النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كتاب الإعتاق
والوصية نفاذها من الثلث، فيضرب كل واحد منهم بمقدار وصيته، فوصية الخارج نصف
الرقبة، ووصية الثالث ثلاثة أرباع الرقبة، ووصية الداخل نصف الرقبة على أصلهما، فيجعل
كل واحد على أربعة أسهم لحاجتنا إلى ثلاثة الأرباع، فالخارج يضرب بنصف الرقبة، وذلك
سهمان، والثابت يضرب بثلاثة أرباع الرقبة؛ وذلك ثلاثة أسهم، والداخل يضرب بنصف
الرقبة، وذلك سهمان فتجمع وصاياهم فتصير سبعة أسهم، فيجعل ثلث المال مبلغ الوصايا؛
وذلك سبعة أسهم، فيكون ثلثا المال أربعة عشر سهماً، ضرورة، فيكون جميع المال أحد
وعشرين، فصار كل عبد سبعة أسهم، لأن ماله ثلاثة أعبد، وقد صار ماله كله أحد وعشرين
سهماً، فيخرج منه سهام العتق وسهام السعاية، فالخارج يعتق منه سهمان من سبعة، ويسعى
في خمسة أسهم، والثابت يعتق منه ثلاثة أسهم من سبعة، ويسعى في أربعة أسهم، والداخل
يعتق منه سهمان من سبعة، ويسعى في خمسة أسهم كالخارج، وإذا صار سهام الوصايا سبعة،
تصير سهام الورثة أربعة عشر ضرورة، فاستقام الثلث والثلثان، وهذا التخريج على قولهما.
وَأمَّا عَلَى قَوْل محمد فالخارج يضرب بسهمين والثابت بثلاثة والداخل بسهم، فذلك ستة
أسهم، فصار ثلث/ المال ستة أسهم، فيكون ثلثاه مثليه؛ وذلك اثني عشر، فيصير جميع المال ١٨٥/٢أ
ثمانية عشر، فصار كل عبد ستة أسهم يخرج منه سهام العتق وسهام السعاية، فيعتق من الخارج
سهمان ويسعى في أربعة أسهم، ويعتق من الثابث ثلاثة أسهم ويسعى في ثلاثة، ويعتق من
الداخل سهمٌ واحد ويسعى في خمسة أسهم، فصار للورثة اثني عشر، ولأصحاب الوصايا
ستة، فاستقام الثلث والثلثان، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
وأما الجهالة الطارئة بأن أضَافَ صيغة الإعتاق إلى أحدهما بعينه ثم نسيه، فالكلام في
هذا الفصل أيضاً في موضعين:
أحدهما: في كيفية هذا التصرف.
والثاني: في الأحكام المتعلقة به، أما الأول فلا خلاف في أنَّ أحَدَهُمَا حُرِّ قبل البيان؛
لأن الصيغة أضيفت إلى معين، والمعين محل لنزول العتق فيه، فكان البيان في هذا النوع
إظهاراً وتعييناً لمن نزل فيه العتق.
وأما الثاني: فالأحكام المتعلقة به ضربان أيضاً؛ ضرب يتعلق به في حال حياة المولى،
وضرب يتعلق به بعد موته.
أما الأول: فنقول إذا أعتق إحدى جاريتيه بعينها ثم نسيها، أو أعتق إحدى جواريه العشرة
بعينها ثم نسي المعتقة (١)، فإنه يمنع من وطئهن واستخدامهن؛ لأن واحدة منهن حرة بيقين،
(١) في أ: المعينة.

٣٦٢
كتاب الإعتاق
فَكُلُ واحدة يحتمل أن تكون هي الحرة، ووطء الحرة من غير نكاح حرام، فلو قرب واحدة
منهن ربما يقرب الحرة، فيمنع من ذلك صيانةً عنِ الحرام.
والأصل في هذا الباب ما روينا من حديث وابصة بن معبد - رضي الله عنه - عن
رسول الله وَّ﴾ أنه قال: ((أَلاَ إِنَّ لِكُلُّ مَلِكِ حِمى، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، فَمَنْ حَامَ حَوْلَ
الحِمَى يُؤْشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ»(١) ولا يجوز أن يطأ واحدة منهن بالتحري لما ذكرنا في ((كتاب
الطلاق»، فلو أنه وطىء واحدة منهن، فحكمه نذكره هنا، والحيلةُ في أن يباح له وطؤهن أن
يعقد عليهن عقد النكاح، فتحلُّ له الحرةُ منهن بالنكاح والرقيقةُ بملك اليمين.
ولو خاصم العبدان المولى إلى القاضي وَطَلَبًا منه البيان، أمره القاضي بالبيان، ولو امتنع
حبسه ليبين؛ كذا ذكره الكرخي؛ لأن أحدهما حر بيقين، والحريةُ حقهُ، أو له فيها حق، ولكل
صاحب حق أن يطلب حَقَّه، وإذا امتنع من الإيفاء يجبر عليه.
ولو ادعى كل واحد منهما أنه هو الحر، ولا بينة له، وجحد المولى فطلبا يمينه،
استحلفه القاضي لكل واحد منهما بالله - عزَّ وجلَّ - ما أعتقه، لأن الاستحلاف لفائدة النكول،
والنكول بذل أو إقرارٌ، والعتق يحتمل كل ذلك، ثم إن نكل لهما، عُتقا؛ لأنه بذل لهما الحرية
أو أقر بها لهما، وإن حلف لهما يؤمر بالبيان؛ لأن أحدهما حُرٌّ بيقينٍ، وحريته لا ترتفع
باليمين، وما ذكرنا من رواية ابن سماعة عن محمد في الطلاق يكون ذلك رواية في العتاق،
وهو أنهما إذا استحلفا فحلف المولى للأول، يعتق الذي لم يحلف له؛ لأنه لما حلف
الأول: والله ما أعتقه، فقد أقر برقه، فيتعين الآخر للحرية، كما إذا قال ابتداءً لأحدهما عيناً:
هذا عبد، وَإن لم يحلف له عُتق هو؛ لأنه بذل له الحرية أو أقر، وإن تَشَاحًا في اليمين، حلف
لهما جميعاً بالله - عزَّ وجلَّ - ما أعتق واحداً منهما، فإن حلف لهما، فإن كانا أمتين يحجب
عنهما(٢) حتى يبين لما ذكرنا أن حرمةٌ(٣) إحداهما لا ترتفع بالحلف.
وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) أن المولى لا يجبر على البيان في الجهالة
الطارئة إذا لم يتذكر، لما فيه من استرقاق الحرّ؛ لأن أحدهما حرِّ بيقين بخلاف الجهالة
الأصلية؛ لأن ثمة الحرية غير نازلة في المحل في أصح القولين، فلم يكن في البيان استرقاق
الحر، ثم البيان في هذه الجهالة نوعان: نَصِّ ودلالَةٌ، أو ضرورة، أما النص: فنحو أن يقول
المولى لأحدهما عيناً: هذا الذي كنت أعتقته ونسيت.
وأما الدلالة، أو الضرورة: فهي أن يقول أو يفعل مل يدل على البيان؛ نحو أن يتصرف
-
(١) تقدم تخريجه وهو حديث ((الحلال بين والحرام بين)).
(٢) في ط: منهما.
(٣) في ط: حرية.

