النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كِتَابِ الإِجَارَةِ
والعلم بالأجرة لا يحصل إلا بالإِشارة والتعيين أو بالبيان، وجملة الكلام فيه أن الأجر لا يخلو
إما إن كان شيئاً بعينه، وإما إن كان بغير عينه، فإن كان بعينه فإنه يصير معلوماً بالإشارة، ولا
يحتاج فيه إلى ذكر الجنس والصفة والنوع والقدر، سواءً كان مما يتعين بالتعيين أو مما لا يتعين
كالدراهم والدنانير، ويكون تعيينها كناية عن ذكر الجنس والصفة والنوع والقدر على أصل
أصحابنا؛ لأن المشار إليه إذا كان مما له حمل ومؤنة يحتاج إلى بيان مكان الإِيفاء عند أبي
حنيفة، وإن كان بغير عينه، فإن كان مما يثبت ديناً في الذمة في المعاوضات المطلقة؛
كالدراهم، والدنانير، والمكيلات، والموزونات، والمعدودات المتقاربة، والثياب. لا يصير
معلوماً إلاَّ ببيان الجنس والنوع من ذلك الجنس والصفة والقدر إلا أن في الدراهم والدنانير إذا
لم يَكُنْ في البلد إلا نقد واحد لا يحتاج فيها إلى ذكر النوع والوزن، ويكتفي بذكر الجنس
وَيَقَعُ على نقد البلد ووزن البلد، وإِن كان في البلد نقود مختلفة يقع على النقد الغالب، وإِن
كان فيه نقود غالبة لا بد من البيان، فإن لم يبين فسد العقد، ولا بد من بيان مكان الإِيفاء فيما
له حمل ومؤنة في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا يشترط ذلك ويتعين مكان
العقد للإِيفاء، وقد ذكرنا المسئلة في ((كتاب البيوع)).
وهل يشترط الأجل ففي المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة لا يشترط؛ لأن هذه
الأشياء كما تثبت ديناً في الذمة مؤجلاً بطريق السلم تثبت ديناً في الذمة مطلقاً لا بطريق السلم،
بل بطريق القرض، فكان لثبوتها أجلان، فإن ذكر الأجل جاز وثبت الأجل كالسلم، وإِن / لم ٢٢٩/٢ ب
یذکر جاز کالقرض.
وأما في الثياب فلا بد من الأجل، لأنها لا تثبت ديناً في الذمة إلاَّ مؤجلاً، فكان لثبوتها
أجل واحد وهو السلم، فلا بد فيها من الأجل كالسلم، وإن كان مما لا يثبت ديناً في الذمة في
عقود المعاوضات المطلقات كالحيوان، فإنه لا يصير معلوماً بذكر الجنس والنوع والصفة
والقدر .
ألا ترى أنه لا يصلح ثمناً في البياعات، فلا يصلح أجرة في الإِجارات، وحكم التصرف
في الأجرة قبل القبض إذا وجبت في الذمة حكم التصرف في الثمن قبل القبض إذا كان ديناً،
وقد بينا ذلك في ((كتاب البيوع)).
ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) موقوفاً على أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، فقال: حدثنا وكيع عن سفيان
=
عن حماد عن إبراهيم عن أبي هريرة، وأبي سعيد، قالا: من استأجر أجيراً فليعلمه أجره، انتهى. ذكره
في ((البيوع)) قال ابن أبي حاتم في ((كتاب العلل)): سألت أبا زرعة عن حديث رواه حماد بن سلمة عن
حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ◌َّ أنه نهى أن يستأجر حتى
يعلم أجره، ورواه الثوري عن حماد عن إبراهيم عن أبي سعيد موقوفاً، فقال أبو زرعة: الصحيح
موقوف، فإن الثوري أحفظ. انتهى كلامه.

٢٢
كِتَابِ الإِجَارَةِ
وإذا لم يجب بأن لم يشترط فيها التعجيل، فحكم التصرف فيها نذكره في بيان حكم
الإجارة، إن شاء الله عزَّ وجلَ.
وما كان منها عيناً مشاراً إليها، فحكمه حكم الثمن إذا كان عيناً حتى لو كان منقولاً لا
يجوز التصرف فيه قبل القبض، وإن كان عقاراً فعلى الاختلاف المعروف في ((كتاب البيوع)» أنه
يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا يجوز، وهي من مسائل البيوع.
ولو استأجر عبداً بأجر معلوم وبطعامه، أو استأجر دابة بأجر معلوم وبعلفها، لم يجز لأن
الطعام أو العلف يصير أجرة وهو مجهول، فكانت الأجرة مجهولة، والقياس في استئجار الظئر
بطعامها وكسوتها أنه لا يجوز، وهو قول أبي يوسف ومحمد، لجهالة الأجرة وهي الطعام
والكسوة إلاَّ أَنْ أبا حنيفة استحسن الجواز بالنص وهو قوله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ
رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] من غير فصل بين ما إذا كانت الوالدة منكوحة أو
مطلقة، وقوله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذُلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: الرزق والكسوة،
وذلك يكون بعد موت المولود [له] (١) وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] نفى الله - سبحانه وتعالى - الجناح
عن الاسترضاع مطلقاً.
وقولهما: الأجرة مجهولة مسلم لكن الجهالة لا تمنع صحة العقد لعينها، بل لإفضائها
إلى المنازعة، وجهالة الأجرة في هذا الباب لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن العادة جرت
بالمسامحة مع الأظار والتوسيع عليهن؛ شفقة على الأولاد، فأشبهت جهلة القفيز من الصبرة.
ولو استأجر داراً بأجرة معلومة وشرط الآجر تطيين الدار ومرمتها، أو تعليق باب عليها،
أو إدخال جذع في سقفها على المستأجر، فالإجارة فاسدة؛ لأن المشروط يصير أجرة، وهو
مجهول، فتصير الأجرة مجهولة.
وكذا إذا آجر أرضاً وشرط كري نهرها، أو حفر بئرها، أو ضرب مسقاة عليها، لأن ذلك
كله على المؤاجر؛ فإذا شرط على المستأجر، فقد جعله أجرة، وهو مجهول، فصارت الأجرة
مجهولة .
ومنها: [ألا تكون الأجرة] (٢) منفعة هى من جنس المعقود عليه؛ كإجارة السكنى
بالسكنى، والخدمة بالخدمة، والركوب بالركوب، والزراعة بالزراعة؛ حتى لا يجوز شيء من
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: تكون الأجرة مجهولة.

٢٣
كِتَابِ الإِجَارَةِ
ذلك عندنا، وعند الشافعي [هذا](١) ليس بشرط، وتجوز هذه الإجارة وإن كانت الأجرة من
خلاف الجنس جاز؛ كإجارة السكنى بالخدمة والخدمة بالركوب ونحو ذلك.
والكلام فيه فرع في كيفية انعقاد هذا العقد، فعندنا ينعقد شيئاً فشيئاً على حسب حدوث
المنفعة، فلم تكن كل واحدة من المنفعتين معينة، بل هي معدومة وقت العقد، فيتأخر قبض
أحد المستأجرين، فيتحقق ربا النساء والجنس بانفراده يحرم النساء عندنا؛ كإسلام الهروي في
الهروي، وإلى هذا أشار محمد فيما حكى أن ابن سماعة كتب يسأله عن هذه المسألة أنه كتب
إليه في الجواب: أنك أطلت الفكرة فأصابتك الحيرة، وجالست الجبائي فكانت منك زلة، أما
علمت أن بيع السكنى بالسكنى كبيع الهروي بالهروي؛ بخلاف ما إذا اختلف جنس المنفعة؛
لأن الربا لا يتحقق في جنسين.
وعند الشافعي منافع المدة تجعل موجودة وقت العقد؛ كأنها أعيان قائمة، فلا يتحقق
معنى النسبة، ولو تحقق فالجنس بانفراده لا يحرم النساء عنده وتعليل من علل في هذه المسألة
أن هذا في معنى بيع الدين بالدين، لأن المنفعتين معدومتان وقت العقد، فكان بيع الكالىء
بالكالىء غير سديدٍ؛ لأن الدين اسم لموجود في الذمة أخر بالأجل المضروب بتغيير مقتضى
مطلق العقد؛ فأما ما لا وجود له وتأخر وجوده إلى وقت، فلا يسمى ديناً.
وحقيقة الفقه في المسألة ما ذكره [إمام الهدى](٢) الشيخ أبو منصور الماتريدي هي أن
الإِجارة عقد شرع بخلاف القياس لحاجة الناس، ولا حاجة تقع عند اتحاد الجنس، فبقي على
أصل القياس، والحاجة تتحقق عند اختلاف الجنس، فيجوز، ويستوي / في ذلك العبد والأمة ٢٣٠/٢ب
حتى لو استأجر عبداً يخدمه شهراً بخدمة أمة، كان فاسداً لاتحاد جنس المنفعة، ثم في إِجارة
الخدمة بالخدمة إذا خدم أحدهما ولم يخدم الآخر، روي عن أبي يوسف أنه لا أجرة عليه.
وذكر الكرخي وقال: الظاهر أن له أجر المثل.
وجه رواية أبي يوسف: أنه لما قابل المنفعة بجنسها، ولم تصح هذه المقابلة، فقد جعل
بإزاء المنفعة ما لا قيمة له، فكان راضياً ببذل المنفعة بلا بدلٍ.
وجه ما ذكره الكرخي، أنه استوفى المنافع بعقد فاسد، والمنافع تتقوم بالعقد الصحيح
والفاسد، لما نذكر تحقيقه أنها تقوم بالعقد الفاسد الذي لم يذكر فيه بدل رأساً؛ بأن استأجر
شيئاً ولم يسم عوضاً أصلاً، فإذا سمى العوض وهو المنفعة أولى.
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.

