النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كتاب المكاتب
وقال ◌َّهِ: ((المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقي عَلَيْهِ دِرْهَمْ))(١) .
وروي عن عائشة - رضي الله عنها - كَاتَبَتْ بريرة بحضرة النبي وَلَّ(٢) ولم ينكر عليها،
وعليه إجماع الأمة، وبه تبين أن قول داود بن علي الأصفهاني أن الكتابةَ واجبةٌ - قولٌ مخالفٌ
للإجماع، وأن تعلقه بظاهر الأمر لا يصح(٣)؛ لأن الأمةً من لدن رسول الله وَلَه إلى يومنا هذا
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٤١٤): كتاب ((العتق)): باب ((في المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجز أو يموت)) رقم
(٣٩٢٦ - ٣٩٢٧)، والنسائي في الكبرى (١٩٧/٣): كتاب ((العتق)): باب («ذكر الاختلاف على علي في
المكاتب يؤدي بعض ما عليه)) رقم (١/٥٠٢٥م - ٣/٥٠٢٦ - ٤/٥٠٢٧)، (٢١٨/٢)، وابن ماجه (٢/
٨٤٢) كتاب ((العتق)): باب ((المكاتب)) رقم (٢٥١٩)، والبيهقي (٣٢٤/١٠، ٣٢٥): كتاب ((المكاتب)):
باب ((المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)).
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
قال ابن حجر في تلخيص الحبير (٣٩٨/٤).
أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم من طرق، رواه النسائي وابن حبان من وجه آخر من حديث عطاء، عن
عبد الله بن عمرو بن العاص في حديث طويل، ولفظه: ((ومن كان مكاتباً على مائة درهم، فقضاها إلا
أوقية، فهو عبد)). قال النسائي: هذا حديث منكر، وهو عندي خطأ، وقال ابن حزم: عطاء هذا هو
الخراساني، ولم يسمع من عبد الله بن عمرو وقال الشافعي في حديث عمرو بن شعيب: لا أعلم أحداً
روى هذا إلا عمرو بن شعيب، ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبته، وعلى هذا فتيا المفتين.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٤٣/٤).
أخرجه أبو داود في ((العتاق)) عن إسماعيل بن عياش عن سليمان بن سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده عن النبي ◌َّر، قال: المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم، انتهى. وفيه إسماعيل بن
عياش، لكنه عن شيخ شامي ثقة، وأخرج ابن عدي في ((الكامل)) عن سليمان بن أرقم عن الزهري عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة، أنها قالت: سمعت رسول الله وَّه يقول: المكاتب عبد ما بقي
عليه درهم، أو أوقية، انتهى. وضعف سليمان بن أرقم عن أحمد، وأبي داود، والنسائي، وابن معين،
وقالوا كلهم فيه: إنه متروك، قال ابن عدي: ولعل البلاء فيه من المسيب بن شريك، وهو الذي رواه عن
سليمان. فإنه شر من سليمان، انتهى. وروى مالك في ((الموطأ)) عن نافع عن ابن عمر، موقوفاً:
المكاتب عبد ما بقي عليه شيء من كتابته، انتهى. وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفاً على عمرو بن عمر،
وعلي، وزيد بن ثابت، وعائشة، لم يروه مرفوعاً أصلاً.
وفي الباب من حديث ابن عمر من طريق نافع: أخرجه مالك في ((الموطأ» (٧٨٧/٢) كتاب ((المكاتب))
باب ((القضاء في المكاتب)) رقم (١).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) قال ابن قدامة إذا سألَ العبدُ سَيِّدَه مُكاتَبَتُه، اسْتُحِبَّ له إجابَتُه، إذا عَلِمَ فيه خَيْراً، ولم يَجِبْ ذلك. في
ظاهِرِ المذهب. وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ، منهم؛ الحسنُ، والشَّعْبِيِّ، ومالكٌ، والثّوْرِيُّ، والشافعيَّ،
وأصحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ، أنَّهاَ واجِبَةٌ، إذا دعًا العبدُ المُكْتَسِبُ الصَّدُوقُ سَيِّدَه إليها، فعليه إجابتُه.
وهو قولُ عَطاءٍ، والضَّحاكِ، وعمرو بن دِينارٍ، وداودَ. وقال إسحاقُ: أخْشَى أن يَأْثَمَ إنْ لم يَفْعَلْ، ولا
يُجْبَرُ عليه. ووَجْهُ ذلك قولُ الله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾. وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ . =.

٤٢٢
كتاب المكاتب
يتركون مماليكهم بعد موتهم ميراثاً لورثتهم من غير نكيرٍ، فعلم أن ليس المراد من هذا الأمر
الوجوب .
وأما الجواب عن وجه القياس أن المولى لا يجب له على عبده دين، فهذا على الإطلاق
ممنوعٌ، وإنما نسلم ذلك في العبد القن، لا في المكاتب والمستسعي، لأن كسب القن ملك
المولى، وكسب المكاتب والمستسعي ملكهما، لا حق للمولى فيه، فكان المولى كالأجنبي
عن كسب المكاتب، فأمكن إيجاب الدين للمولى عليه.
فصل في ركن المكاتبة
وأما ركن المكاتبة فهو: الإيجاب من المولى، والقبول من المكاتب، أما الإيجاب فهو:
اللفظ الدال على المكاتبة، نحو قول المولى لعبده: كاتبتك على كذا، سواءٌ ذكر فيه حرف
التعليق؛ بأن يقول على أنك إنْ أدَّيْتَ إليَّ فأنت حُرٍّ، أو لم يذكر عندنا.
ورُوِيّ أنَّ سِيرِينَ أبا محمدٍ بن سِيرِينَ، كان عبداً لأنس بن مالكِ، فسأله أنْ يُكاتِبَه، فأَبَى، فأخْبَرَ سِيرِینُ
=
عمرَ بنَ الخَطَّابِ بذلك، فَرَفَعَ الدِّرَّةَ على أنسٍ، وقَرَأَ عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَ مَلَكَتْ أَيْمَانَّكُمْ
فَكْاتِبُوهُم إِنْ عَلَمْتُمْ فِيهِمْ خَيراً﴾. فكاتَّبَه أَنَسَ ولَنا، أنَّه إعتاقٌ بعِوَضٍ، فلم يَجِبْ، كالاسْتِسْعاءِ، والايةُ
مَحْمولةٌ على النَّذْبِ، وقولُ عمرَ - رضي الله عنه - يُخالِفُ فِعْلَ أَنَسٍ. ولا خِلافَ بينَهم في أنَّ مَنْ لا خَيْرَ
فيه لا تَجِبُ إجَابَتُهُ. قال أحمدُ: الخَيْرُ صِدْقٌ، وصَلاحٌ، ووَفَاءٌ بَمالِ الكِتابةِ. ونحوَ هذا قال إبراهيمُ،
وعمرُو بن دِينارٍ، وغيرُهما، وعِبارَتُهم في ذلك مُخْتلِفةٌ، قال ابنُ عباسٍ: غَناءٌ، وإعطاءٌ للمالِ. وقال
مُجاهدٌ: غَناءٌ، وأداءٌ. وقال النَّخَعِيُّ: صِدْقٌ، ووَفَاءٌ. وقال عمرُو بَنْ دِينارٍ: مالٌ، وصلاحٌ. وقال
الشافعيُّ: قُوَّةٌ على الكَسْبِ، وأمانةٌ. وهل تُكْرَه كِتابةٌ مَنْ لا كَسْبَ له أو لا؟ قال القاضي: ظاهِرُ كلام
أحمدَ كَراهِيَتُه. وكان ابنُ عمرَ، - رضي الله عنه - يَكْرَهُه. وهو قولُ مَسْرُوقٍ، والأوزاعِيِّ. وعن أحمدَ،َ
روايةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يُكْرَهُ. ولم يَكْرَهْه الشافعيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وطائفةٌ من أهلِ العلم، لأنَّ
جُوَيْرِيةَ بنت الحارِثِ، كاتبها ثابت بن قيسٍ بن شَمَّاسِ الأنْصَارِيُّ، فَأَتَتِ النَّبِيِّ ◌َّهِ تَسْتَعِينُه في كِتَابَتِها،
فأدَّى عنها كِتابَتَها، وتَزَوَّجَها. واحتَجَّ ابنُ المُنْذِرِ، بأن بَرِيرةَ كاتَّبَتْ ولا حِرْفَةً لها، ولم يُتْكِرْ ذلك
رسولُ اللهِ وَّهِ. وَوَجْه الأوَّلِ ما ذَكّرْنا في عِتْقِه، ويَنْبَغي أنْ يُنْظَرَ في المُكاتَبِ، فإنْ كان ممن يتَضرَّرُ
بالكِتابِةِ ويَضِيعُ، لِعَجْزِه عن الإِنْفاقِ على نَفْسِه، ولا يَجِدُ مَنْ يُنْفِقُ عليه، كُرِهَتْ كِتابَتُه، وإن كان يَجِدُ مَنْ
يَكْفِيه مُؤْنَتَه، لم تُكْرَهُ كتابَتُه؛ لحُصُولِ النّفْعِ بالحُرِّيَّةِ من غيرِ ضَرَرٍ. فأمَّا جُوَيْرِيَةُ، فإنَّها كانت ذاتَ أهْلِ،
وكانت ابنةً سَيِّدٍ قَوْمِه، فإذا عَتَقَتْ، رَجَعَّتْ إلى أهْلِها، فأخْلَفَ الله لها خيراً من أهْلِها، فتزَوَّجَها
رسولُ اللهِ وَِّ، وصارتْ إحْدَى أُمَّهاتِ المؤمنينَ، وأعْتَقَ الناسُ ما كان بأيْدِيهم من قَوْمِها، حينَ بَلَغَهم أنَّ
رسولَ اللهِ وَ تَزَوَّجَها، وقالوا: أضْهارُ رَسُولِ اللهِنَ ◌ّهِ. فلم يُرَ امرأةٌ أعْظَمَ بَرَكَةً على قَوْمِها منها. وأمَّا
بَرِيرَةُ، فإن كِتابَتَها تَدُلَّ على إياحَةٍ ذلك، وأنَّه ليس بمُنْكَر، ولا خِلافَ فيه، وإنَّما الخِلافُ في كَرَاهَتِه قال
مَسْرُوقٌ: إذا سألَ العبدُ مَوْلاه الكِتابةَ؛ فإن كان له مَكْسَبَةٌ، أو كان له مالٌ، فَلْيُكاتِبْه، وإن لم يكُنْ له مالٌ
ولا مَكْسَبَةٌ، فَلْيُحْسِنْ مَلْكَتَه، ولا يُكَلِّفْهُ إِلاَّ طاقَتَه.
ينظر: المغني (٤٤٢/١٤ - ٤٤٤).

