النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ كتاب الإجارة ثانياً: أن المرأة لو أرضعت الصبي بلبن شاة، وقامت بخدمته بعد ذلك في جميع الأوقات، فإنها لا تستحق = شيئاً من الأجرة باتفاق جميع الفقهاء، فدل ذلك على أن لبنها هو المقصود بالعقد. ب - واستدل الشافعية على ما ذهبوا إليه بما يأتي: أولاً: أن اللبن عين، والأعيان لا تستحق بعقد الإجارة. ونوقش هذا الدليل، بأن الأعيان إنما لم تستحق بعقد الإجارة في الأمور التي لا تدعوا إليها الضرورة، وههنا قد دعت الضرورة إلى استئجار الظئر للبن، لأن غيره لا يقوم مقامه، فتكون الإجارة لاستيفائه رخصة . ثانياً: أنه لو كان مورد الإجارة اللبن، لجازت إجارة سائر الحيوان للبن، مع أنه لا يجوز. ونوقش بأنه رخصة، جاءت على خلاف القياس، وما جاء على خلاف القياس، فغيره عليه لا يقاس. هكذا ناقش الجمهور الدليلين المذكورين، وهذا مبني على اتفاقهم على أن الإجارة عقد على استيفاء المنافع، ولو توسعوا فقالوا: إنها عقد على استيفاء ما يتجدد شيئاً فشيئاً مع بقاء أصله، سواء أكان من المنافع، أم من الأعيان، لما احتاجوا إلى المناقشة، بأن هذه المسألة من قبيل الرخص التي دعت إليها الضرورة، فجاءت على خلاف القياس، وقد أطال الكلام في ذلك ابن القيم، وإليك خلاصة ما قال في زاد المعاد : ((وأما بيع اللبن فمنعه أصحاب أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة - رحمهم الله - والذي يجب فيه التفصيل فإن باع الموجود في الضرع، لم يجز مقرراً ويجوز تبعاً للحيوان لأنه إذا بيع مفرداً تعذر تسليم المبيع بعينه، إذ لا يعرف مقدار ما وقع عليه البيع، فإنه وإن كان مشاهداً كاللبن في الظرف، لكنه إذا حلبه خلفه مثله مما لم يكن في الضرع، فاختلط المبيع بغيره على وجه لا يتميز، وأما إن باعه أصواعاً معلومة من اللبن يأخذها من هذه الشاة، أو باعه لبنها أياماً معلومة، فهذا بمنزلة بيع الثمار قبل بدوِ صلاحها لا يجوز، وأما إن باعه لبناً مطلقاً موصوفاً في الذمة، واشترط كونه من هذه الشاة أو البقرة، فقال شيخنا: ((يعني ابن تميمة) هذا جائز، واحتج بما في المسند من أن النبي ◌َّ نهى أن يسلم في حائط بعينه، إلا أن يكون قد بدا صلاحه، قال: فإذا بدا صلاحه، وقال أسلمت إليك في عشرة أوسق من ثمر هذا الحائط، جاز كما يجوز أن يقول: ابتعت منك عشرة أوسق من هذه الصبرة، ولكن الثمن يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه، هذا لفظه. وأما إن أجره الشاة، أو البقرة، أو الناقة مدة معلومة، لأخذ لبنها في تلك المدة، فهذا لا يجوزه الجمهور، واختار شيخنا جوازه وحكاه قولاً لبعض أهل العلم، وله فيها مصنف مفرد. قال: إذا استأجر غنماً أو بقراً، أو نوقاً أيام اللبن بأجرة مسماة مع علفها، أو علفها على المالك، أو بأجرة مسماة على أن أخذ اللبن جاز ذلك في أظهر قولي العلماء، كما في الظئر، قال: وهذا يشبه البيع ويشبه الإجارة، ولهذا بذكره بعض الفقهاء في البيع، وبعضهم في الإجارة، لكنه إذا كان اللبن يحصل بعلف المستأجر، وقيامه على الغنم فإنه يشبه استئجار الشجر، وإن كان المالك هو الذي يعلفها، وإنما يأخذ المشتري لبنًّا مقدراً فهذا بيع محض، وإن كان يأخذ اللبن مطلقاً فهو بيع أيضاً، فإنَّ صاحب اللبن يوفيه اللبن بخلاف الظئر، فإنها تسقي الطفل، وليس لهذا داخلاً فيما نهى عنه وَّ من بيع الغرر، لأن الغرر تردد بين الوجود والعدم، فنهى عن بيعه، لأنه من جنس الميسر، والله حرم ذلك لما فيه من أكل المال = ٥٢٢ كتاب الإجارة بالباطل وهذا إنما يكون ميسراً إذا كان أحد المتعاوضين يحصل له مال، والآخر قد يحصل له، وقد لا = يحصل كما في بيع العبد الآبق، فَأَمَّا إِذَا كان شيئاً معروفاً بالعادة، كما في الأعيان بالإجارة، مثل: منفقة الأرض، وَالدَّابَّة، ومثل: لبن الظئر المعتاد، ولبن البهائم المعتاد، ومثل الثمر، والزرع المعتاد، فهذا كله من باب واحد، وهو جائز، ثم إن حصل على الوجه المعتاد، وإلا حط عن المستأجر بقدر ما فات من المنفعة المقصودة، وهو مثل ما إذا تلف بعض المبيع قبل التمكن من القبض. فإن قيل: مورد عقد الإجارة، إنما هو المنافع، لا الأعيان، ولا يصح استئجار الطعام ليأكله، والماء ليشربه، وأما إجارة الظئر فعلى المنفعة، وهي وضع الطفل في حجرها، وإلقامه ثديها، واللبن يدخل ضمناً، وتبعاً، فهو كنفع البئر في إجارة الدار، ويفتقر فيما دخل ضمناً وتبعاً، ما لا يفتقر في الأصول والمتبوعات قيل الجواب عن هذا من وجوه. أحدها: منع كون عقد الإجارة لا يرد إلا على منفعة، فإن هذا ليس ثابتاً بالكتاب، ولا بالسنة، ولا بالإجماع، وغايته قياس محل النزاع على إجارة الخبز للأكل والماء للشرب، وهذا من أفسد القياس، فإن الخبز تذهب عينه، ولا يستخلف مثله بخلاف اللبن فإنه لما كان فيستخلف ويحدث شيئاً فشيئاً كان بمنزلة المنافع. ثانيها: أن الثمر يجري مجرى المنافع، والفوائد في الوقف والعارية ونحوهما، وهذا تبرع بنماء المال وفائدته، فمن دفع عقاره إلى من يسكنه فهو يمنزلة من دفع دابته إلى من يركبها، أو شجرته إلى من يستثمرها، أو أرضه إلى من يزرعها، أو شاة إلى من يشرب لبنها، فهذه الفوائد تدخل في عقود التبرع فكذلك تدخل في عقد الإجارة. ثالثها: أن الأعيان نوعان: نوع إذا ذهب ذهب جملة ونوع كلما ذهب منه شيء خلفه مثله، فهذا رتبة وسطى بين المنافع وبين الأعيان التي من النوع الأول، وشبهه بالمنافع أقوى فإلحاقه بها أولى. رابعها: أن الله سبحانه نص في كتابه على إجارة الظئر، وسمى ما تأخذه أجراً، وإنما ظن أنها على خلاف القياس حيث توهم أن الإجارة لا تكون إلا على منفعة وليس الأمر كذلك، بل الإجارة تكون على كل ما يستوفي مع بقاء أصله، سواء أكان عيناً أم منفعة، فإنما كان لبن الظئر يستوفي مع بقاء الأصل، جازت الإجارة عليه كما جازت على المنفعة، وهذا محض القياس. خامسها: أن الأصل في العقود وجوب الوفاء، إلا ما حرم الله ورسوله؟ وليس مع المانعين نص بالتحريم. سادسها: أن الذين منعوا هذه الإجارة لما رأوا أن إجارة الظئر ثابتة بالنص، والإجماع، والمقصود بالعقد إنما هو اللبن، وهو عين تمحلوا لجوازها أمراً يعلمون هم، والمرضة، والمستأجر بطلانه، فقالوا: العقد إنما وقع على وضعها الطفل في حجرها: وإلقامة ثديها واللبن يدخل تبعاً، والله يعلم، والعقلاء قاطبة أن الأمر ليس كذلك، وأن رضع الطفل في حجرها ليس مقصوداً أصلاً، لا عرفاً، ولا حقيقةٍ، ولا شرعاً، ولو كان المقصود إلقام الثدي المجرد لاستؤجر له كل امرأة لها ثدي، ولو لم يكن لها لبن. سابعها: أن النبي ◌َّيو ندب إلى منيحة العنز والشاة للبنها، ومعلوم أن هذا ليس ببيع ولا هبة، فإن هبة المعدوم المجهول لا تصح، وإنما هو عارية الشاة للانتفاع بلبنها، وما جاز أن يستوفي بالنار، جاز أن يستوفي بالإجارة. = ٥٢٣ كتاب الإجارة فالجواب: إنه رُوِيَ عَنْ مُحمدٍ أن العقد يقع على خدمة الصبي واللبن يدخل على طريق التبع، فكان ذلك استئجاراً على المنفعة/ أيضاً، واستيفاؤها بالقيام بخدمة الصبي من غسله ١٢٢٠/٢ وغسل ثيابه وإلباسها إياه وطبخ طعامه ونحو ذلك، واللبن يدخل فيه