النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
كتاب الشفعة
[بالطلب](١) لأنه محتمل أن يطلب، ويحتمل أَلاَّ يطلب أو يعرض، فلم يقع التعارض
والتزاحم، فلا يمنع الحاضر من استيفاء حقه الثابت المتأكد بحق يحتمل التأكد والعدم، بل
يقضي له بالكل؛ عملاً بكمال السبب من غير تعارض، بخلاف ما إذا كان لرجلين على رجل
ألف درهم، فهلك الرجل وترك ألف درهم وأحد صاحبي الدين غائب - أنه لا يسلم إلى
الحاضر إلا خمسمائة؛ لأن هناك حق كل واحد منهما يساوي حق الآخر في التأكد، فيقسم
بينهما على السّوية؛ لوقوع التعارض والتزاحم.
وكذلك لو كان للدار شُفَعاء بعضهم غائب وبعضهم حاضر - يقضي بالدار بين الحضور
على عدد رءوسهم لما قلنا؛ ولو جعل بعضهم نصيبه لبعض، لم يصح جعله في حق غيره،
وسقط حق الجاعل وقسمت على عدد رءوس من بقي؛ لأن حق الشُّفعة مما لا يحتمل النقل؛
لأنه ليس بأمر ثابت في المحل فبطل الجعل في حق غيره، وسقط حقه لكون الجعل دليل
الإِعراض، وبقي كل الدار بين الباقين، فيقسمونها على عدد الرءوس لما ذكرنا.
ولو كان أحدهم حاضراً فقضى له بكل الدار، ثم جاء آخر يقضي له بنصف ما في يد
الحَاضِر، فإن جاء ثالث يقضِي له بثلث ما في يد كل [واحد] (٢) منهما؛ لوقوع التعارض
والتزاحم؛ لاستواء الكل في سبب ثبوت الحق وتأكده، فيقسم بينهم على السوية.
ولو أخذ الحاضر الكلَّ ثم قدم الغائب وأراد أن يأخذ النّصف، فقال له الحاضر: أنا
أسلم لك الكل، فإما أن تأخذ أو تدع - فليس له ذلك والذي قدم أن يأخذ النصف؛ لأن
القاضي لما قضى للحاضر بكل الدار تضمّن قضاؤه بطلان حق الغائب عن النصف، وصار
الغائب مقضيًّا عليه في ضمن القضاء للحاضر بالكل فبعد ذلك، وإن بطل القضاء لكن الحق
بعد ما بطل لا يتصور عوده؛ ولو قضى بالدار للحاضر ثم وجد به عيباً فرده، ثم قدم الغائب -
فليس له أن يأخذ بالبيع الأول إلا نصف الدّار، سواء كان الرد بالعيب بقضاء أو بغير قضاء،
وسواء كان قبل القبض أو بعده؛ لما ذكرنا أنه لما قضى القاضي للحاضر بكل الدار بالشُّفعة -
فقد أبطل حق الغائب عن النصف، وصار هو مقضياً عليه ضرورة القضاء على المشتري،
فبطلت شفعته في هذا النِّصف فلا يحتمل العَود، سواء كان الردّ بالعيب بقضاء أو بغير قضاء؛
لأنه إنما بطل حقه في النصف بالقضاء بالشفعة وبالردّ بالعيب [لا يتبين](٣) أن القضاء بالشفعة
لم يكن؛ وكذا يستوي فيه الردّ قبل القبض وبعده لما قلنا.
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.
(٣) في أ: لأنه تبين.

١٠٢
كتاب الشفعة
ولو أراد الغائب أن يأخذ كل الدار بالشُّفعة؛ يرد الحاضر بالعيب ويدع البيع الأول،
ينظر: إن كان الرد بغير قضاء فله ذلك، لأن الردّ بغير قضاء بيع مطلق، فكان بيعاً جديداً في
حق الشفعة، فيأخذ الكل بالشفعة كما يأخذ بالبيع المبتدأ؛ هكذا ذكر محمد وأطلق الجواب
ولم يفصل، بينما إذا كان الردّ بالعيب قبل القبض أو بعده؛ من مشايخنا من قال: ما ذكر من
الجواب محمولٌ على ما بعض لغة القبض؛ لأن الردّ قبل القبض بغير قضاء / بيع جديدٍ، وبيع
العقار قبل القبض لا يجُوز على أصله، وإنما يستقيم إطلاق الجواب على أصل أبي حنيفة وأبي
يوسف - رحمهما الله -.
١١٦٩/٣
ومنهم من قال: يستقيم على مذهب الكُلِّ؛ لأن رضا الشفيع ههنا غير معتبر لكونه
مجبوراً في التمليك، فكان رضاه ملحقاً بالعدم، وإِن كان بقضاء فليس له أن يأخذ؛ لأنه فسخ
مطلق، ورفع العقد من الأصل كأنه لم يكن، والأخذ بالشّفعة يختص بالبيع .
ولو أطلع الحاضر على عيب قبل أن يقضي له بالشُّفعة، فسلم الشفعة ثم قدم الغائب
- فإن شاء أخذ الكل، وإن شاء ترك؛ لأن القاضي إذا لم يقض بالشُّفعة للحاضر، لم يبطل حق
الغائب، بل بقي في كل الدار؛ لوجود سبب استحقاق الكل، إلا أنه لم يظهر لمزاحمة
[حق](١) الحاضر في الكل، وبالتّسليم زالت المزاحمة، فظهر حق الغائب في كل الدار.
ولو ردّ الحاضر الدار بالعيب بعد ما قضى له بالشفعة، ثم حضر شفيعان - أخذا ثلثي الدار
بالشفعة، والحكم في الاثنين والثلاث سواء، يسقط حق الغائب بقدر حصة الحاضر لما قلنا.
وكذا لو كان الشفيع الحاضر اشترى الدَّار من المشتري، ثم حضر الغائب؛ فإِن شاء أخذ
كل الدار بالبيع الأول، وإن شاء أخذ كلها بالبيع الثاني؛ أما الأخذ بالبيع الأول؛ فلأن حق
الحاضر في الشفعة قد بطل بالشِّراء من المشتري؛ لكون الشّراء منه دليل الإِعراض فزالت
المزاحمة الموجبة للقسمة، فبقي حق الغائب في كل الدار، فيأخذ الكل بالبيع الأول إن شاء،
بخلاف الشَّفيع إذا اشترى الدار المشفوعة من صاحبها؛ أنه لا تبطل شفعته؛ لأن البطلان
بالإقدام على الشراء، ولا حق له قبل الشّراء ليبطل به .
وأما الأخذ بالبيع الثاني؛ فلأن البيع الثاني وجد ولا حقّ للحاضر في الشفعة، لصيرورته
معرضاً بالشراء، فيظهر حق الأخذ بالكُل، ولو كان المشتري الأول شفيعاً للدار، فاشتراها
الشفيع الحاضر منه ثم قدم الغائب؛ فإن شاء أخذ نصف الدَّار بالبيع الأول، وإن شاء أخذ كلها
بالبيع الثاني .
(١) سقط في ط.

١٠٣
كتاب الشفعة
أما أخذ النصّف بالبيع الأول؛ فلأن المشتري الأول لم يثبت له حقّ قبل الشراء، حتى
يكون بشرائه معرضاً عنه؛ فإذا باعه من الشّفيع الحاضر، لم يثبت للغائب إلا مقدار ما كان
يخصه بالمزاحمة مع الأول وهو النصف.
وأما أخذ الكلّ بالعقد الثاني؛ فلأن السبب عند البيع الأول أوجب الشّفعة للكل في
الدَّار، وقد بطل حق الشفيع الحاضر بالشِّراء؛ لكون الشراء دليل الإِعراض، فبقي حق
المشتري الأول والغائب في كل الدار؛ فيقسم بينهما للتزاحم فيأخذ الغائب نصف الدار
بالبيع الأول إن شاء، وإن شاء أخذ الكل بالعقد الثاني، لأن السبب عند العقد الثاني
أوجب للشفيع حق الشفعة، ثم بطل حق الشفيع الحاضر عند العقد الأوّل، ولم يتعلّق
بإِقدامه على الشّراء الثاني بعقده حق لإِعراضه، فكان للغائب أن يأخذ الدّار بالعقد
الثاني .
ولو كان المشتري الأول أجنبيًّا اشتراها بألف، فباعها من أجنبي بألفَيْن، ثم حضر
الشفيع، فالشفيع بالخيار؛ إن شاء أخذ بالبيع الأوّل، وإن شاء أخذ بالبيع الثاني؛ لوجود
سبب الاستحقاق وشرطه عند كل واحد من البيعين، فكان له الخيار، فإن أخذ بالبيع الأول
سلم الثمن إلى المشتري الأول، والعُهْدة عليه وينفسخ البيع الثاني ويسترد المشتري الثّاني
الثمن من الأول؛ وإن أخذ بالبيع الثاني، تم البيعان جميعاً والعهدة على الثاني، غير أنه إن
وجد المشتري الثاني والدار في يده - فله أن يأخذ بالبيع الثاني، سواء كان المشتري الأول
حاضراً أو غائباً، وإن أراد أن يأخذ بالبيع الأول، فليس له ذلك حتى يحضر المشتري الأول
والثاني؛ هكذا ذكر القاضي الإِمام الأسبيجابي - عليه الرحمة - في شرحه ((مختصر الطحاوي))
ولم يحكِ خلافاً .
وذكر الكرخِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ -: أن هذا قول أبي حنيفة ومحمَّد - عليهما الرحمة - وعند
أبي يوسف - رحمه الله -: حضرة الأول ليست بشَرْط، وللشفيع أن يأخذ من الذي في يده،
ويدفع إِليه ألفاً ويقال له: اتبع الأول وخذ منه / ألفاً، وإن كان الثاني اشتراه بألفٍ، يؤخذ منه ١٦٩/٣
ويدفع إِليه ألفاً .
وجه قول أبي يوسف: أن حق الشفعة حق متعلّق بعين الدار، فلا يشترط لاستيفائه
حضرة المشتري .
وجه قولهما: أن الأخذ من غير حضرة المشتري الأول يكون قضاءً على الغائب؛ لأن
الأخذ بالبيع الأول يوجب انْفِساخ البيع الأول على المشتري الأول، على ما نذكره في موضعه
إن شاء الله تبارك وتعالى؛ فيكون قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خَصْم حاضر، وأنه