٤٢٣
كتاب المكاتب
وعند الشافعي/: لا يتحقق الركن بدون حرف التعليق، وهو أن يقول: كاتبتك على كذا ١٩٨/٢ب
على أنك إنْ أديت إليَّ فَأنْتَ حُرٍّ، بناء على أن معنى المعاوضة أصل في الكتابة(١)، ومعنى
التعليق فيها ثابتٌ عندنا، والعتق عنده الأداء يثبت من حيث المعاوضة، لا من حيث التعليق
بالشرط، وعنده معنى التعليق فيها أصل أيضاً، والعتق ثبت من حيث التعليق، فلا بُدَّ من حرف
التعليق، وما قلناه أوْلَى بدليل أنه لو أبرأه عن بدل الكتابة يعتق، ولوكان ثبوت العتق فيها من
طريق التعليق بالشرط لما عتق لعدم الشرط وهو الأداء.
وَكَذَا لو قال لعبده: أنْتَ حُرٍّ على ألف تُؤديها إليَّ نجوماً، في كُلِّ شهرٍ كذا، فقبل، أو
قال: إذا أديت لي ألف درهم كل شهر منها كذا فأنت حر، فقبل، أو قال جعلت عَلَيْكَ ألْف
درهم تؤديها إليَّ كل نجم كذا، فإذا أديت فأنت حر، وإن عجزت فأنت رقيقٌ، وقَبِلَ، ونحو
ذلك من الألفاظ؛ لأن العبرة في العقود إلى المعاني لا للألفاظ.
وَأما القبول فهو: أن يقول العبد: قبلتُ، أو رَضيتُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فإذا وجد الإيجاب
والقبول فقد تَمَّ الركنُ، ثم الحاجة إلى الركن فيمن يثبت حكم العقد فيه مقصوداً لا تبعاً؛
كالولد المولود في الكتابة، والولد المشترى والوالدين؛ على ما نذكر؛ لأن الإتباع كما لا يفرد
بالشروط لا يفرد بالأركان؛ لما فيه من قلب الحقيقة، وهو جعل التبع متبوعاً، وهذا لا يجوز.
فصل في شروط الركن
وأما شرائط الركن فأنواعٌ؛ بعضُها يَرجِعُ إلى المولى، وبعضُها يَرْجِعُ إلى المكاتب،
وبعضُها يرجع إلى بدل الكتابة، وبعضُها يرجع إلى نفس الركن، ثم بعضُها شرط الانعقاد،
وبعضُها شرط النفاذ، وبعضُها شرط الصحة.
(١) قال ابن قدامة إذاكاتبه على أنْجُم معلومةٍ، صَحَّتِ الكتابةُ، وَعَتَقَ بأدائِها، سَواءٌ نَوَى بالكتابةِ الحُرِّيَّةَ أو لم
يَنْوِ، وسَواءٌ قال: فإذا أدَّيْتَ إليّ، فأنتَ حُرِّ. أو لم يَقُلْ. وبهذا قال أبو حنيفةً. وقال الشَّافِعِيُّ: لا يَعْتِقُ
حتى يقولَ: فإذا أدَّيْتَ إليَّ، فأنتَ حُرِّ. أو يَنْوِيَ بالكتابةِ الحُرِّيَّةَ. ويَحْتَمِلُ في مَذْهَبِنا مثلَ ذلك، لأنَّ لَفْظَ
الكتابةِ يَحْتَمِلُ المُخارجةَ، ويَحْتَمِلُ العِثْقَ بالأداء، فلا بُدَّ مِن تَمِْيزِ أحدِهما عن الآخَرِ، ككِناياتِ العِثْقِ.
ولَنا، أنَّ الحُرِّيَّةَ مُوجَبُ عَقْدِ الكِتابةِ، فَتَثْبُتُ عندَ تَمامِه، كسائرٍ أحْكامِه، ولأنَّ الكِتابةَ عَقْدٌ وُضِعَ للعِثْقِ،
فلم يَخْتَجْ إلى لَفْظِ العِثْقِ ولا نِيْتِه، كالتَّذْبِيرِ، وما ذكروه مِن اسْتِعْمالِ الكتابةِ في المُخارجةِ إن ثَبَتَ، فليس
بِمَشْهُورٍ، فلم يَمْنَعْ وُقوعَ الحُرِّيَّةِ به، كسائرِ الألفاظِ الصَّرِيحةِ، على أنَّ اللَّفْظَ المُحْتَمِلَ ينْصَرِفُ بالقَرائنِ
إلى أحَدٍ مُحْتَمِلَيْهِ، كَلَفْظِ التَّذْبِيرِ فإنَّه يَحْتَمِلُ التَّذْبِيرَ في معاشِه أو غيرَ ذلك، وهو صَرِيحٌ في الحُرِّيَّةِ، فَهُهُنَا
أَوْلَی.
ينظر: المغني (٤٥١/١٤، ٤٥٢).

٤٢٤
كتاب المكاتب
أما الذي يرجع إلى المولى فمنها: العقلُ وأنه شرطُ الانعقاد، فلا تنعقد المكاتبة من
الصبي الذي لا يعقل والمجنون.
ومنها: البلوغ وهي شرط النفاذ حتى لا تنفذ الكتابة (١) من الصبي العاقل، وإن كان حُرّاً أو
مأذوناً في التجارة من قبل المولى أو الوصي(٢)؛ لأن المكاتبة ليست بتجارة؛ إذ التجارة مبادلة
المال بالمال، والمكاتبة ليست كذلك، وليست من توابع التجارة ولا من ضروراتها، ولهذا لا
يملكها العبد المأذون، والشريك شركة العنان (٣) لما قلنا، وَلَّهُ أن يُكاتب عبده بإذن أبيه أو وصيه؛
لأن الأب والوصي يملكان العقد بأنفسهما، فيملكان الإذن به للصبي إذا كان عاقلاً .
ومنها: الملك والولاية، وهذا من شرائط النفاذ(٤)، لأن المكاتبة فيها معنى المعاوضة
والتعليق، وكل واحد منهما عند الانفراد لا يصح بدون الملك والولاية؛ فكذا عند الاجتماع،
فلا تنفذ المكاتبة من الفضولي لانعدام الملك والولاية، وتنفذ من الوكيل لأنه نائبُ الموكل،
فكان تصرفه تصرف الموكل؛ وكذا من الأب والوصي استحساناً، والقياس أن لا تنفذ.
وَجْه القياس: أنَّ المُكَاتَبَةَ تصرفٌ يفضي إلى العتق وهما لا يملكان الإعتاق، لا بغير بدل
ولا ببدل؛ كالإعتاق على مال وبيع نفس العبد منه.
(١) في أ: تنعقد المكاتبة.
(٢) ولا تَصِحُّ الكتابةُ إلاَّ ممَّن يَصِحُّ تَصَرَّفُه فأمَّا المجنونُ والطّفلُ، فلا تصِحُّ مُكاتَبَتُهما لرَقِيقِهِما، ولا مُكاتبةٌ
سَيِّدِهِما لهما، وأمَّا الصَّبِيُّ المُمَيِّزُ، فإن كاتَبَ عبدَه بإذْنِ وَلِيُّه، صَحَّ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَصِحَّ، بِناءٍ على
قَوْلِنا: إنَّه لاَ يَصِحُ بَيْعُه بإذْنِ وَلِيِّه، ولأنَّ هذا عَقْدُ إعتاقٍ، فلم يَصِحَّ منه، كالعِثْقِ بغيرِ مالٍ، فأمَّا إن لم
يَأْذَنْ وَلِيُّه فيه، فلا يَصِحُ بحالٍ، وإن كاتَبَ المُمَيِّزُ سَيِّدَه، صَحَّ. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشَّافِعيُّ: لا
يَصِحُّ فيهما جميعاً بحالٍ، لأنّه ليس بُكَلَّفٍ، فأشْبَهَ المجنونَ. ولَنا، أنَّه يَصِحُ تصرُّفُه وبَيْعُه بإذْنِ ولِيِّه،
فصَحَّتْ منه الكتابةُ بذلك، كالمُكَلَّفِ، ودليلُ صِحَّةٍ تَصَرُّفِه قولُ الله تعالى: ﴿وَبْتَلُوْا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوْا
النّكَاحَ﴾. والابتلاءُ الاختبارُ له، بتَفْوِيضِ التصرُّفِ إليه، ليعْلَمَ هل يَقَعُ منه على وَجْهِ المُصْلَحةِ أو لا؟
وهل يُغْبَنُ في بَيْعِه وشِرائِه أو لا؟ وإيجابُ السَّيِّدِ لعبده المُمَيِّزِ المُكاتَبَةَ إِذْنٌ له في قَبُولِها. إذا ثَبَتَ هذا،
فإنْ كان السَّيِّدُ المُكاتِبُ طِفْلاً أو مجنوناً، فلا حُكْمَ لِتَصَرُّفِهِ ولَا قَوْلِه. وإن كاتَبَ المُكَلَّفُ عَبْدَه الطّفْلَ أو
المجنونَ، لم يَثْبُتْ لهذا التَّصَرُّفِ حكمُ الكِتابةِ الصحِيحَةِ ولا الفاسدةِ؛ لأنَّه لا حُكْمَ لقَوْلِهما، ولكنْ إنْ
قال: إن أدَّيْتُما إليَّ، فأنْتُما حُرَّانِ. فأدَّيَا، عَتَقَا بالصَّفَةِ لا بالكِتابةِ، وما أَيْدِيهما لسَيْدِهما، وإن لم يَقُلْ
ذلك، لم يَعْتِقَا. ذكره أبو بكرٍ. وقال القاضي: يَعْتِقان. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ الكِتابةَ تَتَضَمَّنَ معنى
الصَّفَةِ، فَيَحْصُلُ العِثْقُ هُهُنا بالصّفَةِ المَحْضَةِ، كما لو قال: إن أدَّيْتَ إليَّ، فأنتَ حُرِّ. ولَنا، أنَّه ليس بصِفَةٍ
صَريحاً ولا معنَى، وإنَّما هو عَقْدٌ باطِلٌ، فأشْبَهَ البَيْعَ الباطِلَ.
ينظر: المغني (١٤ /٤٤٤، ٤٤٥).
(٣) في أ: عنان والمضارب.
(٤) في ط: بشرط نفاذ.