تبعاً؛ كالصبغ في استئجار الصباغ، وإذا أرضعته بلبن الشاة فلم تأت بما دخل تحت العقد، فلا تستحق الأجرة كالصباغ إذا صبغ الثوب لوناً آخر غير ما وقع عليه العقد، أنه لا يستحق الأجر، وذا لا يدل على أن المعقود عليه ليس هو المنفعة؛ كذا ههنا. ومن مشايخنا مَنْ قال: إِن المعقود عليه هناك العين وهي اللبن مقصوداً، والخدمة تبعٌ؛ لأن المقصود تربية الصبي ولا يتربى إلاَّ باللبن، فأجري اللبن مجرى المنافع، ولهذا لا يجوز بیعه . وعلى هذا يخرج استئجار الأقطع والأشل للخياطة بنفسه والقصارة والكتابة، وكل عمل لا يقوم إلاّ باليدين، واستئجار الأخرس لتعليم الشعر والأدب، والأعمى لنقط المصاحف أنه غير جائز؛ لأن الإجارة بيع المنفعة، والمنفعة لا تحدث عادة إلا عند سلامة الآلات والأسباب، وكذا استئجار الأرض السبخة والنزة للزراعة وهي لا تصلح لها، لأن منفعة الزراعة لا يتصور حدوثها منها عادةً، فلا تقع الإجارة ببيع المنفعة، فلم تجز. وعلى هذا يخرج استئجار المصحف أنه لا يجوز، لأن منفعة المصحف النظر فيه والقراءة منه، والنظر في مصحف الغير والقراءة منه مباح، والإِجارة تبع المنفعة، والمباح لا يكون محلاً للبيع، كالأعيان المباحة من الحطب والحشيش. ثامنها: ما ثبت أن أسيد بن حضير توفي، وعليه ستة آلاف درهم دين فدعا عمر بن الخطاب رضي الله = عنه غُرَمَاءَهُ فقبلهم أرض سنتين وفيها الشجر والنخل وحدائق المدينة الغالب عليها النخل، والأرض البيضاء فيها قليلة، فهذه إجارة الشجر لأخذ ثمره. ومن ادعى أن ذلك خلاف الإجماع فمن عدم علمه، بل ادعاء الإجماع على جواز ذلك أقرب، فإن عمر فعل ذلك بالمدينة بمشهد المهاجرين والأنصار، وهي قصة في مظنة الاشتهار ولم يقابلها أحد بالإنكار بل تلقاها الصحابة بالتسليم والإقرار. فالأقوال في العقد على اللبن في الضرع ثلاثة . ((أحدها: منعه بيعاً إجارة، والثاني: جوازه بيعاً وإجارة والثالث: جوازه إجارة لا بيعاً اهـ. ومنه تعلم أنه لا مانع من أن يكون العقد على الشاة للبنها من قبيل الإجارة، إذا أخذها مريد اللبن عنده ليحلب منها اللبن، إذ لا فرق بينها وبين الظئر. بخلاف ما لو عقد عليها، وأبقاها عند صاحبها يحلبها، ويدفع إليه لبنها فهذا بيع، وكلاهما تدعو الحاجة إليه . ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. ٥٢٤ كتاب الإجارة وكذا استئجار كُتب ليقرأ فيها شعراً أو فقهاً، لأن منافع الدفاتر النظر فيها، والنظر في دفتر الغير مباحٌ من غير أجرٍ، نصار كما لو استأجر ظل حائط خارج داره ليقعد فيه. ولو استأجر شيئاً من الكتب ليقرأ فَقَرَأَ، لا أجر عليه لانعدام عقد المعاوضة؛ وعلى هذا أيضاً يخرج إجازة الآجام(١) للسمك والقصب وإجارة المراعي للكلأ وسائر الأعيان المباحة أنها غير جائزة لما بينا، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. فصل في شرائط الركن وأما شرائط الركن فأنواعٌ؛ بعضُها شرط الانعقاد، وبعضُها شرط النفاذ، وبعضها شرط الصحة، وبعضها شرط اللزوم. أما شرط الانعقاد فثلاثةُ أنواع: نوع يرجع إِلى العاقد، ونوع يرجع إلى نفس العقد، ونوع يرجع إلى مكان العقد. أما الذي يرجع إلى العاقد فالعقل، وهو أن يكون العاقد عاقلاً حتى لا تنعقد الإجارة من المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ كما لا ينعقد البيع منهما (٢). وأما البلوغ فليس من شرائط الانعقاد ولا من شرائط النفاذ عندنا، حتى إن الصبي العاقل لو أجر ماله أو نفسه، فإن كان مأذوناً ينفذ، وإن كان محجوراً يقف على إجازة الولي عندنا؛ خلافاً للشافعي(٣)، وهي من مسائل المأذون. (١) الآجام: مفردها الأجُم، وهو الحصن. (٢) يشترط في صحة العقد العقل حين العقد، لأن عدمه يعقد الشخص العلية التعاقد سواء أكان ذلك، الأمر قهري كالجنون، والإغماء، والعته، والصغر، أم مكتسب كتناول المسكر، فلا يصح عقد الإجارة من الصبي غير المميز والمجنون، والمعتوه، والمغمى عليه، والسكران غير المتعدي اتفاقاً بين الأئمة، ومثله السكران المتعدي عند الجمهور، خلافاً للشافعية، حيث صححوا إجارته، وسائر عقود وحلوله، لأنه هو الذي دخله على نفسه وقد أخذ هذا من قول الشافعي - رضي الله عنه -، السكران آئم مضروب على يده غير مرفوع عنه القلم. وما ذهب إليه الجمهور هو الظاهر، لأنه مفقود الرضا والرضا، هو الأصل في صحة العقود. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. (٣) يشترط في لزوم الإجارة البلوغ، فإن لم يكن العاقد كذلك حين العقد فبعض العلماء، ومنهم الشافعية، يرى أن عقده غير صحيح أصلاً، لأن الصبي فطنة عدم التصرف، ويرى الفريق الآخر، ومنهم المالكية، والحنفية، والحنابلة أن عقده صحيح لازم، إذا أذن له وليه، فإن لم يأذن له وليه، فعند الحنابلة لا يصح، وعند المالكية والحنفية يصح، ولكن يقف نفاذه على إجازة الولي، فإن إجازة الولي لتصرفه أمارة النظر والتصرف، وعليه يكون شرط البلوغ عند جمهور الفقهاء شرطاً لنفاذ العقد ولزومه لا لصحته كما يقول الشافعية. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. ٥٢٥ كتاب الإجارة ولو أجر الصبي المحجور نفسه وعمل وسلم من العمل؛ يستحق الآجر ويكون الأجر له، أما استحقاق الأجر فلأن عدم النفاذ كان نظراً له، والنظر بعد الفراغ من العمل سليماً في النفاد، فيستحق الأجرة ولا يهدر سعيه فيتضرر به، وكان الولي أذن له بذلك دلالة بمنزلة قبول الهبة من الغير. وأما كون الأجرة المسماة له فلأنها بدل منافع وهي حقة، وكذا حرية العاقد ليست بشرط لانعقاد هذا العقد ولا لنفاذه عندنا، فينفذ عقد المملوك إن كان مأذوناً ويقف على إجازة مولاه إن كان محجوراً (١) . وعند الشافعي لا يقف بل يطل. وإذا سلم من العمل في إجارة نفسه أو إجارة مال المولى، وجب الأجر المسمى لما ذكرنا في الصبي، إلا أن الأجر هنا يكون للمولى؛ لأن العبد ملك المولى والأجر كسبه، وكسب المملوك للمالك. ولو هلك الصبي أو العبد في يد المستأجر في المدة ضمن لأنه صار غاصباً حيث استعملهما من غير إذن المولى، ولا يجب الأجر لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان، ولو قتل (١) يشترط في لزوم الإجارة الرشد، فالمحجور عليه إما لحق نفسه كالسفيه، أو غيره كالعبد الذي لم يأذن له سيده، لا يكون عقده صحيحاً معتبراً عند بعض الفقهاء كالشافعية. وأما جمهور الفقهاء، ومنهم المالكية، والحنفية، والحنابلة فيرون أن عقده بالإذن صحيح لازم، وبغير الإذن باطل عند الحنابلة، وصحيح عند المالكية موقوف على إجازة الولي بالنسبة للعبد الذي لم يأذن له سيده، وكذلك الحكم عندهم بالنسبة للسفيه إن عقد على سلعة، فأما إن عقد على نفسه، فلا كلام لوليه إلا إذا كان في الأجر محاباة، فلا بد من الإجازة. وصاحبا أبي حنيفة يريان أن تصرف السفيه، والعبد بغير الإذن موقوف على الإجازة أيضاً، لأن الإجازة في هذه الحالة إمارة أن تصرفه كان مصلحة، وإنما كانت إجازة السيد معتبرة، لأننا إنما حجرنا على العبد لأجله فأجازته لتصرف عبده نزول عن حقه، وعلى هذا فالرشد شرط في صحة العقد عند الفريق الأول، وشرط في نفاذه ولزومه عند الفريق الثاني، كما تقدم