند الإنكار بحجة مطلقة وهي البينة، وهذا في الحقيقة شرط ظهور الحق لا شرط ثبوته، وعلى هذا يخرج ما إِذا أنكر المشتري كون الدار التي يشفع بها مملوكة للشفيع؛ أنه ليس له أن يأخذ بالشُّفعة حتى يقيم البينة أنها دارُه، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي یوسف . وروي عنه رواية أخرى: أن هذا ليس بشرط والقول قول الشفيع، ولا يحتاج إلى إقامة البينة، وهو قول زُفر والشافعي - رحمهما الله -. وجه هذه الرواية: أن الملك كان ثابتاً للشفيع في هذه الدّار؛ لوجود سبب الثبوت، وما ثبت يبقى إلى أن يوجد المزيل؛ ولأن اليد دليل الملك؛ ألا ترى أن من رأى شيئاً في يد إنسان حل له أن يشهد له بالملك - دلّ أن اليد دليل الملك من حيث الظاهر، فكان الملك ثابتاً للشَّفيع ظاهراً. وجه ظاهر الرواية: أن سبب ثبوت الحكم لا يوجب بقاءه، وإنَّما البقاء بحكم استصحاب الحال لا يصلح للإلزام على الغير؛ كحياة المفقود وحرية الشهود ونحو ذلك، والحاجة ههنا إلى إلزام المشتري، فلا يظهر الملك في حق المشتري. يأخذ جميع الشفعة كالشركاء إذا عفا بعضهم، عاد حقه إلى من بقي .... = وإن مات بعد البيع فقد ملك الشفعة بالبيع، وانتقلت عنه بالموت إلى ورثته، وهي بينهم على قدر مواريثهم .... قولاً واحداً؛ لأنهم لم يأخذوها بأنفسهم، وإنما ورثوها عن ميتهم، فكانت بينهم على قدر مواريثهم، ويكون تأويل ما نقله المزني عن الشافعي: إن امرأته وابنه في ذلك سواء يعني: في استحقاقها لجميع الورثة، لا يختص بها بعض دون بعض. فعلى هذا لو أن بعض الورثة عفا عن حقُّه من الشفعة فهل يرجع ذلك على باقي الورثة؟ قولان حكاهما المروزي : أحدهما: يرجع على من بقي من الورثة، فعلى هذا لو حضر مطالباً بالشفعة، قضى له به. والقول الثاني - وهو أصحـ: أنه لا يرجع على من بقي؛ لأنهم شفيع واحد، وليسوا كالشركاء الَّذين كل واحد منهم شفيع كامل، فعلى هذا لو حضر أحد الورثة مطالباً لم يقض له بشيء حتى يجتمعوا. فإن عفا أحدهم عن حقه فهل تبطل بعفوه شفعة من بقي؟ وجهان: أحدهما: أنها قد بطلت، وسقط حق من لم يعف؛ لأنها شفعة واحدة عفى عن بعضها، كالشفيع إذا عفا عن بعض شفعته، فإنه مسقط لجميعها. والثاني: أن من لم يعف على شفعته يأخذ منها بقدر ميراثه، ولا يكون عفو غيره مبطلاً لحقه، بخلاف الواحد إذا عفا عن بعض شفعته؛ لأنه قد كان له أخذ الجميع فكان عفوه عن البعض مسقطاً، وليس كذلك أحد الورثة؛ لأنه لا يملك منها إلا بقدر حصته، فلم يبطل بالعفو غير حقّه، ولأن العافي عن البعض مختار للعفو، فجاز أن يسري عفوه في جميع حقه، وليس الباقي من الورثة مختاراً للعفو فلم يسر عفو غيره في حقُّه. ينظر: الشفعة لشيخنا أبي العنين محمد. ١٢٣ كتاب الشفعة وقوله: اليد دليل الملك، قلنا: إن سلم ذلك، فالثابت باليد ملك يظهر في حق الدفع لا في حق الاستحقاق على الغير، والحاجة ههنا إلى الاستحقاق على المشتري، فلا يكفي الملك الثابت بظاهر اليد. وذكر عن أبي يوسف فيمن ادَّعى على آخر داراً، وأقام البينة على أن هذه الدار كانت في يد أبيه مات وهي في يده - أنه يقضي له بالدار، فإن جاء يطلب بها شفعة دار أخرى إلى جنبها، لم يقض له بالشفعة حتى يقيم البينة على الملك - لم يجعل القضاء باليد قضاء بالملك على الإطلاق حيث لم يوجب به الشفعة. وعلى هذا يخرج ما ذكر عن محمّد؛ أنه قال في حائط بين دارين لكل واحد منهما عليه خشبة، ولا يعلم أن الحائط بينهما إلا بالخشبة، فبيعت إحدى الدارين: أنه إن أقام الآخر بينة أن الحائط بينهما فهو أحق من الجار؛ لأنه شريك، وإن لم يقم بينة لم أجعله شريكاً؛ لأن ملك الحائط بينهما لم يثبت إلا بظاهر الاستعمال بالخشبة، والملك الثابت بمثل هذا الظاهر لا يكفي لاستحقاق الشّفعة، قال: ولو أقر البائع قبل البيع أن الحائط بينهما، لم أجعل له بهذا شفعة بمنزلة دارٍ في يد رجل أقر أنها لآخر، فبيعت إلى جنبها دار، فطلب المقر له الشفعة - فلا شفعة له حتى يقيم البينة أن الدار داره؛ لأن الملك في الموضعين جميعاً ثبت بالإقرار، وأنه حجة قاصرة، فيظهر في حق المقر في المسألة الأولى، وفي المسألة الثانية يظهر في حق المقر له خاصة ولا يتعدى إلى المشتري. وَذَكَر في ((المنتقى)) عَنْ أَبِي يُوسُفَ، في رَجُلٍ في يده دار عرف القاضي أنها له، فبيعت دار إلى جنب داره، فقال الشفيع بعد بيع الدار التي فيها الشفعة: داري هذه لفلان وقد بعتها منه منذ سنةٍ؛ وقال هذا في وقت يقدر على الأخذ بالشفعة أو طلبها لنفسه؛ قال لا شفعة له في الدار حتى يقيم المقر له بينة على المشتري، أما المقر فلا شك أنه لا شفعة له؛ لأنه لا ملك له وقت البيع في الدار بإقراره بالبيع قبله. وأما المقر له؛ فلما ذكرنا أن الملك الثابت بالإقرار ليس بثابت بحجة مطلقة؛ لكون الإقرار حجة قاصرة، فلا يظهر في حق الاستحقاق على المشتري. وذكر الخصاف في إسقاط الشفعة: أن البائع إذا أقر بسهم من الدار للمشتري، ثم باع منه بقية / الدار - أن الجار لا يستحق الشفعة؛ لأن المشتري صار شريك البائع في ذلك السهم، ٣/ ١٧٤ أ والشريك مقدم على الجار، ومن أصحابنا (١) من خطأ الخصاف في هذا وقال: تجب الشفعة (١) في أ: مشايخنا. ١٢٤ كتاب الشفعة للجار؛ لأن شركة المشتري لم تثبت إلا بالإقرار من البائع، والإِقرار حجة قاصرة، فلا يظهر في حق الجار فكان على شفعته، وكان يستدل بمسألة الحائط، والله سبحانه وتعالى أعلم. ومنها أَلاَّ تكون الدار المشفوعة ملكاً للشفيع وقت البيع، فإن كانت لم تجب الشفعة؛ لاستحالة تملك الإِنسان مال نفسه، وعلى هذا يخرج ما إذا باع المأذون داراً والمولى شفيعها - أنه إن لم يكن عليه دين فلا شفعة للمولى؛ لأنها ملك المولى والعبد كالوكيل عنه بالبيع، فلا تثبت له الشفعة، وإن كان عليه دين فله الشفعة؛ لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون، فكان بمنزلة الأجنبي؛ وكذا إذا باع المولى داراً والمأذون شفيعها وعليه دين - فله الشفعة؛ لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء من المشتري، وشراء كل واحد منهما من صاحبه جائز، وإِن لم يكن عليه دين، فلا يتصور الأخذ بالشفعة؛ لأن الأخذ يقع تملكاً للمولى، وتملك المولى محال. ولو اشترى المأذون داراً والمولى شفيعها؛ فإن كان عليه دين، فلمولاه الشفعة؛ لأن الملك بالشراء لم يقع للمولى، وإن لم يكن عليه دين فلا يستحقّ الأخذ بالشفعة، لأن الملك يقع له، وكذا إذا اشترى المولى داراً والمأذون شفيعها، فإن كان عليه دين فله الشفعة؛ وإِن لم يكن فلا يتصور