النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ كتاب الإجارة وذكر في الأصل إذا استؤجر عُلُوَّ منزلٍ ليبني عليه لا يجوز في قياس قول أبي حنيفة، لأن البناء عليه يختلف في الخفة والثقل، والثقيل منه يضر بالعلو، والضرر لا يدخل في العقد؛ لأن الأجير لا يرضى به، فكان مستثنى من العقد دلالةً ولا ضابط به، فصار محل المعقود عليه مجهولاً؛ بخلاف ما إذا استأجر أرضاً ليبني عليها أنه يجوز، لأن الأرض لا تتأثر لثقل البناء وخفته، [ولا](١) يجوز في قياس قول [أبي يوسف ومحمد](٢) لأن البناء المذكور ينصرف إلى المتعارف، والجواب ما ذكرنا أنه ليس لذلك حد معلوم. وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر شرباً من نهر أو مسيل ماء في أرض أنه لا يجوز؛ لأن قدر ما يشغل الماء من النهر والأرض غير معلوم. ولو استأجر نهراً ليسوق منه الماء إلى أرض له فيسقيها، لم يجز، وذكر في الأصل (٣) إذا استأجر نهراً يابساً يجري فيه الماء إلى أرضه، أو رحى، لا يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقال: أرأيت لو استأجر ميزاباً ليسيل فيه ماء المطر على سطح المؤاجر، ألم يكن هذا فاسداً؟ وذكر هشام عن محمد فيمن استأجر موضعاً معلوماً من أرض مؤقتاً بوقتٍ معلومٍ يسيل فيه ماؤه، أنه يجوز(٤) فصار عن محمد روايتان: وجه هذه الرواية أن المانع جهالة البقعة، وقد زالت الجهالة بالتعيين. وجه الرواية المشهودة: وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف أنَّ مقدار ما يسيل من الماء في النهر والمسيل مختلفٌ، والكثير منه مضر بالنهر والسطح، والمضر منه مستثنى من العقد دلالةً، وغير المضر غير مضبوط، فصار محل المعقود عليه مجهولاً، ولو استأجر ميزاباً ليركبه في داره كل شهر بشيء مسمى، جاز؛ لأن الميزاب المركب في داره لا تختلف منفعته بكثرة ما يسيل فيه وقعته، فكان محل المعقود عليه معلوماً. ولو استأجر بالوعة ليصب فيها وضوءاً لم يجز؛ لأن مقدار ما يصب فيها من الماء مجهول، الضرر يختلف فيه بقلته وكثرته، فكان محل المعقود عليه مجهولاً، وعلى هذا يخرج أيضاً ما إذا استأجر حائطاً ليضع عليه جذوعاً أو يبني عليه سترة أو يضع فيه ميزاباً، أنه لا يجوز، لأن وضع الجذوع وبناء السترة يختلف باختلاف الثقل والخفة، والثقيل منه يضر بالحائط، والضرر مستثنى من العقد دلالة، وليس لذلك المضر حد معلوم، فيصير محل المعقود عليه مجهولاً . (١) سقط من ط. (٢) في أ؛ أبي حنيفة. (٣) في أ: الأرض. (٤) في أ: لا يجوز. ٥٤٢ كتاب الإجارة وكذلك لو استأجر من الحائط موضع كوة (١) ليدخل عليه الضوء، أو موضعاً من الحائط ليتد فيه وتداً؛ لم يجز لما قلنا. فإن قيل: أليس أنه لو استأجر دابة بغير عينها يجوز، وإن كان المعقود عليه مجهولاً لجهالة محَلُه؟ فالجواب: أن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة لحاجة الناس إلى سقوط اعتبارها، لأن المسافر لو استأجر دابة بعينها فربما تموت الدابة في الطريق فتبطل الإجارة بموتها، ولا يمكنه ١٢٢٣/٢ المطالبة بدابة أخرى / فيبقى في الطريق فيقضي بغير حمولة فيتضرر به، فدعت الضرورة إلى الجواز وإسقاط اعتبار هذه الجهالة لحالة الناس، فلا تكون الجهالة مفضية إلى المنازعة كجهالة المدة وقدر الماء الذي يستعمل في الحمام. وقال هشام: سألت محمداً عن الأطَّلاء بالنورة(٢) بأن قال: أطليك بدانق ولا يعلم بما يطليه من غلظة ونحافته، قال: هو جائز، لأن مقدار البدن معلوم بالعادة، والتفاوت فيه يسير لا يفضي إلى المنازعة، ولأن الناس يتعاملون ذلك من غير نكير، فسقط اعتبار هذه الجهالة بتعامل الناس. ومنها: بيان المدة في إجارة الدور والمنازل والبيوت والحوانيت وفي استئجار الظئر، لأن المعقود عليه لا يصير معلوم القدر بدونه، فترك بيانه يفضي إلى المنازعة، وسواء قصرت المدة أو طالت من يوم أو شهر أو سنة أو أكثر من ذلك بعد أن كانت معلومة، وهو أظهر أقوال الشافعي، وفي بعضها أنه لا يجوز أكثر من سنة وفي بعضها أنه لا يجوز أكثر من ثلاثين سنة، والقولان لا معنى لهما، لأن المانع إِن كان هو الجهالة فلا جهالة، وإن كان عدم الحاجة فالحاجة قد تدعو إلى ذلك، وسواء عين اليوم أو الشهر أو السنة أو لم يعين، ويتعين الزمان الذي یعقب العقد لثبوت حکمه. وقال الشافعي: لا يصح العقد ما لم يعين الوقت الذي يلي العقد نَصَّا (٣). (١) الكوة: الخرق في الجدار يدخل منه الهواء والضوء المعجم الوسيط (كوو) (٨٠٦/٢). (٢) النُّورة: حجر الكلس المعجم الوسيط (نور). (٣) الإجارة على غير عمل لا بد فيها من التقدير بمدة، وهذا قد يتفق عليه بين الفقهاء، وقد وجهوا ما ذهبوا إليه: بأن لا خلاف في وجوب العلم بالمنفعة، وهي أمر إضافي، إن أمكن انضباطه في الأعمال بالمدة تارة، ويحمل العمل تارة أخرى، لم يمكن انضباطه في غير الأعمال إلا ببيان المدة، وترك البيان يقضي إلى النزاع والغرر، فقد يرغب أحد العاقدين في مدة طويلة، والآخر في مدة قصيرة. وإذا قلنا بتقدير المدة - فإن طولها وقصرها يتركان لحرية المتعاقدين، حسبما يريانه محققاً لمصلحتيهما = ٥٤٣ كتاب الإجارة .. على ألا تهلك فيها العين المؤجرة غالباً. إلى هذا ذهب الجمهور، خلافاً للمالكية والظاهرية. = أما الظاهرية: فإنهم يشترطون في المدة أن تكون مما يمكن بقاء المؤجر والمستأجر، والشيء المستأجر إليها، فإن لم يمكن بقاء أحدهم إليها - لم يجز العقد، وكان مفسوخاً. وحجتهم على ذلك: أن العقد على مدة لا يعيش إليها المتعاقدان باطل، لأنه لو كان صحيحاً - لكان عقداً منهما لغيرهما، وقد تعاقدا لأنفسهما، فلا يصح، ومثله العقد على مدة لا تبقى إليها العين المستأجرة؛ فهو باطل؛ لأنه عقد على معدوم لا يوجد. ويناقش ما استدل به الظاهرية: بأنا لا نسلم أن العقد على مدة لا يعيش إليها المتعاقدان يعتبر عقداً منهما لغيرهما، فإن عقد الإجارة ما هو إلا عقد معاوضة يفيد تمليك المنافع في مقابلة الأجرة، فالمنافع المعقود عليها كلها تملك للمستأجر والأجرة المقابلة لها كلها تملك للمؤجر، فإذا مات أحدهما - ملك ورثته عنه ما كان يملكه، من منفعة، أو أجرة فالورثة لا شأن لهم بالعقد أصلاً، وإنما ورثوا آثار العقد من منفعة وأجرة، كما يرثون أثر البيع من ثمن، أو مثمن، إذا بقي بيد المورث حتى مات عنه، وبهذا تسقط حجة الظاهرية في إبطال التقدير بمدة لا يعين إليها المتعاقدان، وأما إبطالهم التقدير بمدة لا تبقى إليها