النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كتاب المكاتب
المكاتبة مشتمل على المعاوضة وعلى التعليق، واعتبار جانب المعاوضة يوجب لها حق الرجوع
عليه بما زاد على القيمة، واعتبار معنى التعليق لا يوجب لها حق الرجوع؛ كما لو قال لها: إن
أديت إليَّ ألفاً فأنت حرة، فأدت ألفاً وخمسمائة، وقيمتها ألف، عتقت ولا ترجع عليه بشيء،
فيقع الشك في ثبوت حق الرجوع فلا يثبت مع الشك، وكذا لو كاتبها وهي حامل على ألف؛
أن ما في بطنها من ولد فهو له وليس في المكاتبة، أو كاتب أمة على ألف درهم على أن كل
ولد تلده فهو للسيد، فالمكاتبة فاسدة؛ لأنه شرط شرطاً مخالفاً لموجب العقد؛ لأن موجبه أن
يكون كل ولد تلده يكون مكاتباً تبعاً لها، فكان هذا شرطاً فاسداً، وأنه داخل في صلب العقد
لأنه يرجع إلى البدل فيوجب فساد العقد، وإن أدت الألف عتقت لما قلنا، ثم إذا عتقت ينظر
إلى قيمتها وإلى المؤدي على ما ذكرنا.
وكذا لو كاتب عبده على ألف درهم وعلى أن يخدمه، ولم يبين مقدار الخدمة، فأدى
الألف، عتق لما قلنا، ثم ينظر إلى قيمته وإلى الألف على ما وصفنا.
ولو كاتبه على ألف منجمة على أنه إن عجز عن نجم منها فمكاتبته ألفًا درهم، لم تجز
هذه المكاتبة لتمكن العذر في البدل؛ لأنه لا يدري أنه يعجز أو لا يعجز، ويمكن الجهالة فيه
جهالة فاحشة فيفسد العقد، ولنهي النبي ◌َّر عن صفقتين في صفقة، وهذا كذلك.
ولو كاتبه على ألف يؤديها إلى غريم له جائز؛ وكذا إذا كاتبه على ألف يضمنها لرجل
عن سيده، فالمكاتبة والضمان جائزان بخلاف البيع إذا باع عبداً بألف درهم يؤديها إلى فلان،
أو على أن يضمنها المشتري عن البائع لفلان، أن البيع فاسدٌ؛ لأن البيع يفسد بالشرط الفاسد،
وهو الشرط المخالف لمقتضى العقد، والكتابة لا تفسد بالشروط الفاسدة إذا لم تكن
[داخلة] (١) في صلب العقد، كما لو كاتبه على ألف على ألا يخرج من المصر أو لا يسافر إلا
أن هناك شرط الضمان باطل وههنا جائز، لأن ضمان المكاتب عن سيده وكفالته عنه بما عليه
مقيداً جائز؛ لأن ذلك واجب عليه، فلا يكون متبرعاً في الضمان، وضمان المكاتب عن
الأجنبي إنما لا يصح لكونه متبرعاً ولم يوجد، فإن كاتبه على ألف درهم منجمة على أن يؤدي
إليه مع كل نجم ثوباً وسمى نوعه، جاز؛ لأن مكاتبته على بدل معلوم حيث سمى نوع الثوب
فصار الألف مع الثوب بدلاً كاملاً وكل واحد منهما معلوم؛ ألا ترى أن كل واحد منهما لو
انفرد في العقد جاز، وكذا إذا جمع بينهما، وقد قال أصحابنا أنه لو ذكر مثل ذلك في البيع
جاز؛ بأن يقول: بعتك هذا العبد بألف درهم على أن تعطيني معه مائة دينار وتصير الألف
والمائة دينار ثمناً لما قلنا؛ كذا ههنا.
(١) سقط من ط .

٤٤٢
كتاب المكاتب
وكذلك إذا قال: عَلَى أن تعطيني مع كل نجم عشرة دراهم، وكذلك لو قال: على أن
تؤدي مع مكاتبتك ألف درهم؛ لأن الكل صار بدلاً في العقد.
ولو كاتبه على ألف درهم؛ وهي قيمته؛ على أنه أدى وعتق عليه فعليه ألف أخرى،
جاز، وكان الأمر على ما قاله إذا أدى الألف عتق، وعليه ألف أخرى بعد العتق؛ لأنه لو جعل
الألفين جميعاً بدل الكتابة لجاز، ولو جعلهما جميعاً بعد العتق لجاز؛ كذا إذا جعل البعض قبل
العتق والبعض بعده؛ اعتباراً للجزء بالكل، وإن كاتبه على ألف درهم على نفسه وماله، يعني
أن يكون المكاتب أحق بنفسه وماله، فهو جَائِزٌ.
وَإن كان للعبد ألف أو أكثر ولا يدخل بينه وبين عبده رباً؛ كذا ذكر في الأصل، وفرق
١٢٠٣/٢ بينه وبين البيع/ إذا باع عبده مع ماله بألف درهم ومال العبد ألف درهم؛ أنه لا يجوز البيع؛
لأن الألف يقابل الألف فيبقى العبد زيادة في عقد المعاوضة لا يقابلها عوض فيكون رباً، ولا
يتحقق الربا ههنا، لأن الربا لا يجري بين العبد وسيده، وهذا معنى ما أشار إليه في الأصل.
ثم مال العبد ما يحصل بعد العقد بتجارته أو بقبول الهبة والصدقة؛ لأن ذلك ينسب إلى
العبد ولا يدخل فيه ما كان من مال المولى في يد العبد وقت العقد؛ لأن ذلك لا ينسب إلى
العبد، ولا يدخل فيه الأرش والعقر، وإن حصلا بعد العقد يكون للمولى؛ لأنه لا ينسب إلى
العبد، بخلاف بيع الدرهم بالدرهمين؛ أنه لا يجوز ويكون رباً، لأن مراد محمد في قوله إنه لا
يجري الربا بين العبد وسيده فيما ليس بمعاوضة مطلقة.
والكتابة وإن كان فيها معنى المعاوضة، فليست بمعاوضة مطلقة، وجريان الربا يختص
بالمعاوضات المطلقة، بخلاف بيع الدرهم بالدرهمين؛ لأن ذلك معاوضة مطلقة؛ لأن المولى
كالأجنبي عن كسب المكاتب، فهو الفرق.
ولوِ اختلفا فقال المولى: كان هذا قبل عقد المكاتبة، وقال المكاتب: كان ذلك بعد
العقد، فالقولُ قولُ المكاتب؛ لأن الشيء في يده، فكان الظاهر شاهداً له، فكان القولُ قولَهُ.
ولو قال العبد: كاتبني على ألف درهم على أن أعطيها من مال فلان، فكاتبه على ذلك،
جازت الكتابة؛ لأن هذا شرط فاسد، والشروط الفاسدة لا تبطل الكتابة إذا لم تكن داخلة في
صلب العقد، فلو كاتبه على ألف درهم على أنه بالخيار أو على أن العبد بالخيار يوماً أو يومين
أو ثلاثة أيام جاز، لأنَّ دلائل جواز الكتابة لا توجب الفصل، ولأن الحاجة قد تدعو إلى شرط
الخيار في المكاتبة كما تدعو إليه في البيع وهو الحاجة إلى التأمل، ولأن الكتابة عقد قابل
للفسخ ولا يعتبر فيه القبض في المجلس، فجاز أن يثبت فيه خيار الشرط كالبيع.
فإن قيل: ثبوت الخيار في البيع استحسانٌ عندكم، فلا يجوز قياس غيره عليه.