الأخذ بالشفعة لما قلنا. وأما المكاتب إذا باع أو اشترى داراً والمولى شفيعها - فله أن يأخذ بالشفعة، سواء كان عليه دين أو لم يكن؛ لأنه فيما يبيع ويشتري مع المولى بمنزلة الأجنبي لأنه حريداً، ألا ترى أنه لا سبيل لمولاه على ما في يده، فكان في حق ما في يده ملحقاً بسائر الأجانب، والله سبحانه وتعالى أعلم. ومنها عدم الرضا من الشّفيع بالبيع وحكمه؛ فإن رضي بالبيع أو بحكمه، فلا شفعة له؛ لأن حق الشفعة إنما يثبت له دفعاً لضرر المشتري، فإذا رضي بالشراء أو بحكمه، فقد رضي بضرر جواره، فلا يستحق الدفع بالشّفعة، ثم الرضا قد يكون صريحاً وقد يكون دلالة. أما الصَّريح فلا يشكل، وأما الدلالة فنحو أن يبيع الشفيع الدار المشفوع فيها؛ بأن وكله صاحب الدار ببيعها فباعها - فلا شفعة له؛ لأن بيع الشفيع دلالة الرضا بالعقد وثبوت حكمه، وهو الملك للمشتري؛ وكذلك المضارب إذا باع داراً من مال المضاربة ورب المال شفيعها، بدار له أخرى - فلا شفعة لرب الدار، سواء كان في الدار ربح أو لم يكن. أما إذا لم يكن فيها ربح فلأن المضارب وكله(١) بالبيع، والرضا بالتوكيل بالبيع رضا (١) في ط: وكيله. ١٢٥ كتاب الشفعة بالبيع وحكمه ضرورة، وأنه يمنع وجوب الشُّفعة وإِن كان فيها ربح، أما في حصة رب المال؛ فلما ذكرنا من وجود دلالة الرضا بالبيع في حصته (١). وأما في حصة المضارب؛ فلأنه متى امتنع الوجوب في حصة رب المال، فلو ثبت في حصة المضارب، لأذَّى إلى تفريق الصفقة على المشتري، وأنه لا يجوز؛ ولأن المشتري صار شريكاً للمضارب، والشريك مقدّم على الجار. ولو كان الشفيع وكيلاً بشراء الدار المشفوع فيها، فاشترى لموكله - فللشفيع الشفعة؛ لأن الشراء لغيره لا يكون فوق الشراء لنفسه، والشراء لنفسه لا يمنع وجوب الشفعة، حتى لو اشترى الدار المشفوع فيها، ثم حضر شفيع آخر - كان له أن يأخذ النّصف بالشفعة فالشراء لغيره لأن لا يمنع الوجوب أولى. ولو باع رب المال داراً لنفسه، والمضارب شفيعها بدار من المضاربة؛ فإن كان في يده من مال المضاربة وفاء بثمن الدَّار - لم تجب الشفعة؛ لأن الأخذ إذ ذاك يقع لرب المال، وقد وجد منه دلالة الرضا بثبوت الملك للمشتري، وأنه يمنع وجوب الشُّفعة، ولو لم يكن في يده وفاء؛ فإن لم يكن في الدار ربح، فلا شفعة أيضاً؛ لأن الأخذ يقع لرب المال، وإِن كان فيها ربح، فللمضارب / أن يأخذها بالشفعة لنفسه؛ لأن له نصيباً في ذلك، ولم يوجد منه الرضا ١٧٤/٣ ب سقوط حقه. ولو اشترى أجنبي داراً إلى جنب دار المضاربة، فإِن كان في يد المضارب وفاء بالثمن - فله أن يأخذها بالشفعة للمضاربة، وله أن يسلم الشفعة؛ لأن حق الأخذ له فيملك تسليمه، وإن لم يكن في يده وفاء؛ فإن كان في الدار ربح، فالشفعة لرب المال والمضارب جميعاً؛ لأَن الدار مشتركة بينهما، وإِن لم يكن فيها ربح، فالشفعة لرب المال خاصة؛ لأن الدار ملكه خاصة، والشفعة من حقوق الملك. وعلى هذا يخرج ما إذا باع الدار على أن يضمن له الشَّفيع الثمن من المشتري، فضمن وهو حاضر حتى جاز البيع - أنه لا شفعة للشفيع؛ لأن ضمان الثمن من المشتري دلالة الرضا بالشراء(٢) وحكمه؛ لأن تمام العقد وإبرامه يتعلق به، فكان دليل الرضا. وكذا لو اشترى المشتري الدار على أن يضمن الشفيع الدرك(٣) عن البائع، فضمن وهو (١) في ط: حصتها. (٢) في أ: بالبيع. (٣) (الدَّرَك) بفتح الدَّال، وبفتح الراء وإسكانها حكاهُما الجوهريّ وغيره. قال الجوهريّ: هو التّبِعَةُ، وقال المتولّي: سُمِّيَ دَرَكاً لالتزامِه الغرامة عند إدراكِ المُستحق عَيْنَ ماله. ينظر تحرير التنبيه ص (٢٢٨). ١٢٦ كتاب الشفعة حاضر حتى جاز البيع - أنه لا شفعة للشّفيع؛ لأنه لما ضمن الدرك فقد صار راضياً بالعقد وحكمه، وهو الملك للمشتري - فلم تجب الشفعة، وأما إِسلام الشفيع فليس بشرط. لوجوب الشفعة، فتجب لأهل الذمة فيما بينهم وللذمي على المسلم؛ لأن هذا حق التملك على المشتري بمنزلة الشّراء منه، والكافر والمسلم في ذلك سواء؛ لأنه من الأمور الدنيوية. وروي عن شريج أنه قضى بالشفعة لذمي على مسلم، فكتب إلى سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنه - فأجازه، وكان ذلك بمخضَر من الصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم -؛ فيكون ذلك إجماعاً . ولو اشترى ذمي من ذمي داراً بخمر أو خنزير، وشفيعها ذمي أو مسلم - وجبت الشفعة عند أصحابنا - رحمهم الله -. وقال الشافعي - رحمه الله -: لا تجب؛ بناء على أن ذلك ليس بمال عنده أصلاً حتى لم يكن مضموناً بالإِتلاف أصلاً، ومن شرط وجوب الشفعة معاوضة المال بالمال، وعندنا: هو مال متقوّم في حق أهل الذمة بمنزلة الخل والشاة لنا، ثم إِذا وجبت الشفعة، فإذا كان الشفيع ذمياً، أخذ الدار بمثل الخمر وبقية الخنزير، لأن الخمر عندهم من ذوات الأمثال كالخل، والخنزير ليس من ذوات الأمثال، بل من ذوات القيم كالشاة، وإن كان مسلماً أخذها بقيمة الخمر والخنزير؛ لأن الأخذ تملك، والمسلم ليس من أهل تملك الخمر والخنزير؛ ومتى تعذر عليه التملك بالعين، تملك بالقيمة كما لو كان الشراء بالعرض - أنه يأخذها بقيمة العرض كذا هذا؛ وكذا الحرية والذكورة والعقل والبلوغ والعدالة؛ فتجب الشفعة للمأذون والمكاتب ومعتق البعض والنسوان وللصبيان والمجانين وأهل البغي؛ لأنه حق مبني على الملك، وهؤلاء من أهل ثبوت الملك لهم، إِلا أن الخصم فيما يجب للصبي أو(١) عليه وليّه الذي يتصرف في ماله؛ من الأب ووصيه، والجد لأب ووصيه، والقاضي ووصي القاضي؛ فإذا بيعت دار والصبي شفيعها، كان لوليه أن يطالب بالشفعة ويأخذ له؛ لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء من المشتري، والولي يملك ذلك كما يملك الشراء؛ فإن سلم الشفعة صح التسليم، ولا شفعة للصبي إذا بلغ عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما -، وعند محمد وزفر - رحمهما الله -: لا يصحُ تسليمه، والصبي على شفعته إِذا بلغ. وجه قولهما(٢): أن هذا حق ثبت للصبي نظراً، فإيطاله لا يكون نظراً في حقه، ومثل هذا لا يدخل تحت ولاية الولي؛ كالعفو عن قصاص وجب للصبي على إنسان، والإِبراء عن کفالته بنفس أو مال. (١) في أ: و. (٢) في ط: قوله. ١٢٧ كتاب الشفعة ولأبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - ما ذكرنا: أن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء، فتسليمه امتناع من الشراء، وللولي ولاية الامتناع من الشراء، ألا ترى أن من قال: بِعْت هذا الشيء لفلان الصبي، لا يلزم الولي القبول؛ وهذا