النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
كتاب المكاتب
هذا إذا جنى ثانياً قبل أن يحكم عليه الحاكم بالأولى، فأما إذا حكم الحاكم بالأولى، ثم
جنى ثانياً فإنه يلزمه قيمة أخرى بالجناية الثانية، لأنها لما حكم الحاكم فقد انتقلت الجناية من
رقبته إلى ذمته، فحصلت الجناية الثانية والرقبة فارغة عن جنايته متعلقة بها، فصار بمنزلة
الجناية المبتدأة، فرق بين هذا وبين ما إذا حفر المكاتب بئراً على قارعة الطريق، فوقع فيها
إنسان ووجب عليه أن يسعى قيمته يوم حفر، ثم وقع فيها آخر أنه لا يلزمه أكثر من قيمة
واحدة، سواء حكم الحاكم بالأولى أو لم يحكم.
ووجه الفرق أن هناك الجناية واحدة، وهي حفر البئر، فالضمان الذي يلزمه إنما يلزمه
بسبب واحد، فوقوع الثاني، وإن كان بعد حكم الحاكم، لكن بسبب سابق على حكمه، فصار
كأنه قتلهما دفعة واحدة، فلا يلزمه إلا قيمة واحدة، فأما ههنا فقد تعددت الجناية، والثانية
حصلت بعد فراغ رقبته عن الأولى وانتقالها إلى ذمته، فيتعدد السبب فيتعدد الحكم.
ولو سقط حائط مائل أشهد عليه على إنسان فقتله، فعليه أن يسعى في قيمته؛ لأن
المكاتب يملك النقض فيصح الإِشهاد عليه كما في الحر، ويجب عليه قيمة نفسه كما لو قتل
آخر خطأً .
وكذلك إذا وجد في دار المكاتب قتيل، فعليه أن يسعى في قيمته إذا كانت قيمته أكثر من
الدية، فينتقص منها عشرة دراهم، فإِن جنى جنايات ثم عجز قبل أن يقضي بها دفعه مولاه بها
أو فداه، وإن قضى عليه بالسعاية ثم عجز، فهي دين في رقبته يباع فيه؛ لأنه إذا لم يقض عليه
لم تصر القيمة ديناً في رقبته، فهو كعبد قن جنى جناية أنه يخاطب مولاه بالدفع أو الفداء، وإذا
قضى عليه بالقيمة صار ذلك ديناً في رقبته، فإِذا عجز صار حكمه حكم عبد لحقه الدين أنه
يباع أو يقضي السيد دينه، هذا كانت جنايته عمداً بأن قتل رجلاً عمداً قتل به؛ لأنه لو كان حر
لقتل به، فالمكاتب أولى.
هذا إذا جنى المكاتب على غيره، فأما إذا جنى غيره عليه، فإن كان خطأ فالأرش له،
وأرشه أرش العبد، أَما كون الأرش له؛ فلأن أجزاءه ملحقة بالمنافع وهو أحق بمنافعه.
وأما كون أرشه أرش العبد، فلأنه عبد ما بقي عليه درهم بالحديث، فكانت الجناية عليه
جناية على العبد، فكان أرشها أرش العبيد، وإن كان عمداً فالمسألة على ثلاثة أوجه: في وجه
يجب القصاص في قولهم، وفي وجه لا يجب القصاص، وفي وجه اختلفوا فيه.
أما الأول فهو أن يقتله رجلٌ عمداً ولم يترك وفاء، فللمولى أن يقتل القاتل؛ لأنه لم يترك
وفاء فقد مات عاجزاً فمات عبداً، والعبد إذا قتل عمداً يجب القصاص على قاتله إِن كان عبداً
بالإِجماع، وإِن كان حرًّا عندنا؛ كذلك ههنا.

٤٦٢
كتاب المكاتب
وأما الوجه الثاني فهو أن يقتل عمداً ويترك وفاء ويترك ورثة أحراراً سوى المولى، فلا
يجب القصاص لاشتباه ولي القصاص، لاختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - في أنه يموت
حرًّا أو عبداً؛ على ما نذكر، إن شاء الله تعالى، فمن قال مات حرًّا قال ولاية الاستيفاء للورثة،
ومن قال مات عبداً قال الولاية للمولى، فاشتبه المولى، فلم يجب القصاص.
فإن قيل: قياس هذه النكتة أنه إذا اجتمع المولى والورثة ينبغي أن يجب القصاص؛
لارتفاع الاشتباه عند الاجتماع كالعبد الموصي(١) برقبته لإِنسان وبخدمته لآخر إذا قتل أن لهما
أن يجتمعا فيقتلا .
وكذا العبد المرهون إذا قتل فاجتمع الراهن والمرتهن على القصاص، أن لهما أن
١٢٠٨/٢ يستوفياه، كذلك/ ههنا، فالجواب أن المانع هو اشتباه المولى، وهذا الاشتباه لا يزول
بالاجتماع، لأنَّ الولاية لأحدهما وهو المولى أو الوارث، وهذا النوع من الاشتباه لا يزول
اجتماعهما، بخلاف مسألة الوصية؛ لأنَّ هناك لا اشتباه، فإن الولاية لصاحب الرقبة؛ لأن
الملك له، وإنما لصاحب الخدمة فيها حق، فإذا اجتمعا في الاستيفاء فقد رضي بإسقاط حقه،
ويقول لصاحب الخدمة حقي قوي لشبهة الملك، فصار بمنزلة عبد بين اثنين قتل فاجتمع
الوليان على الاستيفاء، وبخلاف مسألة الرهن، فإن المستحق للقصاص هناك هو الراهن؛ إذ
الملك له إلا أن للمرتهن فيه حقًّا، فإذا رضي بالاستيفاء فقد رضي بسقوط حقه، وههنا بخلافه
على ما بيناه.
وأما الوجه الثالث: فهو أن يقتل عمداً ويترك وفاء، ولا وارث له سوى المولى، فعلى
قول أبي حنيفة وأبي يوسف: يجب القصاص للمولى؛ لأنه لا اشتباه ههنا لأن القصاص يكون
للمولى كيفما كان، سواء مات حرًّا أو عبداً، وقال محمد: لا يجب، لأن المولى إِنْ لم يشتبه
فسبب ثبوت الولاية قد اشتبه، لأن إن مات حرًّا فالولاية تثبت بالإِرث، وإِن مات عبداً فالولاية
تثبت بالملك، والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن السبب لم يشتبه، لأن المسبب واحد وهو الملك، والولاء أثر من آثار
الملك .
والثاني: إن سلمنا أن السبب قد اشتبه، لكن لا اشتباه في الحكم وهو الولاية، لأنها ثابتة
بيقين، فتثبت بأي سبب كان، فإن قتل ابن المكاتب أو عبده عمداً فلا قود عليه، لأن المكاتب
وهو أبو المقتول أو مولى العبد لو عتق كان القصاص له، ولو عجز كان القصاص للمولى،
(١) في ط: المولى.