في شرط البلوغ ولا يفوتنا أن ننبه هنا على أمرين: أحدهما: أن من بلغ رشيداً ثم صار سفيهاً، ولم يحجر عليه فأجازته صحيحة كالرشيد. وثانيهما: أن فريقاً من العلماء، منهم الإمام أبو حنيفة يرى أنه لا حجر إلا على الصبي وغير المميز، فالبالغ العاقل لا يحجر عليه عنده رشيداً كان، أو سفيها، لأن البلوغ فطنة حسن التصرف، وفي الحجر عليه اهدار لآدميته، والجان له بالعجمارات، وعلى هذا تكون تصرفات السفيه كلها صحيحة لازمة، وهذا توجیه مصارم للنص فلا يعتد به . قال الله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. ٥٢٦ كتاب الإجارة العبد أو الصبي خطأً، فعلى عاقلته الدية أو القيمة وعليه الأجر في ماله؛ لأن إيجاب الأجرة ههنا لا يؤدي إلى الجمع لاختلاف من عليه الواجب، وللمكاتب أن يؤاجر ويستأجر لأنه في مكاسبه كالحر. وأما كون العاقد طائعاً جادًّا عامداً، فليس بشرط لانعقاد هذا العقد ولا لنفاذه عندنا لكنه من شرائط الصحة، كما في بيع العين (١). (١) يشترط في لزوم الإجارة الطوع، ومعناه أن يكون العاقد مختاراً، حين العقد، فلا يكون مكرهاً بغير حق، لأن ركن الإجارة في الحقيقة، إنما هو الرضا من كلا الجانبين، غير أنه لما كان خفياً أقيمت الصيغة مقامه، فلا بد أن يكون العاقد طليقاً من كل قيد، فلا يتأثر بما يجعله غير مختار في تعبيره عما في نفسه، فإن كان مكرهاً بغير حق لم يعتبر عقده صحيحاً عند جمهور العلماء. ويراه المالكية صحيحاً موقوفاً على إجازته حال اختياره، وزوال سبب الإكراه، حتى إذا أجازه بعد ذلك كان لازماً نافذاً شرعاً، وإنما قيدنا الإكراه بكونه بغير حق، لأن الإكراه بحق لا يمنع من صحة العقد، ولا من لزومه اتفاقاً. وقد مثل له الفقهاء في باب البيع بإكراه الحاكم من توجه عليه بيع ماله لوفاء دين، وبإكراهه محتكر الطعام الذي يحتاج الناس إليه على بيعه، ويمكن أن يحتل له في الإجارة بما في كتاب الطرد الحكمية لابن القيم الحنبلي، حیث قال: ((ومن ذلك - أي: مما يجوز لولي الأمر - أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة، كالفلاحة، والنساجة، والبناء، وغير ذلك، فلولي الأمر أن يلزمهم بذلك أجرة مثلهم، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك، ولهذا قال طائفة من أصحاب أحمد والشافعي: إنَّ تعلم هذه الصناعات فرض على الكفاية، لحاجة الناس إليها، وكذلك تجهيز الموتى ودفنهم، وكذلك أنواع الولاية العامة والخاصة، التي لا تقوم مصلحة الأمة إلا بها)). إلى أن قال: ((فالمقصود: أن الناس إذا احتاجوا إلى أرباب الصناعات، كالفلاحين وغيرهم - أجبروا على ذلك بأجرة المثل، وهذا من التسعير الواجب، فهذا تسعير في الأعمال .» ثم قال: ((فإذا قدر أن قوماً اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان، لا يجدون سواه، أو النزول في خان مملوك، أو استعارة ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحن، أو دلو لنزع الماء، أو قدر، أو فأس، أو غير ذلك، وجب على صاحبه بذلُه بلا نزاع، لكن هل له أنه يأخذ عليه أجراً؟ فيه قولان للعلماء، وهما وجهان، لأصحاب أحمد، ومن جوّز له أخذ الأجرة - حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل، ثم قال: ولو احتاج إلى إجراء مائه في أرض غيره، من غير ضرر لصاحب الأرض، فهل يجبر على ذلك؟ روايتان عن الإمام أحمد، والإجبار قول عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة. اهـ وهذه الأمثلة التي ذكرها ابن القيم تنير لنا الطريق فيما يجوز لأولياء الأمور مما يصنعونه للمصالح العامة، ولعل من ذلك إكراه إنسان على جعل منزله مركزاً، الإسعاف المصابين من الغارات الجوية، أو مستشفى لمقابلة المرضى من أبناء أمته بأجرة المثل، لأن المنزل مثلاً بموقع مناسب، وليس في الوقت متسع لبناء غيره، فيكون تصرفه مع الإكراه نافذاً، ومثله ما لو وجبت عليه نفقة زوجته، أو والديه الفقيرين، ولا سبيل إلى تحصيل نفقة هؤلاء إلا بالإكراه على الإيجار. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. ٥٢٧ كتاب الإجارة وإِسلامُهُ ليس بشرط أصلاً، فتجوز الإِجارة والاستئجار من المسلم، والذمي، والحربي المستأمن؛ لأن هذا من عقود المعاوضات فيملكه المسلم والكافر جميعاً كالبياعات، غير أن الذمي إِن استأجر داراً من المسلم في المصر فأراد أَنْ يتخذها مصلى للعامة ويضرب فيها بالناقوس [ليس](١) له ذلك، ولرب الدار / وعامة المسلمين أن يمنعوه من ذلك على طريق ٢٢٠/٢ب الحسبة، لما فيه من إحداث شعائر لهم، وفيه تهاون بالمسلمين واستخفاف بهم؛ كما يمنع من إحداث ذلك في دار نفسه في أمصار المسلمين، ولهذا يمنعون من إحداث الكنائس في أمصا المسلمین . قال النبي ◌َّ: ((لاَ خِصَاءَ فِي الإِسْلاَم وَلاَ كِنيسَة))(٢) أي: لا يجوز إِخصاء الإِنسان ولا إِحداث الكنيسة في دار الإِسلام في الأمصارَ، ولا يمنع [من](٣) أن يصلي فيها بنفسه من غير جماعة، لأنه ليس فيه ما ذكرناه من المعنى؛ ألا ترى أنه لو فعل ذلك في دار نفسه لا يمنع منه، ولو كانت الدار بالسواد، ذكر في الأصل أنه لا يمنع [من شيء] (٤) من ذلك، لكن قيل أن أبا حنيفة إنما أجاز ذلك في زمانه؛ لأن أكثر أهل السواد في زمانه كانوا أهل الذمة(٥) فكان لا يؤدي ذلك إلى الإهانة والاستخفاف بالمسلمين، وأما اليوم فالحمد لله - عزَّ وجلَّ - فقد صار السواد كالمصر، فكان الحكم فيه كالحكم في المصر. وهذا إذا لم يشرط ذلك في العقد، فأما إذا شرط بأن استأجر ذمي داراً من مسلم في مِصْرٍ من أمصار المسلمين ليتخذها مصلّى للعامة، لم تجز الإجارة، لأنه استئجار على المعصية . وكذا لو استأجر ذميٍّ من ذميٍّ ليفعل ذلك لما قلنا، ولا بأس باستئجار ظئر كافرةٍ والتي ولدت من فجور، لأن الكفر والفجور لا يؤثران في اللبن، لأن لبنهما لا يضر بالصبي، ويكره استئجار الحمقاء، لقوله رَ له: ((لاَ تُرْضِحُ لَكُمْ الحَمْقَاءُ، فَإِنَّ اللَّنَ يُفْسِدُ))(٦) والظاهر أن المراد (١) سقط من ط . (٢) أخرجه البيهقي (٢٣٤/١٠) من حديث ابن عباس مرفوعاً بلفظ: ((لا خصاء في الإسلام ولا بنيان كنيسة)) وضعفه البيهقي وأخرجه أبو عبيد في ((الأموال)) (٩٤) ثنا عبد الله بن صالح ثنا الليث بن سعد نثا توبة بن النمر الحضرمي قاضي مصر عمن أخبره عن النبي ◌َّ. وروي من حديث عمر بن الخطاب أيضاً بلفظ لا تبنى كنيسة في الإسلام ولا يبنى ما خرب منها وكلها ضعيفة وقد تكلم عليها الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤٥٣/٣ - ٤٥٤). (٣) سقط من ط. (٤) سقط من ط. (٥) في ط: الذمة من المجوس. (٦) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٣/٥ - ١٨، ٢٧٣٩/٧). ٥٢٨ كتاب الإجارة منه غير الأم؛ لأن الولادة أبلغ من الرضاع نهى وعلل بالإفساد، لأن حمقها لمرض بها عادةً، ولبن المريضة يضر بالصبي، ويحتمل أن النهي عن ذلك لئلا يتعود الصبي بعادةِ الحمقى؛ لأن الصبي يتعود بعادة ظئره، والله أعلم. وأما الذي يرجع إلى نفس العقد ومكانه فما ذكرنا في ((كتاب البيوع)). وأما شرط النفاذ فأنواعٌ: منها خُلوُّ العاقد عن الردة إذا كان ذكراً في قول أبي حنيفة. وعند