العين المستأجرة فمسلم. والجمهور یقولون به . وأما المالكية - فإنهم يفصلون في المدة بالنسبة للأعيان المؤجرة فيحددونها في الأرض الزراعية المأمونة الري بخمسين عاماً، وإذا لم تكن مأمونة - فإلى هذه المدة أيضاً، بشرط عدم قبض الكراء، وبالنسبة للعبد بخمسة عشر عاماً، وبالنسبة لدور السكنى بثلاثين عاماً وبالنسبة لدواب الركوب بسنة، إلا أن تكون في سفر فشهر، وهذا في الدابة التي يكون فيها قبض الأجرة، وأما مع عدم القبض فيجوز لأكثر من سنة، وقد فرقوا بين الدابة والعبد من جهة طول المدة وقصرها، بأن العبد إذا حصلت له مشقة يخبر عن حال نفسه، والدابة ليست كذلك. ولم أر من استدل على هذا التحديد، وغاية ما يستدل به عليه أن الأرض، وإن لم تفن في الخمسين عاماً، إلا أنه قد تتغير فيها الأسعار، فالإجارة لأكثر منها تحتوي على الغرر، وأما الدار فإنه يخشى انهدامها لو استؤجرت لأكثر من تلك المدة، وكذا يقال في بقية التقادير عندهم. ولا يخفى ضعف هذه الحجج، وعدم دلالتها على هذه التقادير المعينة المحددة، فالمانع من إطالة المدة، إما الجهالة، وإما خوف هلاك أحد العاقدين، وإما خوف هلاك العين. وأما الجهالة فلا وجود لها، لأن الغرض: أن العاقدين قدار مدة معينة، وأما خوف هلاك أحد العاقدين، فلا أثر له، لأنه لا ينفسخ العقد بموت أحدهما عندهم، وفاقاً للجمهور، فلم يبق إلا خوف هلاك العين، وهو لا يتقدر بالخمسين والثلاثين والخمسة عشر وغيرها، إذا الأرض قد تبقى مئات السنين، والدار قد تبقى أكثر من الثلاثين بكثير، وكذا العبد قد يعيش أكثر من الخمسة عشر. والذي يظهر أن هذا التقدير إنما هو تقريب لا تحديد، والمراد: استئجار العين إلى مدة تبقى فيها غالباً، كما يقول الجمهور. وقد وجه الجمهور ما ذهبوا إليه من عدم تحديد المدة، إلا بما تبقى فيه العين المستأجرة غالباً، بأن عقد الإجارة لازم، لا ينفسخ بموت العاقدين، أو أحدهما مع سلامة العين المؤجرة، وقد أعطاهما العقد حق = ٥٤٤ كتاب الإجارة وجه قوله إن قوله يوماً أو شهراً أو سنةً، مجهولٌ؛ لأن اسم لوقت منكر، جهالة الوقت توجب جهالة المعقود عليه، وليس في نفس العقد ما يوجب تعيين بعض الأوقات دون بعض، فيبقى مجهولاً، فلا بد من التعيين. ولنا أن التعيين قد يكون نصًّا وقد يكون دلالة، وقد وجد ههنا دلالة التعيين من وجهين. أحدهما: أن الإنسان إنما يعقد عقد الإجارة للحاجة، والحاجة عَقِيبَ العقد قائمةٌ. والثاني: أن العاقد يقصد بعقده الصحة، ولا صحة لهذا العقد إلا بالصرف في الشهر الذي يعقب العقد فيتعين، بخلاف ما إذا قال: لله عَلَيَّ أن أصوم شهراً أو أعتكف شهراً أن له أن يصوم ويعتكف أي شهر أَحَبَّ(١)، ولا يتعين الشهر الذي يلي النذر، لأن تعين الوقت ليس بشرط لصحة النذر، فوجب المنذور به في شهر منكر، فله أن يعين أيَّ شهرٍ شاء. ولو آجر داره شهراً أو شهوراً معلومة، فإن وقع العقد في غرة الشهر يقع على الأهلة بلا خلافٍ، حتى لو نقص الشهر يوماً كان عليه كمال الأجرة، لأن الشهر اسم للهلال، وإن وقع بعد ما مضى بعض الشهر ففي إجاره الشهر يقع على ثلاثين يوماً بالإجماع؛ لتعذر اعتبار الأهلة فتعتبر بالأيام. وأما في إجارة الشهور ففيها روايتان عن أبي حنيفة، في رواية اعتبر الشهور كلها بالأيام، وفي رواية اعتبر تكميل هذا الشهر فالأيام من الشهر الأخير والباقي بالأهلة، وهكذا ذكر في الأصل فقال: إذا استأجر سنة أولها هذا اليوم وهذا اليوم لأربعة عشر من الشهر، فإنه يسكن بقية هذا الشهر وأحد عشر شهراً بالأهلة وستة عشر يوماً من الشهر الأخير، وهذا غلط وقع من الكاتب، والصحيح أن يقال وأربعة عشر يوماً، لأن ستة عشر يوماً قد سكن، فلم يبق لتمام الشهر بالأيام إِلاَّ أربعة عشر يوماً. وهكذا ذكر في بعض(٢) النسخ، وإنما يسكن ستة عشر يوماً إذا كان سكن أربعة عشرة يوماً، وهو قول أبي يوسف ومحمد. الانتفاع بما صار إليهما، فالمؤجر بالأجرة، والمستأجر بالعين، وما ثبت لهما من الحقوق يورث عنهما، = فلا مانع من إطالة المدة، ولو لم يعن المتعاقدان إليها، ما دامت العين تبقى فيها غالباً. فإن قيل: إن الحنفية يقولون بانفساخ الإجارة، بموت أحد العاقدين، فكان عليهم أن يقولوا: بما قال به الظاهرية من التحديد بمدة يعيش إليها العاقدان. قلنا: لعلهم يلاحظون أن التقييد بالمدة يجعل العقد كأنه عقود كثيرة متعددة بتعدد المدة، فطرقها لا يؤثر، إذ غايته أن يبطل في المدة الزائدة، فلو أجر داراً مائة سنة فالإجارة صحيحة في المدة التي يعيشان إليها، فإذا مات أحدهما - انفسخت، فلا داعي لإبطالها ابتداء. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. (١) في أ: شاء. (٢) في أ: بقية. ٥٤٥ كتاب الإجارة ووجهه ما ذكرنا في ((كتاب الطلاق))؛ لأن اسم الشهور للأهلة إذ الشهر اسم للهلال لغةً، إلا أنه لا يمكن اعتبار الأهلة في الشهر الأول، فاعتبر فيه الأيام ويمكن فيما بعده فيعمل بالأصل، ولأن كل جزء من أجزاء المنفعة معقود عليه لأنه يتجدد ويحدث شيئاً فشيئاً، فيصير عند تمام الشهر الأول كأنه عقد الإجارة ابتداء، فيعتبر بالأهلة؛ بخلاف العدة أنه يعتبر فيها الأيام على إحدى الروايتين، لأن كل جزء من أجزاء العدة ليس بعدة، ولأن العدة فيها حق الله تعالى فاعتبر فيها زيادة العدد احتياطاً، والإجارة حق العبد فلا يدخله الاحتياط. وجه الرواية الأُخرى أن الشهر الأول يكمل بالأيام بلا خلافٍ، وإنما يكمل بالأيام من الشهر الثاني، فإذا كمل بالأيام من الشهر الثاني يصير أول الشهر الثاني بالأيام فيكمل من الشهر الثالث، وهكذا إلى آخر الشهور. ولو قال أجرتك هذه الدار سنةً، كل شهر بدرهم، جاز بالإجماع، لأن المدة معلومة والأجرة معلومة، فلا يجوز ولا يملك أحدهما الفسخ قبلّ تمام السنة من غير عذر. ولو لم يذكر السنة فقال: أجرتك هذه/ الدار كل شهر بدرهم، جاز في شهر واحد عند ٢٢٣/٢ب أبي حنيفة، وهو الشهر الذي يعقب العقد كما في بيع العين بأن قال: بعت منك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم؛ أنه لا يصح إلا في قفيز واحد عنده، لأن جملة الشهور مجهولة، فأما الشهر الأول فمعلومٌ وهو الذي يعقب العقد. وذكر القدوري أنَّ الصحيحَ من قول أبي يوسف ومحمد أنه لا يجوز أيضاً، وفرقا بين الإجارة وبيع العين من حيث إن كل شهر لا نهاية له، فلا يكون المعقود عليه معلوماً بخلاف الصبرة؛ لأنه يمكن معرفة الجملة بالكيل، وعامة مشايخنا قالوا