٢٤
كِتَابِ الإِجَارَةِ
وقالوا في عبد مشترك تهايا الشريكان فيه فخدم أحدهما يوماً ولم يخدم الآخر؛ أنه لا
أجر له؛ لأن هذا ليس بمبادلة بل هو إفراز، ويجوز استئجار العبدين لعملين مختلفين كالخياطة
والصياغة؛ لأن الجنس قد اختلف.
وذكر الكرخي في الجامع: إذا كان عبد بين اثنين أجر أحدهما نصيبه من صاحبه يخيط
معه شهراً على أن يصوغ نصيبه معه في الشهر الداخل؛ أن هذا لا يجوز في العبد الواحد، وإن
اختلف العمل، وإنما يجوز في العملين المختلفين إذا كانا في عبدين؛ لأن هذه مهاياة منهما
فعلا ما يستحق عليهما من غير إِجارة والمهايأة من شرط جوازها أن تقع على المنافع المطلقة،
فأما أن يعين أحد الشريكين على الآخر المنفعة فلا يجوز، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
وأما الذي يرجع إلى ركن العقد، فخلوه عن شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه، حتى لو
أجره داره على أن يسكنها شهراً ثم يسلمها إلى المستأجر، أو أرضاً على أن يزرعها ثم يسلمها
إلى المستأجر، أو دابة على أن يركبها شهراً، أو ثوباً على أن يلبسه شهراً، ثم يسلمه إلى
المستأجر - فالإِجارة فاسدة؛ لأن هذا شرط لا يقتضيه العقد، وأنه شرط لا يلائم العقد، وزيادة
منفعة مشروطة في العقد لا يقابلها عوض في معاوضة المال بالمال يكون ربا، أو فيها شبهة
الربا، وكل ذلك مفسد للعقد.
وعلى هذا يخرج أيضاً شرط تطيين الدار، وإصلاحٍ ميزابها وما وهي منها، وإِصلاح بئر
الماء والبالوعة والمخرج وكري الأنهار، وفي إِجارة الأرض وطعام العبد وعلف الدابة في
إِجارة العبد والدابة ونحو ذلك؛ لأن ذلك كله شرط يخالف مقتضى العقد، ولا يلائمه وفيه
منفعة لأحد العاقدين.
وذكر في الأصل [أنه](١) إذا استأجر داراً مدةً معلومةً بأجرةٍ مسمَّاةٍ على أن لا يسكنها،
فالإِجارة فاسدة، ولا أجرة على المستأجر إذا لم يسكنها، وإن سكنها فعليه أجر مثلها لا ينقص
مما سمى، أما فساد العقد فظاهر؛ لأَن شرطه أن لا يسكن [شرط](٢) نفي موجب العقد، وهو
الانتفاع بالمعقود عليه، وأنه شرط يخالف مقتضى العقد ولا يلائم العقد، فكان شرطاً فاسداً.
وأما عدم وجوب الأجر رأساً إن لم يسكن ووجوب أجر المثل إن سكن - فظاهرٌ أيضاً؛
لأن أجر المثل في الإِجارات الفاسدة إنما يجب باستيفاء المعقود عليه، لا بنفس التسليم وهو
التخلية كما في النكاح الفاسد؛ لأن التخلية هي التمكين، ولا يتحقق مع الفساد لوجود المنع
من الانتفاع به شرعاً، فأشبه المنع الحسي من العباد وهو الغصب؛ بخلاف الإِجارة الصحيحة؛
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.

٢٥
كِتَابِ الإِجَارَةِ
لأنه لا منع هناك فتحقق التسليم، فلئن لم ينتفع به المستأجر فقد أسقط حق نفسه في المنفعة،
فلا يسقط حق الآجر في الأجرة، وإذا سكن فقد استوفى المعقود عليه بعقد فاسد، وأنه يوجب
أجر المثل.
وأما قوله: لا ينتقص من المسمى ففيه إشكالٌ؛ لأنه قد صح من مذهب أصحابنا الثلاثة
أن الواجب في الإجارة الفاسدة بعد استيفاء المعقود عليه الأقل من المسمى ومن أجر المثل إذا
كان الأجر مسمى، وقد قال فى هذه المسألة أنه لا ينقص من المسمى، من المشايخ من قال:
المسألة مؤولة تأويلها أنه لا ينقص من المسمى إذا كان أجر المثل والمسمى واحداً.
ومنهم من أَجرى الرِّواية على الظاهر، فقال: إن العاقدين لم يجعلا المسمى بمقابلة
المنافع؛ حيث شرط المستأجر أن لا يسكن، ولا بمقابلة التسليم لما ذكرنا أنه لا يتحقق مع
فساد العقد؛ فإذا سكن فقد استوفى منافع ليس في مقابلتها بدل، فيجب أجر المثل بالغاً ما
بلغ؛ كما إذا لم يذكر في العقد تسمية أصلاً إلا أنه قال: لا ينقص من المسمى؛ لأن المستأجر
رضي بالمسمى بدون الانتفاع، فعند الانتفاع / أولى.
ولو آجره داره، أو أرضه، أو عبده، أو دابته وشرط تسليم المستأجر - جاز، لأن تسليم
المستأجر من مقتضيات العقد؛ ألا ترى أنه يثبت بدون الشرط، فكان هذا شرطاً مقرراً مقتضى
العقد لا مخالفاً له، فصار كما لو أجره على أن يملك المستأجر منفعة المستأجر.
ولو آجر بشرط تعجيل الآجره، أو شرط على المستأجر أن يعطيه بالأجرة رهناً أو كفيلاً،
جاز إذا كان الرهن معلوماً والكفيل حاضراً؛ لأن هذا شرط يلائم العقد، وإن كان لا يقتضيه
كما ذكرنا في البيوع فيجوز كما في بيع العين.
وأما شرط اللزوم فنوعان: نوعٌ هو شرط انعقاد العقد لازماً من الأصل، ونوع هو شرط
بقائه على اللزوم.
أما الأول فأنواع: منها: أن يكون العقد صحيحاً، لأن العقد الفاسد غير لازم، بل هو
مستحق النقض والفسخ؛ رفعاً للفاسد؛ حقًّا للشرع فضلاً عن الجواز.
ومنها: ألا يكون بالمستأجر عيب في وقت العقد أو وقت القبض يخلُّ بالانتفاع به، فإن
كان لم يلزم العقد، حتى قالوا في العبد المستأجر للخدمة إذا ظهر أنه سارق، له أن يفسخ
الإجارة، لأن السلامة مشروطة دلالةً، فتكون كالمشروط نصًّا كما في بيع العين.
ومنها: أن يكون المستأجر مرئي المستأجر حتى لو استأجر داراً لم يرها ثم رآها فلم
يرض بها أنه يردها؛ لأن الإِجارة بيع المنفعة فيثبت فيها خيار الرؤية كما في بيع العين، فإن
رضي بها بطل خياره كما في بيع العين.
٢٣٠/٢ ب