٤٤٣
كتاب المكاتب
فالجواب ما ذكرنا أن عندنا يجوز القياس على موضع الاستحسان بشرطه، وهو أن يكون
الحكم في موضع الاستحسان معقول المعنى، ويكون مثل ذلك المعنى موجوداً في موضع
القياس، وقد وجد ههنا على ما ذكرنا، ولا يجوز شرط الخيار فيه أكثر من ثلاثة أيام في قول
أبي حنيفة، فإن أبطل خياره في الأيام الثلاثة جاز كالبيع، وإن لم يبطل [خياره](١) حتى مضت
ثلاثة أيام يتمكن الفساد كما في البيع، وعندهما يجوز، قلَّتِ المدة أو كثرت، بعد أن كانت
معلومة من شهر أو نحو ذلك كما في البيع.
فصل فيما يملك المكاتب من التصرفات
وأما بيان ما يملك المكاتب من التصرفات وما لا يملكه فله أن يبيع ويشتري [لأنه وجب
عليه إذن بدل الكتابة ولا يمكن الأداء إلا بالاكتساب والبيع والشراء اكتساب](٢) ولأنه صار
مأذوناً في التجارة، والبيع والشراء من باب التجارة (٣)، وله أن يبيع بقليل الثمن وكثيره(٤)،
(١) سقط من ط.
(٢) سقط من ط.
(٣) للمُكاتَبِ أن يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ. بإجماع من أهلِ العِلْمِ؛ لأنَّ عَقْدَ الكِتابةِ لتَحْصِيلِ العِثْقِ، ولا يَحْصُلُ إلاَّ بأدَاءِ
عِوَضِه، ولا يُمْكِنُه الأداءُ إلا بالاكْتِسابِ، والبيعُ والشراءُ من أقْوَى جِهَاتِ الاكْتِسابِ، فإنَّه قد جاء في
بعضٍ الآثارِ، أنَّ تِسْعةَ أعشارِ الرِّزْقِ في التِجارةِ. وله أن يَأْخُذَ ويُعْطِيَ، فيما فيه الصَّلَاحُ لمالِه، والتَّوْفِيرُ
عليه. وله أن يُنْفِقَ ممَّا في يَدِه من المالِ على نَفْسِه، في مَأْكَلِهِ، ومَشْرَبِهِ، وكِسْوَتِهِ، بالمَعْرُوفِ ممَّا لا
غِنَى له عنه، وعلى رَقِيقِه، والحيوانِ الذي له. وله تأدِيبُ عَبِيدِهِ، وتَعْزِيرُهم، إذا فَعَلُوا ما يَسْتَحِقُون ذلك؛
لأنه في مصلحة ملكه، فملكه كالنفقة عليهم. ولا يملك إقامة الحد عليهم لأنَّ هذا مَوْضِعُ وِلاَيَةٍ، وليس
هو مِن أهْلِها. وله المُطالبةُ بالشَّفْعةِ، والأخْذُ بها، لأَنَّه نَوْعُ شِرَاءٍ، فإن كان المُشْتَرِي لِلشّقْصِ سَيِّدَه، فله
أخْذُه منه؛ لأنَّ له أنْ يَشْتَرِيَ منه. وإن اشْتَرَى المُكاتَبُ شِقْصاً لسَيِّدِه فيه شَرِكَةٌ، فله أخْذُه من المُكاتَب
بالشّفْعةِ، لأنَّه مع سَيِّدِه في باب البَيْع والشراءِ كالأجْنَبِيِّ. وإن وَجَبَتْ للسَّيِّدِ على مُكاتَبِهِ شُفْعَةٌ، فاذْعَى
المُكاتَبُ أنَّ سَيِّدَه عَفَا عنها، سُمِعَتَْ دَغْوَاهُ. وإن أَنْكَرَه السَّيِّدُ، كان عليه اليَمِينُ. وإنْ أذِنَ السَّيِّدُ لمُكاتَّبِهِ
في البيعِ بالمُحاباة، صَحَّ منه، وكان لسَيِّدِهِ الأخْذُ بالشُّفْعةِ، لأنَّ بَيْعَه بالمُحاباةِ، مع إذْنِ سَيِّدِه فيه،
صَحِيحْ. ويَصِحُ إِقْرارُ المُكاتَبِ بالبيعِ، والشّراءِ والعَيْبِ والدَّيْنِ، لأنَّه يَصِحْ تصَرُّفُه بذلك، ومَنْ مَلَكَ
شيئاً، مَلَكَ الإقرار به.
ينظر: المغني (٤٨٤/١٤ - ٤٨٥).
(٤) قال ابن قدامة ولا يُحَابِي في البَيْع، ولا يَزِيدُ في الثّمنِ الذي اشْتَرَى بِهِ، ولا يُعِيرُ دابَّةٍ، ولا يُهْدِي هَدِيّة.
وأجاز ذلك أصحابُ الرَّأَي. ويَخَتَمِلُ جَوَازَ إعارَةِ دابَتِهِ، وهَدِيّةِ المَأْكُولِ، ودعائِه إليه؛ لأنَّ ذلك يجوزُ
للمَأْذُونِ له، ولا يَنْحَطُ المُكاتَبُ عن دَرَجتِهِ. ووَجْهُ الأوّلِ، أنَّه تَبَرُّعْ بمالِه، فلم يَجُزْ، كالهِبَةٍ، ولا يُوصِي
بمالِه، ولا يُحُطُّ عن المُشْتَرِي شيئاً، ولا يُقْرِضُ، ولا يَضْمَنُ، ولا يتَكَفَّلُ بأحدٍ. وبه قال الشافعيُّ،
وأصحابُ الرَّأْىِ، لأنَّ ذلك تَبَرَّعْ بمالِهِ، فَمُنِعَ منه، كالهِيَةِ.
ينظر: المغني ١٤ / ٤٨٢.

٤٤٤
كتاب المكاتب
وبأيّ جنس كان، وبالنقد وبالنسيئة في قول أبي حنيفة(١).
وعندهما لا يملك البيع إلا بما يتغابن الناس في مثله، وبالدراهم والدنانير، وبالنقد لا
بالنسيئة؛ كالوكيل بالبيع المطلق وهي من مسائل ((كتاب الوكالة)).
وله أن يبيع ويشتري من مولاه؛ لأن المكاتب فيما يرجع إلى مكاسبه ومنافعه كالحر،
فكان فيها بمنزلة الأجنبي، فيجوز بيعه من مولاه وشراؤه منه؛ كما يجوز ذلك من الأجنبي إلاَّ
أنه لا يجوز له أن يبيع ما اشترى من مولاه مرابحة إلا أن يبين؛ وكذلك المولى فيما اشترى
منه؛ لأن بيع المرابحة بيع أمانة، فيجب صيانته عن الخيانة(٢) وشبهة الخيانة ما أمكن، وكسب
المكاتب مال المولى من وجه، فيجب أن يبين حتى يرتفع الشبهة، ولا يجوز له أن يبيع من
مولاه درهماً بدرهمين(٣)؛ لأنه بعقد المكاتبة صار أحق بمكاسبه، فصار كالأجنبي في
المعاوضة المطلقة.
(١) قال ابن قدامة وليس له أن يَبِيعَ نَسِيئةٌ، وإن باع السِّلْعةَ بأضْعافِ قِيمَتِها. وهذا مذهبُ الشافعيُّ، لأنَّ فيه
تَغْرِيراً بالمالِ، وهو ممنوعٌ من التَّغْرِيرِ بالمالِ، لتَعَلَّقِ حَقِّ السَّيِّدِ به. قال القاضي: ويتَخَرَّجُ الجَوَازُ، بِناءِ
على المُضارِبٍ أنَّ له البَيْعَ نَسِيئَةً. في إحْدَى الرَّوايتَيْنِ، فَيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه. وسَواءٌ أخذَ بالثَّمنِ ضَمِيناً، أو
رَهْناً، أو لم يَأْخُذْ؛ لأنَّ الغَرَرَ لم يَزُلْ، فإنَّ الرَّهْنَ يَحْتَمِلُ أن يَتْلَفَ، ويَحْتَمِلُ أن يُفْلِسَ الغَرِيمُ والضَّمِينُ،
ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ مع الرَّهْنِ أو الضَّمِينِ، لأنَّ الوَثِيقةَ قد حَصَلَتْ به، والعَوارِضُ نادِرةٌ، على خِلافٍ
الأصْلِ. فإن باعَ بأكْثَرَ ممَّا يُساوي حالاً، وجَعَلَ الزّيادةَ مُؤَجَّلةٌ، جاز؛ لأنَّ الزّيادةَ رِبْحٌ. وإن اشْتَرَى
نّسِيئةً، جاز؛ لأنَّه لا غَرَرَ فيه. ولا يجوزُ أن يَذْفعَ به رَهْناً؛ لأنَّ الرَّهْنَ أمانةٌ، وقد يَتْلَفُ، أو يَجْحَدُه
الغَرِيمُ. وليس له أن يَدْفَعَ ماَلَه سَلَماً؛ لأنَّه في مَعْنَى البَيْعِ نَسِيئَةً. وله أن يَسْتَسْلِفَ في ذِمَّتِه؛ لأنّه في معنى
الشّراءِ نَسِيئَةً. وليس له أن يُقْرِضَ؛ لأَنَّهِ تَبَرَّعْ بالمالِ، وَفيه خَطَرٌ به. وله أن يَقْتَرِضَ؛ لأنَّه يَنْتَفِعُ بالمالِ.
وليس له أنْ يَدْفَعَ مالَه مُضَارَبةً؛ لأنَّه يُسَلِّمُه إلى غيرِهِ، فَيُغَرِّرُ به. وله أن يَأْخُذَ المَالَ قِرَاضاً؛ لأنَّه من أنواعِ
الكَسْبِ.
ينظر: المغني (١٤ /٤٨٤).
(٢) في أ: الجناية.
(٣) قال ابن قدامة وجملتُه أنَّ الرِّبَا يَجْرِيٍ بينَ العبدِ وسَيِّدِه، فلم يَجُزْ أنْ يَبِيعَه دِرْهماً بدِرْهَمَيْنٍ، كالأجْتَبِّيْنِ.
وقال ابنُ أبي موسى: لا رِبًا بينَهما، لأَنَّه عبدٌ في الأَظْهَرِ من قَوْلِه، ولا ربَا بين العبدِ وسَيِّدِه، ولهذا جازَ
أن يُعَجِّلَ لسَيِّدِهِ، ويَضَعَ عنه بَعْضَ كِتابَتِهِ، وله وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ إذا شَرَطَ، ولو حَمَلَتْ منه صارتْ له بذلك أُمَّ
وَلَدٍ. ووَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: أنَّ السَّيِّدَ معَ مُكاتَبِه في بابِ المُعامَلةِ كالأجْنَبِيِّ، بِدليلٍ أنَّ لكلٌّ واحدٍ منهما
الشُّفْعةَ على صاحِبِهِ، ولا يَمْلِكُ كلُّ واحدٍ منهما النَّصَرَّفَ فيما بِيَدِ صاحِبِهِ، وإنَّما يَتَعلَّقُ لسَيِّدِهِ حَقٌّ في ما
بِيّده؛ لكَوْنِهِ بَعرضِيَّةِ أن يَعْجِزَ، فَيَعُودَ إليه، وهذا لا يَمْنَعُ جَرَيانَ الرِّبَا بينَهما، كالأبِ مع ابْنِه. فعلى هذا
القَولِ، لا يجوزُ التَّفاضُلُ بينَهما فيما يَخْرُمُ التَّفاضلُ فيه بَيْنِ الأجْتَبِّيْنِ، ولا النِّسَاءُ في ما يَخْرُمُ النَّسَاءُ فيه
بينَ الأجانِبِ.
ينظر: المغني (١٤ /٤٨٥ - ٤٨٦).