١٠٤
كتاب الشفعة
لا يجوز؛ وقوله: حقّ الشفعة متعلّق بالعين ممنوعٌ، بل لا حقّ في العين، وإِنما الثابت حق
التَّمليك على المشتري، فلا بد من حضرته، ولو كان المشْتَري باع نصف الدار ولم يبع
جميعها، فجاء الشفيع وأراد أن يأخذ بالبيع الأول - أخذ جميع الدار ويبطل البيع في النّصف
الثاني من المشتري الثاني؛ لأن سبب استحقاق الجميع وشرطه موجود عند البيع الأول، فإذا
أخذ الكلّ بالبيع الأول انفسخ البيع في النّصف الثاني من المشتري؛ لأنَّه تبين أنه تقدم على حق
الشَّفيع في قدر النّصف.
وإِن أراد أن يأخذ النّصف بالبيع الثاني، فله ذلك؛ لأن شرط الاستحقاق وهو البيع وجد
في النّصف، وبطلت شفعته في النّصف الذي في يد المشتري الأول؛ لوجود دليل الإِعراض.
ولو كان المشْتَري لم يبع الدار، ولكنه وهبها من رجل أو تصدّق بها على رجل، وقبضها
الموهوب له أو المتصدق عليه، ثم حضر الشفيع والمشتري والموهوب له حاضر أن يأخذها
الشفيع بالبيع لا بالهبة؛ لأن كون العقد معاوضة من شرائط الاستحقاق على ما نذكره إن
شاء الله تعالى، ولا بد من حضرة المشتري، حتى لو حَضَر الشفيع ووجد الموهوب له، فلا
خصومة معه حتى يجد المشتري فيأخذها بالبيع الأول. والثمن للمشتري، وتبطل الهبة؛ كذا
ذكر القاضي من غير خلاف.
وأما الكرخي، فَقْد جعله على الخلاف الذي ذكرنا: أن الذي في يده الدار - وهو
الموهوب له - لم يكن خصماً عندهما، وعند أبي يوسف: يكون خصماً كما في البيع؛ ولو
وهب المشتري نصف الدار مقسوماً وسلمه إلى الموهوب له، ثم حضر الشفيع وأراد أن يأخذ
النّصف الباقي بنصف الثمن - ليس له ذلك، ولكنه يأخذ جميع الدار بجميع الثَّمن أو يدع؛ لأن
في أخذ البعض دون البعض تفريق الصفقة على المشتري، وإذا أخذ الكل بطلت الهبة، وكان
الثمن كله للمشتري لا للموهوب له.
ولو اشترى داراً بألفٍ ثم باعها بألفين، فعلم الشَّفيع بالبيع الثاني ولم يعلم بالبيع الأول،
فأخذها بقضاء أو بغير قضاء، ثم علم أن البيع الأول كان بألفٍ - فليس له أن ينقض أخذه؛
لأنه لما أخذها بالبيع الثاني فقد مَلَكها، وحق التمليك بالبيع الأول بعد ثبوت الملك له لا
يتصوّر، فسقط حقه في الشُّفعة في البيع الأول ضرورة ثبوت الملك له، والثَّابت ضرورة
يستوي فيه العلم والجهل.
فإن اشتراها بألف ثم زاده في الثمن ألفاً، فعلم الشَّفيع بالألفين ولم يعلم أن الألف
زيادةٌ، فأخذها بألفين، فإذا أخذ بقضاء القاضي، أبطل القاضي الزيادة وقضى له بالألف؛ لأن
الزيادة غير ثابتة شرعاً في حق الشَّفيع، فكان القضاء بالزيادة قضاءً بما ليس بثابت فيبطلها

١٠٥
كتاب الشفعة
القاضي، وإن أخذها بغير قضاء، فليس له أن ينقض أخذه؛ لأن الأخذ بغير قضاءٍ بمنزلة شراء
مبتدأ، فسقط حقه في الشُّفْعة .
ولو كان المشتري حين اشتراه بألف ناقضه البيع، ثم اشتراه بألفين فأخذ الشفيع بألفين
ولم يعلم بالبيع الأول، ثم علم به - لم يكن له أن ينقضه، سواء كان بقضاء أو بغير قضاء؛ لأنه
اجتمع بيعان لا يمكن الأخذ بهما، فإذا أخذ بأحدهما انتقض الآخر، والله عز وجل أعلم.
وإذا كان للدار جاران أحدهما غائب والآخر حاضر، فخاصم الحاضر إلى قاض لا يرى
الشُّفعة بالجوار، فأبطل شفعته ثم حضر الغائب، فخاصمه إلى قاض يرى الشفعة - قضى له
بجميع الدار؛ لأن قضاء القاضي الأول صادف محل الاجتهاد، فنفذ وبطلت شفعة الحاضر،
فبقي حق الغائب في كل الدّار؛ لوجود سبب استحقاق الكل فيأخذ / الكل بالشُّفعة؛ ولو كان ٣/ ١٧٠ أ
القاضي الأول قال: أبطلت كل الشُّفعة التي تتعلق بهذا البيع - لم تبطل شفعة الغائب؛ كذا قاله
محمد وهو صحيحٌ؛ لأنه قضاء على الغائب، وأنه لا يجوز، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما الذي يخص حالة الاجتماع: فهو أن أسباب استحقاق الشّفعة إذا اجتمعت يراعي
فيها التَّرتيب، فيقدم الأقوى فالأقوى، فيقدمِ الشّريك على الخليط والخليط على الجار، لما
روي عن رسول الله ◌َّ أنه قال: ((الشَّرِيكُ أَحَقُّ مِنَ الْخَلِيطِ، وَالْخَلِيطُ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ (١))(٢)
ولأن المؤثر في ثبوت حق الشفعة هو دفع ضرر الدخيل وأذاه، وسبب وصول الضرر والأذى
هو الاتصال، والاتصال على هذه المراتب؛ فالاتصال بالشركة في عين المبيع أقوى من
الاتصال بالخلط، والاتصال بالخلط أقوى من الاتصال بالجوار، والترجيح بقوة التأثير ترجيح
صحيح، فإِن سلم الشريك وجبت [الشفعة](٣) للخليط.
وإن اجتمع خليطان يقدم الأخصّ على الأعم، وإن سلم الخليط وجبت للجار لما قلنا،
وهذا جواب ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف: أنه إذا سلم الشريك فلا شفعة لغيره.
وجه رواية أبي يوسف: أن الحق عند البيع كان للشَّريك لا لغيره، ألا ترى أن غيره لا
يملك المطالبة، فإذا سلم سقط الحق أصلاً؛ والصَّحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن كل واحد
من هذه الأشياء الثلاثة سبب صالح للاستحقاق، إلا أنه يرجح البعض على البعض لقوة في
التأثير على ما بيَّنا؛ فإذا سلم الشريك التحقت شركته بالعدم، وجعلت كأنها لم تكن، فيراعي
الترتيب في الباقي كما لو اجتمعت الخلطة والجوار ابتداء.
(١) في أ: الجار.
(٢) تقدم تخريجه بنحو هذا اللفظ.
(٣) سقط في ط.