٢٦
كِتَابِ الإِجَارَةِ
وأما الثاني فنوعان: أحدُهما سلامة المستأجر عن حدوث عيب به يخل بالانتفاع به، فإن
حدث به عيب يخل بالانتفاع به لم يبق العقد لازماً حتى لو استأجر عبداً يخدمه أو دابة يركبها
أو داراً يسكنها، فمرض العبد أو عرجت الدابة أو انهدم بعض بناء الدار، فالمستأجر بالخيار إن
شاء مضى على الإِجارة، وإن شاء فسخ؛ بخلاف البيع إذا حدث بالمبيع عيب بعد القبض أنه
ليس للمشتري أن يردّهُ؛ لأن الإِجارة بيع المنفعة، والمنافع تحدث شيئاً فشيئاً، فكان كل جزء
من أجزاء المنافع معقود [عليه](١) مبتدأ، فإذا حدث العيب بالمستأجر كان هذا عيباً حدث بعد
العقد قبل القبض، وهذا يوجب الخيار في بيع العين؛ كذا في الإِجارة، فلا فرق بينهما من
حيث المعنى، وإذا ثبت الخيار للمستأجر فإن لم يفسخ ومضى على ذلك إلى تمام المدة،
فعليه كمال الأجرة؛ لأنه رضي بالمعقود عليه مع العيب فيلزمه جميع البدل؛ كما في بيع العين
إذا اطلع المشتري على عيب فرضي به، وإن زال العيب قبل أن يفسخ؛ بأن صح العبد وزال
العرج عن الدابة وبنى المؤاجر ما سقط من الدار - بطل خيار المستأجر؛ لأن الموجب للخيار
قد زاد والعقد قائم، فيزول الخيار.
هذا إذا كان العيب مما يضر بالانتفاع بالمستأجر، فإن كان لا يضر بالانتفاع به بقي العقد
لازماً ولا خيار للمستأجر، كالعبد المستأجر إذا ذهبت إحدى عينيه وذلك لا يضر بالخدمة، أو
سقط شعره أو سقط مِنَ الدار المستأجرة حائط لا ينتفع به في سكناها، لأن العقد ورد على
المنفعة لا على العين، إذا الإِجارة بيع المنفعة لا بيع العين، ولا نقصان في المنفعة، بل في
العين، والعين غير معقود عليها في باب الإِجارة، وتغير عين المعقود عليه لا يوجب الخيار؛
بخلاف ما إذا كان العيب الحادث مما يضر بالانتفاع، لأنه إذا كان يضر بالانتفاع فالنقصان
يرجع إلى المعقود عليه، فأوجب الخيار، فله أن يفسخ، ثم إنما يلي الفسخ إذا كان المؤاجر
حاضراً، فإذا كان غائباً فحدث بالمستأجر ما يوجب حق الفسخ، فليس للمستأجر أن يفسخ؛
لأن فسخ العقد لا يجوز إلا بحضور العاقدين أو من يقوم مقامهما.
وقال هشام عن محمد في رجل استأجر أرضاً سنةً يزرعها شيئاً ذَكَرَهُ، فزرعها فأصاب
الزرع آفةٌ مِنْ برد أو غيره، فذهب به وتأخر وقت زراعة ذلك النوع، فلا يقدر أن يزرع - قال :
إِن أراد أن يزرع شيئاً غيره مما ضره على الأرض أقل من ضرره أو مثل ضرره، فله ذلك وإِلاَّ
فسختُ عليه الإِجارة وألزمته أجر ما مضى؛ لأنه إذا عجز عن زراعة ذلك النوع كان استيفاء
الإِجارة إِضراراً به، قال: وإِذا نقص الماء عن الرحى حتى صار يطحن أقل من نصف طحنة،
فذلك عيب لأنه لا يقدر على استيفاء العقد إلا بضرر، وهو نقصان الانتفاع.
(١) سقط في ط.

٢٧
كِتَابِ الإِجَارَةِ
ولو انْهَدَمَتِ الدَّارُ كلها أَوْ انقطع الماء عن الرحى، أو انقطع الشرب عن الأرض، فقد
اختلفت إشارة الروايات فيه: ذكر فى بعضها ما يدل على أن العقد ينفسخ فإنه ذكر في إجارة
الأصل إذا سقطت / الدار كلها فله أن يخرج، كان صاحب الدار شاهداً أو غائباً، فهذا دليل ٢٣١/٢ أ
الانفساخ؛ حيث جوز للمستأجر الخروج من الدار مع غيبة المؤاجر، ولو لم تنفسخ توقف
جواز الفسخ على حضوره، والوجه فيه أن المنفعة المطلوبة من الدار قد بطلت بالسقوط، إِذ
المطلوب منها الانتفاع بالسكنى وقد بطل ذلك، فقد هلك المعقود عليه فينفسخ العقد، وذكر
في بعضها ما يدل على أن العقد لا ينفسخ لكن يثبت حق الفسخ، فإنه ذكر في كتاب الصلح إذا
صالح على سكنى دار فانهدمت لم ينفسخ الصلح.
وروى هشام عن محمد فيمن استأجر بيتاً وقبضه ثم انهدم فبناه الآخر(١)، فقال المستأجر
بعد ما بناه: لا حاجة لي فيه، قال محمد: ليس للمستأجر ذلك؛ وكذلك لو قال المستأجر:
آخذه، وأبى الآخر، ليس للآجر ذلك، وهذا يجري مجرى النص على أن الإِجارة لم تنفسخ،
ووجهه أن الدار بعد الانهدام بقيت منتفعاً بها منفعة السكنى في الجملة؛ بأن يضرب فيها خيمة
فلم يفت المعقود عليه رأساً، فلا ينفسخ؛ على أنه إِن فات كله لكن فات على وجه يتصور
عوده، وهذا يكفي لبقاء العقد؛ كمن اشترى عبداً فأبق قبل القبض.
والأصل فيه: أن العقد المنعقد بيقين يبقى لتوهم الفائدة؛ لأن الثابت بيقين لا يزول
بالشك، كما أن غير الثابت بيقين لا يثبت بالشك.
وذكر القدوري، وقال: الصحيح أن العقد ينفسخ؛ لما ذكرنا أن المنفعة المطلوبة من
الدار قد بطلت، وضرب الخيمة في الدار ليس بمنفعة مطلوبة من الدار عادة، فلا يعتبر بقاؤه
لبقاء العقد، وقال فيما ذكره محمدٌ في البيت إذًا بناه المؤاجر: أنه لما بناه تبين أن العقد لم
ينفسخ حقيقةً، وإن حكم بفسخه ظاهراً فيجبر على التسليم والقبض، وليس يمتنع الحكم
بانفساخ عقد في الظاهر مع التوقف في الحقيقة؛ كمن اشترى شاة فماتت في يد البائع فدبغ
جلدها؛ أنه يحكم ببقاء العقد بعد الحكم بانفساخه ظاهراً بموت الشاة؛ كذا ههنا، وإِذا بقي
العقد يجبر على التسليم والتسلم وقبل البناء لا يعلم أن العقد لم ينفسخ حقيقة، فيجب العمل
بالظاهر .
وذكر محمد في السفينة إذا انقضت وصارت ألواحاً ثم بناها المؤاجر؛ أنه لا يجبر على
تسليمها إلى المستأجر فقد فرق بين السفينة وبين البيت.
(١) في ط: الآجر.

٢٨
كِتَابِ الإِجَارَةِ
ووجه الفرق: أن العقد في السفينة قد انفسخ حقيقة؛ لأن الأصل فيها الصناعة وهي
التركيب، والألواح تابعة للصناعة، بدليل أن من غصب خشبة فعملها سفينة ملكها، فكان
تركيب الألواح بمنزلة اتخاذ سفينة أخرى، فلم يجبر على تسليمها إلى المستأجر بخلاف الدار،
لأن عرضة الدار ليست بتابعة للبناء، بل العرضة فيها أصل، فإذا بناها فقد بنى تلك الدار
بعينها، فيجبر على التسليم.
وقال محمد فيمن استأجر رَحى ماء سنةً، فانقطع الماء بعد ستة أشهر، فأمسك الرحى
حتى مضت المدة، فعليه أجر للستة أشهر الماضية، ولا شيء عليه لما بقي؛ لأن منفعة الرحى
قد بطلت فانفسخ العقد، قال: فإن كان البيت ينتفع به لغير الطحن فعليه من الأجر بحصته،
لأنه بقي شيء من المعقود عليه له حصة في العقد، فإذا استوفى لزمه حصته، فإن سلم المؤاجر
الدار إلا بيتاً منها ثم منعه رب الدار أو غيره بعد ذلك من البيت، فلا أجر على المستأجر في
البيت؛ لأنه استوفى بعض المعقود عليه دون بعض، فلا يكون عليه حصة ما لم يستوف،
وللمستأجر أن يمتنع من قبول الدار بغير البيت، وأن يفسخ الإِجارة إذا حدث ذلك بعد قبضه؛
لأن الصفقة تفرقت في المعقود عليه وهو المنافع وتفرق الصفقة يوجب الخيار.
ولو استأجر داراً أشهراً مسماة فلم تسلم إليه الدار حتى مضى بعض المدة، ثم أراد أن
يتسلم الدار فيما بقي من المدة، فله ذلك، وليس للمؤاجر أن يأبى ذلك، وكذلك لو كان
المستأجر طلبها من المؤاجر فمنعه إياها، ثم أراد أن يسلمها، فذلك له وليس للمستأجر أن
يمتنع؛ لأن الخيار إنما يثبت بحدوث تفرق الصفقة بعد حصولها مجتمعة، والصفقة ههنا حينما
وقعت وقعت متفرقةً؛ لأن المنافع تحدث شيئاً فشيئاً، فكان كل جزء من المنافع كالمعقود عليه
عقداً مبتدأ، فكان أول جزء من المنفعة مملوكاً بعقد، والثاني مملوكاً بعقد آخر، وما ملك
بعقدين فتعذر التسليم في أحدهما لا يؤثر في الآخر؛ فإن استأجر دارين فسقطت إحداهما أو
٢٣١/٢ ب منعه مانع / من إحداهما أو حَدَثَ في إحداهما عَيبٌ، فله أن يتركهما جميعاً؛ لأن العقد وقع
عليهما صفقة واحدة، قد تفرقت عليه، فيثبت له الخيار، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
والثاني: عدم حدوث عذر بأحد العاقدين أو بالمستأجر؛ فإن حدث بأحدهما أو
بالمستأجر عذرٌ، لا يبقى العقد لازماً، وله أن يفسخ، وهذا عند أصحابنا، وعند الشافعي هذا
ليس بشرط لبقاء(١) العقد لازماً.
ولقب المسألة أن الإِجارة تفسخ بالأعذار عندنا؛ خلافاً له.
وجه قوله إن الإِجارة أحد نوعي البيع فيكون لازماً كالنوع الآخر، وهو بيع الأعيان،
والجامع بينهما أن العقد انعقد باتفاقهما، فلا ينفسخ إلا باتفاقهما.
(١) في ط: بقاء.

