النص المفهرس

صفحات 1-20

٠٠
بَرَائُ الصَّنَّائِعِ
في ترتيب الشرائح
تأکیف
الإِمَامِ عَلَاءِ الدِّيْن أَيْ بَكَرْ بن مَسْعُود
الكَاسَانِي الحَنْفيْ
المتوفى سنة ٥٨٧ هـ
تَحَمِيق وَتَعَلِيق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الشيخ عَلى مَّد معوض
الجزء السادس
يَحَتَوَي عَلى الكتب التَّالِيَة:
تَمَ كّاب الإِجَارَة - الاستصناع - الشُّفَعَة- الذَّبائح والصيُود- الاصطياد
الصحية. النذر الكفّارات" الأشربة- الاستحسان- البيوع
منشورات
محمد عَلى بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

منشوراتْ محمّد عَليُ بيضوت
دار الكتب العلمية.
جميع الحقوق محفوظة
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً
Exclusive rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be translated,
reproduced, distributed in any form or by any means,
or stored in a data base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle ou morale
d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur
cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production
écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée
de l'éditeur.
الطبعة الثانية
٢٠٠٣ م - ١٤٢٤ هـ
دار الكتب العلمية.
بَيرُوت - لبْنَان
رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت
الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية
هاتف وفاكس: ٨٠٤٨١٠/١١/١٢/١٣ (٩٦١٥+)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Raml Al-Zarif, Bohtory Str., Melkart Bldg. 1st Floor
Head office
Aramoun - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg.
Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13
P.O.Box: 11-9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kutub Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Raml Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, 1er Étage
Administration général
Aramoun - Imm. Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13
P.P: 11-9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-0417-9
90000>
9 782745 104175
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

ـير
إِبْهِ الرَّمنِ الرَّحِـ
بيـ
بَقِيَّةُ كِتَابِ الإِجَارُةِ
وأَمَّا الاستئجار على نقله من بلدٍ إلى بلدٍ فقد قال محمد ابتلينا بمسألة: ميت مات من
المشركين فاستأجروا له من يحمله إلى موضع فيدفنه في غير الموضع الذي مات فيه؛ أراد
بذلك إذا استأجروا له من ينقله من بلد إلى بلد؛ فقال أبو يوسف: لا أجر له؛ وقلت أنا إن كان
الحمال الذي حمله يعلم أنه جيفة فلا أجر له؛ وإن لم يعلم فله الأجر.
وجه قول محمد أن الأجير إذا علم أنه جيفة فقد نقل ما لا يجوز له نقله، فلا يستحق
الأجر؛ وإذا لم يعلم فقد غروه بالتسمية، والغرورُ يوجب الضمان.
ولأبي يوسف أن الأصل أن لا يجوز نقل الجيفة، وإنما رخص في نقلها للضرورة، وهي
ضرورة رفع أذيتها، ولا ضرورة في النقل من بلد إلى بلد، فبقي على أصل الحرمة كنقل الميتة
من بلد إلى بلدٍ.
ومن استأجر حمالاً يحمل له الخمر، فله الأجر في قول أبي حنيفة؛ وعند أبي يوسف
ومحمد لا أجر له؛ كذا ذكر في الأصل؛ وذكر في ((الجامع الصغير)) أنه يطيب له الأجر في
قول أبي حنيفة؛ وعندهما يكره لهما أن هذه إجارة على المعصية، لأنَّ حمل الخمر معصية؛
لكونه إعانة على المعصية؛ وقد قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْم وَالْعُذْوَانِ﴾
[المائدة: ٢]؛ ولهذا لعن الله تعالى [في الخمر] (١) عشرة منهم حاملها والمحمول إليه (٢).
ولأبي حنيفة أن نفس الحمل ليس بمعصية بدليل أن حملها للإراقة والتخليل(٣) مباح؛
وكذا ليس بسبب للمعصية وهو الشرب؛ لأن ذلك يحصل بفعل فاعل مختار، وليس الحمل من
ضرورات الشرب، فكان(٤) سبباً محضاً فلا حكم له كعصر العنب وقطفه: والحديث محمولٌ
(١) سقط من ط.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٢٦/٣) كتاب الأشربة باب في العنب يعصر للخمر حديث (٣٦٧٤) من حديث ابن
عمر .
(٣) في أ: التخلل.
(٤) في ط: فكانت.
٣

٤
كِتَابِ الإِجَارَةِ
على الحمل بنية الشرب؛ وبه نقول لأن(١) ذلك معصية؛ ويكره أكل أجرته، ولا تجوز إجارة
الإماء للزنا؛ لأنها إجارة على المعصية، وقيل فيه نزل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى
الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَاً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور: ٣٣].
وروي عن رسول الله وَ ل أنه نهى عن مهر البغي (٢)؛ وهو أجر الزانية على الزنا.
وتجوز الإِجارة للحجامة وأخذ الأجرة عليها؛ لأن الحجامة أمر مباح، وما ورد من النهي
عن كسب الحجام في الحديث عن رسول الله وَّر أنه قال: ((مِنَ السُّخْتِ عَسَبُ التَّيْسِ وَكَسْبُ
الحَجَّامِ))(٣) فهو محمول على الكراهة الدناءة الفعل.
والدليل عليه ما روي أن رسول الله وَ لّ لما قال ذلك أتاه رجلٌ من الأنصار فقال: إن لي
حجاماً وناضحاً فأعلف ناضحي من كسبه؛ قال وَالقال: ((نعم)) (٤).
(١) في ط: أن.
(٢) أخرجه البخاري (٤٢٦/٤) كتاب البيوع: باب ثمن الكلب حديث (٢٢٣٧) ومسلم (١١٩٨/٣) كتاب
المساقاة: باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي حديث (١٥٦٧/٣٩) وأبو داود (٧٥٣/٣)
كتاب البيوع باب ما جاء في ثمن الكلب حديث (٣٤٨١) والترمذي (٥٧٥/٣) كتاب البيوع: باب ما جاء
في ثمن الكلب حديث (١٢٧٦) والنسائي (٣٠٩/٧) كتاب البيوع: باب بيع الكلب وابن ماجه (٧٣٠/٢)
كتاب التجارات: باب النهي عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن حديث (٢١٥٩) وأحمد (٤/
١١٨، ١١٩، ١٢٠) والدارمي (١٧٠/٢. ١٧١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٥١/٤) والبيهقي
(١٢٦/٦) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢١٥/٤ . بتحقيقنا) من حديث أبي مسعود البدري قال: نهى
رسول الله وَّلي عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٣) أخرجه الطحاوي في معاني الآثار (١٢٩/٤) كتاب الإجارات. باب الجعل على الحجامة والخطيب في التاريخ
(٣٣٩/١) كلاهما من طريق رباح بن أبي معروف عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالر: ((إن من
السحت كسب الحجام)) لفظ الطحاوي، ولفظ الخطيب: ((من السحت كسب الحجام، وثمن الكلب، ومهر
البغي)) وأخرجه أحمد (٢٩٩/٢، ٣٣٢، ٣٤٧، ٤١٥، ٥٠٠) من طريق آخر عن أبي هريرة بلفظ ((نهى
رسول الله (َّر عن كسب الحجام، وثمن الكلب، وكسب البغي)) وأخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده
(٤٣٣. بغية) قال: حدثنا أبو النضر ثنا أبو معاوية يعني شيبان عن ليث عن عطاء عن أبي هريرة به مرفوعاً ((أربع
كلهن من السحت مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام وضراب الفحل)).
(٤) أخرجه أحمد (٤٣٥/٥، ٤٣٦) في مسند محيصة بن مسعود رضي الله عنه، وأبو داود (٧٠٧/٣) كتاب
البيوع والإجارات، باب في كسب الحجام، الحديث (٣٤٢٢) والترمذي، السنن (٥٧٥/٣) كتاب البيوع،
باب ما جاء في كسب الحجام، الحديث (١٢٧٧) وابن ماجه (٧٣٢/٢) كتاب التجارات، باب كسب
الحجام الحديث (٢١٦٦) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٣١/٤) كتاب الإجارات، باب الجعل على
الحجامة، والحميدي (٣٨٧/٢) رقم (٨٧٨) وابن أبي سيبة (٢٦٥/٦) وابن الجارود (٥٨٣) والبيهقي
(٣٣٧/٩) من طرق عن الزهري عن حرام بن مصيصة عن أبيه وقال الترمذي حديث حسن.