١٠٦
كتاب الشفعة
وبيان هذا في مسائل: دار بين رجلين في سكة غير نافذة طريقها من هذه السكة، باع
أحدهما نصيبه، فالشفعة لشريكه؛ لأن شركته في عين الدَّار وشركة أهل السكة في الحقوق،
فكان الشَّريك في عين الدار أولى بالشفعة؛ فإذا سلم فالشفعة لأهل السكة كلهم يستوي فيه
الملاصق وغير الملاصق؛ لأنهم كلهم خلطاء في الطريق؛ فإن سلموا فالشفعة للجار
الملاصق .
وعلى ما روي عن أبي يوسف: إذا سلم الشريك سقطت الشفعة أصلاً، ولو انشعبت من
هذه السكة سكة أخرى غير نافذة، فبيعت دار فيها فالشفعة لأهل هذه السكة خاصة؛ لأن خلطة
أهل هذه السكة السفلى أخص من خلطة أهل السكة العليا؛ ولو بيعت داراً في السكة العليا
استوى في شفعتها أهل السكة العليا وأهل السكة السفلى؛ لأن خلطتهم في السكة العليا سواء،
فيستوون في الاستحقاق.
وقال محمد - رحمه الله -: أهل الدَّرب يستحقّون الشفعة بالطريق إذا كان ملكهم أو كان
فناء(١) غير مملوك، أما إذا كان ملكاً لهم فظاهر؛ لوجود الخلطة وهي الشركة في الطريق؛ وأما
إذا كان فناء(٢) غير مملوك، فلأنهم أخصّ به من غيرهم، فكان في معنى المملوك، وإن كانت
السكة نافذة فبيعت دار فيها - فلا شفعة إلا للجار الملاصق؛ لأن الشركة العامة إباحة معنى لما
قلنا .
وإن كان مملوكاً فهو في حكم غير النَّافذ، والطريق النافذ الذي لا يستحق به الشفعة ما
لا يملك أهله سدّه؛ لأنه إذا كان كذلك يتعلّق به حق جميع المسلمين، فكانت شركته عامة
فيشبه الإباحة.
وعلى هذا يخرج النَّهر إذا كان صغيرة يسقى منه أراضي معدودة أو كروم معدودة، فبيع
أرض منها أو كرم إن الشركاء في النهر كلهم شُفعَاء يستوي الملاصق وغير الملاصق؛
الاستوائهم في الخلطة وهي الشركة في الشّرب، وإن كان النهر كبيراً فالشفعة للجار الملاصق
بمنزلة الشَّوارع.
واختلف في الحدّ الفاصل بين الصغير والكبير، قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله -:
إذا كان تجري فيه السُّفن فهو كبير، وإن كان لا تجري فهو صغير؛ وروي عن أبي يوسف
- رحمه الله - أنه قال: لا أستطيع أن أحد هذا بحدِّ هو عندي على ما أرى حين يقع ذلك.
(١) في أ: فيئا.
(٢) في أ: فيئا.

١٠٧
كتاب الشفعة
وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - رواية أخرى /: أنه إن كان يسقي منه مراحان (١) أو ١٧٠/٣ ب
ثلاثة أو بستانان أو ثلاثة - ففيه الشفعة، وما زاد على ذلك فلا؛ كذا ذكر الكرخي - رضي الله
عنه - الاختلاف بين أصحابنا، والقاضي لم يذكر خلافهم، وإنما ذكر اختلاف المشايخ
- رحمهم الله -: قال بعضهم: إن كان شركاء النهر بحيث يحصون فهو صغير، وإن كانوا لا
يحصون فهو كبير، وقال بعضهم: إن كانوا مائة فما دونهم فهو صغير، وإن كانوا أكثر من مائة
فهو كبير، وقال بعضهم: هو مفوّض إلى رأي القاضي، فإن رآه صغيراً قضى بالشُّفعة لأهله،
وإِن رآه كبيراً قضى بها للجار الملاصق.
ولو نزع من هذا الشَّهر نهر آخر فيه أرضون أو بساتين وكروم، فبيع أرض أو بستان
بشربه(٢) من هذا النَّهر النازع، فأهل هذا النهر أحق بالشفعة من أهل النهر الكبير، ألا ترى أنهم
مختصُون بشرب النَّهر النازغ (٣) فكانوا أولى كما في السكة المنشعبة من سكة غير نافذة؛ ولو
بيعت أرض على النهر الكبير، كان أهله وأهل النهر النازع في الشفعة سواء؛ لاستوائهم في
الشرب .
قال محمد - رحمه الله -: في قراح(٤) واحد في وسط ساقية جارية، شرب هذا القراح
منها من الجانبين، فبيع القراح فجاء شفيعان أحدهما يلي هذه الناحية في القراح، والآخر يلي
الجانب الآخر، قال: هما شفيعان في القراح وليست الساقية بحائلة؛ لأن الساقية من حقوق
هذا القراح، فلا يعتبر فاصلاً كالحائط الممتد، ولو كانت هذه الساقية بجوار القراح، ويشرب
منها ألف جريب(٥) من هذا القراح - فأصحاب الساقية أحق بالشفعة من الجار؛ لأنهم شركاء
في الشرب، والشريك مقدم على الجار لما مر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وعلى هذا يخرج ما روي عن أبي يوسف، أنه قال في دار بين رجلين ولرجل فيها طريق
فباع أحدهما نصيبه من الدار: أن الشَّريك أحق بالشّفعة من صاحب الطريق؛ لأن الشريك في
عين العقار أحقّ من الخليط .
وكذلك إذا كانت الدار بين رجلين، ولأحدهما حائط بأرضه في الدار بينه وبين آخر،
فباع الذي له شركة في الحائط نصيبه من الدار والحائط - فالشريك في الدار أحق بشفعة الدار،
(١) في أ: قرحان.
(٢) في ط: شربه.
(٣) النازع: أي النهر المتشعِبُ من النهر الكبير.
(٤) قراح: الأرض المُخَلَّة للزرع، وليس عليها بناء. المعجم الوسيط (قرح).
(٥) جريب: مكيال قدر أربعة أقفزة. المعجم الوسيط (جرب).

١٠٨
كتاب الشفعة
والشريك في الحائط أولى بالحائط؛ لأن الشريك في الحائط ليس بشريك في الدار، بل هو
جار لبقية الدار، والشريك مقدم على الجار؛ وكذلك دار بين رجلين ولأحدهما بئر في الدار
بينه وبين آخر، فباع الذي له شركة في البئر نصيبَهُ من الدار والبئر - فالشريك في الدار أحق
بشفعة الدار، والشَّريك في البئر أحق بالبئر؛ لما ذكرنا أن الشريك في البئر جار لبقية الدار،
والشريك مقدّم على الجار.
وكذلك سفل بين رجلين ولأحدهما علو عليه بينه وبين آخر، فباع الذي له نصيب في
السّفل والعلو نصيبه - فلشريكه في السفل الشفعة في السّفل، ولشريكه في العلو الشفعة في
العلو ولا شفعة لشريكه في السفل في العلو، ولا لشريكه في العلو في السفل؛ لأن شريكه في
السفل جار العلو وشريكه في حقوق العلو، وإن كان طريق العلو فيه ليس بشريك له في العلو،
والشريك في عين البقعة أو ما هو في معنى البقعة مقدَّم على الجار، والشريك في الحقوق
وشريكه في العلو جار للسفل، أو شريكه في الحقوق إذا كان طريق العلو في تلك الدار، ولا
شركة له في عين البقعة؛ فكان الشريك في عين البقعة أولى.
ولو كان لرجل علو على دار وطريقه فيها، وبقية الدار لآخر، فباع صاحب العلو العلو
بطريقة - فالقياس أَنْ لاَ شفعة لصاحب السفل في العلو، وفي الاستحسان تجب.
وجه القياس: أن من شرائط وجوب الشُّفعة أن يكون المبيع عقاراً، والعلو منقول فلا
تجب فيه الشفعة؛ كما لا تجب في سائر المنقولات(١).
(١) يشترط في البيع الذي تثبت فيه الشفعة أن يكون عقاراً مملوكاً، فلا شفعة في المنقول؛ لأن الشفعة إنما
شرعت لرفع ضرر سوء الجوار على الدوام، وما ينقل ويحول لا يدوم فلا يدوم الضرر فيه، كما يدوم في
العقار، والبناء يعتبر منقولاً عندنا فلا يجوز فيه الشفعة، إلا إذا كان تابعاً للعقار أو كان بناء لعلو على سفل
لآخر، حيث تجب فيه الشفعة استحساناً؛ لأن حق البناء على السفل متعلق به على سبيل التأبيد فصار
بمعنى العقار فتجب فيه الشفعة، أو بناء على أرض محتكرة على رأي بعض فقهائنا، وسيأتي الكلام على
الحکر مفصلاً.
والعقار: كما في المغرب: الضيعة. وقيل: كل مال له أصل من دار أو ضيعة. اهـ.
ولا فرق في العقار الذي تثبت فيه الشفعة عندنا بين أن يكون قابلاً للقسمة كالبستان، أو غير قابل
كالحمام، وإنما يؤخذ بالشفعة ما كان متصلاً بالمشفوع، فلا تؤخذ القصاع مع الحمام؛ لأنها غير متصلة
به .
وعند الشافعي رحمه الله لا تثبت الشفعة إلا في العقار القابل للقسمة فلا تجب فيما لا يقسم كالبئر والنهر
والطريق .
ومبنى هذا الخلاف يرجع إلى أصل وهو أن الشفعة عند الحنفية وجبت معلومة بدفع ضرر الدخيل وأذاه
على سبيل اللزوم، وذلك يوجد فيما يحتمل القسمة، وفيما لا يحتملها على السواء، وعند الشافعية =

