النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ كِتَابِ الإِجَارَةِ ولو بقينا العقد بعد موته لاستحقت الأجرة من مالٍ غيره؛ وهذا خلاف موجب العقد؛ بخلاف ما إذا مات من لم يقع العقد له كالوكيل ونحوه؛ لأن العقد منه لا يقع مقتضياً استحقاق المنافع ولا استحقاق الأجرة من ملكه، فإبقاء العقد بعد موته لا يوجب تغيير موجب العقد؛ وكذلك الولي في الوقف إذا عقد ثم مات لا تنتقض الإِجارة؛ لأن العقد لم يقع له فموته لا یغیر حکمه . ولو استأجر دابة إلى مكَّة فمات المؤاجر في بعض المفازة، فله أن يركبها أو يحمل عليها إلى مكة أو إلى أقرب الأماكن من المصر؛ لأن الحكم ببطلان الإِجارة ههنا يؤدي إلى الضرر بالمستأجر، لما فيه من تعريض ماله ونفسه إلى التلف، فجعل ذلك عذراً في بقاء الإِجارة، وهذا معنى قولهم أن الإجارة كما تفسخ بالعذر تبقى بالعذر. وقالوا فيمن اكترى إبلاً إلى مكة ذاهباً وجائياً، فمات الحمال في بعض الطريق فللمستأجر أن يركبها إلى مكة أو يحمل عليها، وعليه المسمى؛ لأن الحكم بانفساخ الإِجارة في الطريق إلحاق الضرر بالمستأجر؛ لأنه لا يجد ما يحمله ويحمل قماشه، وإلحاق الضرر بالورثة إذا كانوا غيباً؛ لأن المنافع تفوت من غير عوض، فكان في استيفاء العقد نظر من الجانبين، فإذا وصل إلى مكة رفع الأمر إلى الحاكم؛ لأنه لا ضرر عليه في فسخ الإِجارة عند ذلك؛ لأنه يقدر على أن يستأجر من جمال آخر ثم ينظر الحاكم في الأصلح. فإن رأى بيع الجمال وحفظ الثمن للورثة أصلح، فَعَلَ ذلك، وَإِن رأى إمضاء الإِجارة إلى الكوفة أصلح، فَعَلَ ذلك؛ لأنه نصب ناظراً محتاطاً، وقد يكون أحد الأمرين أحوط، فيختار ذلك قالوا: والأفضل إِذا كان المستأجر ثقة أن يمضي القاضي الإجارة. والأفضل إِذا كان غير ثقة أن يفسخها، فإن فسخها وقد كان المستأجر عجل الأجرة، سمع القاضي بينته عليها وقضاه من ثمنها؛ لأن الإِجارة إذا انفسخت فلمستأجر إمساك العين حتى يستوفي جميع الأجرة، وقام القاضي مقام الغائب، فنصب له خصماً وسمع عليه البيئة . وَلَوْ مَاتَ أحد ممن وقع له عقد الإجارة قبل انقضاء المدة، وفي الأرض المستأجرة زرعٌ لم يستحصد، يترك ذلك في الأرض إلى أن يستحصد، ويكون على المستأجر أو على ورثته ما سمي من الأجر؛ لأن في الحكم بالانفساخ وقلع الزرع ضرراً بالمستأجر، وفي الإِبقاء من غير عوض ضرراً بالوارث، ويمكن توفير الحقين من غير ضرر بإيفاء الزرع إلى أن يستحصد بالأجر، فيجب القول به، وإنما وجب المسمى استحساناً. والقياس أن يجب أجر المثل؛ لأن العقد انفسخ حقيقة بالموت، وإنما بقيناه حكماً فأشبه بدائع الصنائع ج٦ - م٦ ٨٢ كِتَابِ الإِجَارَةِ شبهة العقد، واستيفاء المنافع بشبهة العقد توجب أجر(١) المثل كما لو استوفاها بعد انقضاء المدة . وجه الاستحسان: أن التسمية تناولت هذه المدة، فإِذا مست الضرورة إلى الترك بعوض، كان إيجاب العوض المسمى أولى لوقوع / التراضي، بخلاف الترك بعد انقضاء المدة؛ لأن التسمية لم تتناول ما بعد انقضاء المدة، فتعذر إيجاب المسمى فوجب أجر المثل. ومنها: هلاك المستأجر والمستأجر فيه لوقوع اليأس عن استيفاء المعقود عليه بعد هلاكه، فلم يكن في بقاء العقد فائدة، حتى لو كان المستأجر عبداً أو ثوباً أو حليًّا أو ظرفاً أو دابةً معينة، فهلك أو هلك الثوب المستأجر فيه للخياطة أو للقصارة، بطلت الإِجارة لما قلنا. وإن كانت الإِجارة على دواب بغير أعيانها فسلم إليه دواب فقبضها فماتت، لا تبطل الإِجارة، وعلى المؤاجر أن يأتيه بغير ذلك، لأنه هلك ما لم يقع عليه العقد؛ لأن الدابة إذا لم تكن معينة، فالعقد يقع على منافع في الذمة، وإنما تسلم العين ليقيم منافعها مقام ما في ذمته، فإذا هلك بقي ما في الذمة بحاله، فكان عليه أن يعين غيرها، وقد ذكرنا اختلاف إشارة الروايات في الدار إذا انهدم كلها أو انقطع الماء عن الرحى أو الشرب من الأرض، أن الإِجارة تنفسخ أو يثبت حق الفسخ فيما تقدم، وعلى هذا أيضاً يخرج موت الظئر؛ أن الإجارة تبطل به لأَنّها مستأجرة. ومنها: انقضاء المدة إِلا لعذر؛ لأن الثابت إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية، فتنفسخ الإِجارة بانتهاء المدة (٢)، إلا إذا كان ثمة عذرٍ بأن انقضت المدة وفي الأرض زرع لم (١) في ط: أجل. (٢) من استأجر داراً أو أرضاً أو عاملاً أو دابة لمدة معينة، فإن الإجارة تكون لازمة، وتنتهي بانتهاء المدة، ومن استأجر شيئاً من ذلك مياومة أو مشاهرة أو مساومة أو نحو ذلك فإنها تكون جائزة كما ما مَرَّ، ولا تنتهي بانتهاء أول مدة، بل تتجدد مدة بعد أخرى ما لم يحصل فسخ من أحد العاقدين. ومما ينبغي التنبيه إليه أن من استأجر أرضاً للزراعة تروى بالمطر أو بماء النيل، وكان استئجاره إياها في أيام نزول المطر أو أيام ريها بالنيل أو قبل ذلك وعين في الاستئجار سنة فإن هذه السنة لا تحمل على الأشهر، بل تحمل على المدة التي تتنتهي بحصاد الزرع، وذلك بجذ الزرع، سواء أكان قمحاً أم شعيراً أم قصباً أم غيرها، ويشمل الجذ الرعي في نحو البرسيم، وإن كان الزرع مما يخلف فبآخر بطن منه. وإن كانت تسقى بنحو الآلات فإن السنة تحمل على اثني عشر شهراً من حين العقد، فإن تمت السنة وللمستأجر فيها زرع أخضر أو تمر لم يطب، فإنه لا يجب على المستأجر تسليم الأرض لصاحبها، بل يلزم صاحبها إبقاؤها بيد المستأجر حتى يطيب الزرع، ويلزم المستأجر أجر مثل المدة الباقية عرفاً. مثال ذلك: أن يبقى الزرع بعد السنة شهرين، فيجب على المستأجر أجرتهما بحسب ما يقوله أهل المعرفة لا بحسب الأجرة التي سميت في السنة المنتهية. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. ٢٤٥/٢ ١ ٨٣ كِتَابِ الإِجَارَةِ يستحصد، فإِنه يترك إلى أن يستحصد بأجر المثل، بخلاف ما إذا انقضت المدة وفي الأرض رطبة أو غرس أنه يأمر بالقلع؛ لأن في ترك الزرع إلى أن يدرك مراعاة الحقين والنظر من الجانبين؛ لأن لقطعه غاية معلومة، فأما الرطبة فليس لقطعها غاية معلومة، فلو لم تقطع لتعطلت الأرض على صاحبها، فيتضرر به، وبخلاف الغاصب إذا زرع الأرض المغصوبة أنه يؤمر بالقلع ولا يترك إلى وقت الحصاد بأجر؛ لأن الترك في الإِجارة لدفع الضرر عن المستأجر نظر له، وهو مستحق للنظر؛ لأنه زرع بإذن المالك، فأما الغاصب فظالم متعد في الزرع، فلا يستحق النظر بالترك، مع ما أنه هو الذي أضر بنفسه؛ حيث زرع أراضي غيره بغير حقِّ، فكان مضافاً إليه. ومنها: عجز المكاتب بعد ما استأجر شيئاً؛ أنه يوجب بطلان الإجارة بلا خلاف؛ لأن الأجرة استحقت من كسب المكاتب وبالعجز يبطل كسبه، فتبطل الإِجارة؛ إذ لا سبيل إلى إيجابها من مال المولى، فإن عجز بعد ما استأجر، فالإِجارة باقية في قول أبي يوسف. وقال محمد: تبطل، والكلام فيه راجع إلى أصل نذكرة في كتاب ((الهبة)) في كيفية ملك المولى كسب المكاتب عند عجزه أن عند أبي يوسف كسب المكاتب موقوف ملكه في الحقيقة على عجزه أو عتقه، فإن عجز ملكه المولى من الأصل، وإن عتق ملكه المكاتب من الأصل، وعند محمد: هو ملك المكاتب؛ ثم