٣٦٣
کتاب الإعتاق
في أحدهما تصرفاً لا صحة له بدون الملك؛ من البيع، والهبة، والصدقة، والوصية،
والإعتاق، والإجارة، والرهن، والكتابة، والتدبير، والاستيلاد إذا كانتا جاريتين؛ لأن هذه
التصرفات لا صحة لها إلا في الملك، فكان إقدمه دليل اختياره الملك في التصرف فيه، وتعين
الآخر للعتق.
وكذا إذا كانا أمتين فوطىء إحداهما عتقت الأخرى بلا خلاف؛ لأن إحداهما حرة بيقين،
فكان وطء إحداهما تعييناً لها للرق، والأخرى للعتق، وتعيين الأخرى للعتق ضرورة انتفاء
المزاحم، بخلاف الجهالة الأصلية على أصل أبي حنيفة؛ لأن العتق غير نازل في إحداهما،
فكانت كل واحدة منهما حلال الوطء.
وإن كن عشراً فوطىء إحداهن تعينت الموطوءة للرق؛ حملاً لأمره على الصلاح،
وتعينت الباقيات لكون المعتقة فيهن دلالة أو ضرورة، فيتعين البيان نصاً أو/ دلالة.
١٨٥/٢ ب
وكذا لو وطىء الثانية والثالثة إلى التاسعة، فتتعين الباقية وهي العاشرة للعتق؛ لأن فعله
يحمل على الجواز، ولا جواز له إلا في الملك، فكان الإقدام على وطئهن تعييناً لهن للرق
والباقية للعتق، أو تتعين الباقية ضرورة، والأحسن أن لا يطأ واحدة منهن، لاحتمال أن تكون
الموطوءة هي الحره، فلو أنه وطىء فحكمه ما ذكرنا.
ولو ماتت واحدة منهن قَبْلَ البيانِ، فَالأحسَنُ أنْ لا يطأ الباقيات قبل البيان؛ لاحتمال أن
تكون المعتقة فيهن، فلو أنه وطئهن قبل البيان جاز؛ لأن فعل المسلم العدل محمولٌ على
الجواز ما أمكن، وأمكن ههنا؛ بأن يحمل على أنه قد نذكر أن المعتقة منهن هي الميتة، لأن
البيان في هذا النوع من الجهالة إظهار وتعيين لمن نزلت فيه الحرية من الأصل، فلم تكن الحياة
شرطاً لمحلية البيان، وكان إقدامه على وطئهن تعييناً للميتة للعتق، والباقيات للرق دلالة أو
تتعين الباقيات للرق ضرورة، بخلاف الجهالة الأصلية إذا ماتت واحدة منهن، أن الميتة لا
تتعين للحرية؛ لأن الحرية هناك غير نازلة في إحداهن، وإنما تنزل عند وجود الشرط وهو
الاختيار مقصوراً عليه، والمحل ليس بقابل للحرية وقت الاختيار، فهو الفرق.
ولو كانت أمتين(١) فماتت واحدة منهما لا تتعين الباقية للعتق؛ لأن الميتة لم تتعين للرق
لانعدام دليل يوجب التعيين، فلا تتعين الأخرى للعتق ضرورة، فوقف تعيينها للعتق على البيان
نصّاً أو دلالة؛ إذ الميتة لم تخرج عن كونها مخلاً للبيان، إذ البيان في هذا النوع إظهار وتعيين،
بخلاف النوع الأول في أصح القولين.
(١) في ط: اثنتين.

٣٦٤
كتاب الإعتاق
ولو قال المولى هذا مملوكٌ وأشار إلى أحدهما، يتعين الآخر للعتق دلالة أو ضرورة، ولو
باعهما جميعاً صفقة واحدة، كان البيع فاسداً؛ لأنه باع حراً عبداً صفقة واحدة، ولم يبين حصة
كل واحد منهما من الثمن، وكذا لو كانوا عشرة فباعهم صفقة واحدة، ويفسخ البيع في الكل،
ولو باعهم على الانفراد جاز البيع في التسعة، ويتعين العاشر للعتق؛ كذا ذكر الكرخي؛ لأن بيع
كل واحد منهم اختياره إياه للرق، ويتعين الباقي للعتق دلالة، أو يتعين ضرورةَ عدم المزاحم.
كما لو وطىء عشرة نفر لكل واحد منهم جارية، فأعتق واحد منهم جاريته ولا يعرف
المعتق، فلكل واحد منهم أن يطأ جاريته وأن يتصرف فيها تصرف الملاك؛ لأن الجهالة تمكنت
في الجانبين جميعاً؛ المعتِقُ والمعتَقُ، فوقع الشك في الطرفين، فلا يزال اليقين بالشك،
بخلاف ما إذا كانت الجواري لواحد فأعتق واحدة منهن ثم نسيها - أنه يمنع من وطء الكل؛
لأن الجهالة هناك لم تقع إلا في أحد الجانبين، فلم يقع الشك إلا في أحد الجانبين، إذ المعتق
على يقين من حرية إحداهن، وكل واحدة تحتمل أن تكون هي الحرة، فيمنع من وطئهن، ولو
دخل الكل في ملك أحدهم، صار كأن الكل كن في ملكه، فأعتق واحدة منهن ثم جهلها .
وأما الثاني: فهو أن المولى إذا مات قبل البيان يعتق من كل واحدة منهما نصفه مجاناً
بغير شيءٍ، ونصفه بالقيمة، فتسعى كل واحدة منهما في نصف قيمتها للورثة؛ لما ذكرنا في
الجهالة الأصلية، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
فصل فيما يظهر به حكمه
وأما بیان ما يظهر به حکمه فالمظهر له شيئان :
أحدهما: الإقرار.
والثاني: البينة .
أما الأول فلا شك أن الإقرار مِنَ المولى بإعتاق عبده يظهر به العتق، لأن الظاهر أن
الإنسان لا يقر على نفسه كاذباً، فيصدق في إقراره على نفسه، ولا يقبل على غيره؛ لكونه
شهادة على الغير، وشهادة الفرد غير مقبولة، ولو أقر بحرية عبد غيره، ثم اشتراه، عتق عليه
لأن إقراره على نفسه مقبولٌ ولا يقبل على غيره؛ لكونه شهادة على الغير، وشهادةُ الفرد غير
مقبولة، فإذا اشتراه فقد زال المانع من تقييده في حقه، فيعتق عليه.
وأما البينة: فجملة الكلام فيها أنه لا خلاف في أنها تقبل على عتق المملوك إذا ادعى
المملوك العتق وأنكر المولى، سواء كان المملوك عبداً أو جارية، فأما إذا لم يدع وأنكر العتق
والمولى أيضاً منكر، فهل تقبل الشهادة على عتقه من غير دعواه؟

٣٦٥
كتاب الإعتاق
فإن كان المملوك جارية تقبل بالإجماع، وإن كان عبداً لا تقبل في قول أبي حنيفة، وعند
أبي يوسف ومحمد: تقبل، مِنْ أصحابنا مَنْ حمل(١) المسألة على أنَّ عِتق العبد حق العبد عند
أبي حنيفة، والشهادة على حقوق العباد لا تقبل من غير دعاويهم؛ كالأموال وسائر حقوق
العباد، وعندهما هي حق الله - تعالى -، والشهادة على حقوق الله - عزَّ وجلَّ - مقبولة من غير
دعوى أحد؛ كالشهادة على إعتاق الإنسان أمته وتطليقه امرأته، والشهادة على أسباب الحدود
الخالصة لله - عزَّ وجلَّ - من الزنا والشرب والسكر، إلا السرقة، فإن شرط فيها الدعوى
لتحقق السبب؛ إذ لا يظهر/ كون الفعل سرقة شرعاً بدون الدعوى لما نذكر في ((كتاب السرقة))
فنتكلم في المسألة بناء وابتداء.
أما البناء: فوجه قولهما إن في الإعتاق تحريم الاسترقاق، وحرمة الاسترقاق حق الله
- تعالى -، قال النبي ◌ََّ: ((ثَلاثَةٌ أَنَا خَضْمُهُمْ وَمَنْ كُنْتُ خَضْمُهُ، خَصَمْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ))(٢) وذكر
في جملتها: (رَجُلاً بَاعَ حُرّاً وَأَكَلَ ثَمَنْهُ))، وكذا يتعلق به أهلية وجوب حقوق الله - عزَّ وجلَّ -
من الكفارات والزكوات والجمع والجماعات، فثبت أن العتق حق الله - تعالى - فلا يشترط فيه
الدعوى لقبول الشهادة القائمة عليه؛ كما في عتق الأمة وطلاق المرأة، وكما في الحدود
الخالصة؛ وكذا الأحكام تَدُلَّ على أنَّ الدعوى ليست بشرطِ، فإن الشهادة على حرية الأصل
للعبد تقبل من غیر دعواه.
وَكَذَا الشهادة على نسب صبي صغير من رجلٍ وأنكر الرجل؛ وكذا الشهادة على المولى
باستيلاد جاريته وهما منكران؛ وكذا التناقض في العتق لا يمنع صحة الدعوى؛ بأن قال عبد
لإنسان اشترني، فإني عبدُ فلانٍ، فاشتراه ثم ادعى العبد حرية الأصل، تُسمع دعواه، ولو كانت
الدعوى فيه شرطاً لكان التناقض مانعاً من صحة الدعوى؛ كما في سائر الدعاوى.
ولأبي حنيفة أن الإعتاق إثبات العتق، والعتق في عرف اللغة والشرع: اسم لقوةٍ حكمية
تثبت للعبد تندفع بها يد الاستيلاء والتملك عنه، والقوة حقه؛ إذ هو المنتفع بها مقصوداً.
(١) في أ: بنى.
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٧/٤) كتاب البيوع: باب إثم من باع حراً حديث (٢٢٢٧)، و(٥٢٣/٤) كتاب
الإجارة: باب إثم من منع أجر الأجير حديث (٢٢٧٠) وابن ماجه (٨١٦/٢) كتاب الرهون: باب أجر
الأجراء حديث (٢٤٤٢) وأحمد (٣٥٧/٢) والبيهقي (١٢١/٦) كتاب البيوع باب إثم من منع الأجير
أجره، والبغوي في (شرح السنة)) (٤٠١/٤) كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
وأخرجه ابن حبان (٣٣٣/١٦) كتاب أخباره وَّليل عن مناقب الصحابة: باب ((ذكر وصف أقوام يكون
خصمهم في يوم القيامة رسول الله وَليتر)) رقم (٧٣٣٩)، وأحمد (٣٥٨/٢)، وابن الجارود في ((المنتقى))
(١٤٩) رقم (٥٧٩).