تجوز هذه الإجارة على قولهما: كل شهر بدرهم، كما في بيع الصبرة كل قفيز بدرهم، وفي بيع المذروع كل ذراع بدرهم. وعند أبي حنيفة: لا يجوز البيع في المذروع في الكل لا في ذراع واحد ولا في الباقي. وفي المكيل والموزون يجوز في واحد ولا يجوز في الباقي في الحال إلا إذا علم المشتري جملته في المجلس، لأن بيع قفيز من صبرة جائز؛ لأن الجهالة لا تفضي إلى المنازعة لعدم التفاوت بين قفيز وقفيز، فأما بيع ذراع من ثوب فلا يجوز؛ لتفاوت(١) في أجزاء الثوب فيفضي إلى المنازعة. (١) في ط: التفاوت. بدائع الصنائع ج٥ - ٣٥٣ ٥٤٦ كتاب الإجارة وقال الشافعيُّ: هذه الإجارة فاسدةٌ، واعتبرها ببيع كل ثوب من هذه الأثواب بدرهم، وهذا الاعتبار غير سديد؛ لأن الثياب تختلف في أنفسها اختلافاً فاحشاً، ولا يمكن تعين واحد منها لاختلافها، فأما الشهور فإنها لا تختلف فيتعين واحد منها للإجارة عند أبي حنيفة وهو الشهر الأول لما بينا، وإذا جاز في الشهر الأول لا غير عند أبي حنيفة، فلكل واحد منهما أن يترك الإجارة عند تمام الشهر الأول، فإذا دخل الشهر الثاني ولم يترك أحدهما، انعقدت في الإجارة الشهر الثاني؛ لأنه إذا مضي الشهر الأول ولم يترك أحدهما فقد تراضيا على انعقاد العقد في الشهر الثاني، فصارا كأنهما جددا العقد، وكذا هذا عند مضي كل شهر؛ بخلاف ما إذا أجر شهراً وسكت ولم يقل كل شهر؛ لأن هناك لم يسبق منه شيء يبنى عليه العقد في الشهر الثاني. ثم اختلف مشايخنا في وقت الفسخ وكيفيته: قال بعضُهم إذا أهلَّ الهلالُ يقول أحدهما على الفور فسخت الإجارة، فإذا قال ذلك لا ينعقد في الشهر الثاني، وإن سكتا عنه انعقدت. وقال بعضُهم: يفسخ أحدهما الإجارة في الحال، فإذا جاء رأس الشهر عمل ذلك الفسخ السابق. وقال بعضهم: يفسخ أحدهما ليلة الهلال أو يومها، وإن سكتا حتى غربت الشمس من اليوم الأول انعقدت الإجارة في الشهر الثاني. وهذا أصح الأقاويل، ومعنى الفسخ ههنا هو: انعقاد الإجارة في الشهر الثاني؛ لأن رفع العقد الموجود في الأصل. ولو استأجر دلواً وبكرة ليسقي غنمه ولم يذكر المدة لم يجز؛ لأن قدر الزمان الذي يسقى فيه الغنم غير معلوم، فكان قدر المعقود عليه مجهولاً، وإن بين المدة جاز لأنه صار معلوماً ببيان المدة، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. وَأمَّا بيان ما يستأجر له في هذا النوع من الإجارة، أعني: إجارة المنازل ونحوها، فليس بشرط حتى لو استأجر شيئاً من ذلك ولم يسم ما يعمل فيه، جاز، وله أن يسكن فيه بنفسه(١) ومع غيره، وله أن يسكن فيه غيره بالإجارة والإعارة، وله أن يضع فيه متاعاً أو غيره(٢)، غير أنه لا يحمل فيه حداداً ولا قصاراً ولا طحاناً ولا ما يضر بالبناء ويوهنه، وإنما كان كذلك لأن الإجارة شرعت للانتفاع، والدور والمنازل والبيوت ونحوهما معدة للانتفاع بها بالسكنى، (١) في ط: نفسه. (٢) في ط: وغيره. ٥٤٧ كتاب الإجارة ومنافع العقار المعدة للسكنى متقاربة(١)؛ لأن الناس لا يتفاوتون فى السكنى، فكانت معلومة من غير تسمية. وكذا المنفعة لا تتفاوت بكثرة السكان وقلتهم إلا تفاوتاً يسيراً، وأنه ملحق بالعدم، ووضع المتاع من توابع السكنى. وذكر في الأصل أن له أن يربط في الدار دابته وبعيره وشاته؛ لأن ذلك من توابع السكنى. وقيل إن هذا الجواب على عادة أهل الكوفة، والجواب فيه يختلف باختلاف العادة، فإن كان موضع جرت العادة بذلك فله ذلك، وإلا فلا؛ وإنما لم يكن له أن يقعد فيه من يضر بالبناء ويوهنه من القصار والحداد والطحان لأن ذلك إتلاف العين وأنه لم يدخل تحت العقد إذ الإجارة بيع المنفعة لا بيع العين، ولأن مطلق العقد ينصرف إلى المعتاد. والظّاهرُ أن الحانوت الذي يكون في صف البزازين(٢) أنه لا يؤاجر لعمل الحداد والقصار والطحان فلا ينصرف مطلق العقد إليه؛ إذ المطلق محمول على العادة فلا يدخل غيره في العقد إلا بالتسمية أو بالرضا، حتى لو آجر حانوتاً في صف الحدادين من حداد عمل الحدادة/ فيه ١٢٢٤/٢ من غير تسمية للعادة، وإنما كان له أن يؤاجر من غيره وبعير؛ لأنه ملك المنفعة، فكان له أن يؤاجر من غيره بعوض وبغير عوض. وأما في إجارة الأرض فلا بد فيها من بيان ما تستأجر له من الزراعة والغرس والبناء وغير ذلك، فإن لم يبين كانت الإجارة فاسدة إلا إذا جعل له أن ينتفع بها بما شاء. وكذا إذا استأجرها للزراعة فلا بد من بيان ما يزرع فيها أو يجعل له أن يزرع فيها ما شاء، وإلا فلا يجوز العقد؛ لأن منافع الأرض تختلف باختلاف البناء والغرس والزراعة. وكذا المزروع يختلف منه ما يفسد الأرض ومنه ما يصلحها، فكان المعقود عليه مجهولاً جهالة مفضية إلى المنازعة، فلا بد من البيان؛ بخلاف السكنى فإنها لا تختلف، وأما في إجارة الدواب فلا بد فيها من بيان أحد الشيئين: المدة أو المكان، فإن لم يبين أحدهما فسدت، لأن ترك البيان يفضي إلى المنازعة. وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر دابة يشيع عليها رجلاً أو يتلقاه؛ أن الإجارة فاسدة إلا أن يسمى موضعاً معلوماً لما قلنا. (١) في أ: غير متفاوتة. (٢) البَزَّاز: هو بائع البزِّ، وهو نوع من الثياب المعجم الوسيط (بزز). ٥٤٨ كتاب الإجارة وكذا إذا استأجرها إلى الجبانة(١)؛ لأن الجبانة تختلف أولها وأوسطها وآخرها؛ لأنها موضع واسع تتباعد أطرافها وجوانبها، بخلاف ما إذا استأجر دابة إلى الكوفة أنه يصح العقد وإن كان أطرافها وجوانبها متباعدة؛ لأن المكان هناك معلوم بالعادة، وهو منزله الذي بالكوفة؛ لأن الإنسان إذا استأجر إلى بلده فإنما يستأجر إلى بيته. ألا ترى أنه ما جرت العادة بين المكاريين بطرح الحمولات على أول جزء من البلد فصار منزله بالكوفة مذكوراً دلالة، والمذكور دلالةٌ كالمذكور نصّاً، ولا عادة في الجبانة على موضع بعينه حتى يحمل العقد عليه، حتى لو كان في الجبانة موضع لا يركب إلا إليه يصح العقد، وينصرف إليه كما يصح إلى الكوفة. ولو تكاراها بدرهم يذهب عليها إلى حاجة له لم يجز ما لم يبين المكان؛ لأن الحوائج تختلف، منها ما ينقضي بالركوب إلى موضع، ومنها ما لا ينقضي إلا بقطع(٢) مسافة بعيدة، فكانت المنافع مجهولة، فتفسد الإجارة. وذكر في الأصل إذا تكارى دابة من الفرات إلى جعفى وجعفى قبيلتان بالكوفة ولم يسم إحداهما، أو إلى الكناسة وفيها كناستان ولم يسم إحداهما، أو إلى بجيلة وبها بجيلتان الظاهرة والباطنة ولم يسم إحداهما - أن الإجارة فاسدة؛ لأن المكان