أبي يوسف ومحمد: ليس بشرط؛ بناءً على أن تصرفات المرتد موقوفة عند أبي حنيفة، وعندهما نافذة، وتصرفات المرتدة نافذة في قولهم جميعاً، وهي من مسائل ((كتاب السير)) . ومنها: الملك والولاية فلا تنفذ إجارة الفضولي(١)؛ لعدم الملك والولاية، لكنه ينعقد (١) الولاية على المعقود عليه بملك أو وكالة، أو غيرهما مما يبيح التصرف في المعقود عليه شرط في لزوم الإجارة . ويخرج بهذا إجارة الفضولي واستئجاره، فهما موقوفان على إجازة المالك وبهذا قال المالكية، والحنفية، وأما الشافعية، والحنابلة فإنهم يرون بطلان عقد الفضولي، فالولاية عندهم شرط للصحة، لا للزوم وإليك أدلة الفريقين، مع الموازنة بينهما . تصرف الإنسان في ملك غيره دون إذن منه كثير شائع، كما في بيع الأزواج ملك زوجاتهم والأخ ملك أخيه، وهذا ما يفرق عند الفقهاء باسم عقد الفضولي، وقد اختلف الفقهاء في حكم تصرفه على ثلاثة مذاهب، نلخصها فيما يلي: ١ - ذهب المالكية وإسحاق بن راهويه إلى أن تصرف الفضولي بالبيع والشراء والكراء، والاكتراء، وغيرها ينعقد صحيحاً، لكن يتوقف لزومه على إجازة المالك ووليه، فإن أجازه نفذ، وإن لم يجزه يبطل، وقد وافقهم على هذا فقهاء الشافعية في قول والحنابلة في رواية. ٢ - ذهب فقهاء الشافعية في القول المعتمد عندهم، والحنابلة في الرواية المختارة إلى أن تصرف الفضولي في مال غيره يقع باطلاً، لا تلحقه الإجازة. ٣ - وذهب فقهاء الحنفية إلى التفصيل ما بين بيعه وشرائه وإيجاره واستئجاره فقالوا ينعقد بيعه أو إيجاره صحيحاً، ويتوقف نفاذه على إجازة المالك، أو وليه، كما هو الحكم فيه عند المالكية، وأما شراؤه، أو استئجاره - فيعتبر لنفسه هو، ويقع صحيحاً لازماً له، إن وقعت الإضافة لنفسه في الإيجاب والقبول، أو في أحدهما، لا إن وقعت الإضافة في كل من الإيجاب والقبول لمن أريد العقد له، فيكون موقوفاً على إجازته، كالبيع والإيجار. وسنسوق أدلتهم على حسب الترتيب الذي ذكرناه في المذاهب: استدل المالكية على صحة تصرف الفضولي بما يأتي : ما رواه البخاري، ومسلم في حديث الثلاثة الذين وقعت عليهم الصخرة، فالتجؤوا إلى الله بصالح أعمالهم، وأن ثالثهم قال: اللهم إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحدٍ ترك الذي له = كتاب الإجارة ٥٢٩ وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أدَّ إليَّ أجري، = فقلت: كل ما ترى أجرك من الإبل، والبقر، والغنم، والرقيق؛ فقال: يا عبد الله لا تستهزىء بي، فقلت: لا أستهزىء، فاستاقها: فهذا الحديث يفيد أن المستأجر قد تصرف في مال غيره، وهو: أجر الأجير مع وضوح أنه لم يحصل على إذن منه في ذلك التصرف، حتى كثر المال ونما، ثم جاء صاحبه، فأمضى تصرفه بأخذه المال، واستياقه إياه . ثم إن هذا المستأجر قد التجأ إلى الله بعمله هذا، فقبله، وحينئذٍ يكون تصرفه صحيحاً؛ إذ لو كان فاسداً . ما تقبله الله. ب - ما رواه البخاري عن عروة البارقي أنه قال: ((بعثني رسول الله وَ ل قول بدينار، لأشتري له به شاة، فاشتريت له به شاتين، بعث إحداهما بدينار، وجئته بدينار وشاة، فقال لي: بارك الله لك في صفقة يمينك. فقد اشترى عروة الشاة الثانية وباعها دون إذن مالكها، وهو: رسول الله وَّر ولما رجع إليه، وأخبره لم ينكر عليه، وأقره، بدليل دعائه عليه الصلاة والسلام له، فيدل على أنه تصرف الإنسان في ملك غيره صحيح، ومنه يؤخذ أن بيع ملك الأجنبي، والشراء له دون إذنه صحيح، غير أنه يتوقف على إجازته، لدفع ما قد يلحقه من الضرر، ومثلهما سائر التصرفات، كالإيجار والاستئجار. ما رواه الترمذي، وأبو داود عن حكيم بن حزام ((أن النبي وَّل بعثه، ليشتري له أضحية بدينار، فاشترى أضحية، فأربح فيها ديناراً، فباعها بدينارين، ثم اشترى شاة أخرى مكانها، وجاء بها وبالدينار إلى رسول الله ﴾ فقال له: بارك الله لك في صفقتك أما الشاة فضح بها، وأما الدينار فتصدق به)) ١ هـ فهذا أيضاً قد باع الشاة بعدما اشتراها، وأصبحت ملكاً لرسول الله وَير ثم اشترى له الشاة الثانية، ولم يستأذنه في شيء مما ذكر، وقد أقره عليه الصلاة والسلام بدليل أنه أمره أن يضحي بالشاة التي أتاه بها ودعا له، فيدل على أن بيعه الشاة الأولى، وشراءه الثانية صحيح، وإلا لأنكر عليه، وأمره برد البيع. استدل الشافعية، والحنابلة على بطلان بيع الفضولي وشرائه، وسائر تصرفاته بما يأتي: أ - ما رواه أصحاب السنن بإسناد صحيح ((أن حكيم بن حزام سأل النبي ◌َّ يقول فقال: يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع، ليس عندي ما أبيعه، فأبيعه منه، ثم اتباعه من السوق، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تبع ما ليس عندك)). فقد سأل حكيم عن بيعه ما لم يملك، فنهاه النبي ◌َّر عنه فيدل على أن بيع الإنسان ملك غيره محرم، منهي عنه، فیکون باطلاً، ومثله سائر تصرفاته، إذ لا فرق. ب - ما رواه أصحاب السنن عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله وَطير قال: ((لا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك)»: الحديث فقد نفى النبي ◌ّ حقيقة البيع في غير الملك، فينصرف إلى الحقيقة الشرعية، وهي صحة البيع، وبذلك يكون بيع مالك الغير باطلاً، غير صحيح، ومثل البيع في ذلك الشراء، لأن كلاً منهما تصرف عن الغير دون إذن، ومثلهما سائر التصرفات: جـ ـ إن بيع الإنسان ما ليس في ملكه يشبه بيع الطير في الهواء في أن كلاً منهما بيع ما ليس مقدور التسليم، وبيع الطير في الهواء باطل باتفاق، فيجب أن يبطل مثله بيع ما ليس في ملك العاقد، ومثله الإيجار. استدل الحنفية على صحة بيع الفضولي، وإيجاره بما يأتي: بدائع الصنائع ج٥ - م٣٤ = ٥٣٠ كتاب الإجارة أ - قوله تعالى: ﴿وأحلَّ الله البيع﴾ فإنه يشمل بعمومه بيع الفضولي، إذ هو مما تتحقق به المصلحة، دون = أن يعود منه ضرر، أما المصلحة فضوله كلام الفضولي عن الإهدار، وضمان المالك به نفاق سلعته واستغناؤه عن طلب المشتري لها، وأما عدم الضرر به - فلأن البيع إذا كان موقوفاً على إجازة المالك ـ لم يلحقه ضرر من انعقاده، وكل تصرف اشتمل على المصلحة، ولم يستتبع ضرراً، فهو صحيح، فالبيع إذاً صحيح، ومثله الإيجار. ب- ما سبق في أدلة المالكية من حديثي عروة وحكيم بن حزام في بيعهما شاتي رسول الله وَله وتقريره إياهما. جـ - إن الشارع قد وضع الأسباب الشرعية لصيغ العقود، لتثبت بها أحكامها عند وجودها، فمتى تحقق السبب، وانتفى المانع - وجب أن ينتج السبب مقتضاه، فيثبت الحكم به، وبيع الفضولي وإيجاره ملك غيره يصلح سبباً شرعيًّا لإفادة الملك، ولا يمنع منه الأخشبة لحوق الضرر بالمالك، وهذا ما احتطنا له، بجعل العقد موقوفاً على الإجازة، فوجب أن يكون صحيحاً، إذا لحقته الإجازة. ثم استدلوا على أن كلاً من الشراء، والاستئجار ينصرف إلى الفضولي عند عدم الإضافة إلى من أريد العقد له، بأن الأصل في التصرف أن ينصرف إلى من يباشره، فمتى أمكن ذلك - لا يعدل عنه، وكل من شراء الفضولي استئجاره في هذه الحالة يمكن إنفاذه عليه، وصوفه إليه، لأنه هو المباشر له، وقد أضافه إلى نفسه ظاهراً، فوجب أن ينصرف