النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ کتاب الولاء ٠٠ علة حديث روى فيه عن تميم الداري مرفوعاً، والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٥٣/٧) كلهم من طريق عبد = العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن موهب عن تميم الداري به . قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن وهب - ويقال: ابن موهب - عن تميم الداري وقد أدخل بعضهم بين عبد الله بن وهب وبين تميم الداري قبيصة بن ذؤيب ولا يصح اهـ. أما الذين رووه من هذا الطريق أبو داود (٣٣٣/٣) كتاب الفرائض: باب الرجل يسلم على يدي الرجل حديث (٢٩١٨) والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٩٨/٥) والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (٤٣٩/٢) والحاكم (٢١٩/٢) كتاب المكاتب: باب يؤدي المكاتب بقدر ما عتق منه ... والبيهقي (٢٩٧/١٠) كتاب الولاء: باب علة حديث روى فيه عن تميم الداري مرفوعاً، كلهم من طريق يحيى بن حمزة ثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال سمعت عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري قال: يا رسول الله ما السنة في الرجل الكافر يسلم على يدي المسلم؟ فقال رسول الله رَالتر: ((هو أولى الناس به حياته ومماته)). وقد قوى أبو زرعة هذا الطريق فقال في ((تاريخه)) (٥٧١/١) هذا حديث متصل حسن المخرج والإتصال لم نر أحداً من أهل العلم يدفعه ا هـ. قلت: دفعه أبو حاتم فرجح الطريق الأول عليه وهو الطريق الذي ليس فيه قبيصة بن ذؤيب. فقال ولده في ((العلل)) (٢/ ٥٢) رقم (١٦٤٢). سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حمزة عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن ابن موهب عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري عن النبي وَ لّ في الرجل يسلم على يد الرجل قال أبي: حدثنا أبو نعيم عن عبد العزيز عن ابن موهب قال: سمعت تميم الداري عن النبي ◌َّ قال أبي: أبو نعيم أحفظ وأتقن، قلت لأبي: يحيى بن حمزة أفهم بأهل بلده، قال: أبو نعيم في كل شيء أحفظ وأتقن اهـ. وقد اختلف في ((تضعيف هذا الحديث وتصحيحه فضعفه الشافعي. قال البيهقي في ((المعرفة)) (٥١٠/٧): قال الشافعي: أنه ليس بثابت إنما يرويه عبد العزيز بن عمر عن ابن موهب عن تميم الداري وابن موهب ليس معروفاً عندنا ولا نعلمه لقي تميماً الداري وضعفه أحمد. قال الخطابي في ((معالم السنن)) (١٠٤/٤). وضعف أحمد بن حنبل حديث تميم الداري هذا وقال: عبد العزيز راويه ليس من أهل الحفظ والإتقان ا.هـ قلت: وقد رجح أحمد بن حنبل طريق ابن موهب عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم. فقال العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص - ٢١٧). وقال أحمد بن حنبل في حديثه عن تميم: قلت يا رسول الله: أرأيت الرجل من أهل الكتاب يسلم على يدي الرجل .. الحديث، إنما هو ابن موهب عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم. وضعفه ابن المنذر. فقال كما في ((نصب الراية)) (١٥٧/٤) لم يروه غير عبد العزيز بن عمر، وهو شيخ ليس من أهل الحفظ وقد اضطربت روايته فيه وضعفه البيهقي. فقال في ((مناقب الشافعي)) كما في ((نصب الراية)) (١٥٧/٤). وقد صرح بعض الرواة فيه بسماع ابن موهب من تميم وضعفه البخاري وأدخل بعضهم بينه وبين تميم قبيصة وهو أيضاً ضعيف ١ هـ. ٥٠٢ کتاب الولاء وضعفه ابن القطان. = قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٥٧/٤): وقال ابن القطان في ((كتابه)) وعلة هذا الحديث الجهل بحال عبد الله بن موهب فإنه لا يعرف حاله، وكان قاضي فلسطين ولم يعرفه ابن معين وقد اختلفوا فيه على عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فرواه الترمذي من حديث أبي أسامة وابن نمير ووكيع عن عبد الله بن موهب عن تميم الداري ورواه يحيى بن حمزة عنه فأدخل بينهما قبيصة بن ذؤيب وهو الأصوب وعبد العزيز هذا ليس به بأس والحديث من أجل عبد الله بن موهب هذا لا يصح اهـ. ويتلخص مما سبق أن هذا الحديث أعل بعدة علل وهي جهالة عبد الله بن موهب. الانقطاع بين عبد الله بن موهب وتميم. ضعف حفظ عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز. - الإجابة عن هذه العلل وتقيدها - أما العلة الأولى وهي جهالة عبد الله بن موهب وبها أعله الشافعي وابن القطان . أما هو فقد وثقه العجلي والفسوي. فقال العجلي في ((تاريخ الثقات)) رقم (٨٩٥). شامي ثقة وقال الفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (٤٣٩/٢). ثقة وذكره البخاري في ((التاريخ الكبير» (١٩٨/٥ - ١٩٩) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً وقال الذهبي في ((الكاشف)) رقم (١٣٥/٢): صدوق وقال الحافظ في ((التقريب)) (٤٥٥/١) رقم (٦٧٦). ثقة. أما قول ابن القطان: أن ابن معين لم يعرفه فلا حجة فيه فقد عرفه غيره ووثقه أيضاً. - أما العلة الثانية وهي الانقطاع بين عبد الله بن موهب وتميم الداري والتي أعل الحديث بها البخاري في (تاريخه الكبير)) والشافعي ويعقوب بن سفيان والبيهقي وغيرهم فلا يوجد انقطاع بينهما كما سيأتي بيانه. فقد صرح عبد الله بن موهب بسماع هذا الحديث من تميم الداري رضي الله عنه وقد وقع تصريحه بالسماع من تميم عند ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وابن ماجه والدارقطني ويعقوب بن سفيان وابن أبي حاتم في ((العلل)) والبيهقي، لتزول بذلك علة الانقطاع بين عبد الله بن موهب وتميم الداري. وإن سلمنا بالانقطاع بينهما فقد رواه عبد الله بن موهب عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري. وقد رجح هذا الطريق أبو زرعة وابن القطان في كتابه والذي يظهر من ذلك أن عبد الله بن موهب كان يرويه على الوجهين فمرة يرويه عن تميم الداري وأخرى يرويه عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم. - أما العلة الثالثة وهي ضعف حفظ عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وقد أعل الحديث بهذه العلة أحمد بن حنبل وابن المنذر كما في ((نصب الراية)» (٤/ ١٥٧). وقد تعقبهما الزيلعي فقال: عبد العزيز هذا من رجال الصحيحين، وقال ابن معين ثقة روي يسيراً، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو نعيم: ثقة، وقال ابن عمار: ثقة لا اختلاف فيه ١ هـ. وقال ابن القطان في كتابه كما في ((نصب الراية)) (١٥٧/٤): وعبد العزيز هذا ليس به بأس ١ هـ. قلت: وقد وثقه أيضاً أبو داود فقال: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ينظر التهذيب (٣٥٠/٦). وبهذا تزول العلل التي أعل بها هذا الحديث. كتاب الولاء ٥٠٣ والحديث حسنه ابن القيم في ((تهذيب سنن أبي داود)) (١٨٦/٤) وحسنه أبو زرعة الدمشقي كما تقدم = فقال: وهذا حديث حسن متصل لم أر أحداً من أهل العلم يدفعه. وذكره الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (٤٠٣/٥) وقال: فالحديث على أقل الدرجات حسن اهـ. وللحديث شواهد من حديث أبي أمامة وعمرو بن العاص وراشد بن سعد حديث أبي أمامة. أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٩٨/١ .