٤٦٣
كتاب المكاتب
فاشتبه الولي، وبهذا علل في الأصل فقال: لأني لا أدري أنه للمولى أو للمكاتب ومعناه ما
ذكرناه، وإن اجتمعا على ذلك لم يقتص أيضاً؛ لأن الولاية لأحدهما وهو غير معلوم؛ فإن
عفوا فعفوهما باطل، والقيمة واجبة للمكاتب، أما بطلان العفو، فأما عفو المولى فلأنه لا
يملك کسب المكاتب، فلا يصح عفوه.
وأما عفو المكاتب فلأن القيمة قد وجبت على القاتل، فكان إبراء المكاتب تبرعاً منه،
وأنه لا يملك التبرع، فَإِنْ قتل المولى مكاتبه عمداً أو خطأ فلا قصاص عليه في العمد بلا
شك؛ لأن رقبته مملوكة له فيصير شبهة، سواء ترك وفاء أو لم يترك، لا يجب القصاص لما
قلنا، غير أنه إن ترك وفاء، فعلى المولى قيمته يقضي بها كتابته.
وكذلك لو قتل ابنه؛ لأن القصاص قد سقط بالشبهة فتجب الدية، فسقط عنه قدر ماله
من الكتابة، لأنَّ الأصل أن كل ديتين التقيا من جنس واحد في الذمة، وليس في إسقاطه إبطال
العقد، ولا استحق قبضه في المجلس - فإنه يصير أحدهما بالآخر قصاصاً، وما بقي يكون
لوارثه لا للمولى، لأنه قاتله فلا يرثه، وإِنما يصير ذلك قصاصاً إذا حل أجل الدية؛ لأن القيمة
وجبت عليه بالقتل مؤجلةً.
وَلَوْ قتل عبد المكاتبة رجلاً خطأ يقال للمكاتب: ادفعه أو أفده بالدية، لأن العبد من
تجارته وكسبه، فكان التدبير إليه، كعبد المأذون جنى جناية خطأ؛ أنه يخير المأذون بين الدفع
والفداء، فالمكاتب أولى، بخلاف نفس المكاتب إذا جنى أنه يلزمه الأقل من قيمته ومن أرش
الجناية، لأن نفس المكاتب لا تحتمل النقل بخلاف كسبه، وَإِذَا لم تحتمل النقل فتعذر الدفع
من غير اختيار، فصار كما لو أعتق نفس العبد الجاني من غير علمه بالجناية، وثمة يلزمه الأقل
من قيمته ومن أرش الجناية، كذا ههنا، ويؤخذ المكاتب بأسباب الحدود الخالصة ونحوها؛
كالزنا والسرقة والشرب والسكر والقذف، لا القن؛ لأنه مأخوذ بها، فالمكاتب أولى، ولا
يقطع في سرقته من مولاه لأنه عبده.
وكذا لا يقطع في سرقته من ابن(١) مولاه، ولا من امرأة مولاه، ولا من كل ذي رَخْمٍ
محرمٍ من مولاه، لأن واحداً من هؤلاء لو سرق حق(٢) المولى لا يقطع، فكذا مكاتبه.
وكذا لو سَرَقَ واحدٌ مِنْ هؤلاء من المكاتب لا يقطع، لأن واحداً منهم لو سرق من
المولى لا يقطع، فكذا إذا سرق من المكاتب، ولو سرق منه أجنبي يقطع بخصومته، لأن
المكاتب أحق بمكاسبه ومنافعه، فكان له حق الخصومة كالخر، فيقطع بخصومته .
(١) في أ: أبي.
(٢) في أ: من.

٤٦٤
كتاب المكاتب
ويصح من المولى دعوة (١) نسب ولد أمته المكاتبة إذا لم يكن له نسب معروف، صدقته
المكاتبة أو كذبته، جاءت به لأقل من ستة أشهر أو لأكثر، لما ذكرنا فيما تقدم أنه ادعى نسب
٢٠٨/٢ ب ولد جارية مملوكة/ له رقبة، فكان ولدها مملوكاً له أيضاً، ونسب ولد الجارية المملوكة يثبت
بالدعوة من غير حاجة إلى التصديق.
ثم الأمة بالخيار إن شاءت عجزت نفسها، وإن شاءت مضت على الكتابة، فإن مضت
على الكتابة فلها العقر إن كان العلوق في حال الكتابة، بأن جاءت به لأقل من ستة أشهر من
وقت الكتابة، لأنها أحق بمنافعها ومكاسبها، والمولى كالأجنبي عنها، والعقر بدل منافع بضعها
فيكون لها، وإن عجزت نفسها وصارت أم ولد له سقطاً للعقر.
هذا إذا استولد مكاتبته، فإن دبر مكاتبته فكذلك هو بالخيار إن شاء نقض الكتابة، وإن
شاء مضى عليها لتوجه العتق إليه من جهتين(٢) فكان له الخيار، فإن مات مولاه وهو لا يخرج
من الثلث، فقد ذكرنا الاختلاف فيما تقدم.
ولو ادعى نسب ولد جارية المكاتب، وليس له نسب معروف، وقد علقت به في ملك
المكاتب، صحت دعوته لما قلنا، ويحتاج فيه إلى تصديق المكاتب استحساناً، وقد ذكرنا هذا
في ((كتاب الاستيلاد))، ولا يحبس المكاتب ببدل الكتابة، لأنه دين قاصر حتى لا تجوز الكفالة
عند عامة العلماء، خلافاً لابن أبي ليلى هو يقول بأنه دينٌ فتصح الكفالة [به] (٣) كسائر الديون.
ولنا أنَّ حكم الكفالة ثبوت حق المطالبة للكفيل بمثل ما في ذمة الأصيل، وهذا لا
يتحقق ههنا، لأن الثابت في ذمة الأصيل دين يحبس به ودين الكتابة (٤) لا يحبس به، فلو
جوزنا الكفالة به لم يكن الثابت بها حق المطالبة بمثل ما في ذمة المكفول عنه، فلا يتحقق
حکم الكفالة، بخلاف سائر الدیون.
وأما الذي يتعلق بأداء بدل الكتابة فهو عتق المكاتب، ولا يعتق إلا بأداء جميع بدل
الكتابة عند عامة العلماء، وهو قول زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، وقال علي
- رضي الله تعالى عنه - يعتق بقدر ما أدى ويبقى الباقي رقيقاً، وقال ابن مسعود - رضي الله
عنه - إِذا أعطى مقدار قيمته عتق، ثم يصير بمنزلة الغريم، وقال عبد الله بن عباس - رضي الله
عنهما - إذا كاتب العبد مولاه فهو غريمٌ مِنَ الغرماء - وهذا يدل على أن مذهبه أن المكاتب
يعتق بنفس الكتابة، وقد روى محمد بن الحسن عن شريح مثل ذلك.
(١) في ط: وغيره.
(٢) في أ: وجهين.
(٣) سقط من ط.
(٤) سقط من ط .

٤٦٥
كتاب المكاتب
وجه قول علي - كرم الله وجهه - إن المكاتبة عقد معاوضة، فإذا أدى العبد بعض بدل
الكتابة إلى المولى، فقد ملك المولى ذلك القدر، فلو لم يملك من نفسه ذلك القدر لاجتمع
للمولى ملك البدل والمبدل، وهذا لا يجوز.
وجه قول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن قيمة العبد ماليته(١) فلو عتق بأداء ما
هو أقل من قيمته لتضرر به المولى، وإِذا أدى قدر قيمته فلا ضرر على المولى.
وجه قول ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه لو لم يعتق بنفس العقد لوجب للمولى على
عبده دين، ولا يجب للمولى على عبده دين، ولأن الكتابة إعتاق على مال، ومن أعتق عبده
على مال وقبل العبد عتق، والمال دين عليه؛ كذلك ههنا.
وجه قول زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قول النبي - وَلَّ -: ((المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقي عَلَيْهِ
دِرْهَمْ))(٢) وهذا نَصِّ في الباب، ولأن المولى علق عتقه بأداء جميع بدل الكتابة، فلا يعتق ما لم
يؤد جميعه، كما لو قال لعبده: إِذا أديت إِليَّ ألفاً فأنت حر، أنه لا يعتق ما لم يؤد جميع
الألف، كذا ههنا.
ثم العتق كما يثبت بأداء بدل الكتابة يثبت بأداء العوض عن بدل الكتابة، لأنَّ عوض
الشيء يقوم مقامه ويسد مسده؛ كأنه هو، كما في البيع وغيره على أن بدل الكتابة دين في ذمة
العبد، وقضاء الديون يكون بأعواضها لا بأعيانها، وكذا يثبت بالإبراء لما نذكر.
ثم إِذا أَدَّى بدل الكتابة وعتق يعتق ولده المولود في الكتابة، بأن ولد المكاتب ولد من
أمة اشتراها لأنه صار مكاتباً تبعاً للأب، فيثبت فيه حكم الأصل، إِلاَّ أن للمولى أن يطالب
الأب دون الولد؛ لأنه لم يدخل في العقد مقصوداً، بل تبعاً، فلا يملك مطالبة التبع حال قيام
المتبوع، وكما يعتق المكاتب بالأداء من كسبه يعتق بالأداء من كسب ولده؛ لأن كسب الولد
كسبه، فإذا أدى يعتق هو وولده؛ وكذا ولده المشترك في الكتابة وولد ولده وإن سفل،
والوالدون وإن علوا إذا اشتراهم المكاتب يدخلون في الكتابة؛ كالولد المولود، سواء لا فرق
بينهم إلا في فصل واحد، وهو أنه إذا مات المكاتب من غير مال يقال للولد المشتري
وللوالدين: إما أن تؤدوا الكتابة حالاً، وإلا رددناكم في الرق؛ بخلاف الولد المولود في الكتابة
لما نذكر.
وأما ما سوى الوالدين والمولودين من ذوي الرحم المحرم؛ كالأخ والعم والخال
ونحوهم، فهل يدخلون في الكتابة، قال أبو حنيفة: لا يدخلون، وقال أبو يوسف ومحمد:
(١) في ط: مالية.
بدائع الصنائع ج٥ - ٣٠٣

