النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
كِتَاب الإِجَارَةِ
وكذلك مَنِ استأجر أرضاً ليزرع فيها نوعاً سماه، فزرع غيره وهما متساويان في الضرر
بالأرض، وكذلك إن استأجرها ليحمل عليها قفيزاً من حنطة فحمل عليها قفيزاً(١) من شعير،
وكذا إذا استأجر أرضاً ليزرع فيها نوعاً [فزرع نوعاً](٢) آخر ضرره أقل من ضرر المسمى، وهذا
كله استحسان، وهو قول أصحابنا الثلاثة، والقياس أن يضمن وهو قول زفر؛ لأن الخلاف قد
تحقق فتحقق الغصب .
ولنا: أن الخلاف إلى مثله أو إلى ما هو دونه في الضرر لا يكون خلافاً معنى؛ لأن
الثاني إذا كان مثله في الضرر كان الرضا بالأول رضا بالثاني، وإذا كان دونه في الضرر، فإذا
رضي بالأول كان بالثاني أرضى، فصار كما لو استأجرها ليحمل عليها حنطة نفسه فحمل عليها
حنطة غيره وهما متساويان في الكيل، أو ليحمل عليها عشرة فحمل عليها تسعة؛ أنه لا يصير
مخالفاً [لما قلنا](٣)؛ كذا هذا.
ولو استأجرها ليحمل عليها عشرة أقفزة حنطة، فحمل عليها أحد عشر، فإن سلمت،
فعليه ما سمى من الأجرة ولا ضمان عليه، وإن عطبت ضمن جزءاً من أحد عشر جزءاً من قيمة
الدابة، وهو قول عامة العلماء.
وقال زفر وابن أبي ليلى: يضمن قيمة كل الدابة؛ لأن التلف حصل بالزيادة، فكانت
الزيادة علة التلف .
ولنا أن تلف الدالة حصل بالثقل والنقل بعضه مأذون فيه، وبعضه غير مأذون فيه فيقسم
التلف أحد عشر جزءاً، فيضمن بقدر ذلك.
وَنَظِير هذا / ما قال أصحابنا في حائط بين شريكين أثلاثاً، مال إلى الطريق، فأشهد على ٢/ ٢٤٠ أ
أحدهما دون الآخر، فسقط الحائط على رجل فقتله، فعلى الذي أشهد عليه قدر نصيبه، لأَنّه
مات من ثقل الحائط، وثقل الحائط أثلاث؛ كذا هذا، وعليه الأجر لأنه استوفى المعقود عليه
وهو حمل عشرة مخاتيم، وإنما خالف في الزيادة وأنها استوفيت من غير عقدٍ فلا أجر لها.
وكذا لو استأجر سفينة ليطرح فيها عشرة أكرار(٤)، فطرح فيها أحد عشر فغرقت السفينة؛
(١) في أ: قدراً.
(٢) سقط في ط.
(٣) سقط في ط.
(٤) الأكرار: مفردها: كُرٍّ؛ وهو مكيال لأهل العراق، أو ستون قفيزاً، أو أربعون إردبًّا. المعجم الوسيط
(كرر).

٦٢
كِتَابِ الإِجَارَةِ
أنه يجب الضمان بقدر الزيادة عند عامة العلماء، وعند زفر وابن أبي ليلى: يضمن قيمة كل
السفينة؛ لأن التلف حصل بقدر الزيادة فهي علة التلف.
ألا ترى أنه لو لم يزد لما حصل التلف، والجواب أن هذا ممنوع، بل التلف حصل
بالكل؛ ألا ترى أن الكر الزائد لو انفرد لما حصل به التلف، فثبت أن التلف حصل بالكل،
والبعض مأذون فيه، والبعض غير مأذون فيه، فما هلك بما هو مأذون فيه لا ضمان عليه فيه،
وما هلك بما هو غير مأذون فيه ففيه الضمان وصار كمسألة الحائط.
ولو استأجر دَابَّةً ليحمل عليها مائة رطلٍ من قطن، فحمل عليها مثل وزنه حديداً أو أقل
من وزنه، فعطبت الدابة، يضمن(١) قيمتها؛ لأن ضرر الدابة ههنا ليس للثقل، بل للانبساط
والاجتماع؛ لأن القطن ينبسط على ظهر الدابة والحديد يجتمع في موضع واحد فيكون أنكى
لظهر الدابة وأعقر لها، فلم يكن مأذوناً فيه، فصار غاصباً فيضمن ولا أجرة عليه لما قلنا.
وكذلك إذا استأجر ليحملها حنطة، فحمل عليها حطباً أو خشباً أو آجراً أو حديداً أو
حجارةً؛ أو نحو ذلك مما يكون أنكى لظهر الدابة أو أعقر له حتى عطبت، يضمن كل القيمة
ولا أجر عليه لما قلنا.
ولو استأجرها ليركبها فحمل عليها، أو استأجرها ليحمل عليها فركبها حتى عطبت،
ضمن، لأن الجنس قد اختلف، وقد يكون الضرر في أحدهما أكثر، ولو استأجرها ليركبها
فأركبها من هو مثله في الثقل أو أخف منه، ضمن؛ لأن الخلاف ههنا ليس من جهة الخفة
والثقل، بل من حيث الحذق والعلم، فإن خفيف البدن إذا لم يحسن الركوب يضر بالدابة،
والثقيل الذي يحسن الركوب لا يضر بها، فإذا عطبت علم أن التلف حصل من حذقه
بالركوب، فضمن ولا أجر عليه لما قلنا.
ولو استأجر دابة ليركبها بنفسه، فأركب معه غيره فعطبت، فهو ضامن لنصف قيمتها،
ولا يعتبر الثقل ههنا؛ لأن تلف الدابة ليس من ثقل (٢) الراكب، بل من قلة معرفته بالركوب،
فصار تلفها بركوبها بمنزلة تلفها بجراحتها، وركوب أحدهما مأذون فيه وركوب الآخر غير
مأذون فيه، فيضمن نصف قيمتها، وصار كحائط بين شريكين أثلاثاً أشهد على أحدهما فوقعت
منه آجرة. فقتلت رجلاً، فعلى الذي أشهد عليه نصف ديته، وإن كان نصيبه من الحائط أقل
من النصف؛ لأن التلف ما حصل بالثقل، بل بالجرح والجراحة اليسيرة كالكثيرة في حكم
(١) في ط: لا يضمن.
(٢) في أ: فعل.

٦٣
كِتَابِ الإِجَارَةِ
الضمان؛ كمن جرح إنساناً جراحة وجرحه آخر جراحتين، فمات من ذلك، كان الضمان عليها
نصفين؛ كذا ههنا؛ وعليه الأجرة لأنه استوفى المعقود عليه وزيادة على ذلك وهو إركاب الغير
غير أن الزيادة استوفيت من غير عقدٍ، فلا يجب بها الأجر.
هذا إذا كانت الدابة تطيق اثنين؛ فإن كانت لا تطيقهما فعليه جميع قيمتها؛ لأنه أتلفها
بإِركاب غيره.
ولو استأجر حماراً بإِكاف(١) فنزعه منه وأسرجه فعطب، فلا ضمان عليه؛ لأن ضرر
السرج أقل من ضرر الإِكاف؛ لأنه يأخذ من ظهر الدابة أقل مما يأخذ الإكاف؛ ولو استأجر
حماراً بسرج فنزع منه السرج وأوكفه فعطب، ذكر في الأصل أنه يضمن قدر ما زاد الإِكاف
على السرج، ولم يذكر الاختلاف؛ وذكر في ((الجامع الصغير)) أنه يضمن كل القيمة في قول
أبي حنيفة؛ وفي قولهما يضمن بحساب الزيادة.
وجه قولهما أن الإكاف والسرج كل واحد منهما يركب به عادة، وإنما يختلفان بالثقل
والخفة؛ لأَن الإِكاف أثقل فيضمن بقدر الثقل؛ كما لو استأجره بسرج فنزعه وأسرجه بسرج
آخر أثقل من الأول فعطب؛ أنه يضمن بقدر الزيادة؛ كذا هذا.
ولأبي حنيفة أن الإِكاف لا يخالف السرج في الثقل؛ وإنما يخالفه من وجه آخر وهو أن
يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما يأخذ السرج؛ ولأن الدابة التي لم تألف الإِكاف يضربها الإِكاف؛
والخلاف إذا لم يكن / للثقل يجب به جميع الضمان؛ كما إذا حمل مكان القطن الحديد ٢/ ٢٤٠ ب
ونحو ذلك؛ بخلاف ما إذا بدل السرج بسرج [آخر](٢) أثقل منه، والإِكاف بإكاف أثقل منه؛
لأن التفاوت هناك من ناحية الثقل، فيضمن بقدر الزيادة، كما في الزيادة على المقدرات من
جنسها على ما مَرَّ .
ولو استأجر حماراً عارياً فأسرجه ثم ركبه(٣) فعطب، كان ضامناً؛ لأن السرج أثقل على
الدابة، وقيل هذا إذا استأجره ليركبه في المصر وهو من غرض الناس ممن يركب في المصر
بغير سرج، فأما إذا استأجره ليركبه خارج المصر أو هو من ذوي الهيئات، لا يضمن؛ لأن
الحمار لا يركب من بلدٍ إلى بلدٍ بغير سرج ولا إِكافٍ؛ وكذا ذو الهيئة، فكان الإِسراج مأذوناً
فيه دلالةً، فلا يضمن.
وإن استأجر حماراً بسرج فأسرجه بغيره؛ فإن كان سرجاً يسرج بمثله الحمر فلا ضمان
(١) الإكاف: برذعة الحمار وغيره. المعجم الوسيط (أكف).
(٢) سقط في ط.
(٣) في ط: ركب.