٩٩) رقم (٢٠٠) والدار قطني (١٨١/٤) كتاب الرضاع: حديث (٣٢) والبيهقي (٢٩٨/١٠) كتاب الولاء: والطبراني في ((الكبير)) (٢٢٣/٨) رقم (٧٧٨١) ومسدد في ((مسنده)) كما في ((المطالب العالية)) (٤٤٣/١) رقم (١٤٨١) وابن عدي في ((الكامل)) (٣٩٩/٦) كلهم من طريق معاوية بن يحيى الصدفي عن القاسم عن أبي أمامة قال قال رسول الله وتغيير: من أسلم على يديه رجل فهو مولاه. وهذا الحديث ضعيف من أجل معاوية بن يحيى الصدفي. قال الدارقطني: الصدفي ضعيف. وأسند ابن عدي تضعيفه عن ابن معين والنسائي وابن المديني والسعدي فقال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن المديني: ضعيف. وقال النسائي: ضعيف. وقال السعدي: ذاهب الحديث. وقال ابن عدي: عامة رواياته فيها نظر. والحديث ذكره ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٥٣/٢) رقم (١٢٤٦) وقال: وسمعت أبا زرعة وقرأ علينا كتاب الفرائض فانتهى إلى حديث كان عنده عن عمرو الناقد عن عيسى بن يونس عن معاوية بن يحيى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي ◌َّ أنه قال: من أسلم على يديه رجل فهو ولاؤه. فامتنع أبو زرعة من قراءته علينا ولم نسمعه منه ١ هـ. وذكره أيضاً الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٣٣٧/٥) وقال: رواه الطبراني وفيه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف ا هـ. وذكره الحافظ ابن حجر في ((المطالب العالية)) (١٤٨١) وعزاه لمسدد. لكن معاوية بن يحيى الصدفي لم ينفرد به بل تابعه جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة بنحوه. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٣٥/٢) والبيهقي (٢٩٨/١٠) كتاب الولاء وابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢٣٠/٣) من طريق جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة أن رسول الله آل# قال: ((من أسلم على يدي رجل فله ولاؤه)). وقال ابن الجوزي: جعفر يكذب وتابعه معاوية بن يحيى الصدفي وليس بشيء. وقد أسند ابن عدي عن البخاري والنسائي ويحيى والفلاس والسعدي. فقال البخاري: متروك الحديث تركوه، وقال النسائي: متروك الحديث. وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال الفلاس: متروك. وقال السعدي: نبذوا حديثه. وقال ابن عدي: والضعف على حديثه بين وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٥٧/٤): وذكره عبد الحق في ((أحكامه)) من جهة ابن عدي وقال: جعفر متروك وكان رجلاً صالحاً اهـ. = ٥٠٤ کتاب الولاء وأما المعقول: فهو أن بيت المال إنما يرث لولاء الإيمان فقط، لأنه بيت مال المؤمنين، قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وللمولى هذا الولاء، وولاء أخر بالمعاقدة (١)، فكان أولى من عامة المؤمنين. ألا ترى أن مولى العتاقة أولى من بيت المال؛ للتساوي في ولاء الإيمان والترجيح لولاء العتق؛ كذا هذا؛ إلا أن مولى الموالاة يتأخر عن سائر الأقارب، ومولى العتاقة يتقدم على ذوي الأَرحام، لأن الولاء بالرحم فوق الولاء بالعقد، فيخلف عن ذوي الأرحام، وولاء العتاقة بما تقدم من النعمة بالإعتاق الذي هو إحياء وإيلاد معنى الحق بالتعصيب من حيث المعنى؛ ولذلك قال - مَلٌ: ((الوَلاَءُ لخمَةٌ كَلخْمَةِ النَّسَبِ)». وأما قولهما إن جماعة المسلمين ورثته، فلا يقدر على إبطال حقهم بالعقد، فنقول: إنما يصيرون ورثته إذا مات قبل المعاقدة، فأما بعد المعاقدة فلا، والدليل على بطلان هذا الكلام أنه تصح وصيته بالثلث، ولو كان كذلك لما صحت لكونها وصية للوارث. وأما سبب ثبوته فالعقد وهو الإيجاب القبول، وهو أن يقول الذي أسلم على يد إنسان له أو لغيره: أنت مولاي ترثي إذا مت وتعقل عني إذا جنيت، فيقول قبلت، سواء قال ذلك للذي أسلم على يديه أو لآخر بعد أن ذكر الإِرث والعقل في العقد. - حديث عمرو بن العاص = أخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) كما في ((نصب الراية)) (١٥٧/٤ - ١٥٨) حدثنا بقية بن الوليد حدثني كثير بن مرة النهراني ثنا شيخ من باهلة عن عمرو بن العاص أنه أتى رسول الله وص له فقال: إن رجلاً أسلم على يدي وله مال وقد مات قال: فلك ميراثه. ومن طريق إسحاق رواه الطبراني والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢٣٥/٤) وقال: رواه الطبراني من رواية بقية قال: حدثني كثير بن مرة فإن كان سمع منه فالحديث صحيح اهـ. قلت: أني له الصحة وفيه جهالة الشيخ الذي حدث عن عمرو بن العاص. - مرسل راشد بن سعد أخرجه سعيد بن منصور في ((سننه)) (٩٩/١) رقم (٢٠١، ٢٠٢) من طريق الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد قال: سئل رسول الله وَلهول عن الرجل يسلم على يدي الرجل قال: هو أولى الناس به يرثه ويعقل عنه والأحوص ضعيف. قال الحافظ في ((التقريب)) (٤٩/١) رقم (٣٢٨): ضعيف الحفظ وهذا الحديث ذكره الحافظ ابن حجر في ((المطالب العالية)) (٤٤٣/١) رقم (١٤٨٠) وعزاه لمسدد. والحديث أي حديث تميم الداري بشواهده من حديث أبي أمامة وعمرو بن العاص ومرسل راشد بن سعد لا يشك منصف في صحته . (١) في ط: وولاء المعاقدة. ٥٠٥ کتاب الولاء ولو أسلم على يد رجل ولم يواله ووالى غيره، فهو مولى للذي والاه عند عامة العلماء، وعند عطاء هو مولى للذي أسلم على يده، والصحيح قول العامة لقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَالَّذِي عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] جعل الولاء للعاقد، وكذا لم ينقل أن الصحابة أثبتوا الولاء بنفس الإِسلام، وكل الناس (١)/ كانوا يسلمون على عهد رسول الله وَال والصحابة ٢١٧/٢ب والتابعين، وكان لا يقول أحد لمن أسلم على يد أحد أنه ليس له أن يوالي غير الذي أسلم على يده، فثبت أن نفس الإسلام على يد رجل ليس سبباً لثبوت الولاء له، بل السبب هو العقد، فما لم يوجد لا يثبت الإِرث والعقل. وأما شرائط العقد: فمنها عقل العاقد؛ إذ لا صحة للإيجاب والقبول بدون العقل، وأما البلوغ فهو شرط الانعقاد في جانب الإيجاب، فلا ينعقد الإيجاب من الصبي وإِن كان عاقلاً؛ حتى لو أسلم الصبي العاقل على يد رجل والاه، لم يجز، وإن أذن أبوه الكافر بذلك، لأن هذا عقد وعقود الصبي العاقل إِنما يقف على إِذن وليه، ولا ولاية للأب الكافر على ولده المسلم، فكان إذنه والعدم بمنزلة