٥
كِتَابِ الإِجَارَةِ
وروي أنه وَّ احتجمَ وأَعْطَى الحَجَّام ديناراً (١) ولا يجوز استئجار الرجل أباه
ليخدمه؛ لأنه مأمور بتعظيم أبيه، وفي الاستخدام استخفاف به، فكان حرام، فكان هذا
استئجاراً على المعصية؛ وسواء كان الأب حرًّا أو عبداً استأجره ابنه من مولاه ليخدمه؛
لأنه لا يجوز استئجار(٢) الأب، حرًّا كان أو عبداً؛ وسواء كان الأب مسلماً أَوْ ذَمِيًّا؛ لأن
تعظيم الأب واجب وإن اختلف الدين: قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفَا﴾
[لقمان: ١٥] وهذا في الأبوين الكافرين؛ لأنه معطوف على قوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ
عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥]، وإن شئت أفردت لجنس هذه
المسائل شرطاً وخرجتها عليه فقلت: ومنها: أن تكون المنفعة مباحة الاستيفاء؛ فإن كانت
محظورة الاستيفاء لم تجز الإجارة، / لكن في هذا شبهة التداخل في الشروط والصناعة تمنع ٢/ ٢٢٨ ١
من ذلك.
وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر رجلاً على العمل في شيء هو فيه شريكه؛ نحو ما إذا
كان بين اثنين طعام فاستأجر أحدهما صاحبه على أن يحمل نصيبه إلى مكان معلوم، والطعام
غير مقسوم، فحمل الطعام كله، أو استأجر غلام صاحبه أو دابة صاحبه على ذلك؛ أنه لا
تجوز هذه الإجارة عند أصحابنا: وإذا حمل لا أجر له، وعند الشافعي هذه الإجارة جائزة وله
الأجر إذا حمل.
وبه قوله أن الأجر تابع نصف منفعة الحمل الشائعة من شريكه؛ لأن الإِجارة بيع المنفعة
فتصح في الشائع كبيع العين؛ وهذا لأن عمله وهو الحمل، وإن صادف محلاً مشتركاً وهو لا
يستحق الأجرة بالعمل في نصيب نفسه فيستحقها بالعمل في نصيب شريكه.
ولنا أنه أجر ما لا يقدر على إيفائه؛ لتعذر تسليم الشائع بنفسه، فلم يكن المقدور عليه
مقدور الاستيفاء، وإنما لا يجب الأجر أصلاً؛ لأنه لا يتصور استيفاء المعقود عليه؛ إذ لا
(١) أخرجه البخاري (٣٢٤/٤) كتاب البيوع، باب ذكر الحجام، الحديث (٢١٠٣) وفي (٤ /٤٥٨) كتاب
الإجارة، باب خراج الحجام، الحديث (٢٢٧٨) و(٢٢٧٩) ومسلم (١٢٠٥/٣) كتاب المساقاة باب حل
أجرة الحجامة، الحديث (١٢٠٢/٦٥) و(١٢٠٢/٦٦).
وأبو داود (٢٨٧/٢) كتاب البيوع: باب في كسب الحجام حديث (٣٤٢٣) وابن ماجه (٧٣١/٢) كتاب
التجارات: باب كسب الحجام حديث (٢١٦٢) وأحمد (٢٤١/١، ٢٥٠، ٢٥٨، ٢٩٢، ٣١٦) وابن
الجارود رقم (٥٨٤) من طرق عن ابن عباس.
ولمسلم الحديث (١٢٠٢/٦٦): ((حجم النبي وَلّر عبد لبني بياضة، فأعطاه النبي ◌َّ أجره، وكلم سيده
فخفف عنه ضريبته. ولو كان سحتاً لم يعطه النبي (وَلِّ)).
(٢) في أ: استخدام.

٦
كِتَابِ الإِجَارَةِ
يتصور حمل نصف الطعام تبايعاً، ووجوب أجر المثل يقف على استيفاء المعقود عليه ولم
يوجد فلا يجب؛ بخلاف ما إذا استأجر من رجلٍ بيتاً له ليضع فيه طعاماً مشتركاً بينهما أو سفينة
أو جوالقاً؛ أَن الإجارة جائزة؛ لأن التسليم ثمة يتحقق بدون الوضع بدليل أنه لو سلم السفينة
والبيت والجوالق ولم يضع وجب الأجر؛ وههنا لا يتحقق بدون العمل وهو الحمل والمشاع
غير مقدور الحمل بنفسه.
وذكر ابن سماعة عن محمد في طعام بين رجلين ولأحدهما سفينة وأرادا أن يخرجا
الطعام من بلدهما إلى بلد آخر، فاستأجر أحدهما نصف السفينة من صاحبه، أو أرادا أن يطحنا
الطعام، فاستأجر أحدهما نصف الرحى الذي لشريكه، أو استأجر أنصاف جوالقه ليحمل عليه
الطعام إلى مكة - فهو جائز؛ وهذا على قول من يجيز إجارة المشاع.
والأصل فيه أن كل موضع لا يستحق فيه الأجرة إلاَّ بالعمل، لا تجوز الإِجارة فيه على
العمل في الحمل مشتركة، وما يستحق فيه الأجرة من غير عمل تجوز الإِجارة فيه لوضع العين
المشتركة في المستأجر .
وفقه هذا الأصل ما ذكرنا أن ما لا تجب الأجرة فيه إلاَّ بالعمل فلا بد من إمكان إيفاء
العمل، ولا تمكين من العين المشتركة فلا يكون المعقود عليه مقدور التسليم، فلا يكون
مقدور الاستيفاء فلم تجز الإِجارة وما لا يقف وجوب الأجرة فيه على العمل كان المعقود عليه
مقدور التسليم والاستيفاء بدونه فتجوز الإِجارة.
وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر رجلاً على أن يحمل له طعاماً بعينه إلى مكان
مخصوص(١) بقفيز منه، أو استأجر غلامه أو دابته على ذلك؛ أنه لا يصح، لأنه لو صح لبطل
من حيث صح؛ لأن الأجير يصير شريكاً بأول جزء من العمل وهو الحمل، فكان عمله بعد
ذلك فيما هو شريك فيه؛ وذلك(٢) لا يجوز لما بينا: وإذا حمل فله أجر مثله؛ لأنه استوفى
المنافع بعقد فاسد، فيجب أجر المثل ولا يتجاوز به قفيزاً، لأن الواجب في الإجارة الفاسدة
الأقل من المسمى ومن أجر المثل؛ لما نذكر في بيان حكم الإجارة الفاسدة، إن شاء الله
تعالی .
ومنها ألا يكون العمل المستأجر له فرضاً ولا واجباً على الأجير قبل الإجارة؛ فإن كان
فرضاً أو واجباً عليه قبل الإِجارة لم تصح الإجارة؛ لأن مَنْ أتى بعمل يستحق عليه لا يستحق
(١) في أ: معلوم.
(٢) في أ: وذا.

٧
كِتَابِ الإِجَارَةِ
الأجرة، كمن قضى ديناً عليه؛ ولهذا قلنا أن الثواب على العبادات والقرب والطاعات أفضال
من الله - سبحانه - غير مستحق عليه؛ لأن وجوبها على العبد بحق العبودية لمولاه؛ لأن خدمة
المولى على العبد مستحقة [وَلِحَقِّ الشكر للنعم السابقة] (١)؛ لأن شكر النعمة واجب عقلاً
وشرعاً(٢)، ومن قضى حقاً مستحقاً عليه لغيره لا يستحق قبله الأجر؛ كمن قضى ديناً عليه في
الشاهد .
(١) في أ: وبحق شكر النعم السابقة.
(٢) والمنعم هو الله سبحانه وتعالى، وشكره: إلزام النفس المشقةً بتكليفها تجنب المستقبحات العقلية، وفعلَ
المستحسناتِ العقلية.
وهو بهذا المعنى عند الأشاعرة واجب بالشرع لا بالعقل، فمن لم تبلغه دعوة نبي لا يأثم بتركه، خلافاً
للمعتزلة القائلين بوجوبه عقلاً .
استدل الأشاعرة على دعواهم بدليلين:
الأول: لو وجب الشكر عقلاً قبل البعثة لعذب تاركه، لكن التالي باطل؛ فبطل المقدم وثبت نقيضه وهو
عدم الوجوب عقلاً، وهو المطلوب.
أما الملازمة: فإلزامية؛ لأنهم يوجبون الثواب والعقاب بالطاعة والمعصية.
١
وأما الاستثنائية: فلقوله تعالى: ﴿وما كُنَّا معذّبين حتَّى نبعث رسولا﴾ أبي: نبيًّا مرسلاً؛ لأن الرسول
حقيقة عرفية في النبي؛ فتقدم على غيرها، وقد نفى التعذيب إلى زمان البعثة فهو منفي قبلها.
فإن قيل: إن الآية نفت العذاب الدنيوي بدلالة السياق، ولم تنف العذاب الأخروي، وهو الذي يكون
على ترك الواجب. فلا حجة لكم فيها.
قلنا: إن الآية لما دلت على أنه لا يليق بحكمة الله ورحمته أن يوقع العذاب الأدنى على ترك الشكر قبل
إرسال الرسول. كانت دلالتها على عدم إيقاع العذاب الأكبر على تركه قبل البعثة من باب أولى.
الثاني: لو كان الشكر واجباً عقلاً قبل البعثة. لوجب إما لغير فائدة، وهو باطل؛ لأنه عبث، والعبث
على الله تعالى محال، وإما لفائدة، وهو باطل أيضاً؛ لأن الفائدة لا جائز أن تكون راجعة إلى الله تعالى؛
لأنها إما جلب منفعة أو دفع مضرة، والله سبحانه وتعالى منزه عن كل منهما، ولا جائز أن تكون راجعة
إلى العبد في الدنيا؛ لأن الاشتغال بالشكر كلفة عاجلة ومشقة على النفس لا فائدة له منها، ولا في
الآخرة؛ لأن العقل لا يستقل بمعرفة الآخرة، فضلاً عما يقع فيها من غير إخبار الشارع.
وإذا انتفت الفائدة انتفى الوجوب، وثبت أن الشكر غير واجب عقلاً.
وقد ناقش المعتزلة هذا الدليل بوجوه عدة يكفي أن نذكر لك أهمها.
الأول: قالوا: لا نسلم عدم الفائدة من التكليف بالشكر قبل البعثة، بل له فوائد كثيرة، أهمها: فائدة تعود
على المكلف نفسه، وهي خروجه من المسؤولية بيقين، فإنه يجوز أن يكون الشكر مطلوباً منه، فتركه
يورث في نفسه احتمال العقوبة عليه، وتحصيله يزيل هذا الاحتمال؛ لأنه إن كان مطلوباً فقد فعله وإلا فلا
شيء عليه من فعله.
ويجاب عن ذلك: بأن الإتيان بالشكر قد يخاف منه الضرر لوجوه ثلاثة:
١ . أن الإِتيان بالشكر تصرف في ملك الغير بغير إذنه؛ لأن ما يتصرف فيه العبد من نفسه وغيرها ملك الله
تعالى. والتصرف في ملك الغير بغير إذنه يكون سبباً لاستحقاق العقاب.
=