٦٤
كِتَابِ الإِجَارَةِ
عليه، وإن كان لا يسرج بمثله الحمر فهو ضامنٌ، لأن الثاني إذا كان مما يسرج بمثله (١) الحمر
لا يتفاوتان في الضرر، فكان الإذن بأحدهما إذناً بالآخر دلالةً، وإذا كان مما لا يسرج بمثله
الحمر بأن كان سرجاً كبيراً كسروج البراذين، كان ضرره أكثر، فكان [ذلك](٢) إتلافاً للدابة
فيضمن .
وكذلك إن لم يكن عليه لجام فألجمه، فلا ضمان عليه إذا كان مثله يلجم بمثل ذلك
اللجام، وكذلك إن أبدله؛ لأن الحمار لا يتلف بأصل اللجام، فإذا كان الحمار قد يلجم بمثله
أو أبدله بمثله لم يوجد منه الإِتلاف ولا الخلاف، فلا يضمن.
وأما الخلاف في المكان فنحو أن يستأجر دابةً للركوب أو للحمل إلى مكان معلوم،
فجاوز ذلك المكان، وحكمه أنه كما جاوز المكان المعلوم دخل المستأجر في ضمانه، حتى لو
عطب قبل العود إلى المكان المأذون فيه يضمن كل القيمة، ولو عاد إلى المكان المأذون فيه
هل يبرأ عن الضمان؟ كان أبو حنيفة أولاً يقول: يبرأ كالمودع إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق،
وهو قول زفر وعيسى بن أبان من أصحابنا، ثم رجع وقال: لا يبرأ حتى يسلمها إلى صاحبها
سليمة؛ وكذلك العارية؛ بخلاف الوديعةِ .
وجه قول الأول أن الشيء أمانةً في يده؛ ألا ترى أنه لو هلك في يده قبل الخلاف لا
ضمان عليه، فكانت يده يد المالك فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك فأشبه الوديعة،
ولهذا لو هلك في يده ثم استحق بعد الهلاك وضمنه المستحق، يرجع على المؤاجر كالمودع
سواء بخلاف المستعير، فإنه لا يرجع.
وجه قوله الآخر أن يد المستأجر يد نفسه؛ لأنه قبض الشيء لمنفعة نفسه، فكانت يده يد
نفسه لا يد المؤجر؛ وكذا يد المستعير لما قلنا، وإذا كانت يده يد نفسه فإذا ضمن بالتعدي لا
يبرأ من ضمانه إلا برده إلى صاحبه، لأنه لا تكون الإعادة إلى المكان المأذون فيه ردًّا إلى يد
نائب المالك، فلا يبرأ من الضمان، بخلافِ الوديعةِ؛ لأن يد المودع يد المالك لا يد نفسه.
ألا ترى أنه لا ينتفع بالوديعة، فكان العود إلى الوفاق ردًّا إلى يد نائب المالك، فكان رَدًّا
إلى المالك معنى فهو الفرق.
وأما الرجوع على المؤاجر بالضمان، فليس ذلك لكون يده يد المؤاجر، بل لأنه صار
مغروراً من جهته كالمشتري إذا استحق المبيع من يده أنه يرجع على البائع بسبب الغرور؛ كذا
هذا.
(١) في ط: به.
(٢) سقط في ط.

٦٥
كِتَاب الإِجَارَةِ
ولو استأجرها ليركبها إلى مكان عينه، فركبها إلى مكان آخر، يضمن إذا هلكت، وإن
كان الثاني أقرب من الأول؛ لأنه صار مخالفاً لاختلاف الطرق إلى الأماكن، فكان بمنزلة
اختلاف الجنس، ولا أجرة عليه؛ لما قلنا.
ولو ركبها إلى ذلك المكان الذي عينه لكن من طريق آخر، ينظر: إن كان الناس يسلكون
ذلك الطريق لا يضمن؛ لأنه لم يصر مخالفاً، وإن كانوا لا يسلكونه يضمن إذا هلكت
لصيرورته مخالفاً غاصباً بسلوكه، وإن لم تهلك وبلغ الموضع المعلوم ثم رجع وسلم الدابة إلى
صاحبها، فعليه الأجر.
ولو استأجرها ليركبها أو ليحمل عليها إلى مكان معلوم فذهب بها ولم يركبها ولم يحمل
عليها شيئاً، فعليه الأجر؛ لأنه سلم المنافع إليه بتسليم محلها إلى المكان المعلوم، فصار كما
لو استأجر داراً ليسكنها، فسلم المفتاح إليه، فلم يسكن حتى مضت المدة - أنه يجب الأجرة
لما قلنا؛ كذا هذا.
ولو أمسك الدابة في الموضع الذي استأجرها ولم يذهب بها إلى الموضع الذي
استأجرها إليه، فإن أمسكها على قدر ما يمسك الناس إلى أن يرتحل فهلكت(١) فلا ضمان
عليه؛ لأن حبس الدابة ذلك القدر مستثنى عادةً، فكان مأذوناً فيه / دلالة، وإن حبس مقدار ما ٢٤١/٢ أ
لا يحبس الناس مثله يومين أو ثلاثة فعطب، يضمن، لأنه خالف في المكان بالإمساك الخارج
عن العادة، فصار غاصباً فيضمن إذا هلك ولا أجرة عليه لما قلنا.
وإن لم تهلك فأمسكها في بيته، فلا أجر عليه لما مرَّ أن الأجر بمقابلة تسليم الدابة في
جميع الطريق، ولم يوجد، بخلاف ما إذا استأجرها عشرة أيام ليركبها، فحبسها ولم يركبها
حتى ردَّها يوم العاشر؛ أن عليه الأجرة، ويسع لصاحبها أن يأخذ الكراء، وإن كان يعلم أنه لم
يركبها لأن استحقاق الأجرة في الإِجارات على الوقت بالتسليم في الوقت، وقد وجد، فتجب
الأجرة؛ كما في إِجارة الدار ونحوها بخلاف الإِجارة على المسافة، فإن الاستحقاق هناك
بالتسليم في جميع الطريق، ولم يوجد، فلا يجب.
وأما الخلاف في الزمان؛ فنحو أن يستأجر دابةً ليركبها أو يحمل عليها مدة معلومة،
فانتفع بها زيادة على المدة فعطبت في يده ضمن؛ لأنه صار غاصباً بالانتفاع بها فيما وراء المدة
المذكورة .
وأما استئجار الصناع من الحائك والخياط والصباغ ونحوهم، فالخلاف إِن كان في
(١) في ط: فهلك.
بدائع الصنائع ج٦ - م٥