٤٢٥
كتاب المكاتب
وَجْهُ الاستحسان: أن المكاتبة من باب اكتساب المال، ولهما ولاية اكتساب المال كالبيع
والإجارة؛ بخلاف الإعتاق على مال وبيع نفس العبد منه؛ لأن ذلك ليس من باب الاكتساب،
بل هو من باب الإعتاق(١)؛ لأن العبد يعتق بنفس القبول، فيبقى المال ديناً في ذمة المفلس،
فإن أقَرَّ الأب أو الوصي بقبض بدل الكتابة، فإن كانت الكتابة معروفة ظاهرة بمحضر الشهود،
يصدق ويعتق المكاتب؛ لأنه أمين في قبض الكتابة، فكان مصدقاً كالوكيل بالبيع إذا باع ثم أقر
بقبض الثمن، وإن لم تكن معروفة، لم يجز إقراره ولا يعتق العبد، لأن الكتابة إذا لم تكن
ظاهرة كان ذلك منه إقراراً بالعتق، وإقرار الأب أو الوصي بعتق عبد اليتيم لا يجوز، وَإِذَا كَانَتْ
الكتابة ظاهرة كان ذلك منه إقراراً باستيفاء الدين، فيصح إقراره.
ولو كاتب الأب أو الوصي ثم أدرك الصبي فلم يرض بالكتابة، فالمكاتبة ماضيةٌ، إلا أنه
ليس للوصي ولا للأب أن يقبض بدل الكتابة؛ لأنه إنما كان يملك القبض بولايته لا بمباشرة
العقد، لأن حقوق العقد في المكاتبة يرجع إلى مَنْ عقد له، لا إلى العاقد، وقد زالت ولايته
بالبلوغ، بخلاف الوصي إذا باع شيئاً ثم أدرك اليتيم أن له أن يقبض، لأن حقوق البيع [ترجع
إليه](٢) وكل عقد هو مبادلة المال بالمال يرجع إلى العاقد، هذا إذا كانت الورثة صغاراً، فإن
كانوا كباراً لا يجوز للوصي أن يكاتب ولا للأب؛ لزوال ولايتها بالبلوغ، سواء كانوا حضوراً/ ١٩٩/٢أ
أو غيباً؛ لأنَّ الموجب لزوال الولاية لا يختلف، وهذا بخلاف البيع؛ لأن الوارث الكبير إذا
كان غائباً أن للأب والوصي أن يبيع المقتول؛ لأن بيع المقتول من باب الحفظ؛ لأن حفظ ثمنه
أيسر من حفظه عينه، ولهما ولاية الحفظ، وليس في الكتابة حفظ فلا يملكانها .
وَإنْ كانت الورثة صغاراً وكباراً، ذكر في الأصل؛ أنه لا يجوز.
ثم اختلف في هذا الإطلاق، قال بعضُهم: معناه أنه لا يجوز في نصيب الكبار، وأما في
نصيب الصغار - فجائز .
وقال بعضُهم: معناه أنه لا يجوز في نصيب الكبار والصغار جميعاً؛ لأنه إذا لم يجز في
نصيب الكبار، لم يكن في جوازه في نصيب الصغار فائدة، لأن لهم أن يفسخوا العقد، وصار
كعبد بين اثنين أنه يمنع أحدهما عن كتابة نصيبه إلا برضا شريكه، لأنه لو فعل بغير إذن شريكه
كان لشريكه أن يفسخ، فلم يكن فيه فائدة؛ كذا هذا.
ولو كان على الميت دَيْنٌ فَكَاتَبَ الوصي عبده من تركته لم يجز؛ كذا ذكر في الأصل،
ولم يفصِّلْ بين ما إذا كان الدين محيطاً بالتركة، وبين ما إذا لم يكن محيطاً بها، منهم من
(١) في أ: الاتلاف.
(٢) سقط من ط .

٤٢٦
كتاب المكاتب
أجرى المذكور في الأصل على إطلاقه، وقال: لا تجوز مكاتبته، سواء كان الدين محيطاً
بالتركة أو لم يكن، أما إذا كان محيطاً بالتركة فلأن حق الغرماء يكون متعلقاً بها، والمكاتبة
تتضمن إبطال حقهم؛ لأنها لو صحت لصارت حقوقهم منجمة مؤجلة وحقوقهم معجلة، فلا
يملك تأجيلها بالكتابة، وإن كان غير محيط بالتركة فكذلك؛ لأن ذلك القدر من الدين يتعلق
بالتركة مطلقاً وتبطل الكتابة؛ لأن ذلك القدر مِنَ الدين يتأجل تسليمه فيتضرر به الغريم، إلا أن
يختار استيفاؤه من غيرها فيجوز؛ لأن عدم الجواز لحق الغريم، فإذا استوفي من محل آخر فَقَدْ
زال حقه، فزال المانع بين الجواز.
وذكر القدوري أن المسألة محمولة على ما إذا كان [الدين محيطاً بالتركة بأن لم يكن](١)
للميت غير العبد أو غير القدر الذي يقضي به الدين، فَأمَّا إذا لم يكن الدين محيطاً بالتركة،
يجوز له ذلك؛ لأنه إذا كان هناك مال آخر يقضي به الدين فَحَقَّ الغرماء لا يتعلق بعين(٢) العبد؛
لأن التعليق بحاجتهم إلى استيفاء دينهم، وأنه يحصل بدونه؛ لأنه لو تعلق قليل الدين بجملة
التركة لأدَّى إلى الحرج؛ لأن التركة قَلْما تخلو عن قليلٍ الدين، ولا يجوز لأحد الوصيين أنْ
يُكاتب بغير إذن صاحبه في قول أبي حنيفة ومحمد، ويجوز في قول أبي يوسف.
وأصلُ المسألة أنه هل لأحد الوصيين أن يتصرف في مال اليتيم بغير إذن صاحبه، فهو
على الخلاف الذي ذكرنا، وهي من مسائل ((كتاب الوصايا)).
ولوصي الوصي أن يُكاتب؛ لأنه قائمٌ مقامَ الوصي، وسواء كان المملوك محجوراً أو
مأذوناً بالتجارة، وعليه دين أو لا دين عليه؛ لأن الدين لا يوجب زوال الملك عنه، فتنفذ
المكاتبة، إلا أنه إذا كان عليه دين محيطً أو غير محيط، فللغرماء أن يردوا المكاتبة؛ لأن لهم
حق الاستيفاء من رقبته، وهو بالمكاتبة أراد إبطال حقهم، فكان لهم أن ينقضوا؛ كما لو باعه
وعليه دين محيط أو غير محيط؛ أن البيع ينفذ؛ لكن للغرماء أن ينقضوا إلاَّ إذا [كان](٣) قضى
المولى دينهم من مال آخر قبل أن ينقضوا، فليس لهم أن ينقضوا ومضت المكاتبة؛ لأنها وقعت
جائزة لوقوعها في الملك، إلا أنه كان للغرماء النقض لقيام حقهم، فإذا قضى دينهم فقد زال
حقهم، فبقيت جائزة، ولا يرجع المولى بما قضى من الدين على المكاتب؛ لأنه بقضاء الدين
أصلح مكاتبته، فكان عاملاً لنفسه.
وكذا لو أبى المولى أن يؤدي(٤) الدين وَأدَّاه الغلام عاجلاً، مضت المكاتبة؛ لما قلنا،
(١) سقط من ط.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: يقضي.
(٢) في أ: نفس.

٤٢٧
كتاب المكاتب
ولا يرجع المولى على (١) العبد بما أدى لما قلنا؛ فإنْ كان المولى أخذ البدل ثم علم الغرماء
بذلك، فلهم أن يأخذوا من المولى ما أخذ من بدل الكتابة، لأنه كَسْبُ العبد المديون، وأنه
يؤخذ من المولى، والعتق واقعٌ إما من طريق المعاوضة لسلامة العوض للمولى، وإما من طريق
التعليق بالشرط لوجود الشرط، وهو أداء بدل الكتابة، والعتق بعد وقوعه لا يحتمل النقض،
فإن بقي من دينهم شيء كان لهم أن يضمنوا المولى قيمته؛ لأنه أبطل حقهم قدر قيمة العبد
حيث منعهم عن بيعه بوقوع العتق، وَلَّهُمْ أن يبيعوا العبد ببقية دينهم؛ لأنَّ الدَّيْنَ كَانَ ثابتاً في
ذمته متعلقاً برقبته، وقد بطلت الرقبة بالحرية فبقيت الذمة، فَكَانَ لهم أن يبيعوه، ولا يرجع
المولى على العبد بما أخذ منه من بدل الكتابة؛ لأن المولى حين كاتبه كانت رقبته مشغولة
بالدين، فَكَانَتْ مكاتبته إياه - مع علمه أن الغرماء أحق منه بكسبه ــ دلالة الرضا بما أخذ منه.
ولو كان العبد / مرهوناً أو مؤاجراً فَكَاتَبَهُ، وقفت المكاتبة على إجازة المرتهن ١٩٩/٢ب
والمستأجر، فإن أجازا جاز، وإن فسخا هل تنفسخ بفسخهما؟ فهو على ما نذكر في [كتاب](٢)
البيوع والإجارات، إن شاء الله - تعالى -.
وسواء كان المملوك قنّاً أو غيره، حتى لو كاتب(٣) مدبرة أو أم ولد، جازت المكاتبة
لقيام الملك؛ إذا التدبير والاستيلاد لا يزيلان الملك، وهما من باب استعجال الحرية، فإن أديا
وعتقا فقد مضي الأمر، وإن مَاتَ المولى قبل الأداء عُتقا؛ لأنهما يعتقان بموت السيد، هذا إذا
كان يخرجان من الثلث، فإن كانا لا يخرجان من الثلث، فَأْمُّ الولدِ تُعتق من غير اعتبار الثلث
ولا تسعى.
وَأمَّا المدبر فله الخيار في قول أبي حنيفة؛ إن شاء سعى في جميع الكتابة، وإن شاء
سعى في ثلثي القيمة إذا كان لا مال له غيره، فإن اختار الكتابة سعى على النجوم، وإن اختارَ
السعاية في ثلثي قيمته يسعى حالاً، وعند أبي يوسف ومحمد: لا خيار له، لكن عند أبي
يوسف يسعى في الأقل من جميع الكتابة ومن ثلثي القيمة، وعند محمد: يسعى في الأقل من
ثلثي القيمة، وقد ذكرنا المسألة في كتاب الاستيلاد.
ومنها: الرضا، وهو من شرائط الصحة، فلا تصح المكاتبة مع الإكراه والهزل والخطأ؛
لأنها من التصرفات التي تحتمل الفسخ، فيفسدها الكره والهزل والخطأ كالبيع ونحوه.
وأما حرية المكاتب فليست من شرائط جواز المكاتبة، فتصح مكاتبة المكاتب لما نذكر،
إن شاء الله - تعالى -.
(١) في ط: العبد على المولى.
(٢) سقط من ط.
(٣) في ط: كانت.