٤٤٥
كتاب المكاتب
وكذا لا يجوز ذلك للمولى لما بينا، وله أن يأذن لعبده في التجارة، لأن الإذن في
التجارة وسيلة إلى الاكتساب، والمكاتب مأذون في الاكتساب، فإن لحقه دين بيع فيه إلا أن
يؤدي عنه المكاتب؛ لأن إذنه قد صح، فصحت استدانته فيباع فيه كما في عبداً لحر، وله أن
يحط شيئاً بعد البيع لعيب ادعى عليه أو يزيد في ثمن شيء قد اشتراه؛ لأنه بالكتابة صار مأذوناً
بالتجارة، وهذا من عمل التجارة وليس له أن يحط بعد البيع بغير عيب.
ولو فعل لم يجز لأنه من باب التبرع، وهو لا يملك التبرع، وله أن يرد ما اشترى
بالعيب إذا لم يرض به، سواء اشترى من أجنبي أو من مولاه؛ لأنه أولى بكسبه محرم من
مولاه، فصار كالعبد المأذون إذا كان عليه دينٌ وله الشفعة فيما اشتراه/ المكاتب؛ لأن أملاكهما ٢٠٣/٢ب
متميزة، ولهذا جاز بيع أحدهما من صاحبه، فصارا كالأجنبيين، وله أن يأذن لعبده في التجارة،
لأنه من باب الاكتساب، ولا تجوز هبة المكاتب شيئاً من ماله ولا إعتاقه، سواء عجز بعد ذلك
أو عتق وترك وفاء؛ لأن هذا كله تبرع وكسب المكاتب لا يحتمل التبرع.
وحكي عن ابن أبي ليلى أنه قال: عتقه وهبته موقوفان، فإن عتق يوماً مضى ذلك عليه،
وإن رجع مملوكاً بطل ذلك.
وجه قوله: إن حال المكاتب موقوف بين أن يعتق وبين أن يعجز، فكذا حال عتقه
وهبته، والجواب أن العقد عندنا إنما يتوقف إذا كان له مجيز حال وقوعه، وههنا لا يجيز لعتقه
حال وقوعه، فلا يتوقف، فإذا وهب هبة أو تصدق ثم عتق ردت إليه الهبة والصدقة حيث
كانت، لأن هذا عقد لا مجيز له حال وقوعه فلا يتوقف، وسواء كان الإعتاق بغير بدل أو
ببدل، أما بغير بدل فلما قلنا، وأما ببدل فلأن الإعتاق ببدل ليس من باب الاكتساب؛ لأن
العتق فيه يثبت بنفس القبول ويبقى البدل في ذمة المفلس، ولا يملك التعليق كما لا يملك
التنجيز؛ كما لو قال له: إن دخلت الدار فأنت حر، لا يصح.
وكذا إذا قال [له](١): إن أديت إليَّ ألفاً فأنت حر، لا يصح؛ لأن ذلك تعليق وليس
بمكاتبة لما ذكرنا في ((كتاب العتاق))، وللمكاتب أن يكاتب عبداً من اكسابه استحساناً، والقياس
أن لا يجوز؛ لأنه عقد يفضي إلى العتق، فلا يجوز كما لو اعتقه على مال.
وجه الاستحسان أن المكاتبة نوع اكتساب المال، والمكاتب يملك اكتساب المال، ولهذا
ملك البيع؛ وكذا المكاتبة بخلاف الإعتاق على مال، فإن ذلك ليس باكتساب المال.
ألا ترى أن المكتسب بعد الإعتاق لا يكون له، بل يكون للعبد، وإنما المكاتب له دين
(١) سقط من ط .

٤٤٦
كتاب المكاتب
يتعلق بذمة المفلس، فكان ذلك إعتاقاً بغير بدل من حيث المعنى، وفي المكاتبة المكسب
يكون للمكاتب، فلم يكن إعتاقاً بغير بدل، فافترقا.
وكذا لو اشترى المكاتب ذا رحم محرم منه، لا يعتق؛ لأن شراء القريب إعتاق، وهو لا
يملك الإعتاق، ولو اشترى ذا رحم مَحرم من مولاه، لا يعتق على مولاه؛ لأن هذا كسب
المكاتب، والمولى لو أعتق عبداً منّ اكسابه صريحاً لا يعتق، فبالشراء أولى، فإن أدى الأعلى
أولاً عتق يثبت ولاؤه من المولى؛ لأن العتق حصل منه، فإذا أدى الأسفل بعد ذلك يثبت
ولاؤه من الأعلى، لأنه بالعتق صار من أهل ثبوت الولاء منه، وإن أدى الأسفل أولاً يعتق
ويثبت ولاؤه من المولى ولا يثبت من الأعلى؛ لأنه ليس من أهل ثبوت الولاء، فإن عتق بعد
ذلك لا يرجع إليه الولاء، لأن ولاء العتاقة متى ثبت لا يحتمل الانتقال بحالٍ، وإن أدَّيا جميعاً
معاً ثبت ولاؤهما معاً من المولى، وليس للمكاتب أن يكاتب ولده ولا والده.
والأصل أن كل من لا يجوز له أن يبيعه لا يجوز له أن يكاتبه إلاَّ أم ولده لأن هؤلاء
يعتقون بعتقه، فلا يجوز أن يسبق عتقهم عتقه، ولأنهم قد دخلوا في كتابة المكاتب، فلا يجوز
أن يكاتبوا ثانياً، بخلاف أم الولد، ولا يملك التصديق إلا بشيء يسير، حتى لا يجوز له أن
يعطي فقيراً درهماً، ولا أن يكسوه ثوباً؛ وكذا لا يجوز أن يهدي إلاَّ بشيءٍ قليل من المأكول،
وله أن يدعو إلى الطعام لأن ذلك [من](١) عمل التجار.
وقد روي أن سلمان - رضي الله عنه - أهدى إلى رسول الله وَّر وكان مكاتباً فقبل ذلك
منه، وكذا روي أن رسول الله وَ﴿ كان يجيب دعوة المملوك، ولأن ذلك وسيلة إلى أداء
مال(٢) الكتابة؛ لأنه يجذب قلوب الناس فيحملهم ذلك على الإهداء إليه، فيمكن من أداء بدل
الكتابة .
ويملك الإجارة والإعارة والإيداع؛ لأن الإجارة من التجارة؛ ولهذا ملكها المأذون
بالتجارة والإعارة والإيداع من عمل التجار وضرورات التجارة، ولا يجوز له أن يقرض؛ لأن
القرض تبرع بابتدائه.
وقيل: معنى قوله لا يجوز، أي: لا يطيب للمستقرض أكله، لا ألا يملكه المستقرض
حتى [أنه](٣) لو تصرف فيه نفذ تصرفه، لأنه تصرف في ملكه ويكون المستقرض مضموناً
عليه، وهذا ما قلنا فى حق الإعتاق أنه لا يجوز، ومعناه أنه لا يطيب له أكله، لكنه يكون
مضموناً عليه، حتى لو كان عبداً فأعتقه نفذ إعتاقه؛ لأنه أعتق ملك نفسه؛ كذا قرض
(١) سقط من ط.
(٣) سقط من ط .
(٢) في أ: بدل.

٤٤٧
كتاب المكاتب
المكاتب، ولا تجوز وصيته لأنها تبرعٌ، ولا تجوز كفالة المكاتب بالمال ولا بالنفس، بإذن
المولى ولا بغير إذنه؛ لأنها تبرعٌ.
أما الكفالة بالنفس فلأنها التزام تسليم النفس من غير عوض، والكفالة بالمال التزام تسليم
المال من غير عوض إن كانت بغير إذن المكفول/ عنه، وإن كانت بإذنه، فهي وإن كانت مبادلة ٢/ ١٢٠٤
في الانتهاء فهي تبرع في الابتداء، والمكاتب ليس من أهل التبرع، وسواء أذن [له] (١) المولى فيها
أو لم يأذن، لأن المولى لا يملك كسبه، فلا يصح إذنه بالتبرع، ويجوز له أن يتوكل بالشراء، وإن
كان ذلك يوجب ضماناً عليه للبائع وهو الثمن، لأن عند بعض مشايخنا ملك المبيع يثبت له
أولاً، ثم ينتقل إلى الموكل، فصار كالبيع منه، وعند بعضهم إن كان لا يثبت له لكن الوكالة من
ضرورات التجارة، فإن أدى فعتق لزمته الكفالة؛ لأن الكفالة وقعت صحيحة في حقه؛ لأنه أهل
إلا أنه يطالب به في الحال، لأنه لم يصح في حق المولى، فإذا عتق فقد زال حق المولى فيطالب
به كالعبد المحجور إذا كفل ثم عتق، بخلاف الصبي إذا كفل ثم بلغ؛ لأن الصبي ليس من أهل
الكفالة، لأنه ليس له قول صحيح في نفسه، بخلاف العبد تصرف في ملكه، وتجوز كفالته عن
سيده؛ لأن بدل الكتابة واجب عليه، فلم يكن متبرعاً بها، والأداء إليه وإلى غيره سواء.
وهل يجوز له قبول الحوالة؟ فهذا على وجهين: إن كان عليه دين الإنسان، وعلى
صاحب الدين دين لآخر فأحاله على المكاتب فهو جائز، لأنه ضمن مالاً كان واجباً عليه، فلم
يكن متبرعاً، ولا فرق بين أن يؤدي إلى هذا أو إلى غيره.
وإن كان الإنسان على آخر دين فأحاله على المكاتب وقبل الحوالة وليس عليه دين للذي
أحال عليه لا يجوز؛ لأنه تبرع وله أن يشارك حرّاً (٢) شركة عنان، وليس له أن يشاركه شركة
مفاوضة؛ لأن مبنى المفاوضة على الكفالة وهو ليس من أهل الكفالة، وشركة العنان غير مبنية
على الكفالة، بل على الوكالة، والمكاتب من أهل الوكالة.
ولو كاتب الرجلُ عبدين له مكاتبةً واحدةً على ألف درهم؛ على أن كل واحد منهما
كفيل عن صاحبه، فهذه المسألة على ثلاثة أوجه:
إما أن كاتبهما على مال وجعل كل واحد منهما كفيلاً عن صاحبه، وإما أن كاتبهما على
مال ولم يجعل كل واحد منهما كفيلاً عن صاحبه، ولكنه قال: إن أديا عُتقا، وإن عجزا ردًّا في
الرق، وإما أن كاتبهما على مال ولم يكفل كل واحد منهما عن صاحبه ولم يقل أيضاً إن أديا
عتقا، وإن عجزا رُدًّا في الرق.
(١) سقط من ط .
(٢) في أ: آخر.