إليه، دون احتياج إلى نقضه على رضا الآخر وإجازته. وقد نوقشت أدلة المالكية بما يأتي: إن حديث الثلاثة الذين التجؤوا إلى الله بصالح أعمالهم إنما هو حكاية عن شرع من قبلنا، وليس بلازم أن يكون شرعاً لنا، ولو فرض أنه شرع لنا - فإن المستأجر فيه قد يكون متطوعاً بما أعطي للأجير من المال، تبرّعاً منه، فلم يكن قد تصرف في مال الأجير، وإنما تصرف في مال نفسه، ويدل لهذا ما في رواية: ((أن المستأجر قال: إني استأجرت الأجير بفرق من أرز، فإنه يفيد أن الأجرة كانت في الذمة، فلما أحضرها للأجير لم يقبضها، فلم تصبح ملكاً له، لما علم أن غير المعين لا يملك إلا بالقبض، وحينئذ كان تصرف المستأجر فيها تصرفاً في مال نفسه، سواء اعتقد أنه ماله، أم لا . ٢ - إن حديث عروة لا تقوم به حجة، لأن في إسناده راوياً مبهماً، لم يعرف، إذ قال فيه شبيب بن غرقدة - أحد روائه ـ: ((سمعت الحي يتحدثون عن عروة البارقي ... وذكر الحديث)). ولم يذكر شبيب أنه سمعه من شخص خاص، فلم يعرف من رواه عن عروة على أنه يمكن حمل الحديث، على أن عروة كان موكلاً من الرسول - عليه السلام - وكالة مطلقة بقرينة فهمها منه: ٣ - وأما حديث حكيم بن حزام فهو منقطع فلا يصلح للحجية، فضلاً عن أنه يمكن حمله على الوكالة، كما حمل حديث عروة وقد نوقشت أدلة الشافعية بما يأتي ١ - أن حديث النهي عن بيع ما ليس عند البائع لا يحمل إلا على البيع الفاجر الذي تحصل فيه المطالبة من الجانبين بمجرد العقد، لما فيه من عدم القدرة على تسليم المعقود عليه، فاشتمل على خطر الحصول وعدمه، أو يحمل على بيع ملك غيره باعتبار أنه ملك للبائع، ثم يذهب لشرائه من السوق، وتسليمه إلى المشتري، فمنع ذلك، لما فيه من الربح في مال الأجنبي قبل أن يدخل في ضمان البائع، وأما البيع الذي لا تحصل فيه المطالبة في الحال، ولا الربح في مال الأجنبي - فليس داخلاً في النهي، بدليل جواز السلم، وهو بيع ما لم يملك بعد. ٥٣١ كتاب الإجارة ٢ - وعلى مثل هذا يحمل حديث عمرو بن شعيب. = وأما قولهم: إن بيع ما ليس في الملك يعتبر بيعاً لغير مقدور التسليم، كبيع الطير في الهواء فممنوع، لأن القدرة على التسليم في بيع الفضولي مرجوة يغلب حصولها، بخلاف بيع الطير في الهواء، فإنه يغلب عدم الحصول عليه، فلم يكونا سواء. وقد نوقشت أدلة الحنفية بما يأتي : ١ - أن الآية يجوز تخصيصها، فإذا ثبت النهي عن بيع ما ليس في الملك تعين تخصيصها به. ٢ - أن استدلالهم بحديث عروة يبطل مذهبهم في الشراء الاستئجار، لأنه يفيد أنهما مثل البيع والإيجار، وكذلك حديث حكيم في بيعه الشاة الأولى وشرائه الثانية، على أن كلاً منهما قد احتمل الوكالة المطلقة، كما سبق. ٣ - وأما قولهم: إن الأسباب تنتج الأحكام، ما لم يكن هناك مانع، فهو مسلم وقولهم: إنه لا مانع من صحة بيع الفضولي إلا خشية الضرر بالمالك، غير مسلم، لأن المانع هو عدم القدرة على التسليم. ٤ - وأما استدلالهم على انصراف شراء الفضولي إليه، بأن الأصل في التصرف أن ينصرف إلى من يباشره، فذلك إنما يتأتى فيما إذا لم تكن للمشتري نية تصرف عمله إلى ناحية خاصة، وإلا وجب التعويل عليها، كما في شراء من وكل عن غيره. تلك مواضع النقاش التي وردت على أدلة كل فريق، ونحن إذا تأملنا فيها - نرى أن أحاديث النهي عن بيع ما ليس في الملك لم يتوجه إلى إسنادها مطعن من الذين ذهبوا إلى صحة التصرف، ولم يزيدوا على أن تأولوها بحملها على البيع الذي تحصل به المطالبة في الحال، أو بحملها على بيع ملك الأجنبي، باعتبار أنه مملوك للبائع . ومثل ذلك حديث الثلاثة الذين دفعت عليهم الصخرة، إذ لم يتوجه إلى إسناده أحد بطعن، وإنما تأولوه بحمله على التبرع، أو تخلصوا منه، بأنه كان شرعاً لغيرنا، ولكن هذه التأويلات إذا لم يوجد عليها دليل لم تكن مقبولة، ولا يكفي أن يقال: إن ما ذكر من الأحاديث الدالة على صحة التصرف تدل على تأويل أحاديث النهي، أو العكس، لأن التأويل في أدلة أحد الفريقين ليس بأولى من التأويل في أدلة الفريق الآخر. وإذاً فالذي يصار إليه أن يوجد في أي الأدلة نفسها ما يدل على المراد منها، وبذلك يمكن أن نعرف أرجح القولين، وأولاهما بالعمل. والمتأمل يرى أن في أدلة النهي عن بيع ما ليس في الملك ما يدل على تأويلها، إذ إن بعضها مصرح بأن النهي كان عين بيع ما ليس في الملك، ليذهب فيشتريه البائع، ويسلم إلى المشتري، وحينئذ فمنع هذا البيع إنما جاء؛ لأن البائع قد ألزم نفسه بشيء يطالب بتسليم في المال، وليس قادراً على ذلك، إذ قد يذهب، ليشتريه، فلا يحصل عليه، ومن هنا يحصل النزاع بينه وبين المشتري، وقد قرر ذلك من استدل بالحديث، حيث ذكروا أن بيع ما لم يملك ممنوع، لعدم القدرة على تسليمه، فكان السبب في منع هذا البيع هو اشتماله على الغرر كبيع الآبق، وحينئذ يختص النهي بهذه الحالة، وهي لا تكون إلا إذا بيع ملك الأجنبي، على اعتبار أنه مملوك للبائع، حتى لو فرض أنه مقدور التسليم، ففيه الربح في مال الأجنبي، وكان المالك أحق به. وأما من يبيع ملك غيره على أنه ليس ملك نفسه، وإنما يبيعه على ذمة صاحبه، = ٥٣٢ كتاب الإجارة ليذهب، فيستأذنه، فإن رضي - تم البيع له، ولم ينل منه البائع شيئاً، وإن لم يرض به المالك - بطل، = ولم يصب أحداً شيء من الضرر، ولا ارتكب البائع ما يدعو إلى النزاع، ولا ربح في مال غيره، فذلك البيع لا يدخل في النهي، وإنما يجب أن يلتمس حكمه في أدلة أخرى من عمومات الشريعة، أو أدلتها الخاصة، فإذا بحثنا في العمومات - رأيناها لا تأبى أن يكون تصرف الإنسان عن غيره بدون إذنه صحيحاً موقوفاً على إجازته. فإن المرء قد يرى غيره في حاجة إلى الشيء، فيشتريه له، أو يراه في حاجة إلى بيع شيء من ملکه، فیبیعه له، علی أن یشاوره، فإن رَضِيَ - تم البیع له، وإلا - لم يحصل لأحد ما یسیئه، وهذا مشمول بالعمومات التي ترشد إلى التعاون على قضاء المصالح، تبعاً لحسن نية المتصرف وعلمه بحاجة غيره إلى البيع والشراء، وأما الأدلة الخاصة - فإن في بعض ما استدل به القائلون بصحة التصرف ما يصلح للحجية، فإن حديث الثلاثة الذين التجؤوا إلى الله بأعمالهم الصالحة إذا كان حكاية عن شرع من تقدم فإنه لما حكى على وجه الاستحسان من النبي ◌َّ أصبح مقرراً بشرعنا، فيكون شرعاً لنا، وحمل فعل المستأجر فيه على تطوعه بما أعطاه للأجير من المال، استناداً إلى أن أجره كان غير معين، فلما لم يقبضه . لم يملكه، فإن هذا الحمل بعيد، إذ إن الدَّيْن إذا كان معلوم المقدار والوصف، ثم أحضره المدين للدائن، وخلى بينهما، فإن الدائن يملك المال بمجرد التخلية، فإذا تركه بعد ذلك للمدين - كان أمانة عنده، حتى إذا تصرف فيه - كان تصرفاً في مال غيره، وإذاً فالمستأجر لم يتبرع بماله، وإنما تبرع بعمله في الأجر، حتى كثر ونما، ثم جاء الأجير فأقره على عمله، وشكر الله له ما صنع، ومثل هذا حديث عروة البارقي في شرائه الشاة وبيعها، دون إذن رسول الله وَلقر فإنه صالح للاحتجاج به على صحة التصرف في مال الأجنبي، وما وجه إليه من أن في رواية راوياً مبهماً فإنه مما يمكن رده بأن البخاري وغيره ممن لا يروون إلا ما صح عن رسول الله