٦٦
كِتَابِ الإِجَارَةِ
الجنس بأن دفع ثوباً إلى صباغ ليصبغه لوناً فصبغه لوناً آخر، فصاحب الثوب بالخيار: إن شاء
ضمنه قيمة ثوب أبيض وسلم الثوب للأجير، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه ما زاد الصبغ فيه إن
کان الصبغ مما يزيد.
أما خيار التضمين فلفوات غرضه؛ لأن الأغراض تختلف باختلاف الألوان، فله أن
يضمنه، قيمة ثوب أبيض لتفويته عليه منفعة مقصودة، فصار متلفاً الثوب عليه، فكان له أن
يضمنه، وإن شاء أخذ الثوب؛ لأن الضمان وجب حَقًّا له، فله أن يسقط حقه ولا أجر له؛ لأنه
لم يأت بما وقع عليه العقد رأساً؛ حيث لم يوف العمل المأذون فيه أصلاً، فلا يستحق الأجر؛
كالغاصب إذا صبغ الثوب المغصوب ويعطيه ما زاد الصبغ فيه إن كان الصبغ بما يزيد، كالحمرة
والصفرة ونحوهما؛ لأنه عينُ مالٍ قائم بالثوب، فلا سبيل إلى أخذه مجاناً بلا عوضٍ، فيأخذه
ويعطيه ما زاد الصبغ فيه؛ رعايةً للحقينَ، ونظراً للجانبين(١) كالغاصب.
وإن كان الصبغ مما لا يزيد(٢) كالسواد على أصل أبي حنيفة، فاختار أخذ الثوب، لا
يعطيه شيئاً، بل يضمنه نقصان الثوب في قول أبي حنيفة، بناءً على أن السواد لا قيمة له عنده،
فلا يزيد بل ينقص، وعندهما له قيمة فكان حكمه حكم سائر الألوان.
ولو استأجر أرضاً ليزرعها حنطةً فزرعها رطبة ضمن ما نقصها؛ لأن الرطبة مع الزرع
جنسان مختلفان؛ إذ الرطبة ليست لها نهاية معلومة بخلاف الزرع، وكذا الرطبة تضر بالأرض
ما لا يضرها الزرع، فصار بالاشتغال بزراعة الرطبة غاصباً إياها، بل متلفاً ولا أجر له؛ لأن
الأجر مع الضمان لا يجتمعان.
وقال هشام عن محمد في رجل أَمَرَ إِنساناً أن ينقش في فضة اسمه، فنقش اسم غيره؛ أنه
يضمن الخاتم؛ لأنه فوت الغرض المطلوب من الخاتم وهو الختم به، فصار كالتلف إياه،
قال: وإذا أمر رجلاً أن يحمر له بيتاً فخضره، قال محمد: أعطيه ما زادت الخضرة فيه ولا
أجرة له؛ لأنه لم يعمل ما استأجره عليه رأساً فلا يستحق الأجرة، ولكن يستحق قيمة الصبغ
الذي زاد في البيت لما مَرَّ .
ولو دفع إلى خياط ثوباً ليخيطه قميصاً بدرهم، فخاطه قباء، فإن شاء ضمنه قيمة الثوب،
وإن شاء أخذ القباء وأعطاه أجر مثله، لا يجوز به ما سمى؛ لأن القباء والقميص مختلفان في
الانتفاع، فصار مفوتاً منفعة مقصودة، فصار متلفاً الثوب عليه، فله أن يضمنه وله أن يأخذه
ويعطيه أجر مثله؛ لما قلنا.
(١) في ط: من الجانبين.
(٢) في أ: يؤثر.

٦٧
كِتَابِ الإِجَارَةِ
وإذا كان الخلاف في الصفة نحو أن دفع إلى صباغ ثوباً ليصبغه بصبغ مسمى فصبغه
بصبغ آخر، لكنه من جنس ذلك اللون، فلصاحب(١) الثوب أن يضمنه قيمته أبيض ويسلم إليه
الثوب، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه أجر مثله، لا يجاوز به ما سمى.
أما ثبوت الخيار فلما ذكرنا من الخلاف في الجنس، وإنما وجب الأجر ههنا لأن
الخلاف في الصفة لا يخرج العمل مِنْ أن يكون معقوداً عليه، فقد أتى بأصل المعقود عليه إلا
أنه لم يأت بوصفه، فمن حيث إنه لم يأت بوصفه المأذون فيه لم يجب المسمى، ومن حيث
إنه أتى بالأصل وجب أجر المثل، ولا يجاوز به المسمى؛ لأن هذا شأن أجر المثل لما نذكر،
إن شاء الله تعالى.
وروى هشام عن محمد فيمن دفع إلى رجلٍ شبهاً ليضرب له طشتاً موصوفاً معروفاً،
فضرب له كوزاً، قال: إِن شاء ضمنه مثل شبهه / ويصير الكوز للعامل، وإن شاء أَخْذَهُ وأعطاه ٢٤١/٢ بـ
أجر مثله عمله، لا يجاوز به ما سمى؛ لأن العقد وقع على الضرب، والصناعة صفة، فقد فعل
المعقود عليه بأصله وخالف في وصفه، فيثبت للمستعمل الخيار.
وعلى هذا إذا دفع إلى حائك غزلاً ليحوك له ثوباً صفيقاً، فحاك له ثوباً رفيقاً، أو شرط
عليه أن يحوك له ثوباً رقيقاً فحاكه صفيقاً؛ أن صاحب الغزل(٢) بالخيار: إِن شاء ضمنه غزله،
وإِن شاء أخذ الثوب وأعطاه مثل أجر عمله، لا يجاوز ما سمى.
وذكر في الأصل إذا دفع خفه إلى خفافٍ لينعله فأنعله بنعل لا ينعل بمثله الخفاف،
فصاحب الخف بالخيار: إن شاء ضمنه خفه [بغير نعل](٣)، وإن شاء أخذه وأعطاه أجر مثله في
عمله وقيمة النعل، لا يجاوز به ما سمى، وإن كان ينعل بمثله الخفاف، فهو جائز وإن لم يكن
جيداً .
وأما ثبوت الخيار إذا أنعله بما لا ينعل بمثله الخفاف، فلأنه لم يأت بالمأمور به رأساً،
بل أتى بالمأمور به ابتداءً، فصار كالغاصب إذا أنعل الخف المغصوب، فكان للمالك أن يضمنه
كالغاصب، وله أن يأخذ الخف؛ لأن ولاية التضمين تثبت لحق المالك، فإذا رضي بالأخذ كان
له ذلك، وإذا أخذ أعطاه أجر مثله، لأنه مأذون في العمل، وقد أتى بأصل العمل، وإنما
خالف في الصفة، فله أن يختاره ويعطيه أجر المثل ولا يعطيه المسمى؛ لأن ذلك بمقابلة عمل
موصوف ولم يأت بالصفة، ويعطيه ما زاد النعل؛ لأنه عين مال قائم للخفاف، فصار بمنزلة
(١) في ط: فصاحب.
(٢) في أ: الثوب.
(٣) سقط في ط.

٦٨
كِتَابِ الإِجَارَةِ
الصبغ في الثوب، وإنما جعل الخيار في هذه المسائل إلى صاحب الخف والثوب؛ لأنه
صاحب متبوع والنعل والصبغ تبع فكان إثبات الخيار لصاحب الأصل أَوْلَى، وإن كان يفعل
بمثله الخفاف فهو جائزٌ، وإن لم يكن جيداً، لأن الإذن يتناول أدنى ما يقع عليه الاسم وقد
وجد .
ولو شرط عليه جيداً فأنعله بغير جيد، فإن شاء ضمنه قيمة الخف، وإن شاء أخذ الخف
وأعطاه أجر مثل عمله وقيمة ما زاد فيه، ولا يجاوز به ما سمى؛ لأن الرديءَ من جنس الجيد،
ويثبت الخيار لفوات الوصف المشروط .
وإن كان الخلاف في القدر نحو ما ذكر محمد في الأصل في رجل دفع غزلاً إلى حائكٍ
ينسجه له سبعاً في أربع، فخالف بالزيادة أو بالنقصان، فإن خالف بالزيادة على الأصل
المذكور، فإن الرجل بالخيار إن شاء ضمنه مثل غزله وسلم الثوب، وإن شاء أخذ الثوب
وأعطاه الأجر المسمى.
أما ثبوت الخيار فلأنه لم يحصل له غرضه؛ لأن الزيادة في قدر الذراع توجب نقصاناً في
الصفة، وهي الصفاقة، فيفوت غرضه فيثبت له الخيار، وإن شاء ضمنه مثل غزله لتعديه عليه
بتفويت منفعة مقصودة، وإن شاء أخذه وأعطاه الأجر الذي سماه؛ لأنه أتى بأصل العمل الذي
هو معقود عليه، وإنما خالف في الصفة، والخلاف في صفة العمل لا يخرج العمل من أن
يكون معقوداً عليه، كمن اشترى شيئاً فوجده معيباً، حتى كان له أن يأخذه مع العيب، وإن كان
الخلاف في النقصان ففيه روايتان :
ذكر في الأصل أن له أن يأخذه ويعطيه من الأجر بحسابه، وذكر في رواية أخرى أن عليه
أجر المثل.
وجه هذه الرواية أنه لما نقص في القدر فقد فوت الغرض المطلوب من الثوب، فصار
كأنه عمل بحكم إجارة فاسدة ليس فيها أجر مسمى.
وجه رواية الأصل أن العقد وقع على عمل مقدر، ولم يأت بالمقدر فصار كما لو عقد
على نقل كر من طعام إلى موضع كذا بدرهم، فنقل بعضه، أنه يستحق من الأجر بحسابه،
فكذا ههنا .
وإن أوفاه الوصف وهو الصفاقة والذراع وزاد فيه، فقد روى هشام عن محمدٍ أن صاحب
الثوب بالخيار: إن شاء ضمنه مثل غزله وصار الثوب للصانع، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه
المسمى، ولا يزيد للذراع الزائد شيئاً، أما ثبوت الخيار فلتغير الصفة إذ الإنسان قد يحتاج إلى
الثوب القصير ولا يحتاج إلى الطويل فيثبت له الخيار؛ ولأنه إذا زاد في طوله فقد استكثر من