٢٩
كِتَابِ الإِجَارَةِ
ولَنا: أَنَّ الحاجة تَدْعُو إِلى الفسخ عند العذر (١)؛ لأنه لو لزم العقد عند تحقق العذر للزم
صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد؛ لما نذكره في تفصيل الأعذار الموجبة للفسخ، فكان
الفسخ في الحقيقة امتناعاً من التزام الضرر، وله ولاية ذلك، وقد خرج الجواب عن قوله أن
هذا بيع؛ لأنَّا نقول نعم، لكنه عجز عن المضي في موجبه إلا بضرر يلحقه لم يلتزمه بالعقد،
فكان محتملاً للفسخ في هذه الحالة؛ كما في بيع العين إذا اطلع المشتري على عيب بالمبيع،
وكما لو حدث عيب بالمستأجر. وكذا عن قوله: العقد انعقد باتفاقهما، فلا ينفسخ إلا
باتفاقهما، أن هذا هكذا إذا لم يعجز عن المضي على موجب العقد إلا بضرر غير مستحق
بالعقد، وقد عجز ههنا، فلا يشترط التراضي على الفسخ؛ كما في بيع العين، وحدوث العيب
بالمستأجر ثم إنكار الفسخ عند تحقق العذر خروج عن العقل والشرع؛ لأنه يقتضي أن من
اشتكى ضرسه فاستأجر رجلاً ليقلعه(٢) فسكن الوجع، يجبر على القلع، ومن وقعت في يده
أكلة فاستأجر رجلاً ليقطعها فسكن الوجع، ثم برأت يده، يجبر على القطع، وهذا قبيحٌ عقلاً
وشرعاً .
وإذا ثبت أن الإِجارة تفسخ بالأعذار، فلا بد من بيان الأعذار المثبتة للفسخ على التفصيل
فنقول؛ وبالله التوفيق: أن العذر قد يكون في جانب المستأجر، وقد يكون في جانب المؤاجر،
وقد يكون في جانب المستأجر.
أما الذي في جانب المستأجر فنحو: أن يفلس فيقوم من السوق، أو يريد سفراً، أو ينتقل
من الحرفة إلى الزراعة، أو من الزراعة إلى التجارة، أو ينتقل من حرفة إِلى حرفة، لأن المفلس
لا ينتفع بالحانوت، فكان في إِبقاء العقد من غير استفياء المنفعة إضرار به ضرراً لم يلتزمه
العقد، فلا يجبر على عمله، وإذا عزم على السفر ففي ترك السفر مع العزم عليه ضرر به، وفي
إبقاء العقد مع خروجه إلى السفر ضرر به أيضاً؛ لما فيه من لزوم الأجرة من غير استيفاء
المنفعة، والانتقال من عمل لا يكون إلا للإِعراض عن الأول ورغبته عنه، فإن منعناه عن
الانتقال أضررنا به، وإن أبقينا العقد بعد الانتقال لألزمناه الأجرة من غير استيفاء المنفعة، وفيه
ضرر به، ولو أراد أن ينتقل من حانوت إلى حانوت ليعمل ذلك العمل بعينه في الثاني لما أن
الثاني أرخص وأوسع عليه، لم يكن ذلك عذراً؛ لأنه يمكنه استيفاء المنفعة من الأول من غير
ضرر، وإنما بطلت زيادة المنفعة وقد رضي بالقدر الموجود منها في الأول.
وعلى هذا إذا استأجر رجلاً لما لا يصل إلى الانتفاع به من غير ضرر يدخل في ملكه أو
(١) في أ: العقد.
(٢) في ط: ليقلعها.

٣٠
كِتَابِ الإِجَارَةِ
بدنه، ثم بدا له أن يفسخ الإجارة بأن استأجر رجلاً ليقصر له ثياباً أو ليقطعها أو يخيطها، أو
يهدم داراً له، أو يقطع شجراً له، أو ليقلع ضرسه، أو ليحجم، أو ليفصد، أو ليزرع أرضاً، أو
يحدث في ملكه شيئاً من بناءٍ أو تجارةٍ أو حفر، ثم بدا له أن لا يفعل -، فله أن يفسخ الإجارة
ولا يجبر على شيء من ذلك؛ لأن القصارة والقطع نقصان عاجل في المال بالغسل والقطع
وفيه ضرر، وهدم الدار وقطع الشجر إتلاف المال، والزراع إتلاف البذر، وفي البناء إتلاف
الآلة، وقلع الضرس والحجامة والفصد إتلاف جزء من البدن، وفيه ضرر به إلا أنه استأجره لها
لمصلحة تأملها تربو على المضرة، فإِذا بدا له علم أنه لا مصلحة فيه فبقي الفعل ضرراً في
نفسه، فكان له الامتناع من الضرر بالفسخ، إذ الإِنسان لا يجبر على الإضرار بنفسه.
وكذلك لو استأجر إيلاً إلى مكة ثم بدا للمستأجر أن لا يخرج، فله ذلك ولا يجبر على
السفر؛ لأنه لما بدا له علم أن السفر ضرر فلا يجبر على تحمل الضرر، وكذا كل من استأجر
دابة ليسافر ثم قعد عن السفر، فله ذلك لما قلنا.
وقد قالوا أن الجمال إِذا قال للحاكم أن هذا / لا يريد أن يترك السفر، وإِنما يريد أن
يفسخ الإِجارة، قال له الحاكم: انتظره، فإِن خرج ثم قفل الجمال معه، فإذا فعلت ذلك فلك
الأجر.
فإن قال صاحب الدار للحاكم إن هذا لا يريد سفراً وإنما يقول ذلك ليفسخ الإِجارة،
استحلفه الحاكم بالله - عزَّ وجلَّ - أنه يريد السفر الذي عزم عليه؛ لأنه يدعي سبب الفسخ،
وهو إِرادة السفر ولا يمكنه إِقامة البينة عليه، فلا يقبل وله إلا مع يمينه.
وقالوا: لو خرج من المصر فراسخ ثم رجع، فال صاحب الدار: إِنما أظهر الخروج لفسخ
الإجارة، وقد عاد، استحلفه الحاكم بالله - عزَّ وجلَّ - لقد خرج قاصداً إلى الموضع الذي ذكر؛
لأن المؤاجر يدعي أن الفسخ وقع بغير عذر، وهو عزم السفر إلى موضع معلوم، ولا يمكنه إِقامة
البينة عليه؛ لأن عزم المستأجر لا يعلم إلا من جهته، فكان القول قوله مع يمينه.
وأما الجمال إِذا بدا له من الخروج، فليس له أن يفسخ الإجارة؛ لأن خروج الجمال مع
الجمال ليس بمستحق بالعقد، فإِن له أن يبعث غيره مع الجمال، فلا يكون قعوده عذراً،
بخلاف خروج المستأجر، لأن غرضه يتعلق بخروجه بنفسه فكان قعوده عذراً.
ولو استأجر رجلاً ليحفر له بئراً، فحفر بعضها فوجدها صلبة، أو خرج حجراً، أو
وجدها رخوة بحيث يخاف التلف، كان عذراً؛ لأنه يعجز عن المضي في موجب العقد إلا
بضرر لم يلتزمه .
وقال هشام عن أبي يوسف في امرأة ولدت يومَ النحر قبلَ أَنْ تطوف فأبى الجمال أن
/١٢٣٢