لأن الولي يتصرّف في مال الصبي على وجه المصلحة، والمصلحة قد تكون في الشراء وقد تكون في تركه، والولي أعلم بذلك، فيفوض إليه . وعلى هذا الخلاف إذا سكت الولي أو الوصيَ عن الطلب - أنه يبطل / حق الشُّفعة عند ١٧٥/٣ ١ أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -: وعند محمد وزفر - رحمهما الله -: لا يبطل، وذكر في نوادر أبي يوسف - رحمه الله - فيمن اشترى داراً وابنه الصغير شفيعها - كان له أن يأخذ لابنه الصغير بالشفعة؛ فإن لم يأخذ وسلم لنفسه جاز؛ لأن الشراء لا ينافي الأخذ بالشفعة؛ لأن كل واحد منهما تملك بعوض، ولهذا لو كان وكيلاً بالشراء لغيره، كان له أن يأخذ بالشفعة لنفسه، فلأن يملك الأخذ لابنه أولى، وإذا ملك الأخذ ملك التسليم؛ لأن امتناع عن الأخذ. ولو باع داراً لنفسه وابنه شفيعها، لم يكن له أن يأخذ بالشفعة؛ لأن الأخذ بالشفعة تملك، والبيع تمليك، فينافي التملك؛ ولهذا لا يملك الوكيل بالبيع لغيره أن يأخذ بالشفعة، وإذا لم يملك الأخذ لم يملك التسليم، فلم يصحّ تسليمه وتوقف إلى حين بلوغ الصَّبي كما إذا لم یکن له ولي. وأما الوصي إذا اشترى داراً لنفسه والصبي شفيعها - لم يكن له أن يأخذ بالشفعة للصغير، ولو سلم الشفعة فالصغير على شفعته؛ وكذا إذا باع، لأنه(١) ملك الدار بالشراء لنفسه، فبالأخذ بالشفعة للصغير يزيد تمليك ما ملكه من الصغير، والوصي لا يملك تمليك مال الصغير إلا إذا كان فيه نفع ظاهر له، وإذا لم يملك الأخذ بالشفعة لم يكن سكوته عن الطلب تسليماً للشفعة، فبقي حق الصغير في الشفعة يأخذه إذا بلغ، والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل فيما يتأكد به حق الشفعة ويستقر وأما بيان ما يتأكَّد به حق الشفعة ويستقر، فنقول ـ وبالله تعالى التوفيق -: إنه يتأكد ويستقر بالطلب، والكلام في الطلب في مواضع: في بيان وقت الطلب، وفي بيان شروطه، وفي بیان کیفیته، وفي بیان حکمه. أما وقته: فالطلب نوعان؛ طلب مواثبة وطلب تقرير، أما طلب المواثبة فوقته وقت علم (١) في أ: لابنه. ١٢٨ كتاب الشفعة الشفيع بالبيع، حتى لو سكت عن الطلب بعد البيع قبل العلم به لم تبطل شفعته؛ لأنه ترك الطلب قبل وقت الطلب فلا يضره، ثم علمه بالبيع قد يحصل بسماعه بالبيع بنفسه، وقد يحصل بإخبار غيره، لكن هل يشترط فيه العدد والعدالة؟ اختلف أصحابنا - رحمهم الله - فيه: فقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: يشترط أحد هذين، أما العدد في المخبر رجلان أو رجل وامرأتان؛ وأما العدالة فقال أبو يوسف ومحمد: لا يشترط فيه العدد ولا العدالة، حتى لو أخبره واحد بالشفعة عدلاً كان أو فاسقاً، حراً أو عبداً، مأذوناً بالغاً أو صبياً، ذكراً أو أنثى، فسكت ولم يطلب على فور الخبر على رواية الأصل، أو لم يطلب في المجلس على روية محمد - بطلت شفعته عندهما إذا ظهر كون الخبر صدقاً، وهذا على اختلافهم عن عزل الوكيل، وعن جناية(١) العبد، وعن عجز المولى؛ على ما نذكر في كتاب ((الوكالة)) فهما يقولان: العدد والعدالة ساقطا الاعتبار شرعاً في المعاملات، وهذا من باب المعاملة، فلا يشترط فيه العدد ولا العدالة . ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن هذا إخبار فيه معنى الإلزام، ألا ترى أن حق الشفيع يبطل لو لم يطلب بعد الخبر، فأشبه الشهادة فيعتبر فيه أحد شرطي الشهادة؛ وهو العدد أو العدالة . ولو أخبر المشتري الشَّفيع بنفسه فقال: قد اشتريته فلم يطلب [بطلت] (٢) شفعته، وإن لم يكن المشتري عدلاً؛ كذا روي عن أبي حنيفة؛ لأن المشتري خصم، وعدالة الخصم ليست بشرط في الخصومات، وقالوا في المخيرة إذا بلغها التخيير: أنه لا يشترط(٣) في المخبر العدد ولا العدالة. والفرق لأبي حنيفة - رحمه الله -: أن الإخبار عن التخيير ليس في معنى الشهادة؛ لخلوه عن إلزام حكم، فلم يعتبر فيه أحد شرطي الشهادة، بخلاف الإِخبار عن البيع في باب الشفعة على ما بيَّنا، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما شرطه فهو أن يكون على فور العلم بالبيع إِذا كان قادراً عليه، حتى لو علم بالبيع وسكت عن الطّلب مع القدرة عليه - بطل حق الشفعة في رواية الأصل، وروي عن محمد - رحمه الله -: أنه على المجلس، كخيار المخيرة وخيار القبول ما لم / يقم عن المجلس، أو يتشاغل عن الطلب بعمل آخر - لا تبطل شفعته وله أن يطلب؛ وذكر الكرخي - رحمه الله -: أن هذا أصح الروايتين. ١٧٥/٣ ب (١) في أ: خيار. (٣) في أ: يعتبر. (٢) سقط في ط. ١٢٩ كتاب الشفعة وجه هذه الرواية: أن حق الشفعة ثبت نظراً للشفيع دفعاً للضرر عنه، فيحتاج إلى التأمل أن هذه الدار هل تصلح بمثل هذا الثمن؟ وأنه هل يتضرّر بجوار هذا المشتري؟ فيأخذ بالشفعة ولا يتضرر فيترك، وهذا لا يصح بدون العلم بالبيع، والحاجة إلى التأمل شرط المجلس في جانب المخيرة، والقبول كذا ههنا. وجه رواية الأصل: ما روي عن رسول الله وَّرَ أنه قال: ((الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثبَهَا))(١) وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((إِنَّمَا الشُّفْعَةُ كنشط عِقَالٍ إِنْ قيد مَكَانَهُ ثَبَتَ وَإِلاَّ ذَهَبَ))(٢) وفي بعض الروايات: ((إِنَّمَا الشُّفْعَةُ كحل عِقَالٍ إِنْ قيدَ مَكانَهُ ثَبَتَ وَإِلاَّ فَاللُّوْمُ عَلَيْهِ))؛ ولأنه حق ضعيف متزلزل لثبوته على خلاف القياس؛ إذ الأخذ بالشفعة تملك مال معصوم بغير إذن مالكه؛ لخوف ضرر يحتمل الوجود والعدم، فلا يستقر إِلا بالطلب على المواثبة. وأما الإِشهاد فليس بشرط لصحّة الطلب، حتى لو طلب على المواثبة ولم يشهد - صح طلبه فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى جلت عظمته، وإنما الإِشهاد للإظهار عند الخصومة على تقدير الإنكار؛ لأن من الجائز أن المشتري لا يصدق الشفيع في الطلب أو لا يصدق في الفور، (١) لم أجده بهذا اللفظ. (٢) أخرجه ابن ماجه (٨٣٥/٢) كتاب الشفعة، باب طلب الشفعة، الحديث (٢٥٠٠) والبزار كما في نصب الراية (١٧٦/٤) كتاب الشفعة، باب طلب الشفعة، والبيهقي (١٠٨/٦) كتاب الشفعة، باب في مسائل الشفعة، والخطيب في التاريخ (٥٧/٦) كلهم من طريق محمد بن الحارث عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر قال: قال النبي وَلَر: ((لا شفعة لغائب ولا صغير ولا شريك على شريك إذا سبقه بالشراء والشفعة كحل العقال)) ولفظ ابن ماجه - الشفعة لحل العقال - وقال البيهقي: ((محمد بن الحارث البصري متروك، ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني ضعيف، ضعفهما يحيى بن معين وغيره من أئمة الحديث) وقال ابن حزم، المحلى (٩١/٩) كتاب الشفعة، باب أحكام الشفعة: (هو خبر مكذوب موضوع) وقال ابن أبي حاتم في العلل (٤٧٩/١) رقم (١٤٣٤) سئل أبو زرعة عن حديث رواه عبيد الله بن محمد التيمي المعروف بابن عائشة عن محمد بن الحارث الحارثي عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر عن النبي وَ لير قال: ((الشفعة كحل العقال)) قال أبو زرعة: هذا حديث منكر ولم يقرأ علينا في كتاب الشفعة وضربنا عليه، وقال الحافظ في حجر في التلخيص (٣/ ٥٦): بلفظ: ((لا شفعة لغائب ولا لصغير والشفعة كحل العقال)) وإسناده ضعيف جداً؟ وقال البزار في رواية: راويه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني مناكيره كثيره، وأورده ابن عدي في ترجمته محمد بن الحارث راوية عن ابن البيلماني، وحكى تضعيفه وتضعيف شيخه، وقال ابن حبان: لا أصل له؛ وقال أبو زرعة: منكر، وقال البيهقي: ليس بثابت، وقال البوصيري في الزوائد (٢٨٣/٢) هذا إسناد ضعيف محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني قال فيه ابن عدي: كل ما يرويه ابن البيلماني فالبلاء فيه منه، وإذا روى عنه محمد بن الحراث فهما ضعيفان، وقال ابن حبان حدث عن أبيه نسخه كلها موضوعة لا يجوز الاحتجاج به، ولا ذكره إلا على وجه التعجب. بدائع الصنائع ج ٦ - م٩ ١٣٠ كتاب الشفعة ويكون القول قوله فيحتاج إلى الإظهار بالبينة عند القاضي على تقدير عدم التصديق؛ لأنه شرط صحة الطلب، ونظيره من أخذ لُقطة ليردها على صاحبها فهلكت في يده - لا ضمان عليه فيما بينه وبين الله - تبارك وتعالى - [بلا خلاف] (١) وإِنما الحاجة إلى الإشهاد؛ عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - لتوثيق الأخذ للرد على تقدير الإنكار، إلا أنه شرط البراءة عن الضمان، حتى لو صدقه صاحبها في ذلك ثم طلب منه الضَّمان - ليس له ذلك بالإجماع، كذا هذا. وإذا طلب على المواثبة؛ فإن كان هناك شهود أشهدهم وتوثق الطلب؛ وإن لم يكن بحضرته من يشهد(٢)، فبعث في طلب شهود - لم تبطل شفعته لما قلنا: أن الإشهاد لإظهار الطلب عند الحاجة، لكن يصحُّ الإشهاد على الطلب على رواية الفور، فبطلت الشهادة على الفور ضرورة، وعلى رواية المجلس إذا قال وهو في المجلس: اذْعُو إِليَّ شهوداً أشهدهم، فجاء الشهود فأشهدهم صحَّ وتوثق الطلب؛ لأن المجلس قائم، ولو أخبر ببيع الدار؛ فقال: الحمد لله قد ادعيت شفعتها، أو سبحان الله قد ادعيت شفعتها - فهو على شفعته على رواية محمد؛ لأن هذا يذكر لافتتاح الكلام تبركاً به، فلا يكون دليل الإعراض عن الطلب. وكذا إذا سلم أو شمت العاطس؛ لأن ذلك ليس بعمل يدل على الإعراض؛ ولهذا لم يبطل به خيار المخيرة؛ وكذلك إِذا قال: من ابتاعها؟ وبكم بيعت؟ لأن الإِنسان قد يرضى بمجاورة إِنسان دون غيره، وقد تصلح له الدار بثمن دون غيره، فكان السؤال عن حال الجار ومقدار الثمن من مقدّمات الطلب لا إِعراضاً عنه، وهذا كله على رواية اعتبار المجلس؛ فأما على رواية اعتبار الفور تبطل شفعته في هذه المواضع؛ لانقطاع الفور من غير ضرورة. :٠ ولو أخبر بالبيع وهو في الصلاة، فمضى فيها فالشفيع - لا يخلو من أن يكون في الفرض أو في الواجب أو في السنّة أو في النفل المطلق؛ فإن كان في الفرض لا تبطل شفعته؛ لأن قطعها حرام، فكان معذوراً في ترك الطلب؛ وكذا إذا كان في الواجب، لأن الواجب ملحق بالفرض في حق العمل، وإن كان في السنة فكذلك؛ لأن هذه السنن الراتبة في معنى الواجب، سواء كانت السنة ركعتين أو أربعاً كالأربع قبل الظهر، حتى لو أخبر بعد ما صلَّى ركعتي فوصل بهما الشفع الثاني - [لم تبطل شفعته؛ لأنها] (٣) بمنزلة صلاة واحدة واجبة. وقال محمد: إِذا بلغ الشفيع البيع، فصلى بعد الجمعة أربعاً - لم تبطل شفعته؛ وإِن صلَّى أكثر من ذلك، بطلت شفعته؛ لأن الأربع بتسليمة واحدة سنة، فصار كالركعتين، والزيادة / عليها ليست بسنة. (١) سقط في ط . (٣) سقط في ط. (٢) في ط: يشهده. ١٣١ كتاب الشفعة وذكر محمد - رحمه الله - في المخيرة إذا كانت في صلاة النَّفل، فزادت على ركعتين: بطل خيارها؛ لأن كل شفع من التَّطوع صلاة على حدة، والغائب إذا علم بالشُّفعة فهو مثل الحاضر في الطَّلب والإِشهاد؛ لأنه قادر على الطلب الذي يتأكد به الحق، وعلى الإشهاد الذي يتوثق به الطلب. ولو وكل الغائب رجلاً ليأخذ له بالشفعة، فذلك طلب منه؛ لأن في التوكيل طلباً وزيادة، وإذا طلب الغائب على المواثبة وأشهد، فله بعد ذلك من الأجل مقدار المسافة التي يأتي إلى حيث البائع أو المشتري أو الدَّار لا زيادة عليه؛ لأن تأجيل هذا القَدْر للضرورة، ولا ضرورة للزيادة . أما طلب التقرير، فشرطه أن يكون على فور الطَّلب الأول والإِشهاد عليه، فإذا طلب على المواثبة، وأشهد على فوره ذلك شخصاً إلى حيث البائع أو المشتري أو الدار إذا كان قادراً عليه؛ وتفصيل الكلام فيه: أن المبيع إما أن يكون في يد البائع وإما أن يكون في يد المشتري، فإن كان في يد البائع فالشفيع بالخيار؛ إِن شاء طلب من البائع، وإن شاء طلب من المشتري، وإن شاء طلب عند الدار. أما الطلب من البائع، والمشتري؛ فلأن كل واحد منهما خصم البائع باليد والمشتري بالملك، فكان كل واحد منهما خصماً، فصحَّ الطلب من كل واحد منهما، وأما الطلب عند الدار؛ فلأن الحق متعلق بها؛ فإن سكت عن الطلب من أحد المتبايعين وعند الدار مع القدرة عليه - بطلت شفعته؛ لأنه فرط في الطلب، وإن كان في يد المشتري فإن شاء طلب من المشتري وإن شاء عند الدار، ولا يطلب من البائع؛ لأنه خرج من أن يكون خصماً لزوال يده ولا ملك له، فصار بمنزلة الأجنبي، ولو لم يطلب من المشتري ولا عند الدَّار، وشخص إلى البائع للطلب منه والإِشهاد - بطلت شفعته؛ لوجود دليل الإِعراض، وفي الحقيقة لوجود دليل الرضا؛ ولو تعاقد البائع والمشتري في غير الموضع الذي فيه الدّار - فليس على الشفيع أن يأتيهما، ولكنه يطلب عند الدار ويشهد عليه؛ لأن الشفيع إذا كان بجنب الدار والعاقدان غائبان - تعينت الدار للطلب عندها والإشهاد، فإن لم يطلب عندها وشخص إلى العاقدين، بطلت شفعته؛ لوجود الإعراض عن الطلب، هذا إذا كان قادراً على الطلب من المشتري أو البائع أو عند الدَّار، فأما إذا كان هناك حائل؛ بأن كان بينهما نهر مخوف أو أرض مسبعة أو غير ذلك من الموانع(١) - لا تبطل شفعته بترك المواثبة إلى أن يزول الحائلُ. وأما الإشهاد على هذا الطلب فليس بشرط لصحته، كما [أنه](٢) ليس بشرط لصحة طلب (١) في أ: المواضع. (٢) سقط في ط . ١٣١ كتاب الشفعة المواثبة، وإنما هو لتوثيقه على تقدير الإنكار كما في الطلب الأول، وكذا تسمية المبيع وتحديده ليس بشرط لصحة الطلب، والإِشهاد في ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف: أنه شرط؛ لأن الطلب لا يصح إلا بعد العلم، والعقار لا يصير معلوماً إلا بالتحديد، فلا يصح الطلب والإشهاد بدونه. وأما بيان كيفية الطلب: فد اختلفت فيه عبارات المشايخ: عن محمد بن مقاتل الرازي - رحمه الله -: أن الشفيع يقول: طلبت الشفعة وأطلبها وأنا طالبها، وعن محمد بن سلمة - رضي الله عنه - أنه كان يقول: طلبت الشفعة فحسب، وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني - رحمه الله -؛ أنه لا يراعي فيه ألفاظ الطلب، بل لو أتى بلفظ يدلُّ على الطلب أي لفظ كان - يكفي؛ نحو أن يقول: ادعيت الشفعة أو سألت الشفعة ونحو ذلك مما يدل على الطلب، وهو الصحيح؛ لأن الحاجة إلى الطلب، ومعنى الطلب يتأدَّى بكل لفظ يدل عليه، سواء كان بلفظ الطّلب أو بغيره. وأما حكم الطلب فهو استقرار الحق؛ فالشَّفيع إذا أتى بطلبين صحيحين، استقر الحق على وجه لا يبطل بتأخير المطالبة بالأخذ بالشفعة أبداً حتى (١) يسقطها بلسانه، وهو قول أبي حنيفة وإِحدى / الروايتين عن أبي يوسف، وفي رواية أخرى قال: إِذا ترك المخاصمة إِلى القاضي في زمان يقدر فيه على المخاصمة - بطلت شفعته ولم يؤقت فيه وقتاً، وروي عنه: أنه قدره بما يراه القاضي. وقال محمد وزفر - رحمهما الله -: إِذا مضى شهر بعد الطلب(٢)، ولم يطلب من غير عذر - بطلت شفعته؛ وهو رواية عن أبي يوسف أيضاً. وجه قول محمد وزفر: أن حق الشفعة ثبت لدفع الضّرر عن الشفيع، ولا يجوز دفع الضرر عن الإِنسان على وجه يتضمن الإضرار بغيره، وفي إبقاء هذا الحق بعد تأخير الخصومة أبداً إِضرار بالمشتري؛ لأنه لا يبني ولا يغرس خوفاً من النقض والقلع فيتضرر به، فلا بد من التقدير بزمان لئلا يتضرّر به، فقدرنا بالشهر لأنه أدنى الآجال، فإذا مضى شهر ولم يطلب من غير عذر - فقد فرّط في الطلب فتبطل شفعته . وجه قول أبي حنيفة - عليه الرحمة -: أن الحق للشفيع قد ثبت بالطلبين، والأصل أن الحق متى ثبت لإِنسان لا يبطل إِلا بإبطال ولم يوجد؛ لأن تأخير المطالبة منه لا يكون إبطالاً؛ كتأخير استيفاء القصاص وسائر الديون. (١) في أ: ما لم. (٢) في أ: الطلبين. ١٣٣ كتاب الشفعة وقوله: يتضرر المشتري ممنوع؛ فإنه إذا علم أن للشفيع أن يأخذ بالشفعة، فالظاهر أن يمتنع من البناء والغرس خوفاً من النقض والقلع، فلئن فعل فهو الذي أضر بنفسه، فلا يضاف ذلك إلى الأخذ بالشفعة؛ ولهذا لم يبطل حق الشفعة بغيبة الشفيع، ولا يقال: إن فيه ضرراً بالمشتري بالامتناع من البناء والغرس لما قلنا؛ كذا هذا(١). (١) الشفعة بمعنى طلبها على الفور، بعد علم الشفيع بالبيع، ولو بإخبار ثقةٍ حرٍ، أو عبدٍ، أو امرأةٍ، لأن خبر الثقة مقبول، وإن تأخر التملك؛ لأنها حق ثبت لرفع الضرر، فكان فورياً كالرد بالعيب، ولقوله وَله: ((الشُّفْعَةُ كَحَلُ الْعقالِ)) أي: تفوت بترك المبادرة، كما يفوت البعير الشرود عند حلّ العقال، إذا لم يبادر إليه صاحبه . وقيل: تمتد ثلاثة أيام، فإنها قد تحتاج إلى نظر وتأمل، فتقدر بثلاث كخيار الشرط؛ لأن التأبيد يضر بالمشتري، والمبادرة تضر بالشفيع، لعدم تمكنه من النظر في الأحظ، فينظر بالثلاثة. وقيل: تمتد مدة تسع التأمل في مثل ذلك الشقص .. وقيل: على التأبيد ما لم يصرّح بإسقاطها، أو يعرض به كبعه لمن شئت، فيبادر وجوباً بعد علمه بالبيع، من غير فاصل على العادة بالطلب أو بالرفع إلى الحاكم، ولا يكلّف المبادرة على خلافها بعدو ونحوه، بل يرجع فيه إلى العرف، فما عدّه توانياً وتقصيراً كان مسقطاً، وما لا فلا، وضابط ما هنا ما مرّ في الرد بالعيب . فإن لم يعلم كان على شفعته وإن مضى سنون، فإن آخر طلب الشفعة بلا عذر بطلت شفعته لتقصيره، فإن كان مريضاً أو محبوساً ولو بحق، وعجز عن الطلب بنفسه، أو غائباً عن بلد المشتري، بحيث تعدّ غيبته حائلاً بينه وبين مباشرة الطلب، أو خائفاً من عدو، أو إفراط برد أو حرّ، وجب عليه التوكيل في الطلب إن قدر عليه؛ لأنه الممكن، وإن عجز عنه وجب عليه أن يشهد على الطلب رجلين أو رجلاً وامرأتين، أو واحداً ليحلف معه، قياساً على الرد بالعيب. فإن عجز عن الإشهاد لم يجب التلفظ بالتملك، كما في الردّ بالعيب، فلو قال: ((أشهدت فلاناً وفلاناً فأنكرا لم يسقط حقُّه، فإن ترك ما قدر عليه من التوكيل والإشهاد، بطل حقُّه لتقصيره المشعر بالرضا، فإن حضر الشفيع، وغاب المشتري غيبة تحول بين الشفيع وبين مباشرة الطلب، جاز للشفيع أن يرفع أمره إلى القاضي، ويأخذ بالشفعة، وله ذلك مع حضوره، كنظيره في الردّ بالعيب. فإن فقد القاضي من بلده خرج لطلبها هو أو وكيله عند بلوغه الخبر، إلا إن كان الطريق مخوفاً، ولم يجد رفقة تعتمد، أو كان الوقت وقت حرّ أو برد مفرطين، فلا يلزمه الخروج، ويجب عليه الإشهاد، ويجوز للقادر التوكيل كما في الردّ بالعيب؛ لأن وكيل الإنسان قائم مقامه . وقال بعضهم: لا يجوز التوكيل للقادر؛ لأن الشفعة على الفور، والتوكيل مع القدرة يعدُّ تقصيراً. ولو سار عقب العلم بنفسه، أو وكلّ، لم يتعين عليه الإشهاد على الطلب حينئذٍ، بخلاف الرد بالعيب. والفرق أن تسلط الشفيع على الأخذ بالشفعة، أقوى من تسلط المشتري على الردّ بالعيب، بدليل أن الشفيع له نقض تصرف المشتري في الشقص وأخذه، بخلاف الرد بالعيب، ولأن الإشهاد في الردّ بالعيب على المقصود وهو الفسخ، وهنا على الطلب، وهو وسيلة يغتفر فيها ما لا يغتفر في المقصود. فإذا علم بالبيع وكان في صلاة، أو حمّام، أو طعام، أو قضاء حاجة فله الإتمام على العادة، ولا يكلّف الاقتصار على أقل مجزىء، ولو دخل وقت هذه الأمور قبل شروعه فيها فله الشروع، ولو نوى نفلاً مطلقاً = ١٣٤ كتاب الشفعة فله الزيادة على ركعتين مطلقاً، نوى قدراً أم لا، ما لم يزد على العادة في ذلك، فلو لم يكن عادة اقتصر = على ركعتين، فإن زاد عليهما بطل حقُّه، وله التأخير ليلاً حتى يصبح، ما لم يتمكن من الذهاب إليه ليلاً من غير ضرر، كأن جمعتهما محلة، أو مسجد بعد الغروب، أو في صلاة العشاء، أو كان البائع، أو الحاكم، أو الشهود جيرانه، وسهل عليه الاجتماع بأحدهم كما في النهار. ولو أخّر ثم اعتذر بمرض، أو حبس، أو غيبة، وأنكر المشتري، فإن علم به العارض الذي يدّعيه صدق الشفيع، وإلا فالمشتري، ولو لقي الشفيع المشتري في غير بلد