٤٦٦
كتاب المكاتب
٢٠٩/٢أ يدخلون ويسعون/ على النجوم بمنزلة الوالدين والمولودين، والأصل عندهما أن كل من إِذا
ملكه الحر يعتق عليه، فإذا ملكه المكاتب يتكاتب عليه ويقوم مقامه.
وجه قولهما: إن المكاتبة عَقْدٌ يفضي إلى العتق، فيعتبر بحقيقة العتق والحكم في الحقيقة
هذا؛ فكذا في كسب الكسب المفضي إليه، ولهذا اعتبر بحقيقة العتق في الوالدين والمولودين؛
كذا ههنا.
ولأبي حنيفة أن الأصل ألا يثبت التكاتب رأساً؛ لأن ملك المكاتب ملك ضروري لكونه
مملوكاً ما بقي عليه درهم، فلا يظهر في حق(١) التبرع والعتق، وإنما يظهر في حق حرية نفسه
إِلا أنَّ حرية ولده وأبويه في معنى حرية نفسه لمكان الحرية، ولم يوجد في سائر ذوي الرحم،
فبقي الأمر فيهم على الأصل، وبدل القياس من وجه آخر يقتضي أن لا يدخل الولد؛ لأنه كسبه
وحق الحرية لا يسري للأكساب ككسب أم الولد والمدبر، وإنما استحسنا الولاد بحكم
الحرية، ولم يوجد، والولد المنفصل قبل العقد لا يدخل في الكتابة، ويكون للمولى.
ولو اختلفا فقال المولى: ولد قبل العقد، وقالت المكاتبة: بعد العقد، ينظر إِن كان
الولد في يد المولى، فالقولُ قوله إنه انفصل قبل العقد، وإِن كان في يد الأمة، فالقول قولُها
ويحكم فيه الحال؛ كمن استأجر عبداً ومضت مدة الإجارة ثم اختلفا، فادعى المستأجر الآباق
والمؤاجر يُنكر؛ أنه ينظر إن كان في الحال آبقاً، فالقول قول المستأجر، وإِن لم يكن في الحال
آبقاً، فالقول قول المؤاجر.
وكذلك هذا في الطاحونة إذا اختلفا في انقطاع الماء وجريانه، فإن كان في الحال منقطعاً
فالقولُ قولُ المستأجر، وإِن كان جارياً فالقولُ قولُ المؤاجر، ولو تصادقا في الإباق والانقطاع،
واختلفا في مدة الإباق والانقطاع، فالقول قول المستأجر، لأنه منكر وجوب الزيادة، وسواء
كان الأداء في حال حياة العاقدين أو بعد موتهما، حتى لو مات المولى فأدى المكاتب إلى
ورثته، عتق؛ لأن العقد لا ينفسخ بموت المولى بلا خلافٍ.
وكذا لو مات المكاتب عن وفاء يؤدي بدل الكتابة إلى المولى ويحكم بعتقه عندنا، وعند
الشافعي: لا يعتق، ويسلم البدل للمولى بناء على أن عقد الكتابة لا ينفسخ بموت المكاتبة
عندنا؛ كما لا ينفسخ بموت المولى، وعنده ينفسخ بموت المكاتب، وقد اختلف الصحابة
- رضي الله عنهم - في المكاتَبِ إذا مات عن وفاء؛ أنه يموت حرًّا أو عبداً.
قال عَلِيٍّ - رضي الله عنه - وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يموت حُرًّا فيؤدي بدل
(١) في أ: جواز.

٤٦٧
كتاب المكاتب
كتابته ويحكم بحريته، وبه أخذ أصحابنا، وعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنه يموت
عبداً(١)، والمال كله للمولى، وبه أخذ الشافعي.
وجه قول الشافعي: أنه لو عتق لا يخلو إما أن يعتق قبل موته، وإما أن يعتق بعد موته،
لا سبيل إلى الأول، لأن العتق معلق بأداء البدل، والأداء لم يوجد قبل الموت، ولا سبيل إلى
الثاني، لأن محل العتق قد فات، لأن محله الرق وقد فات بالموت، وإثبات الشيء في غير
محله محالٌ، فامتنع القولُ بالعتق، ولا يقال إنه يعتق مستنداً إلى آخر جزء من أجزاء حياته،
وهو قابل للعتق في ذلك الوقت؛ لأن الأصل فيما يثبت مستنداً أنه يثبت للحال ثم يستند.
ألا ترى أن من باع مال الغير توقف على إجازة المالك عندكم، فإن هلك المال ثم أجاز
المالك لا تلحقه الإجازة؛ لأن الحكم يثبت عند الإِجازة مستنداً، فيراعي قيام محل الحكم
للحال، والمحل ههنا لا يحتمل العتق للحال، فلا يستند.
ولنا ما روي عن قتادة أنه قال: قلتُ لسعيد بن المسيب أن شريحاً قال في المكاتب إذا
مات عن وفاء وعليه دينٌ: بدىء بدين الكتابة ثم بالدين، فقال سعيد: أخطأ شريحٌ وإن كان
قاضياً، فإن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - يقولُ: إن المكاتب إذا مات عن وفاء وعليه دَيْنٌ
بدىء بالدين، ثم بالكتابة، (٢) فاختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - في الترتيب، دليل(٣) على
اتفاقهم على بقاء عقد الكتابة بعد الموت.
فرواية قتادة تشير إلى إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ما قلنا، ومثله لا يكذب،
فلا يعتد بخلاف الشافعي؛ لأن العتق في الحقيقة معلق بسلامة البدل للمولى، إما صورة ومعنى
بالاستيفاء، وإما معنى لا (٤) صورة بأخذ العوض أو الإبراء لا بصورة الأداء من المكاتب، لأن
العتق يثبت من غير أداء أصلاً بأخذ المولى وبالإبراء، وقد سلم البدل للمولى، إِما صورة
ومعنى بالاستيفاء، وإما معنى لا صورة بالإبراء.
أما طريق الاستيفاء فلأن هذا عقد معاوضة بين المولى والمكاتب وحكمه في جانب
المولى ملك البدل وسلامته، وفي جانب المكاتب سلامة رقبته بالحرية وسلامة أولاده وإكسابه
حال سلامة البدل للمولى، وفي الحال زوال/ يد المولى عنه وصيرورته أحق بمنافعه ومکاسبه، ٢٠٩/٢ب
وقد ثبت الملك في البدل للمولى في ذمة العبد للحال، حتى لو تبرع عنه إنسان بالأداء وقبل
المولى صَحّ.
(١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٣١/١٠ - ٣٣٢) كتاب المكاتب: باب موت المكاتب.
(٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٣٢/١٠) كتاب المكاتب: باب إفلاس المكاتب.
(٣) في ط: والميل.
(٤) في أ: بلا.