٨
كِتَابِ الإِجَارَةِ
وعلى هذا يخرج الاستئجار على الصوم والصلاة والحج أنه لا يصح؛ لأنها من فروض
الأعيان، ولا يصح الاستئجار على تعليم العلم لأنه فرض عين، ولا على تعليم القرآن عندنا.
وقال الشافعي: الإِجارة على تعليم القرآن جائزة؛ لأنه استئجار لعملٍ معلومٍ ببدل معلومٍ
فيجوز(١).
٢ . أن شكر الله سبحانه وتعالى على نعمه يعد استهزاء به؛ لأن ما أنعم به على العبد لا يساوي شيئاً
=
بالقياس إلى عظمة الله وكبريائه، وما مثله إلا كمثل فقير حضر مائدة ملك عظيم يملك البلاد شرقاً وغرباً
فتصدق عليه بكسرة خبز أو شربة ماء، فغشي بها المحافل والمجالس العظيمة يشكره عليها، فإنه يعتبر
مستهزئاً بذلك الملك، مع أن ما أنعم الله به على عباده بالنسبة إلى كبريائه وخزائن ملكه أقل من نسبة
الكسرة إلى خزائن الملك؛ لأن نسبة المتناهي إلى المتناهي أكثر من نسبة المتناهي إلى غير المتناهي.
٣. أن الشكر من العبد ربما يقع مخالفاً للطريق الذي رسمه الله تعالى لشكره، فيكون جارياً على وجه غير
لائق، وطريق غير مرضي. فيستحق فاعله العقاب بسببه.
الثاني: هذا الدليل منقوض بالوجوب الشرعي، على معنى أنه لو صح دليلكم للزم عدم وجوب شكر
المنعم شرعاً بأن يقال: لو وجب الشكر شرعاً لوجب إما لفائدة أو لا لفائدة. فإن كان لفائدة كان عبثاً
وهو محال، وإن كان لفائدة كان باطلاً، إلى آخر ما قرر في دليلكم. مع أنه واجب إِجماعاً فما كان جواباً
لکم یکون جواباً لنا.
والجواب عن ذلك: أَنْ نختارَ أَنَّ الوجوب الشرعي لفائدة في الآخرة، والشارع أخبرنا بها وأوقفنا عليها،
وهذا غير متصور في الوجوب العقلي؛ لعدم استقلاله بأمور الآخرة كما تقدم.
ينظر: البحر المحيط للزركشي ١٤٩/١، البرهان لإمام الحرمين ٩٤/١، سلاسل الذهب للزركشي ٩٩،
الإحكام من أصول الأحكام للآمدي ٨٣/١، نهاية السول للأسنوي ٢٦٣/١، منهاج العقول للبدخشي ١/
١٥٧، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٧، التحصيل من المحصول للأرموي ١٨٤/١، المنخول
للغزالي ١٤، المستصفى له ٦١/١، حاشية البناني ٦٠/١، الإبهاج لابن السبكي ١٣٩/١، الآيات
البينات لابن قاسم العبادي ١/ ٩٧، حاشية العطار على جمع الجوامع ٨٥/١، تيسير التحرير الأمير بادشاه
١٥٦/٢، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢١٦/١، الكوكب المنير للفتوحي ٩٨.
(١) اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز الاستئجار على أداء فروض الأعيان، من صلاة، وصيام، وحج، بمعنى أنه
لا يصح لإنسان أن يستأجر غيره على أداء ما ذكر عن المؤجر، أو عن المستأجر، لأن نفعه لا يتعدى
فاعله فلا يستحق في مقابلة أجراً.
وبيان هذا أنه إن كان العمل متعيناً على الأجير. لزمه القيام به عن نفسه، وبه تعود منفعتُه عليه، ولا يجوز
له أخذ الأجرة على ما عمل ضرورة أن من وجب عليه عمل فأداه لا يجوز له أن يأخذ عليه أجراً، كما إذا
قضى ديناً عليه، وإن كان العمل متعيناً على المستأجر لزمه القيام به بنفسه، ولا يقوم غيره مقامه في أدائه؛
لأن التكاليف مقصود منها اختبار الشخص، ومعرفة مقدار خضوعه وانقياده للتكاليف المطلوبة منه، ولو
قام غيره مقامه. فلا يتحقق المعنى المقصود من التكاليف، وهذا قدر متفق عليه بين الفقهاء، ولكننا نراهم
بعد ذلك اختلفوا، فمنهم من اقتصر في المنع على فروض الأعيان، وما شابهها في الصورة كنوافل
الصلاة، وأجاز في غيرها، ومنهم من منع فيها وفي غيرها، وتفصيل هذا فيما يلي:
=

٩
كِتَابِ الإِجَارَةِ
أولاً: أَن المالكية قالوا: إن كل عبادة تعينت على الأجير أو المستأجر. لا يجوز الاستئجار على فعلها
=
كالصلاة، والصوم، والحج، المكتوبات، ويلحق بذلك ما شابهه في الصورة كالصلاة على الميت،
وركعتي الفجر، فكل هذا لا يقبل النيابة فلا تصح الإجارة عليه، وأمَّا ما يقبل النيابة، وهو ما عدا ما ذكر:
كفروضية الكفاية من الإمامة، والأذان، وتعليم القرآن، وقراءته وتجهيز الميتة، ونحوها، فإنه تصح
الإجارة على فعله؛ لأن فروضية الكفاية ليست مطلوبة من شخص بعينه، وهذا ما لم يتعين على شخص؛
بأن لم يوجد غيره يقوم بها، فإنه لا يصح أن يأخذ أجراً عليها.
وثانياً: أن الشافعية قسموا القرب إلى قسمين: من حيث وجوب النية في فعلها، وعدم وجوبها، ثم قالوا:
إن كل عبادة لا بد لصحتها من نية لا تقبل النيابة، فلا تصح الإجارة على أدائها كالصلاة، وما يتعلق بها
كالإمامة، سواء أكانت الصلاة فرضاً أم نفلاً، ولو كانت صلاة جنازة لتمحضها للعبادة، وشبهها بالصلاة
المفروضة يميناً، وكذهاب الحكم عندهم في الإجارة على الحج عن الصحيح القادر والصوم عن الحيٍّ.
وأن كل ما لا يحتاج إلى نية يقبل النيابة، فالإجارة على فعله جائزة كغسل الميت، وتجهيزه، ودفنه،
وتعليم القرآن والأذان، وما إلى ذلك من كل شعار ديني لم تتوقف صحته على نية؛ لأنه لم يُقْصد بهذه
الأعمال اختبار شخص معين بأصل الخطاب بها، وكذلك جَوَّزوا الإجارة على فعلها ولو تعينت مراعاة
الأصل الخطاب.
وإنما لم تجز الإجارة عندهم على الجهاد، وإن لم يخاطب به شخص بعينه، لأن الخطاب به وإن كان
شائعاً في الأصل يحتمله وغيره، لكنه بحضور الصف يتعين عليه، فلا يكون قابلاً للنيابة، فلا يصح أخذ
الأجرة عليه.
وثالثاً: أن متقدمي الحنفية، كالإمام أبي حنيفة وصاحبيه، يرون أن كل طاعة يختص فاعلها بأن يكون
مسلماً. لا يجوز الاستئجار على فعلها، سواء أكانت فرضاً أم نفلاً، أم واجباً، وسواء أكان كل من
الفرض والواجب عينيًّا، أم كفائيًّا.
وهكذا يرى المتقدمين منهم يمنعون الإجارة في العبادات التي لم تتمحض للمالية، فيدخل في ذلك البدنية
الصرفة، كالصلاة، والصوم، والإمامة، والأذان، وتعليم القرآن وكل عبادة لا شائبة للمال فيها، كما
يدخل في ذلك العبادة المركبة من المالية والبدنية، كالحج، فإنه لا يصح الاستئجار عندهم على أدائه،
وإنما جوَّزوا الحج عن العاجز على سبيل النيابة لا الإجارة.
وأما متأخروهم فإنهم جوزوا الاستئجار على تعليم القرآن، والإمامة، والأذان والإقامة، والوعظ، دون
غيرها، بحجة أن الناس قَدْ تَهَاوَنوا في أداء هذه المهام حسبةً لله تعالى، لاشتغالهم بأمور المعاش،
فأخذهم الأجرة عليها يحفزهم على القيام بها والمحافظة عليها.
قالوا: وإنما كره المتقدمون الإجارة عليها، لأنه كان للقائمين بها أرزاق منظمة يأخذونها من بيت المال،
مع رغبة الناس الأكيدة يومئذٍ في المحافظة على شعائر الدين، ثم قالوا: أما في زماننا فليس لهم أرزاق،
وإن كانت فهي بحيث لا تفي بحاجاتهم الدنيوية، يضاف إلى ذلك أنهم لو اشتغلوا بها لتعطل عليهم أمر
المعاش، والحاجة شديدة إليه وقد قَلَّتْ رغبة الناس في أداء هذه الأعمال حسبة لله؛ فلذلك قلنا بجواز
أخذ الأجرة على ما ذكرنا وبقي ما عداه على أصل الحظر.
ورابعاً: أنه قد روي للحنابلة في ذلك روايتان: إحداهما توافق ما ذهب إليه متقدموا الحنفية من منع
الاستجئار على القرب التي يشترط إسلام فاعلها، والأخرى جواز الاستئجار عليها إن تعدى نفعها فاعلها، =