١٠٩
كتاب الشفعة
وجه الاستحسان: أن العلو فى معنى العقار؛ لأن حق البناء على السفل حق لازم لا
يحتمل البطلان، فأشبه العار الذي لا يحتمل الهلاك، فكان ملحقاً بالعقار فيعطي حكمه، ولو
كان طريق هذا العلو في دار رجل آخر فبيع العلو - فصاحب الدار التي فيها الطريق / أولى ١١٧١/٣
بشفعة العلو من صاحب الدار التي عليها العلو؛ لأن صاحب الدار التي فيها الطريق شرياً في
الحقوق، وصاحب الدار التي عليها العلو جار، والشريك مقدَّم على الجار، فإن سلم صاحب
الطريق الشفعة، فإن لم يكن للعلو جار ملاصق، أخذه صاحب الدار التي عليها العلو بالجوار،
لأنه جاره، وإن كان للعلو جار ملاصق أخذه بالشفعة مع صاحب السفل؛ لأنهما جاران، وإن
لم يكن جار العلو ملاصقاً وبين العلو وبين مسكنه طائفة من الدار - فلا شفعة له؛ لأنه ليس
بجار.
وَلَوْ بَاعَ صَاحِبُ السفلِ السِفْلَ، كان صاحب العلو شفيعاً؛ لأنه جاره وليس شريكه، وهو
كدارين متجاروتين لأحدهما خشب على حائط الآخر أن صاحب الخشب لا يستحق إِلا
بالجوار. ولا يستحق بالخشب شيئاً؛ ولو بيعت الدار التي فيها طريق العلو، فصاحب العلو
أولى بشفعة الدَّار من الجار؛ لأنه شريك في الحقوق، فكان مقدماً على الجار.
وروي عن أبي يوسف، أنه قال في بيت عليه غرفتان إحداهما فوق الأخرى، ولكل غرفة
طريق في دار أخرَى وليس بينهما شركة في الطريق، فباع صاحب البيت الأوسط بيتَهُ وسلّم
صاحب الطريق: فالشفعة لصاحب العلو ولصاحب السفل جميعاً؛ لاستوائهما في الجوار؛ فإن
باع صاحب العلو، كانت الشفعة للأوسط دون الأسفل؛ لأن الجوار له لا للأسفل.
وجبت معلومة برفع ضرر خاص، وهو ضرر القسمة فلا يتعدى إلى ما لا يحتمل القسمة، وهذا مع أنه
=
تعليل لمنع التعدية قد أبطلناه فيما تقدم، وروي عن النبي ◌َّ: ((إنما الشُّفعة فيما لم يُقْسَمْ)) من غير
فصل. وقال أيضاً: ((الشُّفعة في كل شيءٍ عقارٍ أو رَبْع)) إلى غير ذلك من العمومات التي تنتظم القسمين ما
يقسم وما لا يقسم، كما سيذكر المصنف رحمه الله.
أما الإمام مالك فيرى أن الشفعة تثبت في ثلاثة أنواع:
أحدها: مقصود: وهو العقار من الدور والحوانيت والبساتين.
والثاني: ما يتعلق بالعقار مما هو ثابت لا ينتقل ولا يحول، وذلك كالبئر ومحال النخل ما دام الأصل فيها
على صفة تجب فيها الشفعة، أي أن تكون الأرض مشاعاً بينه وبين شريكه.
والثالث: تثبت في الثمرة التي لم يتم نضجها، وفي زرع لم يجنى أوان حصاده، ونحو ذلك كباذنجان
وبطيخ لم يتم نضجه إلحاقاً لذلك بالعقار، لظهور الضرر، وتثبت أيضاً في السفينة عنده؛ لأنها أحد
المسكنين فتجب فيها الشفعة، كما تجب في المسكن الآخر وهو العقار.
وعند أبي حنيفة لا تجري الشفعة في السفينة؛ لأنها منقول، لما روي عن رسول الله وسلم أنه قال: ((لا
شفعة إلا في ربع أو حائط)» ولأن الشفعة في العقار ما وجبت لكونه مسكناً وإنما وجبت لخوف أذى
الدخيل وضرره على سبيل الدوام. ينظر: الشفعة لشيخنا: ((أبي سعده)).

١١٠
كتاب الشفعة
وعلى هذا يخرج ما روي عن أبي يوسف أنه قال في دار فيها مسيل ماء لرجل آخر،
فبيعت الدار: كانت له الشّفعة بالجوار لا بالشركة، وليس المسيل كالشرب؛ لأن صاحب
المسيل مختصٍّ بمسيل الماء لا شركة للآخر فيه، فصار كحائط لصاحب إحدى الدارين في
الأخرى؛ ولو أن حائطاً بين داري رجلين والحائط بينهما، فصاحب الشرك (١) في الحائط أولى
بالحائط من الجار، وبقية الدار يأخذها بالجوار مع الجار بينهما؛ هكذا روي عن أبي يوسف
وزفر - رحمهما الله -، وروي عن أبي يوسف رواية أخرى: أن الشَّريك في الحائط أولى
بجميع الدار.
وجه هذه الرواية: أن الشريك في الحائط شَرِيك في بعض المبيع، فكان أولى من الجار
الذي لا شركة له؛ كالشَّريك في الشرب والطريق.
وجه الرواية الأولى: أن الشريك في الحائط شريك، لكن في بقعة معينة وهي ما تحت
الحائط لا في بقية الدار، بل هو جار في بقية الدار فكان أولى بما هو شريك فيه، وبقية الدار
بينه وبين الجار الآخر؛ لاستوائهما في الجوار، وكذلك الدار لرجل فيها بيت بينه وبين غيره،
فباع الرجل الدار، وطلب الجار (٢) الشفعة وطلبها الشريك في البيت - فصاحب الشركة في
البيت أولى بالبيت، وبقية الدار بينهما نصفان.
قال الكَرْخِي - عليه الرحمة -: وأصح الرّوايات عن أبي يوسف: أن الشريك في الحائط
أولى ببقية الدَّار من الجار؛ لما ذكرنا من تحقق الشركة في نفس المبيع، والشريك مقدّم على
الجار قال: وعن محمد مسألة تدل على أن الشريك في الحائط أولى؛ فإنه قال في حائط بين
دارين لكل واحدٍ منهما عليه خشبة، ولا يعلم أن الحائط بينهما إلا بالخَشَبة، فبيعت إحدى
الدارين قال: فإن أقام الآخر بينة أن الحائط بينهما، فهو أحقّ من الجار؛ لأنه شريك، وإِن لم
يقم بينة لم أجعله شريكاً، وقوله: أحق من الجار، أي: أحق بالجميع لا بالحائط خاصة،
وهذا هو مقتضى ظاهر هذا الإِطلاق.
وروي عن أبي يوسف فيمن اشترى حائطاً بأرضه، ثم اشترى ما بقي من الدار، ثم طلب
جار الحائط الشفعة - فله الشفعة في الحائط ولا شفعة له فيما بقي من الدار؛ لأنه لم يكن جاراً
لبقية الدار وقت البيع؛ إذ الحائط حائل بين ملكه وبقية الدَّار، فلا تجب الشفعة له.
وروي عن أبي يوسف في دار بين رجلين، لرجل فيها طريق، فباع أحدهما نصيبه من
الدار - فشريكه في الدار أحق بالشفعة في الدَّار، ولصاحب الطريق الشفعة في الطريق؛ لأن
(١) في أ: الشريك.
(٢) في أ: الرجل.