٣٦٦
كتاب الإعتاق
ألا ترى أن هو الذي يتضرر بانتفائها مقصوداً بالاسترقاق، وكذا التحرير إثبات الحرية،
والحرية في متعارف الشرع واللغة تنبىء عن خلوص نفس العبد له عن الرق والملك، وذلك
حقه لأنه هو المنتفع به دون غيره مقصوداً، وحق الإنسان ما ينتفع به (١)، دون غيره، فإذا ثبت
أن العتق حق العبد، فالشهادة القائمة على عتق(٢) العبد لا تقبل من غير دعواه؛ كسائر
الشهادات القائمة على سائر حقوق العباد والجامع بينهما من وجهين:
أحدهما: أن المشهود به إذا كان حقّاً للعبد كان العبد مشهوداً له، فإذا أنْكَرَ فقد كذب
شهوده، والمشهود له إذا أكذب شهوده لا تقبل شهادتهم له.
والثاني: أن إنكار المشهود له حقه مع حاجته إلى استيفاء حقه لينتفع به يوجب تهمة في
الشهادة؛ لأن المشهود به لو كان ثابتاً لتبادر إلى الدعوى ولا شهادة لمتهم.
وأما قوله في إعتاق تحريم الاسترقاق، فنقول الإعتاق لا ينبىء عن ذلك، وإنما ينبىء
عن إثبات القوة والخلوص على ما بينا، وذلك حقه، ثم إذا ثبت حقه بالإعتاق حرم
الاسترقاق؛ لما فيه من إبطال حقه، وهذا لا يدل على أن حرمة الاسترقاق حق الله - عزَّ
وجلَّ -.
ألا ترى أن سائر الحقوق الثابتة للعباد يحرم إبطالها، ولا يدل على أن حرمة إبطالها
حق الله - تعالى -، على أنا إن سَلَّمْنَا أن في العتق حق الله - تعالى -، فالمقصود حاصلٌ؛ لأنه
من حيث إنه حق الله - تعالى - تقبل الشهادة عليه من غير دعوى العبد، ومن حيث إنه حق
العبد لا تقبل، فدارت الشهادة بين القبول وعدم القبول، فلا تقبل مع الشك، ولهذا لم تقبل
الشهادة على القذف من غير دعوى المقذوف، وإن كان حد القذف حق الله - تعالى - من وجهٍ
وحق العبد من وجهٍ؛ كذا ههنا.
وأما الأحكام: فأما عتق الأمة، فثمة هكذا لقول إن تلك الشهادة لا تقبل على العتق من
حيث ذات العتق لما قلنا في العبد، وإنما تقبل من حيث إن عتق الأمة حق الله - تعالى - على
الخلوص من حيث إنه سبب لتحريم الفرج، ووسيلة إليه، والشيء من حيث التسبب والتوسل
غير، ومن حيث الذات غير كما قلنا في كفر المحارب؛ أنه يوجب القتل من حيث إنه سبب
للحراب، لا من حيث ذاته، بل ذات الكفر غير موجب؛ لأنهما غيران؛ كذا هذا.
ألا ترى أنه ينفصل أحدهما عن الآخر، فإن العتق قد لا يكون وسيلة إلى تحريم الفرج
وهو عتق العبد، ثم متى قبلت على العتق من حيث إنه سبب حرمة الفرج، تقبل من حيث ذات
العتق، وكذا في طلاق المرأة من غير دعواها، وليس للعتق في محل النزاع سببية تحريم
(١) في ط: هو.
(٢) في أ: حق.

٣٦٧
کتاب الإعتاق
الفرج، [فلو قبل لقبل على ذات العتق] (١)، ولا وجه إليه لما بينا، فإن قيل ما ذكرتم من العذر
في فصل الأمة والطلاق لا يصح؛ لأن الشهادة على عتق الأمة المجوسية والأخت من الرضاعة
مقبولةٌ من غير دعوى، وهذه الشهادة لا تتضمن حرمة الفروج؛ لأن الحرمة كانت ثابتة قبل
ذلك؛ وكذا الشهادة على الطلاق الرجعي والطلاق المضاف إلى الملك يُقبل من غير دعوى،
ولا تتضمن هذه الشهادة تحريم الفرج.
فالجواب: أنَّ مِنْ أصْحَابِنَا مَنْ يمنع المسألتين الأوليتين، فقالوا: لا تقبل [هذه](٢) ١٨٦/٢ ب
الشهادة فيهما من غير دعوى؛ لأنها لا تتضمن تحريم الفرج، ومنهم مَنْ سلم مسألة المجوسية
ومنع مسألة الأخت من الرضاعة، وفرق بينهما من حيث إن وطء الأمة المجوسية مملوك
للمولى، وإنما منع من الاستيفاء لخبثها؛ كما يمنع من الوطء حالة الحيض، ولهذا لو وطئها لا
يسقط إحصانه، وبعد العتق لو وطئها يسقط إحصانه، فالشهادة على عتقها تضمنت تحريم
الفرج، فقبلت من غير دعوى، فأما الأخت من الرضاعة فحرامُ الوطء حقيقةً، حتى لو وطئها
يسقط إحصانه مع قيام ملك اليمين، والمعتبر في الباب تحريم الفرج لا الأنوثة، والشهادة
[على حرية الأصل على هذا الاختلاف والشهادة](٣) على النسب قطّ لا تقبل من غير دعوى،
وفيما ذكر من المسألة وهي ما إذا كان صغيراً فلا تقبل عند أبي حنيفة، ما لم ينصب القاضي
خصماً غير الصغير ليدعي النسب له بطريق النيابة شرعاً؛ نظراً للصغير العاجز عن إحياء حقه
بنفسه، والقاضي نصب ناظراً المسلمين، وكان ذلك شهادة على خصم.
وأما الاستيلاد فهو سبب لتحريم الفرج والدعاوى في الجملة؛ لأنه يوجب حقيقة الحرية
عند الموت، والحرمة لازمة للحرية حتى لا يباح لها مس المولى وغسله بسبب الحرية، فكان
الاستيلاد في الحال سبباً لثبوت الحرية، فكان سبباً لحق الله - تعالى - في الحال، فيقام السبب
مقام الحقيقة في حق التحريم احتياطاً، وهو الجواب عن الطلاق الرجعي، والطلاق المضاف
إلى الحرية ثمة ثبت في الجملة أيضاً عند وجود زوال الحل، فيعتبر السبب قائماً مقام المسبب
في حق الحرمة احتياطاً .
وأما الابتداء فوجه قولهما أنَّ عدالة الشاهد دلالة صدقه في شهادته من حيث الظاهر،
فيثبت المشهود به ظاهراً، والقاضي مكلف بالقضاء بالظاهر، فكان ينبغي أن لا نشترط الدعوى
لقبول الشهادة أصلاً، ولهذا لم تشترط في عتق الأمة وطلاق المرأة وأسباب الحدود، إلاَّ أنا
عرفنا اشتراطها فيما وراء العتق من حقوق العباد بالإجماع، فيقتصر على مورد الإجماع.
(١) في أ: فلو قبلت لقبلت من حيث ذات العتق.
(٢) سقط من ط .
(٣) سقط من ط .