مجهول، ولا بد فيها من بيان ما يستأجر له في الحمل والركوب؛ لأنهما منفعتان مختلفتان، وبعد بيان ذلك لا بد من بيان ما يحمل عليها ومن يركبها؛ لأن الحمل يتفاوت بتفاوت المحمول، والناس يتفاوتون في الركوب، فترك البيان يفضي إلى المنازعة. وذكر في الأصل إذا استأجر بعيرين من الكوفة إلى مكة، فحمل على أحدهما محملاً فيه رجلان وما يصلح لهما من الوطاء والدثر، وقد رأى الرجلين ولم ير الوطاء والدثر، وأحدهما زاملة يحمل عليها كذا وكذا محتوماً من السويق والدقيق وما يصلحهما من الزيت والخل والمعاليق، ولم يبين ذلك، واشترط عليه ما يكتفي به من الماء ولم يبين ذلك، فهذا كله فاسدٌ بالقياس، ولكن قال أبو حنيفة: استحسن ذلك وجه القياس أنه شرط عملاً(٣) مجهولاً؛ لأنه قدر الكسوة والدثار يختلف باختلاف الناس، فصارت المنافع مجهولة . وجه الاستحسان: أن الناس يفعلون ذلك من لدن رسول الله وَ ل إلى يومنا هذا، فكان ذلك إسقاطاً منهم اعتبار هذه الجهالة، فلا يفضي إلى المنازعة. (١) الجبَّانة: المقبرة المعجم الوسيط (جبن). (٢) في أ: بعد. (٣) في أ: حملاً. ٥٤٩ كتاب الإجارة وإن اشترط المستأجر أن يحمل عليه من هدايا مكة من صالح ما يحمل الناس فهو جائزٌ؛ لأن قدر الهدايا يعلم بالعادة، وهذا مما يفعله(١) الناس في سائر الأعصار من غير نكير، وإن بين وزن المعاليق ووصف ذلك والهدايا أحَبُّ إلينا لأنه يجوز قياساً واستحساناً، وذلك يكون أبعد من الخصومة لذلك قال أحبُّ إلينا، ولكل محل قربتين من ماء وأداوتين من أعظم ما يكون؛ لأن هذا كله يصير معلوماً بالعادة وذكره أفضل. وكذا الخيمة والقبة وذكره أفضل لما قلنا، وفي استئجار العبد للخدمة والثوب للبس والقدر للطبخ لا بد من بيان المدة لما قلنا . والقياس أن يشترط بيان نوع الخدمة في استئجار العبد للخدمة؛ لأن الخدمة تختلف فكانت مجهولة . وفي الاستحسان: لا يشترط وينصرف إلى المتعارف وليس له أن يسافر به، فلا بد من بيان ما يلبس وما يطبخ في القدر؛ لأن اللبس يختلف باختلاف/ اللابس، والقدر يختلف ٢٢٤/٢ب باختلاف المطبوخ، فلا بد من البيان ليصير المعقود عليه معلوماً، فإن اختصما حين وقعت الإجارة في هذه الأشياء قبل أن يزرع أو يبنى أو يغرس، أو قبل أن يحمل على الدابة أو يركبها، أو قبل أن يلبس الثوب أو يطبخ في القدر، فإن القاضي يفسخ الإجارة لأن العقد وقع فاسداً، ورفعُ الفساد واجبٌ؛ حَقأ للشرع، فإن زرع الأرض وحمل [على](٢) الدابة ولبس الثوب وطبخ في القدر، فمضت المدة فله ما سمى؛ استحساناً. والقياس أن يكون له أجر المثل؛ لأنه استوفى المنفعة بعقد فاسد، واستيفاء المنفعة بعقد فاسد يُوجب أجر المثل لا المسمى. وجه الاستحسان: أن المفسد جهالة المعقود عليه، والمعقود عليه قد تعين بالزراعة والحمل واللبس والطبخ، فزالت الجهالة، فقد استوفى المعقود عليه في عقد صحيح، فيجب كمال المسمى كما لو كان متعيناً فى الابتداء. ولو فسخ القاضي الإجارة ثم زرع أو حمل أو لبس أو غير ذلك، لا يجب شيء؛ لأن القاضي لما نقض العقد فقد بطل العقد، فصار مستعملاً مال الغير من غير عقد، فصار غاصباً؛ والمنافع على أصلنا لا تتقوم إلا بالعقد الصحيح أو الفاسد، ولم يوجد. ومنها: بيان العمل في استئجار الصناع والعمال؛ لأن جهالة العمل في الاستئجار على الأعمال جهالةٌ مفضيةٌ إلى المنازعة، فيفسد العقد؛ حتى لو استأجر عاملاً ولم يسم له العمل من القصارة والخياطة والرعي ونحو ذلك، لم يجز العقد، وكذا بيان المعمول فيه في الأجير (١) في أ: يتعامله. (٢) سقط من ط . ٥٥٠ كتاب الإجارة المشترك، إما بالإشارة والتعيين، أو ببيان الجنس والنوع والقدر والصفة في ثوب القصارة والخياطة، وبيان الجنس والقدر في إجارة الراعي من الخيل أو الإبل أو البقر أو الغنم وعددها؛ لأن العمل يختلف باختلاف المعمول. وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر حفاراً ليحفر له بئراً؛ أنه لا بد من بيان مكان الحفر وعمق البئر وعرضها؛ لأن عمل الحفر يختلف باختلاف عمق المحفور وعرضه ومكان الحفر من الصلابة والرخاوة، فيحتاج إلى البيان ليصير المعقود عليه معلوماً. وهل يشترط فيه بيان المدة؟ أما في استئجار الراعي المشترك فيشترط؛ لأن قدر المعقود عليه لا يصير معلوماً بدونه. وأما في استئجار القصار المشترك والخياط المشترك فلا يشترط؛ حتى لو دفع إلى خياط أو قصار أثواباً معلومة ليخيطها أو ليقصرها، جاز من غير بيان المدة؛ لأن المعقود عليه يصير معلوماً بدونه. وأما في الأجير الخاص فلا يشترط بيان جنس المعمول فيه ونوعه وقدره وصفته، وإنما يشترط بيان المدة فقط. وبيان المدة في استئجار الظئر شرط جوازه بمنزلة استئجار العبد للخدمة؛ لأن المعقود عليه هو الخدمة، فما جاز في الظئر وما لم يجز فيه لم يجز فيها، إلا أن أبا حنيفة استحسن في الظئر أن تستأجر بطعامها وكسوتها؛ لما نذكره في موضعه، إن شاء الله - تعالى -. ولو استأجر إنساناً ليبيع له ويشتري، ولم يبين المدة، لم يجز لجهالة قدر منفعة البيع والشراء، ولو بين المدة بأن استأجره شهراً ليبيع له ويشتري، جاز، لأن قدر المنفعة صار معلوماً ببيان المدة . وما روي عن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - [أنه](١) قال: كنا نبيع في أسواق المدينة ونسمي أنفسنا السماسرة، فخرج علينا رسول الله وَ ﴿ وسمَّانا بأحسن الأسماء، فقال وَّ: ((يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إِنَّ بَيْعَكُمْ هَذَا بِخضرُهُ اللَّغْوُ وَالكَذِبُ، فَشُوبُوهُ بِالصدَقَةِ»(٢) (١) سقط من ط . (٢) أخرجه أبو داود (٢٤٢/٣) كتاب البيوع باب في التجارة يخالطها الحلف واللغو حديث (٣٣٢٦، ٣٣٢٧) والترمذي (٥٠٥/٣) كتاب البيوع: باب ما جاء في التجارة وتسمية النبي ◌َّ و إياهم حديث (١٢٠٨) والنسائي (١٤/٧ _ ١٥) كتاب الأيمان: باب في الحلف والكذب، وابن ماجه (٧٢٥/٢ - ٧٢٦) كتاب التجارات: باب التوقي في التجارة حديث (٢/٤٥) وأحمد (٦/٤، ٢٨٠) والحميدي (٤٣٨) من حديث قيس بن أبي غرزة مرفوعاً. وقال الترمذي حسن صحيح. .. ٥٥١ كتاب الإجارة والسمسار هو الذي يبيع أو يشتري لغيره بالأجرة، فهو محمول على ما إذا كانت المدة معلومة . وكذا إذا قال: بع لي هذا الثوب ولك درهم، وبين المدة، وإن لم يبين فباع واشترى، فله أجر مثل عمله، لأنه استوفى منفعته بعقد فاسد. قال الفضل بن غانم: سمعتُ أبا يوسف قال(١): لا بأس أن يستأجر القاضي رجلاً