٤٢٨
كتاب المكاتب
وكذا إسلامه، فتجوز مُكاتبة الذمي عبده الكافر؛ لقوله وَر: ((فَإِذَا قَبِلُوا عَقْدَ الذِّمَةِ
فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُسْلِمِينَ))(١) وللمسلمين أن يكاتبوا عبيدهم،
فكذا لأهل الذمة؛ ولأن المكاتبة مشتملة على معنى المعاوضة والتعليق، وكل واحد منهما
يملكه الذمي حالة الانفراد، وكذا عند الاجتماع، والذمي إذا ابتاع عبداً مسلماً فكاتبه فهو جائزٌ،
وهذا فرع أصلنا في شراء الكافر للعبد المسلم؛ أنه جائز إلا أنه يجبر على بيعه صيانةً له عن
الاستذلال باستخدام الكافر إياه، والصيانةُ تحصل بالكتابة لزوال ولاية الاستخدام بزوال يده عنه
بالمكاتبة، وأما مكاتبة المرتد فموقوفة في قول أبي حنيفة، فإن قتل أو مات على الردة أو لحق
بدَارِ الحرب، بَطَلَتْ، وَإِن أسلم نفذت، وَعِنْدَهُمَا هي نافذة، وهي من مسائل السير، والله
- عزَّ وجلَّ - الموفق.
فصل في شروط الركن الراجعة إلى المكاتبة
وأما الذي يرجع إلى المكاتبة فأنواعٌ أيضاً:
منها ألا يكون فيه خطر العدم وقت المكاتبة، وهو شروط الانعقاد، حتى لو كاتب ما في
بطن جاريته لم ينعقد؛ لنهي النبي ◌ُّر عن بيع فيه غررٌ، والمكاتبة فيها معنى البيع.
ومنها: أن يكون عاقلاً، وهو من شرائط الانعقاد؛ حتى لو كاتب [الرجل](٢) عبداً له
مجنوناً أو صغيراً لا يعقل، لا تنعقد مكاتبته؛ لأن القبول أحد شطري الركن، وأهلية القبول لا
تثبت بدون العقل؛ لأن ما هو المقصود من هذا العقد وهو الكسب لا يحصل منه، فإن كاتبه
فأدى البدل عنه رجل فقبله المولى، لا يعتق؛ لأن العقد (٣) لا ينعقد بدون القبول ولم يوجد،
فكان أداه الأجنبي أداء من غير عقدٍ، فلا يعتق، وله أن يسترد ما أدى، لأنه أداه بدلاً عن العتق
ولم يسلم العتق، ولو قبل عنه الرجل الكتابة ورضي المولى، لم يجز أيضاً؛ لأن الرجل قبل
الكتابة من غيره من غير رضاه، ولا يجوز قبول الكتابة من غيره بغير رضاه، وهل يتوقف على
إجازة العبد بعد البلوغ، ذكر القدوري أنه لا يتوقف، وذكر القاضي في شرحه ((مختصر
الطحاوي)) أنه يتوقف.
والصحيحُ ما ذكره القدوري لأن تصرف الفضولي إنما يتوقف على الإجازة إذا كان له
مجيز وقت التصرفِ، وههنا لا يجيز له وقت وجوده؛ إذ الصغير ليس من أهل الإجازة فلا
يتوقف، بخلاف ما إذا كان العبد كبيراً غائباً، فجاء رجل وقبل الكتابة عنه ورضي المولى، أن
(١) سيأتي تخريجه في الجزية.
(٣) في ط: العتق.
(٢) سقط من ط .

٤٢٩
كتاب المكاتب
الكتابة تتوقف على إجازة العبد؛ لأنه من أهل الإجازة وقت قبول الفضولي عنه، فكان له مجيزاً
وقت التصرف فتوقف، فلو أدى القابل عن الصغير إلى المولى، ذكر في الأصل أنه يعتق
استحساناً بمنزلة قوله: إذا أديت إليَّ كذا فعبدي حُرٍّ، وقال: وهذا والكبير سواءٌ.
والقياسُ أن لا يعتق، لأن المكاتبة على الصغير لم تنعقد، لأنه ليس من أهل القبول
فيبقى الأداء بغير مكاتبة، فلا يعتق.
وجه الاستحسان: أنَّ المُكَاتَبَةً فيها معنى المعاوضة ومعنى التعليق، والمولى إن كان لا
يملك إلزام العبد العوض/ يملك تعليق عتقه بالشرط، فيصح من هذا الوجه ويتعلق العتق ١٢٠٠/٢
بوجود الشرط؛ وكذا إذا كان العبد كبيراً غائباً فقبل الكتابة عنه فضولي وأداها إلى المولى، يعتق
استحساناً، وليس للقابل استرداد المؤدي، والقياس أن لا يعتق وله أن يسترد لما قلنا.
هذا إذا أدى الكل، فإن أدى البعض فله أن يسترد قياساً واستحساناً؛ لأنه إنما أدى ليسلم
العتق، والعتق لا يسلم بأداء بعض بدل الكتابة، فكان له أن يسترد إلاّ إذا بلغ العبد فأجاز قبل
أن يسترد القابل، فليس له أن يسترد بعد ذلك؛ لأن بالإجازة استند جواز(١) العقد إلى وقت
وجوده، والأداء حصل على عقد جائز، فلا يكون له الاسترداد، فلو أن العبد عجز عن أداء
الباقي ورد في الرق، فليس له أن يسترد أيضاً، وإن رد العبد في الرق؛ لأن المكاتبة لا تنفسخ
بالرد في الرق، بل تنتهي في المستقبل، فكان حكم العقد قائماً في القدر المؤدي، فلا يكون له
الاسترداد، بخلاف باب البيع بأن من باع شيئاً ثم تبرع إنسان بأداء الثمن، ثم فسخ البيع بالرد
بالعيب أو بوجه من الوجوه - أن للمتبرع أن يسترد ما دفع؛ لأن الدفع كان بحكم العقد، وقد
انفسخ ذلك العقد.
وكذلك لو تبرع رَجُلٌ بأداء المهر عن الزوج، ثم ورد الطلاق قبل الدخول؛ أنه يسترد
منها النصف، لأن الطلاق قبل الدخول فسخ من وجه، ولو كانت الفرقة من قبلها قبل الدخول
بها، فَلَهُ أن يسترد منها كل المهر، ولا يكون المهر للزوج، بل يكون للمتبرع لانفساخ النكاح.
هذا كله إذا أدَّى القابل، فلو امتنع القابل عن الأداء لا يطالب بالأداء إلاَّ إذا ضمن،
فحينئذٍ يؤخذ به بحكم الضمان، فَأمَّا بلوغه، فليس بشرط حتى لو كاتبه وهو يعقل البيع
والشراء، جازت المكاتبة، ويكون كالكبير في جميع أحكامه عندنا؛ خلافاً للشافعي؛ لأن
المكاتبة إذن في التجارة، وإذن الصبي العاقل بالتجارة صحيحٌ عندنا؛ خلافاً له، وهي من
مسائل المأذون.
(١) في ط: جواب.

٤٣٠
كتاب المكاتب
فصل فيما يرجع إلى بدل الكتابة
وأما الذي يرجع إلى بدل الكتابة، فمنها أن يكون مالاً، وهو شرط الانعقاد، فلا تنعقد
المكاتبة على الميتة والدم، لأنهما ليسا بمال في حق أحدٍ، لا في حقُّ المسلم ولا في حق
الذميِّ.
ألا ترى أن المشتري بهما لا يملك وإن قبض، ولا تنعقد عليهما المكاتبة حتى لا يعتق
وإن أدى، لأن التصرف الباطل لا حكم له، فكان ملحقاً بالعدم إلاَّ إذا كان قال: على أنك إن
أديت إلي فأنت حر، فأدى، فإنه يعتق بالشرط، وإذا عتق بالشرط لا يرجع المولى عليه بقيمته؛
لأن هذا ليس بمكاتبة إنما هو إعتاق معلق بالشرط بمنزلة قوله: إن دخلت الدار فأنت حر.
ومنها: أن يكون متقوماً، وأنه مِنْ شَرَائط الصحة، فلا تصح مكاتبة المسلم عبده المسلم
أو الذمي على الخمر أو الخنزير، ولا مكاتبة الذمي عبده المسلم على الخمر والخنزير؛ لأن
الخمر وإن كان مالاً في حق المسلمين، فهي غير متقومة في حقهم، فانعقدت المكاتبة على
الفساد، فإن أدَّى يعتق وعليه قيمة نفسه؛ لأن هذا حكم المكاتبة الفاسدة؛ على ما نذكر في
بيان حكم المكاتبة(١).
(١) إذا كاتبَ الذَّمَيُّ عبدَه المسلمَ: لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، أو عِثْقٌ بصِفَةٍ، وكِلاهُما يَصِحُّ منه. وإذا تَرافَعا إلى
الحاكِم بعدَ الكتابةِ، نَظَرَ في العَقْدِ؛ فإن كان مُوافِقاً للشّرْع، أمْضاهُ، سَواءٌ تَرافَعا قبلَ إِسْلامهِما أو بعَده،
وإن كانتْ كتابةً فاسِدةً، مثل أن يكونَ العِوَضُ خَمْراً، أو خِتَّزِيراً، أو غيرَ ذلك من أنواع الفَسادِ، ففيه ثلاثُ
مَسائِلَ؛ إِحْداها، أن يكونَا قد تَقابَضا حالَ الكُفْرِ، فتكونَ الكِتابةُ ماضِيَةً، والعِثْقُ حاَصِلٌ؛ لأنَّ ما تَمَّ في
حالِ الكُفْرِ، لا يَنْقُضُه الحاكمُ، ويَحْكُمُ بالعِثْقِ، سَواءٌ تَرافَعا قبلَ الإِسْلام أو بعدَه. الثانية تَقابضًا بعدَ
الإِسلام، ثم تَرافَعا إلى الحاكِم، فإنَّه يَعْتِقُ أيضاً، لأنَّ هذه كتابةٌ فاسِدةٌ، ويكونُ حكمُها حكمَ الكتابةِ
الفاسِدَةِ المَعْقودةِ فِي الإِسْلامِ. الثالثة، ترافَعا قبل قَبْضِ العِوَضِ الفاسِدِ، أو قَبْضِ بعضِه، فإنَّ الحاكمَ يرْفَعُ
هذه الكِتابةً، ويُبْطِلُها؛ لأنَّهاَ كتابةٌ فاسِدةٌ، لم يَتَّصِلْ بَها قَبْضٌَ تَنَبرِمُ به. ولا فَرْقُ بين إِسْلامِهِما، أو إِسْلامِ
أحَدِهما، فيما ذكرناه، لأنَّ التَّغْلِيبَ لحُكْم الإِسْلامِ. وقال أبو حنيفةً: إذا كاتَّبَه على خَمْرٍ، ثم أُسْلَما، لَمَ
يَفْسُدِ العَقْدُ، ويُؤَدِّي قِيمةَ الخمرِ؛ لأنَّ الكِتابةِ كالثَّكاح، ولو أمْهَرِها خَمْراً، ثم أسْلَما، بَطَلَ الخَمْرُ، ولم
يَبْطُلِ النّكاحُ. ولَنا، أنَّ هذا عَقْدَّ لو عَقَدَه المسلمُ كانَّ فاسِداً، فإذا أسْلَما قبلَ النَّقابُضِ أو أحَدُهما، حُكِمَ
بِفَسِادِهِ، كالبَيْعِ الفاسِدِ، ويُفارِقُ النِّكاحَ في أَنَّه لَو عَقَدَه المسلمُ بخَمْرٍ كان صحيحاً، وإن أسْلَمَ مُكاتَبُ
الذّمِّيِّ، لم تَنفّسِخ الكتابةُ؛ لأنَّها وقَعَتْ صحيحةً، ولا يُجْبَرُ على إزالةِ مِلْكِهِ، لأَنَّه خارِجْ بِالكِتابةِ عن
تَصَرُّفِ الكافرِ فيهَ، فإنْ عَجَزَ، أُجْبِرَ على إزالةِ مِلْكِه عنه حينئذٍ. وإن اشْتَرَى مسلماً، فكاتَبَه، لم تَصِحّ
الكتابةُ، لأنَّ الشِّراءَ باطِلٌ، ولم يَثْبُتْ له به مِلْكٌ. وإن أسْلَم عبدُه فكاتَّبَه بعدَ إسلامِه، لم تَصِحَّ كِتابَتُه؛
لأَنَّه يلْزَمُه إزالةُ مِلْكِه عنه، والكِتابةُ لا تُزِيلُ المِلْكَ، فإنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمْ. وقال القاضي:
له كِتابَتُه؛ لأَنَّه يخْرُجُ بها عن تَصَرُّفِ سَيِّدِه فيه، فإن عَجْزَ، عاد رَقِيقاً قِنَّا، وأَجْبِرَ على إزالةِ مِلْكِه عنه
حينئذٍ.
=