٤٤٨
كتاب المكاتب
أما إذا كاتبهما على أن كل واحد منهما كفيلٌ عن صاحبه، فالقياس أن لا تجوز هذه
الكتابة، وفي الاستحسان تجوز إذا قبلا.
وجه القياس أن هذه كتابة بشرط الكفالة، وكفالة المكاتب عن غير المولى لا تصح؛
ولأنه كفالة ببدل الكتابة والكفالة ببدل الكتابة باطلة .
وجه الاستحسان: أن هذا ليس بكفالة في الحقيقة، بل هو تعليق العتق بالأداء والمولى
(١) هكذا كان جائزاً؛ كذلك هذا.
يملك تعليق عتقهما بأداء كل واحد منهما، ولو فعل(١
وأما إذا كاتبهما على ألف درهم على أنهما إن أديا عتقا، وإن عجزا رُدًّا في الرق،
فكذلك الجواب في قول علمائنا الثلاثة، وعند زفر: كل واحد منهما مكاتب على حدة، فأيهما
أدى حصته يعتق.
وجه قوله إن كل واحد منهما يلزمه كتابة نفسه خاصة، فلا يجب عليه كتابة غيره ما لم
يشترطا، ولم يوجد الشرط.
ولنا أن المولى علق عتقهما بأداء الألف، فما لم يوجد لا يقع العتق؛ كما إذا قال لعبدين
له إن دخلتما هذه الدار فأنتما حران، فدخل أحدهما لا يعتق ما لم يدخلا جميعاً، فكذلك ههنا
لا يعتق واحد منهما إلا بأداء الألف، وإذا لم يعتق واحد منهما إلا بأداء الألف صار جميع
الألف على كل واحد منهما، فصار كما إذا كفل كل واحد منهما عن صاحبه.
ونظير هذا الاختلاف ما قالوا في ((كتاب الطلاق)) و((العتاق)) إن من قال لامرأتين له: إن
شئتما فأنتما طالقان، أو قال لعبدين له: إن شئتما فأنما حران؛ أنه على قول زفر: أيهما شاء
يعتق وانصرف مشيئة كل واحد منهما إلى عتق نفسه، وطلاق نفسها، وفي قول علمائنا الثلاثة:
ما لم توجد مشيئتهما جميعاً في طلاقيهما جميعاً أو عتقيهما جميعاً، لا يعتق واحد منهما؛
کذلك ههنا.
وأما الفصل الثالث: وهو ما إذا كاتبهما على ألف درهم ولم يقل: إن أديا عتقا وإن
عجزا رُدًّا في الرق، فأيُّهما أدى حصته فإنه يعتق في قولهم جميعاً؛ لأنه لم يعلق عتقهما
بأدائهما جميعاً، فانصرف نصيب كل واحد منهما إليه خَاصَّةً، وصار كل واحد منهما مكاتباً
على حدة، ثم إذا كاتبهما كتابة واحدة فأدى أحدهما شيئاً منه، كان له أن يَرْجع على صاحبه
بنصفه، بخلاف ما إذا كان الدين على رجلين وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فأدى أحدهما
(١) في أ: كفل.

٤٤٩
كتاب المكاتب
شيئاً؛ أنه لا يرجع على صاحبه ما لم يجاوز النصف، فإذا جاوز النصف يرجع على صاحبه
بالزيادة .
وجه الفرق: أن في مسألتنا هذه لو جعلنا أداء عن نفسه أدى ذلك إلى تغيير شرط
المولى؛ لأنه يعتق ومن شرط عتقهما جميعاً، فإذا كان الأمر/ هكذا فكان أداؤه عن نفسه وعن ٢/ ٢٠٤ب
صاحبه حتى لا يؤدي إلى تغير شرط المولى، وهذا المعنى لم يوجد في تلك المسألة، فإن
أداءه عن نفسه لا يؤدي إلى تغيير شرط المولى، فكان أداؤه عن نفسه إلى النصف، لأن نصف
الدين عليه، فإن مات أحد المكاتبين لا يسقط شيء من الكتابة، ويؤخذ من الحي جميع
الكتابة، وبمثله لو أعتق أحدهما سقطت حصته.
ووجه الفرق بينهما: أن الميت من أهل أن تكون عليه الكتابة؛ ألا ترى أن المكاتب إذا
مات عن وفاء يؤدي كتابته، وكذا لو ترك ولداً تؤخذ منه الكتابة، فأما المعتق فليس من أهل أن
تجب عليه الكتابة .
ألا ترى أن المكاتب لو كان واحداً فأعتقه المولى بطلت عنه الكتابة؛ وكذلك ههنا تبطل
حصته والمولى بالخيار إن شاء أخذ بحصته المكاتب، وإن شاء أخذ المعتق بحق الكفالة، فإن
أخذ المكاتب لا يرجع عليه؛ لأنه أدى دين نفسه، وإن أخذ المعتق وأدى رجع على المكاتب؛
لأنه كفيله، ولا يجوز للمكاتب أن يتزوج بغير إذن مولاه.
وكذا المكاتبة لأن المكاتب عَبْدٌ ما بقي عليه درهمٌ، وقد قال رسولُ اللهِ وَرَ: ((أيَّمَا عَبْد
تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلاَهُ فَهُوَ عَاهِرٌ) (١) ولأن المولى يملك رقبة المكاتب، والمكاتب يملك منافعه
ومكاسبه، فصار بمنزلة عبد مشترك بين اثنين أنه لا ينفرد أحدهما بالنكاح، ولا يزوج ابنه
وابنته؛ لأن جواز الإنكاح يعتمد الولاية، ولا ولاية له؛ إذ هو عبدٌ، ولا يزوج عبده لما قلنا،
ويزوج أمته ومكاتبته؛ لأن تزويجهما من باب الاكتساب، وعقد الكتابة عقد اكتساب المال،
بخلاف تزويج العبد، لأنه يتعلق المهر برقبته، فلم يكن اكتساباً، ويجوز(٢) إقراره بالدين
واستيفاؤه؛ لأن ذلك من ضرورات التجارة، والمكاتبة إذن بالتجارة، فكان هو إذناً بما هو من
ضرورات التجارة، ولا تجوز وصية المكاتب في ماله، وإن ترك وفاء، أما إذا لم يترك وفاء،
فلا شك فيه، لأنه مات عبداً فلا تجوز وصيته، وأما إذا ترك وفاء، فلأنا وإن حكمنا بعتقه فإنما
حكمنا به قبيل الموت بلا فصل، وتلك الساعة لطيفة لا تتسع للفظ الوصية.
ولو أوصى ثم أدى الكتابة في حال حياته وعتق، فإن وصيته على ثلاثة أوجه: في وجه
لا تجوز بالإجماع، وفي وجه تجوز بالإجماع، وفي وجه اختلفوا فيه.
(١) تقدم تخريجه في كتاب النكاح.
(٢) في أ: ولا يجوز.
بدائع الصنائع ج٥ - م٢٩

٤٥٠
كتاب المكاتب
فأما الوجه الذي تجوز بالإجماع فهو: أن يقول: إذا عتقت فثلث مالي وصية، فأدى،
فعتق ثم مات، صحت وصيته بالإجماع؛ لأنه أضاف الوصية إلى حال الحرية والحرُّ من أهل
الوصية.
وأما الوجه الذي لا تجوز بالإجماع: وهو أن يوصي بعين ماله لرجل فأدى فعتق ثم
مات، لا يجوز؛ لأنه ما أضاف الوصية إلى حال الحرية، وإنما أوصى بعين ماله فيتعلق بملكه
في ذلك الوقت، وهو ملك المكاتب، وملك المكاتب لا يحتمل التبرع، فلا يجوز إلا إذا أجاز
تلك الوصية بعد العتق فتجوز؛ لأن الوصية مما يجوز [بلفظ] (١) الإجازة بدليل أن رجلاً لو قال
لورثته: أجرتُ لكم أن تعطوا ثلث مالي فلاناً، كان ذلك منه وصية.
وأما الوجه الذي اختلفوا فيه فهو: ما إذا أوصى بثلث ماله ثم أدى فعتق ثم مات، قال
أبو حنيفة: لا تجوز الوصية إلا أن يجيزها(٢) بعد العتق؛ لأنها تعلقت بملك المكاتب، وملكه
لا يحتمل المعروف، وقال أبو يوسف ومحمد، تجوز، وهذا نظير ما ذكرنا في ((كتاب العتاق)»
أنه إذا قال العبد أو المكاتب: كل مملوك أملكه إذا أعتقت فهو حر، فأعتق ثم ملك مملوكاً،
يعتق بالإجماع، ولو لم يقل إذا أعتقت لا يعتق بالإجماع.
ولو قال: كُلُّ مملوك أملكه فيما استقبل فهو حر، فعتق وملك مملوكاً لا يعتق في قول
أبي حنيفة، وعندهما يعتق، والحجج على نحو ما ذكرنا في العتاق.
ويجوز للمكاتب قبول الصدقات؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] قيل في
التفسير [إن المراد بها] (٣) ما أداها المكاتبون، ويحل للمولى أن يأخذ ذلك من قضاء من
المكاتبة، ويحل له تناوله بعد العجز، وإن كان المولى غنيّاً لأن العين تختلف باختلاف أسباب
الملك حكماً، وإن كانت عيناً واحدة حقيقة.
والأصلُ فيه ما روي أن بريرة - رضي الله عنها - كانت يتصدق عليها، وكانت تهدي ذلك
إلى رسول الله وَّ﴿ وكان يأكل منه ويقول: ((هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ)) (٤) وكذلك الفقير إذا مات
وترك مالاً جمعه من الصدقات ووارثُهُ غنيٌّ يحل له أكله لما قلنا.
ولو أوصى المكاتب إلى رجل، أي: جعله وصياً، ثم مات، فإن مات من غير وفاء،
١٢٠ بطل إيصاؤه، لأنه مات عبداً، والعبد/ ليس من أهل الإيصاء، وإن مات بعد ما أدى بدل
(١) سقط من ط .
(٢) في ط: يحددها.
(٣) سقط من ط .
(٤) تقدم تخريجه وهو جزء من حديث عتق بريرة.