٤٦٨
كتاب المكاتب
ولو أبرأه جاز الإبراء ويعتق، ولو أحال المكاتب [مولاه] (١) على غريم له عليه دينٌ من
إكسابه وقبل المولى، صَحَّ وعتق، وإذا ثبت الملك للمولى في البدل، كان ينبغي أن يزول
المبدل عن ملكه، وهو رقبة المكاتب وتسلم له رقبته تحقيقاً للمساواة في عقد المعاوضة؛ إذ
المعاوضة في الحقيقة بين البدل والرقبة كما في سائر المعاوضات من البيع والإجارة كما في
الخلع والإعتاق على مال، إِلاَّ أن الزوال لو ثبت ههنا للحال لبقي الدين في ذمة المفلس،
ويتكاسل(٢) في الأداء فيتضرر به المولى فيمتنع الناس عن الكتابة، فشرع هذا العقد على خلاف
موجب المعاوضات في ثبوت السلامة وزوال المبدل على المولى إلا بسلامة البدل له على
الكمال؛ نظراً للموالي وترغيباً لهم في عقد الكتابة، ونظراً للعبيد ليتوصلوا إلى العتق، فإذا جاء
آخر حياته وعجز عن الكسب انتقل الدين من ذمته إلى أكسابه، كما في الحر، إلا أن الكسب
قد لا يسلم له إما بالهلاك أو بأخذ الورثة، فإذا أدى ذلك إلى المولى فقد وجد الشرط، وهو
سلامة البدل للمولى، فيسلم المبدل للمكاتب وهو رقبته له.
وأما الإبراء فهو أنه لما بلغ آخر حياته يسقط عنه المطالبة بأداء البدل لعجزه عن الأداء
بنفسه، وانتقل إلى المال خلفاً عن المطالبة عنه، فيطالب به وصيه أو وارثه أو وصي القاضي،
فإذا أدى النائب سقطت المطالبة عن النائب في آخر حياته، فيبرأ عن بدل الكتابة وتسقط عنه
المطالبة في ذلك الوقت، فيعتق في ذلك الوقت، وقد خرج الجواب عَمَّا ذكره الشافعي لما
ذكرنا أَنَّ الشرط ليس هو من صورة الأداء، بل سلامة البدل صورة ومعنى بالاستيفاء أو معنى
الإبراء، وقد حصل.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قال: إِن العتق يثبت بعد الأداء مقصوراً عليه؛ ويبقى حيًّا تقديراً لإحراز
شرف الحرية؛ كما يبقى المولى حيًّا بعد الموت تقديراً لإحراز شرف (٣) الكتابة، ويثبت العتق
فيه وهو مثبت حقيقة ويقدر حيًّا على اختلاف طريق أصحابنا في ذلك، على ما عرف في
الخلافيات .
وَلَوْ مات المكاتب وترك وفاء وأولاداً أحراراً بأن ولدوا من امرأة حرة يؤدي بدل کتابته وما
فضل يكون ميراثاً بين أولاده الأحرار، لأن المكاتب يعتق في آخر جزء من حياته، ثم يموت
فيموت حرًّا فيرث منه أولاده الأحرار؛ وكذلك أولاده الذين ولدوا في الكتابة، لأنهم صاروا
مكاتبين تبعاً له، فإذا عتق هو في آخر حياته يعتقون هم أيضاً تبعاً له، فإذا مات هو فقد مات حرًّا
وهم أحرار فيرثونه، وكذا أولاده الذين اشتراهم في الكتابة ووالداه لما قلنا، وكذا ولده الذي
(١) سقط من ط .
(٣) في أ: بدل.
(٢) في ط: ويتكامل.

٤٦٩
كتاب المكاتب
كوتب معه كتابة واحدة؛ لأنه عتق معه في آخر حياته فيرثه، وأما ولده الذي كاتبه كتابة على حدة
لا يرثه، لأنه لا يعتق بعتقه فيموت حرًّا، وولده مكاتب والمكاتب لا يرث الحر.
ولو مات وترك وفاء وعليه دينٌ أجنبي ودين المولى غير الكتابة، وله وصايا من تدبيره
وغير ذلك، وترك ولداً حُرًّا، أو ولداً ولد له في الكتابة من أمته - يبدأ بدين الأجانب ثم بدين
المولى ثم بالكتابة، والباقي ميراث بين سائر أولاده، وبطلت وصاياه، أما بطلان وصاياه
فلوجهين: (أحدهما): يخص التدبير، (والثاني): يعم سائر الوصايا.
أما الأول: فلأ المدبر يعتق بموت السيد، والمكاتب ليس من أهل الإعتاق.
وأما الثاني فلأنه إذا أدى عنه بعد الموت فإنه يحكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته،
وذلك زمان لطيف لا يسع الوصية، ثم انتقل الملك إلى الوارث والملك للموصى له يثبت بعقد
الوصية الذي هو فعله، فإذا لم يتسع الوقت له لا يمكن إثباته بخلاف الميراث، لأن الملك
ينتقل إلى الورثة من غير صنع العبد، وإذا بطلت الوصايا بقيت الديون.
وأما ترتيب الديون فيبدأ بدين الأجنبي؛ لأن الأصل في الديون المتعلقة بالتركة أنه يبدأ
بالأقوى فالأقوى، كما في دين الصحة مع دين المرض، ودين الأجنبي أقوى من دين المولى؛
لأنه [لا يبطل بالرق ودين المولى يبطل به ألا ترى أنه لو عجز ورد في الرق بطل](١) دين
المولى، ولا يبطل دين الأجنبي بل يباع فيه، فيبدأ بدين الأجنبي، ثم ينظر في بقية التركة، فإِن
كان فيها وفاء بدين المولى وبالكتابة بدىء بدين المولى ثم بالكتابة، لأن دين المولى أقوى من
دين الكتابة، بدليل/ أنه تصح الكفالة به، ولا تصح بدين الكتابة .
١٢١٠/٢
وكذا المكاتب بملك إسقاط دين المكاتبة عن نفسه قصداً بأن يعجز نفسه، ولا يملك
إسقاط دين المولى قصداً، بل يسقط ضرورة بسقوط الكتابة، فكان دين المولى أقوى فيقدم
على دين الكتابة، وإِنْ لم يكن في التركة وفاء بالديون جميعاً بدىء بدين الكتابة، لأنه لو بدىء
بقضاء دين المولى لبطل القضاء؛ لأنه إذا قضى ذلك فقد صار عاجزاً، فيكون قد مات عاجزاً
فتبطل الكتابة، فلم يصح القضاء، لأنه بالعجز صار قنًّا، ولا يجب للمولى على عبده القن
دين، وَلَيْسَ في البداءة بقضاء دين الكتابة إبطال القضاء، فيكون أَوْلَّى، فيبدأ بالكتابة حتى يعتق
ويكون دين المولى في ذمته، فربما يستوفي منه إذا ظهر له مال، وما فضل عن هذه الديون فهو
ميراث لأولاده الأحرار من امرأة حرة، ولأولاده المولودين في الكتابة؛ لأنهم عتقوا بعتقه في
آخر جزء من أجزاء حياته، فيرثون كالحر الأصل.
(١) سقط من ط .

٤٧٠
كتاب المكاتب
ولو مات وترك وفاء وعليه: دينّ، وجناية، ومكاتبة، ومهر، وأولاد أحرار من امرأة
حرة، وأولاد ولدوا في الكتابة من أمته، وأولاد اشتراهم - يبدأ بالدين، ثم بالجناية، ثم
بالكتابة، ثم يكون الباقي ميراثاً لجميعهم؛ لأن الدين أولى (١) من الكتابة لما بينا، ثم ينظر إلى
ما بقي من المال فإن كان فيه وفاء بالكتابة، فإنه يبدأ بالجناية لأنه إذا كان به وفاء بالجناية صار
كأن المكاتب قنٍّ، فيقضي عليه بالجناية، ومتى قضى عليه بالجناية يصير عاجزاً إذا لم يكن في
الباقي وفاء، وإِن لم يكن في المال وفاء بالكتابة وكان فيه وفاء بالجناية(٢) أو لم يكن - فقد
مات المكاتب عبداً وبطلت الجناية؛ لأنه لا حق لصاحب الجناية في مال العبد، وإنما كان حقه
في الرقبة وقد فاتت الرقبة، وهذا إذا كان القاضي لم يقض بالجناية في حال حياته، فإن كان
القاضي قضی علیه بالجناية، صار حكمه حكم سائر الديون.
وَأَمَّا المهر فإن كان تزوج نكاحاً صحيحاً بإذن المولى، فحكمه حكم سائر الديون، وإِن
كان النكاح بغير إذن المولى لا يجب للمرأة شيءٌ ما لم يقض سائر الديون والجناية والكتابة،
فإن فضل شيء يصرف إلى المهر؛ لأن في النكاح الفاسد إنما يتبع(٣) بالمهر بعد العتاق، لأنه
لا يصح في حق المولى، فإذا زال حق المولى فحينئذٍ يؤاخذ به، فإن أديت كتابته وحكم
بحريته وحرية أولاده، صار الباقي ميراثاً لأولاده كلهم، لأنهم عتقوا بعتقه.
وكذلك إن كان الابن مكاتباً معه، لأنهم عتقوا في زمان واحد، وإن كاتب الابن مكاتبة
على حدة، لا يرث منه؛ لأنه لا يعتق بعتقه ولا يستند عتقه في حقه، فلا يرث منه.
وإن مات المكاتب من غير وفاء وترك ولداً مولوداً في الكتابة؛ بأن ولدت أمته التي
اشتراها بأن كان المكاتب تزوج أمة إنسان بإذن مولاه، فولدت منه ثم اشتراها المكاتب
وولدها، أو المكاتبة ولدت من غير مولاها - فإنه يسعى في الكتابة على نجوم أبيه ولا يبطل
الأجل؛ لأنه إذا مات لا عن وفاء، فقد مات عاجزاً، فقام الولد مقامه كأنه حَقٌّ، ولو كان حيًّا
حقيقة، لكان يسعى على نجومه، فكذا ولده بخلاف ما إذا مات عن وفاء؛ لأنه مات قادراً
فيؤدي بدل الكتابة للحال، ولا يؤخر إلى أجله، بل يبطل الأجل، لأن موت من عليه الدين
يبطل الأجل في الأصل؛ كما في سائر الديون، وليس ههنا أحد يقوم مقامه حتى يجعل كأنه
حَيٍّ، وإذا أدى السعاية عُتق أبوه وهو.
وأما ولده المشتري في الكتابة، فإنه لا يسعى على نجومه، بل يقال له: إما أن تؤدي
السعاية حالاً، أو ترد إلى الرق، ولا يقال ذلك للمولود في الكتابة، بل يسعى على نجوم أبيه
(١) في ط: أقوى.
(٣) في أ: يمتنع.
(٢) في ط: بالخيار.