إذا عجز، انتقل إلى المولى كما ينتقل الملك من الميت إلى ورثته بالموت. ووجه البناء على هذا الأصل: أن عند أبي يوسف لما وقع الملك للمولى في الكسب من حين وجوده، وصار كأن الإِجارة وجدت من المولى، فلا تنتقض بعجز المكاتب، ولما كان الملك للمولى فيه من طريق الانتقال من المكاتب عند عجزه على أصل محمد، صار بمنزلة انتقال الملك من الميت إلى وارثه عند عجزه، وذلك يوجب انتقاض الإِجارة كذا هذا. وأصل هذه المسألة في المكاتب: إذا وهبت له هبة. ثم عجز؛ أَنَّ للواهب أن يرجع في قول أبي يوسف، وعند محمد: لا يرجع، وسنذكره في كتاب ((الهبة))، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. كتاب الاستصناع يحتاج لمعرفة مسائل هذا الكتاب إلى بيان صورة الاستصناع، ومعناه، وإلی بیان جوازه، [وإلی بیان شرائطه](١) وإلی بیان حکمه وإلی بیان صفته. فصل في صورة الاستصناع أما صورة الاستصناع: فهي أن يقول إنسان لصانع من خفاف (٢) أو صفار(٣) أو غيرهما: اعمل لي خفًّا، أو آنية من أديم، أو نحاس من عندك بثمن كذا، ويبيّن نوع ما يعمل وقدره وصفته، فيقول الصانع: نعم. وأما معناه: فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: هو مواعدة وليس ببيع، وقال بعضهم: هو بيع لكن للمشتري فيه خيار وهو الصَّحيح؛ بدليل أن محمداً - رحمه - الله ذكر في جوازه القياس والاستحسان، وذلك لا يكون في العدات؛ وكذا أثبت فيه خيار الرؤية وأنه يختص بالبياعات، وكذا يجري فيه التَّقاضي وإنما يتقاضى فيه الواجب لا الموعود. ثم اختلفت عباراتهم عن هذا النَّوع من البيع، قال بعضهم: هو عقد على مبيع في الذمة، وقال بعضهم: هو عقد على مَبِيع في الذّمة شرط فيه العمل. ٢٤٥/٢ ب وجه القول الأول: / أن الصّانع لو أحضر عيناً كان عملها قبل العقد ورضي به المستصنع - لجاز، ولو كان شرط العمل من نفس العقد لما جاز؛ لأن الشَّرط يقع على عمل في المستقبل لا في الماضي. والصَّحيح هو القول الأخير؛ لأن الاستصناع (٤) طلب الصنع فما لم يشترط فيه العمل لا (١) سقط في ط. (٢) الخفاف: جمع الخف، وهو ما يلبس في الرجل من جلد رقيق. المعجم الوسيط (خفف) : . (٣) الصفار: النحاس الأصفر. المعجم الوسيط (صفر). (٤) في ط: استصناع. ٨٤ ٨٥ كتاب الاستصناع يكون استصناعاً، فكان مأخذ الاسم دليلاً عليه؛ ولأن العقد على مبيع في الذمَّة يسمى سلماً وهذا العقد يسمى استصناعاً، واختلاف الأسامي دليلٌ اختلاف المعاني في الأصل. وأما إذا أتى الصّانع بعين صنعها قبل العقد ورضي به المستصنع - فإنما جاز لا بالعقد الأول، بل بعقد آخر وهو التَّعاطي بتراضيهما. فصل في شرعية الاستصناع وأما جوازه فالقياس أَلاَّ يجوز؛ لأنه بيع ما ليس عند الإِنسان لا على وجه السّلم، وقد نهى رسول الله وَّر عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السَّلم ويجوز استحساناً؛ لإجماع الناس على ذلك؛ لأنهم يعملون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير(١)، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: ((لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَىْ ضَلالَة))(٢)، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنَاً فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ المُسْلِمُونَ قَبِيحَاً فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ))(٣) والقياس يترك بالإجماع، ولهذا ترك القياس في دخول الحمام بالأجر، من غير بيان المدَّة ومقدار الماء الذي يستعمل، وفي قطعه الشارب للسقاء من غير بيان قدر المشروب، وفي شراء البقل وهذه (١) في ط: نكر. (٢) تقدم تخريجه. (٣) لا أصل لهذا الحديث مرفوعاً إنما ورد موقوفاً عن عبد الله بن مسعود من طرق. فأخرجه أحمد (٣٧٩/١) والبزار (٨١/١ - كشف) رقم (١٣٠) كلاهما من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم أنصار دينه فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحاً فهو عند الله قبيح. ومن طريق أحمد أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٧٨/٣) مختصراً. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وقال السحاوي في ((المقاصد الحسنة)) (ص ٣٦٧): وهو موقوف حسن. اهـ. قلت: وقد وهم السخاوي في هذا الحديث حيث عزاه إلى الإمام أحمد في السنة وقال: ووهم من عزاه للمسند. فظهر من تخريج الأثر أنه رحمه الله هو الواهم في توهيم من عزا هذا الأثر إلى المسند. وللحديث طريق آخر قد أشار إليه البزار فقال عقب: الطريق الأول: رواه بعضهم عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله. وهذا الطريق أخرجه أبو داود الطيالسي (٣٣/١ - منحة) رقم (٦٩) ومن طريقه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٣٧٥/١) من طريق عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود. والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٢٥/١) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في ((الكبير)) ورجاله موثقون وقال الحافظ ابن كثير في ((تحفة الطالب)) (ص ٤٥٥): هذا مأثور عن عبد الله بن مسعود بسند جيد. ٨٦ كتاب الاستصناع المحقرات، كذا هذا؛ ولأن الحاجة تدعو إليه؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى خف أو نعل من جنس مَخْصُوص ونوع مخصوص على قدر مخصوص وصفة مخصوصة، وقلما يتّفق وجوده مصنوعاً فيحتاج إلى أن يستصنع، فلو لم يجز لوقع الناس في الحرج، وقد خرج الجواب عن قوله: إنه معدُوم؛ لأنه ألحق بالموجود لمساس الحاجة إليه كالمسلم فيه، فلم يكن بيع ما ليس عند الإِنسان على الإطلاق؛ ولأن فيه معنى عقدين جائزين وهو السلم والإِجارة؛ لأن السلم عقد على مبيع في الذمَّة واستئجار الصناع يشترط فيه العمل، وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزاً. فصل في شرائط جوازه وأما شرائط جوازه، فمنها: بيان جنس المصْنُوع ونوعه وقدره وصفته؛ لأنه لا يصير معلوماً بدونه . ومنها: أن يكون مما يجري فيه التّعامل بين الناس، من أواني الحديد والرصاص والنحاس والزجاج والخفاف والنعال ولجم الحديد (١) للدواب ونصول(٢) السيوف والسكاكين والقسي والنبل والسلاح كله والطشت والقمقمة (٣) ونحو ذلك، ولا يجوز في الثياب؛ لأن القياس يأبى جوازه، وإنما جوازه استحساناً لتعامل النَّاس، ولا تعامل في الثياب. ومنها أَلاَّ يكون فيه أجل، فإن ضرب للاستصناع أجلاً صار سلماً، حتى يعتبر فيه شرائط السّلم وهو قبض البدل في المجلس، ولا خيار لواحد منهما إذا سلم الصانع المصنوع على الوجه الذي شَرَطَ عليه في السلم، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله -. وقال أبو يوسف ومحمد: هذا ليس بشَرْط، وهو استصناع على كل حال ضرب فيه أجلاً، أو لم يضرب، ولو ضرب للاستصناع فيما لا يجوز فيه الاستصناع كالثياب ونحوها أجلاً - ينقلب سلماً في قولهم جميعاً. وجه قولهما: أن العادة جاريةٌ بضرب الأجل في الاستصناع، وإنما يقصد به تعجيل العَمَل لا تأخير المطالبة، فلا يخرج به عن كونه