مشاهرة على أن يضرب الحدود بين يديه، وإن كان غير مشاهرة فالإجارة فاسدة؛ لأنها إذا كانت مشاهرة كان المعقود عليه معلوماً ببيان المدة، ويستحق الأجرة فيها بتسليم النفس، عمل أو لم يعمل، وإذا لم يذكر الوقت بقي المعقود عليه مجهولاً؛ لأن قدر الحدود التي سماها غير معلوم؛ وكذا محل الإقامة مجهول. وذكر محمد في ((السير الكبير)): إذا استأجر الإمام رجلاً ليقتل المرتدين والأسارى، لم يجز عند أصحابنا، وإن استأجره لقطع اليد، جاز، ولا فرق بينهما عندي، والإجارة جائزة فيهما؛ هكذا ذكر محمد، وأراد بقوله: ((أصحابنا)) أبا يوسف وأبا حنيفة. ١٢٢٥/٢ وعلى هذا الخلاف إذا/ استأجر رجلٌ رجلاً لاستيفاء القصاص في النفس. وجه قوله إنه استأجره لعمل معلوم، وهو القتل، ومحله معلوم وهو العتق؛ إذ لا يباح له العدول عنه، فيجوز؛ كما لو استأجره لقطع اليد أو ذبح(٢) الشاة، ولهما أن محله من العتق ليس بمعلوم بخلاف القطع، فإن محله من اليد معلوم وهو المفصل، وكذا محل الذبح الحلقوم والودجان وذلك معلوم. وقال ابن رستم عن محمد في رجلٍ قال لرجل: اقتل هذا الذئب أو هذا الأسد ولك درهم، وهما صيد ليسا للمستأجر، فقتله، فإن له أجر مثله لا أجاوز به درهماً؛ لأن الأسد والذئب إذا لم يكونا في يده فيحتاج في قتلهما إلى المعالجة، فكان العمل مجهولاً، وإنما وجب عليه أجر المثل؛ لأنه استوفى المنفعة بعقد فاسد، ويكون الصيد للمستأجر، لأنَّ قتل الصيد سبب لتملكه وعمل الأجير يقع للمستأجر، فصار كأنه قتله بنفسه. وعلى هذا يخرج ما إذَا قَالَ لرجلٍ: استأجرتك لتخيط هذا الثوب اليوم، أو لتقصر هذا الثوب اليوم، أو لتخبز قفيز دقيق اليوم، أو قال: استأجرتك هذا اليوم لتخيط هذا الثوب، أو لتقصر، أو لتخبز قدم اليوم، أو أخره أن الإجارة فاسدة في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: جائزة. وعلى هذا الخلاف إذا استأجر الدابة إلى الكوفة أيّاماً مسماة، فالإجارة فاسدة عنده، وعندهما جائزة . (١) في أ: يقول. (٢) في ط: وذبح. ٥٥٢ كتاب الإجارة وجه قولهما إنَّ المعقول عليه هو العمل؛ لأنه هو المقصود والعمل معلوم، فأما ذكر المدة فهو التعجيل، فَلَمْ تكن المدة معقوداً عليها، فذكرها لا يمنع جواز العقد، وإذا وقعت الإجارة على العمل، فإن فرغ منه قبل تمام المدة، أي: اليوم، فله كمال الأجر، وإن لم يفرغ منه اليوم فعليه أن يعلمه في الغد؛ كما إذا دفع إلى خياط ثوباً ليقطعه ويخيطه قميصاً؛ على أن يفرغ منه في يومه هذا، أو اكترى من رجلٍ إبلاً إلى مكة على أن يدخله إلى عشرين ليلة كل بعير بعشرة دنانير مثلاً، ولم يزد على هذا؛ أن الإجارة جائزة، ثم إن وفى بالشرط أخذ المسمى، وإن لم یف به، فله أجر مثله لا یزاد على ما شرطه. ولأبي حنيفة أنَّ المعقود عليه مجهول؛ لأنه ذكر أمرين كل واحد منهما يجوز أن يكون معقوداً عليه، أعني: العمل والمدةَ، أما العمل فظاهر؛ وكذا ذكر بدليل أنه لو استأجره يوماً للخبازة من غير بيان قدر ما يخبز، جاز؛ وكان الجواب باعتبار أنه جعل المعقود عليه المنفعة، والمنفعةُ مقدرة بالوقت، ولا يمكن الجمع بينهما في كون كل واحد منهما معقوداً عليه؛ لأن حكمهما مختلف؛ لأن العقد على المدة يقتضي وجوب الأجر من غير عملٍ؛ لأنه يكون أجيراً خالصاً (١)، والعقد على العمل يقتضي وجوب الأجر بالعمل؛ لأنه يصير أجيراً مشتركاً، فكان المعقود عليه أحدهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فكان مجهولاً وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد؛ بخلاف تلك المسألة؛ لأن قوله على أن يفرغ منه في يومي هذا ليس جعل الوقت معقوداً عليه، بل هو بيان صفة العمل بدليل أنه لو لم يعمل في اليوم وعمل في الغد يستحق أجر المثل(٢). (١) في أ: خاصاً. (٢) يجوز في الإجارة على عمل من حرفة، كالخياطة والبناء، أو غيرها، كالحصاد، والدارس أن تعين بالزمن، كيوم، أو جمعة، أو شهر، وأن تعين بمحل العمل، دون الزمن، ككتابة كتاب علم، أو بناء حائط، أو قنطرة، أو حفر بئر، أو خياطة ثوب إذا وصفت هذه الأمور وصفاً رافعاً للنزاع، فإذا عنيت بالزمن استحق العامل الأجرة على تسليمه نفسه في ذلك الزمن، وإن قل عمله، أو لم يتهيأ له عمل، وإذا عينت بمحل العمل - استحقق الآجرة على العمل طال الزمن، أو قصر، فإن جمع الزمن والعمل، كأنه قال إنسان لآخر: خط هذا الثوب في هذا اليوم بكذا؟ ففي ذلك تفصيل حاصله: أ ـ أنه إن كان الزمن مساوياً للعمل، بأن كان يسعه لا يزيد، ولا ينقص، فهو فاسد اتفاقاً عند المالكية، فیما حكاه ابن رشد. وحكى ابن عبد السلام: أنه أحد مشهورين، والآخر عدم الفساد. ب - وإن كان الزمن أقل من العمل فهو فاسد اتفاقاً عندهم. جــ وإن كان الزمن أوسع من العمل جاز اتفاقاً، على ما حكاه ابن عبد السلام، وفسد على المشهور على ما حكاه ابن رشد. وطريقة ابن عبد السلام أظهر في النظر على ما قال الدردير في ((الشرح الكبير)). = ٥٥٣ كتاب الإجارة وعلة الفساد فيما لو نقص الزمن عدم إمكان التسليم، وأما إذا ساوى، أو زاد - فالعلة احتمال وجود = طارىء يطرأ على الأجير يمنعه عن إتمام العمل في هذا الزمن، فيؤدي ذلك إلى النزاع. والشافعية أيضاً يمنعون تقدير المنفعة بالزمن، ومحل العمل مقاماً لم يكن، ذكراً لزمن يقصد التعجيل. ولهم فيما لو زاد الزمن على العمل وجهان. أحدهما: نص عليه البويطي، هو: الصحة، لأن عروض عائق عن الإكمال في الزمان المتسع، خلاف الأصل، فلا ينظر إليه. وثانيهما: عدم الصحة، وهو الذي اعتمدوه. والحنفية مختلفون أيضاً في الجمع بين الزمن والعمل. فأبو حنيفة يقول فيه: بفساد الإجارة، وأبو يوسف ومحمد يقولان بجوازها. وجه قول الصاحبين: أن المعقود عليه هو العمل، لأنه هو المقصود، والعمل معلوم، فأما ذكر المدة، فهو للتعجيل، فلم تكن المدة معقوداً عليها، فإن فرغ من العمل قبل تمام المدة فله كمال الأجرة، وإلا فعليه أن يتمه بعد المدة، وله أجر مثله على ألا يزيد على ما شرطه. ووجه قول أبي حنيفة أن المعقود عليه مجهول، لأنه ذكر أمران كل واحد منهما يجوز أن يكون معقوداً عليه، وهما: العمل، والمدة .. أما العمل - فظاهر، وأمَّا المدة، فلأنه لو استأجره يوماً للخبز، من غير بيان قدر ما يخبز جاز، لأن المعقود عليه المنفعة، وهي مقدرة بالوقت، ولا يمكن الجمع بينهما في كون كل واحد منهما معقوداً عليه، لأن حكمهما مختلف، إذ العقد على المدة يقتضي وجوب الأجر من غير