٣١
كِتَابِ الإِجَارَةِ
يقيم قال: هذا عذر؛ لأنه لا يمكنها الخروج من غير طواف ولا سبيل إلى إلزام الجمال للإقامة
مدة النفاس؛ لأنه يتضرر به إِذ هي مدة ما جرت العادة بإقامة القافلة قدرها، فيجعل عذراً في
فسخ الإِجارة، وإن كانت قد ولدت قبل ذلك وقد بقي من مدة نفاسها كمدة الحيض أو أقل
أجبز الجمال على المقام معها؛ لأن هذه المدة قد جرت العادة بمقام الحاج فيها بعد الفراغ من
الحج.
وأما الذي هو في جانب المؤاجر، فنحو أن يلحقه دينٌ فادحٌ لا يجد قضاءه إلا من ثمن
المستأجر من الإبل والعقار ونحو ذلك؛ إذا كان الدين ثبت قبل عقد الإجارة بالبيئة أو بالإِقرار
أو ثبت بالبينة بعد عقد الإجارة، ولو ثبت بعد عقد الإِجارة بالإِقرار، فكذلك عند أبي حنيفة،
وأما عندهما فالدين الثابت بالإقرار بعد عقد الإجارة لا تفسخ به الإِجارة، لأنه متهم في هذا
الإقرار.
ولأبي حنيفة: أن الظاهر أن الإنسان لا يقر بالدين على نفسه كاذباً، وهذا العذر من
جانب المؤاجر بناءً على أن بيع المؤاجر لا ينفذ عندنا من غير إِجازة المستأجر، خلافاً للشافعي
على ما نذكره، وإذا لم يجز البيع مع [قيام](١) عقد الإِجارة جعل الدين عذراً في فسخ(٢)
الإِجارة، لأن إبقاء الإِجارة مع لحوق الدين الفادح العاجل إِضرار بالمؤاجر؛ لأنه يحبس به،
ولا يجوز الجبر على تحمل ضرر غير مستحق بالعقد.
فإن قيل: كيف يحبسه القاضي وهو غير قادر على قضاء الدين بالمؤاجر، لتعلق حق
المستأجر به، فينبغي أن لا يحبسه القاضي؟
فالجواب: أن القاضي لا يصدقه أنه لا مال له سوى المؤاجر، فيحبسه إلى أن يظهر
حاله، وفي الحبس(٣) ضرر على أنه إن لم يكن له مال آخر غير المؤاجر لكن حق المستأجر
إنما تعلق بالمنفعة لا بالعين، وقضاء الدين يكون من بدل العين وهو الثمن، فيحبس حتى
یبیع .
وكذلك لو اشترى شيئاً فأجره ثم اطلع على عيب به له أن يفسخ الإِجارة ويرده بالعيب
على بائعه، وإن رضي المستأجر بالعيب ويجعل حق الرد بالعيب عذراً له في فسخ الإِجارة؛
لأنه لا يقدر على استيفائها إلا بضرر وهو التزام المبيع المعيب، ولو أراد المؤاجر السفر أو
النقلة عن البلد وقد أجر عقاراً له، فليس ذلك بعذر؛ لأن استيفاء منفعة العقار مع غيبته لا ضرر
عليه فيه .
(١) سقط في ط.
(٣) في أ: الجبر.
(٢) في أ: حق.

٣٢
كِتَابِ الإِجَارَةِ
قال أبو يوسف: إن مرض المؤاجر أو أصاب إبله داءً، فله أن يفسخ إذا كانت بعينها، أما
إذا أصاب الإِبل داء؛ فلأن استعمال الدابة مع ما بها من الداء إجحاف بها، وفيه ضرر
بصاحبها، والضرر لا يستحق بالعقد، فيثبت له حق الفسخ؛ وكذا المستأجر لأن المنافع تنقص
بمرض الإبل، فصار ذلك عيباً فيها.
وأما [إذا](١) مرض الجمال، فظاهر رواية الأصل يقتضي أن لا يكون عذراً؛ لأن أثر
المرض في المنع من الخروج، وخروج الجمال بنفسه مع الجمال غير مستحق بالعقد.
وأما وجه رواية أبي يوسف: وهو الفرق بين مرض الجمال وبين قعوده؛ أن الجمال يقوم
/٢٣٢ ب على جماله بنفسه؛ فإذا مرض لا يقوم غيره مقامه إِلا بضرر، وليس / كذلك إذا بدا له من
الخروج؛ لأنه يقدر على الخروج؛ فإذا ترك ذلك باختياره كان عليه أن يقيم غيره مقامه .
ولو أجر صانع من الصناع، أو عامل من العمال نفسه لعمل، أو صناعة. ثم قال: بدا لي
أن أترك هذا العمل وأنتقل منه إلى غيره، قال محمد: إِذن كان ذلك من عمله بأن كان حجاماً
فقال: قد أنفت من عملي وأريد تركه، لم يكن له ذلك، ويقال: أوفِ العملَ ثم انتقل إلى ما
شئت من العمل؛ لأن العقد قد لزمه ولا عار عليه فيه، لأنه من أهل تلك الحرفة، فهو بقوله :
أريد أن أتركه يريد أن يدفع عنه في الحال ويقدر على ذلك بعد انقضاء العمل، وإِن كان ذلك
العمل ليس من عمله وصنعته، بل أسلم نفسه فيها؛ وذلك مما يعاب به، أو كانت امرأة أجرت
نفسها ظئراً وهي ممن تعاب بذلك، فلأهلها أن يخرجوها.
وكذلك إِن أبت هي أن ترضعه؛ لأن من لا يكون من أهل الصنائع الدنيئة إذا دخل فيها
يلحقه العار؛ فإذا أراد الترك فهو لا يقدر على إيفاء المنافع إلا بضرر؛ وكذلك الظئر إذا لم تكن
ممن يرضع مثلها، فلأهلها الفسخ لأنهم يعيرون بذلك، وفي المَثَلِ السائرِ: تجوعُ الحُرَّةُ وَلاَ
تأكلُ بثدييها؛ فإن لم يمكن إيفاء العقد إلا بضرر، فلا يقدر على تسليم المنفعة إلا بضرر؛
بخلاف ما إذا زوجت نفسها من غير كفء؛ أنه لا يثبت لها حق الفسخ ويثبت للأولياء؛ لأن
النكاح لا يفسخ بالعذر، فقد لزمها العقد، والإِجارة تنفسخ بالعذر، وإن وقعت لازمة.
ولو انهدم منزل المؤاجر ولم يكن له منزل آخر سوى المنزل المؤاجر، فأراد أن ينقض
الإِجارة ويسكنها، ليس له ذلك؛ لأنه يمكنه أن يستأجر منزلاً آخر أو يشتري، فلا ضرورة إِلى
فسخ الإِجارة؛ وكذا إِذا أراد التحول من [هذا](٢) المصر؛ لأنه يمكنه أن يترك المنزل في
الإِجارة، ويخرج بخلاف المستأجر إِذا أراد أن يخرج لما ذكرنا.
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط .

٣٣
كِتَابِ الإِجَارَةِ
ولو اشترى المستأجر منزلاً، فأراد التحول إليه، لم يكن ذلك عذراً؛ لأنه يمكنه أن
يؤاجر دار نفسه، فشراؤه داراً أخرى أو وجود دار أخرى لا يوجب عذراً في الدار المستأجرة،
والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
وأما الذي هو في جانب المستأجر، فمنها: عتق العبد المستأجر فإِنه عذر في فسخ
الإِجارة، حتى لو أجر رجل عبده سنة، فلما مضت ستة أشهر أعتقه، فهو بالخيار إن شاء مضى
على الإِجارة، وإِن شاء فسخ.
أما العتق، فلا شك في نفاذه لصدور الإِعتاق من الأهل في المحل المملوك المرقوق
والعارض، وهو حق المستأجر لا يؤثر إلا في المنع من التسليم ونفاذ العتق لا يقف على إِمكان
التسليم، بدليل أن إِعتاق الآبق نافذٌ.
وأما الخيار؛ فلأن العقد على المنافع ينعقد شيئاً فشيئاً على حسب حدوثها، فيصير بعد
الحرية كأنه عقد عليه ابتداء، فكان له خيار الإجارة والفسخ، فإن فسخ بطل العقد فيما بقي،
وسقط عن المستأجر الأجر فيما بقي، وكان أجر ما مضى للمولى؛ لأنها بدل منفعة استوفيت
على ملك المولى بعقده، وإِن أجاز ومضى على الإِجارة، فالأجرة فيما يستقبل إِلى تمام السنة
تكون للعبد؛ لأنها بدل منفعة استوفيت بعد الحرية، فكانت له؛ كما لو أجر نفسه من إِنسان بغير
إِذن مولاه، فأعتقه المولى في المدة، فلا خيار له؛ بخلاف العبد المأذون إِذا أجر نفسه بعد
الحرية، فإن اختار الإِجارة لم يكن له أن ينقضها بعد ذلك؛ لأنه باختيار الإِجارة أبطل حق
الفسخ، فلا يحتمل العود وقبضٍ الأجرة كلها للمولى، وليس للعبد أن يقبض الأجرة إِلا بوكالة
من المولى، لأن العاقد هو المولى، وحقوق العقد ترجع إلى العاقد، هذا إن لم يكن المستأجر
عجل الأجرة، ولا شرط المولى عليه التعجيل، فإن كان عجل أو شرط عليه التعجيل فأعتق العبد
واختار المضي على الإِجارة، فالأجرة كلها للمولى؛ لأنها ملكها بالتعجيل أو باشتراط التعجيل.
وإِن اختارَ الفسخ يرد النصف إِلى المستأجر؛ لأن الأجرة بمقابلة المنفعة ولم يسلم له إِلا
منفعة نصف المدة، وسواء كان المولى أجره بنفسه أو أذن للعبد أن يؤاجر نفسه سنة، فأجرٍ ثم
أعتقه المولى في نصف المدة؛ لأن عقده بإذن المولى كعقد المولى بنفسه، إِلا إِن قبض الأجرة
ثم أعتقه المولى في المدة؛ لأن إِجارة المحجور وقعت فاسدة، وخيار الإِمضاء في العقد
الفاسد لا يثبت شرعاً، فبطل العقد بنفس الإِعتاق؛ بخلاف المأذون.
ومنها: بلوغ الصبي المستأجر آجره أبوه، أو وصى أبيه، أو جده، أو وصى جده، أو
القاضي، أو أمينه - فبلغ في المدة، فهو عذر إِن شاء أمضى الإِجارة، وإن شاء فسخ، لأَن في
إبقاء العقد بعد البلوغ ضرراً بالصبي؛ لما بينا فيما تقدم، فيعجز عن المضي في موجب العقد
إِلا بضرر لم يلتزمه، فكان عذراً.
بدائع الصنائع ج٦ - ٣٣

٣٤
كِتَابِ الإِجَارَةِ
ولو أجر واحد من هؤلاء شيئاً من ماله، فبلغ قبل تمام المدة، لا خيار له، والفرق بين
إِجارة النفس والمال فذكرناه(١) في ((كتاب البيوع))؛ أن إِجارة ماله تصرف نظر في حقه، فلا
يملك إِبطاله بالبلوغ، فأما إِجارة النفس فهو في وضعها إِضرار وإِنما يملكها الولي أو الوصي
من حيث هي تأديب، وقد انقطعت ولاية التأديب بالبلوغ، فأما غلاء أجر المثل فليس بعذر
تنفسخ به الإِجارة، إِلا في إِجارة الوقف، حتى لو آجر داراً هي ملكه ثم غلا أجر مثل الدار،
ليس له أن يفسخ العقد، إِلاَّ في الوقف، فإِنه يفسخ نظراً للوقف ويجدد العقد في المستقبل
على أجرة معلومة، وفيما مضى يجب المسمى بقدره، وقيل هذا إذا ازداد أجر مثل الدور.
فأما إذا جاء واحد وزاد في الأجرة تعنتاً على المستأجر الأول، فلا يعتبر ذلك، ثم إنما
تفسخ هذه الإِجارة إذا أمكن الفسخ، فأما إذا لم يمكن فلا تفسخ؛ بأن كان في الأرض زرع لم
يستحصد؛ لأن في القلع ضرراً بالمستأجر، فلا تفسخ، بل تترك إلى أن يستحصد الزرع بأجر
٢٣٣/١ أ المثل، فإلى وقت الزيادة يجب المسمى بقدره / ، وبعد الزيادة إِلى أن يستحصد يجب أجر
المثل، هذا إِذا غلا أجر مثل الوقف، فأما إِذا رخص فإن الإِجارة لا تفسخ؛ لأن المستأجر
رضي بذلك القدر وزيادة؛ ولأن الفسخ في الوقف عند الغلاء لمعنى النظر للوقف، وفي هذا
ضرر، فلا تفسخ.
وأما العذر في استئجار الظئر فنحو ألا يأخذ الصبي من لبنها لأنه لم يحصل بعض ما
دخل تحت العقد أو بقي من لبنها؛ لأن الصبي يتضرر به.
أو تحبل الظئر لأن لبن الحامل يضر بالصبي، أو تكون سارقةً لأنّهم يخافون على متاعهم
أو تكون فاجرة بينة الفجور، لأنها تتشاغل بالفجور عن حفظ الصبي، أو أرادوا أن يسافروا
بصبيهم وأبت الظئر أن تخرج معهم؛ لأن في إلزامهم ترك المسافرة إِضراراً بهم، وفي إِبقاء
العقد بعد السفر إِضراراً أيضاً.
أو تمرض الظئر؛ لأن الصبي يتضرر بلبن المريضة، والمرأة تتضرر بالإِرضاع في
[حال](٢) المرض أيضاً، فيثبت حق الفسخ من الجانبين.
فإن كانوا يؤذونها بألسنتهم أمروا أن يكفوا عنها، فإن لم يكفوا، كان لها أن تخرج؛ لأن
الأَذية محظورة، فعليهم تركها، فإن لم يتركوها، كان في إبقاء العقد ضرر غير ملتزم بالعقد،
فكان عذراً، وللزوج أن يخرجها من الرضاع إن لم تكن الإِجارة برضاه.
(١) في ط: ذكره.
(٢) سقط في ط.

٣٥
كِتَاب الإِجَارَةِ
وقيل: هو على التفصيل إن كان ممن يشينه أن ترضع زوجته فله الفسخ؛ لأنه يعبر بذلك
فيتضرر به، وإِن كان ممن لا يشينه ذلك، لم يكن له أن يفسخ؛ لأن المملوك له بالنكاح منافع
بضعها لا منافع ثديها، فكانت هي بالإِجارة متصرفة في حقّها، وقيل: له الفسخ في الوجهين
لأنها إِن أرضعت الصبي في بيتهم فللزوج أن يمنعها من الخروج من منزله، وإِن أرضعت في
بيته، فله أن يمنعها من إِدخال الصبي إلى بيته .
ثم إذا اعترض شيءٌ من هذه الأعذار التي وصفناها، فالإِجارة تنفسخ بنفسها أو تحتاج
إلى الفسخ؟
قَالَ بَعْضُ مَشَايخنا: تنفسخُ بنفسها .
وقَال بعضُهم: لا تنفسخ.
والصُّواب: أنَّه ينظر إِلى العذر: إِن كان يوجب العجز عن المضي في موجب العقد
شرعاً؛ بأن كان المضي فيه حراماً، فالإِجارة تنتقض بنفسها؛ كما في الإِجارة على قلع الضرس
إذا اشتكت ثم سكنت، وعلى قطع اليد المتأكلة إِذا برأت ونحو ذلك.
وإِن كان العذر بحيث لا يوجب العجز عن ذلك لكنه يتضمن نوع ضرر لم يوجبه العقد،
لا ينفسخ إلا بالفسخ، وهل يحتاج فيه إلى فسخ القاضي أو التراضي، ذكر في الأصل، وفي
((الجامع الصغير)) أنه لا يحتاج إليه، بل للعاقد فسخها.
وذكر في الزيادات: أنها لا تنفسخ إلا بفسخ القاضي أو التراضي، وجه ما ذكر في
الزيادات أن هذا خيار ثبت بعد تمام العقد، فأشبه الرد بالعيب بعد القبض، وجه المذكور في
((الأصل)) و((الجامع الصغير)) أن المنافع في الإِجارة لا تملك جملة واحدة، بل شيئاً فشيئاً،
فكان اعتراض العذر فيها بمنزلة عيب حدث قبل القبض، والعيبُ الحادثُ قبل القبض في باب
البيع يوجب للعاقد حق الفسخ، ولا يقف ذلك على القضاء والرضا؛ كذا هذا.
ومن مشايخنا من فصل في ذلك(١) تفصيلاً، فقال: إِن كان العذر ظاهراً، لا حاجة إلى
القضاء، وإِن كان خفيًّا كالدين، يشترط القضاء ليظهر العذر فيه ويزول الاشتباه، وهذا حسنٌ،
ويبنغي أن يبيع المستأجر ثم يفسخ الإِجارة.
(١) في ط: فيه.