استصناعاً أو يقال: قد يقصد بضرب الأجل تأخير المطالبة، وقد يقصد به تعجيل العمل، فلا يخرج العقد عن موضوعه مع الشَّك والاحتمال، بخلاف ما لا يحتمل الاستصناع، لأن ما لا يحتمل الاستصناع لا يقصد بضرب الأجل فيه تعجيل (١) لجم: جمع لجام؛ وهو: الحديدة في فم الفرس، ثم سموها مع ما يتصل بها من سيور وآلة لجاماً. المعجم الوسيط (لجم). (٢) نصول: جمع نصل؛ وهو: حديدة الرمح والسهم والسكين. المعجم الوسيط (نصل). (٣) القمقمة: وعاء من نحاس له عروتان. المعجم الوسيط (قمقم). ٨٧ كتاب الاستصناع العمل، فتعين أن يكون لتأخير المطالبة بالدين وذلك بالسلم، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه إذا ضرب فيه أجلاً، فقد أتى بمعنى السلم؛ إذ هو عقد على مبيع الذمَّة مؤجلاً، والعبرة في العقود لمعانيها لا لصور الألفاظ، ألا ترى أن البيع ينعقد بلفظ التمليك وكذا الإجارة وكذا النكاح على أصلنا؛ ولهذا صار سلماً فيما لا يحتمل الاستصناع كذا هذا؛ ولأن التأجيل يختص بالدُّیون؛ لأنه وضع لتأخير المطالبة، وتأخير المطالبة إنما يكون في عقد فيه مطالبة وليس ذلك إلا السلم؛ إذ لا دين في الاستصناع، ألا ترى أن لكل واحدٍ منهما خيار الامتناع من العمل قبل العمل بالاتفاق، ثم إذا صار سلماً يراعي فيه شرائط السلم، فإن وجدت صحَّ وإلا فلا. فصل في حكم الاستصناع وَأَمَّا حكم الاسْتِصْنَاعِ؛ فهو ثبوت الملك للمسْتَصنع في العين المبيعة في الذمَّة، وثبوت الملك للصانع في الثمن ملكاً غير لازم، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. فصل في صفة الاستصناع وأما صفة الاستصناع: فهي أنه عقد غير لازم قبل العمل / في الجانبين جميعاً بلا ٢٤٦/٢ أ خلاف، حتى كان لكل واحد منهما خيار الامتناع قَبل العملِ، كالبيع المشروط فيه الخيار للمتبايعين أن لكل واحد منهما الفسخ؛ لأن القياس يقتضي ألاَّ يجوز لما قلنا، وإِنما عرفنا جوازه استحساناً؛ لتعامل الناس، فبقي اللزوم على أصل القياس. وأما بعد الفراغ من العَمَل قبل أن يراه المستَصْنع، فكذلك حتى كان للصانع أن يبيعهُ ممَّن شاء؛ كذا ذكر في الأصل؛ لأن العقد ما وقع على [عين المعمول بل](١) على مِثْله في الذمَّة، لما ذكرنا أنه لو اشترى من مكان آخر وسلم إليه - جاز، ولو باعه الصانع وأراد المستصنع أن ينقض البيع - ليس له ذلك، ولو استهلكه قبل الرؤية فهو كالبائع إذا استهلك المبيع قبل التسليم؛ كذا قال أبو يوسف، فأما إذا أحضر الصانع العين على الصفة المشروطة، فقد سقط خيار الصانع، وللمستصنع الخيار؛ لأن الصَّانع بائع ما لم يره فلا خيار له، وأما المستصنع فمشترٍ ما لم يره، فكان له الخيار، وإنما كان كذلك؛ لأن المعقود عليه وإن كان معدوماً حقيقة، فقد ألحق بالموجود ليمكن القول بجواز العَقْد، ولأن الخيار كان ثابتاً لهما قبل الإحضار، لما ذكرنا أن العقد غير لازم، فالصانع بالإِحضار أسقط خيار نفسه، فبقي خيار صاحبه على حاله؛ كالبيع الذي فيه شرط الخيار للعاقدين إذا أسقط أحدهما خياره أنه يبقى خيار الآخر، كذا هذا. (١) في أ: غير المملوك. ٨٨ كتاب الاستصناع هذا جواب ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -، وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله -: أن لكل واحد منهما الخيار، وروي عن أبي يوسف: أنه لا خيار لهما جميعاً. وجه رواية أبي يوسف: أن الصانع قد أفسد متاعه وقطع جلده، وجاء بالعمل على الصفة المشروطة، فلو كان للمستصنع الامتناع من أخذه - لكان فيه إضرار بالصّانع، بخلاف، ما إذا قطع الجلد ولم يعمل، فقال المستصنع: لا أريد؛ لأنا لا ندري أن العمل يقع على الصّفة المشروطة أولاً، فلم يكن الامتناع منه إضراراً بصاحبه، فثبت الخيار. وجه رواية أبي حنيفة - رحمه الله -: أن في تخيير كل واحد منهما دفع الضَّرر عنه وأنه واجب، والصحيح [جواب](١) ظاهر الرواية؛ لأن في إثبات الخيار للصانع ما شرع(٢) له الاستصناع، وهو دفع حاجة المستصنع؛ لأنه متى ثبت الخيار للصانع فكل ما فرع عنه يتبعه من غير المستصنع، فلا تندفع حاجة المستصنع . وقول أبي يوسف: أن الصانع يتضرّر بإثبات الخيار للمستصنع مسلم، ولكن ضرر المستصنع بإبطال الخيار فوق ضرر الصانع بإثبات الخيار للمستصنع، لأن المصنوع إذا لم يلائمه وطولب بثمنه، لا يمكنه بيع المصنوع من غيره بقيمة مثله، ولا يتعذر ذلك على الصانع لكثرة ممارسته وانتصابه لذلك؛ ولأن المستصنع إذا غرم ثمنه ولم تندفع حاجته، لم يحصل ما شرع له الاستصناع وهو اندفاع حاجته، فلا بد من إثبات الخيار له، والله سبحانه وتعالى الموفق. فإِن سلم إِلى حداد حديداً ليعمل له إِناء معلوماً بأجر معلوم، أو جِلداً إلى خفافَ ليعمل له خفاً معلوماً بأجر معلوم - فذلك جائز ولا خيار فيه؛ لأن هذا ليس باستصناع، بل هو استئجار فكان جائزاً؛ فإن عمل كما أمر استحق الأجر، وإِن أفسده(٣) فله أن يضمنه حديداً مثله؛ لأنه لما أفسده فكأنه أخذ حديداً له واتخذ منه آنية من غير إذنه، والإِناء للصانع؛ لأن المضمونات تملك بالضمان . (١) سقط في ط. (٢) في أ: شرطه. (٣) في ط: فسد. كتاب الشُّفْعَة(١) الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع: في بيان سبب ثبوت حق الشُّفعة. وفي بيان شرائط ثبوت حق الشفعة. وفي بيان ما يتأكد به حق الشفعة ويستقر. (١) الشفعة لغة: قال صاحب ((المطالع)): الشُّفعة: مَأْخُوذَةٌ من الزيادة، لأنه يضم ما شفع فيه إلى نصيبه، هذا قول ثعلب؛ كأنه كان وتراً فصار شَفْعاً، والشافع: هو الجاعل الوتر شَفْعاً، والشفيع: فعيل بمعنى فاعل. فهي لُغَةً: الضم؛ يقال: شفعت الشيء؛ ضممته إلى غيره ..... ومناسبة هذا للمعنى الشرعي أن الشريك يضم نصيب شريكه إلى نصيبه .... وقيل: من الشفع ضد الوتر؛ لأن الشفيع يضّم حصّة شريكه إلى حصّته، فيصيران شَفْعاً، وقد كانت حصته وتراً .. ... وقيل: من الشفاعة؛ لأن الرجل في الجاهلية كان إذا أراد بيع داره أتاه شريكه، فشفع إليه فيما باع، فشفعه وجعله أولى به من غيره، وهذا قول محمد بن قتيبة في ((غريب الحديث)). وفي ((المصباح)): ((شفعت الشيء شَفْعاً من باب نَفَع، ضممته إلى الفرد، وشفعت الركعة جعلتها ثنتين، ومن هنا اشتقت الشفعة، وهي مثال غرفة؛ لأن صاحبها يشفع ماله بها، وهي اسم للملك المشفوع، مثل اللُّقمة اسم للشيء الملقوم، وتستعمل بمعنى ((التملُّك)) لذلك الملك، ومنه قولهم: ((من ثَبَتَ له شفعة، فأخر الطلب بغير عُذْرٍ، بطلت شفعته، ففي هذا المثال جمع بين المعنيين، فإن الأَولَى للمال، والثانية للتملك. انظر: الصحاح ١٢٣٨/٣، المغرب ٢٥٣، المصباح المنير ٤٨٥/١. واصطلاحاً : عَرَّفها الحنفية بأنها: ضَمُّ ملك البائع إلى ملك الشفيع، وتثبت للشفيع بالثمن الذي بيع به، رضي المتبايعان أو شرطا . عرفها الشافعية بأنها: حَقُّ تملك قَهْري يثبت للشَّريكِ القديم على الشريك الحادث فيما ملك بعوض. عَرَّفَها المالكية بأنها : اسْتِخْقَاقُ شريك أخذ مبيع شريكه بثمنه. عرفها الحَنَابِلَةُ بأنها: استحقاق انتزاع الإنسان حصَّة شريكه