٤٥١
كتاب المكاتب
الكتابة، جاز الإيصاء، وتكون وصيته كوصية الحر؛ لأن الولاية إنما تنتقل إليه عند الموت،
وعند الموت كان حُرّاً فتنتقل الولاية إليه، فصار كوصي الحر، وإن مات عن وفاء ولم يؤد في
حال حياته، فإن وصيه يكون وصيّاً على أولاده الذين دخلوا في كتابته، دون الأولاد الأحرار
الذين ولدوا من امرأةٍ حرة، ويكون أضعف الأوصياء كوصي الأم، فيكون له ولاية الحفظ ولا
يكون له ولاية البيع والشراء على رواية الزيادات، وعلى رواية ((كتاب القسمة)» جعل كوصي
الأب، حيث أجاز قسمته في العقارات، والقسمة بمعنى(١) البيع، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
فصل فيما يملك المولى من التصرف في المكاتب
وأما بيان ما يملك المولى من التصرف في المكاتب وَمَا لا يملكه، فيشتمل عليه حكم
المكاتبة، نذكره في فصل الحكم، إن شاء الله - تعالى -.
فصل في صفة المكاتبة
وأما صفة المكاتبة فنوعان :
أحدهما: أنها عقد لازم من جانب المولى إذا كان صحيحاً حتى لا يملك فسخه من غير
رضا المكاتب، إذا لم يحل نجم أو نجمان على الخلاف، غير لازم في جانب المكاتب حتى
ينفرد بفسخه من غير رضا المولى؛ لأنه عقد شرع نظراً للعبيد، وتمام نظرهم في أنه (٢) يلزم في
حقهم، ويجوز ردُّ المكاتب إلى الرق وفسخ الكتابة دون قضاء القاضي عند عامة العلماء، وقال
ابن أبي ليلى: لا يجوز رده إلا عند القاضي، لأن العقد قد صح فلا ينفسخ إلاَّ بقضاء القاضي.
وَلَنَا ما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه أجاز ذلك(٣)، ولم ينقل عن
غيره خلافه، وإليه أشار في الأصل فقال: بلغنا ذلك عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، ولأن
المكاتب قد ثبت له الخيار في عقد الكتابة، لأن له أن يعجز نفسه ومن له الخيار في العقد إذا
فسخ العقد يصح فسخه دون القاضي؛ كالبيع بشرط الخيار وغيره، فأما الفاسد منه فغير لازم
من الجانبين، حتى ينفرد كل واحدٍ منهما بالفسخ من غير رضا الآخر، لأن العقد الفاسد واجب
النقض والفسخ حق للشرع رفعاً للفساد كالبيع الفاسد وغيره.
والثاني: أنها متجزئةٌ في قول أبي حنيفة، وعندهما غير متجزئة؛ لأنها عقد يفضي إلى
العتق، والعتق متجزىءٌ عنده، وعندهما لا يتجزأ؛ كذا المكاتبة، وعلى هذا يخرج ما إذا كاتب
(١) في ط: تمنع.
(٢) في ط: ألاَّ.
(٣) تقدم ذلك وينظر ((السنة)) للبيهقي (١٠/ ٣٤٢).
١

٤٥٢
كتاب المكاتب
رجلٌ نصف عبده، أنه جازت الكتابة في النصف، وصار نصفه مكاتباً عند أبي حنيفة؛ لأَن
الكتابة متجزئة عنده، فصحت في ذلك النصف لا غير، وصار في النصف الآخر مأذوناً
بالتجارة، لأن الكتابة تقتضي وجوب أداء بدل الكتابة، ولا يمكنه الأداء إِلا بالإِذن، والإذنُ لا
يتجزأ، فصار الإِذن في قدر الكتابة إذناً في الكلِّ، فصار مأذوناً في النكل ونصفه مكاتب، فإن
أدى عتق نصفه، وصار النصف الآخر مستسعى، فإن شاء أعتق، وإن شاء استسعى غير مشقوق
عليه، بمنزلة رجل أعتق نصف عبده، فإن اكتسب العبد مالاً قبل الأداء، فنصفه له ونصفه
للمولى في قول أبي حنيفة، لأن نصفه مكاتبٌ ونصفه رقيقٌ في قولهما، والكسب كله
للمكاتب، لأنه كله(١) صار مكاتباً، وما اكتسب بعد الأداء فكله للمكاتب بالإجماع، وليس
للمولى فيه شيء.
أما على قولهما فلا يشكل لأنه حُرّ عليه دين، وأما على أصل(٢) أبي حنيفة فلأن
المستسعي كالمكاتب، وكسب المكاتب له.
وإذا كاتب نصف عبده ثم أراد أن يحول بينه وبين الكسب، لم يكن له ذلك، لأنه لما
كاتب نصفه فقد أذن له بالاكتساب؛ لأنه لا يتوصل إلى أداء بدل الكتابة إِلا بالكسب، فلا
يملك الحجر عليه إلاَّ بعد فسخ الكتابة، ولا يفسخ إِلاَّ برضاه بخلاف العبد المأذون له(٣)، أنه
يملك حجره ومنعه من الاكتساب؛ لأنه إنما صار مأذوناً بالقول، فيصير محجوراً عليه بحجره،
والإذنُ هُهنا لا بالقول (٤)، بل مقتضى الكتابة فلا يصير محجوراً عليه إلا بفسخ الكتابة، فإِن
أراد أن يخرج من المصر فله منعه بالقياس، ولكن أستحسن أن لا يمنعه، وكذلك إذا أراد أن
يستخدمه يوماً، أو يستسعيه يوماً ويخلى عنه يوماً للكسب، له ذلك في القياس، ولكن
أستحسن أن لا يتعرض له في شيء حتى يؤدي أو يعجز؛ كذا ذكر في الأصل.
وجه القياس: أن نصفه رقيقٌ لم تزل يده عنه، فله أن يمنعه من الخروج من المصر لأجل
النصف، فيقول له إن كان نصفك مكاتباً، فالنصف الآخر غير مكاتب، فلى المنع، فكان له أن
يمسكه ويستخدمه يوماً كالعبد المشترك.
وجه الاستحسان: أنه بعقد الكتابة صار مأذوناً بالاكتساب، وذلك بالخروج إلى
٢٠٥/٢ب الأمصار، فلا يجوز له/ منعه وأَن يحول بينه وبين الاكتساب بالاستخدام، وَلاَ يُمْكِنُهُ أن يخرج
بالنصف دون النصف، أو يستخدم النصف دون النصف، فإما أن يجعل النصف الذي هو
مكاتب تبعاً للنصف الذي ليس بمكاتب، أو يجعل النصف الذي هو غير مكاتب تبعاً للنصف
(١) في أ: نصفه.
(٢) في أ: قول.
(٣) في ط : كله.
(٤) في ط: لا يثبت بالقبول.

٤٥٣
كتاب المكاتب
الذي هو مكاتب، وهذا الثاني أولى لأن الحرية والرق إذا اجتمعا غلبت الحرية الرق، وفي
الكتابة شعبة من العتق؛ لأنّهَا تعقد للعتق في المستقبل وهي سبب من أسبابه، وإذا كاتب نصف
عبده ثم أراد أن يبيع الباقي، فإن باعه من غير العبد لا يجوز، لأن حق الحرية تعلق بالرقبة،
فلا يجوز بيعه من غيره؛ كما لو اعتق نصفه أو دبر نصفه ثم باعه؛ أنه لا يجوز؛ كذا هذا،
ولأن المكاتب له أن يكتب ويخرج من المصر بغير إذنِ المولى، فصار كأنه باعه بشرط أن لا
يسلم إلى المشتري، ولو فعل هكذا كان البيع فاسداً؛ كذلك هذا.
وَلَوْ بَاعَ نصف نفسه من العبد لا يجوز؛ لأن بيع العبد من نفسه [ليس](١) بيع في
الحقيقة، بل هو إِعتاق بمال، بدليل أن الولاء يثبت منه بدليل أنه لو باع نفس (٢) المدبر من
المدبر يجوز، ولو كان بيعاً لما جاز.
وإذا أعتق نصفه فالعبد بالخيار: إن شاء أدى الكتابة وعتق، وإن شاء عجز ويسعى في
نصف قيمته؛ لأنه يوجه إِليها وجها عتق في ذلك النصف، عتق بأداء الكتابة، وعتق بالسعاية،
فله أن يميل إلى أي الوجهين شاء.
عبد بين رجلين كاتبه أحدهما، فالأمر لا يخلو إما أن كاتب نصفه أو كله، وكل ذلك لا
يخلو إما أن يكون بإذن شريكه أو بغير إذنه، وإذا أذن فلا يخلو إما أن أذن له بقبض بدل الكتابة
أو لم يأذن.
فإِن كاتب نصفه بغير إذن شريكه صار نصيبه مكاتباً، لكن لشريكه أن ينقض الكتابة؛ لأنه
يتضرر به في الحال، وفي ثاني الحال؛ لأنه لا يجوز بيعه في الحال لأن نصفه مكاتب، وفي
الثاني يصير مستسعى فكان له حق الفسخ، والكتابة تحتمل الفسخ ولا يصح فسخ إلا بقضاء
القاضي، لأن الشريك الذي كاتب تصرف في ملك نفسه، فلا يفسخ تصرفه إلا بقضاء القاضي
أو برضا العبد، فإِن لم يعلم به الشريك حتى أدى، عتق نصفه، لأن الكتابة نفذت في نصيبه،
فِذا وجد شرط العتق عتق، ثم الذي لم يكاتب له أن يرجع على الشريك فيقبض منه نصف ما
أخذ، لأن ما أخذه كان كسب عبد بينهما، فكان له أن يشاركه في المأخوذ، ثم الذي كاتب له
أن يرجع على العبد بما قبض شريكه منه؛ لأنه كاتبه على بدل ولم يسلم له إِلا نصفه، فكان له
أن يرجع عليه إلى تمام البدل، وما يكون من الكسب في يد العبد له نصفه بالكتابة، ونصفه
لشريكه الذي لم يكاتب هذا في الكسب الذي اكتسبه قبل الأداء.
وَأَما ما اكتسبه بعد الأداء فهو له خَاصَّةً؛ لأَنه بعد الأَداء يصير مستسعى، والمستسعي
(١) سقط من ط.
(٢) في أ: نصف.