٣٦٨
كتاب الإعتاق
وجه قول أبي حنيفة أن خبر مَنْ ليس بمعصوم عن الكذب محتملُ الكذب، فلا يفيد العلم
للقاضي بالمشهود به، والأصل أن لا يجوز القضاء بما لا علم للقاضي به، وبما ليس بثابت
قطعاً؛ لقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عَلْمْ﴾ [الإسراء: ٣٦] وأنه اسم للثابت قطعاً.
وقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ
بِالحَقِ﴾ [ص: ٢٦] والحقُّ اسمُ للكائن الثابت، ولا ثبوت مع احتمال العدم، فكان ينبغي أن لا
يجوز القضاء به أصلاً، إلا أن الشرع جاء بالجواز لحاجة العباد إلى دفع الفساد، وهو المنازعة
القائمة بينهما بالدعوى، والمنازعة سبب الفساد أو لدفع فساد الزنا؛ كما في حد الزنا وعتق
الأمة وطلاق المرأة، أو لدفع فساد السكر في حد الشرب(١) والسكر، فَأَلْحِقَ المحتملُ
بالمتيقن، أو اكتفى بظاهر الصدق مع الاحتمال؛ دفعاً للفساد فبقي الحكم فيما وراء ذلك على
الأصل.
وعلى هذا شاهدان شَهِدًا على رجلٍ أنه أعتق أحد عبديه، والعبدان يدعيان العتق أو
يدعيه أحدهما، فإن شهدا في حال حياة المولى وصحته، لا تقبل شهادتهما في قول أبي
حنيفة، وعندهما: تقبل، لأن الدعوى شرط قبول الشهادة على عتق العبد عنده، والمدعي
مجهولٌ، فجهالة المدعي منعته صحة الدعوى، فامتنع قبول الشهادة، وعندهما الدعوى ليست
بشرط، فجهالة المدعي لا تكون أقل من عدم الدعوى، فلا تمنع قبول الشهادة، فتقبل ويجبر
على البيان، وإن شهدا بعد وفاته على أنه أعتق أحدهما فى حال صحته فهو على هذا الخلاف،
وإن شهدا على ذلك وهو مريضٌ فمات، أو شهدا بعد موته؛ على أنه قال ذلك في المرض، لا
تقبل في قياس قول أبي حنيفة، وفي الاستحسان تُقبل، ولا خلاف في أنهما إذا شَهِدًا على أنه
طلق إحدى امرأتيه تُقبل، ويخير فيختار طلاق إحداهما.
وجه قياس قول أبي حنيفة ما ذكرنا أن الدعوى شرط والمدعي مجهول.
وجه الاستحسان: أن المدعي ههنا معلوم، لأن الإعتاق في مرض الموت وصية،
والخصم في تنفيذ الوصية هو الموصي، فكان الميت المشهود له لوقوع الشهادة له، فكان
المدعي معلوماً، فجازت الشهادة له، بخلاف حال الصحة؛ فإن الشهادة هناك وقعت لأحد
العبدين، فكان المدعي (٢) مجهولاً، فلم تجز الشهادة، ولأن المولى لما مات فقد شاع العتق
فيهما جميعاً، فصار كُلُّ واحدٍ منهما خصماً في حق نفسه متعيناً، فتقبل الشهادة، بخلاف حال
الحياة والصحة.
(١) في ط: الشارب.
(٢) في ط: المشهود له.

٣٦٩
كتاب الإعتاق
وكذلك جواب أبي حنيفة في هذه المسألة في الأمتين بأنْ شَهِدًا بأنه أَعتق إحدى أمتيه/ - ١١٨٧/٢
أنها لا تقبل؛ لأن انعدام اشتراط الدعوى بقبول الشهادة على عتق الأمة لكونه سبباً لحرمة
الفرج، وهي حق الله - تعالى - ولا تثبت حرمة الفرج بالعتق المبهم عند أبي حنيفة، فكان
الجواب في العبدين والأمتين ههنا عنده على السواء، بخلاف ما إذا شهدا على أنه طلق إحدى
امرأتيه، أنها تقبل؛ لأنها قامت على سبب حرمة الفرج، والدعوى فيها ليست بشرط.
ولو شهدا أن أحد هذين الرجلين أعتق عبده فلاناً، لم تجز شهادتهما، لأن المدعى عليه
مجهول، ولو شهدا أنه اعتق عبداً له وسماه ونسياه أن الشهادة باطلةٌ لأن الشاهد إذا نسي ما
تحمل لا تقبل شهادته، ولو شهدا أنه أعتق عبده سالماً، ولا يعرفان سالماً، وله عبد اسمه
سالم، ليس له غيره، تقبل شهادتهما، ولو شهدا به في البيع لا تقبل.
ووجه الفرق: أن البيع لا يحتمل الجهالة أصلاً، والعتق يحتمل ضرباً من الجهالة؛ ألا
ترى أنه لا يجوز بيع أحد العبدين، ويجوز إعتاق أحد العبدين، ولو اختلف الشاهدان في
الشرط الذي علق به العتق، لم تجز شهادتهما، لأنهما شهدا بعقدين، كُلُّ عقدٍ لا يثبت إلا
بشهادة شاهدین، ولم يوجد .
والأصل فيه: أنه إذا اختلفت شهادة الشاهدين، فإن كان ذلك في دعوى العتق لا تقبل
أصلاً، وإن كان في دعوى المال، ففيه تفصيل ووفاق واختلاف، نذكر ذلك كله في ((كتاب
الشهادات)) إن شاء الله تعالى، والله - عز وجل - أعلم.
بدائع الصنائع ج٥ - ٢٤٣

كتاب التدبير(١)
الكلام في هذا الكتاب يقع فيما ذكرنا في ((كتاب العتق))، وهو بيان ركن التدبير، وبيان
شرائط الركن، وبيان صفة التدبير، وبيان حكم التدبير ووقت ثبوت حكمه، وبيان ما يظهر به
التدبير .
فصل في بيان ركن التدبير
أما الأول: فركن التدبير، وهو اللفظ الدال على معنى التدبير لغةً، وهو إثبات العتق عن
دبر، ثم إثبات العتق عن دبر نوعان: مطلق، ومقيد.
أما المطلق، فهو: أن يعلق الرجل عتق عبده بموته مطلقاً، وله ألفاظ قد تكون بصريح
اللفظ؛ مثل أن يقول: أنت مدبرٌ، أو دبرتك، وقد تكون بلفظ التحرير والإعتاق، نحو أن
يقول: أنت حرِّ بعد موتي، أو حررتك بعد موتي، أو أنت معتق أو عتيق بعد موتي، أو
أعتقتك بعد موتي (٢).
وكذا إذا قال: أنت حر عند موتي، أو مع موتي، أو في موتي، هو بمنزلة قوله: بعد
موتي؛ لأن (عند) كلمة حضرة، فعند الموت يستدعي وجود الموت، فيكون موته بمعنى
(١) قَالَ الْقُتَنْبِيُّ: التَّذْبِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّبُرِ؛ لأَنّهُ عِثْقٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمَوْتُ: دُبُرُ الْحَيَاةِ، قِيلَ: مُدَبَّرٌ، وَلِهَذَا
قَالُوا: أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ، أَيْ: بَعْدَ الْمَوْتِ.
ينظر: نظم المستعذب (١٠٩/٢) والمطلع (ص - ٣١٥) والاختيار ٢٨/٤.
(٢) وجملة ذلك أنَّه إذا عَلَّقَ صَرِيحَ العِثْقِ بالموتِ، فقال: أنتَ حُرٍّ، أو مُحَرَّرٌ، أو عَتِيقٌ، أو مُعْتَقٌ، بعدَ
مَوْتِي. صار مُدَبِّراً بلا خِلافٍ نَعْلَمُه. فأمَّا إن قال: أنتَ مُدَبَّرٌ، أو قد دَبَّرْتُكَ. فإنَّه يَصِيرُ مُدَبَّراً بنفسٍ
اللَّفْظِ، من غيرِ افْتِقارٍ إلى نِيَّةٍ. وهذا مَنْصوصُ الشَّافعيّ. وقال بعض أصحابِه: فيه قولٌ آخرُ، أنَّه ليس
بِصَرِيحِ في الَّذْبِيرِ، وَيَفْتَقِرُ إلى النّيَّةِ؛ لأنّهما لَفْظانٍ لم يَكْثُرِ اسْتِعْمَالُهما، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ، كالكِنَاياتِ.
ولَنا، أنَّهما لَفْظانٍ وُضِعًا لهذا العَقْدِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى النِّيَّةِ، كالبَيْع، ويُفارِقُ الكِناياتِ؛ فإنَّها غيرُ موضوعة
له، ويشاركهما فيه غيرها، فافتقرت إلى النية للتعيين، ويرجح أحَد المُختمِلَيْن، بخِلافِ المَوْضوعِ.
ينظر: المغني ١٤ / ٤١٣.
٣٧٠