من مشتريها بمثل ثمنها . انظر: الاختيار ٥٦/٢، حاشية ابن عابدين ١٣٧/٥، فتح القدير ٣٦٨/٩، المبسوط ١٤/ ٩٠، حاشية البجيرمي ١٤٥/٣، مغني المحتاج ٢٩٦/٢، منح الجليل ٥٨٢/٣، الإنصاف ٢٥٠/٦، الكافي ٤١٦/٢. ٨٩ ٩٠ كتاب الشفعة وفي بيان ما يبطل به حق الشُّفعة بعد ثبوته. وفي بيان ما يملك به المشفُوع فيه . وفي بيان طريق التمليك وبيان كيفيته. وفي بيان شرط التملك. وفي بیان ما يتملك به . وفي بيان المتملك، وفي بيان المتملك منه. وفي بيان حكم اختلاف الشفيع والمشتري. وفي بيان الحيلة في إبطال الشفعة. وفي بيان أنها مكروهة أم لا . أما سبب وجوب الشُّفعة: فالكلام فيه في موضعين : أحدهما: في بيان ماهية السبب. والثاني: في بيان كيفيته. أما الأول: فسبب وجوب الشّفعة أحد الأشياء الثلاثة: الشركة في ملك المبيع، والخلطة وهي الشركة في حقوق الملك والجوار، وإن شئت قلت أحد الشيئين: الشركة والجوار، ثم الشركة نوعان: شركة في ملك المبيع، وشركة في حقوقه كالشرب والطريق، وهذا عند أصحابنا - رضي الله عنهم -. وقال الشافعي: السبب هو الشّركة في ملك المبيع لا غير، فلا تجِبُ الشفعة عنده بالخلطة ولا بالجوار(١). (١) قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك، الّذي لم يقاسم فيما بيع من أرض، أو دار، أو حائط، ولم يخالف في ذلك إلا الأصم، وابن عُلية، فإنهما أبطلاها؛ رداً للإجماع، وتمسكاً بظاهر قوله وَالر: ((لا يحل مال امرىء مسلم، إلا بطيب نفس منه))؛ وذهاباً منهما إلى أن في إثبات الشفعة إضراراً بأرباب الأملاك؛ لأن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه لم يبتعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء، فيستضر المالك. وهذا منهما ليس بشيء؛ لأن ما روي في الشفعة - وإن كان آحاداً - فالعمل به مستفيض، فيصير الخبر كالمتواتر، ثم الإجماع عليه منعقد، والعلم بشرعيته واقع، وليس في قول النبي ◌َ طاهر: ((لا يحل مال امرىء مسلم .... )) إلخ ما يمنع من الشفعة؛ لأن المشتري يعاوض عليها، فيصل إلى حقُّه، فلا استحلال، ولا شيء. = ٩١ كتاب الشفعة فأما قولهما: إن في إثباتهما إضرار بأرباب الأملاك ((فيجاب عنه بأنا نشاهد الشركاء يبيعون، ولا يعدمون من يشتري منهم غير شركائهم، ولم يمنعهم من الشراء استحقاق الشفعة، وبأنه يمكنه إذا لحقته بذلك مشقة أن يقاسم، فيسقط استحقاق الشفعة . هذا، ولما كانت الشفعة ثابتة على خلاف الأصل؛ إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضاه، وإجبار له على المعاوضة، لكن الشرع أثبتها لمصلحة راجحة، فلا تثبت إلا إذا كان الملك مشاعاً غير مقسوم. فأما الجار فلا شفعة له، وبه قال كثير من الصحابة والتابعين؛ كعمر، وعثمان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، ويحيى الأنصاري، ومن الفقهاء: مالك، والأوزاعي، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة وصاحباه: يقدم الشريك، فإن لم يكن، وكان الطريق مشتركاً، كدرب لا ينفذ - ثبتت الشفعة لجميع أهل الدرب الأقرب فالأقرب، فإن لم يأخذوا ثبتت للملاصق من درب آخر خاصة واحتجوا على ذلك: أولاً: بما روى أبو رافع، قال رسول الله وَّر: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقِهِ)). رواه البخاري، وأبو داود. ثانياً: بما روى الحسن عن سمرة؛ أن النبي (َ ﴾) قال: ((جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ ... ))، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ثالثاً: بما روى عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يَنْتَظِرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِباً، إِذَا كَانَ طَرِيْقُهُمَا وَاحِداً». رابعاً: بما روى عمرو بن الشريد، عن سويد، عن أبيه؛ أنه قال للنبي (و18َ): إِنَّ أرضاً بيعت ليس فيها قسم ولا شرك، فقال النبي: ((أنت أحق بشفعة جارك يا شريد)). قالوا: ولأنه اتصال ملك يدوم ويتأبد، فثبتت الشفعة فيه كالشريك، ولأن الشفعة إنما وجبت للشريك؛ خوفاً من سوء عشرة الداخل عليه، وهذا المعنى قد يوجد في الجار، فيقتضي أنه تجب له كما وجبت للشريك. ((ودليلنا)) ما تقدم من الأحاديث، فحديث جابر أفاد حصر الشفعة فيما لم يقسم، فما قسم لا شفعة فيه، ثم صرّح بعد ذلك بنفي الشفعة فيما لم يقسم عن الجار بقوله: «فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة))، فالحديث قد دلَّ على نفي الشفعة عن الجار بطريقين: بطريق مفهوم المخالفة كما في صدره، وبطريق المنطوق كما في عجزه. وأيضاً اللاّم في الحديث للجنس، والمعرّف بها يفيد الحصر، فاقتضى حصر الشفعة فيما لم يقسم؛ كقول النبي: ((الأئمة من قريش))، فإنه قصد الأئمة على كونهم من قريش. وتقدَّم ما يتعلق بالحديث الثاني. والحديث الثالث قد صرّح فيه بـ((إنما) وهي تفيد إثبات ما اتصل، ونفى ما انفصل عنها؛ كقوله وَله: ((إنما الأعمال بالنيات)). ومن طريق القياس، هو أن تمييز المبيع يمنع من وجوب الشفعة فيه، كالَّذي بينهما طريق نافذة، ولأن الشفعة إنما ثبتت لرفع الضرر لا لجلبه، وفي إيجابها للجار ضرر داخل على صاحب الملك، من حيث إنه يتقاعد بالمالك حتى يبذل له البخس من الثمن؛ لعلمه بأن غيره لا يقدم على الشراء، مع علمه بشفعته، وهذا المعنى غير موجود في المشترك؛ لأن الشريك قادر على رفع هذا الضرر بمقاسمة شريكه، وما كان موضوعاً لرفع الضرر لم يجز أن يدخل فيه الضرر، ولأن الشفعة ثبتت في موضع الوفاق على خلاف الأصل لمعنى معدوم في محل النزاع، فلا تثبت فيه، وبيان انتفاء المعنى هو أن الشريك ربما دخل عليه شريك يتأذى به، فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته، أو يطلب الداخل المقاسمة، فيدخل الضرر على الشريك بنقص قيمة ملكه، وما يحتاجه من إحداث المرافق، وهذا لا يوجد في المقسوم. = ٩٢ كتاب الشفعة أما حديث أبي رافع فليس بصريح في الشفعة. = قال البغوي: ((ليس في هذا الحديث ذكر الشفعة، فيحتمل أنه أراد به الشفعة، ويحتمل أنه أراد أنه أحقُّ بالإحسان والصلة والعبادة، وما إلى ذلك من أنواع البر والمعونة، وخبرنا صريح فيقدم، وبقية الأحاديث في إسنادها مقال، فحديث سمرة يرويه عنه الحسن، وقد اختلفوا في لقاء الحسن سمرة، فقال بعضهم: لم يلقه. وقال بعضهم: لقيه ولم يرو عنه إلا حديث العقيقة، قاله أصحاب الحديث. فهذه الأحاديث مع ما فيها من المقال والاضطراب، لا تنتهض لمعارضة الأحاديث القاضية بنفي شفعة الجار. قال ابن المنذر: الثابت عن رسول الله حديث جابر الّذي رويناه، وما عداه من الأحاديث فيها مقال، ثم لو سلم استدلالهم بهذه الأحاديث، فهي محمولة على الجار الأخص وهو الشريك؛ لأن اسم الجوار يختص بالقريب، والشريك أقرب من اللصيق، فكان أحق باسم الجوار. وقد أطلقت العرب على الزوجة جارة لقربها، قال الشّاعر: أَجَارَتّنا بيني فَإِنَّكِ طَالِقَة كما حكى المصنف. قال الأعشى: وتسمى الضرتان جارتين، لاشتراكهما في الزوج. قال حمل بن مالك: ((كنت بين جارتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فقتلتها