الشقص، فأخّر الأخذ إلى حضوره إليه، بطلت شفعته؛ لاستغناء الأخذ عن الحضور عند الشقص، ما لم يلزم على ذلك الرفع إلى حاكم يأخذ منه دراهم وإن قلت، أو مشقة لا تحتمل عادة في مثل ذلك. وقد لا يجب الفور في الطلب كالبيع بمؤجل، أو البيع وأحد الشريكين غائب، وكأن أخبر بنحو زيادة فترك، ثم بان خلافه، وكالتأخير لانتظار إدراك زرع وحصاده، وإذا كان في الشقص شجر عليه ثمرة لا تستحق بالشفعة، ففي جواز التأخير إلى جذاذ الثمرة وجهان: الأرجح منهما المنع، والفرق مكان الانتفاع مع بقاء الثمرة، وكالتأخير ليعلم قدر الثمن، أو ليخلص نصيبه المغصوب ومحله، إذا لم يقدر على نزعه إلا بمشقة، أو لجهله بأن له الشفعة، أو بأنها على الفور، وهو ممن يخفى عليه ذلك، أو لخلاص الشقص المبيع، إذا كان مغصوباً، وكتأخير الولي أو عفوه والمصلحة في الأخذ، فللولي الأخذ بعد تأخيره، وللمولى الأخذ إذا كمل قبل أخذ الولي، ولا يمنع تأخير الولي، وإن لم يعذر في التأخير؛ لأن الحقَّ لغيره، فلا يسقط بتأخيره وتقصيره. أما إذا كانت المصلحة في الترك، امتنع على المولى الأخذ بعد كماله، ومثل الشفعة للمولى الشفعة المتعلقة بالمسجد وبيت المال؛ فلو ترك متولي المسجد أو بيت المال الأخذ، أو عفا عنه، لم يكن مسقطاً لثبوت الشفعة، فله الأخذ بعد ذلك، وإن سبق العفو منه، إذ لا حقَّ له فيه، ولو لم يأخذه، ثم عزله وتولى غيره، كان لغيره الأخذ ولو كانت المصلحة في الترك فعفا، امتنع عليه وعلى غيره الأخذ بعد ذلك، لإسقاطها بانتفاء المصلحة وقت البيع. ولو لقي الشفيع المشتري، فسلم عليه أولاً، وكان ممن يشرع عليه السلام، لم يكن مقصراً، فلا تبطل الشفعة؛ لأن السلام قبل الكلام سنة. وإن كان ممن لا يندب عليه السلام، كفاسق، بطل حقُّه إن علم بما له، ولو وجد المشتري بحالة لا يطلب معها السلام عليه، كأن كان يقضي حاجته، أو يجامع زوجته، فله تأخير الطلب إلى فراغه، ولو سلم عليه بطل حقُّه؛ لأن السلام لا يندب عليه حينئذٍ، وكذا لو سأله ابتداء عن الثمن، كأن قال له: بكم اشتريت؟ لأنه إن جهله فلا بد من البحث عنه، وإن علمه فقد يريد تحصيل إقرار المشتري، لئلا ينازعه فيه، أو قال له: بارك الله لك في صفقتك؛ لأنه قد يدعو بالبركة ليأخذ صفقته مباركة، وكذا لو جمع بين السلام والدعاء. وفي الدعاء له وجه أنه يبطل به حقّ الشفعة، لإشعاره بتقرير الشقص في يده، ومحل هذا الوجه إن كان فيه خطاب، وإلا كبارك الله فيه، لم يضر قطعاً. ولو قال له: هناك الله بهذه الصفقة سقط حقُّه، ويوجه بأنه يشعر بالرضا ببقاء المبيع. ولو قال له: اشتريت رخيصاً ونحوه، كقوله: بعه، أو هبه مني، أو من فلان بطلت شفعته؛ لأن في الأولى فضول لا غرض فيه، وفيما عداها رضي بتقرير الشقص في يد المشتري. ولو طلب الشفعة وأعوزه = ١٣٥ كتاب الشفعة .. الثمن لم تبطل شفعته على الأصح، لكن للحاكم إبطالها عند الإعواز، وإن توكل في شرائه لم تبطل، = وكذا إن توكل في البيع كما تقدم. وعفو الشفيع عن الشفعة قبل البيع، كأن قال لشريكه: بع نصيبك، وقد عفوت عن الشفعة، أو لغيره اشتر فلا أطلبك بالشفعة، لا يسقط الشفعة إذا لم يصدر منه ما يقتضي سقوطها، ولأن العفو قبل ثبوت الحق لغو، وكذا شرط الخيار للشفيع، وضمانه العهدة للمشتري، بأن يقول المشتري للبائع: بعنا هذا بكذا، بشرط أن يضمن لي فلان العهدة، وهو حاضر، فيقول: بعتك، ويقول الشفيع: ضمنتها وأخذت المبيع بالشفعة؛ لأن تمام العقد بحصول الإيجاب والقبول والضمان؛ لأنه شرط فيه. ولو اتفق الشفيع والمشتري على الطلب، لكن قال المشتري: إنه لم يبادر فسقط حقه، وقال الشفيع: بل بادرت، فينبغي تصديق الشفيع؛ لأن الظاهر صحة الأخذ، فلو أقاما بينتين فالوجه تقديم بينة الشفيع؛ لأنها مثبتة، ومعها زيادة علم بالفور. ((مذهب مالك)) قال مالك: ((وقت وجوبها متسع))، وروي عنه في ذلك روايتان: إحداهما: أنه لا حدّ لذلك الوقت. والثانية: أن له حداً. وجه الرواية الأولى: ((الشُّفْعَةُ فِيْمَا لَمْ يُقْسَمْ)) فإنه عام في الأوقات والأحوال، ومن جهة المعنى أن هذا حق متعلق بالمال، وكان المشتري عالماً به، وقادراً على إزالته عن نفسه، بتوقيفه الشفيع أمام القاضي، فإذا لم ينقطع حق المشتري، وهو التوقيف، بمضي المدة، لم ينقطع حقُّ الشفيع أيضاً بمضيها. ووجه الرواية الثانية: أن في ترك الشفيع على شفعته إضرار بالمشتري، ومنعاً له من التصرف في ملكه بالعمارة والزراعة، فكان له حدّ ينتهي إليه. والقول بالتحديد هو الأصح. ثم اختلف في حدّها فقيل: سنتان، وقيل: سنة، وهو قول الأكثر، وما قارب السنة داخل في حكمها، وهو مذهب المدونة، وهو المعول عليه. أما مذهب الحنفية: فهو أن طلبات الشفعة ثلاث: الأول: طلب مواثبة. الثاني: طلب إشهاد وتعزيز. الثالث: طلب أخذ وتملك ... وشرط طلب المواثبة أن يطلب في مجلس علمه بالبيع، بسماعه من رجلين، أو رجل وامرأتين، أو واحد عدل، وإن امتد المجلس، فلو قال بعد ما بلغه البيع: ((الحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)) لا تبطل شفعته؛ لأن الأول حمدٌ لله على الخلاص من جوار البائع، والأمن من ضرر الدخيل، والثاني تعجب منه بقصد إضراره. وسمي طلب مواثبة لأنه يدل على غاية التعجيل، كأن الشفيع يثب ويطلب الشفعة. وطلب الإشهاد هو أن يذهب إلى الدار المبيعة مثلاً؛ لأن الحقّ متعلق بها، أو البائع إذا كان المبيع في يده، أو المشتري مطلقاً، وإن لم يكن ذايد؛ لأنه مالك، ومعه رجلان، أو رجل وامرأتان، ويقول: اشترى فلان هذه الدار، وأنا شفيعها، وكنت طلبت الشفعة، وأطلبها الأن، فأشهدوا عليه. وهذا الطلب واجب، حتى إذا تمكن من الإشهاد ولم يشهد بطلت شفعته، وإذا أشهد في طلب المواثبة عند أحد هذه الأمور، كفى عن الإشهاد في الثاني؛ لقيامه مقام الطلبين .... وطلب التملك، ويسمى طلب الخصومة، هو الذي يخاصم به الشفيع المشتري، طالباً تسليم العقار = ١٣٦ كتاب الشفعة فصل [فيما يبطل به حق الشفعة] وأما بيان ما يبطل به حقّ الشفعة بعد ثبوته، فنقول وبالله التوفيق: ما يبطل به حق الشفعة بعد ثبوته في الأصل نوعان: اختياري وضروري(١)، والاختياري نوعان: صريحٌ، وما يجري المشفوع إليه، وبتأخيره عن الثاني شهراً أو أكثر لا تبطل شفعته عند أبي حنيفة. = وقال محمد: إذا تركه شهراً بلا عذر بعد الإشهاد بطلت؛ لأنها لو لم تسقط به تضرر المشتري، إذ لا يمكنه التصرف، خوفاً من نقضه من جهة الشفيع. ولو أخر الطلب ثم قال: ((لم أصدق المخبر))، وقد أخبره رجلان عدلان، أو رجل وامرأتان بصفة العدالة، أو