واحدة؛ ولهذا لا تجوز سائر عقوده بإذنه كالبيع ونحوه؛ كذا عقود الموالاة . وأما من جانب القبول فهو شرط النفاذ، حتى لو والى بالغ صبيًّا، فقبل الصبي، ينعقد موقوفاً على إجازة أبيه أو وصيه، فإِن أجاز جاز؛ لأن هذا نوع عقد، فكان قبول الصبي فيه بمنزلة قبوله في سائر العقود، فيجوز بإذن وليه ووصيه كسائر العقود، وللأب والوصي أن يقبلا عنه كما في البيع ونحوه. وكذلك لو والى رجلٌ عبداً فقبل العبد، وقف على إجازة المولى، فإذا أجاز جاز إِلا أن في العبد إذا أجاز المولى، فالولاء من المولى، وفي الصبي إذا أجاز الأب والوصي فيكون الولاء من الصبي، وَإِنما كان كذلك؛ لأن العبد لا يملك شيئاً، فوقع قبوله لمولاه. أَلاَ تَرى أنه لو اشترى شيئاً كان المشتري لمولاه، فأما الصبي فهو من أهل الملك، ألا ترى أنه لو اشترى شيئاً كان المشتري له، ولو والى رجل مكاتباً جاز، وكان مولى لمولى المكاتب، لأن قبول المكاتب صحيح؛ ألا ترى أنه يملك الشراء، فجاز قبوله إلا أن الولاء يكون للمولى، لأن المكاتب ليس من أهل الولاء. ألا ترى أنه لو كاتب عبداً فأدى وعتق، كان الولاء للمولى، بخلاف الصبي فإنه من أهل الولاء؛ ألا يرى أن الأب لو كاتب عبد ابنه الصغير فأدى فعتق، ثبت(٢) الولاء من الابن. (١) في أ: وكذا. (٢) في أ: فيكون. ٥٠٦ كتاب الولاء وَأَمَّا الإِسلام فليس بشرط لصحة هذا العقد، فيصح، فتجوز موالاة الذمي الذمي، والذمي المسلم، والمسلم الذمي؛ لأن الموالاة بمنزلة الوصية بالمال، ولو أوصى ذمي لذمي، أو لمسلم، أو مسلم لذمي بالمال، جازت الوصية؛ كذا الموالاة، وكذا الذمي إذا والى ذميًّا ثم أسلم الأسفل، جاز لما قلنا. وكذا الذكورة ليست بشرط، فتجوزُ موالاة الرجل امرأة والمرأة رجلاً، وكذا دار الإِسلام حتى لو أسلم حربي فوالى مسلماً في دار الإِسلام، أو في دار الحرب، فهو مولاه، لأن الموالاة عقد من العقود، فلا يختلف بالذكورة والأنوثة وبدار الإِسلام وبدار الحرب، والله - عزَّ وجلّ - أعلم. ومنها: ألا يكون للعاقد وارث، وهو أن لا يكون له من أقاربه من برئه، فإن كان لم يصح العقد، لأن القرابة أقوى(١) من العقد، ولقوله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَأُولُو الأَزْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ [الأنفال: ٧٥] وإن كان له زوج أو زوجة، يصح العقد، وتُعطى نصيبها والباقي للمولى. ومنها: ألا يكون من العرب حتى لو والى عربيٍّ رجلاً من غير قبيلته، لم يكن مولاه، ولكن ينسب إلى عشيرته وهم يعقلون عنه، لأن جواز الموالاة للتناصر، والعرب يتناصرون بالقبائل، وإِنما تجوز موالاة العجم؛ لأنهم ليس لهم قبيلة فيتناصرون بها، فتجوز موالاتهم لأجل التناصر. وأما الذي هو من العرب، فله قبيلة ينصرونه، والنصرة بالقبيلة أقوى، فلا يصير مولى، ولهذا لم يثبت عليه ولاء العتاقة، وكذا ولاء الموالاة؛ ولأنه لما لم يثبت عليه ولاء العتاقة مع أنه أقوى، فولاء الموالاة أولى، وكذا لو والت امرأة من العرب رجلاً من غير قبيلتها لما بينا. ومنها: ألا يكون من موالي العرب؛ لأن مولاهم منهم؛ لقوله - وَّر -: ((إِنَّ مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ)). ومنها: أن لا يكون معتق أحد، فإن كان لا يصح منه عقد الموالاة، لأن ولاء العتاقة أقوى من ولاء الموالاة؛ لأنه لا يلحقه الفسخ، وولاء الموالاة يلحقه الفسخ، فلا يجوز رفع الأقوى بالأضعف. ومنها: أن لا يكون قد عقل عنه [بيت المال؛ لأنه لما عقل عنه بيت المال فقد صار (١) في أ: أولى. ٥٠٧ کتاب الولاء ولاؤه لجماعة المسلمين، فلا يجوز تحويله إلى واحد منهم بعينه](١) فإن كان قد عقل عنه لم تجز موالاته(٢)؛ لأنه سواء كان عاقد غيره فعقل عنه أو عقل عنه بيت المال، حتى لو مات فإِن ميراثه لمن عاقده أولاً فعقل عنه، أو لبيت المال؛ لأنه لما عاقد غيره فعقل عنه فقد تأكد عقده، ولزم وخرج عن احتمال النقض والفسخ؛ لما يذكر؛ فلا يصح/ معاقدته غيره. ١٢١٨/٢ وكذا إذا عقل عن الذي يواليه، وإِن كان عاقد غيره ولم يعقل عنه، جاز عقده مع آخر؛ لأن مجرد العقد بدون العقل غير لازم، فكان إقدامه على الثاني فسخاً للأول. وأما صفة العقد فهو أنه عقد جائز غير لازم، حتى لو والى رجلاً كان له أن يتحول عنه بولائه إلى غيره؛ لأنه عقد لا يملك به شيءٌ، فلم يكن لازماً كالوكالة والشركة؛ لأنه بمنزلة الوصية بالمال، والوصية غير لازمة، فكذا عقد الموالاة إلا إذا عقل عنه؛ لأنه إذا عقل عنه فقد تأكد العقل بقضاء القاضي، وفي التحول به إلى غيره فسخ قضائه، فلا يملك فسخ القضاء، وكذا له أن يفسخه صريحاً قبل أن يعقل عنه؛ لأن كل عقد غير لازم لكلٌ واحد من العاقدين فسخُهُ كسائر العقود التي هي غير لازمة؛ ولأن كل عقد يجوز لأحد العاقدين فسخه يجوزُ للآخر كسائر العقود القابلة للفسخ، وههنا يجوز لأحد العاقدين فسخه وهو القابل، فكذا الآخر إِلاَّ أنه ليس له أن يفسخه إلا بحضرة الآخر أي: بعلمه، لأنه تعلق به حق الآخر، فلا يملك انتقاضه(٣) مقصوراً من غير علمه؛ كعزل الوكيل مقصوراً من غير علمه، إلا أن يوالي الأسفل آخر، فيكون ذلك نقضاً دلالة، وإن لم يحضر صاحبه أن انتقاضاً ضرورة؛ لأنه لا يملك موالاة غيره إِلاَّ بانفساخ الأول، فينفسخ الأول دلالة وضرورة، وقد يثبت الشيء دلالة أو ضرورة؛ وإن كان لا يثبت قصداً؛ كمن وَكَّلَ رَجُلاً ببيع عبده، ثم عزله والوكيل غائب لم يعلم به، لم يصح عزله، ولو باع العبد أو أعتقه انعزل الوكيل، علم أو لم يعلم؛ كذا هذا، والله الموفق. وأما حكم العقد، فالعقل في حال الحياة، والإِرث بعد الموت، وهو أن المولى الأعلى يعقل عنه في حال حياته ويرثه بعد موته، فيرث الأعلى من الأسفل عندنا؛ لما ذكرنا من الدلائل فيما تقدم، ويرث الأسفل من الأعلى أيضاً إذا شرطا ذلك في المعاقدة؛ بخلاف ولاء العتاقة أن هناك يرث الأعلى من الأسفل، ولا يرث الأسفل من الأعلى، لأن سبب الإرث هناك وجد من الأعلى لا من الأسفل وهو العتق، والسبب ههنا العقد، وقد شرط فيه التوارث من الجانبين، فيعتبر ذلك لقوله وَّر: ((المُسْلِمُونَ (٤) عِنْدَ شُرُوطِهِمْ)) وكما يثبت حكم الولاء في الرجال، يثبت في أولادهم الصغار تبعاً لهم حتى لو والى إِنساناً وله أولاد صغار صاروا موالي للذي والاه الأب. (١) بدل ما بين المعكوفين في أ: غير الذي يواليه. (٢) في ط: يجزأ بدأ. (٤) في أ: المؤمنون. (٣) في ط: إسقاطه. ٥٠٨ کتاب الولاء وكذا إذا والى إنساناً ثم ولد له أولاد، دخلوا في ولاء الأب بطريق التبعية، ولأن للأب ولاية على ولده الصغير، فينفذ عقده عليه ولا يصير أولاده الكبار موالي بموالاة الأب، لانقطاع التبعية والولاية بالبلوغ، حتى لو والى الأب إنساناً وله ابن كبير، فوالى رجلاً آخر فولاؤه له لا المولى أبيه (١)، ولو كبر بعض أولاده الصغار فأراد التحول عنه إلى غيره، فإن كان المولى قد عقل عنه أو عن أبيه أو عن أحد [من] (٢) إخوته، لم يكن له أن يتحول، وإِن لم يكن عقل عن أحد منهم، کان له ذلك. أما جواز التحول عند عدم العقل، فلأنه لو كان كبيراً وقت عقد الأب لجاز له التحول، وكذا إذا كبر في العقد، لأن المانع من السراية في الحالين واحد، وهو عدم التبعية والولاية. وأما عدم الجواز عند العقل فلما ذكرنا من اتصال قضاء القاضي به، وفي التحول فسخه، وهذا لا يجوز، فيلزم ضرورة، ولو عاقدت امرأة عقد الولاء ولها أولاد صغارٌ، لا يصيرون موالي للذي والته أمهم، ولا تشبه الأم في هذا الباب الأب؛ لأنه ليس للمرأة ولاية أولادها الصغار. ألا ترى أنها لا تشتري لهم ولا تبيع عليهم، وللأب أن يفعل ذلك، وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) الخلاف في المسألة، فقال: يثبت حكم ولائها في أولادها الصغار في قول أبي حنيفة، وعندهما لا يثبت. ولو والى رجلٌ رجلاً، ثم ولد من امرأة قد والت رجلاً، فولاء الولد لمولى الأب؛ لأنه اجتمع ولا آن ولاء الأب وولاء الأم، فترجح جانب الأب؛ لأن للأب ولاية عليهم، ولا ولاية للأم. ألا ترى أن للأب أن يعقد على ولده عقد البيع والنكاح، وليس للأم ذلك؛ فكذا عقد الولاء، وكذا لو والت وهي حبلى ولا يشبه هذا ولاء العتاقة؛ لأن في ولاء العتاقة إذا أعتقها وهي حبلى يثبت الولاء بالعتق، والعتق يثبت في الولد كما يثبت في الأم، فكان للولد ولاء ٢١٨/٢ب نفسه لكونه أصلاً في العتق، فأما ولاء الموالاة فبالعقد، وعقدها لا يجوز على ما في بطنها/ فلم يصر الولد أصلاً في الولاء، فكان تبعاً للأب في الولاء كما في المسألة الأولى. وكذلك لو كان لهما أولاد صغار فوالت الأُم إنساناً ثم والى الأب آخر، فولاء الأولاد لموالي الأب لما قلنا. (١) في أ: ابنه . (٢) سقط من ط . ٥٠٩ كتاب الولاء ذمية أسلمت فوالت رجلاً ولها ولدٌ صغير من ذمي، لم يكن ولاء ولدها لمولاها في قول أبي يوسف ومحمد، وفي قياس قول أبي حنيفة يكون ولاء ولدها لمولاها بمنزلة العتاقة. وجه قولهما إن الأم لا ولاية لها على الولد بدليل أنه لا يجوز لها أن تعقد على ولدها عقد النبي والنكاح؛ فكذلك عقد الولاء. ولأبي حنيفة أن الذمي لا ولاية له على ولده المسلم، فتعذر إثبات الولاء من الأب، والولاء إذا تعذر إثباته من جهة الأب يثبت من جهة الأم؛ كما إذا كان الأب عبداً وكما في ولاء العتاقة إذا كان الأب عبداً. ولو قدم حربي إلينا بأمان فأسلم ووالى رجلاً ثم سبى ابنه فأعتق، لم يجز ولاء الأب، وإن سبى أبوه فأعتق، جرَّ ولاء ابنه إلى مولاه؛ لأن الابن يتبع الأب في الولاء لما ذكرنا، فأما الأَب فلا يتبع الابن؛ لأنه لا ينسب إليه وإِنما ينسب الابن إلى أبيه، فإن كان ابن الابن أسلم ووالى رجلاً لم يجر الجد ولاءه، وذكر في الأصل وقال: لأن الجد لا يجر الولاء إلاَّ أن يجر ولاء ابنه فيجر بجره ولاء ابنه ولاءه، وقال الحاكم الشهيد - رحمه الله - وجه هذه المسألة أن يكون الأسفل موالياً والأوسط حربيًّا والجد معتقاً، فلا يجر ولاء الأسفل إِلا أن يسلم الأوسط ويوالي، فيجر الجد ولاءه وولاء الأسفل بجر ولائه. ولو أسلم حربي أو ذمي على يد رجل ووالاه ثم أسلم ابنه الكبير على يدي رجلٍ آخر ووالاه، كان كل واحد منهما مولى للذي والاه، ولا يجر بعضهم إلى بعض، وليس هذا كالعتاق أنه إذا أعتق أبوه جر ولاء الولد إلى نفسه، لأن ههنا ولاء كل واحد منهما ثبت بالعقد، وعقد كل واحد منهما يجوز على نفسه ولا يجوز على غيره، وهناك ولاء الولد ثبت بالعقد وولاء الأب ثبت بالعتق، وولاء العتق أقوى من ولاء الموالاة، فيستتبع الأقوى الأضعف، وههنا بخلافه لأن ولاء كل واحدٍ منهما ليس أقوى من ولاء صاحبه لثبوت كل واحد منهما بالعقد، فهو الفرق. فصل في صفة الحكم وأما صفة الحكم: فهو أن الولاء الثابت بهذا العقد لا يحتمل التمليك بالبيع والهبة والصدقة والوصية، لأنه ليس بمال، فلا يكون محلاً للبيع كالنسب، وولاء العتاقة؛ ولقوله - وََّ -: ((الوَلاَءُ لا يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ)» حتى لو باع رَجُلٌ ولاء موالاة أو عتاقة بعبد وقبضه ثم أعتقه، كان إِعتاقه باطلاً، لأنه قبضه بغير بدل؛ إذ الولاء ليس بمال فلم يملكه فلم يصح إعتقاقه، كما لو اشترى عبداً بميتة أو دم أو بحر وقبضه ثم أعتقه. ولو باع المولى الأسفل ولاءه من آخر أو وهبه لا يكون بيعاً أيضاً ولا هبة لما قلنا، لكنه ٥١٠ کتاب الولاء يكون نقضاً لولاء الأول وموالاة لهذا الثاني؛ لأن الولاء لا يعتاض منه فبطل العوض وبقي قوله: الوَلاَءُ لك، فيكون موالاة بينه وبين الثاني كما لو سلَّم الشفعة بمال صح التسليم لكن لا يجب المال. فصل في بيان ما يظهر به وأما بيان ما يظهر به، فإنه يظهر بما ظهر به ولاء العتاقة؛ وهو الشهادة المفسرة أو الإقرار، سواء كان الإقرار في الصحة أو المرض، لأنه غير متهم في إقراره إذا لم يكن له وارث معلوم فيصح إقراره؛ كما تصح وصيته بجميع ما له إذا لم يكن له وارث معلوم. ولو مات رجلٌ فأخذ رجل ماله وادعى أنه وارثه وليس للقاضي أن يمنع (١) منه إذا لم يخاصمه أحد؛ لأن القاضي لا يدري البيت المال أو لغيره وهو يدعي أنه له ولا مانع عنه، فلا يتعرض له، فإن خاصمه أحد سأله القاضي البينة لأنه لا يد له، وكان مدعياً فعليه البينة [والله أعلم. تم كتاب الولاء](٢). (١) في أ: يمتنع. (٢) سقط من ط . كِتَابُ الإِجَارَةِ(١) الكلام في هذا الكتاب يقَعُ في سبع مواضع: في بيان جواز الإجارة، وفي بيان ركن الإِجارة ومعناها، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان صفة الإجارة، وفي بيان حكم الإِجارة، وفي بيان حكم اختلاف العاقدين في عقد الإِجارة، وفي بيان ما ينتهي به عقد الإجارة. أما الأول: فالإِجارة جائزةٌ عند عامة العلماء. وقال أبو بكر الأصم: إِنها لا تجوز، والقياس ما قاله؛ لأن الإجارة بيعُ المنفعة، (١) ثَبَتَ أن الإجارة مثلثة الهمزة، وأن لغة الكسر أفصح من لغتي الضم والفتح، وهي مصدر سماعي بوزن فِعَالَة من أجر الدار، والعبد بالقصر من بابي نصر وضرب، فيقال: أجر بأجر كنصر ينصر، وأجر يأجر كضرب يضرب هذه لغة بني كعب، ومصدرهما القياسي الأجر، والإجارة أيضاً اسم للأجرة، وهي الكراء، مأخوذة من الأجرة، وهو ما يستحق على عمل الخير، ولهذا يدعي به، فيقال: أجرك الله أجراً أي أثابك، وقد يطلق الأجر على الأجرة، ويقال: أيضاً آجرت زيداً الدار إيجاراً، فأنا مؤجر، أي أكريته إياهاً وآجرت زيداً مؤاجرة، فأنا مؤاجر، أي: عاقدته على الإجارة، ويقال استؤجرت الدار أي: أكريتها، والعَبْدَ أي: اتخذته أجيراً. فأما الإجارة من السوء ونحوه، فهي مأخوذة من أجار إجارة كايماء وإعاؤة