١١١
كتاب الشفعة
الطريق إذا كان معيناً كان بمنزلة الحائط على ما ذكرنا، وهذا على الرواية التي تقول: الشَّريك
في الحائط جار في بقية الدار / على ما ذكرنا فيما تقدم والله أعلم.
١٧١/٣ ب
فصل في شرائط وجوب الشفعة
وأما شرائط وجوب الشُّفعة فأنواع: منها عقد المعاوضة؛ وهو البيع أو ما هو في معناه،
فلا تجب الشفعة فيما ليس ببيع ولا بمعنى البيع(١)، حتى لا تجب بالهبة(٢) والصدقة والميراث
(١) الشفعة إنما تجب في العقار، وشرط ثبوتها المعاوضة وهو البيع، أو ما هو بمعناه، وتثبت الشفعة سواء
صدر البيع من المالك نفسه أو من وكيله أو النائب عنه، ويشترط أن تكون المعاوضة معاوضة مال بمال،
فإذا لم يكن البدل مالاً معلوم المقدار - فلا تصح الشفعة؛ لأن مراعاة شرط الشرع - وهو التملك بمثل ما
ملك المشتري صورة في ذوات الأمثال أو قيمة في ذوات القيم - واجبة وهي إنما تمكن عند مبادلة المال
بالمال؛ بناء على ذلك لا تجري الشفعة في العقود الآتية:
أولها: ما إذا تزوج رجل امرأة وجعل مهرها بيتاً، كذلك لا تجري الشفعة في الدار التي ملكت بدل أجرة
الحمام؛ لأن بدل الدار هنا ليس بمال، وإنما هي الأجرة التي من قبيل المنافع، وعلى هذا إذا تزوجها بغير
مهر ثم فرض لها الدار مهراً لا تثبت الشفعة أيضاً؛ لأن الفرض عند العقد وبعده سواء في كونه مقابلاً
بالبضع، بخلاف ما إذا باع الدار بمهر المثل أو بالمسمى. فإن فيه الشفعة، لأنه مبادلة المال بالمال، لكن لو
تزوجها على دار على أن ترد عليه ألفاً فأبو حنيفة لا يوجب الشفعة أيضاً، وأثبتها صاحباه في حصة الألف؛
لأنها مبادلة مالية مقصودة في حق الألف والشفعة شرعت في المبادلة المالية المقصودة، وإمامنا يقول: معنى
البيع فيه تابع ولا شفعة في الأصل فكذا في التبع، وكذا لا تستحق الشفعة في دار جعلت بدل خلع أو عوض
عتق؛ لأن الخلع أو العتق ليس بمال، ولا مثل له حتى يأخذه الشفيع بمثله، فلا يمكن مراعاة شرط التملك
بما تملك به المشتري، فلم يكن مشروعاً. ينظر: الشفعة لشيخنا: ((أبي سعده)).
(٢). إذا وهب رجل لآخر داراً لا تجب بالهبة شفعة؛ لأن الأخذ بالشفعة تملك على المأخوذ منه بمثل ما ملك هو .
وفي الهبة إما أن يأخذ الشفيع بالقيمة، وإما أن يأخذ مجاناً بلا عوض. لا سبيل إلى الأول؛ لأن المأخوذ منه لم
يملكه بالقيمة ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن الشفعة على التبرع ليست بمشروعة فامتنع الأخذ أصلاً.
أما الهبة بشرط العرض إذا سلمت العين الموهوبة فلا تثبت فيها الشفعة إلا بعد أخذ العوض عند الإمام
وصاحبيه.
وقال زفر تجب الشفعة بنفس القصد وقال المصنف: وهذا بناء على أصل وهو أن الهبة بشرط العوض
معتبرة عندنا تبرعاً ابتداء معاوضة انتهاء، أي إنها معتبرة كالبيع من وقت تسليم العوض فقط، أما عند زفر
فمعتبرة معاوضة ابتداء وانتهاء، أي معاوضة من وقت العقد، ولو وهب رجل عقاراً لآخر من غير شرط
العوض، ثم إن الموهوب له عوضه من ذلك داراً فلا شفعة فيهما لا في عقاد الهبة ولا في دار العوض؛
لأن إعطاء دار العوض هبة مبتدئة إلا أنها اختصت بالمنع من الرجوع، إلا أن تكون عوضاً حقيقة، بدليل
أنه لو وهب عشرة دراهم فعوضه بخمسة جاز، ولو كان عوضاً حقيقة لما جاز؛ لأنه يكون رباً دل أن
الثاني ليس بعوض عن الأول حقيقة، فلم يكن هذا معاوضة بل كان هبة مبتدئة، فلم تجب به الشفعة.
ينظر: الشفعة لشيخنا: «أبي سعده)) .

١١٢
كتاب الشفعة
والوصية؛ لأَن الأَخذ بالشفعة يملك على المأخوذ منه بمثل ما ملك هو؛ فإذا انعدم معنى
المعاوضة فلو أخذ الشفيع، فإما: أن يأخذ بالقيمة وإما أن يأخذ مجاناً بلا عوض لا سبيل إلى
الأول؛ لأن المأخوذ منه لم يملكه بالقيمة، ولا سبيل إلى الثاني، لأن الجبر (١) على التبرع ليس
بمشروع، فامتنع الأخذ أصلاً، وإن كانت الهبة بشرط العِوَض؛ فإن تقابضا وجبت الشفعة؛
لوجود معنى المعاوضة عند التقابض؛ وإن قبض أحدهما دون الآخر، فلا شفعة عند أصحابنا
الثلاثة .
وعند زفر: تجب الشفعة بنفس العقد، وهذا بناء على أصل؛ وهو أن الهبة بشرط
العوض عندنا تبرع ابتداءً معاوضة انتهاء، وعنده: معاوضة ابتداء وانتهاء؛ ودلائل هذا الأصل
في كتاب ((الهبة)) نذكرها هناك إن شاء الله تعالى.
ولو وهب عقاراً من غير شرط العوض، ثم إِن الموهوب له عوضه من ذلك داراً - فلا
شفعة في الدارين؛ لا في دار الهبة ولا في دار العوض؛ لأن إعطاء دار العوض هبة مبتدأة إِلا
أنها اختصت بالمنع من الرجوع، إِلا أن تكون عوضاً حقيقة؛ بدليل أنه لو وهب عشرة دراهم
فعوضه بخمسة - جاز، ولو كان عوضاً حقيقة لما جاز، لأنه يكون رباً - دل أن الثَّاني(٢) ليس
بعوض عن الأول حقيقة، فلم يكن هذا معاوضة بل كان هبة مبتدأة، فلم تجب به الشفعة،
وتجب الشفعة في الدار التي هي بدل الصّلح، سواء كان الصلح على الدار عن إقرار أو إِنكار
أو سكوت؛ لوجود معنى المعاوضة.
أما في الصُّلح عن إِقرار فظاهر؛ لأن المدعي ملك المدعي في حق المدعي والمذَّعى
عليه، فكانت الدار التي هي بدل الصلح عوضاً عن ملك ثابت في حقهما جميعاً، فيتحقق معنى
المعاوضة في هذا الصّلح.
وأما في الصلح عن إِنكار؛ فلأن عند المدعي أنه أخذ الدار عوضاً عن ملكه الثابت،
فكان الصلح معاوضة في حقه، وكان للشَّفيع فيها حق الشفعة، وكذا في الصُّلح عن سكوت
المدعى عليه؛ لأن المدعي إِن كان محقاً في دعواه، كان بدل الصلح عوضاً عن ملكه حقيقة؛
وإِن كان مبطلاً، كان عوضاً عن ملكه في زعمه، فيتحقق معنى المعاوضة في زعمه، وكذا
تجب الشُّفعة في الدار المصالح عنها عن إقرار؛ لوجود معنى المعاوضة في هذا الصُّلح من
الجانبين جميعاً .
وأما عن إِنكار فلا تجب به الشفعة؛ لأن في زعم المدعى عليه أن الدار المدّعاة ملكه،
(١) في ط: الحد.
(٢) في أ: الباقي.

١١٣
كتاب الشفعة
وإِنما بذل المال لدفع الخصومة الباطلة، فلا يتحقق معنى المعاوضة في حقه، فلم يكن للشّفيع
أن يأخذها منه بالشُّفعة للحال، ولكنه يقوم مقام المدعي في إقامة الحجة، فإن أقام البيّنة على
صاحب اليد أن الدار كانت للمدعي، أو حلف المدعى عليه فنكل، فله الشفعة؛ لأنه تبين أن
الصلح وقع معاوضة حقيقة، وإن لم تقم له الحجة فلا شفعة له(١).
وكذلك لا تجب الشُّفعة في الدار المصالح عنها عن سكوت؛ لأَن المدعي إن كان محقًّا
في دعواه، كان الصلح معاوضة فتجب الشفعة؛ وإِن كان مبطلاً لم يكن معاوضةً في حق
المدعى عليه، فلا تجب الشفعة مع الاحتمال؛ لأن الحكم كما لا يثبت بدون شرطه لا يثبت
مع وجود الشّك في شرطه؛ لأن غير الثابت بيقين لا يثبت بالشّك.
ولو كان بدل الصلح منافع فلا شفعة في الدار المصالح عنها؛ سواء كان الصُّلح عن
إِنكار أو إقرار؛ لأن بدل الصلح ليس بعين مال، فلم يكن هذا الصلح معاوضة عين المال بعين
المال، وهذا من شرائط ثبوت الشُّفعة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ولو اصطلحا على أن يأخذ المدعى عليه الدار ويعطيه داراً أخرى؛ فإن كان الصلح عن
إنكار تجب في كل واحدة من الدارين الشُّفعة بقيمة الدار الأخرى؛ لأن الصلح إذا كان عن
إِنكار كان الصلح على معاوضة / دارٍ بدار، وإِن كان عن إقرار، لا يصح الصلح ولا تجب ١٧٢/٣ أ
الشفعة في الدارين جميعاً؛ لأنهما جميعاً ملك المدعي.
ولو اشترى داراً فسلم الشفيع الشفعة، ثم رد المشتري الدار بخيار رؤية أو شرط قبل
القَبْض أو بعده، فأراد الشفيع أن يأخذ الدار بالشفعة بسبب الردّ - لم يكن له ذلك؛ لأن الرد
بخيار الرؤية والشّرط ليس في معنى البيع.
ألا ترى أنه يرد من غير رضا البائع، بل هو فَسْخ محض في حق الكل، ورفع العقد من
الأَصل كأنه لم يكن، فيعود إليه قديم ملكه، فلم يتحقق معنى البيع فلا تجب الشّفعة.
وكذا لو رد عليه بعيب قبل القَبْض أو بعده بقضاء القاضي؛ لأَن الرد بقضاء القاضي فسخ
مطلق؛ وإن كان بغير قضاء القاضي، فللشفيع الشفعة؛ لأن الرد بغير قضاء بيع جديد في حقّ
ثالث، وكذا الإقالة قبل القبض أو بعده؛ لأنها بيع جديد في حقّ ثالث، ولا تجب الشفعة في
القسمة، وإِن كان فيها معنى المعاوضة؛ لأنها ليست بمعاوضة محضة، بل فيها معنى الإِقرار
(١) فلا تجب الشفعة في دار ادعى فيها الملكية فأنكر المدعى عليه دعوى المدعي وصالحه عنها بمال؛ لأن
في زعم المدعى عليه أن الدار المدعاة ملكه، وإنما بذل المال لرفع الخصومة الباطلة فلا يتحقق معنى
المعاوضة في حقه، فلم يكن للشفيع أن يأخذها منه بالشفعة - للحال، ولكن يقوم مقام المدعي في إقامة
الحجة - فإن أثبت أن الدار كانت ملكاً للمدعي فله الشفعة .
بدائع الصنائع ج٦ - م٨