٤٣١
كتاب المكاتب
أما الذميُّ فتجوز مكاتبته عبده الكافر على خمرٍ أو خنزير؛ لأن ذلك مال متقوم عندهم
كالخل والشاة عندنا؛ فإن كاتب ذميٍّ عبداً له كافراً على خمرٍ فأسلم أحدُهما، فالمكاتبة
ماضية، وعلى العبد قيمة الخمر؛ لأن المكاتبة وقعت صحيحةً؛ لكون الخمر مالاً متقوماً في
حقهم، إلاَّ أنه إذا أسلم أحدهما فقد تعذر التسليم أو التسلم؛ لأنَّ المسلم منهي عن ذلك،
وإن كاتَبَ الْحَرْبِيُّ عبدَه، صَحَّتْ كِتابَتُه، سَواءٌ كان في دارِ الحَرْبِ أو دارِ الإِسْلام. وبهذا قال الشأَفَعِيُّ.
=
وقال أبو حنيفةً: لا يَصِحُ، لأنَّ مِلْكَه ناقِصٌ. وحكي عن مالكِ، أنَّه لا يَمْلِكُ، بَدَلِيلٍ أنَّ المُسْلِمَ يَمْلِكُه
عليه. ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَّكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾. وهذه الإضافةُ إليهم تَقْتَضِي صِحَةً
أمْلاكِهِم، فتَقْتَضِي صِحَّةَ تَصَرْفَاتِهِم. فإذا ثَبَتَ هذا، فإذا كاتَبَ عبدَه، ثم دَخَلاَ مُسْتَأْمِنَيْنِ إلينا، لم يتَعَرَّض
الحاكمُ لهما، وإن ترَافَعا إليه، نَظَرَ بينهما، فإن كانت كِتابَتُهما صَحِيحةً، ألْزَمَهُما حُكْمَها، وإن كانتْ
فاسِدةً، بَيَّنَ لهما فَسادَها. وإن جاءا، وقد قَهَرَ أحَدُهما صاحِبَه، بَطَلَتِ الكتابةُ، لأنَّ العبدَ إنْ قَهَرَ سَيِّدَه
مَلَكَه، فبَطَلَتْ كِتابَتُه؛ لخُرُوجِه عن مِلْكِ سَيِّده، وإِن قَهَرَه السَّيِّدُ على إيطالِ الكِتابةِ، ورَدَّه رَقِيقاً، بَطَلَتْ،
لأنَّ دارَ الكُفْرِ دارُ قَهْرٍ وإباحةٍ، ولهذا لو قَهَرَ حُرِّ حُرًّا على نَفْسِه مَلَكَه. وإن دَخَلاَ من غير قَهْرٍ، فَقَهَرَ
أحَدُهما الآخَرَ في دارِ الإِسْلام، لم تَبْطُلِ الكتابةُ، وكانا على ما كانا عليه قبلَه؛ لأنَّ دارَ الإِسلام دارُ
حَظْرٍ، لا يُؤَثِّرُ فيها القَهْرُ إلاَّ بَالحَقُ. وإنَ دخَلاَ مُسْتَأْمِنَيْنٍ، ثم أرادَ الرُّجوعَ إلى دارِ الحربِ، لَم يُمْنَّعَا.
وإن أراد السَّيِّدُ الرُّجوعَ، وأَخْذَ المُكاتَبِ معه، فأبَى المُكاتَبُ الرُّجوعَ معه، لم يُجْبَرْ، لأنَّه بالكِتابةِ زال
سُلْطانُه عنه، وإنَّما له في ذِمَّتِهِ حَقٌّ، ومَنْ له دَيْنٌ في ذِمّةٍ غيرِه بحَقٌ، لا يَمْلِكُ إجبارَه على السَّفَرِ معه
لأجْلِه، ويقال للسَّيِّدِ: إن أرَذْتَ الإِقامةَ في دارِ الإِسلام، لتَسْتَوْفِيَ مالَ الكِتابةِ، فَاعْقِدِ الذِّمَّةَ وأقِمْ، إن
كانت مُدَّتُها طويلةً، وإن أرَدْتَ تَوْكِيلَ مَنْ يَقْبِضُ لكَ نُجَوَمَ الكتابةِ، فافْعَلْ. فإذا أدَّى نُجومَ الكتابةِ، عَتَقَ،
ثم هو مُخَيَّرٌ؛ إن أحَبَّ المُقامَ في دارِ الإِسلام، عَقَدَ على نَفْسِهِ الذُمَّةَ، وإن أحَبَّ الرُّجوعَ، لم يُمْنَعْ. وإن
عَجَزَ، وفَسَخَ السَّيِّدُ كِتَابتَه، عاد رَقِيقاً، ويُرَدُّ إلى سَيِّدِه، والأمانُ له باقٍ؛ لأنَّه مِن مالٍ سَيِّدِه، وسَيِّدُه عَقَدَ
الأمانَ لنفسِه ومالِه، فإذا انْتَقَضَ الأمانُ فِي نَفْسِه، بعَوْدِهِ، لم يُنْتَقِضْ في مالِه. وإن كاتَّبَه في دارِ الحربِ،
فَهَرَبَ، ودَخَلَ إلينا، بَطَلَتِ الكتابةُ؛ لأنَّ مِلْكَه زال عنه بقَهْرِه على نفسِه، فأشْبَهَ ما لو قَهَرَه على غيرِه من
مالِه. وسَواءٌ جاءَنا مُسْلِماً أو غيرَ مسلم. وإن جاءنا بإذْنِ سَيِّدِهِ، فالكِتابةُ بحالِها، لأنَّه لم يَقْهَرْ سَيِّدَه، فإذا
دخَلَ إلينا بأمانٍ بإذْنِ سَيِّدِهِ، ثم سَبَى المسلمون سَيِّدَه وقُتِلَ، انْتقَلتِ الكِتابةُ إلى وَرَثَتِهِ، كما لو مات حَتْفَ
أَنْفِه، وإن مَنَّ عليه الإِمامُ، أو فَاداهُ، أو هَرَبَ، فالكِتابةُ بحالِها، وإن اسْتَرَقَّه الإِمامُ، فالمُكاتَبُ مَوْقُوفٌ،
إن عَتَقَ سَيِّدُه، فالكِتابَةُ بحالِها، وإن مات أو قُتِلَ، فالمُكاتَبُ للمسلمينَ، مُبْقَى على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِهِ،
يَعتِقُ بأدائِه إليهم، ووَلَاؤُه لهم، وإن عَجَزَ، فهو رَقِيقٌ لهم. وإنْ أراد المُكاتَبُ الأداءَ قبلَ عِثْقِ سَيِّدِه
ومَوْتِه، أدَّى إلى الحاكِم، أو إلى أمِينِهِ، وكان المالُ المقْبُوضُ مَوْقُوفاً، على ما ذكرناه، ويَعْتِقُ المكاتَبُ
بالأداءِ، وسَيِّدُه رَقِيقٌ، لا يَثْبُتُ له ولاءٌ. قال أبو بكر: يكونُ الولاءُ للمسلمينَ. وقال القاضي: يكونُ
مَوْقُوفاً، فإن عَتَقَ سَيِّدُه، فهو له، وإن مات على رِقُه، فهو للمسلمينَ. وإنْ كان اسْتِرقاقُ سَيِّدِه بعدَ عِثْقِ
المُكاتَبِ، وثُبُوتِ الولاَءِ عليه، فقال القاضي: يكونُ وَلاؤُه مَوْقوفاً، فإن عَتَقَ السَّيِّدُ، كان الولاءُ له، وإن
قُتِلَ أو مات على رِقُه، بَطَلَ الوَلاءُ؛ لأنَّه رَقِيقٌ، لا يُورَثُ، فَيَبْطُلُ الوَلاءُ، لعَدَمٍ مُسْتَحِقْه. ويَنْبَغِي أن
يكونَ للمسلمينَ؛ لأنَّ مالَ مَنْ لا وارِثَ له للمسلمينَ، فكذلك الوَلاءُ.
ينظر: المغني (٤٤٥/١٤ - ٤٤٨).