١٠
كِتَابِ الإِجَارَةِ
كالإمامة، والأذان، والحج عن الغير، وتعليم القرآن.
=
فهذه مذاهب الأئمة - رحمهم الله - في الإجارة على القرب، ويمكننا أن نخرج منها بأنهم اتفقوا على منع
الاستئجار على كل عبادة بدنية، ولو كان للمال بها شائبة، كالصلاة، والصيام، والحج عن الصحيح
القادر.
وعلى جواز الاستئجار على كل عبادة مالية صرفة، كأداء الزكاة، وإخراج الكفارات، لأن المقصود من
هذه الأمور سدُّ خَلَّة الفقير ودفع حاجة، وهذا كما يتحقق بفعل المستأجر يتحقق بفعل الأجير.
واختلفوا فيما عدا ذلك من العبادات التي يتعدى نفعها للغير وتقبل النيابة، كالأذان، وتعليم القرآن،
وقراءته، والإمامة، وغسل الميت وتجهيزه، فمنع ذلك متقدموا الحنفية والإمام أحمد في رواية، وأجازه
المالكية والشافعية وأحمد في الرواية الأخرى، إلا أن الشافعية لم يجوزوا الإجارة على الإمامة؛ لأنها من
متعلقات الصلاة، ومتأخري الحنفية لم يجوزوا الإجارة على قراءة القرآن، لعدم الضرورة إليها، بخلاف
تعليمه، ففي القرب التي يتعدى نفعها إلى غير فاعلها مذهبان على سبيل الإجمال: منع الإجارة عليها،
وجوازها. وإليك أدلة كلٌ وما يدور حولها من مناقشات.
استدل المانعون بما يأتي:
أولاً: ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري قال: سمعت رسول الله الخير
يقول: ((إِقْرَءُوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به)) قال الحافظ
الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله ثقات اهـ.
وثانياً: ما رواه أحمد والترمذي عن عمران بن حصين رضي الله عنه، عن النبي وَ لّ قال: ((اقرؤوا القرآن،
واسألوا الله به، فإن من بعدكم قوماً يقرؤون القرآن يسألون به الناس)) . اهـ.
قال الترمذي: هذا حديث حسن ليس إسناده بذاك.
وثالثاً: ما رواه ابن ماجه عن أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: علّمت رجلاً القرآن فأهدى لي قوساً،
فذكرت ذلك للنبي وَّر، فقال: ((إِنْ أَخَذْتَها أَخَذْت قوساً من نار، فرددتها)» . اهـ.
ورابعاً: ما رواه أصحاب السنن الأربعة والحاكم وصححه عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه قال: ((آخِرُ
مَا عَهَدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ أنِ اتَّخِذْ مُؤذّناً لا يأْخُذُ على الآذان أَجْراً».
فهذه الأحاديث صريحة: في منع أَخذ الأجرة على تعليم القرآن وعلى الآذان، ويقاس عليهما غيرهما من
القرب التي يتعدى نفعها إلى غير فاعلها، بجامع أن كلاًّ قربة لله تعالى.
وخامساً: أن القربة إذا وقعت إنما تقع عن فاعلها، فهو الذي ينتفع بثوابها، ولا يحصل لغيره شيء من
هذا الثواب، فأخذ الأجرة في مقابلتها لا يجوز لعدم المعارضة، كمن يأخذ أجرة على حمل متاع نفسه،
أو خياطة ثوبه.
وسادساً: أن أخذ الأجرة على القرب المذكور سبب لتغيير الناس عنها، وفي ذلك تضييع للشعائر الدينية
أو اشتغال لها؛ فلا يجوز.
وقد ناقش الجمهور هذه الأدلة بما يأتي:
أما الحديث الأول: فهو أخص من محل النزاع، لأن المنع من التأكل بالقرآن لا يستلزم المنع من
الاستئجار على تعليمه، لأن الأكل به محمول على اتخاذه وسيلة للسؤال، كما يصنع بعض أهل زمانن؛ =

١١
كِتَابِ الإِجَارَةِ
..
وإنما حرم لما فيه من الزراية بالقرآن، والذي سوغ الحمل على هذا المعنى هو الجمع بينه وبين
=
قوله وله: ((إن أحسن ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) كما سيأتي ذلك في أدلة المجوزين، ويؤيده حديث
عمران بن حصين المذكور بعده.
وأما الحديث الثاني: فليس فيه إلا تحريم السؤال بالقرآن، وهذا غير اتخاذ الأجرة على تعليمه.
وأما الحديث الثالث: فقد قال البيهقي: إنه منقطع. يعني بين عطية الكلاعي، وأبي بن كعب، وكذلك
قال المِزَّيُّ، وتعقبه الحافظ: بأن عطية ولد في حياة الرسول وَلّر. وأعله ابن القطان بالجهل بحال
عبد الرحمن بن سليم الراوي له عن عطية، وله طرق عن أبي. قال ابن القطان: لا يثبت منها شيء.
وعلى فرض صحته، فهو واقعة ممن تحتمل أن يكون المنع فيها لمانع سوى كون القوس هدية على
القرآن، كأن يكون واقعها تكلف دفعها حياءً لا عن طيب نفس، ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال
. كساها ثوب الإجمال، فنزلت عن درجة الاستدلال.
وأما الحديث الرابع: فغايته أن الرسول. وَّر. عهد إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي أن يتخذ مؤذناً لا
يأخذ على أذانه أجراً، وكان عثمان عاملاً، والعامل إذا استأجر فإنما يستأجر من بيت مال المسلمين لا من
ماله، ولا ريب أن العامل يجب عليه أن يراعي المصلحة، فلا ينفق مالاً في الأمور التي يمكن تأديتها
احتساباً لما فيه من التبذير.
فالمنع من الإجارة على الأذان في هذه الحالة ليس منشؤه نفس الإجارة، وإنما منشؤه المحافظة على مال
المسلمين العام، فلا يلزم فيه منع الإجارة من المال الخاص، وكذا من المال العام إذا لم يوجد من يقوم
به احتساباً .
وأما الدليل الخامس: فيقال فيه: إن القرب المذكورة، فيها جهتان:
أولاهما: الثواب الخاص بفاعلها، وليس الاستئجار عليها من هذه الجهة .
وثانيتهما: النفع المتعدي إلى المسلمين، والاستئجار عليها إنما هو من هذه الجهة، فتعليم القرآن ثوابه
للمعلم، وأثره وهو التعلم حاصل للمتعلم، وكذا الإمامة، ثوابها للإمام، وأثرها ربط صلاة المأمومين به،
وهو نفع واصل إليهم، والآذان ثوابه للمؤذن وأثره معرفة القوم للوقت، وذهابهم للصلاة، وسقوط الطلب
عنهم، وأما القراءة فثوابها للقارىء، وأثرها وهو الاستماع والاتعاظ، وغيرهما، واصل للحاضرين، وفرق
عظيم بين هذه الأمور وبين خياطة الإنسان ثوب نفسه، أو حمل متاع نفسه فإن هذا لا نفع فيه لغير فاعله
أصلاً، فلا يتصور استحقاق أجرة عليه، بخلاف ما معنا.
وأما الدليل السادس: فيقال فيه: إن المشاهدة تدل على خلافه، فالمسلمون مفطورون على حب الانفاق
في سبيل لإقامة هذه الشعائر، وإنا لنجد أهل الخير يقفون الأوقاف العظيمة على المساجد والمقارىء
والتعليم الديني، ثم هو معارض بأن المنع من الإجارة على هذه الأمور يؤدي إلى اشتغال الناس بغيرها
مما يعود عليهم بالثروة كالتجارة والصناعة، فيؤدي ذلك إلى تضييعها.
واستدل المجوزون بما يأتي:
أولاً: ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن نفراً من أصحاب النبي. وَّر . مروا بماء فيهم
لديغ أو سليم فعرض لهم رجل من أهل الماء. فقال: هل فيكم من ارق، فإن في الماء رجلاً لديغاً أو
سليماً؟ فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، =