٤٧١
كتاب المكاتب
ولا يرد إلى الرق، إلا إذا أخل بنجم أو بنجمين على الاختلاف، وإنما كان ذلك لأن دخول
الولد في الكتابة بطرق التبعية، وتبعية الولد المولود في الكتابة أشد من تبعية المشتري في
الكتابة، لأن تبعيته باعتبار الجزئية، والجزئية في الولد المولود في الكتابة حصلت في العقد،
فكان بمنزلة المكاتب نفسه، والحكم في المكاتب على ما ذكرنا، فكذا فيه، ولا كذلك الولد
المشتري، لأن جزئته ما حصلت فى العقد فانحطت درجته عنه، فلا بد من إظهار ذلك في
الحكم ترتيباً للأحكام على مراتب الحجج في القوة والضعف.
وذكر القاضي في شرح الكافي الخلاف في المسألة، وجعل ما ذكرنا قول أبي حنيفة،
وأما على قولهما فالولد المشتري والولد المولود سواءٌ.
وجه قولهما إن التكاتب على الولد المولود لمكان التبعية وهي موجودة في المشتري،
وجواب أبي حنيفة عن هذا أن معنى / التبعية في المولود أقوى منه في المشتري، فلا يصح ٢/ ٢١٠ب
القياس.
ولو مات من غير وفاء وترك الديون التي ذكرنا، فالخيار في ذلك إلى الولد يبدأ بأي ذلك
شاء؛ لأن المكاتب إذا لم يترك وفاء صار التدبير إلى الولد، لأنه يقضي من كسبه فيبدأ بأيّ ذلك
شاء، فإِن أخلَّ بنجم أو بنجمين على الاختلاف يرد في الرق، ولو كان بعض أولاده غائباً وبعضهم
حاضراً فعجز الحاضر، لا يرد في الرق حتى يحضر الغائب، لجواز أن الغائب يحضر فيؤدي.
وَلَوْ مَاتَ المكاتب ولم يترك وفاء لكنه ترك أم ولد، فإِن لم يكن معها ولد بيعت في
المكاتبة، وإن كان معها ولد استسعت فيها على الأجل الذي كان للمكاتب، صغيراً كان ولدها
أم كبيراً، بناء على أن المكاتب إذا اشترى أم ولد وليس معها ولد؛ فإنها لا تدخل في مكاتبته،
وكان له أن يبيعها عند أبي حنيفة .
وكذا الموالاة عندهما تدخل في مكاتبته، فكذلك بعد موته تكون بمنزلته لما دخلت في
الكتابة، وإذا كان معها فإنها تتبع ولدها في الكتابة عند أبي حنيفة .
ولا يجوز بيعُها، فكذا بعد الموت إذا كان معها ولد ولدته في الكتابة ويصير كأنه قائم،
لأن الابن قام مقامه، وعلى قولهما لا فرق بين وجود الولد وعدمه.
وجه قولهما: إنها إِنما تسعى لأن عتاق الاستيلاد بمنزلة عتاق النسب، فلا يبطل بموت
الولد، فكان حالها بعد موت الولد وقبله واحداً.
ولأبي حنيفة أنه لا وراثة بينه وبينها، وإِنما دخلت في كتابته لكتابة ولدها تبعاً، فإذا مات
الولد بطلت كتابتها، لأنه كتابة الولد بطلت بموته، فيبطل ما كان تبعاً له، والله - عزَّ وجلَّ -
أعلم.

٤٧٢
كتاب المكاتب
ولو ولدت المكاتبة ولداً واشترت ولداً ثم ماتت سعيًّا في الكتابة على النجوم، والذي
يلي الأداء المولود في الكتابة، وهذا بناء على أن المولود في الكتابة يقومُ مقامَ المكاتب،
والولد المشتري لا يقوم مقامه على الاتفاق أو على الاختلاف، إلا أنه يسعى تبعاً للولد المولود
في الكتابة، فلا تجب عليه السعاية .
ألا ترى أن محمداً ذكر في الأصل فإن قلت: فلا يجب على الآخر شيء من السعاية
قال: لأنها لو لم تدع غيره بيع إلا أن يؤدي الكتابة عاجلاً، وإنما قلنا إن الذي يلي الأداء هو
الولد المولود في الكتابة لما ذكرنا أن الولد المشتري لا يقوم مقام المكاتب على الاتفاق أو
على أصل أبي حنيفة والمكاتبة، ولو كانت حية لكانت تملك كسب ولدها المشتري، فكذا
الذي يقوم مقامها، وإن سعى المشتري فأدى الكتابة لم يرجع على أخيه بشيء، لأنه أدى
الكتابة من كسب الأم؛ لأن كسب الولد(١) المشتري للأم، فإذا أدى الكتابة من كسبه فقد أدى
كتابة الأم، وكسبه لها فلا يرجع، ولما ذكرنا أن الولد المولود قائم مقامها، ولو كانت الأم باقية
فأدى الولد المشتري فعتقت الأم، لم يرجع عليه بشيءٍ؛ كذا هذا.
وكذا الولد المولود في الكتابة لو سعى وأدى لم يرجع على المشتري بشيء من هذا
المعنى، وقال بعضهم: هذا إذا أدى المولود في الكتابة من مال تركته الأم، فأما إذا أدى من
كسب اكتسبه بنفسه، فإنه يرجع بنصفه على المشتري، ولم يذكر في الأصل حكم المولود في
الكتابة، وإنما ذكر حكم المشتري أنه إذا أدى لا يَرْجِعَ .
ولو اكتسب هذا الابن المشتري كسباً، كان لأخيه أن يأخذه ويستعين به في كتابته، لما
ذكرنا أن الولد المولود قائمٌ مقامَ الأمّ، وهي لو كانت قائمة لكانت تملك أخذ كسب المشتري،
وكذا من يقوم مقامها، وكذا إذا أراد أن يسلمه في عمل ليأخذ كسبه فيستعين به في مكاتبته،
کان له ذلك.
وكذلك لو أمره القاضي أن يؤاجر نفسه أو أَمَرَ أخاه أن يؤاجره ويستعين بأجره على أداء
الكتابة، كان ذلك جائزاً، لأنه يمنزلتها وما اكتسب الولد المولود في الكتابة بعد موت أمه قبل
الأداء، فهو له خاصَّة، لأنه داخل في كتابة الأم وقائم مقامها، فما اكتسبه يكون له وما يكتسب
أخوه حسب من البركة، فتقضي منه المكاتبة، والباقي منه ميراث بينهما.
والفرق بينهما أن الولد المولود في الكتابة قام مقامها، فكان حكمها كحكمه وكسب
المكاتبة لها، كذا كسب ولدها، وأما الولد المشتري فلم يقم مقامها غير أنه كسبها بجميع ما
اكتسبه، فيصير كأنها ماتت عن مال.
(١) في ط: أم الولد.