وزناً ومعنى، فهمزتها زائدة، بخلاف الإجارة بالمعنى السابق فإن همزتها فاء الكلمة . انظر الصحاح: ٥٧٢/٢، المصباح المنير: ١١/١، المغرب: ٢٠، المطلع: ص ٢٦٣. واصطلاحاً : عرفها الحنفيةُ: بأنها عقد على المنافع بعَوضٍ. وَعرَّفها الشافعية: بأنها تمليكُ منفعة بعوض، بشروط معلومة. وعرفها المالكية: بأنها تمليك منفعة غير معلومة، زمناً معلوماً، بعوض معلوم. وعرفها الحنابلة: بأنها عقد على منفعة مُباحة معلومة، تؤخذ شيئاً فشيئاً، مدة معلومة من عين معلومة، أو موصوفة في الذمة، أو عمل معلوم، بعوض معلوم. انظر: فتح القدير: ٥٨/٥، المبسوط السرخسي: ٧٤/١٥، مجمع الأنهر: ٣٦٨/٢، مغني المحتاج: ٣٣٢/٢، الإقناع: ٧٠/٢، مواهب الجليل: ٣٨٩/٥، شرح الخرشي: ٢/٧، أسهل المدارج: ٢/ ٣٢١، كشاف القناع: ٥٤٦/٣، الإنصاف: ٣/٦. ٥١١ ٥١٢ كتاب الإجارة والمنافع للحال معدومة والمعدوم لا يحتمل البيع، فلا يجوز إضافة البيع إلى ما يؤخذ في المستقبل كإضافة البيع إلى أعيان تؤخذ في المستقبل فإذن لا سبيل إلى تجويزها لا باعتبار الحال ولا باعتبار المال، فلا جواز لها رأساً، لكنا استحسناً الجواز بالكتاب العزيز والسنة والإِجماع. ١٢١٩/٢ أما/ الكتاب العزيز: فقولُه - عزَّ وجلَّ - خبراً عن أب المرأتين اللتين سقى لهما موسى - عليه الصلاة والسلام -: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَنْكِحَكَ إِحْدَى أبنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حُجَج﴾ [القصص: ٢٧] أي: على أن تكون أجيراً لي، أو على أن تجعل عوضي من إنكاحي ابنتي إياك رَغي غنمي ثماني حجج، يقال: أجره الله - تعالى - بأجره، أي: عوضه وأثابه. وقوله - عزَّ وجلَّ - خبراً عن تينك المرأتين: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يا أبَتِ اسْتَأْجِرُهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمَينُ﴾ [القصص: ٢٦] وما قص الله علينا من شرائع من قبلنا من غير نسخ يصيرُ شريعةً لنا مبتدأة، ويلزمنا على أنه شريعتنا لا على أنه شريعة من قبلنا؛ لما عرف في أصول الفقه. وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿فَإِذَا قُضَيتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠] والإِجارةُ ابتغاء الفضل، وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُواَ فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقد قيل نزلت الآية في حج المكاري فإنه روي أن رجلاً جاء إلى ابن عمر - رضي الله عنهما - فقال: إنا قوم نكري ونزعم أن ليس لنا حج، فقال: ألستم تحرمون وتقفون وترمون، فقال: نعم، فقال - رضي الله عنه - أنتم حجاج، ثم قال سأل رجلٌ رسولَ الله وَ له عَمَّا سألتني فلم يجبه حتى أنزل الله - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فقال رسولُ الله - وَ -: أَنْتُمْ حُجَّاجٌ(١) وقوله - عَزَّ وجلَّ - في استئجار الظئر: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ نفى - سبحانه وتعالى - الجناحَ عمَّن يسترضع ولده، والمراد منه الاسترضاع بالأجرة؛ دليله قوله - تعالى -: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُم (١) أخرجه أبو داود (٣٥٠/٢ - ٣٥١) كتاب المناسك باب الكري حديث (١٧٣٣) والحاكم (٤٤٩/١) والدار قطني (٢٩٢/٢، ٢٩٣) والطيالسي (١٩٠٩) وأحمد (١٥٥/٢) والطبري (١٦٩/٤) رقم (٣٧٨٩) والبيهقي (٣٣٣/٤). وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٥١٣ كتاب الإجارة بالمَعْروفِ﴾ [البقرة: ٣٣٢]، قيل: أي: الأجر الذي قبلتم؛ وقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وهذا نصَّ وهو في المطلقات. وأما السنة: فما روى محمد في الأصل عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - رضي الله عنهما - عن رسولِ اللهِ وَّ أنه قال: ((لَاَ يسَتامُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْم أَخِيهِ وَلاَ يَنْكِحَ عَلَىْ خِطْبَتِهِ، وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبِيعُوا بِلِقَاءِ الحَجَرِ، وَمَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرَاً فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ))(١) وهذا منه نَّ تعليم شرط جواز الإجارة، وهو إعلام الأجرة، فيدل على الجواز. وروي عن النبي وَ﴿ أنه قال: (أَعْطُوا الأَخِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ))(٢) أمر وَهُ (١) هذا حديث مركب من عدة أحاديث فأما قوله لا يستام الرجل على سوم أخيه ولا تناجشوا فسيأتي في البيوع. وأما قوله: لا ينكح على خطبيه فتعدم في النكاح وأما قوله من استأجر أجيراً فليعلمه أجره فسيأتي أيضاً في البيوع. (٢) أخرجه أبو يعلى (٣٤/١٢ - ٣٥) رقم (٦٦٨٢) وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٤٢/٧) والبيهقي (١٢١/٦) كتاب الإجارة: باب إثم من منع الأجير أجره، كلهم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً . والحديث ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٤/ ١٠٠ - ١٠١) وقال: رواه أبو يعلى وفيه عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني وهو ضعيف ! هـ قلت: قد توبع عند أبي نعيم في الحلية. وللحديث عن أبي هريرة طريق آخر أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١٤٢/٤) والبيهقي (١٢١/٦) كتاب الإجارة: باب إثم من منع الأجير أجره وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (٢٢١/١) من طريق محمد بن عمار المؤذن عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً. وللحديث شواهد من حديث ابن عمر وجابر وأنس وعطاء بن يسار مرسلاً. حديث ابن عمر أخرجه ابن ماجه (٨١٧/٢) كتاب الرهون: باب أجر الأجراء حديث (٢٤٤٣) والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٤٣٣/١) رقم (٧٤٤) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله بالر: ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)). قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٢٩/٤): وهو معلول بعبد الرحمن بن زيد. ۔ حدیث جابر أخرجه الطبراني في ((الصغير)) (١/ ٢٠ - ٢١) وعنه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٣/٥) حدثنا أحمد بن محمد بن الصلت البغدادي بمصر حدثنا محمد بن زياد بن ريان الكلبي حدثنا شرقي بن القطامي عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله وَ له: ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)). وقال الطبراني: لم يروه عن أبي الزبير: إلا شرقي تفرد به محمد بن زياد والحديث ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٤/ ١٠١) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه شرقي بن قطامي وهو ضعيف. = بدائع الصنائع ج٥ - م٣٣ ٥١٤ كتاب الإجارة بالمبادرة إلى إعطاء أجر الأجير قبل فراغه من العمل من غير فصلٍ، فيدل على جواز الإجارة. وعن رسول الله وَله أنه قال: ((ثَلاثَةُ أَنَا خَضْمُهُمْ يوم القِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَضْمُهُ خَصَمْتُهُ، رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ باعَ حُرَّا فَأَكَلَ ثَمَتَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ))(١) . وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: استؤجر رسولُ - وَّ - وأبو بكر - رضي الله عنه - رجلاً من بني الدئل هادياً خرِّيتاً وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثورٍ بعد ثلاثٍ، فأتاهما فارتحلا، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الدئلي، فأخذ [بهم] (٢) طريق الساحل(٣)، وأدنى ما يستدل بفعل النبي ◌َّر الجواز. وروي أن رسولَ الله وََّ مَرَّ على رافع بن خديج وهو في حائطه فأعجبه، فقال: ((لِمَنْ هَذَا الحَائِطُ؟» فقال: لي يا رسولَ الله، اسْتَأْجَرْتُهُ، فقال رسولُ اللهِ وَّرِ: ((لاَ تَسْتَأْجِزْهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ)(٤). خَصَّ وَّر النهي باستئجاره ببعض الخارج منه، ولو لم تكن الإجارة جائزة أصلاً لعم النهي، إذ النهي عن المنكر واجب، وكذا بعث رسول الله وَّلجر والناس يؤاجرون ويستأجرون فلم ينكر عليهم، فكان ذلك تقريراً منه، والتقريرُ أحدُ وجوه السنة. ۔ حديث أنس. = أخرجه الترمذي الحكيم في ((نوادر الأصول)» كما في ((نصب الراية)) (١٣٠/٤) حدثنا موسى بن عبد الله بن سعيد الأزدي ثنا محمد بن زياد بن ريان الكلبي عن بشر بن الحسين الهلالي عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك مرفوعاً. قال الحافظ ابن حجر في ((الدراية» (١٨٦/٢): وإسناده ضعيف جداً. - مرسل عطاء بن يسار. أخرجه ابن زنجويه في ((كتاب الأموال)) من طريق عثمان بن عثمان العطفاني عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن النبي وَ ر قال: أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقة ينظر نصب الراية (٤/ ١٣٠). (١) تقدم تخريجه. (٢) سقط من ط . (٣) أخرجه البخاري (٧/ ٢٣٠ - ٢٣٢) كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ◌َّ وأصحابه إلى المدينة . حديث (٣٩٠٥) والبيهقي (١١٨/٦) كتاب الإجارة، باب جواز الإجارة، ولفظه من رواية الزهري عن عروة عن عائشة - رضي الله عنهما - قالت: ((واستأجر النبي ◌َّلّ وأبو بكر رجلاً من بني الديل ثم من بني عبد بن عدي هادياً خريتاً، وهو الماهر بالهداية، قد نخس يمين حلف في آل العاصي بن وائل، وهو على دين كفار قريش فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحليتهما صبيحة ليلٍ ثلاث فارتحلا، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم أسفل مكة وهو طريق الساحل)). (٤) ذكره الهندي في ((كنز العمال)) (٥٣٧/١٥) رقم (٤٢٠٧٧) وعزاه إلى عبد الرزاق. ٥١٥ كتاب الإجارة وأما الإجماع: فإن الأُمَّةُ أجمعت على ذلك قبل وجود الأصم؛ حيث يعقدون عقد الإجارة من زمن الصحابة - رضي الله عنهم - إلى يومنا هذا من غير نكيرٍ، فلا يعبأ بخلافه، إذ هو خلاف الإجماع(١). (١) وبعد هذا فلا يمسنا ما نقل عن أبي بكر عبد الرحمن بن الأصم، أنه ينكر مشروعيتها ذهاباً منه إلى أن الإجارة بيع المنافع، والمنافع للحال معدومة، وبيع المعدوم لا يجوز. وبقليل من التأمل يظهر للباحث أنه مستند ضعيف خصوصاً إذا كان مصارماً للنصوص الصحيحة، فحاصل دليله أن الإجارة نوع من البيع، وبيع المعدوم باطل. فإن أراد بقوله: إن الإجارة نوع من البيع، البيع الخاص الذي يكون العقد فيه وارد على الأعيان، فهذا ممنوع، لأن مورد عقد الإجارة المنافع لا الأعيان وإن أراد من البيع البيع العام الذي هو معارضة، إما على ذات وإما على منفعة، منعناً له أن بيع المعدوم باطل بإطلاق. وبيانه: أن بيع المعدوم ينقسم إلى قسمين، قسم وارد على الأعيان، وقسم وارد على المنافع وهو سلم البطلان في الأول دون الثاني، لأن الشارع جوز المعاوضة العامة على المعدوم إذا كان مضموناً موصوفاً في الذمة مقدور التسليم كالحال في السلم ومنع بيع المعدوم إذا لم يكن كذلك. وقياس بيع المنافع على بيع الأعيان التي لم يقدر على تسليمها، ولم تكن معلومة، ولا موصوفة في الذمة فاسد، لأن المنافع لا يمكن العقد عليها حال وجودها، فكيف يشترط في صحة العقد عليها أن تكون موجودة كالأعيان، وقد فرق الحسن والشرع بينهما . فالنبي لو أمر أن يؤخر العقد على الأعيان التي لم تخلق إلى أن تخلق، لما نهى عن بيع السنين، وهو بيع الثمرة أعواماً متعددة، وحبل الحيلة، وهو أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل التي نتجت، والثمر قبل أن يبدو صلاحه، والحب حتى يشتد، ونهى عن بيع الملاقيح، وهي ما في أرحام الأمهات من الأجنة قبل أن تولد، والمضامين، وهي ما في أصلاب الفحول من الماء لإمكان وجود هذه الأشياء بعد إذا أخر العقد عليها، وهذا غير ممكن في المنافع إذ لا يستطاع أن تباع إلا في حال عدامها، ويمكن أن نستخلص مما تقدم أمرين : أولهما: أن ما يمكن العقد عليه حال وجوده وعدمه، ولا يجوز العقد عليه حتى يوجد، نعم جَوَّز الشارع في هذه الحالة بيع ما لم يوجد تبعاً لما وجد إذا دعت الحاجة إلى ذلك كثمر البستان، إذا بدا صلاح بعضه. وثانيهما: أن ما لا يمكن العقد عليه إلا في حال عدمه كالمنافع، فهذا النوع قد جوَّز الشارع العقد عليه، ولم يمنع منه. فإن قال المانع: إن هذا عين النزاع، يقال له: إن العلة التي استندت إليها في إلحاق المنافع بالأعيان المعدومة هي مجرد العدم، وهذه لا تصح للإلحاق. لأن العلة في منع بيع المعدوم ليست مجرد كونه معدوماً، بل هي كونه معدوماً، يمكن تأخير العقد عليه، حتى يوجد، وعلى هذا تكون العلة ذاته عدم خاص، وهي بهذا القيد غير متحققة في المنافع، فلا تصلح للإلحاق . ينظر: الإجازة لشيخنا منصور الشيخ. ٥١٦ كتاب الإجارة وبه تبين أن القياس متروك؛ لأن الله - تعالى - إنما شرع العقود لحوائج العباد، وحاجتهم إلى الإجارة ماسة، لأن كل واحد لا يكون له دار مملوكة يسكنها، أو أرض مملوكة بزرعها، أو دابة مملوكة يركبها، وقد لا يمكنه تملكها بالشراء لعدم الثمن ولا بالهبة والإعارة؛ لأن نفس كل واحد لا تسمح بذلك، فيحتاج إِلى الإِجارة فجوزت؛ بخلاف القياس لحاجة الناس كالسَّلم ونحوه. تحقيقه إن الشرع شَرَعَ لكل حاجة عقداً يختص بها، فشرع لتمليك العين بعوض عقداً وهو البيع، وشرع لتمليكها بغير عوض عقداً وهو الهبة، وشرع لتمليك المنفعة بغير عوض عقداً وهو الإعارة، فلو لم يشرع الإجارة مع امتساس الحاجة