١٢
كِتَابِ الإِجَارَةِ
وقالوا: أخذت على كتاب الله أجراً؟! حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله
=
أجراً !! فقال رسول الله وَّر: ((إِنَّ أَحَقَّ ما أَخَذْتُم عَلَيْهِ أَجْراً كِتَابُ اللَّهِ)) والحديث صريح في إِباحة أخذ
الأَجْرة على كتاب الله، وهو بعمومه يتناول الرقية التي هي السبب، وغيرها من تلاوة وتعليم. وإذا جاز
أَخذ الأجرة على كتاب الله، وهو قربة يتعدى نفعها جاز أخذها على سائر ما يتعدى نفعه من القرب إذ لا
فرق .
وثانياً: ما أخرجه الشيخان عن سَهْلِ بْنِ سَعْد: ((أن النبي ◌َّ جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، إني قد
وهبت نفسي لك، فقامت قياماً طويلاً، فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنها إن لم يكن لك بها
حاجة، فقال رسول الله وَلجر: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاه؟ فقال: ما عندي إلا إِزارِي هذا، فقال
النبي وَلِهِ: إِنْ أَعْطَيْتَها إِزَارَكَ جَلَسْتَ لا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًاً، فقال: ما أَجِدُ شَيْئاً، فقال: الْتَمِسْ، وَلَوْ
خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ، فَالْتَمّسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً، فقال له النبي ◌َّهِ: هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرآنِ شَيْء؟ قال: نَعَمْ سُورَةُ
كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، بِسُور يُسَمِّيهَا، فقال له النبي وَّرَ: قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرآنِ)). وفي رواية
لهما: ((قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرآنِ)» .
فالحديث يفيد جواز جعل تعليم القرآن صَدَاقاً، وإذا جاز أن يكون التعليم ◌ِوَضاً في باب النكاح. جاز أن
یکون معوضاً عنه في غيره.
وثالثاً: إن الإجارة على أداء قربة يتعدى نفعها إلى غير فاعلها، لا يَعْدو أن يكون إجارة على عمل معلوم
مشروع واصل نفعه إلى المستأجر فيجوز كسائر أنواع الإجارة.
وقد ناقش المانعون هذه الأدلّة بما يأتي:
أما الحديث الأَوَّلُ: فإنه ورد في الرقية، فيختص بجواز الأجرة عليها، وهي من باب التداوي، لا من
باب العبادة، فلا يقاس عليها غيرها، فيبقى ما عداها على المنع، على أنه يمكن حمل الأجر في الحديث
على الثواب، فلا يدل على جواز أخذ الأجرة أصلاً، كما يمكن أن يكون الأخذ من هؤلاء لأنهم كفار،
أو لأنه كان يجب عليهم أن يضيفوهم، فكان هذا ◌ِوَضهُ ما استحقوه من الضيافة.
وأما الحديث الثاني: فليس صريحاً في أن الرسول . وَلـ جعل تعليم المرأة صداقاً كما قلتم، لاحتمال أن
تكون الباء في قوله ((بما معك)) لِلسَّبَبِيَّةِ لا للمعاوضة، ويكون الرسول. وَّر. قد زوجه إياها بلا مهر إكراماً
لحفظه مقداراً من القرآن، وقد كان الرسول يملك هذا الحق، أو أن يكون الرسول. وَل﴿لـ قد أَصْدَقَها شيئاً
من عنده إكراماً لهما، أو سكت عن المهر فأصبح واجباً في ذمة الزوج مهر مثلها، وأيًّا ما كان الأمر فلا
دلالة في الحديث على جعل تعليم القرآن صداقاً .
وأما الدليل الثالث: فهو قياس في مقابلة النصوص المانعة من أخذ الأجرة على القرب فهو فاسد الاعتبار.
وأُجيب عن هذه المناقشة بما يأتي:
أولاً: أَنَّه حمل الحديث الأَوَلُ على الرُّقية تخصيص بالسبب، والعبرة بعموم اللّفْظِ لا بخصوص السبب.
وقولهم: إِن الأَجر معناه: الثواب . مردود؛ لأَّن سياق الحديث يَأْبَاهُ للتصريح بالشاء.
وقولهم: إن الرقية من باب التَّدَاوي، لا من باب العبادة. مسلم، ولكنها مع هذا لا تخلو من أَنَّهَا قربة،
نظراً لما تشتمل عليه من التلاوة، ولولا كونها قربة لما أفادت الشفاء بغير سبب ظاهر، إذ إفادته بغير
السبب الظاهر إنما نشأت عن بركة التلاوة، وكيف يكون فيها البركة وهي غير قربة؟!
ودعوى أن الأخذ كان لكفرهم، أَوْ لِوُجُوبِ الضيافة عَلَيْهِم - بعيدة عن سياق الحديث، ولو كان ذلك =

١٣
كِتَابِ الإِجَارَةِ
ولنا: أنه استئجار لعمل مفروض، فلا يجوز كالاستئجار للصوم والصلاة، ولأنه غير
مقدور الاستيفاء في حق الأجير لتعلقه بالمتعلم، فأشبه الاستئجار لحمل خشبة لا يقدر على
حملها بنفسه .
وقد روي أن أبي بن كعب - رضي الله عنه - أفرأ رجلاً فأعطاه قوساً، فسأل النبي وَّ عن
ذلك، فقال وَلّ: ((أَتُحِبُّ أَنْ يَقوسَكَ اللَّهُ بِقَوْسٍ مِنْ نَارٍ))؟ قال لا؛ فقال ◌َ: ((فَرُدَّهُ))(١) ولا
هو الواقع لما ناط النبي - ◌َلجر - أحقية أخذ الأجر بكونه على كتاب الله وسماه أجراً، فلم يكن غنيمة،
=
ولا فيئاً، ولا ضيافة، وكيف يكون عوض ضيافة، وقد استغنوا عنه، وجاءوا به كاملاً إلى النبي ◌َلام؟!
ثانياً: أن احتمال كون الباء في الحديث الثاني للسببية - غير ظاهر؛ لأنه يرده ما في رواية مسلم:
((أَنْطَلِقِ فَقَدْ زَوْجْتُكَهَا فَعَلُمْهَا مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ))، وما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند
البيهقي قال: ((ما تحفظ من القرآن؟ قال: سُورَةَ البقرة، والتي تليها، قال: فقم، فعلمها عشرين آية،
وهي امرأتك)).
فهاتان الروايتان تدلان على أن تعليم القرآن كان صداقاً للمرأة، ومن نظر في أَدِلَّةِ الفريقين، وما دار حولها
من مناقشات، وأجوبة - لم يسعه إلا اختيار مذهب المجوزين، لأخذ الأجرة على القرب التي يتعدى
نفعها .
ولعمري، إنّ من تأمل جَليّاً وجد أغلب الأعمال التي يرد عقد الإجارة عليها إنما هي قرب وطاعات لولا
الأجرة.
أَلاَ تَرَى أن إيمانه الضعيف، والحمل عن العاجز، وَخِيَاطَةُ الثياب للفقراء، كلها من قبيل القُرَب التي
يندب فعلها بلا أُجْرَةٍ، وكلها يجوز الاستئجارِ عليها، وأَخْذِ الأجرة في مقابلتها.
غاية الأمر أن أخذ الأجرة يحبط ثوابها، ما لم يكن فيها محاباة أو نية صالحة، فإنَّ مُوءَدِيَهَا يكون له من
الثواب بقدر ذلك، فكذا هذه الأعمال يجوز الاستئجار عليها، وأخذ الأَجْرَة في مقابلتها يحبط ثواب نفعها
المتعدي، ويبقى ثواب نفعها الأصلي إذ لم يرد عقد الإجارة عليه.
وإيضاح ذلك أنَّ المُؤَذِّنَ - مثلاً . يقوم بالأذان عن نفسه وعن غيره، فيستحق ثواب نية وعمله عن نفسه
وعن غيره، فإذا أخذ الأجرة. سقط الثواب المتعلق بغيره، وبقي ثواب النية، وثواب العمل المتعلق
بنفسه، وثواب ما يؤدي إليه من تذكر وتفكر.
قال ابن العربي: والصحيح أخذ الأجرة على الأذان، والصلاة، والقضاء، وجميع الأعمال، الدينية، فإن
الخليفة يأخذ أجرته على هذا كله، وفي كل واحد منها يأخذ النائب أجرة كما يأخذ المستنيب . اهـ.
وهو يريد من الصلاة الإمامة لاتفاق الأئمة - رحمهم الله جميعاً - على أن الإجارة لا تجوز على الصلاة
مطلقاً كما يريد أيضاً من كلمة وجميع الأعمال الدينية الأعمال التي يتعدى نفعها إلى غير فاعلها. ينظر:
الإجارة لشيخنا منصور محمد الشيخ.
(١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٣٠) كتاب التجارات باب الأجر على تعليم القرآن حديث (٢١٥٨) والبيهقي (٦/
١٢٥) من طريق عبد الرحمن بن مسلم عن عطية الكلاعي عن أبي بن كعب به.
وقال البوصيري في الزوائد (١٦٥/٢): هذا إِسناد مضطرب قاله الذهبي في ترجمة عبد الله بن مسلم
وقال العلاني في المراسيل عطية بن قيس عن أبي بن كعب مرسل.