وَل قد ذكروه في كتبهم فروايتهم له تدل على صحته، ولا يضره إبهام أحد الرواة إذا علم أنه ليس ممن تهدر روايته، على أن المبهم الذي يقصدونه إنما هو رهط عروة وقومه، وقد صرح شبيب بن غرقدة، أنه سمعهم يتحدثون عن عروة، فدل هذا على أنه سمع الحديث من غير واحد، وظهور الحديث بين الجم الغفير مما يدل على ثبوته، فاكتفى الراوي بذكر ما يفيد ذلك عنده، وهو أنه سمعه من كثيرين، ولذا قال النووي في هذا الحديث: رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وإسناد الترمذي صحيح، وإسناد الآخرين حسن، فهو حديث صحيح ا هـ فقد صحح الحديث، ولم يطعن في روايته، وإنما تأوله بحمله على الوكالة المطلقة، وهو تأويل بعيد، ليس في الحديث ما يدل عليه، بل فيه ما ينافيه، إذ إن عروة يقول: بعثني؛ لأشتري له شاة، فاشتريت له شاتين، فدل على أن وكالته مقيدة وأنه باع، واشترى لرسول الله وَلقول بما رأى فيه المصلحة له، ولذلك قال الإمام الشافعي - رضي الله عنه -: ((إذا صح حديث عروة - كان بيع مالك الأجنبي بدون إذنه جائزاً، إذا رضي، فلم يقل: إذا صح الحديث تأولته، لعلمه أن التأويل فيه بعيد، وإنما علق القول به على صحته، وقد صح، فيكفي أن يكون مستنداً للقول بصحته التصرف عن الأجنبي بيعاً وشراء، وقد عضده حديث حكيم بن حزام في شرائه الأضحية وبيعها، وإن كان منقطعاً - فهو صالح للاستشهاد به، وإن لم يصلح لأصل الاستدلال. وبهذا يجمع بين الأحاديث حتى يستقر كل منها في مكانه، إذ تكون طائفة منها قد نهت عن بيع ما ليس في ملك البائع، إذا أدى إلى المخاطرة، أو أكل أموال الناس بالباطل، وذلك فيما إذا بيع دون أن يوقف البيع فيه على إذن مالكه، بينما تصرح طائفة أخرى من الأحاديث بصحة التصرف عن الأجنبي، إذا حقق مصلحة له، ولم يتضمن مضرة. = ٥٣٣ كتاب الإجارة موقوفاً على إجازة المالك عندنا، خلافاً للشافعي، كالبيع، والمسألة ذكرناها في ((كتاب البيوع»، ثم الإجازة إنما تلحق الإجارة الموقوفة بشرائط ذكرناها في البيوع، منها: قيام المعقود عليه . وعلى هذا يخرج ما إذا أجر الفضولي فأجاز المالك العقد؛ أنه لو أجاز قبل استيفاء المنفعة جازت، وكانت الأجرة للمالك، لأن المعقود عليه ما فات. أَلاَ ترى أنه لو عقد عليه بابتداء بأمره جاز، فإذا كان محلاً لإنشاء العقد عليه كان محلاً للإجازة، إذ الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة، وإن أجاز بعد استيفاء المنفعة لم تجز إجازته، وكانت الأجرة للعاقد، لأن المنافع المعقود عليها قد انعدمت؛ ألا ترى أنها قد خرجت عن احتمال إنشاء العقد عليها، فلا تلحقها الإجازة، وقد قالوا فيمن غصب عبداً فأجره سنةً للخدمة، وفي رجل آخر غصب غلاماً أو داراً فأقام البينة رجلٌ أنه له، فقال المالك: قد أجزت ما أجرت - أن مدة الإجارة إن كانت قد انقضت فللغاصب الأجر؛ لما ذكرنا أن المعقود عليه قد انعدم، والإجازة لا تلحق المعدوم، وإن كان في بعض المدة فالأجر الماضي والباقي لرب الغلام، في قول أبي يوسف. وقال محمد: أجر ما مضى للغاصب، وأجر ما بقي للمالك، فأبو يوسف نظر إلى المدة.، فقال: إذا بقي بعض المدة لم يبطل العقد فبقي محلاً للإجازة، ومحمد نظر إلى المعقود عليه، فقال: كل جزء من أجزاء المنفعة معقود عليه بحياله؛ كأنه عقد عليه عقد مبتدأ بالمنافع في الزمان الماضي وانعدمت فالعدم شرط لحوق الإِجازة العقد، فلا تلحقه الإجازة، وقد خرج الجواب عما ذكره أبو يوسف. وقد قال محمد فيمن غصب أرضاً فأجرها للزراعة فأجاز صاحب الأرض الإجارة - أن أجرة ما مضى للغاصب، وأجرة ما بقي للمالك، وهو على ما ذكرنا من الاختلاف، قال: فإن أعطاها مزارعة فأجازها صاحب الأرض جازت، وإن كان الزرع قد سنبل ما لم يسمن ولا شيء للغاصب من الزرع؛ لأن المزارعة بمنزلة شيء واحد لا يفرد بعضها من بعض، فكان إجازة العقد قبل الاستيفاء بمنزلة ابتداء العقد. كما أن هناك أحاديث أخرى غير هذه كلها تدل على أن التصرف عن الأجنبي إذا ألجأت إليه الحاجة - = أصبح ضرورة لا بد منها، كما في الملتقط يتصرف في اللقطة بعد تعريفها، ثم إن جاء صاحبها - كان مخيراً بين إمضاء التصرف، وبين المطالبة باللقطة، فهذا تصرف في ملك الأجنبي بدون إذنه، وهو تصرف صحيح بشهادة السنة والآثار. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. ٥٣٤ كتاب الإجارة ١٢٢١/٢ وَأَما إذا سمن الزرع فقد انقضى عمل المزارعة / فلا يلحق العقد الإجازة، وأما الاستئجار من الفضولي فهو كشرائه، فإنه أضاف العقد إلى نفسه كان المستأجر له، لأن العقد وجد نفاذاً على العاقد فينفذ عليه، وإن أضاف العقد إلى من استأجر له، ينظر إن وقعت الإضافة إليه من الإيجاب والقبول جميعاً يتوقف على إجازته، وإن وقعت الإضافة إليه في أحدهما دون الآخر لا يتوقف، بل ينفذ على العاقد، لما ذكرنا في البيوع، بخلاف الوكيل بالاستئجار أنه يقع استئجاره للموكل، وإن أضاف العقد إلى نفسه، والفرق على نحو ما ذكرنا في ((كتاب البيوع)). وعلى هذا تخرج إجارة الوكيل أنها نافذة لوجود الولاية بإنابة المالك إياه مناب نفسه فينفذ، كما لو فعله الموكل بنفسه، وله أن يؤاجر من ابن الموكل وأبيه؛ لأن للموكل ذلك لاختلاف ملكيهما، كذا للوكيل وله أن يؤاجر من مكاتبه؛ لأنَّ للمولى أن يؤاجر منه، لأنه لا يملك ما في يده، فكذا لو کیله. وأما العبد المأذون فإن لم يكن عليه دين فلا يملك أن يؤاجر منه، لأن المولى لا يجوز له ذلك، لأن كسبه ملكه؛ فكذا الوكيل، وإِن كان عليه دين فله ذلك، أما عند أبي حنيفة فلأن المولى لا يملك ما في يده وکان بمنزلة المكاتب، فيجوز لو کیله أن يؤاجر منه. وأما على قولهما: فكسبه وإِن كان ملك المولى، لكن تعلق به حق الغير، فجعل المالك كالأجنبي، ولا يجوز له أن يؤاجر من أبيه وابنه، وكل من لا تقبل شهادته له في قول أبي حنيفة، وعندهما تجوز بأجر مثله كما في بيع العين، وهو من مسائل ((كتاب الوكالة)). وله أن يؤاجر بمثل أجر الدار، وبأقل عند أبي حنيفة، وعندهما ليس له أن يؤاجر بالأقل، وهو على الاختلاف في البيع. ولو آجر إجارة فاسدة نفدت، ولأن مطلق العقد يتناول الصحيح والفاسد؛ كما في البيع، ولا ضمان عليه لأنه لم يصر مخالفاً، وعلى المستأجر أجر المثل إذا انتفع لأنه استوفى المنافع بالعقد الفاسد . ولو لم يؤاجر الوكيل(١) الدار لكنه وَهَبَهَا من رجلٍ أو أعارها إياه فسكنها سنين، ثم جاء صاحبها، فلا أجر له على الوكيل ولا على الساكن، لأنّ المنافع على أصل أصحابنا لا تضمن إلا بالعقد الصحيح أو الفاسد، ولم يوجد ههنا. وكذلك الإجارة من الأب والوصي والقاضي وأمينة نافذة لوجود الإنابة من الشرع، فللأب أَنْ يؤاجر ابنه الصغير في عمل من الأعمال، لأن ولايته على الصغير كولايته على (١) في ط: الموكل. ٥٣٥ كتاب الإجارة نفسه؛ لأن شفقته عليه كشفقته على نفسه، وله أن يؤاجر نفسه، فكذا ابنه، ولأن فيها نظراً للصغير من وجهين . أحدهما: أن المنافع في الأصل ليست بمال، خصوصاً منافع الحر، وبالإجارة تصير مالاً، وجعل ما ليس بمالٍ مالاً من باب النظر. والثاني: أن إيجاره في الصنائع من باب التهذيب والتأديب والرياضة، وفيه نظر