٣٧١
کتاب التدبير
الشرط، وجمع للمقارنة، ومقارنة الشيء يقتضي وجودهما، و(في) للظرف، فإذا دخل ما لا
يصلح ظرفاً يجعل شرطاً؛ كما إذا قال لعبده: أنت حر في دخولك الدار.
وقد يكون بلفظ اليمين، بأن يقول: إِن مت فأنت حر، أو يقول: إذا مت أو متى مت أو
متى ما مت أو إن حدث بي حَدَثٌ [أو إذا حدث](١) أو متى حدث بي، لأنه علق العتق
بالموت مطلقاً، وكذا إذا ذكر في هذه الألفاظ مكان الموت الوفاة أو الهلاك.
ولو قال: إن مات فلان فأنت حر، لم يكن مدبراً؛ لأنه لم يوجد تعليق عتق عبده
بموته، فلم يكن هذا تدبيراً، بل كان تعليقاً بشرط مطلق، كالتعليق بسائر الشروط من دخول
الدار، وکلام زید، وغير ذلك.
وقال أبو يوسف: لو قال: أنت حر إن مت، أو قتلت، فليس بمدبر، وقال زفر: هو
مدبر؛ لأنه علق عتقه بالموت، وأنه كائن لا محالة، ولأبي يوسف إن علق بأحد الأمرين فلا
یصیر مدبراً، کما لو قال: إن مت أو مات زید.
ولو قال: إن مت وفلان فأنت جر، أو قال: أنت حرِّ بعد موتي وموت فلان، أو قال:
بعد موت فلان وموتي - لم يكن مدبراً إلاَّ أن يموت فلان قبله، فيصير حينئذٍ مدبراً، وإِنما لا
يصير مدبراً للحال؛ لأنه يحتمل أن يموت المولى أولاً، فلا يعتق؛ لأنه على العتق بشرطين
بموته وموت فلان، فلا يعتق بموته وحده ويصير العبد ميراثاً، فبعد ذلك إن مات فلان ووجد
الشرط الآخر فإنما وجد بعدما انتقل الملك إلى الورثة، ويحتمل أن يموت فلانٌ فيصير مدبراً،
ويعتق بموت المولى، فكان هذا كالتدبير المقيد، ثم ينظر إن مات المولى أولاً، فقد صار العبد
ميراثاً للورثة لما بينا.
وإن مات فلان أولاً فقد صار مدبراً، لأن التدبير صار مطلقاً، وصار العبد بحاله يعتق
بموت المولى، ثم استشهد في الأصل، فقال: ألا ترى أنه لو قال أنت حر بعد كلامك فلاناً
وبعد موتي، فكلم فلاناً كان مدبراً.
وكذلك قوله إذا كلمت فلاناً فأنت حر بعد موتي، فكلمه صار مدبراً، لأنه بعد الكلام
صار التدبير مطلقاً، فكذا هذا.
وقد يكون بلفظ الوصية، وهو أن يوصى لعبده بنفسه أو برقبته أو بعتقه، أو يوصيه
بوصية، يستحق من جملتها رقبته أو بعضها؛ نحو أن يقول له: أوصيتك بنفسك، أو برقبتك،
(١) سقط من ط .

٣٧٢
کتاب التدبير
أو بعتقك، أو كل ما يعبر به عن جملة البدن؛ لأن الموصي يزيل ملكه بالوصية، ثم إِن كان
الموصى له ممن يحتمل الملك، يزول الملك إليه، وإلا فيزول لا إلى أحد، والحر لا يحتمل
أن يملك نفسه لما فيه من الاستحالة، فكانت الوصية له بنفسه إزالة الملك، لا إلى أحد، وهذا
معنى الإعتاق، فهذا الطريق جعل بيع نفس العبد وهبتها له إعتاقاً، كذا هذا، فيصير في معنى
قوله: أنت حر بعد موتي.
وكذا لو قال له: أوصيت لك بثلث مالي، لأن رقبته من جملة ماله، فصار موصى له
بثلثها، ولأن هذا إزالة الملك من الثلث لا إلى أحد، فيكون إعتاقاً.
وروى بشر عن أبي يوسف فيمن أوصى لبعده بسهم من ماله: أنه يعتق بعد موته، ولو
أوصى له بجزء من ماله لم يعتق.
ووجه الفرق: أنَّ السَّهْمَ عِبَارَةٌ عن السدس، فإذا أوصی له بسدس ماله فقد دخل سدس
رقبته في الوصية، فأما اسم الجزء، فلا يتضمن الوصية بالرقبة لا محالة، فكان الخيار فيه إلى
الورثة، فلهم التعيين فيما شاء، والله - عز وجل - أعلم.
وأما المقيد فهو: أن يعلق عتق عبده، بموته موصوفاً بصفة أو بموته، وشرط آخر نحو
أن يقول: إن مت من مرضي هذا، أو في سفري هذا، فأنت حر، أو يقول: إن قتلت فأنت
حر، أو إن غرقت فأنت حر، أو إن حدث بي حدث من مرضي هذا أو من سفري هذا فأنت
حر، ونحو ذلك مما يحتمل أن يكون موته على تلك الصفة، ويحتمل أن لا يكون، وكذا إذا
ذكر مع موته شرطاً آخر يحتمل الوجود والعدم، فهو مدبر مقيد، وحكمه يذكر في موضعه، إن
شاء الله تعالى.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لو قال: إذا مت ودفنت أو غسلت أو كفنت فأنت حر،
فليس بمدبر، يريد به في حق الأحكام المتعلقة بالتدبير في حال حياة المدبر، لأنه علق العتق
بالموت، وبمعنى آخر فلم يكن مدبراً مطلقاً، فإن مات وهو في ملكه، استحسنت أن يعتق من
الثلث.
والقياس ألا يعتق، كما لو قال: إذا مت فدخلت الدار فأنت حر، فمات المولى فدخل
العبد الدار، أنه لا يعتق، كذا هذا؛ لكنه استحسن، وقال: يعتق من الثلث؛ لأنه علق العتق
بالموت وبما هو من علائقه، فصار كما لو علقه بموت نصفه، فكان حكمه حكم المدبر
المفيد؛ بخلاف قوله: إذا مت فدخلت الدار؛ لأن دخول الدار لا تعلق له بالموت، فلم يكن
تعليقاً بموت نصفه، فلم يكن تدبيراً أصلاً، بل كان يميناً مطلقاً، فبطل بالموت كسائر الأيمان،

٣٧٣
کتاب التدبير
ثم التدبير قد يكون مطلقاً، وقد يكون معلقاً بشرطٍ [وقد يكون مضافاً إلى شرط](١).
أما المطلق فما ذكرنا، وأما المعلق فنحو أن يقول: إن دخلت الدار، أو إن كلمت فلاناً،
أو إذا قدم زيد، فأنت مدبر(٢)، لأن التدبير إثبات حق الحرية، وحقيقة الحرية تحتمل التعليق
بالشرط، فكذا في حق التدبير.
وذكر محمد في الأصل إذا قال: أنت حر بعد موتي إن شئت، فإن نوى بقوله ((إن شئت))
الساعة، فشاء العبد في ساعته تلك، صار مدبراً، لأنه علق التدبير بشرط وهو المشيئة، وقد
وجد الشرط فيصير مدبراً، كما إذا قال إن دخلت الدار فأنت مدبر.
وإن عنى به مشيئته بعد الموت، فليس للعبد مشيئة حتى يموت المولى؛ لأنه علق العتق
بشرط يوجد بعد الموت، فإذا وجد قبله لا يعتبر، فإن مات المولى فشاء عند موته، فهو حر
من ثلثه؛ كذا ذكره في الأصل.
وذكر الحاكم في مختصره: أنَّ المراد منه أن يعتقه الوصي، أو الوارث، لأن العتق ههنا
لم يتعلق بالموت، وإنما تعلق به وبأمرٍ آخر بعده، فيصير بمنزلة الوصية بالإعتاق، فيجب أن لا
يعتق ما لم يعتق، وكذا ذكر الجصاص أنه لا يعتق حتى يعتقه الورثة لما قلنا.
وروى ابن سماعة وعيسى بن أبان وأبو سليمان، عن محمد فيمن قال الرجل: إذا مت
فأعتق عبدي هذا إن شئت، أو قال: إذا مت فأمر عبدي هذا بيدك، ثم مات، فشاء الرجل عتقه
:
في المجلس أو بعد المجلس، فله أن يعتقه، لأن هذا وصية بالإعتاق، والوصايا لا يتقيد القبول
فيها بالمجلس.
وكذا إن قال: عبدي هذا حرِّ بعد موتي إن شئت، فشاء بعد موته في المجلس، أو بعد
المجلس، فقد وجبت الوصية، لما ذكرنا أنَّ الوصيةَ لا يتقيد قبولها بالمجلس، ولا يعتق العبد
حتى يعتقه الورثة أو الوصي أو القاضي، وهذا يؤيد قول الحاكم والجصاص؛ لأنه لا فرق بين
المسألتين سوى أن هناك علق بمشيئة العبد، وههنا علق بمشيئة الأجنبي.
وكذلك لو قال لعبده: أنت حر إن شئت بعد موتي فمات المولى، وقام العبد من مجلسه
الذي علم فيه بموت المولى، أو أخذ في عمل آخر، فإن ذلك لا يبطل شيئاً مما جعله إليه،
لما ذكرنا أن هذا وصية بالإعتاق، وليس بتمليك والوصية لا يقف قبولها على المجلس.
وأما المضاف إلى وقت، فنحو أن يقول: أنت مدبر غداً، أو رأس شهر كذا، فإذا جاء
(١) سقط من ط .
(٢) في أ: حر.