٤٧٣
كتاب المكاتب
ولو ماتت عن مال تؤدي منه كتابتها والباقي ميراثاً بينهما؛ كذا هذا، وقيل هذا كله قول
أبي حنيفة، فأما على قولهما: فالولدان يقومان مقامها، ولا يملك كل واحد منهما كسب
صاحبه، لأن كل واحد منهما لو كان منفرداً لقام مقام المكاتبة، ويسعى على النجوم عندهما/ ١٢١١/٢
فكذا إذا اجتمعا لم يكن أحدهما بِأَوْلَى من الآخر، والله - عَزَّ وجَلَّ - الموفق.
وأما الفاسدة وهي التي فاتها شيءٌ من شرائط الصحة، وهي ما ذكرنا فيما تقدم، فلا
يثبت بها شيء من الأحكام المتعلقة بما قبل الأداء، لأن الكتابة الفاسدة لا توجب زوال شيء
مما كان للمالك عليه قبل عقد المكاتبة(١) فكان الحال بعد العقد كالحال قبله.
وأما الحكم المتعلق بالأداء وهو العتق، فالفاسد فيه كالصحيح حتى لو أدى يعتق، لأَنَّ
الفاسد من العقود(٢) عند اتصال القبض كالصحيح على أصل أصحابنا، ونفس المكاتب في
قبضته، إِلا أن في الكتابة الفاسدة إذا أدى يلزمه قيمة نفسه، في الكتابة الصحيحة يلزمه
المسمى، لما عرف أن الأصل أن يكون الشيء مضموناً بالمثل، والقيمةُ هي المثل؛ لأنها مقدار
ماليته وإِنما المصير إلى المسمى عند صحة التسمية تحرزاً عن الفساد لجهالة القيمة، فإذا
فسدت فلا معنى للتحرز، فوجب الرجوع إلى الأصل وهو القيمة كما في البيع ونحوه.
وكذا في الكتابة الفاسدة للمولى أن يفسخ الكتابة بغير رضا العبد ويرده إلى الرق، وليس
له أن يفسخ في الصحيحة إلا برضا العبد، وللعبد أن يفسخ في الصحيح والفاسد جميعاً بغير
رضا المولى؛ لما ذكرنا أن الفاسدة غير لازمة في حقهما جميعاً، والصحيحة لازمة في حق
المولى غير لازمة في حق العبد، ثم إذا أدى في الكتابة الفاسدة ينظر إلى المسمى وإلى قيمة
العبد أيهما أكثر، على ما ذكرنا الكلام فيه فيما تقدم، وسواء كان الأداء في حياة المولى أو بعد
موته إلى ورثته استحساناً، والقياس أن لا يعتق بالأداء إلى الورثة.
وجه القياس: أن العتق في الكتابة الفاسدة يَقَعُ من طريق التعليق بالشرط؛ لأن في الكتابة
معنى المعاوضة ومعنى اليمين، فإذا فسدت بطل معنى المعاوضة فبقي معنى اليمين، واليمين
تبطل بموت الحالف، ولأن الكتابة الفاسدة لا توجب زوال ملك المولى، وإذا بقي ملكه فإذا
مات قبل الأداء انتقل إلى ورثته، فلا يعتق بالأداء.
وَجْهُ الاستحسان: أَنها مع كونها فاسدة فيها معنى المعاوضة والعتق فيها يثبت من طريق
المعاوضة لا من طريق التعليق بالشرط، بدليل أنه يجب فيها القيمة، ولو كان العتق فيها
بمحض اليمين، لكان لا يجب فيها شيء؛ لأن القيمة لم تدخل تحت اليمين، وكذا الولد
(١) في ط: عنه إلى المكاتب.
(٢) في ط: العقد.

٤٧٤
كتاب المكاتب
المنفصل، ومعلوم أن الولد المنفصل عند الشرط لا يدخل تحت اليمين، فثبت أن فساد الكتابة
لا يوجب زوال معنى المعاوضة عنها، فثبت العتق فيها من طريق المعاوضة.
وأما قوله إن ملك المولى لا يزول في الكتابة الفاسدة، فنعم؛ لكن قبل قبض البدل، فأما
بعد القبض فإنه يزول ذلك عند الأداء.
ولو كاتب أمته كتابة فاسدة فولدت ولداً ثم أدت، عتقت وعتق ولدها معها، لما ذكرنا أن
الكتابة الفاسدة تعمل عمل الصحيح عند اتصال القبض به، والأولاد يدخلون في الكتابة
الصحيحة؛ كذا في الفاسدة، فإن ماتت الأم قبل أن تؤدي لم يكن عمل ولدها أن يسعى، لأن
الولد قائم مقام الأم، ثم الأم لا تجبر على السعاية كذلك الولد، لكنه إذا سعى فيما على أمه
يعتق استحساناً.
والقياس ألا يعتق، وهو على ما ذكرنا فيما إذا مات المولى فأدت المال إلى ورثته تعتق
استحساناً، والقياس أن لا تعتق.
وأما الباطلة وهي التي فاتها شرط من شرائط الانعقاد، فلا يثبت بها شيء من الأحكام،
لأن التصرف الباطل لا وجود له إلا من حيث الصورة، كالبيع الباطل ونحوه فلا يعتق بالأداء
إلا إذا نص على التعليق، بأن قال: إن أديت إِليَّ ألفاً فأنت حر، فأدى، يعتق لكن لا
بالمكاتبة، بل بالتعليق بالشرط، ولا يلزمه شيءٌ كما في التعليق بسائر الشروط.
فصل في بيان ما تنفسخ به الكتابة
وأما بيان ما تنفسخ به الكتابة، فإنها تنفسخ بالإقالة لأنها من التصرفات المحتملة للفسخ،
لكون المعاوضة فيها أصلاً، فتجوز إقالتها كسائر المعاوضات؛ وكذا تنفسخ بفسخ العبد من غير
رضا المولى؛ بأن يقول: فسخت المكاتبة أو كسرتها، سواء كانت فاسدة أو صحيحة؛ لما
ذكرنا أنها وإن كانت صحيحة فإنها غير لازمة في جانب العبد نظراً له، فيملك الفسخ من غير
رضا المولى، والمولى لا يملك الفسخ من غير رضا المكاتب؛ لأنها عقد لازمٌ في جانبه.
وهل تنفسخ بالموت؟ أما بموت المولى فلا تنفسخ بالإجماع؛ لأنه إن كان له كسب
فيؤدي إلى ورثة المولى، وإن لم يكن في يده كسب فيكتسب ويؤدي فيعتق، فكان في بقاء
٢١١/٢ ب العقد فائدة فيبقى، وإِن عجز/ عن التكسب يزول إلى الرق كما لو كان المولى حيًّا.
وإذا مات المولى فأدى المكاتب مكاتبته أو بقية منها إِلى ورثته وعتق، فولاؤه يكون
لعصبة المولى، لأن الولاء لا يورث من المعتق بعد موته، لما نذكر في كتاب الولاء، إِن
شاء الله تعالى.

٤٧٥
كتاب المكاتب
وإِن عجز بعد موت المولى فرد إلى الرق ثم كاتبه الورثة كتابة أخرى، فأدى إليهم وعتق
فولاؤه للورثة على قدر موارثتهم، لأنه عتق بإعتاقهم، فكان ماله ميراثاً بينهم، إِذ الولاء يورث
به إِن کان لا یورث نفسه.
وأما بموت المكاتب فينظر إِن مات عن وفاء لا ينفسخ عندنا؛ خلافاً للشافعي.
وَإِن مات لا عن وفاء ينفسخ بالإجماع، لأنه مات عاجزاً، فلا فائدة في بقاء العقد،
فينفسخ ضرورة، ولا ينفسخ بردة المولى؛ بأن كاتب مسلم عبده ثم ارتد المولى لأنها لا تبطل
بموت المولى حقيقة، فبموته حكماً أَوَّلَى أن لا ينفسخ، ولهذا لا تبطل سائر عقوده بالردة، كذا
المكاتبة، فإن أقر بقبض بدل الكتابة وهو مرتد ثم أسلم، جاز إقراره في قولهم.
وإن قتل أو مات على الردة لم يجز في قول أبي حنيفة إذا لم يعلم إِلاَّ بقوله بناء على أن
تصرفات المرتد غير نافذة عنده، بل هي موقوفة، وَإِن علم ذلك بشهادة الشهود، جاز قبضه.
وكَذَا يجوز للمرتد أخذ الدين بشهادة الشهود في كل ما وليه من التصرفات، كذا ذكر في
الأصل، لأن ردته بمنزلة عزل الوكيل، فيملك قبض الديون التي وجبت بعقده، كالوكيل
المعزول في باب البيع، أنه يملك قبض الثمن بعد العزل.
ذكر في موضع آخر: [أنه] (١) لا يجوز قبض المرتد؛ لأنه إنما يملك لكونه من حقوق
العقد، وحقوق هذا العقد وهو المكاتبة لا يتعلق بالعاقد، فلا يملك القبض؛ بخلاف البيع.
وأما على أصلهما فإقراره بالقبض جائز، لأن تصرفاته نافذة عندهما، فإن لم يقبض شيئاً
حتى لحق بدار الحرب فجعل القاضي ماله ميراثاً بين ورثته، فأخذوا الكاتبة ثم رجع مسلماً،
فولاء العبد له؛ لأن ردته مع لحوقه بدار الحرب بمنزلة موته، ولو دفع إلى الورثة بعد موته كان
الولاء له، كذلك هذا، ويأخذ من الورثة ما قبضوه منه إِن وجد بعينه، كما في سائر أملاكه التي
وجدها مع الورثة بأعيانها؛ لأن الوارث إِنما قبض بتسليط المورث، فصار بمنزلة الوكيل، والله
- عزَّ وجلَّ - أعلم.
(١) في ط: و.