عمل، لأنه يكون أجيراً خالصاً، والعقد على العمل يقتضي وجوب الأجر بالعمل، لأنه يصير أجيراً مشتركاً، فكان المعقود عليه أحدهما، وليس أحدهما بأولى الآخر، فكان مجهولاً وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد، والخلاف بين أبي حنيفة، وصاحبيه إنما هو فيما لو قال: استأجرتك لتخيط هذا الثوب اليوم، أو استأجرتك هذا اليوم، لتخيط هذا الثوب. وأما لو دفع إلى خياط ثوباً، ليقطعه ويخيطه قميصاً على أن يفرغ منه في يومه هذا فالإجارة جائزة بين أبي حنيفة وصاحبيه، ثم إن وفي بالشرط - أخذ المسمى، وإن لم يف به فله أجر مثله، على ألا يزيد على ما شرطه؛ لأنه لم يحيل الوقت معقوداً عليه، وإنما جعله بياناً لصفة العمل، فلا تأتي فيه علة المنع التي قال بها أبو حنيفة في المثالين السابقين. والحنابلة مختلفون أيضاً، فالراجح عندهم: أنه لا يجوز الجمع بين المدة والعمل. ورُوي عن أحمد الجواز، كقول أبي يوسف ومحمد. وخلاصة هذا الخلاف كلهم ثلاثة أقوال : ١ - المنع مطلقاً. ٢ - الجواز مطلقاً. ٣ - التفصيل إما بالمنع عند نقص الزمن، والجواز فيما عداه، وإما بالمنع عند نقص الزمن ومساواته، والجواز عند زيادته، وإما بالمنع في بعض الأمثلة، والجواز في بعضها. والذي يظهر إنما هو التفصيل بين ما لو كان الزمن ينقص عن العمل، أو لا ينقص، فإن نقص ـ فالعقد فاسد، لعدم إمكان التسليم، ولأنه عبث - ما لم يكن كناية عن السرعة غير مقصود به الاشتراط، فإنه = ٥٥٤ كتاب الإجارة ولو قال: أجرتك هذه الدار شهراً بخمسة دراهم، أو هذه الأخرى شهراً بعشرة دراهم، أو كان(١) هذا القول في حانوتين أو عبدين أو مسافتين مختلفتين؛ بأن قال أجرتك هذه الدابة إلى واسط بكذا، أو إلى مكة بكذا، فذلك جائز عند أصحابنا الثلاثة استحساناً، وعند زفر والشافعي: لا يجوز قياساً. وعلى هذا إذا خيره بين ثلاثة أشياء وإن ذكر أربعة لم يجز، وعلى هذا أنواع: الخياطة، والصبغ أنه إن ذكر ثلاثة جاز عندنا، ولا يجوز ما زاد عليها كما في بيع العين. وجه القياس: أنه أضاف العقد إلى أحد المذكورين وهو مجهول، فلا يصح، ولهذا لم يصح إذا أضيف إلى أحد الأشياء الأربعة . وَلَنَا أن خيره بين عقدين معلومين في محلّين متقومين ببدلين معلومين؛ كما لو قال: إن رددت الآبق من موضع كذا فلك كذا، وإن رددته من موضع كذا فلك كذا، وكما لو قال: إن خطت(٢) هذا الثوب فبدرهم، وإن خطت(٣) هذا الآخر فبدرهم، وعملهما سواءٌ، وكما لو قال: إن سرت على هذه الدابة إلى موضع كذا فبدرهم، وإن سرت إلى موضع كذا فبدرهم، والمسافة سواء. حينئذ لا يضر، ولا يعتبر الإحلال به موجباً للخيار. = وإن لم ينقص عن العمل، بأن ساواه، أو زاد عليه صح العقد، سواء قصد بذكر الزمن الاشتراط، أم جعله كناية عن السرعة، لأنه على فرض كونه، للاشتراط إنما هو اشتراط للمصلحة، وليس فيه غرر، أو جهالة تمنع من التسليم، وما يقال من أن الزمن حينئذ يكون معقوداً عليه، فيؤدي ذلك إلى الجمع بين حكمين مختلفين، أو جهالة المعقود عليه، فهو غير ظاهر، لأن كل أحد يفرق بالضرورة بين من يقول: خط عندي يوماً، وبين من يقول: خط لي هذا الثوب في يوم، فمقصود الأول: تملك منفعة الأجير في الزمن المخصوص، سواء أخاط له ثوباً، أم أقل، أم أكثر، أم سلم نفسه، ولو لم يعلم شيئاً، ومقصور الثاني: إنما هو العلم المخصوص لا يملك سائر منافع الأجير، بل له أن يخيط في هذا الزمن له ولغيره، لكنه اشترط الزمن للمصلحة، فليس معقوداً عليه، وإنما هو شرط إذ أوفى به، فالأمر ظاهر، وإن خاط الثوب في أقل منه - فقد زاد جيدًا، واستحق المسمى، كما لو عجل المدين أداء دينه المؤجل، وإن أبطأ فخاط بعض الثوب في الزمن، أو لم يخط شيئاً أصلاً، فالمستأجر بالخيار، بين النسخ، والإجازة، فإن فسخ فللأجير أجر مثل ما صنع إن كان قد صنع شيئاً، ولا عبرة بالمسمى، لأنه سقط بالانفساخ، وإن لم يفسخ فليس على الأجير سوى إتمام العمل، وله المسمى. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. (١) في أ: قال. (٢) في ط: خيطت. (٣) في ط: خيطت. ٥٥٥ كتاب الإجارة وأما قولهما إن العقد أضيف إلى أحد المذكورين من غير عين، فنعم، لكن فوض خيار التعيين إلى المستأجر، ومثل هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة كجهالة قفيز في الصبرة، ولهذا جاز البيع، فالإجارة أوْلَى؛ لأنها أوسع من البيع. ألا ترى أنها تقبل من الخطر ما لا يقبله البيع، ولهذا جوزوا هذه الإجارة/ من غير شرط ٢٢٥/٢ب الخيار، ولم يجوزوا البيع إلا بشرط الخيار، وكذلك إذا دفع إلى خياطاً ثوباً فقال له: إن خطته فارسيّاً فلك درهم، وإن خطته روميّاً فلك درهمان، أو قال الصباغ: إن صبغت هذا الثوب بعصفر فلك درهم، وَإن صبغته بزعفران فلك درهمان، فذلك جائزٌ؛ لأنه خَيَّرَهُ بين إيفاء منفعتين معلومتين فلا جهالة، ولأن الأجر على أصل أصحابنا لا يجب إلا بالعمل، وحين يأخذ في أحد العملين تعين ذلك الأجر، وهذا عند أصحابنا الثلاثة، فأما عند زفر: فالإجارة فاسدة؛ لأن المعقود عليه مجهولٌ، والجواب ما ذكرناه. ولو قال: أجرتك هذه الدار شهراً على أنك إن قعدت فيها حداداً فأجرها عشرة، وإن بعت فيها الخز فخمسة، فالإجارة جائزة في قول أبي حنيفة الأخير، وقال أبو يوسف ومحمد: الإجارة فاسدة. وجه قولهما إن الأجر لا يجب بالسكنى، وإنما يجب بالتسليم وهو التخلية، وحالة التخلية لا يدري ما يسكن، فكان البدل عنده مجهولاً بخلاف الرومي والفارسي؛ لأن البدل هناك يجب بابتداء العمل، ولا بد وأن يبتدىء بأحد العملين، وعند ذلك يتعين البدل، ويصير معلوماً عند وجوده. ولأبي حنيفة أنه خير بين منفعتين معلومتين فيجوز؛ كما في خياطة الرومية والفارسية، وهذا لأن السكنى وعمل الحدادة مختلفتان، والعقد على واحد منهما صحيحٌ على الانفراد، فكذا على الجمع. وقولهما بأن الأجر ههنا يجب بالتسليم من غير عمل مسلم، لكن العمل يوجد ظاهراً وغالباً؛ لأن الانتفاع عند التمكين من الانتفاع هو الغالب، فلا يجب الاحتراز عنه؛ على أن بالتخلية - وهو التمكن من الانتفاع - يجبُ أقلُّ الأجرين(١)، لأن الزيادة تجب بزيادة الضرر، ولم توجد زيادة الضرر، وأقل الأجرين معلوم فلا يؤدي إلى الجهالة، وهذا جواب إمام الهدى الشيخ أبي منصور الماريدي، وعلى هذا الخلاف كل ما كان أجره يجب بالتسليم ولا يعلم الواجب به وقت التسليم فهو باطلٌ عندهما، وعند أبي حنيفة العقد جائزٌ وأي التعيين استوفى وجب