٤٣٢
كتاب المكاتب
فتجب قيمتها ولا ينفسخ العقد، بخلاف ما إذا اشترى الذمي من ذميٍّ شيئاً بخمر ثم أسلم
أحدُهما قبل قبض الثمن الخمر؛ أن البيع يبطل، وها هنا لا تبطل المكاتبة، لأن عقد المكاتبة
مبناه على المساهلة والمسامحة؛ نظراً للعبيد، إيصالاً لهم إلى شرف الحرية، فلا ينفسخ بتعذر
تسليم المسمى أو تسلمه، بل يصار إلى بدله، فَأمَّا البيع فعقد مماكسة ومضايقة، لا تجري فيه
من السهولة ما يجري في المكاتبة، فينفسخ عند تعذر تسليم عين المسمى وترتفع؛ وإذا ارتفع
لا يتصور تسليم القيمة مع ارتفاع سبب الوجوب.
ومنها: أن يكون معلوم النوع والقدر، وسواء كان معلوم الصفة أو لا وهو من شرائط
الانعقاد، فإن كان مجهول القدر أو مجهول النوع لم ينعقد، وإن كان معلوم النوع والقدر
مجهول الصفة جازت المكاتبة.
والأصلُ أنَّ الجهالة متى فحشت منعت جواز المكاتبة، وإلاَّ فلا، وجهالة النوع والقدر
٢٠٠/٢ب جهالة فاحشة، وجهالة/ الصفة غير فاحشة، فإنه روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه أجاز
المكاتبة على الوصفاء بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - فيكون إجماعاً على الجواز،
والإجماع على الجواز إجماع على سقوط اعتبار هذا النوع من الجهالة في باب الكتابة.
وبيان هذا الأصل في مسائل: إذا كاتب عبده على ثوب أو دابة أو حيوان أو دار لم تنعقد
حتى لا يعتق، وإن أدى؛ لأن الثوب والدار والحيوان مجهول النوع؛ لاختلاف أنواع كل جنس
وأشخاصه اختلافاً متفاحشاً.
وكذا الدور تجري مجرى الأجناس المختلفة؛ لتفاحش التفاوت بين دار ودار في الهيئة
والتقطيع وفي القيمة باختلاف المواضع من البلدان والمحال والسكك، ولهذا منعت هذه
الجهالة صحة التسمية والإعتاق على مال والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد، فصارت هذه
الأشياء لكثرة التفاوت في أنواعها وأشخاصها بمنزلة الأجناس المختلفة، فيصير فيصير كأنه
كاتبه على ثوب أو دابة أو حيوان أو دار فأدى طعاماً، ولو كان كذلك [فكذا ههنا](١) لا يعتق.
وإن أدى على الثياب والدواب والدور، بخلاف ما إذا كاتبه على قيمة فأدى القيمة أنه
يعتق؛ لأن التفاوت بين القيمتين لا يلحقهما مجلسين، فكانت جهالة القيمة مفسدة للعقد لا
مبطلة له، وإن كاتبه على ثوب هروي أو عبد أو جارية أو فرس جازت المكاتبة، لأن الجهالة
ههنا جهالة الوصف أنه جيد أو رديء أو وسط، وأنها لا تمنع صحة التسمية؛ كما في النكاح
والخلع .
(١) سقط من ط.

٤٣٣
كتاب المكاتب
والأصل أن الحيوان يثبت ديناً في الذمة في مبادلة المال بغير المال؛ كما في النكاح
ونحوه، فتصح التسمية ويقع في الوسط؛ كما في باب الزكاة والدية والنكاح؛ وكذا لو كاتبه
على وصيف يجوز ويقع على الوسط، ولو جاء العبد بقيمة الوسط في هذه المواضع يجبر
المولى على القبول كما في النكاح والخلع ونحوهما.
ولو كاتبه على لؤلؤة أو ياقوتة لم ينعقد؛ لأن الجهالة متفاحشة، ولو كاتبه على كر حنطة
أو ما أشبه ذلك من المكيل والموزون ولم يصف، يجوز، وعليه الوسط من جنسه؛ لأنه ثبت
ديناً في الذمة في مبادلة المال بالمال إذا كان موصوفاً، ويثبت في مبادلة ما ليس بمال بمال،
وإن لم يكن موصوفاً؛ كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد والإعتاق على مال والمكاتبة
معاوضة ما ليس بمال بمال في جانب المولى، فتجوز المكاتبة عليه ويجب الوسط.
ولو كاتبه على حكمه أو على حكم نفسه لم تنعقد؛ لأن الجهالة ههنا أفحش من جهالة
النوع والقدر، لأن البدل هناك مسمى ولا تسمية للبدل ههنا رأساً، فكانت الجهالة [ههنا](١)
أكثر، وإلى هذا أشار في الأصل، فقال: أرأيت لو حكم المولى عليه بملىء الأرض ذهباً كان
يلزمه؟ أو حكم العبد على نفسه بفلسٍ، هل كان يلزمه(٢)؟ فلم ينعقد العقد أصلاً فلا يعتق
بالحكم، وإن كاتبه على ألف درهم إلى العطاء أو إلى الدياس أو إلى الحصاد أو نحو ذلك مما
يُعرف من الأجل، جاز استحساناً، والقياس أن لا يجوز؛ لأن الأجل مجهول، وجهالةُ الأجل
تتطل البيع، فتبطل المكاتبة.
وجه الاستحسان أنَّ الجَهَالَةَ لم تدخل في صلب العقد؛ لأنها لا ترجع إلى البدل، وإنما
دخلت في أمر زائد، ثم هي غير متفاحشة، فلا توجب فساد المكاتبة كجهالة الوصف؛ بخلاف
البيع إلى هذه الأوقات أنه يفسد؛ لأن الجهالة لا توجب فساد العقد لذاتها، بل لإفضائها إلى
المنازعة، والمنازعة قل ما تجري في هذا القدر في المكاتبة؛ لأن مبناها على المسامحة؛
بخلاف البيع؛ فإن مبناه على المماكسة فيفضي إلى المنازعة، ولهذا جازت الكفالة إلى هذه
الأوقات ولم يجز تأجيل الثمن إليها في البيع؛ بخلاف المكاتبة إلى مجيء المطر وهبوب
الريح؛ لأنه ليس لذلك وقت معلوم، ففحشت الجهالة، فإن كَاتَبَهُ إلى العطاء فأخر العطاء، فإن
الأجل يحل في مثل الوقت الذي كان يخرج فيه العطاء، لأن المراد به العرف والعادة وقت
العطاء لا عين العطاء؛ وكذا في الحصاد والدياس.
(١) سقط من ط .
(٢) في ط: يعتق.
بدائع الصنائع ج٥ - ٢٨٢

٤٣٤
كتاب المكاتب
ولو كاتبه على قيمته فالمكاتبة فاسدة، لأن القيمة تختلف بتقويم المقومين، فكان البدل
مجهول القدر، وأنه مجهول جهالة فاحشة، ولهذا منعت صحة التسمية في باب النكاج حتى
عدل إلى مهر المثل، فتمنع صحة المكاتبة، بل أولى؛ لأن النكاح يجوز بدون تسمية البدل،
ولا جواز للمكاتبة من غير تسمية البدل، فلما لم تصح تسمية القيمة هناك، فلأن لا تصح ههنا
١٢٠١/٢ أولى؛ ولأن جهالة القيمة موجب للعقد الفاسد، فكان ذكرها نَصّاً على الفساد؛ بخلاف ما إذا/
كاتبه على عبد، لأن جهالة العبد جهالةُ الوصف، أي: جيد، ورديء، أو وسط، فعند الإطلاق
يقع على الوسط، والوسط معلوم عندهم.
ألا ترى أن أبا حنيفة جعل قيمة الوسط أربعين ديناراً، فأما المكاتبة على القيمة فليست
بمكاتبة على بدل معلوم عند الناس عن إطلاق الاسم، فصار كما لو كاتبه على ألف أو على
ألفين غير أنه إذا أدى القيمة ◌ُتق؛ لأن العقد الفاسد له حكم في الجملة عندنا؛ كالبيع الفاسد
إذا اتصل به القبض، والنكاح الفاسد إذا اتصل به الدخول، حتى يثبت الملك في البيع وتجب
العدة والعقر ويثبت النسب في النكاح؛ وكذا المكاتبة الفاسدة.
ولو قال: كاتبتك على دراهم فالمكاتبة باطلةٌ، وَلَوْ أدَّى ثلاثة دراهم لا يعتق؛ لأن البدل
مجهول جهالة متفاحشة، وليس للدراهم وسط معلوم حتى يقع عليه الاسم؛ بخلاف ما إذا
قال: أعتقتك على درهم فقبل العبد عتق وتلزمه قيمة نفسه؛ لأن العتق هناك وقع بالقبول
والجهالة متفاحشة، فلزمه قيمة نفسه، ولو كاتبه على أن يخدمه شهراً فهو جائز استحساناً،
والقياس ألا يجوز.
وجه القياس أن الخدمة مجهولة لأنها مختلفة، ولا يدري في أي شيء يستخدمه وأنه
يستخدمه في الحضر أو في السفر وجهالة البدل تمنع صحة الكتابة.
وجه الاستحسان: أن الخدمة المطلقة تنصرف إلى الخدمة المعهودة، فتصير معلومة
بالعادة، وبحال المولى أنه في أي شيء يستخدمه، وبحال العبد أنه لأي شيء يصلح، فصار
كما لو عينها نصاً، ولهذا جازت الإجارة على هذا الوجه، فالمكاتبة أولى لأنها أقبل للجهالة
من الإجارة.
ولو كاتبه على أن يخدم رجلاً شهراً، فهو جائز في القياس؛ كذا ذكره في الأصل، ولم
يرد به قياس الأصل؛ لأن ذلك يقتضي أن لا يجوز لما ذكرنا، وإنما أراد به القياس على
الاستحسان الذي ذكرنا، ويجوز القياس على موضع الاستحسان إذا كان الحكم في الاستحسان
معقول المعنى؛ كقياس الجماع ناسياً على قياس الأكل والشرب ناسياً؛ ولأن المنافع أموال في
العقود وأنها تصير معلومة بذكر المدة، فلا فرق بين أن يستأجر رجلاً ليخدمه أو ليخدم