وجنينها)). وقول بعض الحنفية: إنه يلزم الشافعية القائلون بحمل اللفظ على حقيقته ومجازه، أن يقولوا بشفعة الجار، لأن الجار حقيقة في المجاور، مجاز في الشريك. ((يجاب عنه)) بأن محلّ ذلك عند التجرد عن القرينة، وقد قامت القرينة على هذا المجاز، فاعتبر الجمع بين حديثي جابر وأبي رافع، فحديث جابر صريح في اختصاص الشفعة بالشريك، وحديث أبي رافع متروك الظاهر اتفاقاً، وإلا اقتضى أن يكون الجار أحقُّ من كل أحد، حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجار قالوا بتقديم الشريك. وأما قياسهم على المشترك فقياس مع الفارق؛ لانعدام المعنى الذي من أجله ثبتت للشريك، وهو رفع ضرر مؤنة القسمة في الجار. وعن قولهم: إنها وجبت في الخلطة خوفاً من سوء العشرة، وقد يوجد ذلك بالنسبة للجار، فهو أن سوء العشرة مما يجب منع السلطان فأمكن رفعه، وهي إنما وجبت لرفع ضرر لا يمكن دفعه إلا بها، وليس ذلك إلا مؤنة القسمة؛ لأنها حقّ لا يمكن رفعه عند طلبها إلا بالشفعة، ثم لو فرضنا أن الجار لا يطلق في اللغة إلا على من كان ملاصقاً غير مشارك، فينبغي تقييد الجوار باتحاد الطريق، كما أفاده رواية جابر، وفيها: ((إذا كان طريقهما واحدة ... ))، ومقتضى هذا عدم ثبوت الشفعة بمجرد الجوار، وبذلك قال بعض الشافعية، ويؤيده أن شرعية الشفعة إنما هي لدفع الضرر، وهو إنما يحصل في الغالب مع المخالطة في الشيء المملوك، أو في طريقة؛ إذ لا ضرر على جار لم يخالط في أصل أو طريق إلا نادراً، واعتبار هذا النادر يستلزم ثبوت الشفعة للجار مع عدم الملاصقة؛ لأن حصول الضرر له قد يقع في بعض الحالات، كحجب الشمس، والاطلاع على العورات، ونحوهما من الروائح الكريهة التي يتأذى بها، ورفع الأصوات، وسماع بعض المنكرات، ولا قائل بثبوت الشفعة لمن كان كذلك، والضرر النادر غير معتبر؛ لأن الشارع إنما علق الأحكام بالأمور الغالبة. ينظر: الشفعة لشيخنا ((أبي العنين محمد)). ٩٣ كتاب الشفعة احتج بما روي عن رسول الله وَّه: ((إِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِي مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطَّرُقُ فَلاَ شُفْعَةٍ)) (١) فصدر الحديث إثبات الشفعة في غير المقسوم ونفيها في المقسوم؛ لأن كلمة ((إِنما)) لإثبات المذكور ونفي ما عداه، وآخره نفي الشفعة عند وقوع الحدود، وصرف الطرق والحدود بين الجارين واقعة، والطرق مصروفة - فكانت الشفعة منفية؛ ولأَن الأَخذ بالشفعة تملّك مال المشتري من غير رِضَاه، وعصمة ملكه وكون التملك إِضراراً يمنع من ذلك، فكان ينبغي أَلاَّ يثبت حق الأخذ أصلاً إلا أنا عرفنا ثبوته فيما لم يقسم بالنصّ غير معقول المعنى، فبقي الأمر في المقسُوم على الأَصل، أو ثبت معلولاً بدفع ضررٍ خاص وهو ضرر القسمة، لكونه ضرراً لازماً لا يمكن دفعه إلا بالشّفعة، فأما ضرر الجوار فليس بلازمٍ، بل هو ممكن الدفع بالرفع إلى السلطان والمقابلة بنفسه، فلا حاجة إلى دفعه بالشفعة. ولنا: ما روي أنه سئل رسولِ الله وَّهَ: عَنْ أَرْضِ بِيعَثْ وَلَيْسَ لَهَا شَرِيكٌ وَلَهَا جَارٌ؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ -: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهَا))(٢) وهذا نصٌّ في الباب. (١) فيما لم يقسم أي: في كل مشترك لم يقسم؛ لأن عدم القسمة يستلزم الشركة، ويؤيده رواية مسلم ((في كل شرك لم يقسم .... )) أي لم تقع فيه قسمة بالفعل مع كونه يقبلها؛ كما أن الأصل في المنفي بلم أن يكون في الممكن، بخلاف النفي بلا، ولأن مقابلته بقوله: ((فإذا وقعت الحدود .... )) يدل على ذلك. فقوله: ((فإذا وقعت الحدود .... )) مفهوم قوله: ((لم يقسم))، كأنه قال: فإذا وقعت القسمة فلا شفعة لأحدهما على الآخر إذا باع؛ لأنه حينئذٍ جار لا شريك، والمراد بالحدود العلامات المبينة ما لكل من الشريكين على انفراده. ((وصرّفت الطرق)) بالتشديد بمعنى بينت وميزت، بأن جعل لكل نصيب طريق تخصه، وبالتخفيف بمعنى تفرقت، وهو عطف لازم على ملزوم، باعتبار الغالب، من أنه إذا وقعت الحدود والعلامات تميزت الطرق، أو عطف مغاير، ويعترض بأن عطفه على ما قبله حينئذٍ، يفيد أنه إذا وقعت الحدود ولم تصرف الطرق، بأن اتحدت ثبتت الشفعة، وليس كذلك. ويجاب بأنه خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. ينظر: الشفعة لشيخنا ((أبي العنين محمد)). والحديث أخرجه البخاري (٤٣٦/٤) كتاب الشفعة، باب الشفعة فيما لم يقسم، الحديث (٢٢٥٧) وأخرجه أبو داود (٧٨٤/٣ - ٧٨٥) كتاب البيوع والإجارات، باب في الشفعة، الحديث (٣٥١٤) والترمذي (٦٥٢/٣ - ٦٥٣) كتاب الأحكام، باب ما جاء إذا حدت الحدود وقعت السهام فلا شفعة، الحديث (١٣٧٠) وابن ماجه (٢/ ٨٣٥) كتاب الشفعة باب إذا وقعت الحدود فلا شفعة الحديث (٢٤٩٩) وأحمد (٢٩٦/٣) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٢٢/٤) كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار، والبيهقي (٦/ ١٠٢) كتاب الشفعة، باب الشفعة فيما لم يقسم، وابن الجارود (٢١٦ - ٢١٧) باب ما جاء في الشفعة، وأبو داود الطيالسي ص (٢٣٥) الحديث (١٦٩١) وأحمد (٣٧٢/٣). (٢) أخرجه البخاري (٤٣٧/٤) كتاب الشفعة، باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع الحديث (٢٢٥٨) ٩ وكذلك الشافعي (١٦٥/٢) كتاب الشفعة، الحديث (٥٧٤) وأحمد (١٠/٦، ٣٩٠) وأبو داود (٧٨٦/٣) كتاب البيوع والإجارات، باب في الشفعة، الحديث (٣٥١٦) والنسائي (٧/ ٣٢٠) كتاب البيوع، باب ذكر = ٩٤ كتاب الشفعة الشفعة وأحكامها، وابن ماجه (٨٣٣/٢) كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار، الحديث (٢٤٩٥) = والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٢٣/٤، ١٢٤) كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار، والدار قطني (٤/ ٢٢٢، ٢٢٣) كتاب الأقضية، الحديث (٧٠)، (٧١)، (٧٢) والبيهقي (١٠٥/٦، ١٠٦) كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٧٩/١) من طريق إبراهيم بن ميسرة عن عمر بن الشديد قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبيَّ، إذ جاء أبو رافع مولى النبي ◌َّ فقال: يا سعد ابتع مني بيتي في دارك، فقال سعد: والله ما أبتاعها، فقال المسور: والله لتبتاعنهما، فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة، قال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله وَّله يقول: الجار أحق بسقبه ما اعطتيكها بأربعة آلاف وأنا أعطي بها خمسمائة دينار، فأعطاها إياه)) وخالفه عمرو بن شعيب فقال عن عمر بن الشريد عن أبيه الشريد بن سويد عن النبي ◌ّل أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٦٨/٧) كتاب البيوع والأقضية، باب من كان يقضي بالشفعة للجار الحديث (٢٧٧١) والنسائي (٧/ ٣٢٠) كتاب البيوع، باب الشفعة وأحكامها وابن ماجه (٨٣٤/٢) كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار، الحديث (٢٤٩٦) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٢٤/٤) كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار كلهم من طريق حسين المعلم به، وأخرجه ابن الجارود في المنتقى (٢١٧) باب في الشفعة، الحديث (٦٤٥) والبيهقي في السنن (١٠٥/٦) كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار، وأحمد (٣٨٩/٤) وعبد الرزاق (٧٧/٨) والدارقطني (٢٢٤/٤) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن الشريد عن أبيه أن رسول الله و الله قال: ((الجار أحق بسقبه)) قال أبو نعيم: قلت لعمرو: ما سقبه؟ قال الشفعة وقد أشار الترمذي في سننه (٦٥١/٣) كتاب الأحكام، باب ما جاء في الشفعة حديث (١٣٦٨) إلى طريق عبد الله بن عبد الرحمن هذه وقال: (إنه حديث حسن). ثم ذكر طريق إبراهيم بن ميسرة السابقة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع، وقال: (سمعت محمداً - يعني البخاري - يقول: كلا الحديثين عندي صحيح، وفي الباب عن جابر وابن عباس وسمرة بن جندب وأنس وعلي وابن مسعود وعمرو بن حريث وعبد الله بن عمر بن الخطاب ويزيد بن الأسود، حديث جابر رواه أبو داود الطيالسي (٢٣٤) الحديث (١٦٧٧) وأحمد (٣٥٣/٣) وأبو داود (٣/ ٧٨٧، ٧٨٨) كتاب البيوع والإجارات باب الشفعة، الحديث (٣٥١٨) والترمذي (٦٥١/٣) كتاب الأحكام، باب الشفعة للغائب، الحديث (١٣٦٩) وابن ماجه (٨٣٣/٢) كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار، الحديث (٢٤٩٤) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٢٠/٤) كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار، والبيهقي (١٠٦/٦) كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار كلهم من رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر قال: قال رسول الله وَ له: ((الجار أحق بشفعته، ينتظر به وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً)) وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب، ولا نعلم أحداً روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وقد تكلم شعبة في عبد الملك بن أبي سليمان من أجل هذا الحديث. وعبد الملك هو ثقة مأمون عند أهل الحديث لا نعلم أحداً تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث. وقد روى وكيع عن شعبة عن عبد الملك هذا الحديث. وروى ابن المبارك عن سفيان الثوري قال: عبد الملك بن أبي سليمان ميزان، يعني في العلم) وحديث ابن عباس أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٣٣) كتاب الشفعة، باب من باع رباعاً فليؤذن شريكه الحديث (٢٤٩٣) من طريق يزيد بن هارون ٩٥ كتاب الشفعة وروي عن رسول الله وَّل أنه قال: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقْبِهِ))(١) والصقب: الملاصق، أي: أحق بما يليه وبما يقرب منه: وروي: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ))(٢) وهذا نص في الباب؛ ولأن حق الشفعة بسبب الشركة إنما يثبت لدفع أذى الدَّخيل وضرره، وذلك متوقع الوجود عند المجاورة، فورود الشَّرع هناك يكون وروداً هنا دلالة؛ وتعليل النَّص بضرر القسمة غير سديد؛ لأن القسمة ليست بضرر، بل هي تكميل منافع الملك، وهي ضرر غير واجب الدفع؛ لأن القسمة مشروعة؛ ولهذا لم تجب الشفعة بسبب الشركة في العروض دفعاً لضرر القسمة . وأما قوله: يمكن دفع الضَّرر بالمقابلة بنفسه والمرافعة إلى السلطان، فنقول: وقد لا يندفع بذلك؛ ولو اندفع فالمقابلة والمرافعة في نفسها ضَرَر، وضرر الجار السوء يكثر وجوده في كل ساعةٍ، فيبقى في ضرر دائم. أنبأنا شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ◌َ لو قال: ((من كانت له أرض فأراد بيعها = فليعرضها على جاره)) . وقال الحافظ البوصيري في ((الزوائد)) (٢٨١/٢): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. اهـ. حديث سمرة أخرجه أحمد (٨/٥، ١٢) وأبو داود (٧٨٧/٣) كتاب البيوع والإجارات، باب الشفعة الحديث (٣٥١٧) والترمذي (٦٥٠/٣) كتاب الأحكام، باب في الشفعة الحديث (١٣٦٨) وابن الجارود (٢١٧) باب ما جاء في الشفعة الحديث (٦٤٤) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٢٣/٤) كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار، والبيهقي (١٠٦/٦) كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار، من طرق قتادة عن الحسن عن سمرة قال رسول الله وَلجر: ((جار الدار أحق بالدار)) وقال بعضهم: ((جار الدار أحق بدار الجار أو الأرض)) وقال الترمذي: (حسن صحيح)، وحديث أنس أخرجه النسائي في الكبرى كما في التحفة (٣١٨/١) والطحاوي في معاني الآثار (١٢٢/٤) وابن حبان (١١٥٣ - موارد) والخطيب في التاريخ (٣٤٢/١١) من حديث عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس به مرفوعاً ((جار الدار أحق بالدار)) وصححه ابن حبان. وحديث علي وابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٦٣، ١٦٤) كتاب البيوع والأقضية، باب من كان يقضي بالشفعة للجار، الحديث (٢٧٥٨) في كتاب أقضيته وَّر قال: حدثنا جرير عن منصور عن الحكم عن علي وعبد الله قالا: ((قضى رسول الله وَ﴿ بالجوار)) وحديث ابن عمر رواه الطبراني في الأوسط كما في المجمع (١٦١/٤) ولفظه: ((الجار أحق بسقبه ما كان))، وقال الهيثمي وفي إسناده عبيد بن كثير العامري وهو متروك، وحديث يزيد بن الأسود أخرجه الطبراني في الكبير كما في المجمع (٤/ ١٦٢) بلفظ: ((الجار أحق بسقبه)). (١) تقدم تخريجه وينظر الحديث السابق. (٢) تقدم تخريجه. ٩٦ كتاب الشفعة وأما الحديث، فليس في صدره نفي الشُّفعة عن المقسوم؛ لأن كلمة (إِنَّمَا) لا تقتضي نفي غير المذكور؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت: ٦] وهذا لا ينفي أن يكون غيره - عليه الصلاة والسلام - بشراً مثله وآخره حجة عليه؛ لأنه علق - عليه الصلاة والسلام - سقوط الشفعة بشرطين: وقوع الحدود وصرف الطرق، والمعلق بشرطين لا يترك عند وجود أحدهما، وعنده: يسقط بشرط واحد وهو وقوع الحدود، وإن لم تصرف الطرق ثم هو مؤوّل وتأويله: فإذا وقعت الحدود فتباينت وصرفت الطرق فتباعدت - فلا شفعة أو لا شفعة مع وجود من لم ينفصل حده وطريقه، أو فلا شفعة بالقسمة كما لا شفعة بالرد بخيار الرؤية؛ لأنّ في القسمة معنى المبادلة، فكان موضع الإِشكال، فأخبر أنه لا شفعة؛ ليزول الإشكال، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. وأما بيان كيفية السَّبب: فالكلام فيه في موضعين : أحدهما: يعم حال انفراد الأَسباب واجتماعها . والثاني: يخص حالة الاجتماع. أما الذي يعم الحالين جميعاً فهو أن السَّبب أصل الشركة لا قدرها، وأصل الجوار لا قدره، حتى لو كان للدار شريك واحد أو جار واحد - أخذ كل الدار بالشفعة؛ كثر شركته وجواره أو قل. وعلى هذا يخرج قول أصحابنا - رضي الله عنهم - في قسمة الشُّفعة بين الشركاء عند اتحاد السبب؛ وهو الشركة أو الجوار - أنها تقسم على عدد الرءوس لا على قدر الشركة، وعند الشَّافعي - رحمه الله -: على قدر الشركة في ملك المبيع، حتى لو