كِتَابُ الوَلاَءِ (١)
الولاءُ نوعان: ولاء عتاقة، وولاء موالاة.
أما ولاء العتاقة فلا خلاف في ثبوته شرعاً؛ عرفنا ذلك بالسنة وإجماع الأمة والمعقول.
أما السنة: فقول النبيِّ - وََّ -: ((الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)) وهذا نَصِّ، ورُوِيَ أن رجلاً اشترى
عبداً فأعتقه، فجاء به إلى رسول الله - رَّه - فقال: يا رَسُولَ الله، إِني اشتريت هذا فأعتقته،
فقال - وَّهُ : ((هُوَ أخُوكَ وَمَوْلاَكَ، فَإِنْ شَكَرَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَشَرِّ لَكَ، وَإِنْ كَفَرَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ
وَشَرِّ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثاً كُنْتَ أَنْتَ عصبَتُهُ)) (٢) والاستدلال به من وجهين :
أحدهما: أنه جعله عصبةً إذا لم يترك وارثاً آخر.
(١) الولاء لغة: من آثار العتق، مأخوذ من الولي بمعنى القرابة، يقال: بينهما ولاء، أي: قرابة حكمية حاصلة
من العتق، أو الموالاة، وفيه قوله عليه السلام ((الولاء لحمة كلحمة النسب، وقيل: الولاء والولاية بالفتح
النُصرة وفي الصحاح: الولاء ولاء المعتق، وفي الحديث: ((نهى عن بيع الولاء وعن هبته)) والولاء:
الموالون. والمولاةُ ضد المعاداة، والمعاداة والعداوة بمعنى واحد.
انظر: الصحاح ٦/ ٢٥٣٠.
اصطلاحاً:
عرفه الحنفية بأنه: التناصر سواء كان بالإعتاق، أو بعقد الموالاة، وأيضاً بأنه تناصر يوجب الإرث
والعقل. والولاء عند الحنفية نوعان: ولاء عتاقة، وولاء موالاة.
عرفه الشافعية بأنه: عصوبة ناشئة أخوية حدثت بعد زوال ملك متراخية عن عصوبة النسب تقتضي
للمعتق، وعصبته الإرث، وولاية النكاح، والصلاة عليه والعقل عنه.
عرفه المالكية بأنه: لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب.
وعرفه الحنابلة بأنه: ثبوت حكم شرعي بعتق أو تعاطي.
انظر: شرح فتح القدير ٢١٨/٩، الاختيار ٢١١/٣، نهاية المحتاج ٣٩٤/٨، الدسوقي على الشرح الكبير
٤١٥/٤، الشرح الصغير ١٧٧/٤، كشاف القناع ٤٩٨/٤.
(٢) أخرجه البيهقي (٢٩٦/١٠) كتاب الولاء: باب ما يستدل به على نسخ آية المعاقدة عن معاوية بن إسحاق
مرسلاً.
٤٧٦

٤٧٧
کتاب الولاء
والثاني: أنه - رَّ - جعل المعتق مولى المعتق بقوله - وَلَه -: ((هُوَ أُخُوكَ وَمَوْلاَكَ)) ولا
يكون مولاه إلا وأن يكون ولاؤه له، ونظير هذا الاستدلال استدلالنا بقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿والله
خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] على تقدير تسليم إرادة المعمول من قوله - سبحانه
وتعالى -: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ في إثبات خلق الأفعال(١) من الله - تبارك وتعالى -، أخبر
- سبحانه - أنه خلقهم وخلق معمولهم، ولا معمول بدون العمل، فيدل على كون مخلوق الله
- عزَّ وجلَّ -، وقوله - وَل ـ: ((إِنْ شَكَرَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ)) لأنَ المعتق لما أنعم الله عليه بالإعتاق
فقد وجب عليه الشكر، فإذا شكره فقد أدى ما وجب عليه، فكان خيراً له.
وقوله - رَّه -: ((وَشَرِّ لَكَ)) لأنه قد وصل إليه شيء من العوض، فأوجب ذلك نقصاناً في
الثواب، لأنه يصير كأنه أعتقه على عوض، فكان ثوابه أقل ممن أعتق ولم يصل إليه على إعتاقه
عوض دنيوي أصلاً ورأساً.
وقوله - رَّه -: ((وَإِنْ كَفَرَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) لأن إعتاقه إذا خلى عن عوض دنيوي يتكامل
ثوابه في الآخرة.
وقوله - رَله -: ((وَشُرِّ لَهُ)) لأن شكر النعمة واجب عقلاً وشرعاً، فإذا لم يشكره فقد ترك
الواجب، فکان شرًّا له.
وَرُوِيَ أن معتق بنت حمزة - رضي الله عنه - مات وترك بنتاً فجعل رسولُ اللهِوَّهُ نصفَ
ماله لابنته، والنصفَ لابنةِ حَمْزَةً(٢) .
وروي عن عمر - رضي الله عنه - وعليٍّ، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب،
وزيد بن ثابت، وأبي مسعود الأنصاري، وأسامة بن زيد - رضي الله عنهم - أنهم قالوا:
(الوَلاَءُ للكبرِ))(٣) فاتفاق هؤلاء النجباء من الصحابة - رضي الله عنهم - على لفظ واحدٍ دليلُ
سماعهم ذلك عن رسول الله/ ◌َ﴾ مع ما أن هذا حكم لا يُذْرَكُ بالقياسِ، فالظاهر قول ١٢١٢/٢
السماع، وسيأتي تفسير هذا الحديث في أثناء المسائل، وإن شاء الله تعالى.
وأما الإجماع: فإن الأُمة أجمعت على ثبوت هذا الولاء.
(١) في أ: العباد.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧٣٤). وأخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٠٢/١٠) كتاب الولاء: باب المولى
المعتق إذا مات.
وقال البيهقي: هذا مرسل وقد روي من أوجه أخرى مرسلاً وبعضها يؤكد بعضاً.
وينظر نصب الراية (٤ /١٥٠).
(٣) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٠٣/١٠) كتاب الولاء: باب الولاء للكبر من عصبة المعتق.