٦٩
كِتَّابِ الإِجَارَةِ
الغزل، فإن أخذه فلا أجر له في الزيادة؛ لأنه متطوع(١) فيها حيث عملها بغير إذن [صاحب
الثوب] (٢)، فكان متبرعاً، فلا يستحق الأجر عليها .
وذكر في الأصل إذا أعطى صباغاً ثوباً ليصبغه بعصفر ربع الهاشمي بدرهم، فصبغه بقفيز
عصفر وأقر رَبُّ الثوب بذلك، فإن رب الثوب بالخيار: إن شاء ضمنه قيمة ثوبه، وإن شاء أخذ
الثوب وأعطاه ما زاد العصفر فيه مع الأجر، وذكر القدوري أن مشايخنا ذكروا تفصيلاً فقالوا إن
هذا على وجهين: إن كان صبغه أولاً بربع الهاشمي ثم صبغه بثلاثة أرباع القفيز / ، فصاحب ٢٤٢/٢ ١
الثوب بالخيار: إن شاء ضمنه قيمة ثوبه، وإن شاء أخذه وأعطاه الأجر المسمى، وما زاد لثلاثة
أرباع القفيز في الثوب؛ لأنه لما أفرده بالصبغ المأذون فيه أولاً، وهو ربع الهاشمي، فقد أوفاه
المعقود عليه وصار متعدياً بالصبغ الثاني، كأنه غصب ثوباً مصبوغاً بالربع ثم صبغه بثلاثة
أرباع، فيثبت له الخيار: إن شاء أخذ الثوب وأعطاه المسمى؛ لأنه سلم له الصبغ المعقود
عليه، فيلزمه المسمى، ويعطيه ما زاد الصبغ الثاني فيه؛ لأنه عين مال قائمة للصباغ في الثوب،
وإن شاء ضمنه قيمة الثوب مصبوغاً بربع القفيز ووجب له الأجر؛ لأن الصبغ في حكم
المقبوض من وجه لحصوله في ثوبه، لكن [لم](٣) يكمل القبض فيه لأنه لم يصل إلى يده،
فكان مقبوضاً من وجهٍ دون وجهٍ، فكان له فسخ القبض لتغير الصفة المقصودة، وله أن يضمنه
ويضمن الأجر.
وإن كان صبغه ابتداءً بقفيزٍ، فله ما زاد الصبغ ولا أجر له؛ لأنه لم يوف بالعمل المأذون
فيه، فلم يعمل المعقود عليه، فيصير كأنه غصب ثوباً وصبغه بعصفر.
وروى ابن سماعة عن محمدٍ خِلاَفَ ذلك؛ وهو أَنَّ له أن يأخذ الثوب ويغرم الأجر وما
زاد العصفر فيه، مجتمعاً كان أو متفرقاً؛ لأن الصبغ لا يتشرب في الثوب دفعة واحدة، بل شيئاً
فشيئاً فيستوي فيه الاجتماع والافتراق.
وأما الإِجارة الفائدة وهي التي فاتها شرط من شروط الصحةِ، فحكمها الأصلي هو ثبوت
الملك للمؤاجر في أجر المثل لا في المسمى بمقابلة استيفاء المنافع المملوكة ملكاً فاسداً؛ لأن
المؤاجر لم يرض باستيفاء المنافع إلا ببدل، ولا وجه إلى إيجاب المسمى لفساد التسمية،
فيجب أجر المثل؛ ولأن الموجب الأصل في عقود المعاوضات هو القيمة؛ لأن مبناها على
المعادلة والقيمة هي العدل، إلا أنها مجهولة لأنها تعرف بالحرز والظن، وتختلف باختلاف
(١) في ط: مقطوع.
(٢) في أ: صاحبها.
(٣) سقط في ط.

٧٠
كِتَابِ الإِجَارَةِ
المقومين، فيعدل منها إلى المسمى عند صحة التسمية؛ فإذا فسدت وجب المصير إلى الموجب
الأصلي وهو أجر المثل ههنا؛ لأنه قيمة المنافع المستوفاة إلا أنه لا يزاد على المسمى في عقد
فيه تسمية عند أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر يزاد ويجب بالغاً ما بلغ، بناءً على أن المنافع عند أصحابنا الثلاثة غير متقومة
شرعاً بأنفسها، وإِنما تقوم بالعقد بتقويم العاقدين، والعاقدان ما قوماها إلا بالقدر المسمى، فلو
وجبت الزيادة على المسمى، لوجبت بلا عقدٍ، وإنها لا تتقوم بلا عقدٍ، بخلاف البيع الفاسد،
فإن المبيع بيعاً فاسداً مضمون بقيمته بالغاً ما بلغ، لأن الضمان هناك بمقابلة العين، والأعيان
متقومة بأنفسها، فوجب كل قيمتها، وفي قول زفر؛ وبه أخذ الشافعي هي متقومة بأنفسها
بمنزلة الأعيان، فكانت مضمومة بجميع قيمتها كالأعيان.
هذا إذا كان في العقد تسمية فأما إذا لم يكن فيه تسمية؛ فإنه يجب أجر المثل بالغاً ما بلغ
بالإِجماع؛ لأنه إذا لم يَكُنْ فيه تسمية الأجر لا يرضى باستيفاء المنافع من غير بدلٍ، كان ذلك
تمليكاً بالقيمة التي هي الموجب الأصلي دلالةً، فكان تقويماً للمنافع بأجر المثل، إذ هو قيمة
المنافع في الحقيقة، ولا يثبت في هذه الإِجارة شيء من الأحكام التي هي من التوابع، إلا ما
يتعلق بصفة المستأجر له فيه، وهي كونه أمانة في يد المستأجر حتى لو هلك لا يضمن
المستأجر لحصول الهلاك في قبض مأذون فيه من قبل المؤاجر.
وأما الإجارة الباطلة وهي التي فاتها شرط من شرائط الانعقاد، فلا حكم لها رأساً؛ لأَنَّ
ما لا يَنْعَقِدُ فوجوده في حق الحكم وعدمه بمنزلة واحدة، وهو تفسير الباطل من التصرفات
الشرعية كالبيع ونحوه، والله أعلم.
فصل في حكم اختلاف العاقدين
وأما حكم اختلاف العاقدين في عقد الإِجارة؛ فإن اختلفا في مقدار البدل أو المبدل
والإِجارة وقعت صحيحة، ينظر: إن كان اختلافهما قبل استيفاء المنافع تحالفاً، لقول
النبيِّ وَّرَ: ((إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَابِعَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادًا))(١) والإِجارة نوعُ بيع فيتناولها الحديث.
(١) الحديث روي عن ابن مسعود وله طرق كثيرة:
الطريق الأول: من رواية عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن مسعود قال: قال
رسول الله وَلير: ((إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع والمبتاع بالخيار)).
أخرجه أحمد (٤٦٦/١)، والترمذي (٥٧٠/٣): كتاب البيوع: باب ما جاء إذا اختلف البيعان، الحديث
(١٢٧٠)، والبيهقي (٣٣٢/٥): كتاب البيوع: باب اختلاف المتبايعين، من طريق محمد بن عجلان، عن =