١٤
كِتَابِ الإِجَارَةِ
٢٢٨/١ ب على الجهاد؛ لأنه فرض عين عند عموم النفير، وفرض كفاية في / غير تلك الحال، وإذا شهد
الوقعة فتعين عليه فيقع عن نفسه.
وروي أن رسول الله وَّه قال: ((مَثَلُ مَنْ يَغْزُو فِي أُمَّتِي وَيَأْخُذُ الْجَعْلَ عَلَيْهِ كَمَثَلِ أُمِّ
مُوسَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ عَلَيْهِ أَجْراً))(١). ولا على الأَذان والإقامة والإِمامة؛ لأنها واجبة.
وقد روي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه قال: آخرُ ما عهد إليَّ رسولُ الله ◌َلِّ أن
أصلي بالقوم صلاة أضعفهم، وأن أنَّخذ مؤذناً لا يأخذ على الأذان أجراً (٢)؛ ولأن الاستئجار
على الأذان والإقامة والإِمامة وتعليم القرآن والعلم - سببٌ لتنفير الناس عن الصلاة بالجماعة
وعن تعليم القرآن والعلم؛ لأن ثقل الأجر يمنعهم عن ذلك؛ وإلى هذا أشار الربُّ - جلَّ
شأنه - في قوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَم مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ، فيؤدي
إلى الرغبة عن هذه الطاعات وهذا لا يجوز؛ وقال - تعالى -: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾
[يوسف: ١٠٤] أي: على ما تبلغ إليهم أجراً، وهو كان وَّر يبلغ بنفسه وبغيره بقوله اَلِّ: ((أَلاَ
فَلْيَبْلِغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ(٣). فكان كل معلم مبلغاً، فإذا لم يجز له أخذ الأجر على ما يبلغ بنفسه
لما قلنا؛ فكذا لمن يبلغ بأمره؛ لأن ذلك تبليغ منه معنى.
ويجوز الاستئجار على تعليم اللغة والأدب؛ لأنه ليس بفرض ولا واجب.
وكذا يجوز الاستئجار على بناء المساجد والرباطات والقناطر لما قلنا.
ولا يجوز الاستئجار على غسل الميت ذكره في الفتاوى؛ لأنه واجب، ويجوز
[الاستئجار] (٤) على حفر القبور.
وأما على حمل الجنازة فذكر في بعض الفتاوى أنه جائزٌ على الإطلاق، وفي بعضها أنه
إن كان يوجد غيرهم يجوز، وإن كان لا يوجد غيرهم لا يجوز؛ لأن الحمل عليهم واجب.
وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر الرجل ابنه وهو حُرِّ بالغ ليخدمه؛ أنه لا يجوز لأن خدمة
الأب الحر واجبة على الابن الحر، فإن كان الولد عبداً والأب حر فاستأجر ابنه من مولاه جاز؛
لأنه إذا كان عبداً لا يجب عليه خدمة الأب، وكذلك إن كان الابن مكاتباً؛ لأنه لا يلزمه خدمة
أبيه فكان کالأجنبي.
(١) أخرجه أبو داود في المراسيل ص (٢٤٧) رقم (٣٣٣) وسعيد بن منصور (٢٣٦١) والبيهقي في ((السنن
الكبرى» (٢٧/٩) كلهم عن هبير بن نفير مرسلاً.
(٢) تقدم تخريجه في كتاب الآذان.
(٣) تقدم تخريجه في كتاب الحج.
(٤) سقط من: ط .

١٥
كِتَابِ الإِجَارَةِ
ولو استأجر امرأته لتخدمه كل شهر بأجر مسمى لم يجز؛ لأن خدمة البيت عليها فيما
بينها وبين الله تعالى؛ لما روي أن رسول الله بَّر قسم الأعمال بين عليٍّ وفاطمة - رضي الله
عنهما - فجعل ما كان داخل البيت على فاطمة، وما كان خارج البيت على عليٍّ، فكان هذا
استئجار على عمل واجب - فلم يجز؛ ولأنها تنتفع بخدمة البيت والاستئجار على عمل ينتفع
به الأجير غير جائز.
ولا يجوز استئجار الزوجة على رضاع ولده منها؛ لأن ذلك استئجار على خدمة الولد،
وإنما اللبن يدخل فيه تبعاً على ما ذكرنا، فكان الاستئجار على أمر عليها فيما بينها، وبين الله
تعالى؛ ولأن الزوجة مستحقة للنفقة على زوجها، وأجرة الرضاع تجري مجرى النفقة، فلا
تستحق نفقتين على زوجها، حتى لو كان للولد مال، فاستأجرها لإرضاع ولدها منه من مال
الولد، جاز؛ كذا روى ابن رستم عن محمد؛ لأنه لا نفقة لها على الولد، فلا يكون فيه
استحقاق نفقتين.
ولو استأجر لولده من ذوات الرحم المحَرَم اللاتي لهن حضانته، جاز؛ لأنه ليس عليهن
خدمة البيت ولا نفقة لهن على أب الولد.
ويجوز استئجار الزوجة لترضع ولده من غيرها؛ لأنه ليس عليها خدمة ولد غيرها.
ولو استأجر على إرضاع ولده خادم أمه فخادمها بمنزلتها، فما جاز فيها جاز في خادمها،
وما لم يجز فيها لم يجز في خادمها؛ لأنها هي المستحقة لمنفعة خادمها فصار كنفقتها؛ وكذا
مدبرتها لأنها تملك منافعها؛ فإن استأجر مكاتبتها جاز؛ لأنها لا تملك منافع المكاتبة فكانت
كالأجنبية .
ولو استأجرت المرأة زوجها ليخدمها في البيت بأجر مسمى، فهو جائز؛ لأن خدمة
البيت غير واجبة على الزوج، فكان هذا استئجاراً على أمر غير واجب على الأجير؛ وكذا لو
استأجرته لرعى غنمها؛ لأن رعي الغنم لا يجب على الزوج، وإن شئت عبرت عن هذا الشرط
فقلت: ومنها أَلاَّ ينتفع الأجير بعمله فإن كان ينتفع به لم يجز؛ لأنه حينئذٍ يكون عاملاً لنفسه،
فلا يستحق الأجر؛ ولهذا قلنا: إن الثواب على الطاعات من طريق الافضال لا الاستحقاق،
لأن العبد فيما يعمله من القربات والطاعات عامل لنفسه؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ
صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]، ومن عمل لنفسه لا يستحق الأجر على غيره؛ وعلى هذه العبارة
أيضاً يخرج الاستئجار على الطاعات، فرضاً كانت أو واجبة أو تطوعاً؛ لأن الثواب موعود
للمطيع على الطاعة، فينتفع الأجير بعمله فلا يستحق الأجر.

١٦
كِتَابِ الإِجَارَةِ
وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر رجلاً ليطحن له قفيزاً من حنطة بربع من دقيقها، أو
ليعصر له قفيزاً من سمسم بجزء معلوم من دهنه، أنه لا يجوز؛ لأن الأجير ينتفع بعمله من
الطحن والعصر، فيكون / عاملاً لنفسه.
وقد روي عن رسول الله وَل﴿ أنه نَهَى عن قفيز الطحان(١)، ولو دفع إلى حائكٍ(٢) غزلاً لينسجه
بالنصف، فالإِجارة فاسدة؛ لأن الحائك ينتفع بعمله، وهو الحياكة، وكذا هو في معنى قفيز
الطحان، فكان الاستئجار عليه منهيًّا، وإذا حاكه فللحائك أجر مثل عمله لاستيفائه المنفعة بأجرة
فاسدة، وبعض مشايخنا بـ(ابلخ)) جوز هذه الإِجارة، وهو محمدُ بْنُ سلمة ونَصْرُ بْنُ يحيى.
ومنها أن تكون المنفعة مقصودة يعتاد استيفاؤها بعقد الإِجارة، ويجري بها التعامل بين
الناس؛ لأنه عقد شرع، بخلاف القياس لحاجة الناس، ولا حاجة فيما لا تعامل فيه للناس،
فلا يجوز استئجار الأشجار لتجفيف الثياب عليها أو (٣) الاستظلال بها؛ لأن هذه منفعة غير
مقصودة من الشجر.
ولو اشترى ثمرة شجرة ثم استأجر الشجرة لتبقية ذلك فيه، لم يجز؛ لأنه لا يقصد من
الشجر هذا النوع من المنفعة، وهو تبقية الثمر عليها، فلم تكن المنفعة مقصودة عادةً؛ وكذا لو
استأجر الأرض التي فيها ذلك الشجر يصير مستأجراً باستئجار الأرض، ولا يجوز استئجار
الشجر .
وقال أبو يوسف: إذا استأجر ثياباً ليبسطها ببيت ليزين بها ولا يجلس عليها، فالإجارة
فاسدة؛ لأن بسط الثياب من غير استعمال ليس منفعة مقصودة عادة، وقال عمرو عن محمد في
رجل استأجر دابة ليجنبها يتزين بها فلا أجر عليه؛ لأن قود الدابة للتزين ليس بمنفعة مقصودة.
ولا يجوز استئجار الدراهم والدنانير ليزين الحانوت، ولا استئجار المسك والعود
وغيرهما من المشمومات للشم؛ لأنه ليس بمنفعة مقصودة؛ ألا ترى أنه لا يعتاد استيفاؤها بعقد
الإِجارة، والله - عَزَّ وَجَلَّ - الموفق.
(١) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٣٠١/٢) حديث (١٠٢٤) والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٣٠٧) باب بيان
مشكل ما روي عن نهيه عن قفيز الطحان، والدارقطني (٤٧/٣) كتاب البيوع حديث (١٩٥) والبيهقي
(٣٣٩/٥) كتاب البيوع باب النهي عن عسب الفحل من طريق سفيان الثوري عن هشام عن أبي لكيب عن
أبي نعم عن أبي سعيد الخدري قال: ((نهى رسول الله وَّر عن عسب الفحل وعن قفيز الطحان ووقع عند
الدارقطني ((نهى)) بدون ذكر رسول اللّه ◌َطير، قال البيهقي: (ورواه ابن المبارك عن سفيان كما رواه
عبيد الله وقال: نهى، وكذلك قاله إسحاق الحنظلي عن وكيع ((نهى عن عسب الفحل)) ورواه عطاء بن
السائب عن عبد الرحمن بن أبي نعم قال: ((نهى رسول الله وَلِ﴾)) فذكره.
(٢) الحائك: ناسج الثياب. المعجم الوسيط (حوك).
(٣) في ط: و.
٢٢٩/٢ ١