١١٤
كتاب الشفعة
والتمييز، ألا ترى أنه يجري فيها الجبر، فلم تكن معاوضة مطلقة، فلا تجب فيها الشفعة؛ كما
إذا صالح عن دم عمد على دار أنه لا تجب الشُّفعة.
ومنها معاوضة المال بالمال، فلا تجب في معاوضة المال بغير المال؛ لأن الأخذ بالشُّفعة
تملك بمثل ما تملك به المشتري، فلو وجبت في معاوضة المال بغير المال؛ فإما أن يأخذ بما
تملك به المشتري ولا سبيل إليه؛ لأنه تملك بالقصاص، وإما أن يأخذ بقيمة الدَّار ولا سبيل
إليه أيضاً؛ لأن المشتري لم يتملك به، فامتنع التملك أصلاً.
وعلى هذا يخرج ما إذا صالح عن دم العمد على دار، أنه لا تجب الشفعة؛ لأن
القصاص ليس بمالٍ، فلم توجد معاوضة المال بالمال؛ وكذا لو صالح من جناية توجب
القِصَاص فيما دون النَّفس على دار لما قلنا.
ولو صالح من جناية توجب الأَرش دون القصاص على دار تجب فيها الشفعة بالأرش؛
لوجود معاوضة المال بالمال؛ وكذا لو أعتق عبداً على دار؛ لأن العتق ليس بمال، فلم توجد
معاوضة المال بالمال.
ومنها معاوضة عين المال بغير (١) المال، فلا تجب في معاوضة عين المال بما ليس بعين
المال؛ لما ذكرنا أن التملك بما تملكه به المشتري غير ممكن، والتملك بعين المال ليس تملكاً
بما تملك به المشتري، فامتنع أصلاً.
وعلى هذا يخرج ما إذا جعل الدار مهراً؛ بأن تزوج على دار، أو جعلها بدل الخُلْع؛ بأن
خالع امرأته على دار، أو جعلها أجرة في الإِجارات؛ بأن استأجر بدار؛ لأن هذا معاوضة المال
بالمنفعة؛ لأن حكم الإِجارة ثبت في المنفعة، وكذا حكم النّكاح وهو الصَّحيح على ما عرف
في مسائل النكاح من الخلاف، والمنفعة ليست [بعين مال](٢)، وهذا عند أصحابنا
- رحمهم الله _(٣).
(١) في ط: بعين.
(٢) في ط: بمال.
(٣) فإذا تزوج امرأةً على شقص أصدقها إياه، وكذا لو خالعها عليه، وجبت فيه الشفعة للشفيع. قال الشافعي:
فإن تزوجها على شقص فهو للشفيع بقيمته.
وقال أبو حنيفة: ((لا شفعة فيه)» استدلالاً بأمرين:
الأول: أنه مملوك بغير مال، فلم تجب فيه الشفعة كالهبة والميراث، فقد قاسه على الهبة والميراث،
بجامع أن كلاًّ ملك بغير مال.
الثاني: أن البضع لا يقوم إلا في عقد أو شبه عقد، وليس بين الشفيع وبينها عقد أو شبهه.
=

١١٥
كتاب الشفعة
..
واستدل علماء الشافعية: بعموم قوله وَله: ((الشُّفْعَةُ فِيْمَا لَمْ يَقْسَمْ))، ولأنه عقد معاوضة فجاز أنه تثبت فيه
الشفعة كالبيع؛ ولأن الشفعة وضعت لرفع الضرر عن الملك، فوجب أن تثبت فيما جعل صداقاً كالرد
بالعيب، ولأن قبض وجب في عقد البيع وجب في عقد الصداق كالقبض الأول.
بيان ذلك: أن في البيع يتعين قبض المشتري من البائع، والشفيع من المشتري، ثم وجب في الصداق
قبض الزوجة من الزوج، فوجب قبض الشفيع من الزوجة.
وأما الجواب عن قوله: ((إنه مملوك بغير مال))، فهو أن البضع في حكم الأموال لأمرين:
الأول: أنه يعاوض عليه بالمال في الصداق والخلع، وما لم يكن في حكم الأموال لا يجوز أن يعاوض
عليه بالمال.
الثاني: أنه معتبر في اغتصابه بالمال، وما لم يكن مالاً لم يقوم عند استهلاكه بالمال. ثم المعنى في الهبة
والميراث أنه مملوك بغير بذل، فلم تجب الشفعة فيه، والصداق ببذل؛ فوجبت فيه.
وأما الجواب عن قوله: ((إن البضع لا يقوم إلا في عقد أو شبه عقد - فهو غير مسلم؛ لأن المغتصبة
مقومة البضع على غاصبها عندنا، والمشهود بطلاقها مقومة البضع على الشهود إذا رجعوا، فصار بضعها
متقوَّماً في غير عقد وشبهه في حقها وحق غيرها، فلا مانع من تقويمه في شفعة صداقها.
فإذا ثبت وجوب الشفعة في الصداق والخلع، فمذهب الشافعي أنه مأخوذ بمهر المثل.
وقال ((مالك)) ومن تبعه: ((يؤخذ بقيمته لا بمهر المثل؛ لأن المهور قد يزاد فيها وينقص؛ فخالفت
البيوع)). وهذا مردود لوجهين:
الأول: وجود هذا المعنى في الأثمان، لجواز زيادتها ونقصانها، فلم يمنع أخذ الشقص بمثل الثمن،
كذلك لا يمتنع في الصداق أن يؤخذ بقيمة البضع.
الثاني: أن ما لا مثل له من الأعراض، يجب الرجوع فيه إلى قيمة العوض. دون الشقص كالعبد،
والثوب، كذلك البضع الذي لا مثل له يجب الرجوع إلى قيمته من مهر المثل دون الشقص.
فإذا ثبت أنه مأخوذ بمهر المثل، فسواء كان قيمة الشقص مساوياً لمهر المثل، أو أزيد، أو أنقص، حتى
لو كان مهر المثل ديناراً، وقيمة الشقص مائة دينار أخذه بالدينار، فعلى هذا لو اختلفا في مهر المثل
فترافعا فيه إلى الحاكم؛ اجتهد في مهر مثلها، وأسقط تنازعهما، فإن تعذر ذلك على الحاكم لموتها، أو
تغير حالها، أو لاختلاف ذلك في أصلها وعشيرتها، وأمكن ما قالا - فالقول قولها مع يمينها، كاختلافهما
في الثمن.
ثم يتفرع على ما تقدم من هذا الأصل - وهو أن الواجب على الشفيع مهر المثل في الصداق والخلع -
ثلاثة فروع :
الفرع الأول: أن يتزوجها على شقص من دار ويأخذ منها ديناراً، فيصير الشقص في مقابلة البضع
والدينار، فيكون ما قابل الدينار بيعاً، وما قابل البضع صداقاً فيخرج على قوليه قولين، من اختلاف قوليه
في العقد إذا جمع بيعاً وصداقاً: أحدهما: باطل فيهما، ولا شفعة فيه.
والثاني: جائز فيهما، فعلى هذا يأخذ الشقص بمهر المثل وبدينار؛ لأن الصداق في الشقص مأخوذ بمهر
المثل، والمبيع منه مأخوذ بالدينار الذي هو الثمن، فلو قال الشفيع: أنا أخذ المبيع من الشقص دون
الصداق كان له ذلك؛ لأن كل واحد منهما عقد يختص بحكم وإن جمعهما صفقة، فعلى هذا ينظر في
قدر مهر المثل، فإذا كان خمسة دنانير مثلاً ضم الدينار الثمن، وقسم الشقص على ستة أسهم، فيكون