واحد مقبول الرواية ولو عبداً، أو امرأة، أو جمع كثير لا يمكن تواطؤهم على الكذب عادة ولو كفَّاراً، بطلت شفعته؛ لأن شهادة الشاهدين مقبولة، وخبر مقبول الرواية مقبول في الأخبار، وخبر الجمع المذكور مفيد للعلم، فكان من حقّه أن يعتمدهم. وقيل يعذر في عدم قبول خبر الواحد؛ لأن البيع لا يثبت بواحد ولو عدلاً، إلا منضماً إلى اليمين، فلو قال في الأولين: جهلت ثبوت العدالة، وكان مثله، يجوز أن يخفي عليه لم يبعد قبول قوله؛ لأن رواية المجهول لا تسمع، قاله ابن الرفعة . ولو قال: ((أخبرني رجلان، وليسا عدلين عندي))، وهما عدلان، لم تبطل شفعته؛ لأن قوله محتمل ولو كانا عدلين عنده دون الحاكم، بأن علم أنهما غير عدلين عنده، ولم يقع في قبله صدقهما، عذر في عدم تعويله على إخبارهما. قاله السبكي؛ لأنه ربما احتاج إلى إثبات الشراء عند الحاكم، وذلك لا يحصل بغير العدلين عنده، وافترض بأنه بعد كونهما عدلين عنده كيف لا يقع في قلبه صدقهما؟ والجواب: أن مجرد العدالة لا يمنع من جواز الإخبار بخلاف الواقع، فذلك مجرد كذب، والكذبة الواحدة لا توجب فسقاً. قاله الرملي، فلا تنافي العدالة . وخرج بمقبول الرواية غيره، كصبي ومجنون وفاسق، إلا أن يصدقه، فتسقط شفعته؛ لأن ما يتعلق بالمعاملات يستوي فيه خبر الفاسق وغيره، إذا وقع في النفس صدقه، هذا كله في الظاهر، أما في الباطن فالعبرة بما يقع في نفسه، من صدق وضده، ولو من فاسق وغيره، قاله الماوردي. ولو تردد في ظاهر العدالة فترك، لم يسقط حقُّه، ولو أخبر مستوران ولم يصدقهما عذر، ولو كذب عليه المخبر في جنس الثمن، كأن قال له: ((إنه دراهم)) فبان دنانير، أو في نوعه، كأن قال له: ((إنه مصري)) فبان إنكليزياً، أو في قدره كأن قال له: ((إنه ألف)) فبان خمسمائة، أو في حلوله كأن قال: ((إنه حال)) فبان مؤجلاً، أو في قدر المبيع كأن قال: ((باع كلَّ حصَّته)) فبان أنه باع بعضها، أو عكسه، أو في أن المشتري زيد فبان عمرا، أو قال المشتري: ((اشتريته لنفسي فبان وكيلاً))، أو في أن المشتري اثنان فبان واحداً، أو عكسه بأن قال: إن المشتري واحد فبان اثنين، أو في قدر الأجل كأن قال: باع بمؤجل إلى شهر فبان إلى شهرين، فعفا أو توانى قبل بيان ما ذكر؛ لم تبطل شفعته؛ لأنه تركه لغرض بأن خلافه، ولم يتركه رغبة عنه . ولو أخبره أنه بألف، فترك فبان بأكثر بطل حقّه؛ لأنه إذا لم يرغب فيه بالأقل فبالأكثر أولى، وكذا لو أخبره بمؤجل فعفا عنه فبان حالاً؛ لأن عفوه يدل على عدم رغبته، لما مر أن له التأخير إلى الحلول. والحاصل أنه إذا أخبره بما هو الأنفع له فترك الأخذ بطل حقُّه، وإلا فلا. ينظر: الشفعة لشيخنا أبو العنين محمد. (١) في أ: اضطراري. ١٣٧ كتاب الشفعة مجرى الصريح ودلالة، أما الأول فنحو أن يقول الشفيع: أبطلت الشفعة أو أسقطتها أو أبرأتك عنها أو سلمتها ونحو ذلك؛ لأن الشفعة خالص حقّه، فيملك التصرف فيها استيفاءً وإسقاطاً؛ كالإبراء عن الدين والعفو عن القصاص ونحو ذلك، سواء علم الشفيع بالبيع أو لم يعلم بعد إن كان بعد البيع؛ لأن هذا إسقاط الحق صريحاً، وصريح الإِسقاط يستوي فيه العلم والجهل؛ كالطلاق والإِبراء عن الحقوق، بخلاف الإسقاط من طريق الدّلالة؛ فإنه لا يسقط حقه ثمة إِلا [بعد العلم بالبيع](١)، والفرق يذكر بعد هذا، ولا يصحُّ تسليم الشفعة قبل البيع؛ لأنه إِسقاط الحق، وإسقاط الحق قبل وجوبه ووجود سبب وجوبه محال. ولو أخبر بالبيع بقدر من الثمن أو جنس منه أو من فلان، فسلم فظهر بخلافه هل يصح تسليمه؟ فالأصل في جنس هذه المسائل أنه ينظر إِن كان لا يختلف غرض الشفيع في التَّسليم - صح التَّسليم ويطلت شفعته؛ وإِن كان يختلف غرضه، لم يصح وهو على شفعته؛ لأن غرضه في التَّسليم إِذا لم يختلف بين ما أخبر به وبين ما بيع به وقع التسليم محصلاً لغرضه فصح؛ وإِذا اختلف غرضه في التسليم، لم يقع التسليم محصلاً لغرضه، فلم يصح التسليم. وبيان هذا في مسائل: إِذا أخبر أن الدار بيعت ألف درهم فسلم، ثم تبين أنها بيعت بألفين - فلا شفعة له؛ لأن تسليمه كان لاستكثاره الثمن، فإذا لم تصلح له بأقل الثمنين فبأكثرهما أولى، فحصل غرضه بالتسّليم فبطلت شفعته. ولو أخبر أنها بيعت بألف فسلم، ثم تبين أنها بيعت بخمسمائة - فله الشفعة؛ لأن التسليم عند كثرة الثمن لا يدلّ على التسليم عند قلته، فلم يحصل غرضه بالتسليم، فبقي على شفعته؛ ولو أخبر أنها بيعت بألف درهم، ثم تبين أنها بيعت بمائة دينار فإن كانت قيمتها ألفاً أو أكثر - فلا شفعة له؛ وإِن كانت أقل، فهو على شفعته عند أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم -، وقال زفر - رحمه الله -: له الشفعة في الوجهين جميعاً. وجه قول زفر: أن الدراهم والدنانير جنسان مختلفان حقيقة؛ واعتبار الحقائق هو الأصل، والغرض يختلف باختلاف الجنس، لأنه قد يتيسر عليه جنس ويتعذر عليه الآخر، فلم يقع التسليم محصلاً لغرضه، فيبقى على شفعته /؛ كما لو أخبر أنها بيعت بحنطة فسلم، ثم تبين أنها بيعت بشعير قيمته مثل قيمة ١٧٧/٣ أ الحنطة . ولنا: أن الدراهم والدنانير في حق الثمنية كجنس واحد؛ لأنها أثمان الأشياء، وقيمتها تقوم الأشياء بها تقويماً واحداً، أعني أنها تقوم بهذا مرة وبذاك أخرى، وإِنما يختلفان في القدر لا غير، فوجب اعتبار قدر قيمتهما في الكثرة والقلة؛ كما إِذا أخبر أنها بيعت بألف درهم أو (١) بدل ما بين المعكوفين في ط: العلم. ١٣٨ كتاب الشفعة بمائة دينار، فسلم ثم تبين أنها بيعت بأكثر أو بأقل على ما بينًا، كذا هذا؛ بخلاف ما إِذا أخبر أنها بيعت بحنطة، فسلم ثم تبين أنها بيعت بشعير قيمته مثل قيمة الحنطة أو أقل أو أكثر؛ لأن هناك اختلف؛ إِذ الحنطة والشعير جنسان مختلفان على الاطلاق، واختلاف الجنس يوجب اختلاف الغرض، فلم يصحُ التسليم. ولو أخبر أنها بيعت بألف درهم، ثم تبين أنها بيعت بمكيل أو بموزون سوى الدراهم والدنانير أو عددي متقارب . فالشفعة قائمة؛ لأن الثمن الذي وقع به البيع إِذا كان من ذواتٍ الأَمثال - فالشفيع يأخذ بمثله؛ وأنه جنس آخر غير الجنس الذي أخبر به الشَّفيع، فاختلف الغرض . ولو أخبر أنها بيعت بألف، فسلم، ثم تبين أنها بيعت بعرض وما ليس من ذوات الأمثال؛ فإن كانت قيمته مثل الألف أو أكثر، صح تسليمه؛ وإن كانت أقل، لم يصح تسليمه وله الشفعة؛ لأن الشفيع ههنا يأخذ الدار بقيمة العرض؛ لأنه لا مثل له وقيمته دراهم أو دنانير، فكان الاختلاف راجعاً إلى القدر، فأشبه الألف والألفين والألف وخمسمائة على ما مر. ولو أخبر بشراء