٧١
كِتَابِ الإِجَارَةِ
..
عون بن عبد الله به .
=
وأخرجه البيهقي (٣٣٢/٥): كتاب البيوع: باب اختلاف المتبايعين، من طريق يعقوب بن عبد الرحمن،
عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله بن عتبة، أن ابن مسعود، والأشعث بن قيس تبايعا بيع فاختلفا في
الثمن، فقال ابن مسعود: اجعل بيني وبينك من أحببت، فقال له الأشعث: فإنك بيني وبين نفسك، فقال
ابن مسعود: إذا أقضى بما سمعت من رسول الله - رَالتر ـ سمعته يقول وذكر مثله.
قال الترمذي: (هذا حديث مرسل، عون بن عبد الله لم يدرك ابن مسعود)، وهكذا قال البيهقي. وزاد:
(وقد رواه الشافعي عن ابن عيينة عن ابن عجلان في رواية الزعفراني والمزني عنه، ثم قال الزعفراني قال
أبو عبد الله - يعني الشافعي -: هذا حديث منقطع لا أعلم له أحد يصله عن ابن مسعود وقد جاء من غير
وجه).
قال العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص - ٢٤٩): عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عم أبيه
عبد الله بن مسعود هو مرسل قاله الترمذي والدارقطني وذلك واضح.
الطريق الثاني من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: ((باع عبد الله بن مسعود الأشعث بن
قيس سبيا من سبي الإمارة بعشرين ألفاً، فجاءه بعشرة آلاف فقال: إنما بعتك بعشرين ألفاً، قال إنما
أخذتها بعشرة آلاف، قال: فإني أرضى في ذلك برأيك، فقال ابن مسعود: إن شئت حدثتك عن
رسول الله - رَله - فعلت. قال: أجل. قال: قال رسول الله - وَلهـ: إذا تبايع المتبايعان بيعاً ليس بينهما
شهود فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع. قال الأشعث فإني قد رددت عليك».
أخرجه ابن الجارود ص (٢١١ - ٢١٢): أبواب القضاء في البيوع، الحديث (٦٢٤)، والدار قطني (٣/
٢٠): كتاب البيوع، الحديث (٦٥)، كلاهما من رواية عمر بن قيس الماصر، عن القاسم بن
عبد الرحمن عن أبيه، واختلف في سماع عبد الرحمن من أبيه، وكان سفيان الثوري وشربك، وشعبة
يقولون: إنه سمع من أبيه، وكذا قال أبو حاتم، وابن معين. وينظر جامع التحصيل (ص - ٢٢٣).
وأخرجه الطيالسي (ص: ٥٣)، الحديث (٣٩٩)، وأحمد (٤٦٦/١)، والبيهقي (٣٣٣/٥): كتاب
البيوع: باب اختلاف المتبايعين، من طريق المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: بايع عبد الله،
فذكر الحديث ولم يذكر أباه عبد الرحمن. وكذلك رواه عبد الرزاق (٢٧١/٨)، الحديث (١٥١٨٥)،
عن سفيان الثوري، عن معن بن عبد الرحمن عن أخيه القاسم به، والدارقطني (٢٠/٣): كتاب البيوع،
الحديث (٦٤)، من طريق أبي العميس عتبة بن عبد الله المسعودي قال: سمعت القاسم يذكر عن
عبد الله.
الطريق الثالث: من رواية عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس، عن أمية عن جده قال:
((اشترى الأشعث رقيق الخمس من عبد الله بعشرين ألفاً)) فذكر مثله.
أخرجه أبو داود (٧٨٠/٣): كتاب البيوع والإجارات: باب إذا اختلف البيعان والمبيع قائم (٧٤)،
الحديث (٣٥١١)، والنسائي (٣٠٢/٧ - ٣٠٣): كتاب البيوع: باب اختلاف المتبايعين في الثمن، وابن
الجارود في المنتقى (ص: ٢١٢)، أبواب القضاء في البيوع، الحديث (٦٢٥)، والحاكم (٤٥/٢): كتاب
البيوع: باب إذا اختلف البيعان، والدارقطني (٢٠/٣): كتاب البيوع، الحديث (٦٣)، والبيهقي (٥/
٣٣٢): كتاب البيوع: باب اختلاف المتبايعين.
=

٧٢
كِتَابِ الإِجَارَةِ
والرواية الأخرى وهي قوله: ((والسلعةُ قائمةٌ بعينها)) يتناول بعض أنواع الإِجارة، وهو ما
إذا باع عيناً بمنفعة واختلفا فيها، وإذا ثبت التحالف في نوع بالحديث ثبت في الأنواع كلها
بنتيجة الإِجماع؛ لأن أحداً لا يفصل بينهما، ولأن التحالف قبل استيفاء المنفعة موافق
الأصول، لأن اليمين في أصول الشرع على المنكر، وكل واحد منهما منكر من وجهٍ ومدع من
وجه؛ لأن المؤاجر يدعي على المستأجر زيادة الأجرة، والمستأجر منكر، والمستأجر يدّعي
٢٤٢/٢ ب على المؤاجر وجوب / تسليم المستأجر بما يدعي من الأجرة، والمؤاجر ينكر، فكان كل
واحد منهما منكراً من وجه، واليمين وظيفة المنكر في أصول الشرع؛ ولهذا جرى التحالف قبل
القبض، فبيع العين والتحالف ههنا قبل القبض؛ لأنهما اختلفا قبل استيفاء المنفعة، ثم إن كان
الاختلاف في قدر البدل، يبدأ بيمين المستأجر؛ لأنه منكر وجوب الأجرة الزائدة، وإن كان في
قدر المبدل يُبْدَأُ بيمين المؤاجر؛ لأنه منكر وجوب تسليم زيادة المنفعة .
وإِذَا تَحالفا تفسخ الإِجارة، وأيهما نكل لزمه دعوى صاحبه، لأن النكول بذل أو إقرار،
وقال الحاكم: (صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي، وقال البيهقي: (هذا إسناد حسن موصول)، وقال ابن
=
حزم، في عبد الرحمن (٣٦٨/٨): (إنه مجهول ابن مجهول. قال: ومحمد بن الأشعث لم يسمع من
ابن مسعود) وتبعه ابن القطان كما في نصب الراية (١٠٥/٤ - ١٠٦)، وزاد: (وكذلك جده محمد إلا أنه
أشهرهم، وهو أبو القاسم بن الأشعث، روى عنه مجاهد والشعبي والزهري وعمر بن قيس الماصر
وسليمان بن يسار، وروى هو عن عائشة، أما روايته عن ابن مسعود فمنقطعة. اهـ).
الطريق الرابع: من رواية القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت
رسول الله - ير - يقول: ((البيعان إذا اختلفا والمبيع قائم بعينه وليس بينهما بينة فالقول ما قال البائع أو
يترادان البيع)) .
أخرجه الدارمي (٢/ ٢٥٠): كتاب البيوع: باب إذا اختلف المتبايعان، وأبو داود (٧٨٣/٣): كتاب البيوع
والإجارات: باب إذا اختلف البيعان والمبيع قائم، الحديث (٣٥١٢)، وابن ماجه (٧٣٧/٢): كتاب
التجارات: باب البيعان يختلفان، الحديث (٢١٨٦)، والدارقطني (٢١/٣): كتاب البيوع، الحديث
(٧٢)، والبيهقي (٣٣٣/٥): كتاب البيوع: باب اختلاف المتبايعين، كلهم من رواية هشيم، عن ابن أبي
ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه به، إلا أن أبا داود لم يسق متنه بل أحاله على الذي قبله،
وقال: (فذكره بمعناه، والكلام يزيد وينقص).
أخرجه الدار قطني (٢١/٣): كتاب البيوع، الحديث (٦٧)، من طريق إسماعيل بن عياش، ثنا موسى بن
عقبة عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه عن جده مرفوعاً:
((إذا اختلف المتبايعان في البيع والسلعة كما هي لم تستهلك فالقول قول البائع، أو يترادان البيع)) ورواه
الحسن بن عمارة عن القاسم عن أبيه أيضاً، لكنه أتى فيه بسياق مخالف فقال: ((إذا اختلف البيعان فالقول
ما قال البائع، فإذا استهلك فالقول قول المشتري)».
أخرجه الدارقطني (٢١/٣): كتاب البيوع، الحديث (٦٦)، والحسن بن عمارة متروك ساقط، ورواه
أحمد، عن ابن مهدي، ثنا سفيان عن معن عن القاسم، عن عبد الله بدون ذكر عبد الرحمن بينهما.