١١٦
كتاب الشفعة
وقال(١) الشافعي - رحمه الله -: هذا ليس بشرط، وتجب الشُّفعة في هذه المواضع،
فيأخذها الشفيع بقيمة البضع وهي مهر المثل في النكاح والخلع، وفي الإِجارة بأجرة المثل.
وجه قوله: أن الأخذ بالشفعة تملك بمثل ما تملك به المشتري عند الإِمكان، وعند
التعذر تقام قيمته مقامه، ألا ترى أنه لو اشترى داراً بعبد، فالشفيع يأخذها بقيمة العبد لتعذر
الأخذ بمثله، إذ لا مثل له فتقوم قيمته مقامه، كذا ههنا، والمنافع تتقوّم بالعقد بلا خلاف فتقام
قيمة العوض مقامه .
ولنا: أن المنافع في الأصل لا قيمة لها على أصُول أصحابنا، والأصل فيها أَلاَّ تكون
مضمونة؛ لأن الشيء يضمن بمثله في الأصل والعرض لا يماثل العين؛ ولهذا قالوا: أنها لا
تضمن بالغَصْب والإِتلاف، إلا أنها تتقوم بالعقد بطريق الضرورة ولحاجة الناس، فبقي ما وراء
ذلك على الأصل، فلا يظهر تقومها في حق الشفيع.
ولو تزوج امرأة على دار، على أن ترد المرأة عليه ألفا - فلا شفعة في شيء من الدار عند
أبي حنيفة - رحمه الله -، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: تجب الشفعة في حصة
الألف.
المبيع منه بالدينار السدس، فيأخذ الشفيع سدس الشقص بدينار، وهو القدر المبيع منه، ولو قال: أخذ
=
الصداق من الشقص دون المبيع، أخذ خمسة أسداسه بمقدار مهر المثل، وهو خمسة دنانير.
الفرع الثاني: أن يتزوجها على شقص من دار ودينار، فيكون الصداق شقصاً وديناراً، فيأخذه الشفيع
بحصته من مهر المثل، وهو أن يُقوم الشقص، فإن كانت قيمته ثلاثة دنانير صار الصداق كله أربعة دنانير،
فيكون الشقص في مقابلة ثلاثة أربع الصداق، فيأخذه بثلاثة أرباع مهر المثل، زائداً كان أو ناقصاً.
الفرع الثالث: مركب من الفرعين السابقين، وهو أن يتزوجها على شقص من دار وعبد، على أن يأخذ
منها ثوباً، فيكون ما قابل الثوب من الشقص والعبد مبيعاً، وما قابل البضع صداقاً. فيخرج على ما ذكرنا
من القولين :
أحدهما: البطلان فيهما جميعاً ولا شفعة، ويترادان، ولها مهر المثل.
والثاني: أنه جائز فيهما جميعاً، فعلى هذا تسقط الشفعة في العبد، ويستحق الشقص بحصته من مهر
المثل وقيمة الثوب، وهو أن ينظر في قيمة الشقص، فإذا كانت عشرة نظر في قيمة العبد، فإذا كانت
خمسة علم أن الشقص في مقابلة ثلثي الصداق، وثلثي الثوب، فيأخذه الشفيع بثلثي مهر المثل، وثلثي
قيمة الثوب.
فلو قال الشفيع: أريد أن أخذ منه المبيع دون الصداق، نظر قدر ثلثي مهر المثل، فإذا كانت عشرة نظر
قيمة ثلثي الثوب، فإذا كانت خمسة علم أن المبيع من الشقص الثلث، والصداق منه ثلثان، فيأخذ ثلث
الشقص بقيمة ثلثي الثوب، ولو أراد أخذ الصداق أخذ ثلثي الشقص بثلثي مهر المثل. ينظر: الشفعة
لشيخنا: ((أبي العنين محمد)).
(١) في أ: وعند.

١١٧
كتاب الشفعة
وجه قولهما: أن الدار بعضها مهر وبعضها مبيع؛ فلئن تعذّر إيجاب الشفعة في حصة
المهر، أمكن إيجابها في حصة المبيع، فتجب في حصّته.
/ وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله -: أنه لا يمكن إيجاب الشفعة في حصَّة المبيع إلا ١٧٢/٣
بعد قسمة الدار، وفي قسمتها تقويم المنافع، ولا قيمة لها إلا عند الضرورة على ما بينًا، ولأن
المهر في الدار هو الأصل؛ لأنها إنما دفعت الألف لتسلم لها الدار، فإذا لم تثبت الشّفعة في
الأصل، فكيف تجب في التابع .
ولو تزوجها على مهر مسمَّى، ثم باع داره من المرأة بذلك المهر، أو تزوجها بغير مهر
مسمَّى ثم باع داره من المرأة بمهر المثل - تجب فيها الشفعة؛ لأن هذا مبيع مبتدأ فتجب به
الشفعة؛ ولو تزوجها على دارٍ، أو تزوجها على غير مسمى ثم فرض لها داره مهراً - لا تجب
فيها الشفعة؛ لأن الغرض منه ليس ببيع بل هو تقدير المهر، فلا تجب الشفعة.
ومنها: أن يكون المبيع عقاراً أو ما هو بمعناه؛ فإن كان غير ذلك، فلا شفعة فيه عند
عامة العلماء - رضي الله عنهم -.
وقال مالك - رضي الله عنه -: هذا ليس بشرط وتجب الشفعة في السفن.
وجه قوله: أن السفينة أحد المسكنين، فتجب فيها الشّفعة كما تجب في المسكن الآخر
وهو العقار.
ولنا: ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَرَ أنه قال: (([لاَ شُفْعَةً](١) إِلاَّ فِي رَبْع أَوْ حَائِطِ))(٢) لِأَنْ
الشفعة في العفار ما وجبت لكونه مسكناً، وإنما وجبت لخوف أذى الدخيل وضرره على سبيل
الدوام (٣)، وذلك لا يتحقق إلا في العقار(٤) أو ما في معناه وهو العلو، على ما نذكره إِن
شاء الله تعالى؛ سواء كان العقار مما يحتمل القسمة أو لا يحتملها؛ كالحمام والرحا والبئر
والنهر والعين والدور الصغار عند أصحابنا - رحمهم الله -.
وقال الشافعي: لا تجب الشفعة إلا في عقار يحتمل القسمة، والكلام فيه يرجع إلى
أصل تقدم ذكره، وهو أن الشفعة عندنا وجبت معلُولة بدفع ضرر الدّخيل وأذاه على سبيل
(١) سقط في ط.
(٢) أخرجه البزار في ((مسنده)) كما في ((نصب الراية)) (١٧٨/٤) ثنا عمرو بن علي ثنا أبو عاصم ثنا ابن جريج
عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله وَ﴿ فذكره. وقال البزار: لا نعلم أحداً يرويه بهذا اللفظ إلا
جابر.
(٣) في أ: اللزوم.
(٤) في ط زيادة: ولا تجب إلا في العقار.

١١٨
كتاب الشفعة
اللزوم، وذلك يوجد فيما يحتمل القِسْمة وفيما لا يحتمل القسمة على السواء، وعنده: وجبت
معلومة بدفع ضرر خاصّ وهو ضرر القسمة، فلا يتعدى إلى ما لا يحتمل القسمة، وهذا مع أنه
تعليل لمنع التَّعدية قد أبطلناه فيما تقدم، ورُوِيَ عَنِ النبيِّ بََّ أنه قال: ((إِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمًا لَمْ
يُقْسَمْ مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ))(١) وإِذا بيع سفل عقار دون علوه، أو علوه دون سفله، أو بيعا جميعاً .
وجبت الشفعة؛ أما السفل فلا شك فيه لأنه عقار، وأما العلو بدون السفل فتجب فيه الشفعة إذا
كان العُلو قائماً استحساناً، لأن حق البناء على السّفل متعلق به على سبيل التأبيد، فصار بمعنى
العقار فتجب فيه الشفعة.
ولو انهدم العلو ثم بيع السفل، وجبت الشفعة لصاحب العلو عند أبي يوسف، وعند
محمد: لا شفعة له؛ ذكره محمد في الزيادات.
وجه قول أبي يوسف: أن البناء وإن بطل فحق البناء قائم، وأنه حق متعلّق بالبقعة على
سبيل الاستقرار والتأبيد، فكان بمنزلة البقعة.
وجه قول محمد: أن الشفعة إنما تجب إما بالشركة في الملك أو الحقوق أو [بجوار
الملك](٢) ولم يوجد شيء من ذلك، أما الشركة فظاهر الانتفاء وكذا الجوار؛ لأن الجوار كان
بالبناء، وقد زال البناء فلا تجب الشفعة.
وذكر في ((الزيادات)) فيمن باع علواً فاحترق قبل التسليم - بطل البيع؛ هكذا ذكر ولم
يحك خلافاً، من مشايخنا - رحمهم الله - من قال: هذا قوله.
فأما على أصل أبي يوسف: ينبغي ألاَّ يبطل؛ لأنه يجعل في حق البناء بمنزلة العزصة(٣)
فصار كأنه باع العرصة مع البناء، فاحترق البناء.
ومنها زوال ملك البائع عن المبيع؛ لأن الشفيع يملك المبيع على المشتري بمثل ما ملك
به؛ فإذا لم يزل ملك البائع، استحال تملك المشتري، فاستحال تملك الشفيع، فلا تجب
الشفعة في المبيع بشرط خيار البائع؛ لأن خياره يمنع زوال المبيع عن ملكه، حتى لو أسقط
خياره وجبت الشفعة؛ لأنه تبين أن المبيع زال عن ملكه من حين وجود المبيع، ولو كان الخيار
للمشتري تجب الشفعة؛ لأن خياره لا يمنع زوال المبيع عن ملك البائع وحق الشفعة يقف
عليه؛ ولو كان الخيار لهما، لم تجب الشفعة لأجل خيار البائع؛ ولو شرط البائع الخيار للشفيع
١/ ١٧٣ أ فلا شفعة له؛ لأن شرط الخيار للشفيع شرط / لنفسه وأنه يمنع وجوب الشفعة؛ فإن أجاز
(١) تقدم تخريجه.
(٢) في أ: بالجوار.
(٣) العرصة: ساحة الدار، والبقعة الواسعة بين الدور لا بناء فيها. المعجم الوسيط (عرض).