١٧
كِتَابِ الإِجَارَةِ
وأما الذي يرجع إلى محل المعقود عليه، فهو أن يكون مقبوض المؤاجر إذا كان منقولاً،
فإن لم يكن في قبضة فلا تصح إجارته؛ لنهي النبي بّر عن بيع ما لم يقبض، والإِجارة نوع
بيع، فتدخل تحت النهي؛ ولأن فيه غرز انفساخ العقد لاحتمال هلاك المبيع قبل القبض
فينفسخ البيع، فلا تصح الإِجارة، وقد نهى رسولُ الله ◌ِّرَ عن بيعٍ فيه غَرَرٌ(١).
(١) أخرجه مسلم (١١٥٣/٣) كتاب البيوع: باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر حديث (١٥١٣/٤)
وأبو داود (٢٥٤/٣) كتاب البيوع: باب في بيع الغرر حديث (٣٣٧٦) والترمذي (٥٣٢/٣) كتاب البيوع:
باب ما جاء في كراهية بيع الغرر حديث (١٢٣٠) والنسائي (٧/ ٢٦٢) كتاب البيوع: باب بيع الحصاة،
وابن ماجه (٧٣٩/٢) كتاب التجارات: باب النهي عن بيع الحصاة حديث (٢١٩٤) وأحمد (٣٧٦/٢،
٤٣٦، ٤٣٩) والدارمي (٢٥١/٢) كتاب البيوع: باب النهي عن بيع الغرر، (٢٥٤/٢) كتاب البيوع: باب
في بيع الحصاة، وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٥٩٠) والدارقطني (١٥/٣ - ١٦) كتاب البيوع رقم
(٤٧) والبيهقي (٢٦٦/٥) كتاب البيوع: باب من قال لا يجوز بيع العين الغائبة والبغوي في ((شرح السنة))
(٤/ ٢٩٧ . بتحقيقنا) كلهم من طريق عبيد الله عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: نهى
رسول الله وَلاير عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال البغوي: هذا حديث صحيح.
وللحديث شواهد من حديث ابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وسعيد بن المسيب مرسلاً وسهل بن
سعد الساعدي .
حديث ابن عمر:
أخرجه ابن حبان (١١١٥ - موارد) والبيهقي (٣٣٨/٥) كتاب البيوع، كلاهما من طريق المعتمر عن أبيه
عن نافع عن ابن عمر قال: نهى رسول الله وَل عن بيع الغرر.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (٦/٣) وإسناده حسن صحيح وأخرجه أبو نعيم في «الحلية)) (٩٤/٧) من
طريق معاوية عن سفيان عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر به.
وقال أبو نعيم: تفرد به معاوية عن سفيان.
وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد)» (٣٦٥/٦ - ٣٦٦) من طريق إسحاق بن حاتم العلاف ثنا يحيى بن
سليم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر به.
۔ حدیث ابن عباس:
أخرجه ابن ماجه (٧٣٩/٢) كتاب التجارات: باب النهي عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر حديث (٢١٩٥)
وأحمد (٣٠٢/١) والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٣/٧) كلهم من طريق أيوب بن عتبة عن يحيى بن أبي
كثير عن عطاء عن ابن عباس قال: نهى رسول الله وَّر عن بيع الغرر.
ومن طريق أيوب أخرجه الطبراني في «الكبير)) (١٥٤/١١) رقم (١١٣٤١).
وقال البوصيري في ((الزوائد» (١٧١/٢): هذا إسناد ضعيف لضعف أيوب بن عتبة قاضي البجامي.
وللحديث طريق آخر عن ابن عباس.
أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٥٤/١١) رقم (١١٦٥٥) من طريق النضر أبي عمر عن عكرمة عن ابن
عباس أن النبي ◌َّ نهى عن بيع الغرر.
=
بدائع الصنائع ج٦ - ٢٢

١٨
كِتَاب الإِجَارَةِ
وإن لم يكن منقولاً فهو على الاختلاف المعروف في بيع العين؛ أنها تجوز عند أبي
حنيفة وأبي يوسف، ولا تجوز عند محمد، وقيل في الإِجارة لا تجوز بالإجماع.
وأما الذي يرجع إلى ما يقابل المعقود عليه وهو الأجرة (١)، والأجرة في الإِجارات معتبرة
قال الهيثمي في ((المجمع)) (٨٣/٤): رواه الطبراني في الكبير وفيه النضر أبو عمر وهو متروك.
حديث أنس بن مالك:
أخرجه أبو يعلى (١٥٤/٥ - ١٥٥) رقم (٢٧٦٧) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن عن
أنس قال: قال رسول الله وَ له: لا تلامسوا ولا تناجشوا ولا تبايعوا الغرر ولا يبيعن حاضر لباد .... )).
وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٨١/٤) وقال: رواه أبو يعلى وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو
ضعيف. وذكره الحافظ في ((المطالب العالية)) (٣٩٩/١) رقم (١٣٣٧) وعزاه لأبي يعلى.
۔ حدیث سهل بن سعد:
أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((مجمع الزوائد» (٨٣/٤) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح
خلا إسماعيل بن أبي الحكم الثقفي وثقه أبو حاتم ولم يتكلم فيه أحد.
مرسل سعيد بن المسيب:
أخرجه مالك (٦٦٤/٢) كتاب البيوع: باب بيع الغرر حديث (٧٥) والبيهقي (٣٣٨/٥) كتاب البيوع،
والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٩٧/٤ . بتحقيقنا) من طريق أبي حازم بن دينار عن سعيد بن المسيب أن
رسول الله وَلّ نهى عن بيع الغرر ... قال البيهقي: هذا مرسل.
وقال البغوي: هكذا رواه مالك مرسلاً وقد صح موصولاً.
(١) معلوم أن الأجرة هي العوض الذي يدفعه المستأجر في مقابلة انتفاعه، وقد صرح الفقهاء بأن الأجرة في
باب الإجارة مقابلة بالثمن في باب البيع، ومن الواضح أن كلاً منهما ثمن في موضعه، وإن وجدت
مخالفة بينهما من بعض الوجوه، وذلك أن الأصل في الثمن أن يكون حالاً؛ لأنه مقابل ببدله وهو مال
غالباً، والأصل في الأجرة أن تكون مؤجلة؛ لأنها مقابلة ببدلها. وهي المنفعة، وهي لا تحصل للمتأجر
دفعة واحدة، بل تحصل شيئاً فشيئاً على التراخي، إلاَّ أن المالكية يوجبون تعجيل الأجرة في أربع مسائل،
وإليك بيانها :
المسألة الأولى: إذا كانت الأجرة معينة، وكان هناك شرط بتعجيلها أو عادة، فإنه يجب تعجيلها، سواء
أكانت المنافع معينة أم مضمونة، وسواء أشرع المستأجر في استيفائها أم لا:
مثال ذلك أن تقول: أكريتك هذه الدابة، أو دابة من دوابي لتسافر عليها إلى كذا بهذا الثوب.
والتعجيل في هذه المسألة لحق الله تعالى، فإن أخر لأكثر من ثلاثة أيام فسد العقد لما يلزم عليه من بيع
معين يتأخر قبضه، وإن لم يشترط التعجيل، ولم تجر به عادة - فسد العقد أيضاً، وإن عجل دفع الأجرة،
لأن السكوت عن اشتراط التعجيل من عدم جريان العرف به يشبه اشتراط التأجيل، فيلزم عليه بيع معين
يتأخر قبضه.
المسألة الثانية: إذا لم تكن الأجرة معينة واشترط تعجيلها. ومثال ذلك: أن تقول: أكريتك داري سنة
بعشرة دنانير حالة . فإنه يجب تعجيل الأجرة سواء أكانت المنافع معينة أم مضمونة، وسواء أشرع
المستأجر في استيفائها أم لا .
=