٧٣
كِتَابِ الإِجَارَةِ
والبدل والمبدل كل واحد منهما يحتمل البذل والإقرار، وأيهما أقام البينة يقضي ببينته؛ لأن
الدعوى لا تقابل الحجة.
وإن أقاما جميعاً البينة، فإن كان الاختلاف في البدل فبينه المؤاجر أوْلَى، لأنها تثبت
زيادة الأجرة، وإن كان الاختلاف في المبدل فبينة المستأجر أولى؛ لأنها تثبت زيادة المنفعة،
فإن ادعى المؤاجر فضلاً فيما يستحقه من الأجر، وادعى المستأجر فضلاً فيما يستحق من
المنفعة؛ بأن قال المؤاجر: أجرتك هذه الدابة إلى القصر بعشرة، وقال المستأجر: إلى الكوفة
بخمسة، أو قال المؤاجر: أجرتك شهراً بعشرة، وقال المستأجر: شرين بخمسة؛ فالأمر في
التحالف والنكول وإقامة أحدهما البينة على ما ذكرنا.
ولو أقاما جميعاً البينة قُبلت بينة كل واحد منهما على الفعل الذي يستحقه بعقد الإِجارة،
فيكون إلى الكوفة بعشرة وشهرين بعشرة؛ لأن بينة كل واحد منهما تثبت زيادة؛ لأن بينة
المؤاجر تثبت زيادة الأجر وبينة المستأجر تثبت زيادة المنفعة، فتقبل كل واحد منهما على
الزيادة التي تثبتها، وإن كان اختلافهما بعدما استوفى المستأجر بعض المنفعة؛ بأن سكن الدار
المستأجرة بعض المدة أو ركب الدابة المستأجرة بعض المسافة .
ثم اختلفا(١) فالقولُ قولُ المستأجر فيما مضى مع يمينه، ويتحالفان، وتفسخ الإِجارة فيما
بقي؛ لأن العقد على المنافع ساعة فساعة، على حسب حدوثها شيئاً فشيئاً، فكان كل جزء من
أجزاء المنفعة معقوداً عليه مبتدأ، فكان ما بقي من المدة والمسافة منفرداً بالعقد، فيتحالفان
فيه، بخلاف ما إذا هَلَكَ بعض المبيع على قول أبي حنيفة أنه لا يثبت التحالف عنده؛ لأن البيع
ورد على جملة واحدة وهي العين القائمة للحال، وكل جزء من المبيع ليس بمعقود عليه
مبتدأ، إنما الجملة معقود عليها بعقد واحد، فإذا تَعَذَّرَ الفسخ في قدر الهالك يسقط في الباقي.
وإن كان اختلافَهُمَا بعض مضي وقت الإِجارة أو بعد بلوغ المسافة التي استأجر إليها لا
يتحالفان فيه، والقولُ قولُ المستأجر في مقدار البدل مع يمينه، ولا يمين على المؤاجر؛ لأن
التحالف يثبت الفسخ والمنافع المنعدمة لا تحتمل فسخ العقد فلا يثبت التحالف.
وهذا على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف ظاهرٌ؛ لأن قيام المبيع في باب البيع شرط
جريان التحالف [حتى لا يثبت التحالف](٢) في المبيع الهالك، والمنافع ههنا هالكة، فلا يثبت
فيها التحالف، وأما محمد فيحتاج إلى الفرق بين المبيع الهالك وبين المنافع الهالكة.
(١) في ط: اختلفوا.
(٢) سقط في ط.

٧٤
كِتَابِ الإِجَارَةِ
ووجه الفرق له أنَّ المنافع غير متقومة بأنفسها على أصلنا (١)، وإنما تتقوم بالعقد، فإذا
فسخت الإِجارة بالتحالف تبقى المنافع مستوفاة من غير عقدٍ، فلا تتقوم، فلا يثبت التحالف،
بخلاف الأعيان فإنها متقومة بأنفسها، فإذا فسخ البيع بالتحالف يبقى المبيع (٢) متقوماً بنفسه في
يد المشتري، فيجب عليه قيمته، وإنما كان القولُ قولَ المستأجر؛ لأنه المستحق عليه،
والخلاف متى وقع في الاستحقاق، كان القول قول المستحق(٣)، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
وإن كان الاختلاف في جنس الأجر؛ بأن قال المستأجر استأجرت هذه الدابة إلى موضع
كذا بعشرة دراهم، وقال الآخر: بدينار، فالحكم في التحالف والنكول وإقامة أحدهما البينة ما
وصفنا، فإن أقاما [جميعاً](٤) البينة، فالبينة بينة المؤاجر، لأنها تثبت الأجرة حقًّا له، وبينة
المستأجر لا تثبت الأجرة حقًّا له، فكانت بينة المؤاجر أوْلَى بالقبول.
ولو اختلفا فقال المؤاجر أجرتك هذه الدابة إلى القصر بدينار، وقال المستأجر إلى الكوفة
بعشرة دراهم، وأقاما البينة، فهي إلى الكوفة بدينار وخمسة دراهم؛ لأن الاختلاف إلى القصر
وقع في البدل؛ فكانت بينة المؤاجر أَوْلَى لما قلنا، وتثبت الإِجارة إلى القصر بدينار؛ ثم
المستأجر يدعي من القصر إلى الكوفة بخمسة؛ لأن القصر نصف الطريق والمؤاجر يجحد هذه
الإِجارة، فالبينة المثبتة للإِجارة أولى من النافية.
وقد روى ابن سماعة عن أبي / يوسف في رجل استأجر من رجلٍ داراً سنةً، فاختلفا
فأقام المستأجر البينة أنه استأجر إحدى عشر، شهراً منّها بدرهم، وشهراً بتسعة، وأقام البينةً
رَبُّ الدار أَنه أجرها بعشرة.
٢٤٣/٢ ١
قال: فإني آخذ ببينة رب الدار لأنه يدعي فضل أجرة في أحد عشر شهراً، وقد أقام على
ذلك بينة فتقبل بينته؛ فأما الشهر الثاني عشر فقد أقر المستأجر للمؤاجر فيه بفضل الأجرة فيما
ادعى، فإن صدقه على ذلك وإلاَّ سقط الفضل بتكذيبه.
ولو اختلف الخياط وَرَبُّ الثوب فقال رَبُّ الثوب أَمَرْتُكَ أن تقطعه قباء، وَقَالَ الخياط :
أمرتني أن أقطعه قميصاً، فالقولُ قولُ رَبِّ الثوب مع يمينه عندنا، والخياط ضامنٌ قيمة الثوب،
وإن شاء رب الثوب أخذ الثوب وأعطاه أجر مثله؛ وقال ابن أبي ليلى القول قول الخياط مع
يمينه، واختلف قول الشافعي فقال في موضعٍ مثل قولهما، وقال في موضعٍ: يتحالفان فإذا
حلفا سقط الضمان عن الخياط وسقط الأجر.
(١) في أ: على ما قلنا.
(٢) في ط: العقد.
(٣) في أ: المستأجر عليه.
(٤) سقط في ط.

٧٥
كِتَابِ الإِجَارَةِ
وجه قول ابن أبي ليلى: أن صاحب الثوب أقر بالإِذن بالقطع، غير أنه يدعي زيادة صفة
توجب الضمان وتسقط الأجر، والخياط ينكر، فكان القولُ قوله.
ولنا أن الإِذن مستفادٌ مِنْ قِبَلٍ صاحب الثوب، فكان القولُ في صفة الإِذن قوله، ولهذا لو
وقع الخلاف في أصل(١) الإذن بالقطع، فقال صاحبُ الثوب: لم آذن بالقطع، كان القولُ
قولَهُ، وكذا إذا قال لم آذن بقطعه قميصاً؛ وقد خرج الجواب عن قول ابن أبي ليلى؛ لأن
المأذون فيه قطع القباء لا مطلق القطع، ولا معنى لأحد قولي الشافعي؛ لأن التحالف وضع
للفسخ، ولا يمكن الفسخ ههنا، فلا يثبت التحالف؛ لأن صاحبه يدعي على الخياط الغصب،
والخياط يدعي الأجر، وذلك مما لا يثبت فيه التحالف، وإن كان له تضمين الخياط قيمة
الثوب، لأنَّ صاحب الثوب لما حلف على دعوى الخياط فقد صار الخياط بقطعه الثوب على
الصفة المأذون فيها متصرفاً في ملك غيره بغير إذنه، فصار متلفاً للثوب عليه فيضمن قيمته،
وإن شاء رَبُّ الثوب أخذ الثوب وأعطاه أجر مثله.
أما اختيار أخذ الثوب فلأنه أتَى بِأَضْل المعقود عليه مع تغير الصفة، فكان لصاحب
الثوب الرضا به وإعطاؤه أجر المثل لا المسمى؛ لأنه لم يأت بالمأمور به على الوصف الذي
أمر به.
وطريقة أخرى لبعض مشايخنا أن منفعة القباء والقميص متقاربة؛ لأنه يمكن أن ينتفع
بالقباء انتفاع القميص؛ بأن يسد وسطه وإزراره، وإنما يفوت بعض الأغراض، فقد وجد
المعقود عليه مع العيب، فيستحق الأجرة، حتى قالوا لو قطعه سراويل لم تجب له الأجرة؛
لاختلاف منفعة القباء والسراويل، فلم يأت المعقود عليه رأساً.
قال القدوري: والرواية بخلاف هذا فإن هشاماً روى أن محمداً قال في رجلٍ دفع إلى
رجلٍ شبهاً ليضرب له طشتاً موصوفاً، فضربه كوزاً؛ أن صاحبه بالخيار: إن شاء ضمنه مثل
شبهه والكوز للعامل؛ وإن شاء أخذه وأعطاه أجر مثله، لا يجاوز ما سمى، ففي السراويل
يجب أن يكون كذلك.
ووجهه ما مر أن العقد وقع على الضرب، والصناعة(٢) صفة له، فقد وافق في أصل
المعقود عليه وخالف في الصفة فيثبت للمستعمل الخيار.
وروى ابن سماعة وبشر عن أبي يوسف في رجل أمر رَجُلاً أن ينزع له ضرساً متآكلاً،
(١) في أ: صفة.
(٢) في أ: والصياغة.