١١٩
كتاب الشفعة
الشفيع البيع، جاز ولا شفعة؛ لأن البيع تم من جهته فصار كأنه باع ابتداء، وإن فسخ البيع فلا
شفعة له؛ لأن ملك البائع لم يزل، والحيلة للشفيع في ذلك ألاَّ يفسخ ولا يجيز حتى يجيز
البائع أو يجوز هو بمضي المدّة، فتكون له الشفعة، وخيار العيب والرؤية لا يمنع وجوب
الشفعة؛ لأنه لا يمنع زوال ملك البائع.
ومنها زوال حق البائع فلا تجب الشُّفعة في المشتري شراء فاسداً؛ لأن للبائع حق النقض
والردّ إلى ملكه رداً للفساد، وفي إيجاب الشفعة تقرير الفساد، حتى لو سقط حق الفسخ
بأسباب مسقطة للفسخ؛ كالزيادة وزوال ملك المشتري ونحو ذلك - كان للشفيع أن يأخذ
بالشفعة؛ لأن المانع قيام [حق] (١) الفسخ وقد زال؛ كما لو باع(٢) بشرط الخيار له ثم أسقط
الخيار، وجبت الشفعة لزوال المانع من الوجوب وهو الخيار؛ فكذا هذا.
ولو باعها المشتري شِرَاءً فاسداً بيعاً صحيحاً، فجاء الشفيع - فهو بالخيار إن شاء أخذها
بالبيع الأول، وإن شاء أخذها بالبيع الثاني؛ لأن حق الشفيع ثابت عند كل واحد من البيعين؛
لوجود سبب الثبوت عند كل واحد منهما وشرائطه، فكان له الخيار غير أنه إِن أَخَذَ بِالبَيعِ الثَّانِي
أَخَذَ بالثَّمنِ؛ وإِنْ أَخَذَ بالبيع الأَوْلِ أخذ بقيمة المبيع يوم القَبْضِ، لأَن الشَفِيعَ يتملكُ بماً تَملك
به المشتري، والمشتري الثاني تملك بالثمن؛ لأنَّ البيع الثَّاني صَحِيحٌ، والبيعَ الصَّحیحُ يفيدُ
الملك بالمسمى وهو الثمن، والمشتري الأول تملك المبيع بقيمته؛ لأن البيع الفاسد يفيد
الملك بقيمة المبيع لا بالثمن، وإِنما تعتبر قيمته يوم القبض؛ لأن المبيع بيعاً فاسداً مضمون
بالقبض كالمغصوب.
وعلى هذا الأصل يخرج قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - فيمن اشترى أرضاً شراء
فاسداً، فبنى عليها: أنه يثبت للشفيع حق الشفعة؛ لأن حق البائع في القبض قد زال بالبناء
وبطل، فزال المانع من وجوب الشفعة، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -: لا يثبت؛
لأن حق البائع لم يبطل بالبناء، فكان المانع قائماً.
وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفه - رحمه الله - في المريض إذا باع الدار من وارثه بمثل
قيمتها وشفيعها أجنبي: أنه لا شفعة له، لأن بيع المريض مرض الموت عيناً من أعيان ماله
لوارثه فاسد عنده، إلا إذا أجاز الورثة وإِن كان بمثل القيمة، ولا شفعة له في البيع الفاسد إِلا
إِذا أجاز، فتجب الشفعة .
ولو باعها من أجنبي بمثل قيمتها، والوارث شفيعها - لا شفعة للوارث عنده أيضاً؛ لأنه
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: زال.

١٢٠
كتاب الشفعة
يصير كأنه باعها من الوراث ابتداء؛ لتحول ملك الصفقة إليه أو لتقدير صفقة أخرى مع
الوارث، وذلك فاسد عنده، وعندهما: تجب الشفعة للوارث؛ لأن العقد جائز.
هذا إذا باع بمثل القيمة، فأما إذا باع وحابى بأن باعها بألفين وقيمتها ثلاثة آلاف، فإن
باعها من الوارث وشفيعها أجنبي - فلا شك أنه لا شفعة عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - لأن
بيعها من الوارث بمثل القيمة فاسد عنده، فبالمحاباة أولى، ولا شفعة في البيع الفاسد،
وعندهما، البيع جائز ولكن يدفع قدر المحاباة فتجب الشفعة، ولو باع من أجنبي فكذلك لا
شفعة لوارث عند أبي حنيفة - رحمه الله -؛ لأن الشفيع يأخذها بتلك الصفقة بالتحوّل إليه أو
بصفقة مبتدأة مقدرة بينهما، فكان بيعاً من الوارث بالمحاباة، وسواء أجازت الورثة أو لم
يجيزوا؛ لأن الإجازة محلها العقد الموقوف والشراء وقع نافذاً من المشتري؛ لأن المحاباة قدر
الثلث وهي نافذة من الأجنبي، فلغت الإجازة في حق المشتري فتلغو في حق الشفيع أيضاً(١).
(١) مذهب الشافعية وللوارث الشفعة، وإن استغرق الدَّين التركة، فلو مات وله شقص من دار وعليه دين،
فباع الشريك حصته قبل بيع الشقص في الدين، فللوارث أخذه بالشفعة، بناءً على أن الدين لا يمنع انتقال
الملك في التركة للوارث.
وإن باع الورثة في الدين بعض دار الميت لم يشفعوا، بأن يأخذ كل منهم ما خرج عن ملكه بما بقي، ولو
كانوا شركاء له فيها؛ لأنهم إذا ملكوها كان المبيع جزءاً من ملكهم، فلو أخذوا بالشفعة، لأدى الحال أن
يأخذ بها ما خرج عن ملكهم، كما لو وكل في بيع شقص من داره، ليس له الأخذ بها؛ لأن المبيع ملكه.
ويجوز أن يأخذ كل منهم نصيب الباقي بالشفعة، فمذهبنا أن حقَّ الشفعة يورث وينتقل بموت الشفيع قبل
عفوہ إلی ورثته.
وقال أبو حنيفة: ((الشفعة لا تورث، وقد بطلت بموت الشفيع)) مستدلاً بأنه خيار موضوع الاستخلاف
مال، فوجب أن يبطل بالموت، قياساً على خيار البذل والقبول، ولأن الشفيع يستحق بشفعته رفع الضرر
عن ماله، كالزوج يستحق باللُعان رفع الضرر الداخل عليه في نسبه، وقد ثبت أن اللعان يبطل بالموت،
ولا يصير مورثا، فوجب أن تبطل الشفعة بالموت، ولا تصير موروثة.
قال: ولأن ملك الورثة مستحدث بعد وجوب الشفعة، وحدوث الملك بعدها يمنع من إيجابها، كمن
استوهب ملكاً بعد وجوب الشفعة. لم يستحق بها شفعة. قال: ولأن الحقوق الموروثة إذا عفا عنها
المريض، كان عفوه عنها مردوداً كالدِّيون، فلما كان عفو المريض عن الشفعة صحيحاً، وليس للورثة
اعتراض عليه، دلَّ على أنه غير موروث.
قال: ولأن ما ورث بالأسباب والأنساب انتقل إرثه عند عدمهم إلى بيت المال، فلمَّا لم يجز للإمام أن
يأخذ بالشفعة لبيت المال ما صار ميراثه إلى بيت المال، دلّ على أن الشفعة غير موروثة ميراث الأموال.
ودليلنا: عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيْكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾. ولأنه حق يلزم بالبيع، فوجب أن يكون
موروثاً كالردّ بالعيب؛ ولأن الشفعة من حقوق الملك، فوجب أن تكون موروثة مع الملك كطرق الأملاك
ومرافقها، ولأن الموت يسقط التكليف، وما يسقط به التكليف لم يبطل به الشفعة كالجنون.
وأما الجواب عن قياسهم على خيار البذل والقبول، فهو أنه منقوض بخيار الردّ بالعيب، ثم خيار البذل =
٠