٤٣٥
كتاب المكاتب
غيره(١).
وكذلك لو كاتبه على أن يحفر بئراً قد سمى له طولها وعمقها ومكانها، أو على يبني له
داراً وأراه آجرها وجصها وما يبني بها؛ لأنه كاتبه على بدل معلوم؛ ألا ترى أن الإجارة عليه
جائزة، فالكتابة أولى، ولو كاتبه على أن يخدمه ولم يذكر الوقت، فالكتابة فاسدة؛ لأن البدل
مجهول.
ومنها: أن لا يكون البدل ملك المولى وهو شرط الانعقاد، حتى لو كاتبه على عين من
أعيان مال المولى لم يجز؛ لأنه يكون مكاتبة بغير بدل في الحقيقة (٢) فلا يجوز كما إذا باع داره
تَصِحُ الكِتابةُ على خِدْمةٍ ومَنْفعةٍ مُباحةٍ؛ لأنَّها أحَدُ العِوَضَيْنِ في الإِجَارَةِ، فجاز أن تكونَ عِوَضاً في
=
الكتابةِ، كالأثْمانِ. ويُشْتَرَطُ العِلْمُ بها، كما يُشْتَرَطُ في الإِجارةِ، فإن كاتَّبَه على خِدْمةٍ شَهْرٍ ودِینارٍ، صَحَّ،
ولا يحتاجُ إلى ذِكْرٍ الشهرِ، وكَوْنِهِ عَقِيبَ العَقْدِ؛ لأنَّ إطلاقَه يَقْتَضِي ذلك، وإن عَيَّنَ الشهرَ لوقتٍ لا يَتَّصِلُ
بالعَقْدِ، مثل أنْ يُكاتِبَه في المُحَرَّم على خِدْمَتِه في رَجَبٍ ودينارٍ، صَحَّ أيضاً، كما يجوز أن يُؤْجِرَه دارَه
شَهر رَجَبٍ في المحرَّم. وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يجوزُ على شهرٍ لا يَتَّصِلُ بالعَقْدِ. ويَشْتَرِطُونِ ذِكْرَ
ذلك، ولا يُجَوِّزُونَ إطلاقَه؛ بِناءً على قولِهم في الإِجارةِ. وقد سَبَقَ ذكرُ الخِلافِ فيه، في بابِ الإِجَارةِ.
ويُشْتَرطُ كونُ الدِّينارِ المذكورِ مُؤَجَّلاً؛ لأنَّ الأَجَلَّ شَرْطٌ فِي عَقْدِ الكِتابةِ. فإن جَعَلَ مَحَلَّ الدينارِ بعدَ
الشَّهْرِ بَيَوْمٍ أو أكثَر، صَحَّ. بغير خلافَ نَعْلَمُه. وإن جَعَلَ محلَّه في الشهرِ، أو بعدَ انْقِضائِه، صَحَ أيضاً.
وهذا قولٌ بعضٍ أصحابِ الشافعيِّ. وقال القاضي: لا يَصِحُ، لأنَّه يكونُ نَجْماً واحداً. وهذا لا يَصِحُّ؛
لأنَّ الخِدْمةَ كلَّها لا تكوّنُ في وقتٍ مَحَلِ الدِّينارِ، وإنَّما يُوجَدُ جزءٌ منها يَسِيرٌ مُقارِباً له، وسائِرُها فيما
سِوَاه، ولأنَّ الخِدْمةَ بمَنْزِلةِ العِوَضِ الحاصلِ في ابتداءِ مُدَّتِها، ولهذا يَسْتَحِقُّ عِوَضَها جَمِيعَه عندَ العَقْدِ
فيكون مَحَلُّها غيرَ مَحَلُ الدِّينارِ، وَإِنَّما جازَثَ حَالَّةً؛ لأنَّ المَنْعَ من الحُلُولِ في غيرِها لأَجْلِ العَجْزِ عنه في
الحالِ، وهذا غيرُ مَوْجُودٍ في الخِذمة، فجازَتْ حالَّةً. وإن جَعَلَ محلَّ الدِّينارِ قبلَ الخدمةِ،َ وكانتَ الخِذْمةُ
غيرَ مُتَّصِلةٍ بالعَقْدِ، بحيث يكونُ الدِّينارُ مُؤَجَّلاً، والخِدْمةُ بعدَه، جاز. وإن كانت الخِدْمةُ مُتَّصِلةً بالعقدِ،
لم يُتَصَوَّرْ كَونُ الدِّينارِ قبلَه، ولم تَجُزْ في أَوَّلِه، لأنّه يكونُ حالاً، ومن شَرْطِه التَّأْجِيلُ.
وإن كاتَبَه على خِدْمةٍ مُفْرَدةٍ، في مُدَّةٍ واحدةٍ، مثل أنْ يُكاتِبَه على خِدْمةٍ شهرٍ مُعَيَّنٍ، أو سَنَةٍ مُعَيَِّةٍ،
فحكمُه حكمُ الكِتابةِ على نَجْمٍ واحدٍ، على ما مَضَى من القولِ فيه. ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ كالكِتابةِ على
أنْجُم، لأنَّ الخِدْمةَ تُسْتَوْفَى في أوقاتٍ مُتَفرِّقةٍ، بخلافِ المالِ. فإن جَعَلَه على شهرٍ بعدَ شهرٍ، كأنْ كاتّبَه
في أوّلِ المحرَّم، على خِدْمةٍ فيه، وفي رَجَبٍ، صَحَّ؛ لأنَّه على نَجْمَيْنِ. وإن كاتَبَه على مَنْفَعةٍ في الذُمَّةِ
مَعْلُومَةٍ، كخِيَاطَةِ ثِيابٍ عَيَّنَها، أو بناء حائطٍ وَصَفَه، صَحَّ أيضاً، إذا كاتَبَه على نَجْمَيْنٍ. وإن قال: كاتَبْتُكَ
على أن تَخْدِمَنِي هذا الشهرَ، وخِياطةٍ كذا عَقِيبَ الشهرِ. صَحَّ. في قولِ الجميع. وإن قال: على أن
تَخْدِمَنِي شهراً من وَقْتِي هذا، وشهراً عَقِيب هذا الشهرِ صَحَّ أيضاً. وعندَ الشافعيَِّ لا يَصِحُّ. ولَنا، أنَّه
كاتَبِه على نَجْمَيْنٍ، فصَحَّ، كالتي قبلَها.
ينظر: المغني (١٤ /٤٥٥ - ٤٥٧).
(١) في ط: الحقية.

٤٣٦
كتاب المكاتب
من إنسان بعبد هو لصاحب الدار أنه لا يجوز البيع؛ لأنه يكون بيعاً بغير ثمن في الحقيقة؛ كذا
هذا.
وكذا لو كاتبه على ما في يد العبد من الكسب وقت المكاتبة؛ لأن ذلك مال المولى
فيكون مكاتبة على مال المولى، فلم يجز.
وأما كون البدل ديناً (١)، فهل هو شرط جواز الكتابة؛ بأن كاتبه على شيء بعينه من عبد
أو ثوب أو دار أو غير ذلك مما يتعين بالتعيين، وهو ليس من أعيان مال المولى، ولا كسب
العبد، ولكنه ملك أجنبي وهو معين مشار إليه - ذكر في ((كتاب المكاتب)) إذا كاتب عبده على
عبد بعينه لرجل لم يجز، ولم يذكر الخلاف، وذكر في ((كتاب الشرب)) إذا كاتبه على أرض
[بعينها](٢) لرجل جاز، ولم يذكر الخلاف؛ وذكر ابن سماعة الخلاف فقال: لا يجوز عند أبي
حنيفة، ويجوز عند أبي يوسف، وعند محمد إن أجاز صاحبه جاز وإلا لم يجز، وإطلاق رواية
((كتاب المكاتب)) يقتضي أن لا يجوز، أجاز أو لم يجز، وإطلاق رواية ((كتاب الشرب)) يقتضي
الجواز، أجاز أو لم يجز، ولأنه لما جاز عند عدم الإجازة فعند الإجازة أولى، ويجوز أن
يكون قول محمد تفسيراً للروايتين المبهمتين، فتحمل رواية ((كتاب المكاتب)) على حال عدم
الإجازة.
ورواية ((كتاب الشرب)) على حال الإجازة، وجه رواية ((كتاب المكاتب)) أنه كاتبه على
مال لا يملك؛ لأنه كاتبه على عبد هو ملك الغير فلا يجوز، وبه علل في الأصل فقال: لأنه
كاتبه على مَا لاَ يملك؛ لأنه كاتبه على ملك الغير، وشرح هذا التعليل أن المكاتبة عقد وضع
لإكساب المال، والعبد لا يقدر على إكساب هذا العين لا محالة، لأن مالك العبد قد يبيعه وقد
لا يبيعه، فلا يحصل ما وضع له العقد، ولأنا لو قضينا بصحة هذه المكاتبة لفسدت من حيث
تصح، لأنه إذا كاتبه على عبد [معين](٣) هو ملك الغير، ولم يجز المالك، فقد تعذر عليه
التسليم، فكان موجبها وجوب قيمة العبد، فيصير كأنه كاتبه على قيمة عبد فيفسد من حيث
٢٠١/٢ب يصح، وما كان في تصحيحه إفساده فيقتضي بفساده من الأصل، أو يقال إذا تعذر عليه/
التسليم، فإما أن تجب عليه قيمة العبد أو قيمة نفسه، وكل ذلك فاسدٌ.
وجه رواية ((كتاب الشرب)) وهو المروي عن أبي يوسف أيضاً أن المكاتبة في معنى
الإعتاق على مال، ثم لو أعتق عبده على عبد بعينه لرجل فقبل العبد، جاز.
وجه ما روي عن محمد من التوقف على الإجازة أن هذا عقد له مجیز حال وقوعه،
(١) في أ: غير عين.
(٣) سقط من ط.
(٢) سقط من ط .

٤٣٧
..-
كتاب المكاتب
فيتوقف على الإجازة كالمبيع؛ وكذلك كلما عينه على مال غيره من عرض أو مكيل أو
موزون؛ لأن هذه الأشياء كلها تتعين في العقود بالتعيين، فكانت كالعبد.
ولو قال: كاتبتك على ألف فلان هذه، جازت المكاتبة؛ لأن الدراهم لا تتعين بالتعيين
في عقود المعاوضات، فيقع العقد على مثلها في الذمة لا على عينها، فيجوز، وإن أدى غيرها
عتق؛ لأن المكاتبة وقعت على ما في الذمة، وسواء كان البدل قليلاً أو كثيراً؛ لأن دلائل جواز
المكاتبة لا يفصل بين القليل والكثير، وسواء كان مؤجلاً أو غير مؤجل عندنا، وعند الشافعي
لا يجوز إلا مؤجلاً وهو على قلب الاختلاف في السلم أنه لا يجوز إلاَّ مؤجلاً عندنا، وعنده
يجوز مؤجلاً وغير مؤجلٍ، فالحاصل أنه لا خلاف في جواز المكاتبة على بدل مؤجل.
واختلف في الجواز على بدل غير مؤجل، قال أصحابنا يجوز، وقال الشافعي لا يجوز
إلاَّ مؤجلاً منجماً بنجمين فصاعداً.
وجه قوله: إن العبد عاجز عن تسليم البدل عند العقد؛ لأنه معسر (١) لا مال له، والعجز
عن التسليم عند العقد يمنع انعقاده بدليل أنه لو طرأ على العقد يرفعه، فإذا قارنه يمنعه من
الانعقاد من طريق الأولى، لأن المنع أسهل من الرفع؛ وكذا مأخذ الاسم بدل على ما قلنا،
فإنَّ الكتابةَ مأخوذةٌ من الكتاب، والكتاب يذكر بمعنى الأجل؛ قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَمَا
أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومُ﴾ [الحجر: ٤] أي: أجل لا يتقدم ولا يتأخر، فسمي هذا
عقد كتابة لكون البدل فيه مؤجلاً، ويذكر بمعنى الكتاب المعروف وهو المكتوب؛ سمي العقد
لأن البدل يكتب في الديوان، والحاجة إلى الكتابة للمؤجل لا للحال، فكان الأجل فيه شرطاً؛
كالمسلم لما كان مأخوذاً من التسليم كان تسليم رأس المال فيه شرطاً لجواز السلم، وكذا
الصرف لما كان ينبىء عن نقل البدل من يد إلى يد كان القبض فيه من الجانبين شرطاً؛ كذا
هذا .
ولنا قوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿فَكَاتِبِوُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣] من غير فصل بين
الحال والمؤجل، ولأن بدل الكتابة دين يجوز الاستبدال به قبل القبض فلا يشترط فيه التأجيل
كسائر الديون؛ بخلاف بدل الصرف والسلم.
وأما قوله إن العبد عاجز عن تسليم البدل عن العقد، فمسلّم، لكن الأداء يكون بعد
العقد، ويحتمل حدوث القدرة بعده بأنه يكتب مالاً بقبول هبة أو صدقة، فيؤدي بدل الكتابة.
وأما مأخذ الاسم، فالكتابة تحتمل معان يقال: كتب، أي: أوجب قال الله - تعالى -:
(١) في أ: فقير.