٣٧٤
کتاب التدبير
الوقت صار مدبراً؛ لأن التدبير إثبات حق الحرية، فيحتمل الإضافة، كإثبات حقيقة الحرية،
ولهذا احتمل التعليق بالشرط، كذا الإضافة.
١٨٨/٢أ وقد روى/ بشر عن أبي يوسف فيمن قال لعبده: أنت حرّ بعد موتي بشهرٍ، فليس
بمدبرٍ، ولا يعتق إلا أن يعتق.
وروى ابن سماعة عن محمد أن قال: القياس أن يكون باطلاً، ألا ترى أنه لو جنى قبل
الشهر، دفع بالجناية ولو لحقه دين بيع فيه .
ووجه القياس ما ذكرنا أنه لما علق العتق بمضي شهر بعد الموت، فكما مات انتقل
الملك فيه إلى الورثة، ولم يبق إلا مضي الزمان وهو الشهر، فلا يحتمل ثبوت العتق به فيبطل،
إلا أنهم استحسنوا، فجعلوه وصية بالإعتاق؛ لأن تصرف العاقل يحمل على الصحة ما أمكن،
وأمكن حمله على الوصية بالإعتاق بعد مضي شهر بعد الموت، فيحمل عليها.
ولو قال: أنت حرّ قبل موتي بشهر، فليس بمدبر، لأنه ما أضاف العتق إلى الموت
أصلاً، بل أضافه إلى زمان موصوف بأنه قبل موته بشهر من وقت التكلم، وهذا أيضاً يحتمل
الوجود والعدم، لجواز أن يموت قبل تمام الشهر من وقت الكلام، فلا يكون مدبراً للحال،
وإذا مضي شهر قبل موت المولى وهو في ملكه، ذكر الكرخي في مختصره أنه مدبر في قول
أبي حنيفة وزفر، وعند أبي يوسف ومحمد: ليس بمدبر، وعلل القدوري لأبي حنيفة أنه لما
مضي شهر صار كأنه قال: عند مضي الشهر أنت حر بعد بموتي.
وذكر في الجامع أنه لا يكون مدبراً، ويجوز بيعه، ولم يذكر الخلاف، وهو الصحيح،
أما على قول أبي حنيفة، فلأن المدبر اسم لمن علق عتقه بمطلق موت المولى، وههنا ما
أضاف العتق إلى الموت أصلاً، بل أضافه إلى أول الشهر، وكذا حكمه عند أبي حنيفة يثبت
من أول الشهر بطريق الظهور أو يستند إليه، والثابت بالتدبير يقتصر على حالة الموت ولا
يستند، وبهذا تبين أن ما ذكره القدوري من التعليل لأبي حنيفة غير سديد.
وأما على وقولهما: فقد ذكر في النوادر أن عندهما يصير مدبراً مطلقاً، ووجهه أنه لما
مضي الشهر ظهر أن عتقه تعلق بمطلق موت المولى، فصار كأنه قال: عند مضيه أنت حر بعد
موتي، فصار مدبراً مطلقاً.
وأما على ظاهر الرواية منهما، فلا يصير مدبراً؛ لأنه ما علق عتقه بالموت، بل بشهر
ومتصل بالموت، فيصير كأنه قال: أنت حر قبل موتي بساعة، ولو قال: يوم أموت فأنت حرّ،
أو أنت حر يوم أموت، فإن نوى به النهار دون الليل، لم يكن مدبراً، لأنه نوى حقيقة كلامه،
إذ اليوم اسم لبياض النهار لغةً، ويجوز أن يموت بالليل لا بالنهار، فلا يكون هذا مدبراً مطلقاً،

٣٧٥
کتاب التدبير
وإن عنى به الوقت المبهم فهو مدبرٌ؛ لأن اليوم يذكر ويراد به الوقت المطلق؛ قال الله
- تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] ومن ولي بالليل لَحِقَهُ الوعيد المذكور.
وروى الحسن عن أبي حنيفة فيمن قال: إن مت إلى سنة أو إلى عشر سنين فأنت حر، فليس
بمدبر، لأنه علق عتقه بموت بصفة تحتمل الوجود والعدم، فإن قال: إن مت إلى مائة سنة، ومثله
لا يعيش إلى ذلك الوقت في الغالب، فهو مدبر؛ لأن موته في تلك المدة (١) كائن لا محالة.
وروى هشام عن محمد فيمن قال: أنت مدبرٌ بعد موتي، فهو مدبر الساعة؛ لأنه أضاف
التدبير إلى ما بعد الموت، والتدبير بعد الموت لا يتصور، فيلغو قوله بعد موتي، فيبقى قوله: ((أنت
مدبر))، أو يجعل قوله: ((أنت مدبر))، أي: أنت حر، فيصير كأنه قال: أنت حر بعد موتي.
ولو قال: أنت حر بعد موتي على ألف درهم، فالقبول بعد الموت؛ كذا ذكر في
((الجامع الصغير))، وهذا جواب ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف أن القبول في هذا على
حالة الحياة لا بعد الموت، فإذا قبل في المجلس صح التدبير وصار مدبراً، ولا يلزمه المال،
وإذا مات عتق، ولا شيء عليه.
وجه قوله إن هذا إيجاب العتق في الحال بعوض، إلا أن العتق يتأخر إلى ما بعد
الموت، فكان القبول في المجلس؛ كما إذا قال له: إنْ شِئْتَ فَأَنْتَ حُرِّ رأس الشهر، تعتبر
المشيئة في المجلس لثبوت الحرية رأس الشهر؛ كذا ههنا، فإذا قبل في المجلس صح التدبير،
ولا يلزمه المال؛ لأن المدبر مملوك للمولى مطلقاً، فلا يجب عليه للمولى دين، وإذا مات
عتق لوجود شرط العتق وهو الموت، ولا يلزمه المال؛ لأنه لم يلزمه وقت القبول، فلا يلزمه
وقت العتق.
وجه ظاهر الرواية أنه أضاف الإيجاب إلى ما بعد الموت، فيكون القبول بعد الموت؛ إذ
القبول بعد الإيجاب يكون، ولأن الإعتاق بعد الموت وصية؛ بدليل اعتباره من الثلث، وقبول
الوصايا بعد الموت، وإذا كان القبول بعد الموت لا يعتبر قبوله في حال الحياة، وإنما يعتبر
بعد الموت، فإذا قبل بعد الموت فهل يعتق بعد الموت بنفس القبول أو لا يعتق إلا بإعتاق
الوارث أو الوصي أو القاضي / لم يذكر هذا في ((الجامع الصغير)).
ولو قال: أنت مدبر على ألف، فقبل، فهو مدبر، والمال ساقط، كذا ذكر الكرخي،
لأنه علق التدبير بشرط، وهو قبول المال، فإذا قبل صار مدبراً، والمدبر على ملك المولى،
فلا يجوز أن يلزمه دين لمولاه، فسقط.
١٨٨/٢ ب
(١) في أ: الحالة.