١٩
كِتَابِ الإِجَارَةِ
بالثمن في البياعات، لأن كل واحد من العقدين معاوضة المال بالمال، فما يصلح ثمناً في
البياعات يصلح أجرة في الإِجارات، وما لا فلا، وهو أن تكون الأجرة مالاً متقوماً معلوماً،
وغير ذلك مما ذكرناه في ((كتاب البيوع)).
وتعجيل الأجرة في هذه المسألة لحق الآدمي، إن كانت المنافع معينة شرع في استيفائها أم لا. أو كانت
=
مضمونة وشرع فيها لعدم ما يمنع شرعاً من التأخير، وعلى هذا يقضي على المستأجر بالتعجيل عند
التنازع، ولو تراضيا على التأخير جاز والعقد صحيح، وأما إن كانت المنافع مضمونة، ولم يشرع
المستأجر في استيفائها فالتعجيل فيها لحق الله، فلا يجوز التراضي على التأخير لما سيأتي في المسألة
الرابعة .
المسألة الثالثة: إذا لم تكن الأجرة معينة، ولم يشرط تعجيلها، ولكن كانت العادة تعجيلها، فإنه يجب
التعجيل، لأن العرف كالشرط، والتعجيل فيها لحق الآدمي في صور ثلاث، وحق الله في صورة واحدة
كما في المسألة الثانية.
المسألة الرابعة: إذا كانت الأجرة غير معينة، ولم يشترط تعجيلها، ولم يمر به عرف، وكانت المنافع
مضمونة، ولم يشرع المستأجر في استيفائها بأن تأخر أكثر من ثلاثة أيام. فإنه يجب تعجيل الأجرة
جميعها، لحق الله تعالى لئلا يلزم ابتداء الدين بالدين، فإن ذمة المستأجر مشغولة بالأجرة. وذمة
المؤجر مشغولة بمنافع الشيء المكتري. فإن شرع المستأجر في استيفاء المنفعة بعد العقد قبل انتهاء
ثلاثة أيام جاز تأخير الأجرة لانتفاء العلة السابقة، بناء على أنه قبضه أوائل المنافع كأنه قبضه للمنافع
كلها .
وهذا قول أشهب، وهو مشهور وإن بني على ضعيف.
ويقابله قول ابن القاسم: لا بد من تعجيل جميع الأجرة ولو شرع المستأجر في استيفاء المنفعة؛ لأن قبضه
الأوائل ليس قبضاً للأواخر، وقد استثنيت من هذه المسألة صورة، وهي ما إذا وقع كراء الدابة مثلاً على
سفر بعيدٍ لحج أو غيره، فإنه لا يجب على المستأجر تعجيل جميع الأجرة، بل يكفي تعجيل السيير منها
كالدينار والدينارين للضرورة؛ لأن تعجيلها قد يؤدي إلى ضياع مال المستأجر إذ قد يهرب المؤجر
بالأجرة.
ولا يفوتنك أن هذا مفروض فيما لو تأخر المستأجر عن الشروع في السفر أكثر من ثلاثة أيام، فإن شرع
في السفر قبل انتهاء ثلاثة أيام - جاز تعجيل الأجرة وتأجيلها كما تقدم.
وخرج بهذه المسائل الأربع ما إذا فقدت بأن لم تكن الأجرة معينة، ولم يشترط تعجيلها، ولم تجر عادة
به، وكانت المنافع معينة شرع فيها أم لا، أو مضمونة وشرع فيها، فلا يجب تعجيل الأجرة وإذا لم يجب
تعجيلها، ففي الصانع تستحق الأجرة بتمام العمل، ومثله الأجير في غير بيع السلع، وأما منفعة الدار أو
الأرض أو نحوهما، أو عمل الأجير في بيع السلع فكلما حصل ما ينتفع به المستأجر وجب عليه دفع
أجرته .
هذا كله إذا تنازعا، ولم يكن هناك شرط ولا عرف، فإن كان هناك شرط أو عرف قضى به وإن تراضيا
على تعجيل أو تأجيل جاز. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ.

٢٠
كِتَابِ الإِجَارَةِ
والأصل في شرط العلم بالأجرة (١) قول النبي ◌َّهُ: ((مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ)(٢)
(١) أن تكون الأجرة معلومة ذاتاً، إما برؤية، أو وصف، وأجلاً إن كانت مؤجلة لما رواه الإمام أحمد عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله وَ لّ عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره .... ))
الحديث. ولأن في جعل المجهول أجرة غرراً يؤدي إلى التنازع، وقد نهى النبي ◌َّر عن بيع الغرر،
والإجارة في معنى البيع فلا تجوز مع الغرر، ولأن التراضي الذي شرطه الشارع في المعاوضات لا يمكن
أن يتوجه حقيقة إلى المجهول، ويحترز بهذا الشرط عن أمرين:
الأول: الأجرة المجهولة الذات إما لعدم رؤيتها، وإما لجهالة صفتها ولها أمثلة:
منها: ما لو قال: أكريتك الدار شهراً بعبدٍ أو بثوب، أو بما يقوله فلان، أو بإروب قمح أو بقنطار قطن
من غير تعرض للصفات التي تتفاوت فيها الأغراض، فالأجرة في هذه الأمثلة مجهولة الذات لعدم
مشاهدتها، ولعدم وصفها بالصفات التي يؤدي الجهل بها إلى التنازع.
ومنها ما لو جعل جلد الشاة أجرة لسالِخُها؛ لأنه لا يستحق إلا بعد السلخ، ولا يدري أيخرج سليماً أم
مقطعاً، وما لو جعلت نخالة القمح أجرة لطاحنه للجهل بقدرها، وما لو جعل ربع الثوب مثلاً أجرة
لناسجه، وربع الجلد مثلاً أجرة لدابغه للجهل بالصفة التي يخرج عليها كل من الثوب والجلد.
ومنها: ما لو قال صاحب الزرع الآخر: إحصده وادرسه ولك ثلثه مثلاً، وكذا لو قال: إدرسه. ولك ثلثه
للجهل بقدر الخارج، ويستقبح ذلك الجهل بقدر الأجرة، وأما لو قال: احصده ولك ثلثه - فالإجارة
صحيحة؛ لأن ما يراد حصده معلوم للأجير بالمشاهدة، فيكون جزؤه المجعول أجرة كالثلث معلوماً.
الثاني: الأجرة المجهولة الأجل إذا كانت مما يجوز تأجيله على ما تقدم مثالها ما لو قال: أكريتك هذه
الدار سنة بدينار على أن أدفعه لك بعد مدة أو حين يقدم زيد ولم يعرف متى يقدم فلا يجوز. أما الأجرة
الحالة فإنه لا يجب النص على حلولها، بل يكفي الإطلاق إلا إذا كانت معينة، ولم يجر عرف بحلولها
فإنه يجب النص على الحلول. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٣٥/٨) رقم (١٥٠٢٣) أخبرنا معمر والثوري عن حماد عن إبراهيم عن أبي هريرة
وأبي سعيد الخدري أو أحدهما أن النبي وَلّ قال: من استأجر أجيراً فليسم له إجارته.
قال عبد الرزاق، قلت الثوري: أسمعت حماداً يحدث عن إبراهيم عن أبي سعيد أن النبي وَّر قال: من
استأجر أجيراً فليسم له إجارته قال: نعم وحدث به مرة أخرى فلم يبلغ به النبي ◌َّدٍ .
ومن هذا الطريق أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده كما في ((نصب الراية)) (١٣١/٤).
وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٣١/٤. ١٣٢).
ورواه محمد بن الحسن في ((كتاب الآثار)) أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سلمان عن إبراهيم النخّعي
عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((من استأجر أجيراً فليعلمه أجره))، انتهى. وعن
عبد الرزاق رواه إسحاق بن راهويه في («مسنده))، قال: أخبرنا عبد الرزاق ثنا معمر عن حماد عن إبراهيم
عن الخدري عن رسول الله وَالر، قال: ((من استأجر أجيراً فليبين له أجرته))، انتهى. أخبرنا النضر بن
شميل ثنا حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن الخدري أن النبي وَّ نهى أن يستأجر الرجل حتى
يبين له أجره، انتهى. وبهذا اللفظ الأخير رواه أحمد في ((مسنده))، وأبو داود في ((مراسيله))، ومن جهة
أبي داود ذكره عبد الحق في ((أحكامه))، قال: وإبراهيم لم يدرك أبا سعيد، انتهى. وسند أبي داود حدثنا
موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان، ورواه النسائي في ((المزارعة)) موقوفاً
على أبي سعيد الخدري: إذا استأجرت أجيراً فأعلمه أجره، ولم يذكره ابن عساكر في ((أطرافه))؛ ورواه =