٤٣٨
كتاب المكاتب
﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] و [يقال:](١) كتب أي ثبت؛ قال الله - تعالى -: ﴿كَتَبَ
فَي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وكتب، أي: حكم وقضى؛ قال الله - تعالى -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ
لأَغْلِيَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وشيء من هذه المعاني لا ينبىء عن التأجيل، ثم إذا كانت
المكاتبة حالة فإن أدى البدل حين طالبه المولى بها وإلاَّ يرد في الرق، سواء شرط ذلك في
العقد أو لم يشرط؛ بأن قال له: إن لم تؤدها إلى حال فأنت رقيق، أو لم يقل لأنه كاتبه على
بدل موصوف بصفة الحلول، فلم يكن راضياً بدون تلك الصفة؛ وكذلك إذا كانت منجمة
بنجوم معلومة فعجز عن أداء (٢) نجم منها، يرد إلى الرق في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي
يوسف لا يرد حتى يتوالى عليه نجمان.
احتج أبو يوسف بما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال المكاتب إذا توالى عليه
نجمان: رُدَّ في الرق(٣)، فقد شرط حلول نجمين للرد في الرق، ولأن العجز لا يتحقق إلا عند
حلول نجمين لجواز أن يقرضه إنسان أو يحصل له مال من موضع آخر فيؤدي، فإذا اجتمع
عليه مَالُ نجمين تحقق عجزه.
ولهما ما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه كاتب عبداً له فعجز عن نجم
واحدٍ، فرده إلى الرق(٤)، والظاهر أن ذلك كان على علم من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم
ينقل أنه أنكر عليه أحَدٌ، فيكون إجماعاً؛ ولأن المولى شرط عليه في كل نجم قدراً من المال،
وأنه شَرْطُ معتبر مفيد من شرائط الكتابة، فكان له أن يرده إلى الرق عند فواته؛ كما لو عجز
عن نجمين.
وأما احتجاجه بقول علي - رضي الله عنه - فغيرُ سديدٍ؛ لأنه احتجاج بالمسكوت؛ لأن
فيه أنه إذا توالى عليه نجمان يرد إلى الرق، وليس فيه أنه إذا كسر نجماً واحداً ماذا حكمه أو
٢٠٢/٢أ يحمل على الندب، وبه نقول إن المكاتب إذا كسر نجماً يندب مولاه إلى أن يرده إلى الرق/،
ما لم يتوالى عليه نجمان؛ رفقاً به ونظراً، فإن عجز عن نجمين على أصله أو عن نجم على
أصلهما، فإن كان له مال حاضر أو غائب مرجو حضوره؛ بأن قال: لي مال على إنسان، أو
حال يجيء في القافلة، فإن القاضي ينتظر فيه يومين أو ثلاثة استحساناً؛ لأن هذا القدر من
التأخير ما لا ضرر فيه على المولى، وفيه رجاء وصول كل واحد منهما إلى حقه، فيفعل
القاضي ذلك عند رجاء الوصول.
(١) سقط من ط .
(٢) في ط: أول.
(٣) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٤٢/١٠) كتاب العتق: باب عجز المكاتب.
(٤) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٤٢/١٠) كتاب العتق: باب عجز المكاتب.

٤٣٩
كتاب المكاتب
ولو اختلف المولى والمكاتب في قدر البدل أو جنسه؛ بأن قال المولى كاتبتك على
ألفين، أو على الدنانير، وقال العبد كاتبتني على ألف أو على الدراهم، فالقولُ قول المكاتب
في قول أبي حنيفة الآخر، سواء كان قَدْ أدَّى عن بدل الكتابة شيئاً أو كان لم يؤد، وكان يقول
يتحالفان ويترادان كالبيع؛ لأن في المكاتبة معنى المبادلة، ثم رجع وقال: القولُ قولُ
المكاتب، لأنه المستحق عليه؛ ومتى وقع الاختلاف في قدر المستحق أو جنسه فالقولُ قولُ
المستحق عليه في الشرع؛ كما في سائر الديون؛ ولأن القياس يمنع التحالف لما نذكر في
((كتاب البيوع))، إن شاء الله - تعالى -.
إلاَّ أنَّ الشرع ورد بخلاف القياس في البيع وأنه مبادلة المال بالمال مطلقاً، والكتابة
بخلافه، فلم تكن في معنى البيع، فلا يقاس عليه، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
فصل فيما يرجع إلى نفس الركن
وأما الذي يرجع إلى نفس الركن من شرائط الصحة: فخلوه عن شرط فاسدٍ، وهو الشرط
المخالف لمقتضى العقد الداخل في صلب العقد من البدل، فإن لم يخالف مقتضى العقد جاز
الشرط والعقد، وإن خالف مقتضى العقد لكنه لم يدخل في صلبه يبطل الشرط ويبقى العقد
صحيحاً؛ وإنما كان كذلك لأن عقد الكتابة في جانب المعقود عليه وهو العبد بمنزلة الإعتاق لما
فيه من فك الحجر وإسقاطه والإعتاق مما لا يبطله الشروط الفاسدة، وفيما يرجع إلى البدل
وجانب المولى بمنزلة البيع؛ لأن المولى عقد عقداً يؤول إلى زوال ملكه عنه، فكان كالبيع،
والبيع مما يفسده الشروط الفاسدة؛ لنهي النبي ◌َّر عن بيع وشرطٍ، فيجعل من الشروط الداخلة
في صلب العقد كالبيع، فيعمل في الشرط الفاسد، وفيما لا يدخل في صلب العقد من الشروط
يجعل كالإعتاق فلا يؤثر فيه الشرط الفاسد؛ عملاً بالمعنيين جميعاً بقدر الإمكان.
وعلى هذا مسائل: إذا كاتب جارية على ألف درهم على أن يطأها ما دامت مكاتبة أو
على أن يطأها مرة، فالكتابة فاسدةٌ؛ لأنه شرط فاسد لكونه مخالفاً مقتضى العقد، لأن عقد
المكاتبة يوجب حرمة الوطء، وأنه دخل في صلب العقد لدخوله في البدل؛ حيث جعل بدل
الكتابة بألف درهم ووطئها ففسدت المكاتبة.
ولو كاتبه على ألف درهم على ألا تخرج من المصر، أو على أن لا يسافر فالشرط
فاسدٌ؛ لأنه يخالف مقتضى العقد، لأن العقد يقتضي انفكاك الحجر وانفتاح طريق الإطلاق له
إلى أيِّ بلدٍ ومكانٍ شاء، فيفسد الشرط لكن لا يفسد عقد الكتابة؛ لأنه شرطً لا يرجع إلى
صلب العقد، ومثله من الشروط لا يوجب فساد العقد لما بينا من الفقه، فلو أنها أدت الألف
في المسألة الأولى عتقت في قول عامة العلماء.

٤٤٠
كتاب المكاتب
وقال بشر بن غياث المريسي: لا تعتق، وجه قوله إن المولى جعل شرط العتق شيئين:
الألف ووطأها، والمعلق بشرطين لا ينزل عند وجود أحدهما؛ كما إذا كاتبها على ألفٍ ورطل
من خمرٍ، فأدت الألف دون الخمر.
ولنا أن الوطء لا يصلح عوضاً في المكاتبة، فلا يتعلق العتق به، فألحق ذكره بالعدم
بخلاف الخمر، فإنه يصلح عوضاً في الجملة لكونه مالاً مقدور التسليم، فلم يلحق بالعدم
وتعلق العتق بأدائها ثم إذا أدت فعتقت ينظر إلى قيمتها، فإن كانت قيمتها ألف درهم، فلا شيء
للمولى عليها ولا لها على المولى؛ لأنها مضمونة بالقيمة لكونها مقبوضة بحكم عقد فاسدٍ،
والمقبوض بحكم عقد فاسد مضمونٌ، لأنه يجب عليه رده وهو عاجزٌ عن رد عينه، فيرد القيمة
لقيامها مقام العين؛ كذا ههنا وجب عليها رد نفسها، وقد عجزت لنفوذ العتق فيها فترد القيمة
وهي ألف درهم، وقد وصل بتمامه إلى المولى، فلا يكون لأحدهما بعد ذلك على صاحبه
سبيلٌ؛ كما لو باع رجل من آخر عبده بألف درهم ورطل من خمر، وقبض البائع الألف وسلم
العبد إلى المشتري وهلك في يده، لا يرجع أحدهما على صاحبه لوصول ما يستحقه البائع
على المشتري إليه، فكذا ههنا.
وإن كانت قيمة الجارية أكثر من ألف، رجع المولى عليها بما زاد على الألف؛ لأنها
٢٠٢/٢ب مضمونة بكمال قيمتها وما أدت إليه كمال قيمتها، فيرجع عليها، وصار هذا/ كما إذا باع عبده
من ذمي(١) بألف رطل من خمر، وقبض الألف وسلم العبد وهلك في يد المشتري، وقيمته
أكثر من ألف - أنه يرجع بما زاد لما قلنا؛ كذا هذا.
وَإنْ كانت قيمة المكاتبة أقل من الألف وأدت الألف وعتقت، هل ترجع على المولى بما
أخذ من الزيادة على قيمتها؟
قال أصحابنا الثلاثة: ليس لها أن ترجع، وقال زفر: لها أن ترجع بالزيادة على المولى.
وجه قوله إن المولى أخذ منها زيادة على ما يستحقه عليها، فكانت الزيادة مأخوذة بغير
حق فيجب ردها؛ كما في البيع الفاسد إذا استهلك المشتري المبيع أنه إن كانت قيمته أكثر من
الثمن، يرجع البائع على المشتري بالزيادة، وإن كانت قيمته أقل يرجع المشتري على البائع
بفضل الثمن؛ كذا ههنا.
ولنا: أنها لو رجعت عليه لأدى إلى إبطال العتق؛ لأنها عتقت بأداء المكاتبة(٢)، فلو لم
يسلم المؤدي للمولى لا يسلم العتق للمكاتبة والعتق سالم لها فيسلم المؤدي للمولى؛ لأن عقد
(١) في أ: آخر.
(٢) في ط: الكاتبة.