٤٧٨
كتاب الولاء
وأما المعقول فمن وجوه:
أحدها: أن الإِعتاق إنعامٌ، إذ المعتق أنعم على المعتق بإيصاله إلى شرف الحرية، ولهذا
سمي المولى الأسفل مولى النعمة في عرف الشرع؛ وكذا سماه الله - تعالى - إنعاماً، فقال - عزَّ
وجلَّ - في زيد مولى رسول الله - وَّ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلْذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾
[الأحزاب: ٣٧] قيل في التفسير: أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالإعتاق، فجعل كسبه عند
استغنائه عنه لمولاه شكراً لإنعامه السابق، ولهذا لا يرث المعتق من المعتق.
والثاني: أن المعتق في نصرة المعتق حال حياته، ولهذا كان عقله عليه، [لأن](١) عليه
أن ينصره بدفع الظلم عنه وبكفه عن الظلم على غيره، فإذا جنى فقد قصر في أحد نوعي
القصرة، وهو كفه عن الظلم على غيره، فجعل عقله عليه ضماناً للتقصير، فإذا مات جعل
ولاؤه لمعتقه جزاءً للنصرة السابقة.
والثالث: أَن الإعتاق كالإيلاد من حيث المعنى، لأنَّ كل واحد منهما إِحياء معنى فإن
المعتق سبب لحياة المعتق باكتساب سبب الأهلية والمالكية والولاية التي يمتاز بها الآدمي عن
البهائم، كما أن الأب سبب حياة الولد باكتساب سبب وجوده عادة، وهو الإيلاد، ثم الإيلاد
سبب لثبوت النسب، فالإعتاق يكون سبباً لثبوت الولاء كالإيلاد، وهذا معنى قول النبي
- وَّ -: ((الوَلاَءُ لَحْمَةٌ كَلَحْمَةِ النَّسَبِ)»(٢) والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
(١) سقط من ط .
(٢) أخرجه محمد بن الحسن الشيباني في ((كتاب الولاء)) كما في ((تلخيص الحبير)) (٢١٣/٤) ومن طريقه
الشافعي في («المسند» (٧٢/٢) كتاب العتق: باب المكاتب والولاء حديث (٢٣٧) والحاكم (٣٤١/٤)
كتاب الفرائض: باب الولاء لحمة كلحمة النسب والبيهقي (٢٩٢/١٠) كتاب الولاء: باب من أعتق
مملوكاً له، كلهم من طريق محمد بن الحسن الشيباني عن يعقوب بن إبراهيم عن عبد الله بن دينار عن
ابن عمر به.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وتعقبه الذهبي فلم یصححه.
وقال البيهقي عقب الحديث: قال أبو بكر بن زياد النيسابوري: هذا الحديث خطأ لأن الثقات لم يروه
هكذا وإنما رواه الحسن مرسلاً ا. هـ وهذا المرسل أخرجه البيهقي (٢٩٢/١٠) كتاب الولاء: باب من
أعتق مملوكاً له.
قال الألباني في «الأرواء)» (١١٠/٦): وإسناد هذا المرسل صحيح وهو مما يقوي الموصول الذي قبله
على ما يقتضيه بحثهم في المرسل من علوم الحديث فإن طريق الموصول غير طريق المرسل ليس فيه راو
واحد مما في المرسل فلا أرى وجهاً لتخطئته بالمرسل بل الوجه أن يقوي أحدهما بالآخر اهـ.
وللحديث طرق أخرى عن ابن دينار عن ابن عمر.
=

٤٧٩
كتاب الولاء
وقد خولف محمد بن الحسن في هذا الحديث خالفه بشر بن الوليد فرواه عن يعقوب بن إبراهيم عن
=
عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
أخرجه ابن حبان في صحيحه كما في «الجوهر النقي)) (٢٩٣/١٠) وتوبع بشر على هذه الرواية فقال ابن التركماني:
وتابع بشراً على ذلك محمد بن الحسن فرواه عن أبي يوسف كذلك قال البيهقي في كتاب المعرفة: ورواه محمد بن
الحسن في كتاب الولاء عن أبي يوسف عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمراهـ.
ومنه يظهر أن محمد بن الحسن الشيباني كان يرويه عن عبد الله بن دينار ومرة يدخل عبيد الله بن عمر
بین یعقوب وعبد الله بن دینار.
وقد تابع بشراً أيضاً على هذه الرواية عبد الله بن نمير أخرجه ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٥٣/٢) ثنا أبو
زرعة قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثني أبي عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن
دينار عن ابن عمر أن النبي ◌َّر قال: الولاء لا يباع ولا يوهب.
٢ - وأخرجه البيهقي (٢٩٣/١٠) من طريق الطبراني ثنا يحيى بن عبد الباقي ثنا أبو عمير بن النحاس ثنا
ضمرة عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ◌َّر قال: الولاء لحمة كلحمة النسب لا
يباع ولا يوهب.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا ضمرة.
وقال البيهقي: قد رواه إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي عن ضمرة كما رواه الجماعة: ((نهى عن بيع
الولاء وعن هبته»، فكأن الخطأ وقع من غيره.
٣ - أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٣٢/٢) من طريق الحسن بن أبي الحسن المؤذن ثنا ابن أبي فديك
ثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي وَ لّ قال: ((إنما الولاء نسب لا
يصلح بيعه ولا شراؤه)».
وقال ابن عدي: منكر الحديث عن الثقات ويقلب الأسانيد - أي الحسن بن أبي الحسن.
وقال: قوله عن نافع عن عبد الله لا أدري وهم فيه أو تعمد فأراد تقلب الإسناد وإنما أراد أن يقول عن
نافع وعبد الله بن دينار.
وللحديث شواهد من حديث علي بن أبي طالب وعبد الله بن أبي أوفى.
حديث علي بن أبي طالب
أخرجه البيهقي (٢٩٤/١٠) كتاب الولاء: باب من أعتق مملوكاً له من طريق سفيان عن ابن أبي نجيح عن
مجاهد عن علي أن رسول الله وَل# قال: الولاء بمنزلة النسب لا يباع ولا يوهب.
- حديث عبد الله بن أبي أوفى
أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٩٨٨/٥) والطبراني كما في ((مجمع الزوائد» (٢٣٤/٤) من طريق عبيد بن
القاسم عن إسماعيل بن أبي خالد عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله وَلير: الولاء لحمة كلحمة النسب.
قال ابن عدي: لم يروه عن ابن أبي خالد غیر عبيد.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه عبيد بن القاسم وهو كذاب.
وقول ابن عدي فيه نظر فقد رواه عن ابن أبي خالد أيضاً يحيى بن هشام السمسار.
أخرجه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٨/٢) والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٦١/١٢).
والسمسار كذبه ابن معين.

٤٨٠
کتاب الولاء
فبعد هذا يقع الكلام في مواضع: في بيان سبب ثبوته، وفي بيان شرائط الثبوت، وفي
بيان صفة الثابت وكيفيته، وفي بيان قدره، وفي بيان حكمه، وفي بيان ما يظهر له.
أما سبب ثبوته: فالعتق، سواء كان العتق حاصلاً بصنعه وهو الإعتاق، أو ما يجري
مجرى الإعتاق شرعاً؛ كشراء القريب وقبول الهبة والصدقة والوصية، أو بغير صنعه(١) بأن
ورث قريبه، وسواء أعتقه لوجه الله أو لوجه الشيطان، وسواء أعتقه تطوعاً أو عن واجب عليه،
كالإعتاق عن كفارة: القتل، والظهار، والإفطار، والإيلاء، واليمين، والنذر.
وسواءً كان الإِعتاق بغير بدل أو ببدل، وهو الإعتاق على مال، وسوء كان منجزاً أو
معلقاً بشرط أو مضافاً إلى وقت، وسواء كان صريحاً أو يجري مجرى الصريح، أو كناية أو
يجري مجرى الكناية .
وكذا العتق الحاصل بالتدبير والاستيلاد، ويستوي فيه صريح التدبير والإعتاق والاستيلاد
والكتابة، والأصل فيه قول النبي وَّ: ((الوَلاَءُ إِنْ أَعْتَقَ)) من غير فصلٍ.
وعلى هذا إذا أمر المولى غيره بالإعتاق في حال حياته أو بعد وَفَاتِهِ، أن الولاء للآمر،
لأن العتق يقع عنه.
ولو قال لآخر: أعتق عبدك عنى على ألف درهم، فأعتق، فالولاء للآمر، لأن العتق يقع
عنه استحساناً.
والقياس أن يكون الولاء للمأمور، لأن العتق يقع عن المأمور وهو قول زفر.
وجه القياس: أنه أمر بإعتاق عبد الغير عن نفسه، وهذا لا يصح، لأن العتق لا يقع (٢)
بدون الملك ولا ملك للآمر، بل للمأمور، فكان العتق عنه.
ولنا أن الأمر بالفعل أمرٌ بما لا وجود للفعل بدونه، كالأمر بصعود السطح يكون أمراً
بنصب السلم، والأمر بالصلاة يكون أمراً بالطهارة؛ ونحو ذلك، ولا وجود للعتق عن الآمر بدون
ثبوت الملك، فكان أمر المالك بإعتاق عبده عنه بالبدل المذكور أمراً بتمليكه منه بذلك البدل، ثم
بإعتاقه عنه تصحيحاً لتصرفه، كأنه صرح بذلك، فقال: بعه مني، وأعتقه عني ففعل.
ولو قال: أُعتق عبدك عني، ولم يذكر البدل، فأعتق، فالولاء للمأمور في قول أبي حنيفة
ومحمد؛ لأن العتق عنه، وعند أبي يوسف هذا والأول سواءٌ، وجه قوله على نحو ما ذكرنا فى
المسألة الأولى.
(١) في أ: بصيغة.
(٢) في أ: يصح.