٣٧٦
كتاب التدبير
وروى بشر عن أبي يوسف في نوادره فيمن قال لعبده: أنت مدبرٌ على ألف، قال أبو
حنيفة: ليس له القبول الساعة، وله أن يبيعه قبل أو لم يقبل، فإذا مات وهو في ملكه فقال:
قبلت، أدى الألف وعتق، وهو رواية عمرو عن محمد، وقال أبو يوسف: إن لم يقبل حتى
مات ليس له أن يقبل، وظاهر قوله ((أدى الألف)) وعتق يقتضي ثبوت العتق من غير إعتاق
الوارث أو الوصي.
وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) إذا قال: إذا مت فأنت حر على ألف
درهم، فإنما يحتاج إلى القبول بعد الموت، فإذا قبل بعد الموت فلا يعتق بالقبول حتى تعتقه
الورثة أو الوصي، لأن العتق قد تأخر وقوعه عن الموت، وكل عتق تأخر وقوعه عن الموت لا
يثبت إلا بإيقاع من الوارث أو الوصي، لأنه يكون وصية بالإعتاق، فلا يثبت ما لم يوجد
الإعتاق، كما لو قال: أنت حر بعد موتي بيوم أو بشهر، أنه لا يعتق ما لم يعتقه الوارث أو
الوصي بعد مضي اليوم أو الشهر؛ لما قلنا؛ كذا ههنا.
ثم في الوصية بالإعتاق بملك الوارث الإعتاق تنجيزاً وتعليقاً حتى لو قال له: إن دخلت
الدار فأنت حر، فدخل، يعتق، كما لو نجز العتق والوصي يملك التنجيز لا التعليق، حتى لو
علَّق بالدخول، فدخل، لا يعتق، ولأن الوارث يتصرف بحكم الخلافة عن الميت ويقوم
مقامه، كأنه هو والوصي يتصرف بالأمر، فلا يتعدى تصرفه موضع الأمر كالوكيل، والوكيل
بالإعتاق لا يملك التعليق، ولو أعتقه الوصى أو الوارث عن كفارة لزمته، لا يسقط عنه، لأنه
يقع (١) عن الميت، والولاء عن (٢) الميت لا عن الوارث، لأن الإعتاق منه من حيث المعنى.
ولو قال: أَنْتَ حُرٍّ على ألفِ درهم بعد موتي، فالقبول في هذا في الحياة بلا خلاف،
لأن جعل القبول في الحالين شرطاً لثبوت العتق بعد الموت، فإذا قبل صار مدبراً، ولا يجب
المال؛ لما قلنا؛ فإذا مات عتق ولا شيء عليه، وهذا حجة أبي يوسف في المسائل المتقدمة،
والله - عزَّ وجلّ - الموفق.
ولو قال: كُلُّ مملوكٍ أملكه فهو حُرِّ بعد موتي، فما في ملكه صار مدبراً، وما يستقبل(٣)
يعتق من الثلث بغير تدبير، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يدخل في هذا
الكلام ما يستفيده(٤).
وجه قوله: إن المملوك للحال مراد من هذا الإيجاب، فلا يكون ما يستفيده مراداً؛ لأن
الحال مع الاستقبال معنيان مختلفان، واللفظ الواحد لا يشتمل على معنيين مختلفين، ولهذا لم
(١) في أ: يقع.
(٢) في أ: يعتق.
(٣) في أ: من.
(٤) في ط: يستفيده.

٣٧٧
کتاب التدبير
يدخل المستفاد في هذا [اللفظ] (١) في الإعتاق البات، كذا في التدبير.
ولهما أن التدبير في معنى اليمين ومعنى الوصية، أما معنى اليمين فظاهر؛ لأنه تعليق
العتق بالشرط، فاليمين إن كان لا يصلح إلا في الملك القائم أو مضافاً إلى الملك أو سببه،
فالوصية تتعلق بما في ملك الموصي، وبما يستحدث الملك فيه، فإن من أوصى بثلث ماله
يدخل فيه المملوك للحال، وما يستفيده إلى وقت الموت.
وقوله: اللفظ الواحد لا يشتمل على معنيين مختلفين.
قلنا: قد يشتمل كالكتابة والإعتاق على مال، فإنهما يشتملان على معنى اليمين
والمعاوضة، كذا هذا، والله - عزَّ وجلّ - أعلم.
فصل في شرائط الركن
وأما شرائط الركن فأنواعٌ: بعضُها يعم نوعي التدبير، أعني: المطلقَ والمقيد، وبعضُها
يخص أحدهما وهو المطلق.
أما الذي يعم النوعين فما ذكرنا في ((كتاب العتاق)) فلا يصح التدبير إلا بعد صدور ركنه
مطلقاً عن الاستثناء من أهله مضافاً إلى محله. ولا يصح إلا في الملك، سواء كان منجزاً أو
معلقاً بشرط، أو مضافاً إلى وقت، أو مضافاً إلى الملك أو سبب الملك؛ نحو أن يقول لعبدٍ لا
يملكه: إن ملكتك فأنت مدبر (٢)، أو إن اشتريتك فأنت مدبر، لأنه التزم إثبات حقيقة الحرية
بعد الموت، وإثبات حق الحرية في الحال، ولا يثبت ذلك إلا بعد وجود الملك في الحال،
لأنه إذا كان موجوداً للحال، فالظاهر دوامه إلى وقت وجود الشرط، والوقت وإذا لم يكن
موجوداً فالظاهر عدمه، فلا يثبت حق الحرية عند وجود الشرط والوقت، ولا عند الموت، فلا
يحصل ما هو الغرض من التدبير أيضاً؛ على ما يذكر في بيان حكم التدبير، إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن يكون التعليق بموت المولى حتى لو علق بموت غيره، بأن قال: إن مات
فلان فأنت حر، لا يصير مدبراً أصلاً، وأما الذي يخص أحدهما فضربان.
أحدهما: أن يكون التعليق بمطلق موت المولى، فإن كان بموت موصوف بصفة، لا
يكون تدبيراً مطلقاً/ بل يكون مقيداً.
١١٨٩/٢
الثاني: أن يكون التعليق بموته وحده حتى لو علق بموته، وشرطٌ آخر لا يكون ذلك
تدبيراً مطلقاً، وقد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذين الشرطين فيما تقدم.
(١) سقط من ط .
(٢) في أ: حر.

٣٧٨
کتاب التدبير
فصل في صفة التدبير
وأما صفة التدبير، فالتدبير متجزىء في قول أبي حنيفة.
وعند أبي يوسف ومحمد: لا يتجزأ، لأنه باعتبار الحال إثبات حق الحرية، فيعتبر بإثبات
حقيقة الحرية، وإثبات حقيقة الحرية يتجزأ عنده، وعندهما لا يتجزأ؛ كذا إثبات حق الحرية
باعتبار المال، وهو إثبات حقيقة الحرية، فكان إعتاقاً، فكان الخلاف فيه لازماً.
وعلى هذا يخرج عبد بين اثنين دبره أحدهما أن على قول أبي حنيفة صار نصيبه خاصَّةً
مدبراً، ونصيب شريكه على ملكه، لكون التدبير متجزئاً عنده، فيقتصر على نصيبه، ثم إن كان
المدبر موسراً، فللشريك ست خيارات: إن شاء أعتق، وإن شاء دبر، وإن شاء كاتب، وإن
شاء ضمن، وإن شاء استسعى للعبد، وإن شاء تركه على حاله.
أما خيار الإعتاق والتدبير والكتابة والاستسعاء، فلأن نصيبه بقي على ملكه في حق
التخريج إلى العتاق.
وأما خيار التضمين: فلأنه بالتدبير أخرجه من أن يكون محلاً للتملك مطلقاً بالبيع والهبة
والرهن ونحو ذلك، فقد أتلفه عليه في حق هذه التصرفات، فكان له ولاية التضمين.
وأما خيار الترك على حاله، فلأن الحرية لم تثبت في جزء منه، فجاء إبقاؤه على الرق،
وأنه مقيد؛ لأن له أن ينتفع به منفعة الكسب والخدمة، فلا يكلف بالتخريج إلى الحرية ما لم
يمت المدبر، فإن اختار الإعتاق فأعتق، فللمدبر أن يرجع على المعتق بنصف قيمته مدبراً؛
لأنه أتلف عليه نصيبه، وهو مدبر، فيضمن قيمته مدبراً، والولاء بينهما، لأن الإعتاق منهما،
لأن نصيب المدبر لا يحتمل الانتقال إلى المعتق، لأن التدبير يمنع من ذلك، وللمعتق أن
يرجع على العبد بما ضمن، لأن منفعة الإعتاق حصلت له، وإن شاء المدبر أعتق نصيبه، وإن
شاء كاتب، وإن شاء استسعى، وليس له الترك على حاله، لأنه معتق البعض، فيجب تخريجه
إلى العتاق.
هذا إذا كان المعتق موسراً، فإن كان معسراً، فللمدبر ثلاث خيارات: إن شاء أعتق، وإن
شاء استسعى، وإن شاء كاتب، وإن شاء اختار التدبير. فدبر نصيبه حتى صار العبد مدبراً
بينهما، وساوى شريكه في التصرف ثم مات أحدهما عتق نصيب الميت بالتدبير، ويكون من
الثلث؛ لأن التدبير وصية، ويسعى في نصف قيمته للباقي إن شاء، لأنه صار معتق البعض،
وإن شاء أعتق، وإن شاء كاتب، وليس له الترك على حاله لما قلنا.
فإن مات الشريك الآخر قبل أخذ السعاية، عتق نصيبه من الثلث أيضاً لما قلنا، وبطلت
السعاية لأن العتق حصل بموت المولى، والمدبر إذا أعتق بموت مولاه وقيمته تخرج من
الثلث، لا يجب عليه السعاية .