كانت الدار بين ثلاثة نفر؛ لأَحدهم نصفها وللآخر ثلثها ولآخر سدسها، فباع صاحب النصف نصيبه - كانت الشفعة بين الباقين نصفين، عندنا: على عدد الرءوس، وعنده: أثلاثاً ثلثاه لصاحب الثلث، وثلثه لصاحب السدس على قدر الشركة. وجه قوله: أن حق الشفعة من حقوق الملك؛ لأنه ثبت لتكميل منافع الملك، فيتقدر بقدر الملك كالثمرة والغلة . ولنا: أن السبب في موضع الشركة أصل الشركة، وقد استويا فيه فيستويان في الاستحقاق؛ والدليل على أن السبب أصل الشركة دلالة الإِجماع والمعقول؛ أما دلالة الإجماع: فلأن الشَّفيع إذا كان واحداً يأخذ كل الدار بالشفعة، ولو كان السبب قدر الشركة لتقدر حق الأخذ بقدرها. ٩٧ كتاب الشفعة وأما المعقول: فلأن حق الشُّفعة إنما يثبت لدفع أذى الدخيل وضرره (١)، والضرر لا (١) اتفق العلماء على أن الشُّفْعَةَ مشروعة لدفع ضرر الدخيل عن الأصيل، وإنما يتحقق هذا الضرر عند اتصال ملك الشفيع بالمبيع . ثم اختلفوا بعد ذلك في تحقيق الضرر الذي قصد الشارع رفعه بالشفعة فقال الإمام الشافعي ومن تبعه رحمهم الله: المقصود الضرر اللاحق بالقسمة، لأن كل واحد من الشريكين إذا طالب شريكه بالقسمة كان عليه في ذلك من المؤنة والكلفة والغرامة والضيق في مرافق المنزل ما هو معلوم، فإنه قبل القسمة ربما ارتفق بالدار والأرض كلها، وبأي موضع شاء منها فإذا وقعت الحدود ضاقت به الدار وقصر على موضع منها، وفي ذلك من الضرر عليه ما لا خفاء به. فمكنه الشارع بحكمة ورحمة من رفع هذه المضرة عن نفسه، بأن يكون أحق بالمبيع من الأجنبي الذي يريد الدخول عليه، ولم يحل الشارع للشخص أن يبيع نصيبه حتى يؤذن شريكه، فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به، كما استفيد من الحديث الذي رُوِّيْنَاهُ عن جابر وإن أذن في البيع، وقال: لا غرض لي فيه لم يكن له الطلب بعد البيع، هذا مقتضى حكم رسول الله وَليه ولا معارضة له بوجه، وهو الصواب المقطوع به. قال في ((أعلام الموقعين)): وهذه طريقة من يرى أنه لا شفعة إلا فيما يقبل القسمة. اهـ. وقال أهل مكة: إنما شرعت الشُّفْعَةُ لرفع الضرر اللاحق بالشركة، فإن كانا شريكين في عين من الأعيان، بأرث، أو هبة، أو وصية، أو ابتياع، أو نحو ذلك، لم يكن رفع ضرر أحدهما بأدلى من رفع ضرر الآخر، فإذا باع نصيبه كان شريكه أحق؛ من الأجنبي، إذ في ذلك إزالة ضرره مع عدم تضرر صاحبه فإنه يصل إلى حقه من الثمن، ويصل هذا إلى استبداده بالمبيع، فيزول الضرر عنهما جميعاً. وهذا مذهب من يرى الشُّفْعَةَ في الحيوان، والثياب، والشجر، والجواهر، والدور الصغار التي لا يمكن قسمتها. واحتجوا لقولهم هذا بحديث جابر الصحيح «قضى رسول الله ﴿﴿ بالشفعة في كلٌ ما لم يُقَسَّمْ)) وهذا يتناول المنقول، والعقار قالوا: ولأن الضرر بالشركة فيما لم ينقسم أبلغ من الضرر بالعقار الذي يقبل القسمة فإذا كان الشارع مريداً لرفع الضرر الأدنى فالأعلى أولى بالرفع، ولو كانت الأحاديث مختصة بالعقار، والعروض المنقسمة فإثبات الشفعة فيها تنبيه على ثبوتها فيما لا يقبل القسمة، لكن المشهور عن الإمام مالك رحمه الله أنها لا تجوز في كل المنقولات بل في نوع منها. والحنفية رضوان الله عليهم يقولون: الضرر الذي قصد الشارع رفعه هو ضرر سوء الجوار والشركة في العقار والأرض، فإن الجار قد يسيء الجوار غالباً فيعلي الجدار، ويتبع العثار ويمنع ضوء النهار، ويشرف على العورة، ويطلع على العثرة، ويؤذي جاره بأنواع الأذى، ولا يأمن جاره بوائقه - كما قال الفقهاء - وهذا مما يشهد به الواقع. ولا يظن ظان أن ضرر الدخيل موهوم، ربما يكون وربما لا يكون؛ لأنه مميز عاقل فيمنعه عقله من الإضرار بالغير، وضرر المشتري - وهو أخذ الملك منه بلا رضاه - متحقق فلا يلتزم الضرر المتحقق لرفع الضرر الموهوم. ولو كان ضرر الدخيل موجوداً لا موهوماً يمكن رفعه بالمرافعة إلى السلطان أو بالمقابلة - لا يظن فإن ضرر الدخيل ليس موهوماً بل هو غالب، فإن الإنسان لا يمكن الانتفاع بملكه مدة عمره، ولا يتأذى من جاره فنحن نرفع الضرر قبل حلوله، لأنه إذا نزل ربما يمكن دفعه، وربما لا يمكن، فلا فائدة إذاً في الاشتغال بالدفع، والضرر الذي يلحق من جهة الدخيل بعضه ظاهر وبعضه باطن، فلا يمكن رفع جميع ذلك إلى السلطان وفيه حرج، وربما يحصل في المقابلة ضرر فوق ضرر سوء الصحبة. = بدائع الصنائع ج٦ - ٧٢ ٩٨ كتاب الشفعة وقد يعترض بالمملوك بالإرث، والهبة، والوصية، فإنه لا شفعة فيها مع وجود العلة فلا يصلح ما = ذكر تموه حكمة . فنقول: عدم الثبوت في هذه الأشياء لعلة وجودها. وترتب الأحكام الشرعية التي يتعلق الابتلاء بها إنما هو على الحوادث التي كثر وقوعها. وأيضاً فإنَّ الشُّفْعَةَ لا يخلو إما أن يثبت فيها بعوض، أو بغير عوض وكل من الشقين باطل. أما بطلان الشق الأول، فلأن الإرث والهبة - التي تكون بغير عوض - والوصية لا تكون بإزاء المال، فالشفيع إن استحقها بالعوض لزم الاستحقاق في الأشياء التي يكون استحقاقها بلا عوض بالعوض - هذا خلف. وأما بطلان الشق الثاني فلأن الشفيع إن استحقها بغير عوض يلزم ثبوت الشفعة بغير عوض وهذا غير مشروع في الشفعة. وعلى وجه العموم، فهو حق أوجبته الشريعة لرفع المضارة بين الناس في معاملتهم وفي صحبتهم وفي معیشتهم. وكتب الأستاذ علي زكي العرابي بك منتقداً حكمة المشروعية باعتراضات لا نظنها وجيهة، أو نحسبها خليطاً من اعتراضات الفقهاء الموجهة فيما بينهم على أحكام فرعية لا على أصول المشروعية. قال الأستاذ في مقدمة كتابه ((الشفعة في القوانين المصرية)) بند ٢: ولكن إن قلنا: إن البائع لا يلحقه ضرر وليس له أن يتظلم، أو يصدق ذلك على المشتري؟ أليس في الشفعة حجر على حرية التعاقد وضرب على حرية التصرف في الأموال؟ وإن شئت قل: إنها نوع من الغصب لما فيها من تملك مال الغير بغير رضاه؟ أليس فيها حرمان المشتري من ثمرة صفقة بلا سبب سوى تحيز الشارع لشخص آخر وتفضيله عليه بلا. مسوغ؟! كلام جدلي وضرب من المقدمات الشعرية، فليس في الشفعة حجر على حرية التعاقد، ولا ضرب على حرية التصرف، فالشارع لم يبح للشخص أي تصرف فيه إضرار بالغير ((لا ضرر ولا ضرار)) فالشرع الذي لا يبيح للشخص التصرف في ملكه بما يضر بالغير تطبيقاً للقاعدة السالفة لا يبيح له التصرف في ملكه بطريق النقل على وجه يدفع شريكه في طريق من المشاكل لا يقدر على سلوكها. ولو سلمنا أن فيه حجراً على شخص، فهو حجر لإقامة المجتمع على أسس معقولة من دفع الشر والتخاصم والمشاحة، وكل قانون موضوع فيه تضحية شيء من حرية الشخص في سبيل نظام المجموع، أليس في نفس وضع القانون تقييد لحرية الشخص في سبيل نفع الهيئة الاجتماعية؟ والشفعة من أحسن أنواع الحقوق الجوارية، وأما التعبير بلفظ تحيز الشارع فلا تحسب تعبيراً دقيقاً من قانوني مثله، وكان يمكن تلافيه، وما فائدة الشارع في التحيز لشخص دون آخر لولا ما في التقييد من حكمة يعلمها هو ونلمس نحن آثارها الطيبة؟! ولعل المتشرع الفاضل لو بلي بمشترٍ مشاكسٍ، لشكر واضعَ قانونِ الشفعة، ويسبح بحمده بكرةً وعشيًّا. ثم قال: يعلل الفقهاء سبب مشروعيتها بأنها لمنع الضرر الذي يلحق الشفيع بسبب سوء المجاورة، ولو صدق ذلك لوجب ألا تثبت الشفعة إلا إذا تحقق الضرر، وألا تثبت متى تحقق عدمه إلخ. إن القانون لم يوضع وضعاً جزئيًّا بمعنى أننا نتركه للتقدير وتتبع الأفراد، بل يوضع بقاعدة كلية وهو ما يعبر عنه رجال الفقه بالمظان أو الضوابط الجامعة، فانتقال الملك من حيث هو موجب للضرر وإن تخلف في بعض الأفراد فلا يضر، ونظير ذلك الخمر فهي في نفسها مسكرة، ولا يمنع أنها في بعض الأشخاص = ٩٩ كتاب الشفعة ..... داعية من دواعي الانشراح والسرور ولا تسكرهم، وللشارع في هذا نظائر كثيرة، بل كل أوضاعه هكذا، = ولا نظن القانون يتنكب هذا الطريق، فليس في المقدور تكليف القاضي استقصاء الجزئيات ليعلم الضرر وجوباً أو سلباً. ثم قال: وغير ذلك فإن الشفعة لا تمنع الضرر عن الشفيع، وإذا منعته فإنها لا تمنعه عن شفيع إلا لتلقيه على شفيع آخر؛ لأن الشفيع لا يكون إلا جاراً أو شريكاً، ففي حالة ما يكون جاراً فإن العقار المشفوع له جار آخر من الجهة الأخرى، وهذا له أيضاً حق الشفعة، وهو بالنسبة للجار الأول أجنبي كالمشتري سواء بسواء، لأنه ليس بينهما اتصال، وبشفعة يصبح جاراً ملاصقاً للأول، فإذا كان مجرد تجدد الجوار هو في حد ذاته سوء المضرة فإن شفعة أحد الجارين للعقار المشفوع تكون ضرراً للجار الآخر، لأنها تسبب له سوء المجاوة. وبعبارة أخرى تجدد المجاورة الذي حجبنا عنه الجار الأول والذي شرعت من أجل منعه الشفعة، وربما كانت الشفعة ضرراً للبائع نفسه الذي يبيع جزءاً من عقاره ليفصل بينه وبين جاره هذا هرباً من أذاه، فإذا شفع هذا الجار في هذا الجزء فات على البائع غرضه واضطر لمجاورته رغم أنفه. تتلخص هذه الفقرة من كلامه في أننا نرفع ضرراً بإيجاب ضرر آخر، وليس هذا بمسلم، فإننا نرفع الضرر الحادث عن الشفيع الذي أوجده ذلك التصرف، وهو مما يمكن التفادي عنه بجعل الشفيع صاحب الحق في العقار المشفوع فيه، والضرر الذي يحدث بجوار جار للبائع يمكن الشفيع إذا علم أنه يبتعد عنه بإسقاط الشفعة، ولكن لو أجزنا البيع لأرغمنا الشفيع على ضرر لا سبيل لإسقاطه، وليس تجدد الجوار في ذاته ضرراً، بل لأنه مظنة الضرر. على أن الجزء الأخير غير مسلم، فهو لو باع جزءاً من عقاره لا يشفع إلا من بجواره، أما الذي ليس بجواره بأن ترك قطعة من عقاره بجوار جاره فلا سبيل للشفعة فيه، فلا يفوت غرض البائع . ثم قال: وإذا كان الشفيع شريكاً فإنه وإن كانت الشركة لها مضار حقيقة إلا أنه ممكنه أن يقاسم المشتري، كما كان له ذلك مع البائع الذي كان شريكه الأول، فهو إذا لم تتغير حاله، ولم يحدث ضرر جديد بالبيع، كان يمكن اتقاؤه بالشفعة، وإن قلنا: إنه وإن كان البيع حقيقة لم يمنع حقه في القسمة والتخلص بذلك من الشركة، إلا أن القسمة تحتاج إلى مصاريف، ولها متاعب يمكن الخلاص منها بالشفعة؛ لأنه يصبح المالك الوحيد للعقار، فلا تتصور القسمة أو على الأقل ينقص عدد الشركاء فتزداد سهولة الانتفاع بالعين فيرد على ذلك بأن الشريك الذي يريد أن يبيع حصة ممكنه أن يقاسم شريكه أو لا فتنتهي الشركة ويصبح كل منهما جاراً للآخر، وعلى كل حال هل يجوزُ عدلاً نزع ملكية المشتري وحرمانه من ربحه في صفقة الذي قد يوازي أضعاف المصاريف التي يمكن أن يتكبدها الشريك الآخر في القسمة؟ وهذا كله لأجل أن لا يتكلف هذا الشريك تلك المصاريف؟ هذا كلام قد كفانا الحنفية مؤونة الرد عليه بتعليل الشفعة بدفع ضرر الجوار، ولكن مع هذا سنرد عليه؛ لأنه لا يريد النقص على مذهب خاص، بل على مشروعية الشفعة في ذاتها. نعم إن الشفيع يمكنه مقاسمة المشتري كما كان يقاسم الشريك، ولكن من يدريه أن الشريك الجديد سيكون كسلفه القديم، حسن شركة ومعاملة، فإن كان الشريك الجديد أي المشتري مضارًا فقد كفى الله الشفيع الضرر بتمليكه الحق في الأخذ، وإن كان ذا جوار صالح وشركة طيبة - فقد أجاز الله للشفيع حق إسقاط الشفعة وقبول الضيف الجديد. وما توهمه من ضرر وحجر على البائع في تمليكه عقاره كما يشتهي ويريد فقد بينا في صدر البحث أنه لا محل لهذا الكلام، وإن ما ذكره مقدمات شعرية نظرية، وأن الشفعة = ١٠٠ كتاب الشفعة يندفع إلا بأخذ كل الدَّار بالشفعة، فدل أن سبب الاستحقاق في الشركة هو أصل الشركة وقد استويا فيه، فبعد ذلك لا يخلو: إما أن يأخذ أحدهما الكُلّ دون صاحبه، وإما أن يأخذ كل واحد منهما الكُلَّ لا سبيل إلى الأول؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من صاحبه ولا سبيل إلى الثاني؛ لاستحالة تملُّك دار واحدة في زمان واحد من اثنين على الكمال، فتنصف بينهما عملاً بكمال السبب بقدر الإمكان، ومثل هذا جائز، فإِنَّ من هلك عن ابنين كان ميراثه بينهما نصفين؛ لأَن بنوة كل واحد منهما سبب لاستحقاق كل الميراث، إلا أنه لا يمكن إثبات الملك ١٦٨/٣ ب في مال واحد / لكل واحد منهما على الكمال؛ لتضايق المحلّ، فينصف بينهما فكذا هذا. وكذلك إذا كان لدار واحدة شفيعان جاران جوارهما على التفاوت، بأن كان جوار أحدهما بخمسة أسداس الدار، وجوار الآخر لسدسها - كانت الشفعة بينهما نصفين؛ الاستوائهما في سبب الاستحقاق وهو أصل الجوار. وعلى هذا يخرج ما إذا كان للدار شفيعان، فأسقط أحدهما الشفعة - أن للآخر أن يأخذ كل الدّار بالشُّفعة؛ لوجود سبب الاستحقاق للكل في حق كل واحد منهما، وإنما القسمة للتزاحم والتعارض على ما بينا؛ فإذا أسقط أحدهما زال التزاحم والتعارض، فظهر حق الآخر في الكلّ فيأخذ الكل. وكذلك لو كان الشفعاء جماعة، فأسقط بعضهم حقه - فللباقين أن يأخذوا الكل بالشّفعة لما قلنا . ولو كان للدَّار شفيعان وأحدهما غائب، فللحاضر أن يأخذ كل الدار بالشفعة؛ لأن سبب ثبوت الحق على الكمال وجد في حقه، وقد تأكد حقه بالطلب، ولم يعرف تأكد حق الغائب مليئة بالمحاسن، ولو لم يكن لها إلا أنها تدفع حالاً جديداً وطوراً حادثاً قد لا يسد ولا يرضى لَكفى. = وأما قوله: وكأن الفقهاء قد لاحظوا ذلك فصاروا لا يضعون باب الشفعة إلا عقب باب الغضب، ويذكرون صراحة وجه المناسبة بينهما أن في كل منهما تملك مال الغير بغير رضاه، ثم عمدوا إلى تخفيف وطأتها بالتوسع في مسقطاتها .... إلخ. فهذا أمر لا يعنينا إنما نبحث نحن عن حكمه، وسره وما فيه من محاسن تبيح قبوله، وتبين لنا ما فيه من منافع في باب العقود الناقلة للملكية. ولسنا نقول هذا متعصبين، ولكن نقول جهاراً إن محاسنها باهرة جليلة يتقبلها كل عاقل بالقبول الحسن، ولو كان في دليله مقدمة أو نتيجة مقنعة لقبلناها على العين والرأس، ولسلمنا له كل ما بني عليها. ولكن ها نحن أولاء قد وضعنا كل ما قاله في متناول الناظر، وهو حر في التقدير والترجيح. وأما الفقهاء فإنما قالوا بما قالوا من مسقطاتها؛ فلأنه حق مجرد بني على حسن الجوار ولم يترتب على عين كبقية حقوق الارتقاء ونظائرها. وقد ذكروا في مسقطات الحقوق ما يؤيد ما ذكرنا وفي الرجوع لها الكفاية. ينظر: الشفعة لشيخنا ((أبي سعده)).