نصف الدَّار، فسلم ثم تبين أنه اشترى الجميع - فله الشفعة، ولو أخبر بشراء الجميع، فسلم ثم تبين أنه اشترى النصف - فالتسليم جائز ولا شفعة له، هذا هو الرواية المشهورة في الفضلين، وقد روي الجواب فيهما على القلب؛ وهو أن التسليم في النصف يكون تسليماً في الكل، والتسليم في الكلّ لا يكون تسليماً في النصف. وجه هذه الرواية: أن تسليم النصف لعجزه عن الثمن، ومن عجز عن القليل كان عن الكثير أعجز، فأما العجز عن الكثير لا يدلّ على العجز عن القليل. وجه الرواية المشهورة: أن التسليم في النصف للاحتراز عن الضَّرر، وهو ضرر الشركة، وهذا لا يوجد في الكل، فاختلف الغرض فلم يصح التسليم، فبقي على شفعته؛ وإِذا صح تسليم الكل فقد سلم البعض ضرورة؛ لأنه داخل في الكل، فصار بتسليم الكل مسلماً للنصف؛ لأن الشركة عيب، فكان التسليم بدون العيب تسليماً مع العيب من طريق الأولى. ولو أخبر أن المشتري زيد، فسلم ثم تبين أنه عمرو - فهو على شفعته؛ لأن التسليم للأمن عن الضرر، والأمن عن ضرر زيد لا يدل على الأمن عن ضرر عمرو؛ لتفاوت الناس في الجوار. ولو أخبر أن المشتري زيد، فسلم ثم تبين أنه زيد وعمرو - كان له أن يأخذ نصيب عمرو؛ لأنه سلم نصيب زيد لا نصيب عمرو، فبقي له الشُّفعة في نصيبه؛ ولو أخبر أن الدار بيعت بألف درهم، فسلم ثم إِن البائع حط عن المشتري خمسمائة، وقبل المشتري الحط - كان ١٣٩ كتاب الشفعة له الشفعة؛ لأن الحط يلتحق بأصل العقد، فتبين أن البيع كان بخمسمائة، فصار كما إذا أخبر أنها بيعت بألف، فسلم ثم تبين أنها بيعت بخمسمائة؛ ولو لم يقبل الحط لم تجب الشفعة؛ لأن الحط لم يصحَّ إذا لم يقبل، فلم يتبين أنها بيعت بأنقص من ألف، فلم تجب الشُّفعة. ولو باع الشفيع داره التي يشفع بها بعد شراء المشْتَري هل تبطل شفعته؟ فهذا لا يخلو إما إن كان البيع باًّا، وإِما إن كان فيه شرط الخيار؛ فإن كان بأنَّا لا يخلو إما إن باع كل الدار، وإِما إِن باع جزءاً منها؛ فإن باع كلها بطلت شفعته؛ لأن سبب الحق هو جوار الملك. وقد زال، سواء علم بالشراء أو لم يعلم؛ لأن هذا في معنى صريح الإسقاط؛ لأن إبطال سبب الحق إِبطال الحق، فيستوي فيه العلم والجهل، فإِن رجعت الدار إِلى ملكه بعيب بقضاء أو بغير قضاء، أو بخيار رؤية أو بخيار شرط / للمشتري - فليس له أن يأخذ بالشفعة؛ لأن الحق قد ١٧٧/٣ ب بطل، فلا يعود إِلا بسبب جدید. وكذلك لو باعها الشفيع بيعاً فاسداً وقبضها المشتري - بطلت شفعته؛ لزوال سبب الحق وهو جوار الملك؛ فإن نقض البيع فلا شفعة له؛ لما ذكرنا أن الحق بعدما بطل لا يعود إِلا بسبب جديد، وإِن باع جزءاً من داره فإن باع جزءاً شائعاً منها - فله الشفعة بما بقي؛ لأن ما بقي يصلح لاستحقاق الشفعة ابتداء، فأولى أن يصلح للبقاء؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء. وإِن باع جزءاً معيناً بيتاً أو حجرة، فإن كان ذلك لا يلي الدار التي فيها الشفعة؛ فكذلك لأن السبب وهو جوار الملك قائم، وإِن كان مما يلي تلك الدار، فإِن استغرق حدود الدار التي فيها الشُّفعة - بطلت الشفعة؛ لأن الجوار قد زال، وإِن بقي من حدها شيء ملاصق لما بقي من الدّار - فهو على شفعته؛ لما ذكرنا أن هذا القدر يصلح للاستحقاق ابتداءً، فلأن يصلح لبقاء المستحق أولى، وإِن كان فيه خيار الشرط؛ فإِن كان الخيار للبائع وهو الشَّفيع، فهو على شفعته ما لم يوجب البيع؛ لأن السبب وهو جوار الملك قائم؛ لأن خيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه؛ فإِن طلب الشفعة في مدة الخيار، كان ذلك منه نقضاً للبيع؛ لأن طلب الشفعة دليل استبقاء الملك في المبيع، وذلك إِسقاط للخيار ونقض للبيع، وإِن كان الخيار للمشتري - بطلت شفعته؛ لأن الدار خرجت عن ملکه بلا خلاف؛ فزال سبب الحق وهو جوار الملك. وإِن كان الشفيع شريكاً وجاراً، فباع نصيبه الذي يشفع به - كان له أن يطلب الشفعة بالجوار- لأنه إِن بطل أحد السببين(١) وهو الشركة فقد بقي الآخر وهو الجوار؛ ولهذا استحق به ابتداء، فلأن يبقى به الاستحقاق أولى. (١) في أ: الشيئين. ١٤٠ كتاب الشفعة ولو صالح المشتري الشفيع من الشفعة على مال - لم يجز الصلح ولم يثبت العوض، وبطل حق الشفعة، أما بطلان الصلح فلانعدام ثبوت الحق في المحل؛ لأن الثابت للشفيع حق التملك، وأنه عبارة عن ولاية التملك، وأنها معنى قائم بالشفيع، فلم يصح الاعتياض عنه - فبطل الصلح ولم يجب العوض. وأما بطلان حق الشَّفيع في الشفعة؛ فلأنه أسقطه بالصلح، فالصلح وإِن لم يصح فإسقاط حق الشفعة صحيحٌ؛ لأن صحته لا تقف على العوض، بل هو شيء من الأموال لا يصلح عوضاً عنه، فالتحق ذكر العوض بالعدم، فصار كأنه سلم بلا عوض. وعلى هذا إذا قال الزوج للمخيرة: اختاريني بألف درهم، فقالت: اخترتك - لم يجب العوض وبطل خيارها، وكذلك العنين إِذا قال لامرأته بعد ما أخبرت بسبب العنة: اختاري ترك الفسخ بالعنة بألفٍ، فقالت: اخترت - بطل خيارها ولم يجب العوض؛ وفي الكفارة بالنفس إِذا أسقطها بعوض روايتان: في رواية: لا يجب العوض، وتبطل الكفالة كما في الشفعة، وفي رواية: لا تبطل الكفالة . وجه الرواية الأولى: أنه أسقط الكفالة بعوض، فالاعتياض إن لم يصح فالإسقاط صحيح، لأن صحته لا تقف على العوض. وجه الرواية الأخرى: أنه ما رضي بالسَّقوط إلا بعوض، ولم يثبت العوض فلا يسقُط، وأما بطلان الشُّفعة من طريق الدّلالة؛ فهو أن يوجد من الشفيع ما يدل على رضاه بالعَقْد وحكمه للمشتري وهو ثبوت الملك له؛ لأن حق الشفعة مما يبطل بصريح الرضا، فيبطل بدلالة الرضا أيضاً؛ وذلك نحو ما إذا علم بالشراء، فترك الطلب على الفور من غير عذرٍ، أو قام عن المجلس، أو تشاغل عن الطلب بعمل آخر على اختلاف الروايتين؛ لأن ترك الطلب مع القدرة عليه دليل الرِّضا بالعقد وحكمه للدخيل. وكذا إذا ساوم الشَّفيع الدار من المشتري، أو سأله أن يوليه إياها، أو استأجرها الشفيع من المشْتَري، أو أخذها مزارعة أو معاملة - وذلك كله بعد علمه بالشراء، لأن ذلك كله دليل الرِّضا، أما المساومة فلأنها طلب تمليك بعقدٍ جديد، وأنه دليل الرضا بملك المتملك. وكذلك التولية: لأنها تملك بمثل الثمن الأول من غير زيادة ولا نقصان، وأنها دليل الرضا بملك المتملك. وأما الاستئجار، والأخذ معاملة أو مزارعة؛ فلأنها تقرير لملك المشتري، فكانت دليل الرضا بملكه، فرق بين هذا وبين الفصل الأول؛ حيث شرط ههنا علم الشفيع بالشراء لبطلان حق الشفعة، وهناك لم يشترط؛ وإنما كان كذلك لأن السقوط في الفَصْل الأول بصريح