٣٦
كِتَابِ الإِجَارَةِ
فصل في صفة الإجارة
وأما صفةُ الإِجارة، فالإِجارة عقد لازم إِذا وقعت صحيحةً عرَّيةً عن خيار الشرط والعيب
والرؤية - عند عامة العلماء، فلا تفسخ من غير عذرٍ، وقال شريح: إنها غير لازمة وتفسخ
بالأعذار(١)، لأنها إِباحة المنفعة فأشبهت الإعارة. ولنا: أنها تمليك المنفعة بعوض فأشبهت
البيع؛ وقال - سبحانه وتعالى -: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] والفسخ ليس من الإِيفاء بالعقد.
وقال عمر - رضي الله عنه -: البيعُ صفقةٌ، أو خيارٌ، جعل البيع نوعين: نوعاً لا خيار
فيه، ونوعاً فيه خيار، والإِجارة بيع، فيجب أن تكون نوعين: نوعاً ليس فيه خيار الفسخ؛
ونوعاً فيه خيار الفسخ؛ ولأنها معاوضة عقدت مطلقة، فلا ينفرد أحد العاقدين فيها بالفسخ إِلا
عند العجز عن المضي في موجب العقد من غير تحمل ضرر كالبيع.
فصل [في حكم الإجارة]
وأما حكم الإِجارة، فالإِجارة لا تخلو إِما إِن كانت صحيحة؛ وإِما إن كانت فاسدة؛ وإِما
إن كانت باطلة؛ أما الصحيحة فلها أحكام بعضُها أصليٍّ، وبعضُها من التوابع؛ أما الحكم
الأصلي فالكلام فيه في ثلاث مواضع؛ في بيان أصل الحكم، وفي بيان وقت ثبوته، وفي بيان
كيفية ثبوته .
٢٣٣/٢ ب
أما الأول: فهو ثبوت الملك في المنفعة للمستأجر، وثبوت الملك في الأجرة / المسماة
للآجر؛ لأنها عقد معاوضة إذ هي بيع المنفعة، والبيع عقد معاوضة فيقتضي ثبوت الملك في
العوضين.
وأما وقت ثبوته، فالعقد لا يخلو: إما إن كان عقد مطلقاً عن شرط تعجيل الأجرة، وإِما
أن شرط فيه تعجيل الأجرة أو تأجيلها، فإن عقد مطلقاً فالحكم يثبت في العوضين في وقت
واحدٍ، فيثبتُ الملك للمؤاجر في الأجرة وقت ثبوت الملك للمستأجر في المنفعة، وهذا قول
أصحابنا .
وقال الشافعي: حكم الإجارة المطلقة هو ثبوت الملك في العوضين عَقِيب العقد بلا
فصل، وأما كيفية ثبوت حكم العقد فعندنا يثبت شيئاً فشيئاً على حسب حدوث محله وهو
المنفعة؛ لأنها تحدث شيئاً فشيئاً، وعنده تجعل [منافع](٢) المدة موجودة تقديراً؛ كأنها أعيان
(١) في ط: بلا عذر.
(٢) سقط في ط.

٣٧
كِتَابِ الإِجَارَةِ
قائمة، ويثبت الحكم فيها في الحال، وعلى هذا يبنى أن الأجرة لا تملك بنفس العقد المطلق
عندنا، وعنده تملك.
وجه قوله: إن الإجارة عقد معاوضة وقد وجدت مطلقة، والمعاوضة المطلقة تقتضي
ثبوت الملك في العوضين عَقِيب العقد كالبيع، إِلاَّ أَنَّ الملك لا بد له من محل يثبت فيه،
ومنافع(١) المدة معلومة في الحال حقيقة فتجعل موجودة حكماً؛ تصحيحاً للعقد، وقد يجعل
المعدوم حقيقةً موجوداً تقديراً عند تحقق الحاجة والضرورة.
ولنا أن المعاوضة المطلقة إذا لم يثبت الملك فيها في أحد العوضين لا يثبت في العوض
الآخر؛ إذ لو ثبت لا يكون معاوضة حقيقة؛ لأنه لا يقابله عوض؛ ولأن المساواة في العقود
المطلقة مطلوب العاقدين، ولا مساواة إذا لم يثبت الملك في أحد العوضين، والملك لم يثبت
في أحد العوضين وهو منافع المدة؛ لأنها معدومة حقيقة، فلا تثبت في الأجرة في الحال
تحقيقاً للمعاوضة المطلقة في أيّ وقت تثبت، فقد كان أبو حنيفة أولاً يقول: إِن [الأجرة لا
تجب](٢) إلا بعد مضي المدة [في الإجارة التي تقع على المدة] (٣)، مثل استئجار الأرض سنة
أو عشر سنين، وهو قول زفر، ثم رجع هنا فقال: تحب يوماً فيوماً وفي الإِجارة على المسافة،
مثل أن استأجر بعيراً إلى مكة ذاهباً وجائياً، كان قوله الأول أن لا يلزمه تسليم الأجر حتى
يعود، وهو قول زفر، ثم رجع وقال: يسلم حالاً فحالاً.
وذكر الكرخي: أنه يسلم أجرة كل مرحلة إِذا انتهى إليها، وهو قول أبي يوسف ومحمد،
وجه قول أبي حنيفة الأول أن منافع المدة أو المسافة من حيث أنها معقود عليها شيء واحد،
فما لم يستوفها كلها لا يجب شيء من بدلها؛ كمن استأجر خياطاً يخيط ثوباً فخاط بعضه، أنه
لا يستحق الأجرة حتى يفرغ منه؛ وكذا القصار والصباغ.
وجه قوله الثاني: وهو المشهور، أنه ملك البدل [بمقابلة ملك المبدل](٤) وهو المنفعة
وأنها تحدث شيئاً فشيئاً على حسب حدوث الزمان، فيملكها شيئاً فشيئاً على حسب حدوثها،
فكذا ما يقابلها، فكان ينبغي أن يجب عليه تسليم الأجرة ساعة فساعةٍ إلا أن ذلك متعذر،
فاستحسن فقال يوماً فيوماً ومرحلة فمرحلة؛ لأنه لا يعذر فيه، وروي عن أبي يوسف فيمن
استأجر بعيراً إلى مكة أنه إذا بلغ ثلث الطريق أو نصفه أعطي من الأجر بحسابه استحساناً،
وذكر الكرخي أن هذا قول أبي يوسف الأخير، ووجهه أن السير إلى ثلث الطريق أو نصفه
منفعة مقصودة في الجملة، فإذا وجد ذلك القدر يلزمه تسليم بدله.
(١) في ط: منافع.
(٢) في أ: الأجر لا يثبت.
(٣) سقط في ط.
(٤) سقط في ط .

٣٨
كِتَابِ الإِجَارَةِ
وعلى هذا يخرج ما إِذا أبرأ المؤاجر المستأجر من الأجر أو وهبه له أو تصدق به عليه،
أن ذلك لا يجوز في قول أبي يوسف الأخير، عيناً كان الأجر أو ديناً، وقال محمد: إِن كان
ديناً جاز.
وجه قول أبي يوسف: ظاهر خارج على الأصل، وهو أن الأجرة لم يملكها المؤاجر في
العقد المطلق عن شرط التعجيل والإِبراء عما ليس بمملوك المبرىء لا يصح بخلاف الدين
المؤجل؛ لأنه مملوك وإنما التأجيل لتأخير المطالبة فيصح الإِبراء عنه، وهبة غير المملوك لا
تصح.
وجه قول محمد: أن الإِبراء لا يصح إِلا بالقبول، فإِذا قبل المستأجر فقد قصدا صحة
تصرفهما، ولا صحة إِلا بالملك، فيثبت الملك مقتضى التصرف تصحيحاً له؛ كما في قول
الرجل لغيره: أعتق عبدك عني على ألف درهم، فقال: أعتقت، والإِبراء إِسقاط، وإِسقاط
الحق بعد وجود سبب الوجوب جائز، كالعفو عن القصاص بعد الجرح قبل الموت، وسبب
الوجوب ههنا موجود وهو العقد المنعقد، والجواب أنه إِن كان يعني بالانعقاد في حق الحكم
فهو غير منعقد في حق الحكم، بلا خلافٍ بين / أصحابنا، وإن كان يعني [به](١) شيئاً آخر
فهو غير معقول، ولو أبرأه عن بعض الأجرة أو وهب منه جاز في قولهم جميعاً.
٢٣٤/٢ ١
أما على أصل محمد، فظاهر، لأنه يجوز ذلك عنده في الكل؛ فكذا في البعض، وأما
على أصل أبي يوسف فلأن ذلك حط بعض الأجرة فيلحق الحط بأصل العقد، فيصير كما لو
وجد في حال العقد بمنزلة هبة بعض الثمن في البيع وحط الكل، لا يمكن إلحاقه بأصل
العقد، ولا سبيل إلى تصحيحه للحال لعدم الملك، وأما إذا كانت الأجرة عيناً من الأعيان
فوهبها المؤاجر للمستأجر قبل استيفاء المنافع، فقد قال أبو يوسف أن ذلك لا يكون نقضاً
للإجارة .
وقال محمد: إن قبل المستأجر الهبة بطلت الإِجارة، وإِن رَدَّهَا لم تبطل، أما أبو يوسف
فقد مر على الأصل أن الهبة لم تصبح لعدم الملك، فالتحقت بالعدم؛ كأنها لم توجد رأساً
بخلاف المشتري إذا وهب المبيع من بائعه قبل القبض وقبله البائع أن ذلك يكون نقضاً للبيع؛
لأن الهبة هناك قد صحت لصدورها من المالك، فثبت الملك للبائع، فانفسخ البيع.
وأما محمد فإنه يقول: الأجرة إذا كانت عيناً كانت في حكم المبيع؛ لأن ما يقابلها هو
في حكم الأعيان؛ والمشتري إذا وهب المبيع قبل القبض من البائع فقبله البائع يبطل البيع؛ كذا
(١) سقط في ط.