٤٥٤
كتاب المكاتب
أحق بمنافعه ومكاسبه من السيد، فإِن اختلف العبد والمولى، فقال العبد: هذا كسب اكتسبته
بعد الأداء، وقال المولى: بل اكتسبته قبل الأداء، فالقولُ قولُ العبد؛ لأن الكسب شيءٍ
حادث، فيحال حدوثه إلى أقرب الأوقات، وصار الحكم بعد كعبد بين اثنين أعتقه أحدهما،
فإن كان موسراً فللشريك ثلاث اختيارات، وإِن كان معسراً فخياران.
هذا إذا كان بغير إذن الشريك فإذا كان بإذنه، فإن كان لم يأذن له بقبض الكتابة، فهذا
والأول سواءً إلا في فصلين:
(أحدهما): أَنه لا يكون له حق الفسخ ههنا لوجود الرضا، (والثاني): أنه ليس له أن
يضمنه نصف قيمة العبد بعد ما عتق؛ لأنه رضي بالعتاق حيث أذن له في الكتابة، وإِن كان أذن
له بقبض بدل الكتابة فهذا والأول سواء إلا في ثلاثة فصول: اثنان قد ذكرناهما، (والثالث): أن
ما قبض ليس له أن يشاركه.
هذا إذا كاتب النصف، فأما إذا كاتب الكل فهذا والأول سواء إلا في فصل واحدٍ، وهو
أنه إذا أخذ الشريك منه نصف ما قبض من الكتابة لا يرجع بذلك على المكاتب، هذا إذا كان
بغير إذن الشريك، فأما إذا كان بإذنه وأجاز قبل أن يؤدي، صار مكاتباً بينهما، فلا يعتق جميعه
إلاَّ بأداء الألف إليهما معاً عتق، وإِن أدى إلى أحدهما أولاً لا يعتق، لأن المكاتبة وقعت
بصيغة(١) واحدة، هذا إذا لم يأذن له بقبض الكتابة، فإن أذن له بقبض الكتابة، فإن أدى إليهما
عتق كله، وإن أدى جميعه إلى الذي كاتب عتق كله، والألف بينهما، وإِن أدى كله إِلى
١٢٠٦/٢ الشريك، لا يعتق حتى يصل نصفه إِلى شريكه، وهذا كله قول أبي حنيفة/ .
وأما على قولهما فإن كتابة النصف وكتابة الجميع سواء، لأن الكتابة عندهما لا تتجزأ،
فإن لم يجز صاحبه حتى أدى، عتق كله ويأخذ الشريك منه نصف ما قبض، ولا يرجع هو
على العبد بما قبض منه شريكه، ونصف الكسب الفاضل للمكاتب، ونصفه للذي لم يكاتب،
والولاء كله للذي كاتبه، ويضمن حصة شريكه إن كان موسراً، ويسعى العبد إن كان معسراً،
وإن أجاز شريكه صار مكاتباً بينهما، فإن أدى إليهما معاً عتق، والولاء بينهما، وجميع الكسب
للمكاتب، وإن أدى إلى أحدهما لا يعتق حتى يصل نصفه إلى الآخر، إلا إذا أذن لشريكه
بقبض الكتابة، فإن أدى كله إلى المأمور عتق، وإن أدى كله إلى الأمر لا يعتق، حتى يصل
نصفه إلى المأمور.
ولو كان عبدٌ بين رجلين كاتب كل واحد منهما نصيبه على الانفراد، بأن كاتب أحدهما
(١) في أ: صفقة.

٤٥٥
كتاب المكاتب
نصيبه على ألف درهم، ثم كاتب الآخر نصيبه على مائة دينار، صار نصيب كل واحد منهما
مكاتباً له، فإذا أدى إليهما معاً عتق، وإِنْ أَدَّى إِلى أحدهما عتق نصيبه، ولا يشاركه الآخر فيما
قبض، لأنه لما كاتب صار راضياً بكتابته، وللمكاتب أن يقضي غريماً دون غريم، ونصيب
الآخر مكاتب على حاله، فإذا أدى نصيب الآخر عتق والولاء بينهما، وإِن لم يؤد نصيب الآخر
ولكنه عجز، صار كعبد بين اثنين أعتقه أحدهما، والجواب فيه معروف.
وكذلك لَوْ كَاتَبَ كل واحد جميع العبد، صار نصيب كل واحد منهما مكاتباً له بالبدل
الذي سمى، فما لم يوجد جميع المسمى لا يعتق، والحكم فيه ما ذكرنا أن لو كاتب كل واحد
منهما نصيبه، وهذا قول أبي حنيفة .
وَأَمَّا عَلَى قولهما فكتابة البعض وكتابة الكل سواءٌ، فإن أَدَّى إِليهما عتق والولاء بينهما،
وإِنْ أَدَّى إِلى أحدهما أولاً عتق كله من المؤدي إليه وثبت الولاء منه، ويضمن إِن كان موسراً،
ويسعى العبد إِن كان معسراً، إلا أن على قول محمد يضمن أو يسعى العبد في نصف القيمة أو
في كتابة الآخر في الأقل منهما، وقال أبو يوسف: بطلت كتابة الآخر وإِنما يضمن العبد أو
يسعى في نصف قيمته لا غير.
وَلَوْ كَانَ عبد بين اثنين فكاتباه جميعاً مكاتبةً واحدةً فَأَدَّى إلى أحدهما حصته، لم يعتق
حصته منه ما لم يؤد جميع الكتابة إليهما، لأنهما جَعَلا شرط عتقه أداء جميع المكاتبة، فلا
يعتق إلا بوجود الشرط، بخلاف ما إذا كان لكل واحد منهما عبدٌ فكاتباهما جميعاً مكاتبة
واحدة أن كل واحد منهما يكون مكاتباً على حدة، حتى لو أدى حصته يعتق، لأن ههنا لو
جعل كل نصف مكاتباً على حدة لأدى إلى تغيير شرطهما؛ لأن شرطهما أن يعتق بأداء الكل،
فلا يعتق أحدهما إلا بأداء جميع الكتابة حتى لا يؤدي إلى تغيير الشرط، وهذا المعنى لم يوجد
هناك، لأن عتق أحدهما لا يؤثر في الآخر، فكان الشرط فيه لغواً مكاتب بين رجلين أعتقه
أحدهما .
قال أبو حنيفة: لا ضمان عليه في ذلك لشريكه، موسراً كان أو معسراً، لأن نصيب
الآخر مكاتب على حاله لكون العتق متجزئاً عنده، فإِن أدى عتق، والولاء بينهما لوجود
الإعتاق منهما، وإن عجز صار كعبد بين اثنين أعتقه أحدهما، والحكم فيه ما ذكرنا في ((كتاب
العتاق))، وعلى قولهما عتق كله، لأن الإعتاق لا يتجزأ عندهما، والولاء له إِلا أَن على قول
أبي يوسف صار حكمه حكم عبدٍ بين اثنين أعتقه أحدهما.
وعلى قول محمد إن كان المعتق موسراً ينظر إلى قدر نصيب شريكه وإلى باقي الكتابة،
فأيهما كان أقل ضمن ذلك، وإن كان معسراً سعى العبد في الأقل، فإن لم يعتقه أحدهما ولكن
دبره، صار نصيبه مدبراً ويكون مكاتباً على حاله؛ لأن التدبير لا ينافي الكتابة، فإن أدى الكل