للصبي فيملكه الأب؛ وكذا وصي الأب لأنه مرضى الأب، والجد أب الأب لقيامه مقام الأب عند عدمه، ووصيه، لأنه مرضيه، والقاضي لأنه نصيب ناظراً، وأمينة لأن مرضيه، ولا تجوز إجارة غير الأب ووصيه والجد ووصيه من سائر ذوي الرحم المحرم إذا كان له أحد ممن ذكرنا، لأن من سواهم لا ولاية له على الصغير. ألا ترى أنه لا يملك التصرف في ماله، ففي نفسه أَوْلَى إِلا إِذا كان في حجره فتجوز إجارته إياه في قولهم؛ لأنه إذا كان في حجره كان له عليه ضرب من الولاية؛ لأنه يربيه ويؤدبه واستعماله في الصنائع نوع من التأديب فيملكه من حيث إنه تأديب، فإن كان في حجر ذِي رحم مَخرَم منه، فأجره ذو رحم محرم آخر هو أقرب إليه من الذي هو في حجره؛ بأن كان الصبيّ في حجر عمه وله أم فأجرته، قال أبو يوسف: تجوز إجارتها إياه، وقال محمد: لا تجوز. وجه قول محمد أن هؤلاء لا ولاية لهم على الصبي أصلاً ومقصوداً، وإنما يملكون الإجارة ضمناً لولاية التربية وأنها تثبت لمن كان في حجره، فإذا لم يكن في حجره كان بمنزلة الأجانب . ولأبي يوسف: أن ذا الرحم إنما يلي عليه هذا النوع من الولاية بسبب الرحم، فمن كان أقرب إليه في الرحم، كان أولى كالأب مع الجد، وللذي في حجره أن يقبض الأجرة لأن قبض الأجرة من حقوق العقد وهو العاقد، فكان ولاية القبض له، وليس له أن ينفقها عليه، لأن الأجرة ماله والإنفاق عليه تصرف في ماله، وليس له ولاية التصرف في المال، وكذا إذا وهب له هبة فله أن يقبضها وليس له أن ينفقها، لأن قبض الهبة منفعة محض للصغير. ألا ترى أن الصغير يملك قبضها بنفسه، وأما الإنفاق فهو من باب الولاية فلا يملكه مَنْ لا يملك التصرف في ماله، ولو بلغ الصبي في / هذا كله قبل انقضاء مدة الإجارة، فله ٢٢١/٢ب الخيار: إن شاء أمضى الإجارة، وإن شاء فسخ، لأن في استيفاء العقد إضراراً به؛ لأنه بعد البلوغ تلحقه الأنفة من خدمة الناس، وإلى هذا أشار أبو حنيفة فقال: أرأيت لو تفقه فولى القضاء، أكنت أتركه يخدم الناس وقد أجره أبوه، هذا قبيح؛ ولأن المنافع تحدث شيئاً فشيئاً، ٥٣٦ كتاب الإجارة والعقد ينعقد على حسب حدوث المنافع، فإذا بلغ فيصير كأن الأب عقد [على](١) ما يحدث من المنافع بعد البلوغ ابتداءً، فكان له خيار الفسخ والإجارة؛ كما إذا عقد ابتداء بعد البلوغ، وكذا الأب والجد ووصيهما والقاضي ووصيه في إجارة عبد الصغير وعقاره، لأن لهم ولاية التصرف في ماله بالبيع كذا بالإجارة. ولو بلغ قبل انتهاء المدة فلا خيار له بخلاف إجارة النفس، وقد ذكرنا الفرق بينهما في (كتاب البيوع))، وليس للأب، وَمَنْ يملك إجارة مال الصبي(٢) ونفسه وماله أن يؤجره بأقل من أجر المثل قدر مَا لاَ يتغابن الناس في مثله عادةً، ولو فعل لا ينفذ لأنه ضرر في حقه، وهذه ولاية نظر في تثبت مع الضرر، وليس لغير هؤلاء فمن هو في حجره أن يؤاجر عبده أو داره؛ لأن ذلك تصرف في المال فلا يملكه إلاَّ من يملك التصرف في المال كبيع المال. وقال ابن سماعة عن محمدٍ: أَستحسن أن يؤاجروا عبده؛ لأنهم يملكون إجارة نفسه، فأجارة ماله أولى؛ وكذا أَستحسن أن ينفقوا عليه ما لا بُدَّ منه؛ لأن في تأخير ذلك ضرراً عليه. وكذلك أحد الوصيين يملك أن يؤاجر اليتيم في قول أبي حنيفة، ولا يؤاجر عبده، وقال محمد: يؤاجر عبده، والصحيحُ قول أبي حنيفة؛ لأن لكل واحد من الوصيين التصرف فيما يخاف الضرر بتأخيره، وفي ترك إجارة الصبي ضرر به(٣) بترك تأديبه، ولا ضرر في ترك إجارة العبد، ولا تجوز إجارة الوصي نفسه للصبي، وهذا على أصل محمد لا يشكل، لأن الوصي لا يملك بيع ماله من الصبي أصلاً، فلا يملك إجارة نفسه، أما على أصل أبي حنيفة فيحتاج إلى الفرق بين البيع والإجارة، حيث يملك البيع ولا يملك الإجارة. ووجه الفرق أنه إنما يملك بيع ماله منه إذا كان فيه نظر للصغير، ولا نظر للصغير في إجارة نفسه منه، لأن فيها جعل ما ليس بمالٍ مالاً، فلم يجز للوصي أن يعمل في مال الصبي مضاربة، والفرق بين الإجارة المضاربة أن الوصي بعقد المضاربة لا يوجب حقًّا في مال المضاربة، وإنما يوجب حقًّا في الربح وأنه قد يكون وقد لا يكون، فلا يلحقه تهمة؛ بخلاف الإجارة؛ لأنها توجب حقًّا في مال الصبي لا محالة، وهو متهم فيه لما بينا. وأما استئجار الصغير لنفسه فينبغي أن يجوز على قول أبي حنيفة إذا كان بأجرة لا يتغابن في مثلها؛ لأنه يملك بيع ماله من نفسه إذا كان فيه نظر له، وفي استئجاره إياه لنفسه نظراً له؛ لما فيه من جعل ما ليس بمال مالاً، ويجوز للأب أن يؤاجر نفسه للصغير أو يستأجر الصغير لنفسه، لأن بيع مال الأب من الصغير وشراء ماله لنفسه لا يتقيد بشرط النظر؛ بدليل أنه لو باع (١) سقط من ط . (٣) في ط: منه. (٢) في أ: الصغير. ٥٣٧ كتاب الإجارة ماله منه بمثل قيمته أو اشترى مال الصغير لنفسه بمثل قيمته يجوز؛ فكذا الإجارة. ومنها: تسليم المستأجر في إجارة المنازل ونحوها إذا كان العقد مطلقاً عن شرط التعجيل؛ بأن لم يشرط تعجيل الأجرة في العقد ولم يوجد التعجيل أيضاً من غير شرط عندنا؛ خلافاً للشافعي، بناءً على أن الحكم في الإجارة المطلقة لا يثبت بنفس العقد عندنا؛ لأن العقد في حق الحكم ينعقد على حسب حدوث المنفعة، فكان العقد في حق الحكم مضافاً إلى حين حدوث المنفعة، فیثبت حکمه عند ذلك. وعنده تجعل منافع المدة موجودة في الحال تقديراً، كأنها عينٌ قائمة فيثبت الحكم بنفس العقد كما في بيع العين، وهذا أصل نذكره في بيان حكم الإجارة وكيفية انعقادها في حق الحكم؛ إن شاء الله تعالى. ونعني بالتسليم التخلية والتمكين من الانتفاع برفع الموانع في إجارة المنازل ونحوها، وعبيد الخدمة وأجير الواحد، حتى لو انقضت المدة من غير تسليم المستأجر على التفسير الذي ذكرنا لا يستحق شيئاً من الأجر، لأن المستأجر لم يملك من المعقود عليه شيئاً، فلا يملك هو أيضاً شيئاً من الأجر، لأنه معاوضة مطلقة. ولو مضى بعد العقد مدة ثم سلم فلا أجر له فيما مضى لعدم التسليم فيه، ولو أجر المنزل فارغاً وسلَّم المفتاح إلى المستأجر، فلم يفتح الباب حتى مضت المدة، لزمه كل الأجر لوجود التسليم وهو التمكين من الانتفاع برفع / الموانع في جميع المدة، فحدثت المنافع في ١٢٢٢/٢ ملك المستأجر فهلكت على ملكه، فلا يسقط عنه الأجر؛ كالبائع إذا سلم المبيع إلى المشتري بالتخلية فهلك في يد البائع، كان الهلاك على المشتري، لأنه هلك على ملكه؛ كذا هذا. وإن لم يسلم المفتاح إليه لكنه أذن له بفتح الباب، فقال: مر وافتح الباب، فإن كان يقدر على فتح الباب بالمعاجلة لزمه الكراء لوجود التسليم، وإن لم يقدر لا يلزمه، لأن التسليم لم یوجد . ولو استأجر داراً ليسكنها شهراً، أو عبداً يستخدمه شهراً، أو دابةً ليركبها إلى الكوفة، فسكن، واستخدم في بعض الوقت، وركب في بعض المسافة، ثم حدث بها مانعٌ يمنع من الانتفاع من غرق أو مرض أو إباق أو غصب، أو كان زرعاً فانقطع (١) شربه، أو رحى فانقطع ماؤه، لا تلزمه أجرة تلك المدة؛ لأن المعقود عليه المنفعة في تلك المدة؛ لأنها تحدث شيئاً فشيئاً فلا تصير منافع المدة مسلمة بتسلم محل المنفعة؛ لأنها معدومة، والمعدوم لا يحتمل (١) في ط: فقطع. ٥٣٨ كتاب الإجارة التسليم، وإنما يسلمها على حسب وجودها شيئاً فشيئاً، فإذا اعترض مانع(١) فقد تعذر تسليم المعقود عليه قبل القبض، فلا يجب البدل؛ كما لو تعذر تسليم المبيع قبل القبض بالهلاك، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. ومنها: أن يكون العقد مطلقاً عن شرط الخيار، فإن كان فيه خيار لا ينفذ في مدة الخيار؛ لأن الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم ما دام الخيار قائماً؛ لحاجة من له الخيار إلى دفع العين عن نفسه كما في بيع العين؛ وهذا لأن شرط الخيار وإن كان شرطاً مخالفاً لمقتضى العقد. والقياس يآباه لما مر، لكن تركنا إعتبار القياس لحاجة الناس، ولهذا جاز في بيع العين؛ كذا في الإجارة، والله - عزَّ وجلَّ - الموفق. وأما شرط الصحة فلصحة هذا العقد شرائط: بعضُها يرجع إلى العاقد، وبعضُها يرجع إلى المعقود عليه، وبعضُها يرجع إلى محل المعقود عليه، وبعضُها يرجع إلى ما يقابل المعقود عليه، وهو الأجرة، وبعضُها يرجع إلى نفس العقد، أعني: الركن. أما الذي يرجع إلى العاقد: فرضا المتعاقدين، لقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] والإجارة تجارة، لأن التجارة تبادل المال بالمال؛ والإجارة كذلك؛ ولهذا يملكها المأذون وأنه لا يملك ما ليس بتجارة، فثبت أن الإجارة تجارةٌ، فدخلت تحت النص. وقال النبيُّ - نَّه -: ((لاَ يَحِلُّ مَالُ امِزىءٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِطِيبٍ(٢) مِنْ نَفْسِهِ)) فلا يصح مع الكراهة والهزل والخطأ؛ لأن هذه العوارض تنافي الرّضا فتمنع صحة الإجارة، ولهذا منعت صحة البيع . وأما إسلام العاقد: فليس بشرطٍ، فيصح من المسلم والكافر والحربي المستأمن كما يصح البيع منهم. وكذا الحرية؛ فيصح من المملوك للمأذون، وينفذ من المحجور وينعقد ويتوقف على ما بينا، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه فضروب: منها: أَنْ يكون المعقود عليه - وهو (١) في ط: منع. (٢) في ط: بطيبة. ٥٣٩ كتاب الإجارة المنفعة(١) - معلوماً علماً يمنع من المنازعة (٢)، فإن كان مجبولاً ينظر إِن كانت تلك الجهالة مفضية إلى المنازعة تمنع صحة العقد، وإلا فلا، لأن الجهالة المفضية إلى المنازعة تمنع من التسليم والتسلم، فلا يحصل المقصود من العقد، فكان العقد عبثاً لخلوه عن العاقبة الحميدة، وإذا لم تكن مفضية إلى المنازعة يوجد التسليم والتسلم، فيحصل المقصود، ثم العلم بالمعقود عليه وهو المنفعة يكون ببيان أشياء : منها: بيان محل المنفعة حتى لو قال: أجرتك إحدى هاتين الدارين، أو أحد هذين العبدين، أو قال: استأجرت أحد هذين الصانعين، لم يصح [العقد]؛ لأن المعقود عليه مجهولٌ لجهالةِ محلَّه جهالةً مفضيةً إلى المنازعة، فتمنع صحة العقد. وعلى هذا قال أبو حنيفة: إذا باع نصيباً له من دار غير مسمى ولا يعرفه المشتري؛ أنه لا يجوز لجهالة النصيب. (١) المراد بالمنفعة: ما يقابل الذات، فلا يمكن أن يشار إليها إشارة حية، استقلالاً، وإنما يشار إليها كذلك تبعاً للذات المتعلقة بها. وعقد الإجارة نسبة من النسب التي لا تتحقق إلا بين طرفين، يسمى أحدهما: مؤجراً، أو آجراً، والآخر: مستأجراً، وكل واحد منهما يبذله شيئاً خاصاً مما يملكه، نازلاً عنه لمن يتعاقد معه، وبذلك يملك كل منهما ما بذله الآخر، ويسمى ما يبدله كل من الطرفين: معقوداً عليه، أو: محل التعاقد، وله في عقد الإجارة اسم خاص يمتاز به عن محل التعاقد في غيره من العقود، فيسمى ما يبذله المؤجر منفعة، وما يبذله المستأجر أجرة، أو أجراً، أو إجارة، ولكل منهما أحكام خاصة، وشروط تميزه عن الآخر. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. (٢) من المسلم به أن المنافع أمور إضافية، لا تستقل بالوجود، حتى تمكن مشاهدتها، فهي لا توجد إلا تبعاً لمضافاتها، فمعرفتها تكون بمعرفة محلها، وقدرها وصفتها، وفي ذلك تفاصيل متشعبة في كتب المذاهب، يحسن أن نلمَّ بطرف مهم منها فيما بعد. علم أن عقود المعاوضة، - ومنها الإجارة - مبنية على رضا المتعاقدين على ما قبلا التعاقد عليه، ولا يمكن أن يتوجه التراضي حقيقة إلا إلى المعلوم، وبهذا تظهر الحاجة إلى هذا الشرط. وقد استنبطه الفقهاء من عمومات الكتاب والسنة. قال الله تعالى: ﴿يَأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . فقد جعل الله أكل الأموال دون تراض في الجانبين أكلاً بالباطل، ومن ثُمَّ وجب التراضي، والتراضي لا يمكن أن يتوجه إلا إلى معلوم. وروى الإمام أحمد، عن أبي سعيد أن رسول الله وَّهِ «نَّهَى عَنِ اسْتِثْجَارِ الأَجِيرِ حَتَّى يَبِيِّنَ لَهُ أَجْرُهُ». فإنه يدل بعبارته على أن العلم بالأجر شرط في صحة الإجارة، وبفحواه على اشتراط العلم بالمنفعة، لأنها المقصودة بالذات. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. ٥٤٠ كتاب الإجارة وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يجوز إذا علم به بعد ذلك، وإن كان عرفه المشتري وقت العقد أو عرفه في المجلس، جاز، سواء كان البائع يعرفه أو لا يعرفه، بعد أن صدق المشتري فيما قال، وجواب أبي حنيفة مبنيًّ على أصلين. أحدهما: أن بيع النصيب لا يجوز عنده، وهو قول محمد، وعند أبي يوسف جائز. والثاني: أن إجارة المشاع غير جائزة عنده، وإن كان المستأجر معلوماً من نصف أو ثلث أو غير ذلك، فالمجهول أَوْلَى، وعندهما إجارة المشاع جائزة، وإنما فرق محمد بين الإجارة والبيع؛ حيث جوز إجارة النصيب ولم يجوز بيع النصيب، لأن الأجرة لا تجب بنفس العقد ٢٢٢/٢ ب على أصل أصحابنا/ وإنما تجب عند استيفاء المعقود عليه وهو المنفعة، والنصييب عندالاستيفاء معلومٌ؛ بخلاف البيع؛ فإن البدل فيه يجب نفسه العقد، وعند العقد النصيب مجهول . وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة ما إذا استأجر من عقار مائة ذراع أو استأجر من أرض جريباً أو جريبين؛ أنه لا يجوز كما لا يجوز البيع؛ لأن اسم الذراع عنده يقع على القدر الذي يحله الذراع من البقعة المعينة؛ وذلك للحال مجهول، وكذا إجارة المشاع لا تجوز عنده، وإن كان معلوماً، فالمجهول أولى، وعندهما الذارع كالسهم، وتجوز إجارة السهم كذا إجارة الذراع، وقد ذكرنا المسألة في ((كتاب البيوع)). وعلى هذا تخرج إجارة المشاع من غير الشريك عند أبي حنيفة أنها لا تجوز؛ لأن المعقود عليه مجهول لجهالة محله؛ إذ الشائع اسم لجزء من الجملة غير عين من الثلث والربع ونحوهما، وأنه غير معلوم فأشبه إجارة عبد من عبدين، وعندهما جائز كبيع الشائع، وبه أخذ الشافعي، وتخرج المسألة على أصل آخر هو أولى بالتخريج عليه، ونذكر الدلائل هناك، إن شاء الله تعالى. وإن استأجر طريقاً من دار ليمر فيها وقتاً معلوماً، لم يجز في قياس قول أبي حنيفة، لأن البقعة المستأجرة غير معلومة (١) من بقية الدار، فكان إجارة المشاع فلا يجوز عنده، وعندهما يجوز . ولو استأجر ظهر بيت ليبيت عليه شهراً، أو ليضع متاعه عليه؛ اختلف المشايخ فيه لاختلاف نسخ الأصل، ذكر في بعضها أنه لا يجوز، وفي بعضها أنه يجوز، وهو الصحيح؛ لأن المعقود عليه معلوم. (١) في أ: متميزة.