٣٧٩
کتاب التدبير
وقيل: إن هذا على قياس قول أبي حنيفة، فأما على قياس قولهما فلا يبطل؛ لأن
الإعتاق عندهما لا يتجزأ، فقد عتق كله بموت الأول، فوجبت السعاية عليه وهو حر، فكان
ذلك بمنزلة ديون وجبت على الحر، فلا تسقط بالموت.
وأما على قول أبي حنيفة: فلا يعتق نصيب الشريك ما لم يؤد السعاية إذا اختار السعاية،
لأن الإعتاق متجزىء عنده، فإذا مات الشريك فهذا مدبر مات مولاه وقيمته تخرج من الثلث
فيعتق من غير سعاية، وإن اختار الكتابة وكاتبه صحت الكتابة، لأن نصيبه على ملكه، فإن أدى
فعتق مضي الأمر، وإن مات المولى قبل الأداء وهو يخرج من الثلث، عتق وبطلت عنه
السعاية، وإن كان لا يخرج من الثلث بأن لم يكن له مال غيره ففيه خلاف بين أصحابنا الثلاثة،
يذكر فيما بعد، إن شاء الله - تعالى.
وإن اختار تضمين المدبر فضمنه، فقد صار العبد كله للمدبر لانتقال نصيب شريكه إليه
بالضمان، والولاء كله للمدبر، لأن كله عتق على ملكه، وللمدبر أن يرجع بما ضمن على
العبد فيستسعيه، لأن الشريك كان له أن يستسعيه، فلما ضمن المدبر قام مقامه فيما كان له،
فإن مات المدبر عتق نصفه من ثلث المال، لأن نصفه قد صار مدبراً، فيعتق بموته، لكن من
ثلث المال لما قلنا؛ ويسعى فى النصف الآخر كاملا للورثة، لأن ذلك النصف كان قنًّا، وإن
شاؤوا أعتقوا ذلك النصف، وإن شاؤوا دَبَّروا، وإن شاؤوا كاتبوا، وإن شاؤوا تركوه على
حاله.
وإن اختار الاستسعاء سعى العبد في نصف قيمته، فإذا أدى يعتق ذلك النصف ولا
يضمن الشريك للمدبر شيئاً؛ لأن العتق حصل بسبب لا صنع له فيه، فلم يوجد منه سبب
وجوب الضمان، وللمدبر أن يرجع على العبد فيستسعيه، لأن العبد صار كمعتق البعض، فإذا/ ١٨٩/٢ب
أدى يعتق كله والولاء بينهما، لأن نصيب كل واحد منهما عتق على ملكه، فإن مات المدبر
قبل أن يأخذ السعاية بطلت السعاية، وعتق ذلك النصف من ثلث ماله؛ لما بينا.
وإن اختار ترك نصيبه على حاله فمات، يكون نصيبه موروثاً عنه، فينتقل الخيار إلى
الورثة في الإعتاق والتدبير والكتابة والاستسعاء والترك على حاله؛ لأن نصيبه انتقل إليهم وقد
كان له هذه الخيارات.
وإن مات المدبر عتق ذلك النصف من الثلث، ولغير المدبر أن يستسعي العبد في نصف
قيمته إن شاء، وإن شاء أعتق، وإن شاء دبر، وإن شاء كاتب، وليس له خيار الترك، لأنه صار
معتق البعض فيجب تخريجه إلى العتق لا محالة والولاء بينهما، لأن نصيب كل واحد منهما
عتق على ملكه، هذا إذا كان المدبر موسراً؛ فإن كان معسراً فللشريك الخيارات التي ذكرنا إلاّ
اختبار التضمين.

٣٨٠
کتاب التدبير
وأما على قولهما إذا دبر نصيبه، فقد صار كله مدبر؛ لأن التدبير لا يتجزأ عندهما،
ويضمن المدبر لشريكه نصف قيمته، موسراً كان أو معسراً، فقد فرقا بين التدبير وبين الإعتاق،
أن في الإعتاق لا يضمن إذا كان معسراً، وإنما يسعى العبد لأن هذا ضمان إتلاف، أو ضمان
تملك، أو ضمان حبس المال، وإنه لا يختلف باليسار والإعسار في أصول الشرع، إلا أن
السعاية في باب الإعتاق ثبتت بخلاف القياس بالنص، ولأن بالإعتاق قد زال العبد عن ملك
المعتق، وصار حرًّا فيسعى وهو حر، وههنا الملك قائم بعد التدبير وكسب المدبر على ملك
مولاه، فلا يمكن القول بالاستسعاء.
هذا إذا دبره أحدهما أو دبراه على التعاقب، فإن دبراه معاً، يُنظر إن قال: كُلُّ واحدٍ
منهما قد دبرتك، أو أنت مدبر، أو نصيبي منك مدبر، أو قال: إذا مت فأنت حر، أو أنت حر
بعد موتي، وخرج الكلامان معاً، صار مدبراً لهما بلا خلاف؛ لأن تدبير كلا واحد منهما
صادف ملك نفسه، فصار العبد مدبراً بينهما، فإذا مات أحدهما عتق نصيبه من الثلث، والآخر
بالخيار إن شاء أعتق، وإن شاء كاتب، وإن شاء استسعى، وليس له أن يتركه على حاله، لأنه
صار معتق البعض، فإذا مات الباقي منهما قبل أخذ السعاية، بطلت السعاية، وعتق إن كان
يخرج من الثلث؛ لما ذكرنا.
وإن قالا جميعاً: إذا متنا فأنت حر، أو أنت حر بعد موتنا، وخرج كلامهما معاً لا يصير
مدبراً؛ لأَنَّ كُلَّ واحدٍ منهما علق عتقه بموته وموت صاحبه، فصار كأن كل واحد منهما قال:
إن مت أنا وفلان فأنت حر، أو أنت حر إن مت أنا وفلان، إلاَّ إذا مات أحدهما فيصير نصيب
الباقي منهما مدبراً؛ لصيرورة عتقه معلقاً بموت المولى مطلقاً، وصار نصيب الميت ميراثاً
لورثته، ولهم الخيارات إن شاؤوا اعتقوا، وإِن شاؤوا دبروا، وَإِن شاؤوا كاتبوا، وَإِنْ شاؤوا
استسعوا، وَإِن شاؤوا ضمنوا الشريك إِن كان موسراً، وإذا مات الآخر عتق نصيبه من الثلث.
هَذَا إِذا دبره أحدهما أو كلاهما، فإنْ دبر أحدهما أو أعتقه الآخر فهذا في الأصل لا
يخلو من أحد وجهين: إِما أَن خرج الكلامان عِل التعاقب، وإِما أَنْ خرجا معاً، فإِنْ خَرَجًا
على التعاقب، فإما أَن علم السابق منهما، وإِما أَن لم يعلم، فإن علم فإن كان الإعتاق سابقاً
بأن أعتقه أحدهما أولاً ثم دبره الآخر.
فأما على قول أبي يوسف ومحمد، فكما أعتقه أحدهما فقد عتق كله؛ لأن الإعتاق
عندهما لا يتجزأ، وتدبير الشريك باطل؛ لأنه صادف الحر، والولاء كله للمعتق؛ لأَن كله عتق
بإعتاقه، وعليه الضمان إن كان موسراً، وعلى العبد السعاية إِن كان معسراً؛ لما ذكرنا في
((كتاب العتاق))، فصار كعبد بين اثنين أعتقه أحدهما وسكت الآخر، وقد ذكرنا فيما تقدم.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلٍ أبي حنيفة إذَا أعتقه أحدُهما فلم يعتق إِلاَّ نصيبه لتجزىء الإعتاق عنده،