أجر ذلك كما سمى، وإن أمسك الدار ولم يسكن فيها حتى مضت المدة فعليه أقل (١) في أ: الضررين. ٥٥٦ كتاب الإجارة المسميين؛ لما ذكرنا أن الزيادة إنما تجب باستيفاء منفعة زائدة، ولم يوجد ذلك، فلا يجب بالتسليم وهو التخلية، إلا أقل الأجرين. وعلى هذا الخلاف إذا استأجر دابة إلى الحيرة على أنه حمل عليها شعيراً فبنصف درهم، وإن حمل عليها حنطة فبدرهم، فهو جائزٌ على (١) قول أبي حنيفة الآخر، وعلى قولهما لا يجوز، وكذلك إن استأجر دابة إلى الحيرة بدرهم أو إلى (٢) القادسية بدرهمين، فهو جائز عنده. وعلى قولهما ينبغي أن لا يجوز لما ذكرنا، ولو استأجر دابة من بغداد إلى القصر بخمسة أو إلى الكوفة بعشرة. قال محمد: لو كانت المسافة إلى القصر النصف من الطريق إلى الكوفة، فالإجارة جائزة، وإن كانت أقل أو أكثر فهي فاسدة على أصلهما؛ لأن المسافة إذا كانت النصف فحال ما يسير يصير البدل معلوماً؛ لأنه إن سار إلى القصر أو إلى الكوفة فالأجرة إلى القصر خمسة، فأما إذا كانت المسافة إلى القصر أقل من النصف أو أكثر، فالأجرة حال ما يسير مجهولة، لأنه إن سار إلى القصر فالأجرة خمسة، وإن سار إلى الكوفة فالأجرة إلى القصر بحصته من المسافة وجهالة الأجرة عند وجود سبب وجوبها تفسد العقد عندهما، فأما على قول أبي حنيفة فالعقد جائز؛ لأنه سمى منفعتين معلومتين؛ لأنه كل واحدة منهما بدل معلوم. ولو أعطى خياطاً ثوباً فقال: إن خطته اليوم فلك درهم، وإن خطته غداً فلك نصف درهم، قال أبو حنيفة: الشرط الأول صحيحٌ، والثاني: فاسد حتى لو خاطه اليوم فله درهم، وإن خاطه غداً فله أجر مثله؛ على ما نذكر تفسيره. وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان، وقال زفر: الشرطان باطلان، وبه أخذ الشافعي فنتكلم مع زفر والشافعي في اليوم الأول؛ لأنهما خالفا أصحابنا الثلاثة فيه. والوجه لهما أن المعقود عليه مجهول. ولنا أنه سمي في اليوم الأول عملاً معلوماً وبدلاً معلوماً، وفساد الشرط الثاني لا يؤثر في الشرط الأول؛ كمن عقد إجارة صحيحة وإجارة فاسدة. وأما اليوم الثاني فوجه قول أبي يوسف ومحمد على نحو ما ذكرنا في اليوم الأول أنه سمى في اليوم الثاني عملاً [معلوماً](٣) وبدلاً معلوماً كما في [اليوم](٤) الأول، فلا معنى لفساد العقد فيه كما لا يفسد في اليوم الأول. ولأبي حنيفة أنه اجتمع في اليوم الثاني بدلان متفاوتان في القدر، لأن البدل المذكور في (١) في أ: من. (٢) في ط: وإلى. (٣) سقط من ط . (٤) سقط من ط . ٥٥٧ كتاب الإجارة اليوم الأول جعل مشروطاً في اليوم الثاني، بدليل أنه لو لم/ يذكر لليوم الثاني بدلاً آخر وعمل ١٢٢٦/٢ اليوم الثاني يستحق المسمى في الأول، فلو لم يجعل المذكور من البدل في اليوم الأول مشروطاً في الثاني لما استحق المسمى وإذا اجتمع بدلان في اليوم الثاني صار كأنه قال في اليوم الثاني: فلك درهم أو نصف درهم، فكان(١) الأجر مجهولاً فوجب فساد العقد، فإذا خاطه في اليوم الثاني فله أجر مثله، لا يزاد على درهم ولا ينقص من نصف درهم؛ هكذا ذكر في الأصل، وفي (الجامع الصغير)). وذكر محمد في الإملاء: وهو إحدى روايتي ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف وإحدى روايتي ابن سماعة في نوادره عن محمد، وروى ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في رواية أخرى أن له في اليوم الثاني أجر مثله، لا يزاد على نصف درهم. وذكر القدوري أن هذه الرواية هي الصحيحة، ووجهها أن الواجب في الإجارة الفاسدة أجر المثل لا يزاد على المسمى، والمسمى في اليوم الثاني نصف درهم لا درهم إنما الدرهم [مسمى في اليوم الأول](٢) وذلك عقد آخر فلا يعتبر فيه (٣) . وجه رواية الأصل أنه اجتمع في الغد تسميتان؛ لأن التسمية الأولى عند مجيء الغد قائمة فيعمل بها، فتعتبر الأولى لمنع الزيادة، والثانية لمنع النقصان، فإن خاط نصفه في اليوم الأول ونصفه في الغد، فله نصف المسمى لأجل خياطته في اليوم الأول، وأجر المثل لأجل خياطته في الغد، لا يزاد على درهم ولا ينقص عن نصف درهم، فإن خاطه في اليوم الثالث فقد روى ابن سماعة عن محمد عن أبي حنيفة أن له أجر مثله لا يجاوز به نصف درهم، لأنَّ صاحب الثوب لم يرض بتأخيره إلى الغد بأكثر من النصف فبتأخيره إلى اليوم الثالث أوْلَى. فإن قال: إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غداً فلا أجر لك، ذكر محمد في إملائه أنه إن خاطه في اليوم الأول فله درهم، وإن خاطه في اليوم الثاني فله أجر مثله، لا يزاد على درهم؛ لأن اسقاطه في اليوم الثاني لا ينفي وجوبه في اليوم الأول، ونفي التسمية في اليوم الثاني لا ينفي أصل العقد، فكان في اليوم الثاني عقد لا تسمية فيه ويجب أجر المثل. وَلَوْ قال إن خطته أنت فأجرك درهم، وإن خاطه تلميذك فأجرك نصف درهم، فهذا والخياطة الرومية والفارسية سواء، ولو استأجر داراً شهراً بعشرة دراهم على أنه إن سكنها يوماً ثم خرج فعليه عشرة دراهم فهو فاسد؛ لأن المعقود عليه مجهول وهو سكنى شهر أو يوم، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. (١) في أ: فصار. (٣) في أ: به. (٢) في أ: سمى في اليوم الآخر. ٥٥٨ كتاب الإجارة ومنها: أن يكون مقدور الاستيفاء حقيقة وشرعاً؛ لأن العقد لا يقع وسيلة إلى المعقود بدونه، فلا يجوز استئجار الآبق؛ لأنه لا يقدر على استيفاء منفعته حقيقة؛ لكونه معجوز التسليم حقيقة، ولهذا لم يجز بيعه ولا تجوز إجارة المغصوب من غير الغاصب؛ كما لا يجوز بيعه من غيره لما قلنا . وعلى هذا يخرج إجارة المشاع من غير الشريك أنها غير جائزة عند أبي حنيفة وزفر. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي أنها جائزة (١) . وجه قولهم إن الإجارة أحد نوعي البيع، فيعتبر بالنوع الآخر وهو بيع العين وأنه جائز في (١) حقيقته أن يملك الإنسان جزء النصف عبداً، أو دابة، أو منزل، أو ما شاكل ذلك، فما لم تحصل قسمة بين الشركاء - فنصيب الشرك مشاع في جميع أجزاء العين. وقد اتفق العلماء على جواز إجارة المشاع للشريك، لأن القدرة على تسليم العين المؤجرة موجودة، واختلفوا في إجارته لغير الشريك، فالأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، ومعهم الصاحبان من الحنفية یرون جواز ذلك. والإمام أبو حنيفة، وزفر يقولان بعدم جواز ذلك. أ . واستدل الجمهور بما يأتي. ب - أن المشاع يصح شراؤه، فتصح إجارته . وحاصل هذا الدليل قياس إجارة المشاع على شرائه بجامع أن كلاًّ عند معارضته أن للمشاع منفعة وتسليمه للمستأجر ممكن، إما بالتخلية بينه وبينه، وإما بالقسمة، فاستيفاء المنفعة بهذا ممكن لا يتعذر بالشيوع، فتصح إجارته للأجنبي، كما تصح للشريك، إذ لا فارق. ٣ - أمر النبي عليه بالمؤاجرة يدخل في عمومه المشاع وغيره، ولا مخصص يخرج المشاع، فبقي على الجواز. ب - واستدل الإمام أبو حنيفة، وزفر على ما ذهبا إليه. بأن المقصود من عقد الإجارة الانتفاع، وهو غير ممكن في المشاع، فلو أقدم صاحب الجزء المشاع على إيجاره لغير الشريك - لكان معناه: أنه آجر، ما لا يقدر على تسليمه، فيكون فاسداً، كإيجار العبد الآبق والأرض السبخة التي لا تنبت للزراعة فيها. وقد ناقش الجمهور هذا الدليل. بمنع كون الانتفاع بالمشاع غير ممكن، لإمكانه بالقسمة ونحوها، ولو سلم له ذلك - لما جاز إيجاره للشريك . فإن قالا: أن الشريك جائز للكل، فيمكن الانتفاع، يقال لهما: والمستأجر يمكن أن يجوزه بالقسمة، أو بأن يستأجر نصيب الشريك أيضاً، أو يستعيره، وقياسهما إجارة المشاع لغير الشريك على الآبق قياس مع الفارق، لأن الآبق لا يجوز بيعه، فلا تجوز إجارته، والمشاع يجوز بيعه، فكان ينبغي أن تجوز إجارته. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. ٥٥٩ كتاب الإجارة المشاع؛ كذا هذا، فلو امتنع إنما يمتنع لتعذر استيفاء منفعته (١) بسبب الشياع والمشاع مقدور الانتفاع بالمهايأة، ولهذا جاز بيعه، وكذا يجوز من الشريك أو من الشركاء في صفقة واحدة، فكذا من الأجنبي. والدليل عليه أن الشيوع الطارىء لا يفسد الإجارة، فكذا المقارن؛ لأن الطارىء في باب الإجارة مقارن؛ لأن المعقود عليه المنفعة وأنها تحدث شيئاً فشيئاً، فكان كُلُّ جزء يحدث معقوداً عليه مبتدأ. ولأبي حنيفة أن منفعة المشاع غير مقدور الاستيفاء، لأن استيفاءها بتسليم المشاع والمشاع غير مقدور بنفسه؛ لأنه اسم لسهم غير معين، وغير المعين لا يتصور تسليمه بنفسه حقيقةً، وإنما يتصور تسليمه بتسليم الباقي، وذلك غير معقود عليه، فلا يتصور تسليمه شرعاً. وأما قولهما إنه يمكن استيفاء منفعة المشاع بالتهايىء فنقول: لا يمكن على الوجه الذي يقتضيه العقد وهو الانتفاع بالنصف في كل المدة، لأن التهايؤ بالزمن انتفاع بالكل في نصف المدة، وذا(٢) ليس بمقتضى العقد والتهايؤ بالمكان انتفاع برفع المستأجر في كل المدة؛ لأن نصف هذا النصف له بالملك، ونصفه على طريق البدل عما في يد صاحبه، وأنه ليس بمقتضى العقد أيضاً، فإذا لا يمكن تسليم المعقود عليه على الوجه الذي يقتضيه العقد أصلاً ورأساً، فلا يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء حقيقة وشرعاً، ولأن تجويز/ هذا العقد بالمهاياة يؤدي إلى ٢٢٦/٢ب الدور لأنه لا مهاياة بعد ثبوت الملك، ولا ملك إلا بعد وجود العقد، ولا عقد إلا بعد وجود شرطه وهو القدرة على التسليم، فيتعلق كل واحد بصاحبه، فلا يتصور وجوده بخلاف البيع، لأن كون المبيع مقدور الانتفاع ليس بشرط لجواز البيع، فإن بيع المهر والجحش والأرض السبخة جائز، وإن لم يكن منتفعاً بها، ولهذا يدخل الشرب والطريق في الإجارة من غير تسمية، ولا يدخلان في البيع إلا بالتسمية، لأن كون المستأجر منتفعاً به بنفسه شرط صحة الإجارة ولا يمكن الانتفاع بدون الشرب والطريق بخلاف البيع. وأما الإجارة من الشريك، فعن أبي حنيفة فيه روايتان، ولئن سلمنا على الرواية المشهورة فلأن المعقود عليه هناك مقدور الاستيفاء بدون المهايأة؛ لأن منفعة كل الدار تحدث على ملك المستأجر، لكن بسببين مختلفين، بعضُها بسبب الملك، وبعضها بسبب الإجارة. وكذا الشيوع الطارىء فيه روايتان عن أبي حنيفة، في رواية تفسد الإجارة كالمقارن، وفي رواية لا تفسد وهي الرواية المشهورة عنه، ووجهها أن عدم الشيوع عنده شرط جواز هذا (١) في ط: منفعة. (٢) في أ: وذلك. ٥٦٠ كتاب الإجارة العقد، وليس كل ما يشترط لابتداء العقد يشترط لبقائه كالخلو عن العدة، فإن العدة تمنع ابتداء العقد ولا تمنع البقاء؛ كذا هذا، وسواء كانت الدار كلها لرجل فأجر نصفها من رجل، أو كانت بين اثنين فأجر أحدهما نصيبه من رجل، كذا ذكر الكرخي في جامعة نصاً عن أبي حنيفة: أن الإجارة لا تجوز في الوجهين جميعاً. وذكر أبو طاهر الدباس أن إجارة المشاع إنما لا تجوز عند أبي حنيفة إذ أجر الرجل بعض ملكه، فأما إذا أجر أحد الشريكين نصيبه، فالعقد جائزٌ بلا خلافٍ، لأن في الصورة الأولى تقع المهايأة بين المستأجر وبين المؤاجر، فتكون الدار في يد المستأجر مدة، وفي يد المؤاجر مدة، ولا يجوز أن يستحق المؤاجر الأجر مع كون الدار في يده، والمهايأة في الصورة الثانية إنما تقع بين المستأجر وبين غير المؤاجر، وهذا لا يمنع استحقاق الأجر؛ لجواز أن تكون الدار في يد غير المستأجر وأجرتها عليه؛ كما لو أعارها ثم أجرها. والصحيح ما ذكره الكرخي لأن ما ذكرنا من المانع يعم الوجهين جميعاً؛ وسواء كان المستأجر محتملاً للقسمة أو لا؛ لأن المانع من الجواز لا يوجب الفصل بينهما بخلاف الهبة، فإن المانع ثمة خص المحتمل للقسمة، وهو ما ذكرنا في ((كتاب الهبة)). ولو آجر مشاعاً يحتمل القسمة فقسم وسلم، جاز؛ لأن المانع قد زال كما لو باع الجذع في السقف ثم نزع وسلم وكما لو وهب مشاعاً يحتمل القسمة ثم قسم وسلم، فإن اختصما قبل القسمة فأبطل الحاكم الإجارة ثم قسم وسلم بعد ذلك، لم يجز العقد؛ لأن العقد انفسخ من الأصل بإبطال الحاكم، فلا يحتمل الجواز إلاَّ باستيثاق(١)، ويجوز إجارة الاثنين من واحد، لأن المنافع تدخل في يد المستأجر جملة واحدة من غير شيوع ويستوفيها من غير مهايأة. ولو مات أحد المؤاجرين حتى انقضت الإجارة في حصته لا تنقض في حصة الحي، وإن صارت مشاعة وهو المسمى بالشيوع الطارىء لما ذكرنا، وكذا يجوز رهن الاثنين من واحد وهبة الاثنين من واحد؛ لعدم الشيوع عند القبض، وكذا تجوز إجارة الواحد من الاثنين، لأن المنافع تخرج من ملك الآجر جملة واحدة من غير شياع، ثم ثبت الشياع لضرورة تفرق ملكيهما في المنفعة، وأنه يوجب قسمة المنفعة بالتهابىء فينعدم الشيوع. ولو مات أحد المستأجرين حتى انتقضت الإجارة في حصته بقيت في حصة الحي كما كانت، ويجوزُ رهن الواحد من اثنين أيضاً، لأن الرهن شرع وثيقة بالدين، فجميع الرهن يكون وثيقة لكل واحد من المرتهنين، ألا ترى أنه لو قضى الراهن دين أحدهما لم يكن له أن يأخذ بعض الرهن. (١) في ط: بالاستئناف.