٤٥٦
كتاب المكاتب
عتق، والولاء يثبت منهما، وإِن عجز صار كعبد بين اثنين دبره أحدهما، صار نصيبه مدبراً،
ولشريكه خمس خيارات إِن كان موسراً، وإن كان معسراً فأربع خيارات، وهذا قول أبي
حنيفة .
وفي قولهما صار كله مدبراً، لأن التدبير لا يتجزأ، فبطلت الكتابة، ويضمن لشريكه
نصف القيمة؛ موسراً كان أو معسراً في قول أبي يوسف، وعلى قياس قول محمد وجب أن
يضمن الأقل من نصف القيمة، ومن جميع ما بقي من الكتابة ولو لم يدبره، ولكن كاتب جارية
فجاءت بولد فادعاه أحدهما، ثبت نسب الولد منه، وصار نصيبه أم ولد له.
/ ٢٠٦ب
أما ثبوت النسب فلا خلاف فيه، لأن المولى إذا ادعى ولد مكاتبته ثبت النسب؛ لأن فيه
تأويل الملك ثم المكاتبة بالخيار/ إن شاءت مضت على الكتابة وإن شاءت عجزت نفسها، لأنه
قد ثبت لها حق الحرية من وجهين، فلها أن تختار أيهما شاءت ولا تصير كلها أم ولد [له](١)،
لأن الاستيلاد عندنا يتجزأ فيما لا يمكن نقل الملك فيه، فإن مضت على الكتابة أخذت منه
عقرها واستعانت به على أداء بدل الكتابة، وإن عجزت نفسها وردّت إِلى الرق فإِنها تصير أم
ولد للمستولد، لأن المعنى المانع من نقل الملك فيها قد زال، ويضمن للشريك نصف قيمتها
مكاتبة ونصف عقرها، لا يغرم من قيمة الولد شيئاً، وهذا قول أبي حنيفة.
وعلى قولهما صارت الجارية كلها أم ولد [له] (٢)، لأن الاستيلاد لا يتجزأ، وبطلت
الكتابة فيغرم للشريك نصف القيمة ونصف العقر، موسراً كان أو معسراً، وعلى قول محمد
وجب أن يضمن الأقل من نصف العقر ومن كتابة شريكه.
عبدٌ كافر بين مسلم وذمي كاتب الذمي نصيبه بإذن شريكه على خمر، جازت الكتابة في
قول أبي حنيفة، ولا تجوز في قول أبي يوسف ومحمد، ولا شركة للمسلم فيما أخذ النصراني
منه من الخمر بناءً على أن الكتابة متجزئة عند أبي حنيفة كالعتق، فلما كاتب الذمي نصيبه على
خمر بإذن شريكه، وقعت المكاتبة على نصيب نفسه خاصّةً، والذمي إِذا كاتب نصيبه على خمر
جاز كما لو باع نصيبه بخمر.
وأما عندهما فالكتابة فاسدةٌ لأَن مِن أصلهما أَن العقد انعقد لهما حيث كانت بإذن
شريكه، فلما بطل نصيب المسلم بطل نصيب الذمي، لأنها كتابة واحدة، فإذا بطل بعضها بطل
كلها، ولا شركة للمسلم فيما أخذ النصراني من الخمر، لأن المسلم ممنوع من قبض الخمر.
وإن كاتباه جميعاً على خمر مكاتبةً واحدةً، لم يجز في نصيب واحد منهما، أما في
(١) سقط من ط .
(٢) سقط من ط.

٤٥٧
كتاب المكاتب
نصيب المسلم فلا يشكل، وأما في نصيب الذمي فلأن المكاتبة واحدة، فإذا بطل بعضها بطل
الكل، ولو أدى إليهما عتق وعليه قيمته للمسلم، وللذمي نصف الخمر، وإِنما عتق بالأداء
إليهما؛ لأن الكتابة فاسدة، وهذا حكم الكتابة الفاسدة أنه إذا أدى بعتق كما إِذا كاتب المسلم
عبده على خمر فأدى، إلا أنه لا يسعى في نصف قيمته للمسلم، ولا يسعى في نصيب الذمي؛
لأن الذمي قد سلم له شرطه؛ لأن الخمر مال متقوم [في حقه وليس بمالٍ متقوم](١) في حق
المسلم، فيسعى في نصف قيمته له، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
فصل في حكم المكاتبة
وأما حكم المكاتبة ويندرج فيها بيان ما يملكه المولى من التصرف في المكاتب وما لا
يملكه، فنقول وبالله التوفيق.
المكاتبة أنواع ثلاثة: صحيحة، وفاسدة، وباطلة؛ أما الصحيحة فلها أحكام: بعضُها
يتعلق بما قبل أداء بدل الكتابة، وبعضها يتعلق بأداء بدل الكتابة .
أما الأول: فزوال يد المولى عن المكاتب، وصيرورة المكاتب أحق بمنافعه ومكاسبه،
وصيرورة المولى كالأجنبي عنها، وثبوت حق المطالبة للمولى ببدل الكتابة، وثبوت حق الحرية
للمكاتب، لأن ما هو المقصود من هذا العقد لا من الجانبين لا يحصل بدونها، وهل تزول
رقبة المكاتب عن ملك المولى بالكتابة؟
اخْتَلَفَ المشايخ فيه، قال عَامَّتُهُمْ: لا تزول.
وقال بعضُهم: تزول عن ملك المولى، ولا يملكها العبد بمنزلة البيع بشرط الخيار
للمشتري على أصل أبي حنيفة، أن المبيع يزول عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري،
وهذا غيرُ سديدٍ، لأن الملك صفة إضافية فيستحيل وجوده بدون المضاف إليه، كسائر
الأوصاف الإضافية من الأبوة والبنوة والأخوة والشركة ونحوها، فلا يتصور وجود مملوك لا
مالك له، وهكذا نقول في ((باب البيع))، لأن البيع في الحقيقة ملك البائع أو ملك المشتري إلا
أنا لا نعلم ذلك في الحال؛ لأنا لا نعلم أن العقد يجاز أو يفسخ فيتوقف في علمنا بجهلنا
بعاقبة الأمر، وعند الإجازة أو الفسخ يتبين أنه كان ثابتاً للمشتري أو للبائع من وقت البيع حتى
يظهر في حق الولد(٢) هذا معنى قول أبي حنيفة في تلك المسألة.
وَبَيَان هذه الجملة في مسائل: إذا كاتب عبده كتابةً صحيحةً صار مأذوناً في التجارة؛ لأنه
(١) سقط من ط .
=
(٢) في ط: الرواية.

٤٥٨
كتاب المكاتب
وجب عليه أداء بدل الكتابة، ولا يتمكن من الأداء إلا بالكسب والتجارة كسبٌ، وليس له أن
يمنعه من الكسب ولا من السفر، ولو شرط عليه أَنْ لا يسافر كان الشرط باطلاً، والكتابة
صحیحة لما مر، وليس له أن يأخذ الکسب من يده، لأن کسبه له ولا يجوز له إجارته ورهنه؛
لأن الإجارة تمليك المنفعة، ومنافع المكاتب له والرهن إثبات ملك اليد للمرتهن، وملك اليد
١٢٠٧/٢ للمكاتب، ولا يجوز استخدامه واستغلاله/ لأن ذلك تصرف في المنفعة، والمنافع له، ويجوز
إعتاقه ابتداء بلا خلاف، لأن جوازه يعتمد ملك الرقبة، وأنه قائم، سواء كان المولى صحيحاً
أو مريضاً غير أنه إِن كان صحيحاً يعتق مجاناً، وإِن كان مريضاً، والعبد يخرج من الثلث،
فكذلك.
وكذلك إذا كان لا يخرج من الثلث لكن أجازت الورثة، وإِن لم تجز الورثة فله الخيار
في قول أبي حنيفة، إِن شاء سعى في ثلثي القيمة حالاً، وإن شاء سعى في ثلثي الكتابة مؤجلاً .
وعند أبي يوسف ومحمد: لا خيار له، ويسعى في الأقل؛ لأن الكتابة [قد] (١) سبقت
الإِعتاق، والإِعتاقُ في المرض بمنزلة التدبير، ولو دبره كان حكمه هذا على ما ذكرنا في
((كتاب التدبير)).
كذا إذا أعتقه في المرض ويجوز له إعتاقه عن الكفارة عندنا؛ خلافاً للشافعي، والمسألة
تذكر في ((كتاب الكفارات)).
ولو أعتق الولد المولود أو المشتري في الكتابة جاز، ولا يسقط شيء من بدل الكتابة،
والقیاس أن لا يجوز إعتاقه، وهو قول زفر.
وجه القياس أن في إِعتاقه الولد إبطال حق المكاتب؛ لأنه يملك كسب ولده المولود
والمشتري وبالإِعتاق يبطل، وإليه أشار في الأصل، فقال لأن للمكاتب أن يستخدمهم.
وجه الاستحسان أن المكاتب إنما يسعى في حرية نفسه وأولاده، وقد نال هذا المقصود،
وإنما لا يسقط من بدل الكتابة شيء، لأن البدل كله على المكاتب فلا يسقط شيء منه بعتق
الولد، ولو أعتق أم ولد المكاتبة لم يجز، لأن المكاتب لو عتق كانت هي أم ولد على حالها،
لأنها لم تصر مكاتبة بكتابته، فلا تعتق بعتق المكاتب، ولا يجوز له بيع المكاتب بغير رضاه بلا
خلاف؛ لأن فيه إِبطال حق المكاتب من غير رضاه، وهو حق الحرية، فلا يجوز بيعه كالمدبر
وأم الولد، وإِن رضي به المكاتب جاز، ويكون ذلك فسخاً للكتابة، لأن امتناع الجواز كان
لحق المكاتب، فإذا رضي فقد زال المانع.
وذكر ابن سماعة عن محمد أن المولى والمكاتب إذا اجتمعا في البيع قال: البيع لا
(١) سقط من ط.