إليها، لم يجد العبد لدفع هذه الحاجة سبيلاً، وهذا خلاف موضوع الشرع(١). فصل في ركن الإجارة ومعناها وأما ركن الإجارة ومعناها؛/ أما ركنها: فالإيجاب والقبول، وذلك بلفظٍ دالٌ عليها، وهو لفظ: الإجارة، والاستئجار، والاكتراء، والإكراء، فإذا وجد ذلك فقد تم الركن، والكلام في صيغة الإيجاب والقبول(٢) وصفتهما في الإجارة كالكلام فيهما في البيع، وقد ذكرنا ذلك في ((كتاب البيوع)). ٢١٩/٢ب (١) يَدَّعِي بعض الفقهاء أن الإجارة شرعت على خلاف القياس، لأنه يأبى جوازها لما أنها بيع معدوم. وإذا قد ظهر مما تقدم بطلان شبهة منكر مشروعية الإجارة، يتضح أنها مشروعة على وفق القياس، وهو ما يقوله جمهور الفقهاء، لأنها ليست داخلة تحت بيع المعدوم الممنوع، كما تقرر آنفاً، حتى يقال: إنها على خلاف القياس، بل شرعها الله - تعالى - على وفقه لحاجة الناس إليها، فقد لا يكون للإنسان دار مملوكة يسكنها، ولا أرض مملوكة يزرعها، ولا عبد مملوك يخدمه، وقد لا يمكنه تملك ذلك بالشراء لعدم الثمن، لا الحصول عليه بالهبة، أو الإعارة لشح في النفوس، وأثرة في الطباع، فلو لم تشرع الإجارة مع مسيس الحاجة إليها لم يجد العبد لدفع حاجته سبيلاً. يقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. ويقول النَّبِيُّ وَّهِ: ((بُعِثْتُ بِالحَنِيْفِيَّةِ السَّمِحَةِ)) رواه الخطيب البغدادي عن جابر. قال العزيزي: هو حديث حسن لغيره. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. (٢) الصيغة: عبارة عن مجموع الأمرين اللذين هما الإيجاب والقبول. والإيجاب مأخوذ من الوجوب وهو الثبوت واللزوم، قيل: ومنه في كتاب الله سبحانه وتعالى، ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها﴾ الآية أي: إذا نبتت جنوب الذبائح في الأرض ولزمتها بعد الزكاة فقد حل أكلها، وقيل معناه سقطت مع هدة، وأما القبول فله معان منها التصديق والموافقة، وفي كتاب الله ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ أي: يوافق على أعمالهم بالرضا عنها ويصدقها بالجزاء عليها ويطلق الإيجاب عند = ٥١٧ كتاب الإجارة وأما معنى الإِجارة، فالإجارةٌ بيع المنفعة لغةً، ولهذا سماها أهل المدينة بيعاً وأرادوا به بِيعَ المنفعة، ولهذا سُمي البدل في هذا العقد أجرةً، وسمى الله بدل الرضاع أجراً بقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] الأجرة بدل المنفعة لغةً، ولهذا سمي المهر في باب النكاح أجراً بقوله، - عزَّ وجلَّ -: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥] أي: مهورهن؛ لأن المهر بدل منفعة البضع، وسواء أضيف إلى الدور والمنازل والبيوت والحوانيت والحمامات والفساطيط وعبيد الخدمة والدواب والثياب والحلي والأواني والظروف ونحو ذلك، أو إلى الصناع من القصار والخياط الصباغ والصائغ والنجار والبناء ونحوهم، والأجير قد يكون خاصًّا، وهو الذي يعمل لواحد، وهو المسمى بأجير الوحد، وقد يكون مشتركاً، وهو الذي يعمل لعامة الناس وهو المسمى بالأجير المشترك. وذكر بعض المشايخ أن الإجارة نوعان: إجارة على المنافع، وإجارة على الأعمال، وفسر النوعين بما ذكرنا وجعل المعقود عليه في أحد النوعين المنفعة وفي الآخر العمل، وهي في الحقيقة نوع واحد؛ لأنها بيع المنفعة، فكان المعقود عليه المنفعة في النوعين جميعاً، إِلاَّ أنَّ المنفعة تختلف باختلاف محل المنفعة، فيختلف استيفاؤها باستيفاء منافع المنازل بالسكنى، والأراضي بالزراعة، والثياب والحلل وعبيد الخدمة بالخدمة، والدواب بالركوب، والحمل الحنفية على ما يصدر أولاً من أحد العاقدين، والقبول على ما يصدر ثانياً من العاقد الآخر إلا على رضاة = التعاقد، وموافقته الإيجاب الموجب سواء أصدر من جانب المؤجر، أم من جانب المستأجر، فما يصدر أولاً يسمى إيجاباً، وإن كان من جانب المستأجر وما يصدر ثانياً يسمى قبولاً، وإن كان من جانب الموجز. فالعمدة في التفريق بين الإيجاب والقبول حينئذ، هي أولية الصدور وثانويته فقط دون التفات إلى الجهة التي صدر عنها. وأما من عدا الحنفية، فيعتبرون الإيجاب ما يصدر من جانب المؤجر إن تأخر القبول، ما يصدر من جانب المستأجر وإن تقدم، فالعبرة عند هذا القرين بجهة الصدور لا الأولية والثانوية . وليس بين الفريقين خلاف حقيقي؛ لأن المؤجر يلتزم تمليك المنفعة، والمستأجر يلتزم تمليك الأجرة اتفاقاً، ولأن مآل العقد الانعقاد واللزوم شرعاً عند الجميع. ويلاحظ أن واضعي القوانين الوضعية يوافقون الحنفية في اصطلاحهم، فيسمون ما يصدر أولاً إيجاباً، وما يصدر ثانياً قبولاً، فمرجع الاختلاف إنما هو التسمية. وقد ناط الشارع انعقاد الإجارة، وغيرها من العقود بالصيغة، لأنها هي التي تترجم عن الرضا القلبي، وتبرزه لنا في صورة عملية واضحة، فإن الرضا القلبي أمر باطني، لا إطلاع لنا عليه، فلا يعرفه إلا صاحبه حتى يبرز في هيئة واضحة بما يدل عليه، وكان من الحكمة أن تناط الأحكام بهذا المظهر المنضبط إذ هو الأمر الذي يستطيع الناس إدراكه والإحاطة به. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. ٥١٨ كتاب الإجارة والأواني والظروف بالاستعمال، والصناع بالعمل من الخياطة والقصارة ونحوهما، وقد يقام فيه تسليم النفس مقام الاستيفاء؛ كما في أجير الوحد، حتى لو سلم نفسه في المدة ولم يعمل يستحق الأجر(١). وإذا عرف أن الإجارة بيع المنفعة فنخرج عليه بعض المسائل فنقول: لا تجوز إجارة الشجر والكلام للثمر؛ لأن الثمر عين والإجارة بيع المنفعة لا بيع العين، ولا تجوز إجارة الشاة للبنها أو سمنها أو صوفها أو ولدها(٢)، لأن هذه أعيان فلا تستحق بعقد الإجارة، وكذا إجارة (١) يرى جمهور الفقهاء، ومنهم المالكية والحنفية، والحنابلة، وأكثر أصحاب الشافعي - رضي الله عنه -، أن مورد عقد الإجارة إنما هو المنفعة، ويرى فريق آخر أن موردها هو العين. وحجة هؤلاء أن فعل الإجارة إنما يقع على العين، فيقال: آجرتك داري، وأن العين هي الموجودة حين العقد، والعقد لا يضاف إلا إلى موجود. وحجة الجمهور أن المستوفي بالإجارة إنما هو المنفعة دون العين، وأن الأجرة إنما هي في مقابلة المنفعة، وما كانت الأجرة في مقابلة يكون مورداً للعقد. وأجابوا عما احتج به الآخرون بأنه إنما أضيف العقد إلى العين، لأنها محل المنفعة، لا لأنها مورد عقد الإجارة هذا. والخلاف في هذه المسألة لا ثمرة له، لأن الفقهاء جميعاً يقررون أن عقد الإجارة لا ينقل ملك العين المؤجرة، بل مقتضاه تمليك منفعتها للمستأجر مدة تعود بعدها إلى ملك رَبِّهَا . ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. (٢) ادعى ابن حزم من الظاهرية أن المالكية يجوزون استئجار الشياة لأخذ لبنها، ومن راجع كتب المالكية وجدهم لا يجوزون ذلك، إلا بشروط خاصة. ومنهم من يسميه إجارة على سبيل المجاز، فتكون مستثناة من هذا الشرط الذي نحن بصدده، ومنهم من يسميه بيعاً، وهذا هو الراجح الموافق للحقيقة، فإن الشاة لا منفعة فيها أصلاً، وإنما تؤخذ لاستيفاء لبنها وهو عين فلا يصدق عليها حد الإجارة على سبيل الحقيقة، بخلاف الظئر، فإن فيها سوى اللبن منفعة كالقام الثدي، ورضع الطفل في الحجر وغير ذلك، فيكون العقد عليها إجارة حقيقية، كما سيأتي الكلام عليها في موضعه، إن شاء الله تعالى وخلاصة ذلك أن شراء لبن الشاة في ضرعها يجوز بشروط عشرة إن اشترى جزافاً، وبشروط خمسة إن اشترى على الكيل. أما الشراء جزافاً فمثاله أن يقول مريد اللبن، الذي أغنام كثيرة: اشتري منك لبن شاة من هذه الشياة آخذه كل يوم مدة شهر بكذا وشروطه عشرة كما ذكرنا: ١ - أن يكون ما اشترى لبنه قليلاً كشاة أو اثنتين. ٢ - أن يكون غير معين. ٣ - أن يكون من جملة شياة كثيرة، لأن الغالب أن المتعدد لا يموت كله في وقت واحد، فإذا مات بعضه بقي بعضه الآخر الذي يمكن الاستيفاء منه. وهذه الشروط الثلاثة هي التي صور بها الأجهوري المسألة تبعاً لجده، وقد خطأه في ذلك الرماصي، وقال: إن الصواب كما في المدونة، أن الجواز المشروط، لشروط هو جواز شراء لبن الغنم الكثيرة = ٥١٩ كتاب الإجارة الشاة لترضع (١) جدياً أو صبيًّا لما قلنا، ولا تجوز إجارة ماء في نهر أو بئر أو قناة أو عين؛ لأن الماء عين، فإن استأجر القناة والعين والبئر مع الماء لم يجز أيضاً؛ لأن المقصود منه الماء وهو عين، ولا يجوز استئجار الآجام التي فيها الماء للسمك وغيره من القصب والصيد؛ لأن كل كالعشر كأن يقول: لشخص اشتري منك لبن هذه الشياة العشر أخذه كل يوم مدة شهر بكذا فيجوز ببقية = الشروط الآتي ذكرها. ٤ - أن تكون الشياة متساوية اللبن عادة. ٥ - أن يعرف قدر حلاب الجميع. ٦ - أن تكون كلها مملوكة للبائع. ٧ - أن يكون الشراء في زمن الحلاب، وهو الزمن الذي يكثر فيه اللبن عادة كزمن البرسيم. ٨ - أن يكون الشراء مقدراً بمدة لا ينقص اللبن قبل انتهائها . ٩ - أن يشرع المشتري في الأخذ يوم العقد أو بعده بأيام يسيرة. ١٠ - أن يعجل المشتري الثمن، لأن ذلك من باب السلم. وأما الشراء على الكيل، فمثاله أن يقول إنسان لآخر: اشتري منك كل يوم رطلين من لبن شياهك مدة شهر بكذا، أو اشتري منك مائة رطل من اللبن آخذ منها كل يوم خمسة أرطال بكذا. وشروط خمسة كما ذكرنا آنفاً، وهي الخمسة الأخيرة من الشروط العشرة المتقدمة. ويستدل على صحة شراء اللبن في الضرع بشروط المذكورة بعموم أدلة حل البيع، ولم يثبت فيه نهي حتى یمنع. وأما ما رواه أحمد، وابن ماجه عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد قال: نهى النبي 9َّ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعن بيع ما في ضررعها إلا بكيل ... الحديث. فهو حديث ضعيف كما قال الحافظ: وعلى فرض ثبوته، فهو يدل على جواز شراء اللبن في الضرع بالكيل، وهو المسألة الثانية من المسألتين اللتين جوزهما المالكية. وإنما اشترطوا الشروط الخمسة، وإن لم تذكر في الحديث، لأن اشتراط الكيل فيه يرشد إلى أن المقصود دفع الغرر عن المشتري، وهو لا يندفع غالباً إلا إذا وجدت هذه الشروط ويعلم من ذلك جواز الشراء في المسألة الأولى - وهي الجزاف قياساً على الكيل، فإنه متى اشترط في الجزاف الشروط العشرة والثمانية قل الغرر جداً وصار الشراء جزافاً كالشراء كيلاً . وصفوة القول: إن الحديث على فرض ثبوته لا يخالف ما ذهب إليه المالكية، فإنه يدل بالنص على جواز الشراء كيلا، وبالقياس على جواز الشراء جزافاً بشروطه السابقة . وبما تقدم يعلم أنه لا وجه لتشنيع ابن حزم على المالكية، فإن تشنيعه مبني على إساءة فهم لمذهبهم، حيث ظنهم يدخلون ذلك في باب الإجارة الحقيقية. والواقع أن من قال منهم: إن ذلك من قبيل الإجارة، إنما قاله على سبيل التجوز، لأنه يشبه الإجارة، وهو عقد على عين تستوفي شيئاً فشيئاً، فكانت كالمنفعة من هذه الحيثية، على أنه سيأتي عند الكلام على مسألة الظئر، وأنه لا مانع من أن تكون المسألتان من قبيل الإجارة الحقيقية. ينظر: الإجارة لشيخنا منصور الشيخ. (١) الجَذْيُ: الذكر من أولاد المَعْزِ. ٥٢٠ كتاب الإجارة ذلك عين، فإن استأجرها مع الماء فهو أفسد وأخبث، لأن استئجارها بدون الماء فاسد، فكان مع الماء أفسد، ولا تجوز إجارة المراعي لأن الكلأ عين فلا تحتمل الإِجارة، ولا تجوز إِجارة الدراهم والدنانير ولا تبرهما، وكذا تبر النحاس والرصاص، ولا استئجار المكيلات والموزونات لأنه لا يمكن الانتفاع بها إلاَّ بعد استهلاك أعيانها، والداخل تحت الإجارة المنفعة لا العين، حتى لو استأجر الدراهم والدنانير ليعبر بها ميزاناً، أو حنطة ليعبر بها مكيالاً، أو زيتاً ليعبر به أرطالاً أو أمناناً أو وقتاً معلوماً. ذكر في الأصل إنه يجوز، لأن ذلك نوع انتفاع بها مع بقاء عينها، فأشبه استئجار سنجات الميزان . وذكر الكرخي أنه لا يجوز للفقد شرط آخر، وهو كون المنفعة مقصودة والانتفاع بهذه الأشياء من هذه الجهة غير مقصود عادة. ولا يجوز استئجار الفحل للضراب؛ لأن المقصود منه النسل وذلك بإنزال الماء وهو عين، وقد رُوي عن رسول الله وَّ أنه نهى عن عسب الفحل، أي: كرائه لأن العسب في اللغة وإن كان اسماً للضراب، لكن لا يمكن حمله عليه؛ لأن ذلك ليس بمنهي لما في النهي عنه من قطع النسل، فكان المراد منه كراء عسب الفحل إلاّ أنه حذف الكراء وأقام العسب مقامه؛ كما في قوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ونحو ذلك. ولو استأجر كلباً معلَّماً ليصيد أو بازيًّا، لم يجز؛ لأنه استئجار على العين وهو الصيد، وجنس هذه المسائل تخرج على الأصل. فإن قيل أليس إن استئجار الظئر جائزٌ(١)، وإنه استئجار على العين وهي اللبن، بدليل إنها لو أرضعته بلبن شاة لم تستحق الأجرة. (١) المراد بالظئر المرأة التي تكتري لإرضاع الصغير إلى أن يفطم، قادراً على الاستغناء عن لبنها، بما يتناوله من الأكل والشرب. وقد أجاز جميع الفقهاء هذه المسألة، لورود النص بها، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ . بيد أنهم اختلفوا في مورد العقد، أهُو اللبن قصداً أم خدمة الصبي قصداً واللبن تابع لها. إلى الأول ذهب الجمهور، إلى الثاني ذهب الشافعية، وإليك أدلة كل من الفريقين. استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بما يأتي: أولاً: قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَتْوُهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. فإن الله تعالى لما رتب الأجرة على الإرضاع، دل على أن اللبن مقصود بالعقد، فإنَّ إلقام الثدي لا ثمرة له إلا اللبن، فيكون اللبن هو المقصود. =