٧٦
كِتَابِ الإِجَارَةِ
فنزع ضرساً متآكلاً، فقال الآمرُ: أمرتك بغير هذا بهذا الأجر، وقال المأمور: أمرتني بالذي
نزعت؛ فَإِنَّ أبا حنيفةٍ قال في ذلك: القولُ قولُ الآمرِ مع يمينه لما بينا أَنَّ الأَمر يستفاد من قبله
خاصَّةٌ، فكان القولُ في المأمور به قوله.
وذَكَّرَ في الأصل في رجلٍ دفع إلى صباغ ثوباً ليصبغه أحمر فصبغه أحمر على ما وصف
له بالعصفر، ثم اختلفا في الأجر، فقال الصباغ عملته بدرهم، وقال رَبُّ الثوب بدانقين، فإن
قامت لهما بينة أخذت بينة الصباغ، وإن لم يقم لهما بينة، فإني أنظر إلى ما زاد العصفر في
قيمة الثوب، فإن كان درهماً أو أكثر، أعطيته درهماً بعد أن يحلف الصباغ ما صبغته
بدانقين(١)، وإن كان ما زاد في الثوب من العصفر أقل من دانقين، أعطيته دانقين بعد أن يحلف
صاحب الثوب ما صبغته إلا بدانقين، أما إذا قامت لهما بينة فلأن بينة الصباغ تثبت زيادة
الأجرة، فكانت أولى بالقبول، وأما إذا لم تقم لهما بينة، فلأن ما زاد العصفر في قيمة الثوب
إذا كان درهماً أو أكثر كان الظاهر شاهداً للصباغ، إلا أنه لا يُزاد على درهم؛ لأنه رضي
بسقوط الزيادة؛ وإِذا كان ما زاد العصفر دانقين، كان الظاهر شاهداً لرب الثوب إِلا أنه لا
ينقص من / دانقين لأنه رضي بذلك.
٢/ ٢٤٣ ب
وإِن كان يزيد في الثوب نصف درهم، قال: أعطيت الصباغ ذلك بعد أَن يحلف ما
صبغته بدانقين؛ لما ذكرنا أن الدعوى إذا سقطت للتعارض بحكم الصبغ فوجب قيمة الصبغ؛
وهذا بخلاف القصار معٍ رَبِّ الثوب إذا اختلفا في مقدار الأجرة ولا بينة لهما؛ أن القول قولُ
رَبِّ الثوب مع يمينه؛ لأنه ليس في الثوب عين مال قائم للقصار، فلم يوجد ما يصلح حكماً
فيرجع إلى قول صاحب الثوب، لأن القصار يدعي عليه زيادة ضمان وهو ينكر، فكان القولُ
قولهُ مع یمینه.
وكذلك كُلُّ صبغ له قيمة، فإنْ كَانَ الصبغ أسود، فالقولُ قولُ رَبِّ الثوب مع يمينه على
أصل أبي حنيفة أن السواد نقصان عنده؛ وكذلك كل صبغ ينقص الثوب؛ لأنه تعذر القضاء
بالدعوى للتعارض، ولا سبيل إلى الرجوع إلى قيمة الصبغ؛ لأنه لا قيمة له فيرجع إلى قول
المستحق عليه .
ولو اختلف الصباغ ورب الثوب، فقال رب (٢) الثوب أمرتك بالعصفر، وقال الصباغ:
بالزعفران، فالقول قولُ رب الثوب في قولهم جميعاً؛ لأن الأمر (٣) يستفاد من قبله، ومن هذا
(١) الدَّانق: سدس الدرهم. المعجم الوسيط (دنق).
(٢) في أ: صاحب.
(٣) في أ: الإذن.

٧٧
كِتَابِ الإِجَارَةِ
النوع ما إذا أمر المستعمل الصانع بالزيادة من عنده، ثم اختلفا، فقال في الأصل في رجل دفع
غزلاً إلى حائك ينسجه ثوباً وأمره أن يزيد في الغزل رطلاً من عنده مثل غزله؛ على أن يعطيه
ثمن الغزل وأجرة الثوب دراهم مسماة، فاختلفا بعد الفراغ من الثوب، فقال الحائك: قد
زدت، وقال ربُّ الثوب: لم تزد، فالقول قول رب الغزل مع يمينه على عمله؛ لأن الصانع
يدعي على صاحب الثوب الضمان وهو ينكر، فكان القول قول المنكر مع يمينه على عمله؛
لأنه يمين على فعل الغير، فإن حلف برىء؛ وإن نكل عن اليمين لزمه مثل الغزل؛ لأن النكول
حجة يقضي بها في هذ الباب، فإن أقام الصانع بينة قبلت بينته.
ولو اتفقا أن غزل المستعمل كان منَّا، وقال الصانع قد زدتُ فيه رطلاً، فوزن الثوب
فوجد زائداً على ما دفع إليه زيادة لم يُعلم أن مثلها يكون من الدقيق، وادعى رب الثوب أن
الزيادة من الدقيق، فالقول قول الصانع؛ لأن رب الثوب يدعي خلاف الظاهر، وإن كان الثوب
مستهلكاً قبل أن يعلم وزنه ولم يقر المستعمل أن فيه ما قال الصانع، فالقولُ قولُ رب الثوب؛
لأن الصانع يدعي عليه الضمان، ولا ظاهر ههنا يشهد له، فلم يقبل قوله.
وَقَالَ هشام عن محمد في رجل دفع إلى صائغ عشرة دراهم فضة، وقال زد عليها
درهمين قرضاً عليّ فصغه قلباً وأجرك درهم، فصاغه وجاء به محشواً، فاختلفا، فقال الصائغ:
قد زدت عليه درهمين، وقال ربُّ القلب: لم تزد شيئاً، قال محمد: يتحالفان ثم الصائغ
بالخيار إن شاء دفع [إليه](١) القلب وأخذ منه أجرة خمسة دوانيق، وإن شاء دفع إليه عشرة
دراهم فضة وأخذ القلب.
أما التحالف؛ فلأن الصائغ يدَّعي على صاحب القلب القرض وهو ينكر، فيستحلف،
وصاحب القلب يدعي على الصائغ استحقاق القلب بغير شيءٍ وهو ينكر فيستحلف، وإذا بطل
دعوى الصائغ في القلب علم أن الوزن عشرة، وإنما بذل صاحب القلب للصائغ درهماً
لصياغته اثني عشر درهماً؛ فإذا لم تثبت الزيادة تلزمه للعشرة خمس دوانيق، وإنما كان للصائغ
أن يحبس القلب ويعطي صاحب القلب مثل فضته؛ لأن عنده أن الزيادة ثابتة، وأنه يتضرر
ببطلان حقه عليها من غير عوض القرض، فلا يجوز استحقاقها من غير رضاه، ولا ضرر على
صاحب القلب؛ لأنه وصل إليه مثل حقه.
وقال ابن سماعة عن محمدٍ في رجلٍ دفع إلى نداف(٣) ثوباً وقطناً يندف عليه، وأمره أن
(١) سقط في ط.
(٢) في ط: يتقرر.
(٣) النداف: الذي يندف القطن، أي: يضربه بالمندف ليرق. المعجم الوسيط (ندف).