٤٥٩
كتاب المكاتب
يجوز، والصحيح جواب ظاهر الرواية، لأنه لما باعه المولى برضاه فقد تراضيا على الفسخ،
فيكون إقالة والكتابة تحتمل الإقالة، وما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها اشترت بريرة
وكانت مكاتبة، فمحمول على أن ذلك كان برضاها، وعلى هذا الهبة والصدقة والوصية.
ولو كاتب جارية لا يحل له وطؤها والاستمتاع بها (١)؛ لأن ذلك انتفاع بها، والمولى
كالأجنبي في منافعها، ولو وطئها غرم العقر لها، تستعين به على أداء بدل الكتابة، لأنه بدل
منفعة مملوكة لها .
ولو وطئها فعلقت منه، ثبت نسب الولد إذا ادعاه (٢)، لأن النسب يثبت بشبهة الملك
(١) وليس للرجل أن يطأ مكاتبته من غير شرط وهو حرام في قول أكثر أهل العلم، منهم؛ سعيد بن المُسَيَّبِ،
والحسنُ، والزّهْرِيُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والثّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأي. وقيل: له
وَطْؤُها في الوَقْتِ الذي لا يَشْغَلُها الوَطْءُ عن السَّعْي عمَّا هي فيه؛ لأنَّها مِلُكُ يَمِينِهِ، فَتَدْخُلُ في عُموم
قولِه تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. ولَنا، أنَّ الكِتابةَ عَقْدٌ أَزَالَ مِلْكَ اسْتِخْدامِها، ومِلْكَ عِوَضٍ مَنْفَعَةً
بضْعِها فيما إذا وُطِئَتْ بِشُبْهةٍ، فَأزالَ حِلَّ وَطْئِها، كالبَيْعِ، والآيةُ مَخْصُوصةٌ بالمُزَوَّجَةِ، فَنَقِيسُ عليها مَحَلَّ
النّزاع، ولأنَّ المِلْكَ هُهُنا ضَعِيفٌ، لأنّه قد زالَ عن مَّنَافِعِها جُمْلةٍ، ولهذا لو وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، كان المَهْرُ
لها، وتُفارِقُ أمّ الوَلَدِ، فإنَّ مِلْكَه باقٍ عليها، وإنَّما يَزُولُ بمَوْتِهِ، فأشْبَهَتِ المُدَبَّرَةَ والمُوصَى بها، وإنَّما
امْتَنَعَ البَيْعُ، لأنَّها اسْتَحَقَّتِ العِثْقَ بِمَوْتِهِ اسْتِحْقاقاً لازِماً، لا يُمْكِنُ زَوَالُه.
إذا شَرَطَ وطْأَها، فله ذلك. وبه قال سعيدُ بن المُسَيِّبِ. وقال سائِرُ مَنْ ذَكَرْنا: ليس له وَطْؤُها، لأنَّه لا
يَمْلِكُه معَ إِطْلاقِ العَقْدِ، فلم يَمْلِكُه بالشَّرْطِ، كما لو زَوَّجَها أو أعْتَقَها. وقال الشافعيُّ: إذا شَرَطَ ذلك في
عَقْدِ الكِتابةِ، فَسَدَ؛ لأنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ، فأفْسَدَ العَقْدَ، كما لو شَرَطَ عِوَضاً فاسِداً. وقال مالك: لا يَفْسُدُ
العَقْدُ به؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بِرُكْنِ العَقْدِ، ولا شَرْطِه، فلم يَفْسُدْ، كالصَّحِيحِ. وَلَنا، قولُ النَّبِيِّ وَّهِ: ((المُؤْمِنُونَ
عِنْدَ شُرُوطِهِمْ)). ولأنَّها مَمْلُوكَةٌ، له شَرْطُ نَفْعِها، فصَحَّ، كشَرْطِ اسْتِخْدَامِها، يُحَقِّقُ هذا أنَّ مَنْعَه مِن وَطْئِها
مع بَقَاءِ مِلْكِه عليها ووُجُودِ المُقْتَضِي لِحِلِّ وَطْئِها، إنَّما كان لِحَقِّها، فإذا اشْتَرَطَه عليها جازَ، كالخِدْمةِ،
ولأَنَّه اسْتَثْنَى بعضَ ما كان له، فصَحَّ، كاشْتِرَاطِ الخِدْمةِ، وفارَقَ البَيْعَ، لأنَّه يُزِيلُ مِلْكَه عنها.
فإنْ وَطِئَها مع الشَّرْطِ، فلا حَدَّ عليه، ولا تَعْزِيرَ، ولا مَهْرَ؛ لأنَّه وَطْءٌ يَمْلِكُه، ويُبَاحُ له، فَأَشْبَهَ وَطْأَها قبلَ
كِتَابَتِها. وإن وَطِئَها مِن غيرِ شَرْطٍ، فقد أسَاءَ، وعليه التّعْزِيرُ، لأنَّه وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، ولا حَدَّ عليه. في قولِ عامَّةٍ
الفُقَهاءِ، لا نعلمُ فيه خلافاً، إلاَّ عن الحسنِ، والزّهْرِيِّ؛ فإنَّهما قالا: عليه الحَدُّ؛ لأنَّه عَقَدَ عليها عَقْدَ مُعَاوَضٍ
يُحَرِّمُ الوَطْءَ، فَأَوْجَبَ الحَدَّ بَوَطْئِها، كالبَيْعِ. ولَنا، أنَّها مَمْلوكَتُه، فلم يَجِب الحَدُّ بَوَطْئِها، كأمَتِهِ المُسْتَأْجَرةِ
والمَزْهونَةِ، وتُخالِفُ البَيْعَ؛ فإنَّه يُزِيلُ المِلْكَ، والكِتابةُ لا تُزِيلُه؛ بدليلٍ قولهِ عليه السلام: «الْمُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ
عليه دِرْهَمٌ)). وعليه مَهْرُها لها؛ لأنَّه اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَها المَمْنُوعُ مِن اسْتِيفائِها، فكان عليه عِوَضُها، كمنافِعِ بَدَنِها.
ينظر: المغني (٤٨٧/١٤ - ٤٨٨).
(٢) وإِنْ أَوْلَدَها، صارتْ أُمَّ وَلِدٍ له، سَواءٌ وَطِئَها بِشَرْطٍ أو بغيرِ شَرْطٍ؛ لأنَّه أحْبَلَها بحُرِّ في مِلْكِه، فكانتْ أُمّ
ولَدِهِ، كغيرِ المُكاتَبةِ، والوَلَدُ حُرٍّ؛ لأنّه ولَدُه مِن مَمْلُوكَتِهِ، ويَلْحَقُه نَسَبُه لذلك، ولأنَّهِ مِن وَطْءٍ سَقَطَ فيه
الحَدُّ للشُّبْهَةِ، فَأَشْبَهَ ولَدَ المغرور، ولا تلزمه قيمته، لأنها وضعته في ملكه.
ينظر: المغني (٤٨٨/١٤ - ٤٨٩).

٤٦٠
كتاب المكاتب
وتأويل الملك، فلأن يثبت بحقيقته أَوْلَى، صدقته المكاتبة أو كذبته لما مر، ثم إِن جاءت بولد
لأكثر من ستة أشهر فعليه العقر، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر فلا عقر عليه، والمكاتبة
بالخيار: إن شاءت مضت على كتابتها فأدت وعتقت وأخذت العقر، إذا كان العلوق في حال
الكتابة، وإن شاءت عجزت نفسها وصارت أم ولد وسقط العقر، لما ذكرنا في ((كتاب
الاستیلاد)).
ولو جنى المولى على المكاتب غرم الأرش ليستعين به على الكتابة، لو استهلك شيئاً من
كسبه فهو دين عليه، لأنه أحق بكسبه من المولى، فكان في مكاسبه كالحر، وكذا ما استهلك
المكاتب من مال المولى لما قلنا.
ولو اشترى المكاتب امرأته لا ينفسخ النكاح، وكذا إذا اشترت المكاتبة زوجها، لأن
الثابت للمكاتب حق الملك لا حقيقة الملك، وحق الملك يمنع ابتداء النكاح ولا يمنع البقاء
كالعدة؛ أنها تمنع من إنشاء النكاح؛ وإذا طرأت على النكاح لا تبطله، ولهذا قال أصحابنا أن
المولى إذا زوج ابنته من مكاتبه لا يبطل النكاح بموت الأب، لأن البنت لا تملك المكاتب
حقيقة الملك، بل يثبت لها حق الملك فيمنع ذلك من الابتداء ولا يمنع من البقاء، فكذا هذا،
ولو سرق منه يجب القطع على السارق، لأن المكاتب أحق بمنافعه ومكاسبه، فكان له حق
الخصومة فيه كالحر، فيقطع بخصومته.
ولو جنى المكاتب على إِنسان خطأ فإِنه يسعى في الأقل من قيمته ومن أرش الجناية،
لأَن رقبته مملوكة للمولى إِلاَّ أنه تعذر الدفع من غير اختيار بسبب الكتابة، فصار كالعبد القن إذا
جنى جناية ثم أَعتقه المولى من غير علمه بالجناية، والحكم هناك ما ذكرنا؛ فكذا ههنا، فينظر
إِن كان أرش الجناية أقل من قيمته فعليه أرش الجناية، لأن المجني عليه لا يستحق أكثر من
١/ ٢٠٧ب ذلك، فإذا دفع ذلك فقد سقط حقه، وإن كانت قيمته/ أقل من أرش الجناية فعليه قيمته؛ لأن
حكم الجناية تعلق بالرقبة لكون الرقبة ملك المولى، وهي لا تحتمل أكثر من قيمتها، فلا يلزمه
أكثر من ذلك.
وكذلك لو جنى جنايات خطأ قبل أن يحكم عليه بالجناية الأولى، لا يجب عليه إلا قيمة
واحدة، وإِن كثرت جناياته في قول أصحابنا الثلاثة، وعند زفر يجب عليه في كل جناية الأقل
من أرشها ومن قيمته، وهذا فرع اختلافهم في أن جناياته تتعلق بالرقبة أو بذمته، فعندنا تتعلق
برقبته، والرقة لا تتسع لأكثر من قيمة واحدة، وعنده تتعلق بذمته والذمة متسعةٌ.
والصحيح قولنا لما ذكرنا أن رقبته مملوكة للمولى فإِنها مقدور الدفع في الجملة بأن
يعجز فيدفع إِلا أنه تعذر الدفع بالمنع السابق؛ وهو الكتابة من غير اختيار، فصار كما لو جنى
جنايات ثم أعتقه المولى من غير علمه بها، وهناك لا يلزمه إلا قيمة واحدة؛ كذلك ههنا.