٣٩
كِتَابِ الإِجَارَةِ
هذا، وإذا رد المستأجر الهبة لا تبطل الإِجارة؛ لأن الهبة لا تتم إلا بالقبول، فإذا ردها(١)
بطلت والتحقت بالعدم.
وعلى هذا إذا صارف المؤاجر المستأجر بالأجرة فأخذ بها ديناراً؛ بأن كانت الأجرة
دراهم أن العقد باطل عند أبي يوسف في قوله الأخير؛ وكان قوله الأول إنه جائز، وهو قول
محمد .
فأبو يوسف مَرَّ على الأصلِ فقال الأجرة لم تجب بعقد الإِجارة، وما وجب بعقد
الصرف لم يوجد فيه التقابض في المجلس، فيبطل العقد فيه؛ كمن باع ديناراً بعشرة فلم
يتقابضا؛ ولأنه يشتري الدينار بدراهم في ذمته ثم يجعلها قصاصاً بالأجرة، ولا أجرة له، فيبقى
ثمن الصرف في ذمته، فإذا افترقا قبل القبض بطل الصرف، ومحمد يقول: إِذا لم يجز الصرف
إلا بيدل واجب ولا وجوب إلا بشرط التعجيل، ثبت الشرط مقتضى إقدامهما على الصرف.
ولو شرطا تعجيل الأجرة ثم تصارفا جاز؛ كذا هذا.
ولو اشترى المؤاجر من المستأجر عيناً من الأعيان بالأجرة جاز في قولهم؛ لأن العقد
على الأعيان [لا يقتضي قبض البدل في المجلس، فجاز العقد، وإن كانت الأجرة غير واجبة،
ويبقى الثمن في ذمته، ولو أخذنا بالأجرة رهناً، أو كفيلاً جاز في قولهم. أما على أصل
محمد: فلأن الإبراء](٢) والهبة جائزان، فالرهن والكفالة أولى.
وأما على أصل أبي يوسف فأما الكفالة؛ فلأن جوازها لا يستدعي قيام الدين للحال،
بدليل أنه لو كفل بما يذوب له على فلان جازت؛ وكذلك الكفالة بالدين(٣) جائزة، وكذلك
الرهن بدينٍ لم يجب، جائز؛ كالرهن بالثمن في البيع المشروط فيه الخيار؛ ولأن الكفالة
والرهن شرعاً للتوثق، والتوثق ملائم للأجر، هذا إذا وقع العقد مطلقاً عن شرط تعجيل
الأجرة، فأما إذا شرط في تعجيلها ملكت بالشرط ووجب تعجيلها، فالحاصلُ أن الأجرة لا
تملك عندنا إلا بأحد معان ثلاثة، أحدها: شرط التعجيل في نفس العقد، والثاني: التعجيل من
غير شرط، والثالث: استيفاء المعقود عليه.
أما ملكها بشرط التعجيل فلأن ثبوت الملك في العوضين في زمان واحد لتحقيق معنى
المعاوضة المطلقة، وتحقيق المساواة التي هي مطلوب العاقدين؛ ومعنى المعاوضة والمساواة
لا يتحقق إلا في ثبوت الملك فيهما في زمان واحد؛ فإذا شرط التعجيل فلم توجد المعاوضة
(١) في ط: رد.
(٢) سقط في ط.
(٣) في ط: بالدرك.

٤٠
كِتَابِ الإِجَارَةِ
المطلقة، بل المقيدة بشرط التعجيل، فيجب اعتبار شرطهما؛ لقوله وَلهو: ((المُسْلِمُونَ عِنْدَ
شُرُوطِهِمْ)) فيثبت الملك في العوض قبل ثبوته في المعوض؛ ولهذا صح التعجيل في ثمن
المبيع؛ وإن كان إطلاق العقد يقتضي الحلول؛ كذا هذا؛ وللمؤجر حبس ما وقع عليه العقد
حتى يستوفي الأجرة؛ كذا ذكر الكرخي في جامعه؛ لأن المنافع في باب الإِجارة كالبيع في
باب البيع، والأجرة في الإِجارات كالثمن في البياعات؛ وللبائع حبس المبيع إلى أن يستوفي
الثمن، فكذا للمؤاجر حبس المنافع إلى أن يستوفي الأجرة المعجلة.
فإن قيل لا فائدة في هذا الحبس، لأن الإِجارة إذا وقعت على مدة فإذا حبس المستأجر
مدة بطلت الإِجارة في تلك المدة، ولا شيء فيها من الأجرة، فلم يكن الحبس مفيداً.
٢٣٤/٢ ب
فالجواب: إن الحبس مفيد لأنه يحبس ويطالب بالأجرة، فإن عجل وإلا فسخ / العقد،
فكان في الحبس فائدة؛ على أن هذا لا يلزم في الإِجارة على المسافة بأن أجر دابة مسافة
معلومة؛ لأن العقد ههنا لا يبطل بالحبس؛ وكذا هذا، ويبطل ببيع ما يتسارع إليه الفساد؛
كالسمك الطري ونحوه؛ إذ للبائع حبسه حتى يستوفي الثمن، وإن كان يؤدي إلى إبطال البيع
بهلاك المبيع قبل القبض، وإن وقع الشرط في عقد الإجارة على أن لا يسلم المستأجر الأجر
إلا بعد انقضاء مدة الإِجارة، فهو جائز.
وأما على قول أبي حنيفة الأول فظاهر، لأن الأجرة لا تجب إلا في آخر المدة، فإذا
شرط كان هذا شرطاً مقرراً مقتضى العقد، فكان جائزاً، وأما على قوله الآخر، فالأجر وإِن
كانت تجب شيئاً فشيئاً فقد شرط تأجيل الأجرة؛ والأجرة كالثمن فتحتمل التأجيل كالثمن.
وأما إذا عجل الأجرة من غير شرط؛ فلأنه لما عجل الأجرة فقد غير مقتضى مطلق العقد
وله هذه الولاية؛ لأن التأخير ثبت حقًّا له، فيملك إبطاله بالتعجيل، كما لو كان عليه دين
مؤجل فعجله؛ ولأن العقد سبب استحقاق الأجرة، فالاستحقاق وإن لم يثبت فقد انعقد سببه،
وتعجيل الحكم قبل الوجوب بعد وجود سبب الوجوب جائز؛ كتعجيل الكفار بعد الجرح قبل
الموت .
وأَمًّا إذا استوفى المعقود عليه فلأنه يملك المعوض فيملك المؤاجر العوض في مقابلته؛
تحقيقاً للمعاوضة المطلقة، وتسوية بين العاقدين في حكم العقد المطلق، وعلى هذا الأصل
تبنى الإجارة المضافة إلى زمان في المستقبل بأن قال: أجرتك هذه الدار غداً، أو رأس شهر
كذا؛ أو قال: أجرتك هذه الدار سنةً أولها غرة شهر رمضان - أنها جائزة في قول أصحابنا،
وعند الشافعي: لا تجوز.
وجه البناء: أن الإجارة بيع المنفعة، وطريق جوازها عنده أن يجعل منافع المدة موجودة