٧٨
كِتَابِ الإِجَارَةِ
يزيد من عنده ما رأى، ثم إن صاحب الثوب أتاه وقد ندف على الثوب عشرين أستاراً(١) من
قطن، فاختلفا فقال صاحبُ الثوب: دفعت إليك خمسة عشر أستاراً من قطن وأمرتك أن تزيد
عليه عشرة وتنقص إن رأيت، فلم تزد إلا خمسة أساتير.
وقال النداف: دفعت إليَّ عشرة وأمرتني أن أزيد عشرة فزدتها، ـ فالقول قول النداف،
وعلى صاحب الثوب أن يدفع إليه عشرة أساتير من قطنٍ كما ادعى؛ لأن صاحب الثوب لا
يدعي على النداف مخالفة ما أمره به، وإنما يدعي أنه دفع إليه خمسة عشر أستاراً، فكان القول
قول النداف في مقداره، فتبقى العشرة زيادة فيضمنها صاحب الثوب، وإن كان صاحبُ الثوب
قال: دفعت إِليك خمسة عشر وأمرتك أن تزيد عليه خمسة عشر.
وقال النداف: دفعت إلى عشرة وأمرتني أَنْ أزيد عليه عشرة، فزدت عليه عشرة،
فصاحب الثوب في هذا بالخيار: إن شاء صدقه ودفع إليه عشرة أساتير وأخذ ثوبه، وإن شاء
٢٤٤/٢ ١ أخذ قيمة ثوبه ومثل عشرة أساتير قطن، وكان الثوب للنداف؛ لأن النداف / يَزْعُمُ أنه فعل ما
أمره به وصاحب الثوب يدعي الخلاف، فكان القولُ قولَهُ فيما أمر به، والقولُ قول النداف في
مقدار ما قبض.
وقال بشر عن أبي يوسف في رجلٍ أَعْطَى رَجُلاً ثوباً ليقطعه قباء محشوًا ودفع إليه البطانة
والقطن، فقطعه وخاطه وحشاه واتفقا على العمل والأجر، فإن الثوبَ ثوبُ رَبِّ الثوبِ والقطنَ
قطنُهُ، غير أن رَبَّ الثوب إِن قال: إِن البطانة ليست بطانتي، فالقول في ذلك قولُ الخياط مع
يمينه البتة أن هذا بطانته، ويلزم رب الثوب ويسع رب الثوب أن يأخذ البطانة فيلبسها؛ لأن
البطانة أمانة في يد الخياط، فكان القولُ قولَهُ فيها، ثم إِن كانت بطانة صاحب الثوب حل له
لبسها، وإِن كانت غيرها فقد رضي الخياط بدفعها إليه بدل بطانته، فحل له لبسها.
وروى بشر وابن سماعة عن أبي يوسف فيمن أعطى حمالاً متاعاً ليحمله من موضع [إلى
موضع](٢) بأجر معلوم فحمله، ثم اختلفا، فقال رَبُّ المتاع: ليس هذا متاعي، وقال الحمال:
هو متاعك، فالقولُ قولُ الحمال مع يمينه، ولا ضمان عليه، ولا يلزم الآمر الأجر إلا أن
يصدقه، ويأخذه؛ لأن المتاع أمانة في يد الحمال، فكان القولُ قولَهُ، ولا يلزم صاحب المتاع
[الأجر](٣)؛ لأنه لم يعترف باستيفاء المنافع، فإن صدقه فقد رجع عن قوله فوجب عليه الأجر.
قال: والنوع الواحد والنوعان في هذا سواء، إلا أنه في النوع الواحد أفحش وأقبح، يريد
بهذا لو حمله طعاماً أو زيتاً.
(١) الاستار: أربعة مثاقيل ونصف مثقال. المعجم الوسيط (أستر).
(٣) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.

٧٩
كِتَابِ الإِجَارَةِ
وقال الأجير: هذا طعامك بعينه، وقال رَبُّ الطعام كان طعامي أجود من هذا، فإن هذا
يفحش أن يكون القول فيه قول رب الطعام ويبطل الأجر، ويحسن أن يكون القول قول الحمال
ويأخذ الأجر. إن كان قد حمله.
فأما إذا كانا نوعين مختلفين بأن جاء بشعير. وقال: رب الطعام كان طعامي حنطة، فلا
أجر للحمال حتى يصدقه ويأخذه، وإنما قال يقبح في الجنس الواحد؛ لأن عند اتحاد الجنس
يملك صاحب الطعام أن يأخذ العين(١) عوضاً عن طعامه؛ لأن الحمال قد بذل له ذلك، فإذا
أخذ(٢) العوض سلمت له المنفعة، فأما في النوعين فلا يسعه أن يأخذ النوع الآخر إلا بالتراضي
بالبيع، فما لم يصدقه لا يستحق عليه الأجر.
ولو اختلف الصانع والمستأجر في أصل الأجر كالنساج والقصار والخفاف والصباغ،
فقال ربُّ الثوب والخفُ: عملته لي بغير شرط، وقال الصانع: لا بل عملته بأجرة درهم، أو
اختلف رَبُّ الدار مع المستأجر، فقال ربُّ الدار: أجرتها منك بدرهم.
وقال الساكن: بل سكنتها عارية، فالقول قول صاحب الثوب والخف وساكن الدار في
قول أبي حنيفة مع يمينه ولا أجر عليه، وقال أبو يوسف: إن كان الرجل حرًّا ثقة فعليه الأجر،
وإلا فلا.
وقال محمد: إن كان الرجل انتصب للعمل فالقول قوله، وإن لم يكن انتصب للعمل
فالقول قول صاحبه، وعلى هذا الخلاف إذا اتفقا على أنهما لم يشترطا الأجر، لكن الصانع قال
إِني إنما عملت بالأجر، وقال رب الثوب: ما شرطت لك شيئاً، فلا يستحق شيئاً.
وجه قولهما اعتبار العرف والعادة، فإن انتصابه للعمل وفتحه الدكان لذلك دليل على أنه
لا يعمل إِلا بالأجرة، وكذا إذا كان حريفه فكان العقد موجوداً دلالة، والثابت دلالة كالثابت
نصًّا.
ولأبي حنيفة أن المنافع على أصلها لا تتقوم إلا بالعقد ولم يوجد، أما إذا اتفقا على
أنهما لم يشترطا الأجر فظاهر، وكذا إذا اختلفا في الشرط، لأن العقد لا يثبت مع الاختلاف
للتعارض، فلا تجب الأجرة، ثم إن كان في المصنوع عين قائمة للصانع كالصبغ الذي يزيد
والنعل، يغرم رب الثوب والخف للصانع ما زاد الصبغ والنعل فيه، لا يجاوز به درهماً، وإِلا
فلا، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
(١) في ط: الشعير.
(٢) في أ: حصل.

٨٠
كِتَابِ الإِجَارَةِ
فصل [في بيان ما ينتهي به عقد الإجارة]
وأما بيان ما ينتهي به عقد الإجارة فعقد الإجارة ينتهي بأشياء منها، الإقالة لأنه معاوضة
المال بالمال، فكان محتملاً للإِقالة كالبيع.
ومنها: موت من وقع له الإِجارة إلا لعذر عندنا.
وعند الشافعي: لا تبطل بالموت كبيع العين.
والكلام فيه على أصل ذكرناه في كيفية انعقاد هذا العقد؛ وهو أن الإجارة عندنا تنعقد
ساعة فساعة، على حسب حدوث المنافع شيئاً فشيئاً، وإِذا كان كذلك فما يحدث من المنافع
في يد الوارث لم يملكها المورث لعدمها، والملك صفة الموجود لا المعدوم، فلا يملكها
الوارث، إِذ الوارث إنما يملك ما كان على ملك المورث، فما لم يملكه يستحيل وراثته
٢٤٤/٢ ب بخلاف بيع العين؛ لأن العين ملك قائم بنفسه ملكه المورث إلى وقت الموت، فجاز أن /
ينتقل منه إلى الوارث؛ لأن المنافع لا تملك إلا بالعقد، وما يحدث منها في يد الوارث لم
يعقد عليه رأساً؛ لأنها كانت معدومة حال حياة المورث، والوارث لم يعقد عليها، فلا يثبت
الملك فیها للوارث.
وعند الشافعي منافع المدة تجعل موجودة للحال؛ كأنها أعيان قائمة، فأشبه بيع العين،
والبيع لا يبطل بموت أحد المتبايعين؛ كذا الإِجارة.
وعلى هذا يخرج ما إذا أجر رجلان داراً من رجلٍ ثم مات أحد المؤاجرين؛ أن الإجارة
تبطل في نصيبه عندنا، وتبقى في نصيب الحي على حالَها؛ لأن هذا شيوع طارىء وأنه لا يؤثر
في العقد في الرواية المشهورة؛ لما بينا فيما تقدم.
وكذلك لو استأجر رجلان من رجلٍ داراً فمات أحد المستأجرين، فإن رضي الوارث
بالبقاء على العقد، ورضي العاقد أيضاً، جاز، ويكون ذلك بمنزلة عقد مبتدأ، ولو مات الوكيل
بالعقد لا تبطل الإِجارة؛ لأن العقد لم يقع له، وإنما هو عاقد؛ وكذا لو مات الأب أو الوصي
لما قلنا؛ وكذا لو مات أبو الصبي في استئجار الظئر لا تنقض الإِجارة؛ لأن الإِجارة وقعت
للصبي والظئر وهما قائمان، ولو مات الظئر انتقضت الإِجارة، وكذا لو مات الصبي، لأن كل
واحد منهما معقود له.
والأصل إن الإِجارة تبطل بموت المعقود له، ولا تبطل بموت العاقد، وإنما كان كذلك؛
لأن استيفاء العقد بعد موت من وقع له العقد يوجب تغيير موجب العقد؛ لأن من وقع له إن
كان هو المؤاجر، فالعقد يقتضي استيفاء المنافع من ملكه، ولو بقيناه بعد موته لاستوفيت
المنافع من ملك غيره، وهذا خلاف مقتضى العقد، وإن كان هو المستأجر فالعقد يقتضي
استحقاق الأجرة من ماله.